Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأنعام 6:1 – الأنعام 6:32

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الأنعام 6:1
  2. الأنعام 6:2
  3. الأنعام 6:3
  4. الأنعام 6:4
  5. الأنعام 6:5
  6. الأنعام 6:6
  7. الأنعام 6:7
  8. الأنعام 6:8
  9. الأنعام 6:9
  10. الأنعام 6:10
  11. الأنعام 6:11
  12. الأنعام 6:12
  13. الأنعام 6:13
  14. الأنعام 6:14
  15. الأنعام 6:15
  16. الأنعام 6:16
  17. الأنعام 6:17
  18. الأنعام 6:18
  19. الأنعام 6:19
  20. الأنعام 6:20
  21. الأنعام 6:21
  22. الأنعام 6:22
  23. الأنعام 6:23
  24. الأنعام 6:24
  25. الأنعام 6:25
  26. الأنعام 6:26
  27. الأنعام 6:27
  28. الأنعام 6:28
  29. الأنعام 6:29
  30. الأنعام 6:30
  31. الأنعام 6:31
  32. الأنعام 6:32

الأنعام 6:1

(p-٤٠٧)قالَ الثَّعْلَبِيُّ: سُورَةُ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ إلّا سِتَّ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] إلى آخِرِ ثَلاثِ آياتٍ [الأنعام: ٩١، ٩٣]، و﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخِرِ ثَلاثِ آياتٍ [الأنعام: ١٥١، ١٥٣] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي الآياتُ المُحْكَماتُ، يَعْنِي في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ هُما ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ، قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ بِمَكَّةَ لَيْلًا جُمْلَةً وحَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجْأرُونَ حَوْلَها بِالتَّسْبِيحِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أسْماءَ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو في مَسِيرٍ في زَجَلٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وقَدْ نُظِّمُوا ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأنْعامِ جُمْلَةً واحِدَةً يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ» وهو مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ بْنِ نائِلَةَ شَيْخِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ عَوْنٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَذَكَرَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، رَواهُ عَنِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ إسْماعِيلَ المَذْكُورِ بِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ ومَعَها مَوْكِبٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَسُدُّ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، والأرْضُ تَرْتَجُّ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ: «لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «أُنْزِلَ القُرْآنُ خَمْسًا خَمْسًا، ومَن حَفِظَهُ خَمْسًا خَمْسًا لَمْ يَنْسَهُ، إلّا سُورَةُ الأنْعامِ فَإنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً يُشِيِّعُها مِن كُلِّ سَماءٍ سَبْعُونَ مَلَكًا حَتّى أدَّوْها إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ما قُرِئَتْ عَلى عَلِيلٍ إلّا شَفاهُ اللَّهُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سُورَةُ الأنْعامِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ جُمْلَةً واحِدَةً، فَهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [ الآياتِ: ١٥١ - ١٥٣ . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «يُنادِي مُنادٍ: يا قارِئَ سُورَةِ الأنْعامِ هَلُمَّ إلى الجَنَّةِ بِحُبِّكَ إيّاها وتِلاوَتِها» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ جَمِيعًا مَعَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ والدّارِمِيُّ، في مُسْنَدِهِ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: الأنْعامُ مِن نَواجِبِ القُرْآنِ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ السَّلَفِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ إذا صَلّى الغَداةَ ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ إلى ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] نَزَلَ إلَيْهِ أرْبَعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ أعْمالِهِمْ، ونَزَلَ إلَيْهِ مَلَكٌ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ ومَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِن حَدِيدٍ، فَإنْ أوْحى الشَّيْطانُ في قَلْبِهِ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ سَبْعُونَ حِجابًا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: أنا رَبُّكَ وأنْتَ عَبْدِي، امْشِ في ظِلِّي واشْرَبْ مِنَ الكَوْثَرِ واغْتَسِلْ مِنَ السَّلْسَبِيلِ وادْخُلِ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ ولا عَذابٍ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن صَلّى الفَجْرَ في جَماعَةٍ وقَعَدَ في مُصَلّاهُ وقَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ وكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ مَلَكًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وفِي فَضائِلَ هَذِهِ السُّورَةِ رِواياتٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مَرْفُوعَةٌ وغَيْرُ مَرْفُوعَةٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: هَذِهِ السُّورَةُ أصْلٌ في مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُبْتَدِعِينَ ومَن كَذَّبَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وهَذا يَقْتَضِي إنْزالَها جُمْلَةً واحِدَةً لِأنَّها في مَعْنًى واحِدٍ مِنَ الحُجَّةِ وإنْ تَصَرَّفَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وعَلَيْها بَنى المُتَكَلِّمُونَ أُصُولَ الدِّينِ.

الأنعام 6:2

(p-٤٠٧)قالَ الثَّعْلَبِيُّ: سُورَةُ الأنْعامِ مَكِّيَّةٌ إلّا سِتَّ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] إلى آخِرِ ثَلاثِ آياتٍ [الأنعام: ٩١، ٩٣]، و﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخِرِ ثَلاثِ آياتٍ [الأنعام: ١٥١، ١٥٣] . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي الآياتُ المُحْكَماتُ، يَعْنِي في هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ هُما ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ اليَهُودِيَّيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ، قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ بِمَكَّةَ لَيْلًا جُمْلَةً وحَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجْأرُونَ حَوْلَها بِالتَّسْبِيحِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أسْماءَ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو في مَسِيرٍ في زَجَلٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وقَدْ نُظِّمُوا ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأنْعامِ جُمْلَةً واحِدَةً يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ» وهو مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ بْنِ نائِلَةَ شَيْخِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ عَوْنٍ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَذَكَرَهُ. وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، رَواهُ عَنِ الطَّبَرانِيِّ عَنْ إسْماعِيلَ المَذْكُورِ بِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ ومَعَها مَوْكِبٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَسُدُّ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، والأرْضُ تَرْتَجُّ، ورَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، والإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ثُمَّ قالَ: «لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ المَلائِكَةِ ما سَدَّ الأُفُقَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «أُنْزِلَ القُرْآنُ خَمْسًا خَمْسًا، ومَن حَفِظَهُ خَمْسًا خَمْسًا لَمْ يَنْسَهُ، إلّا سُورَةُ الأنْعامِ فَإنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً يُشِيِّعُها مِن كُلِّ سَماءٍ سَبْعُونَ مَلَكًا حَتّى أدَّوْها إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ما قُرِئَتْ عَلى عَلِيلٍ إلّا شَفاهُ اللَّهُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سُورَةُ الأنْعامِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ جُمْلَةً واحِدَةً، فَهي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ﴾ إلى تَمامِ الآياتِ الثَّلاثِ [ الآياتِ: ١٥١ - ١٥٣ . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «يُنادِي مُنادٍ: يا قارِئَ سُورَةِ الأنْعامِ هَلُمَّ إلى الجَنَّةِ بِحُبِّكَ إيّاها وتِلاوَتِها» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ جَمِيعًا مَعَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ كُلُّها مَكِّيَّةٌ إلّا ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ والدّارِمِيُّ، في مُسْنَدِهِ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: الأنْعامُ مِن نَواجِبِ القُرْآنِ. وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ السَّلَفِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ إذا صَلّى الغَداةَ ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ إلى ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] نَزَلَ إلَيْهِ أرْبَعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يُكْتَبُ لَهُ مِثْلُ أعْمالِهِمْ، ونَزَلَ إلَيْهِ مَلَكٌ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ ومَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِن حَدِيدٍ، فَإنْ أوْحى الشَّيْطانُ في قَلْبِهِ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ سَبْعُونَ حِجابًا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: أنا رَبُّكَ وأنْتَ عَبْدِي، امْشِ في ظِلِّي واشْرَبْ مِنَ الكَوْثَرِ واغْتَسِلْ مِنَ السَّلْسَبِيلِ وادْخُلِ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ ولا عَذابٍ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن صَلّى الفَجْرَ في جَماعَةٍ وقَعَدَ في مُصَلّاهُ وقَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ وكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ مَلَكًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويَسْتَغْفِرُونَ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وفِي فَضائِلَ هَذِهِ السُّورَةِ رِواياتٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مَرْفُوعَةٌ وغَيْرُ مَرْفُوعَةٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: هَذِهِ السُّورَةُ أصْلٌ في مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُبْتَدِعِينَ ومَن كَذَّبَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وهَذا يَقْتَضِي إنْزالَها جُمْلَةً واحِدَةً لِأنَّها في مَعْنًى واحِدٍ مِنَ الحُجَّةِ وإنْ تَصَرَّفَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وعَلَيْها بَنى المُتَكَلِّمُونَ أُصُولَ الدِّينِ.

الأنعام 6:3

بَدَأ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِالحَمْدِ لِلَّهِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لَهُ، ولِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ لَهُ هُنا، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ إخْبارًا عَنْ قُدْرَتِهِ الكامِلَةِ المُوجِبَةِ لِاسْتِحْقاقِهِ لِجَمِيعِ المَحامِدِ، فَإنَّ مَنِ اخْتَرَعَ ذَلِكَ وأوْجَدَهُ هو الحَقِيقُ بِإفْرادِهِ بِالثَّناءِ وتَخْصِيصِهِ بِالحَمْدِ، والخَلْقُ يَكُونُ بِمَعْنى الِاخْتِراعِ، وبِمَعْنى التَّقْدِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ، وجَمَعَ السَّماواتِ لِتَعَدُّدِ طِباقِها، وقَدَّمَها عَلى الأرْضِ لِتَقَدُّمِها في الوُجُودِ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] . قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى خَلَقَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ خَلْقَ الجَواهِرِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ خَلْقَ الأعْراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ لِأنَّ الجَواهِرَ لا تَسْتَغْنِي عَنِ الأعْراضِ. (p-٤٠٨)واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المَعْنى المُرادِ بِالظُّلُماتِ والنُّورِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالظُّلُماتِ سَوادُ اللَّيْلِ، وبِالنُّورِ ضِياءُ النَّهارِ. وقالَ الحَسَنُ: الكُفْرُ والإيمانُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ انْتَهى. والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ الظُّلُماتِ تَشْمَلُ كُلَّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الظُّلْمَةِ، والنُّورَ يَشْمَلُ كُلَّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النُّورِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ ظُلْمَةُ الكُفْرِ ونُورُ الإيمانِ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وأفْرَدَ النُّورَ لِأنَّهُ جِنْسٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِهِ، وجَمَعَ الظُّلُماتِ لِكَثْرَةِ أسْبابِها وتَعَدُّدِ أنْواعِها. قالَ النَّحّاسُ: جَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ: وإذا كانَتْ بِمَعْنى خَلَقَ لَمْ تَتَعَدَّ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: جَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلَيْهِ يَتَّفِقُ اللَّفْظُ والمَعْنى في النَّسَقِ، فَيَكُونُ الجَمْعُ مَعْطُوفًا عَلى الجَمْعِ، والمُفْرَدُ مَعْطُوفًا عَلى المُفْرَدِ، وتَقْدِيمُ الظُّلُماتِ عَلى النُّورِ لِأنَّها الأصْلُ، ولِهَذا كانَ النَّهارُ مَسْلُوخًا مِنَ اللَّيْلِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " الحَمْدُ لِلَّهِ "، أوْ عَلى " خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ "، وثُمَّ لِاسْتِبْعادِ ما صَنَعَهُ الكُفّارُ مِن كَوْنِهِمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ مَعَ ما تَبَيَّنَ مِن أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ والظُّلُماتِ والنُّورَ، فَإنَّ هَذا يَقْتَضِي الإيمانَ بِهِ وصَرْفَ الثَّناءِ الحَسَنِ إلَيْهِ، لا الكُفْرَ بِهِ واتِّخاذَ شَرِيكٍ لَهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ، ورِعايَةِ الفَواصِلِ، وحَذْفُ المَفْعُولِ لِظُهُورِهِ: أيْ يَعْدِلُونَ بِهِ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِمّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وهَذا نِهايَةُ الحُمْقِ وغايَةُ الرَّقاعَةِ حَيْثُ يَكُونُ مِنهُ سُبْحانَهُ تِلْكَ النِّعَمُ، ويَكُونُ مِنَ الكَفَرَةِ الكُفْرُ. قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ في مَعْناهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وهو الأشْهَرُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ: أنَّ المُرادَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخْرَجَهُ مَخْرَجَ الخِطابِ لِلْجَمِيعِ، لِأنَّهم ولَدُهُ ونَسْلُهُ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ البَشَرِ بِاعْتِبارِ أنَّ النُّطْفَةَ الَّتِي خُلِقُوا مِنها مَخْلُوقَةً مِنَ الطِّينِ، ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ خَلْقَ آدَمَ وبَنِيهِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إتِّباعًا لِلْعالَمِ الأصْغَرِ بِالعالَمِ الأكْبَرِ، والمَطْلُوبُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ دَفْعُ كُفْرِ الكافِرِينَ بِالبَعْثِ ورَدٍّ لِجُحُودِهِمْ بِما هو مُشاهَدٌ لَهم لا يَمْتَرُونَ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ جاءَ بِكَلِمَةِ ثُمَّ لِما بَيْنَ خَلْقِهِمْ وبَيْنَ مَوْتِهِمْ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ ومَن بَعْدَهم في تَفْسِيرِ الأجَلَيْنِ، فَقِيلَ: قَضى أجَلًا يَعْنِي المَوْتَ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يَعْنِي القِيامَةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وعَطِيَّةَ والسُّدِّيِّ، وخُصَيْفٍ ومُقاتِلٍ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ أنْ يَمُوتَ إلى أنْ يُبْعَثَ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. وقِيلَ: الأوَّلُ مُدَّةُ الدُّنْيا، والثّانِي عُمْرُ الإنْسانِ إلى حِينِ مَوْتِهِ. وهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.وقِيلَ: الأوَّلُ قَبْضُ الأرْواحِ في النَّوْمِ، والثّانِي قَبْضُ الرُّوحِ عِنْدَ المَوْتِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما يُعْرَفُ مِن أوْقاتِ الأهِلَّةِ والبُرُوجِ وما يُشْبِهُ ذَلِكَ، والثّانِي أجَلُ المَوْتِ. وقِيلَ: الأوَّلُ لِمَن مَضى، والثّانِي لِمَن بَقِيَ ولِمَن يَأْتِي. وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ الأجَلُ الَّذِي هو مَحْتُومٌ، والثّانِي الزِّيادَةُ في العُمْرِ لِمَن وصَلَ رَحِمَهُ، فَإنْ كانَ بَرًّا تَقِيًّا وصُولًا لِرَحِمِهِ زِيدَ في عُمْرِهِ، وإنْ كانَ قاطِعًا لِلرَّحِمِ لَمْ يُزَدْ لَهُ، ويُرْشِدُ إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١] وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ في العُمْرِ،» ووَرَدَ عَنْهُ أنَّ دُخُولَ البِلادِ الَّتِي قَدْ فَشا بِها الطّاعُونُ والوَباءُ مِن أسْبابِ المَوْتِ، وجازَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ لِأنَّها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالصِّفَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ اسْتِبْعادٌ لِصُدُورِ الشَّكِّ مِنهم مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي لِعَدَمِهِ: أيْ كَيْفَ تَشُكُّونَ في البَعْثِ مَعَ مُشاهَدَتِكم في أنْفُسِكم مِنَ الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ ما يَذْهَبُ بِذَلِكَ ويَدْفَعُهُ، فَإنَّ مَن خَلَقَكم مِن طِينٍ وصَيَّرَكم أحْياءَ تَعْلَمُونَ وتَعْقِلُونَ وخَلَقَ لَكم هَذِهِ الحَواسَّ والأطْرافَ، ثُمَّ سَلَبَ ذَلِكَ عَنْكم فَصِرْتُمْ أمْواتًا وعُدْتُمْ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الجُمادِيَّةِ، لا يُعْجِزُهُ أنْ يَبْعَثَكم ويُعِيدَ هَذِهِ الأجْسامَ كَما كانَتْ، ويَرُدَّ إلَيْها الأرْواحَ الَّتِي فارَقَتْها بِقُدْرَتِهِ وبَدِيعِ حِكْمَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ قِيلَ: إنَّ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِاسْمِ اللَّهِ بِاعْتِبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن كَوْنِهِ مَعْبُودًا ومُتَصَرِّفًا ومالِكًا: أيْ هو المَعْبُودُ أوِ المالِكُ أوِ المُتَصَرِّفُ في السَّماواتِ والأرْضِ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ الخَلِيفَةُ في الشَّرْقِ والغَرْبِ: أيْ حاكِمٌ أوْ مُتَصَرِّفٌ فِيهِما، وقِيلَ: المَعْنى: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِما ما بَعْدَهُما. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ: فِيهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو اللَّهُ في السَّماواتِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في الأرْضِ. والأوَّلُ أوْلى، ويَكُونُ ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم﴾ جُمْلَةً مُقَرِّرَةً لِمَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى، لِأنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ في السَّماءِ والأرْضِ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَهُ بِأسْرارِ عِبادِهِ وجَهْرِهِمْ، وعِلْمَهُ بِما يَكْسِبُونَهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ وجَلْبِ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أعْنِي الحَمْدَ لِلَّهِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى عَنْ أبِيهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الزَّنادِقَةِ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الظُّلْمَةَ ولا الخَنافِسَ ولا العَقارِبَ ولا شَيْئًا قَبِيحًا، وإنَّما يَخْلُقُ النُّورَ وكُلَّ شَيْءٍ حَسَنٍ، فَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ،: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ قالَ: الكُفْرُ والإيمانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: إنَّ الَّذِينَ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ هم أهْلُ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، (p-٤٠٩)وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يَعْدِلُونَ يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ قالَ: الآلِهَةُ الَّتِي عَبَدُوها عَدَلُوها بِاللَّهِ، ولَيْسَ لِلَّهِ عِدْلٌ ولا نِدٌّ، ولَيْسَ مَعَهُ آلِهَةٌ ولا اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ،: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ يَعْنِي آدَمَ ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ يَعْنِي: أجَلَ المَوْتِ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أجَلُ السّاعَةِ والوُقُوفُ عِنْدَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ قالَ: أجَلُ الدُّنْيا، وفي لَفْظٍ أجَلُ مَوْتِهِ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قالَ: الآخِرَةُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قَضى أجَلًا قالَ: هو اليَوْمُ يُقْبَضُ فِيهِ الرُّوحُ ثُمَّ يَرْجِعُ إلى صاحِبِهِ مِنَ اليَقَظَةِ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قالَ: هو أجَلُ مَوْتِ الإنْسانِ.

الأنعام 6:4

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:5

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:6

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:7

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:8

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:9

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:10

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:11

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:12

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:13

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:14

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:15

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:16

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:17

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:18

قَوْلُهُ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أسْبابِ كُفْرِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ، وهو الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ الَّتِي تَأْتِيهِمْ كَمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ، وما يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ مِمّا لا يَشُكُّ مَن لَهُ عَقْلٌ أنَّهُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والإعْراضُ: تَرْكُ النَّظَرِ في الآياتِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَسْتَدِلُّوا بِها عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ و" مِن " في مِن آيَةٍ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و" مِن " في مِن آياتِ تَبْعِيضِيَّةٌ: أيْ وما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي بَعْضُ آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والفاءُ في ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ: أيْ إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْها فَقَدْ كَذَّبُوا بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ وهو الحَقُّ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ، وقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ أخْبارُ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وهو القُرْآنُ أوْ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، عَلى أنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لَهُ: أيْ سَيَعْرِفُونَ أنَّ هَذا الشَّيْءَ الَّذِي اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ عِنْدَ إرْسالِ عَذابِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: اصْبِرْ فَسَوْفَ يَأْتِيكَ الخَبَرُ عِنْدَ إرادَةِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، وفي لَفْظِ الأنْباءِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما تَقَدَّمَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، وكَمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ وأنْ تَكُونَ الخَبَرِيَّةَ وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ، ومِن قَرْنٍ تَمْيِيزٌ، والقَرْنُ يُطْلَقُ عَلى أهْلِ كُلِّ عَصْرٍ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ: أيْ ألَمْ يَعْرِفُوا بِسَماعِ الأخْبارِ ومُعايَنَةِ الآثارِ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المَوْجُودَةِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ لِتَكْذِيبِهِمْ أنْبِياءَهم. وقِيلَ: القَرْنُ: مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ. وهِيَ سِتُّونَ عامًا أوْ سَبْعُونَ أوْ ثَمانُونَ أوْ مِائَةٌ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ، فَيَكُونُ ما في الآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن أهْلِ قَرْنٍ. قَوْلُهُ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ جَعَلَ لَهُ مَكانًا فِيها، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ: أثْبَتَهُ فِيها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِقَرْنٍ، والأوَّلُ أوْلى، وما في ما لَمْ نُمَكِّنْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها: أيْ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْنا القُرُونَ الَّذِينَ هم قَبْلَكم ما لَمْ نُعْطِكم مِنَ الدُّنْيا وطُولِ الأعْمارِ وقُوَّةِ الأبْدانِ وقَدْ أهْلَكْناهم جَمِيعًا، فَإهْلاكُكم وأنْتُمْ دُونَهم بِالأوْلى. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يُرِيدُ المَطَرَ الكَثِيرَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالسَّماءِ، لِأنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ والمِدْرارُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ كَمِذْكارٍ لِلْمَرْأةِ الَّتِي كَثُرَتْ وِلادَتُها لِلذُّكُورِ، ومِيناثٍ لِلَّتِي تَلِدُ الإناثَ، يُقالُ دَرَّ اللَّبَنَ يُدِرُّ: إذا أقْبَلَ عَلى الحالِبِ بِكَثْرَةٍ، وانْتِصابُ مِدْرارًا عَلى الحالِ، وجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِهِمْ مَعْناهُ مِن تَحْتِ أشْجارِهِمْ ومَنازِلِهِمْ: أيْ أنَّ اللَّهَ وسَّعَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بَعْدَ التَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ فَكَفَرُوها، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ فَصارُوا بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، وفي هَذا بَيانٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وقُوَّةِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ يُهْلِكُ مَن يَشاءُ ويُوجِدُ مَن يَشاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانُ شِدَّةِ صَلابَتِهِمْ في الكُفْرِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ بِمَرْأًى مِنهم ومُشاهَدَةٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهم إدْراكُ الحاسَّتَيْنِ: حاسَّةُ البَصَرِ، وحاسَّةُ اللَّمْسِ ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولَمْ يَعْمَلُوا بِما شاهَدُوا ولَمَسُوا، وإذا كانَ هَذا حالَهم في المَرْئِيِّ المَحْسُوسِ، فَكَيْفَ فِيما هو مُجَرَّدُ وحْيٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِواسِطَةِ مَلَكٍ لا يَرَوْنَهُ ولا يُحِسُّونَهُ ؟ والكِتابُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، والقِرْطاسُ: الصَّحِيفَةُ. قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ جَحْدِهِمْ لِنُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُفْرِهِمْ بِها: أيْ قالُوا هَلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَلَكًا نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ حَتّى نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ ؟ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] . (p-٤١٠)﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها بِحَيْثُ يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ ويُخاطِبُهم ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ لَأهْلَكْناهم إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ نُزُولِهِ ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ، لِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ البَيِّنَةِ، وهي نُزُولُ المَلَكِ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ إذا لَمْ يَقَعِ الإيمانُ بَعْدَها فَقَدِ اسْتَحَقُّوا الإهْلاكَ والمُعالَجَةَ بِالعُقُوبَةِ ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ أنْزَلَ مَلَكًا مُشاهَدًا لَمْ تُطِقْ قُواهُمُ البَشَرِيَّةُ أنْ يَبْقَوْا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِ أحْياءً، بَلْ تُزْهَقُ أرْواحُهم عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ ما أرْسَلَ اللَّهُ لَهُ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ مِن هَذا التَّكْلِيفِ الَّذِي كَلَّفَ بِهِ عِبادَهُ ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] . قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ أيْ لَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ إلى النَّبِيِّ مَلَكًا يُشاهِدُونَهُ ويُخاطِبُونَهُ لَجَعَلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوُا المَلَكَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها إلّا بَعْدَ أنْ يَتَجَسَّمَ بِالأجْسامِ الكَثِيفَةِ المُشابِهَةِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ، لِأنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَأْنَسُ بِجِنْسِهِ، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّسُولَ إلى البَشَرِ أوِ الرَّسُولَ إلى رَسُولِهِ مَلَكًا مُشاهَدًا مُخاطَبًا لَنَفَرُوا مِنهُ ولَمْ يَأْنَسُوا بِهِ، ولَداخَلَهُمُ الرُّعْبُ وحَصَلَ مَعَهم مِنَ الخَوْفِ ما يَمْنَعُهم مِن كَلامِهِ ومُشاهَدَتِهِ، هَذا أقَلُّ حالٍ فَلا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ مِنَ الإرْسالِ. وعِنْدَ أنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ رَجُلًا: أيْ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ لِيَسْكُنُوا إلَيْهِ ويَأْنَسُوا بِهِ سَيَقُولُ الكافِرُونَ إنَّهُ لَيْسَ بِمَلَكٍ وإنَّما هو بَشَرٌ، ويَعُودُونَ إلى مِثْلِ ما كانُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم إذا رَأوْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ قالُوا هَذا إنْسانٌ ولَيْسَ بِمَلَكٍ، فَإنِ اسْتَدَلَّ لَهم بِأنَّهُ مَلَكٌ كَذَّبُوهُ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ: أيْ عَلى رُؤَسائِهِمْ كَما يُلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتْهِمْ، وكانُوا يَقُولُونَ لَهم: إنَّما مُحَمَّدٌ بَشَرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَكم فَرْقٌ، فَيُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ بِهَذا ويُشَكِّكُونَهم، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ مَلَكًا في صُورَةِ رَجُلٍ لَوَجَدُوا سَبِيلًا إلى اللَّبْسِ كَما يَفْعَلُونَ. واللَّبْسُ: الخَلْطُ، يُقالُ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ أُلْبِسُهُ لَبْسًا: أيْ خَلَطْتُهُ، وأصْلُهُ التَّسَتُّرُ بِالثَّوْبِ ونَحْوِهِ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُؤْنِسًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومُسَلِّيًا لَهُ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يُقالُ: حاقَ الشَّيْءَ يَحِيقُ حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا نَزَلَ: أيْ فَنَزَلَ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، وأحاطَ بِهِمْ: وهو الحَقُّ حَيْثُ أُهْلِكُوا مِن أجْلِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ. ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَهْزِئِينَ سافِرُوا في الأرْضِ وانْظُرُوا آثارَ مَن كانَ قَبْلَكم لِتَعْرِفُوا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الَّذِي يَفُوقُ ما أنْتُمْ فِيهِ، فَهَذِهِ دِيارُهم خارِبَةٌ وجَنّاتُهم مُغْبَرَّةٌ وأراضِيهم مُكْفَهِرَّةٌ، فَإذا كانَتْ عاقِبَتُهم هَذِهِ العاقِبَةَ فَأنْتُمْ بِهِمْ لاحِقُونَ وبَعْدَ هَلاكِهِمْ هالِكُونَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَقُولُ: سَيَأْتِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أنْباءُ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: مِن قَرْنٍ قالَ: أُمَّةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم﴾ يَقُولُ: أعْطَيْناهم ما لَمْ نُعْطِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ يَقُولُ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ هارُونَ التَّيْمِيِّ في الآيَةِ قالَ: المَطَرُ في إبّانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ صُحُفًا فِيها كِتابٌ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ لَزادَهم ذَلِكَ تَكْذِيبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: فَمَسُّوهُ ونَظَرُوا إلَيْهِ لَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَغَنِي، فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويَرى مَعَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ قالَ: مَلَكٌ في صُورَةِ رَجُلٍ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَقامَتِ السّاعَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ قالَ: ولَوْ أتاهم مَلَكٌ في صُورَتِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ لَأهْلَكْناهم ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: لَوْ أتاهم مَلَكٌ ما أتاهم إلّا في صُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ يَقُولُ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ قالَ: في صُورَةِ رَجُلٍ في خَلْقِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ يَقُولُ: في صُورَةِ آدَمِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: (p-٤١١)شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: شَبَّهْنا عَلَيْهِمْ ما يُشَبِّهُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما بَلَغَنِي بِالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ فَغاظَهُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾» .

الأنعام 6:19

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ وتَبْكِيتٌ لَهم. والمَعْنى: قُلْ لَهم هَذا القَوْلَ فَإنْ قالُوا فَقُلْ لِلَّهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إمّا بِاعْتِرافِهِمْ، أوْ بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فاللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعاجِلَهم بِالعِقابِ، ولَكِنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: أيْ وعَدَ بِها فَضْلًا مِنهُ وتَكَرُّمًا، وذِكْرُ النَّفْسِ هُنا عِبارَةٌ عَنْ تَأكُّدِ وعْدِهِ وارْتِفاعِ الوَسائِطِ دُونَهُ، وفي الكَلامِ تَرْغِيبٌ لِلْمُتَوَلِّينَ عَنْهُ إلى الإقْبالِ إلَيْهِ وتَسْكِينِ خَواطِرِهِمْ بِأنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ لا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ وأنَّهُ يَقْبَلُ مِنهُمُ الإنابَةَ والتَّوْبَةَ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم إرْسالُ الرُّسُلِ، وإنْزالُ الكُتُبِ، ونَصْبُ الأدِلَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ اللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: الرَّحْمَةَ ويَكُونُ ما بَعْدَها مُسْتَأْنَفًا عَلى جِهَةِ التَّبْيِينِ فَيَكُونُ المَعْنى لَيَجْمَعَنَّكم لَيُمْهِلَنَّكم ولَيُؤَخِّرَنَّ جَمْعَكم. وقِيلَ: المَعْنى: لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ إلى اليَوْمِ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ. وقِيلَ: " إلى " بِمَعْنى في: أيْ لَيَجْمَعَنَّكم في يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ لَيَجْمَعَنَّكم النَّصْبَ عَلى البَدَلِ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى أنْ. والمَعْنى: كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنْ يَجْمَعَنَّكم كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] أيْ أنْ يَسْجِنُوهُ، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ لَيَجْمَعَنَّكم مَسُوقَةٌ لِلتَّرْهِيبِ بَعْدَ التَّرْغِيبِ، ولِلْوَعِيدِ بَعْدَ الوَعْدِ: أيْ إنْ أمْهَلَكم بِرَحْمَتِهِ فَهو مُجازِيكم بِجَمْعِكم في مُعاقَبَةِ مَن يَسْتَحِقُّ عُقُوبَتَهُ مِنَ العُصاةِ، والضَّمِيرُ في ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لِلْيَوْمِ أوْ لِلْجَمْعِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ المَوْصُولَ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ كَما تَقُولُ: الَّذِي يُكْرِمُنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فالفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ. وقالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ كانَ " الَّذِينَ " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في لَيَجْمَعَنَّكم أيْ لَيَجْمَعَنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وزَعَمَ أنَّهُ خَطَأٌ، لِأنَّهُ لا يُبْدَلُ مِنَ المُخاطِبِ ولا مِنَ المُخاطَبِ. لا يُقالُ: مَرَرْتُ بِكَ زَيْدٌ ولا مَرَرْتَ بِي زِيدٌ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " الَّذِينَ " مَجْرُورًا عَلى البَدَلِ مِنَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أوْ عَلى النَّعْتِ لَهم، وقِيلَ: إنَّهُ مُنادى وحَرْفُ النِّداءِ مُقَدَّرٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ لِلَّهِ، وخَصَّ السّاكِنَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ ما يَتَّصِفُ بِالسُّكُونِ أكْثَرُ مِمّا يَتَّصِفُ بِالحَرَكَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما سَكَنَ فِيهِما أوْ تَحَرَّكَ فاكْتَفى بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، وهَذا مِن جُمْلَةِ الِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، قالَ لَهم: ذَلِكَ لَمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ولَمّا كانَ الإنْكارُ لِاتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، لا لِاتِّخاذِ الوَلِيِّ مُطْلَقًا دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى المَفْعُولِ لا عَلى الفِعْلِ. والمُرادُ بِالوَلِيِّ هُنا: المَعْبُودُ: أيْ كَيْفَ أتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ مَعْبُودًا ؟ و﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعَتٌ لِاسْمِ اللَّهِ، وأجازَ الأخْفَشُ الرَّفْعَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وأجازَ الزَّجّاجُ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ، وأجازَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أتْرُكُ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ! . قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ في الأوَّلِ، وضَمِّها وفَتْحِ العَيْنِ في الثّانِي: أيْ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ في الثّانِي وفَتْحِ العَيْنِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ في الأوَّلِ وضَمِّها وكَسْرِ العَيْنِ في الثّانِي عَلى أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الوَلِيِّ المَذْكُورِ، وخَصَّ الإطْعامَ دُونَ غَيْرِهِ مِن ضُرُوبِ الإنْعامِ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ أمَسُّ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بَعْدَما تَقَدَّمَ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا أنْ يَقُولَ لَهم: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ مِن قَوْمِهِ، وأخْلَصَ مِن أُمَّتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى أسْلَمَ اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ نَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ: أيْ يَقُولُ لَهم: هَذا. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ إنْ عَصَيْتُهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ مُخالَفَةِ أمْرِهِ أوْ نَهْيِهِ. والخَوْفُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى العِلْمِ: أيْ إنِّي أعْلَمُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي أنَّ لِي عَذابًا عَظِيمًا. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ . قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وابْنُ عامِرٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ: أيْ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ العَذابُ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو (p-٤١٢)اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلَّهِ. ومَعْنى يَوْمَئِذٍ يَوْمَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ اللَّهُ أيْ نَجّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الصَّرْفِ أوْ إلى الرَّحْمَةِ: أيْ فَذَلِكَ الصَّرْفُ أوِ الرَّحْمَةُ ﴿الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ الظّاهِرُ الواضِحُ، وقَرَأ أُبَيٌّ " مَن يَصْرِفِ اللَّهُ عَنْهُ " . قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أيْ إنْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِكَ ضُرًّا مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ أيْ لا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ سِواهُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مِن رَخاءٍ أوْ عافِيَةٍ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَسِّ بِالشَّرِّ والخَيْرِ. قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ القَهْرُ: الغَلَبَةُ، والقاهِرُ: الغالِبُ، وأُقْهِرَ الرَّجُلُ: إذا صارَ مَقْهُورًا ذَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَمَنّى حُصَيْنٌ أنْ يَسُودَ خُزاعَةَ فَأمْسى حُصَيْنٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا ومَعْنى: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فَوْقِيَّةُ الِاسْتِعْلاءِ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، لا فَوْقِيَّةَ المَكانِ كَما تَقُولُ: السُّلْطانُ فَوْقَ رَعِيَّتِهِ: أيْ بِالمَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ. وفِي القَهْرِ مَعْنًى زائِدٌ لَيْسَ في القُدْرَةِ، وهو مَنعُ غَيْرِهِ عَنْ بُلُوغِ المُرادِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ في أمْرِهِ الخَبِيرُ بِأفْعالِ عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ أيُّ: مُبْتَدَأٌ، وأكْبَرُ: خَبَرُهُ، وشَهادَةً تَمْيِيزٌ، والشَّيْءُ يُطْلَقُ عَلى القَدِيمِ والحادِثِ، والمُحالِ والمُمْكِنِ. والمَعْنى: أيُّ شَهِيدٍ أكْبَرُ شَهادَةً، فَوُضِعَ شَيْءٌ مَوْضِعَ شَهِيدٍ، وقِيلَ: إنَّ " شَيْءٍ " هُنا مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ اللَّهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً: أيِ انْفِرادُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وقِيامُ البَراهِينِ عَلى تَوْحِيدِهِ أكْبَرُ شَهادَةً وأعْظَمُ فَهو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ هو الجَوابُ، لِأنَّهُ إذا كانَ الشَّهِيدُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم كانَ أكْبَرُ شَهادَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ تَمَّ الجَوابُ عِنْدَ قَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُ يَعْنِي اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ هو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم. قَوْلُهُ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ أيْ أوْحى اللَّهُ إلَيَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكم لِأجْلِ أنْ أُنْذِرَكم بِهِ وأُنْذِرَ بِهِ مَن بَلَغَ إلَيْهِ: أيْ كُلُّ مَن بَلَغَ إلَيْهِ مِن مَوْجُودٍ ومَعْدُومٍ سَيُوجَدُ في الأزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ أحْكامِ القُرْآنِ لِمَن سَيُوجَدُ كَشُمُولِها لِمَن قَدْ كانَ مَوْجُودًا وقْتَ النُّزُولِ ما لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تِلْكَ الخُزَعْبَلاتِ المَذْكُورَةِ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ " وأوْحى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ مَن عَداهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ أوْ بِقَلْبِ الثّانِيَةِ، وأمّا مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ فَقَدْ حَقَّقَ عَلَيْهِمْ شِرْكَهم، وإنَّما قالَ: آلِهَةً أُخْرى لِأنَّ الآلِهَةَ جَمْعٌ والجَمْعُ يَقَعُ عَلَيْهِ التَّأْنِيثُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ أيْ فَأنا لا أشْهَدُ مَعَكم فَحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِكَوْنِ هَذِهِ الشَّهادَةِ باطِلَةً، ومِثْلُهُ ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] و" ما " في ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ مِنَ الأصْنامِ الَّتِي تَجْعَلُونَها آلِهَةً، أوْ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ الكِتابُ لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وغَيْرَهُما،: أيْ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ بِهِ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً مُحَقَّقَةً بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْءٌ، و﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بَيانٌ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ وكَمالِها وعَدَمِ وُجُودِ شَكٍّ فِيها، فَإنَّ مَعْرِفَةَ الآباءِ لِلْأبْناءِ هي البالِغَةُ إلى غايَةِ الإتْقانِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ودُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ: وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ. وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَكُونُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ . والمَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّ الكُفّارَ الخاسِرِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ العَمَلِ بِالمَعْرِفَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ لَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيِ اخْتَلَقَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ فَقالَ: إنَّ في التَّوْراةِ أوِ الإنْجِيلِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِما ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ الَّتِي يَلْزَمُهُ الإيمانُ بِها مِنَ المُعْجِزَةِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ، فَجَمَعَ بَيْنَ كَوْنِهِ كاذِبًا عَلى اللَّهِ ومُكَذِّبًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِالإيمانِ بِهِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا أحَدَ مِن عِبادِ اللَّهِ أظْلَمُ مِنهُ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لِلشَّأْنِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: إنّا نَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ جَعَلَ مِائَةَ رَحْمَةٍ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ، ثُمَّ خَلَقَ الخَلْقَ فَوَضَعَ بَيْنَهم رَحْمَةً واحِدَةً وأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً فَبِها يَتَراحَمُونَ، وبِها يَتَعاطَفُونَ، وبِها يَتَباذَلُونَ، وبِها يَتَزاوَرُونَ وبِها تَحِنُّ النّاقَةُ، وبِها تُنْتِجُ البَقَرَةُ، وبِها تَيْعَرُ الشّاةُ، وبِها تَتابَعُ الطَّيْرُ، وبِها تَتابَعُ الحِيتانُ في البَحْرِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جَمَعَ تِلْكَ الرَّحْمَةَ إلى ما عِنْدَهُ، ورَحْمَتُهُ أفْضَلُ وأوْسَعُ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ، وغَيْرُهُما، عَنْ سَلْمانَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ: مِنها رَحْمَةٌ يَتَراحَمُ بِها الخَلْقُ، وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أكْمَلَها بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ»، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» . وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ أُخْرى بِنَحْوِ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يَقُولُ: (p-٤١٤)ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ قالَ: أمّا الوَلِيُّ فالَّذِي تَوَلّاهُ ويُقِرُّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، يَقُولُ: أنا ابْتَدَأْتُها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ قالَ: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ قالَ: مَن يُصْرَفْ عَنْهُ العَذابُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَقُولُ: بِعافِيَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «جاءَ النَّمّامُ بْنُ زَيْدٍ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، بِذَلِكَ بُعِثْتُ وإلى ذَلِكَ أدْعُو، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن بَلَغَ يَعْنِي مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ مِنَ النّاسِ فَهو لَهُ نَذِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى كِسْرى وقَيْصَرَ والنَّجاشِيِّ وكُلِّ جَبّارٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَيْسَ بِالنَّجاشِيِّ الَّذِي صَلّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والخَطِيبُ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما شافَهْتُهُ بِهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: " مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما رَأى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ " وفي لَفْظٍ: " مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ حَتّى تَفَهَّمَهُ وتَعَقَّلَهُ كانَ كَمَن عايَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكَلَّمَهُ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ﴾ قالَ: العَرَبُ ومَن بَلَغَ قالَ: العَجَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ.

الأنعام 6:20

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ وتَبْكِيتٌ لَهم. والمَعْنى: قُلْ لَهم هَذا القَوْلَ فَإنْ قالُوا فَقُلْ لِلَّهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إمّا بِاعْتِرافِهِمْ، أوْ بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فاللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعاجِلَهم بِالعِقابِ، ولَكِنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: أيْ وعَدَ بِها فَضْلًا مِنهُ وتَكَرُّمًا، وذِكْرُ النَّفْسِ هُنا عِبارَةٌ عَنْ تَأكُّدِ وعْدِهِ وارْتِفاعِ الوَسائِطِ دُونَهُ، وفي الكَلامِ تَرْغِيبٌ لِلْمُتَوَلِّينَ عَنْهُ إلى الإقْبالِ إلَيْهِ وتَسْكِينِ خَواطِرِهِمْ بِأنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ لا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ وأنَّهُ يَقْبَلُ مِنهُمُ الإنابَةَ والتَّوْبَةَ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم إرْسالُ الرُّسُلِ، وإنْزالُ الكُتُبِ، ونَصْبُ الأدِلَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ اللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: الرَّحْمَةَ ويَكُونُ ما بَعْدَها مُسْتَأْنَفًا عَلى جِهَةِ التَّبْيِينِ فَيَكُونُ المَعْنى لَيَجْمَعَنَّكم لَيُمْهِلَنَّكم ولَيُؤَخِّرَنَّ جَمْعَكم. وقِيلَ: المَعْنى: لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ إلى اليَوْمِ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ. وقِيلَ: " إلى " بِمَعْنى في: أيْ لَيَجْمَعَنَّكم في يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ لَيَجْمَعَنَّكم النَّصْبَ عَلى البَدَلِ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى أنْ. والمَعْنى: كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنْ يَجْمَعَنَّكم كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] أيْ أنْ يَسْجِنُوهُ، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ لَيَجْمَعَنَّكم مَسُوقَةٌ لِلتَّرْهِيبِ بَعْدَ التَّرْغِيبِ، ولِلْوَعِيدِ بَعْدَ الوَعْدِ: أيْ إنْ أمْهَلَكم بِرَحْمَتِهِ فَهو مُجازِيكم بِجَمْعِكم في مُعاقَبَةِ مَن يَسْتَحِقُّ عُقُوبَتَهُ مِنَ العُصاةِ، والضَّمِيرُ في ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لِلْيَوْمِ أوْ لِلْجَمْعِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ المَوْصُولَ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ كَما تَقُولُ: الَّذِي يُكْرِمُنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فالفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ. وقالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ كانَ " الَّذِينَ " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في لَيَجْمَعَنَّكم أيْ لَيَجْمَعَنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وزَعَمَ أنَّهُ خَطَأٌ، لِأنَّهُ لا يُبْدَلُ مِنَ المُخاطِبِ ولا مِنَ المُخاطَبِ. لا يُقالُ: مَرَرْتُ بِكَ زَيْدٌ ولا مَرَرْتَ بِي زِيدٌ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " الَّذِينَ " مَجْرُورًا عَلى البَدَلِ مِنَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أوْ عَلى النَّعْتِ لَهم، وقِيلَ: إنَّهُ مُنادى وحَرْفُ النِّداءِ مُقَدَّرٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ لِلَّهِ، وخَصَّ السّاكِنَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ ما يَتَّصِفُ بِالسُّكُونِ أكْثَرُ مِمّا يَتَّصِفُ بِالحَرَكَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما سَكَنَ فِيهِما أوْ تَحَرَّكَ فاكْتَفى بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، وهَذا مِن جُمْلَةِ الِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، قالَ لَهم: ذَلِكَ لَمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ولَمّا كانَ الإنْكارُ لِاتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، لا لِاتِّخاذِ الوَلِيِّ مُطْلَقًا دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى المَفْعُولِ لا عَلى الفِعْلِ. والمُرادُ بِالوَلِيِّ هُنا: المَعْبُودُ: أيْ كَيْفَ أتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ مَعْبُودًا ؟ و﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعَتٌ لِاسْمِ اللَّهِ، وأجازَ الأخْفَشُ الرَّفْعَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وأجازَ الزَّجّاجُ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ، وأجازَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أتْرُكُ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ! . قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ في الأوَّلِ، وضَمِّها وفَتْحِ العَيْنِ في الثّانِي: أيْ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ في الثّانِي وفَتْحِ العَيْنِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ في الأوَّلِ وضَمِّها وكَسْرِ العَيْنِ في الثّانِي عَلى أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الوَلِيِّ المَذْكُورِ، وخَصَّ الإطْعامَ دُونَ غَيْرِهِ مِن ضُرُوبِ الإنْعامِ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ أمَسُّ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بَعْدَما تَقَدَّمَ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا أنْ يَقُولَ لَهم: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ مِن قَوْمِهِ، وأخْلَصَ مِن أُمَّتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى أسْلَمَ اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ نَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ: أيْ يَقُولُ لَهم: هَذا. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ إنْ عَصَيْتُهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ مُخالَفَةِ أمْرِهِ أوْ نَهْيِهِ. والخَوْفُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى العِلْمِ: أيْ إنِّي أعْلَمُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي أنَّ لِي عَذابًا عَظِيمًا. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ . قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وابْنُ عامِرٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ: أيْ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ العَذابُ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو (p-٤١٢)اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلَّهِ. ومَعْنى يَوْمَئِذٍ يَوْمَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ اللَّهُ أيْ نَجّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الصَّرْفِ أوْ إلى الرَّحْمَةِ: أيْ فَذَلِكَ الصَّرْفُ أوِ الرَّحْمَةُ ﴿الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ الظّاهِرُ الواضِحُ، وقَرَأ أُبَيٌّ " مَن يَصْرِفِ اللَّهُ عَنْهُ " . قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أيْ إنْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِكَ ضُرًّا مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ أيْ لا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ سِواهُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مِن رَخاءٍ أوْ عافِيَةٍ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَسِّ بِالشَّرِّ والخَيْرِ. قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ القَهْرُ: الغَلَبَةُ، والقاهِرُ: الغالِبُ، وأُقْهِرَ الرَّجُلُ: إذا صارَ مَقْهُورًا ذَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَمَنّى حُصَيْنٌ أنْ يَسُودَ خُزاعَةَ فَأمْسى حُصَيْنٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا ومَعْنى: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فَوْقِيَّةُ الِاسْتِعْلاءِ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، لا فَوْقِيَّةَ المَكانِ كَما تَقُولُ: السُّلْطانُ فَوْقَ رَعِيَّتِهِ: أيْ بِالمَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ. وفِي القَهْرِ مَعْنًى زائِدٌ لَيْسَ في القُدْرَةِ، وهو مَنعُ غَيْرِهِ عَنْ بُلُوغِ المُرادِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ في أمْرِهِ الخَبِيرُ بِأفْعالِ عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ أيُّ: مُبْتَدَأٌ، وأكْبَرُ: خَبَرُهُ، وشَهادَةً تَمْيِيزٌ، والشَّيْءُ يُطْلَقُ عَلى القَدِيمِ والحادِثِ، والمُحالِ والمُمْكِنِ. والمَعْنى: أيُّ شَهِيدٍ أكْبَرُ شَهادَةً، فَوُضِعَ شَيْءٌ مَوْضِعَ شَهِيدٍ، وقِيلَ: إنَّ " شَيْءٍ " هُنا مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ اللَّهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً: أيِ انْفِرادُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وقِيامُ البَراهِينِ عَلى تَوْحِيدِهِ أكْبَرُ شَهادَةً وأعْظَمُ فَهو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ هو الجَوابُ، لِأنَّهُ إذا كانَ الشَّهِيدُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم كانَ أكْبَرُ شَهادَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ تَمَّ الجَوابُ عِنْدَ قَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُ يَعْنِي اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ هو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم. قَوْلُهُ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ أيْ أوْحى اللَّهُ إلَيَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكم لِأجْلِ أنْ أُنْذِرَكم بِهِ وأُنْذِرَ بِهِ مَن بَلَغَ إلَيْهِ: أيْ كُلُّ مَن بَلَغَ إلَيْهِ مِن مَوْجُودٍ ومَعْدُومٍ سَيُوجَدُ في الأزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ أحْكامِ القُرْآنِ لِمَن سَيُوجَدُ كَشُمُولِها لِمَن قَدْ كانَ مَوْجُودًا وقْتَ النُّزُولِ ما لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تِلْكَ الخُزَعْبَلاتِ المَذْكُورَةِ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ " وأوْحى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ مَن عَداهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ أوْ بِقَلْبِ الثّانِيَةِ، وأمّا مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ فَقَدْ حَقَّقَ عَلَيْهِمْ شِرْكَهم، وإنَّما قالَ: آلِهَةً أُخْرى لِأنَّ الآلِهَةَ جَمْعٌ والجَمْعُ يَقَعُ عَلَيْهِ التَّأْنِيثُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ أيْ فَأنا لا أشْهَدُ مَعَكم فَحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِكَوْنِ هَذِهِ الشَّهادَةِ باطِلَةً، ومِثْلُهُ ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] و" ما " في ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ مِنَ الأصْنامِ الَّتِي تَجْعَلُونَها آلِهَةً، أوْ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ الكِتابُ لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وغَيْرَهُما،: أيْ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ بِهِ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً مُحَقَّقَةً بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْءٌ، و﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بَيانٌ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ وكَمالِها وعَدَمِ وُجُودِ شَكٍّ فِيها، فَإنَّ مَعْرِفَةَ الآباءِ لِلْأبْناءِ هي البالِغَةُ إلى غايَةِ الإتْقانِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ودُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ: وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ. وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَكُونُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ . والمَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّ الكُفّارَ الخاسِرِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ العَمَلِ بِالمَعْرِفَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ لَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيِ اخْتَلَقَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ فَقالَ: إنَّ في التَّوْراةِ أوِ الإنْجِيلِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِما ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ الَّتِي يَلْزَمُهُ الإيمانُ بِها مِنَ المُعْجِزَةِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ، فَجَمَعَ بَيْنَ كَوْنِهِ كاذِبًا عَلى اللَّهِ ومُكَذِّبًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِالإيمانِ بِهِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا أحَدَ مِن عِبادِ اللَّهِ أظْلَمُ مِنهُ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لِلشَّأْنِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: إنّا نَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ جَعَلَ مِائَةَ رَحْمَةٍ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ، ثُمَّ خَلَقَ الخَلْقَ فَوَضَعَ بَيْنَهم رَحْمَةً واحِدَةً وأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً فَبِها يَتَراحَمُونَ، وبِها يَتَعاطَفُونَ، وبِها يَتَباذَلُونَ، وبِها يَتَزاوَرُونَ وبِها تَحِنُّ النّاقَةُ، وبِها تُنْتِجُ البَقَرَةُ، وبِها تَيْعَرُ الشّاةُ، وبِها تَتابَعُ الطَّيْرُ، وبِها تَتابَعُ الحِيتانُ في البَحْرِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جَمَعَ تِلْكَ الرَّحْمَةَ إلى ما عِنْدَهُ، ورَحْمَتُهُ أفْضَلُ وأوْسَعُ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ، وغَيْرُهُما، عَنْ سَلْمانَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ: مِنها رَحْمَةٌ يَتَراحَمُ بِها الخَلْقُ، وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أكْمَلَها بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ»، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» . وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ أُخْرى بِنَحْوِ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يَقُولُ: (p-٤١٤)ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ قالَ: أمّا الوَلِيُّ فالَّذِي تَوَلّاهُ ويُقِرُّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، يَقُولُ: أنا ابْتَدَأْتُها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ قالَ: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ قالَ: مَن يُصْرَفْ عَنْهُ العَذابُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَقُولُ: بِعافِيَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «جاءَ النَّمّامُ بْنُ زَيْدٍ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، بِذَلِكَ بُعِثْتُ وإلى ذَلِكَ أدْعُو، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن بَلَغَ يَعْنِي مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ مِنَ النّاسِ فَهو لَهُ نَذِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى كِسْرى وقَيْصَرَ والنَّجاشِيِّ وكُلِّ جَبّارٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَيْسَ بِالنَّجاشِيِّ الَّذِي صَلّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والخَطِيبُ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما شافَهْتُهُ بِهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: " مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما رَأى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ " وفي لَفْظٍ: " مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ حَتّى تَفَهَّمَهُ وتَعَقَّلَهُ كانَ كَمَن عايَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكَلَّمَهُ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ﴾ قالَ: العَرَبُ ومَن بَلَغَ قالَ: العَجَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ.

الأنعام 6:21

قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ وتَبْكِيتٌ لَهم. والمَعْنى: قُلْ لَهم هَذا القَوْلَ فَإنْ قالُوا فَقُلْ لِلَّهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إمّا بِاعْتِرافِهِمْ، أوْ بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فاللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُعاجِلَهم بِالعِقابِ، ولَكِنَّهُ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ: أيْ وعَدَ بِها فَضْلًا مِنهُ وتَكَرُّمًا، وذِكْرُ النَّفْسِ هُنا عِبارَةٌ عَنْ تَأكُّدِ وعْدِهِ وارْتِفاعِ الوَسائِطِ دُونَهُ، وفي الكَلامِ تَرْغِيبٌ لِلْمُتَوَلِّينَ عَنْهُ إلى الإقْبالِ إلَيْهِ وتَسْكِينِ خَواطِرِهِمْ بِأنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ لا يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ وأنَّهُ يَقْبَلُ مِنهُمُ الإنابَةَ والتَّوْبَةَ، ومِن رَحْمَتِهِ لَهم إرْسالُ الرُّسُلِ، وإنْزالُ الكُتُبِ، ونَصْبُ الأدِلَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ اللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: الرَّحْمَةَ ويَكُونُ ما بَعْدَها مُسْتَأْنَفًا عَلى جِهَةِ التَّبْيِينِ فَيَكُونُ المَعْنى لَيَجْمَعَنَّكم لَيُمْهِلَنَّكم ولَيُؤَخِّرَنَّ جَمْعَكم. وقِيلَ: المَعْنى: لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ إلى اليَوْمِ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ. وقِيلَ: " إلى " بِمَعْنى في: أيْ لَيَجْمَعَنَّكم في يَوْمِ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ لَيَجْمَعَنَّكم النَّصْبَ عَلى البَدَلِ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى أنْ. والمَعْنى: كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنْ يَجْمَعَنَّكم كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] أيْ أنْ يَسْجِنُوهُ، وقِيلَ: إنَّ جُمْلَةَ لَيَجْمَعَنَّكم مَسُوقَةٌ لِلتَّرْهِيبِ بَعْدَ التَّرْغِيبِ، ولِلْوَعِيدِ بَعْدَ الوَعْدِ: أيْ إنْ أمْهَلَكم بِرَحْمَتِهِ فَهو مُجازِيكم بِجَمْعِكم في مُعاقَبَةِ مَن يَسْتَحِقُّ عُقُوبَتَهُ مِنَ العُصاةِ، والضَّمِيرُ في ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لِلْيَوْمِ أوْ لِلْجَمْعِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ المَوْصُولَ مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ كَما تَقُولُ: الَّذِي يُكْرِمُنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فالفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ. وقالَ الأخْفَشُ: إنْ شِئْتَ كانَ " الَّذِينَ " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في لَيَجْمَعَنَّكم أيْ لَيَجْمَعَنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ وزَعَمَ أنَّهُ خَطَأٌ، لِأنَّهُ لا يُبْدَلُ مِنَ المُخاطِبِ ولا مِنَ المُخاطَبِ. لا يُقالُ: مَرَرْتُ بِكَ زَيْدٌ ولا مَرَرْتَ بِي زِيدٌ، وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " الَّذِينَ " مَجْرُورًا عَلى البَدَلِ مِنَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أوْ عَلى النَّعْتِ لَهم، وقِيلَ: إنَّهُ مُنادى وحَرْفُ النِّداءِ مُقَدَّرٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ لِلَّهِ، وخَصَّ السّاكِنَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ ما يَتَّصِفُ بِالسُّكُونِ أكْثَرُ مِمّا يَتَّصِفُ بِالحَرَكَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما سَكَنَ فِيهِما أوْ تَحَرَّكَ فاكْتَفى بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، وهَذا مِن جُمْلَةِ الِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، قالَ لَهم: ذَلِكَ لَمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ولَمّا كانَ الإنْكارُ لِاتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، لا لِاتِّخاذِ الوَلِيِّ مُطْلَقًا دَخَلَتِ الهَمْزَةُ عَلى المَفْعُولِ لا عَلى الفِعْلِ. والمُرادُ بِالوَلِيِّ هُنا: المَعْبُودُ: أيْ كَيْفَ أتَّخِذُ غَيْرَ اللَّهِ مَعْبُودًا ؟ و﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ نَعَتٌ لِاسْمِ اللَّهِ، وأجازَ الأخْفَشُ الرَّفْعَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وأجازَ الزَّجّاجُ النَّصْبَ عَلى المَدْحِ، وأجازَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: أتْرُكُ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ! . قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ العَيْنِ في الأوَّلِ، وضَمِّها وفَتْحِ العَيْنِ في الثّانِي: أيْ يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ والأعْمَشُ بِفَتْحِ الياءِ في الثّانِي وفَتْحِ العَيْنِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ في الأوَّلِ وضَمِّها وكَسْرِ العَيْنِ في الثّانِي عَلى أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الوَلِيِّ المَذْكُورِ، وخَصَّ الإطْعامَ دُونَ غَيْرِهِ مِن ضُرُوبِ الإنْعامِ لِأنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ أمَسُّ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بَعْدَما تَقَدَّمَ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا أنْ يَقُولَ لَهم: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ مِن قَوْمِهِ، وأخْلَصَ مِن أُمَّتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى أسْلَمَ اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ نَهاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ: أيْ يَقُولُ لَهم: هَذا. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ إنْ عَصَيْتُهُ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ أوْ مُخالَفَةِ أمْرِهِ أوْ نَهْيِهِ. والخَوْفُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى العِلْمِ: أيْ إنِّي أعْلَمُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي أنَّ لِي عَذابًا عَظِيمًا. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ . قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وابْنُ عامِرٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ: أيْ مَن يُصْرَفْ عَنْهُ العَذابُ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو (p-٤١٢)اخْتِيارُ أبِي حاتِمٍ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِلَّهِ. ومَعْنى يَوْمَئِذٍ يَوْمَ العَذابِ العَظِيمِ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ اللَّهُ أيْ نَجّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ وأدْخَلَهُ الجَنَّةَ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الصَّرْفِ أوْ إلى الرَّحْمَةِ: أيْ فَذَلِكَ الصَّرْفُ أوِ الرَّحْمَةُ ﴿الفَوْزُ المُبِينُ﴾ أيِ الظّاهِرُ الواضِحُ، وقَرَأ أُبَيٌّ " مَن يَصْرِفِ اللَّهُ عَنْهُ " . قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أيْ إنْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِكَ ضُرًّا مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ أيْ لا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ سِواهُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مِن رَخاءٍ أوْ عافِيَةٍ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ المَسِّ بِالشَّرِّ والخَيْرِ. قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ القَهْرُ: الغَلَبَةُ، والقاهِرُ: الغالِبُ، وأُقْهِرَ الرَّجُلُ: إذا صارَ مَقْهُورًا ذَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تَمَنّى حُصَيْنٌ أنْ يَسُودَ خُزاعَةَ فَأمْسى حُصَيْنٌ قَدْ أذَلَّ وأقْهَرا ومَعْنى: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فَوْقِيَّةُ الِاسْتِعْلاءِ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، لا فَوْقِيَّةَ المَكانِ كَما تَقُولُ: السُّلْطانُ فَوْقَ رَعِيَّتِهِ: أيْ بِالمَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ. وفِي القَهْرِ مَعْنًى زائِدٌ لَيْسَ في القُدْرَةِ، وهو مَنعُ غَيْرِهِ عَنْ بُلُوغِ المُرادِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ في أمْرِهِ الخَبِيرُ بِأفْعالِ عِبادِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ أيُّ: مُبْتَدَأٌ، وأكْبَرُ: خَبَرُهُ، وشَهادَةً تَمْيِيزٌ، والشَّيْءُ يُطْلَقُ عَلى القَدِيمِ والحادِثِ، والمُحالِ والمُمْكِنِ. والمَعْنى: أيُّ شَهِيدٍ أكْبَرُ شَهادَةً، فَوُضِعَ شَيْءٌ مَوْضِعَ شَهِيدٍ، وقِيلَ: إنَّ " شَيْءٍ " هُنا مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ اللَّهِ. والمَعْنى: اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً: أيِ انْفِرادُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وقِيامُ البَراهِينِ عَلى تَوْحِيدِهِ أكْبَرُ شَهادَةً وأعْظَمُ فَهو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ هو الجَوابُ، لِأنَّهُ إذا كانَ الشَّهِيدُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم كانَ أكْبَرُ شَهادَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ تَمَّ الجَوابُ عِنْدَ قَوْلِهِ: قُلِ اللَّهُ يَعْنِي اللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ هو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم. قَوْلُهُ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ أيْ أوْحى اللَّهُ إلَيَّ هَذا القُرْآنَ الَّذِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكم لِأجْلِ أنْ أُنْذِرَكم بِهِ وأُنْذِرَ بِهِ مَن بَلَغَ إلَيْهِ: أيْ كُلُّ مَن بَلَغَ إلَيْهِ مِن مَوْجُودٍ ومَعْدُومٍ سَيُوجَدُ في الأزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ أحْكامِ القُرْآنِ لِمَن سَيُوجَدُ كَشُمُولِها لِمَن قَدْ كانَ مَوْجُودًا وقْتَ النُّزُولِ ما لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تِلْكَ الخُزَعْبَلاتِ المَذْكُورَةِ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ " وأوْحى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ مَن عَداهُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. قَوْلُهُ: ﴿أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ أوْ بِقَلْبِ الثّانِيَةِ، وأمّا مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ فَقَدْ حَقَّقَ عَلَيْهِمْ شِرْكَهم، وإنَّما قالَ: آلِهَةً أُخْرى لِأنَّ الآلِهَةَ جَمْعٌ والجَمْعُ يَقَعُ عَلَيْهِ التَّأْنِيثُ، كَذا قالَ الفَرّاءُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] وقالَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١] ﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ أيْ فَأنا لا أشْهَدُ مَعَكم فَحُذِفَ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِكَوْنِ هَذِهِ الشَّهادَةِ باطِلَةً، ومِثْلُهُ ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] و" ما " في ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ مِنَ الأصْنامِ الَّتِي تَجْعَلُونَها آلِهَةً، أوْ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ الكِتابُ لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وغَيْرَهُما،: أيْ يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . قالَ بِهِ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ: أيْ يَعْرِفُونَهُ مَعْرِفَةً مُحَقَّقَةً بِحَيْثُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ مِنهُ شَيْءٌ، و﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بَيانٌ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ المَعْرِفَةِ وكَمالِها وعَدَمِ وُجُودِ شَكٍّ فِيها، فَإنَّ مَعْرِفَةَ الآباءِ لِلْأبْناءِ هي البالِغَةُ إلى غايَةِ الإتْقانِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ودُخُولُ الفاءِ في الخَبَرِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ: وقِيلَ: إنَّ المَوْصُولَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ. وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَكُونُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ . والمَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّ الكُفّارَ الخاسِرِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ بِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ أنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ العَمَلِ بِالمَعْرِفَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ لَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيِ اخْتَلَقَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ فَقالَ: إنَّ في التَّوْراةِ أوِ الإنْجِيلِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِما ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ الَّتِي يَلْزَمُهُ الإيمانُ بِها مِنَ المُعْجِزَةِ الواضِحَةِ البَيِّنَةِ، فَجَمَعَ بَيْنَ كَوْنِهِ كاذِبًا عَلى اللَّهِ ومُكَذِّبًا بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِالإيمانِ بِهِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا أحَدَ مِن عِبادِ اللَّهِ أظْلَمُ مِنهُ، والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لِلشَّأْنِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: إنّا نَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ثُمَّ جَعَلَ مِائَةَ رَحْمَةٍ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ، ثُمَّ خَلَقَ الخَلْقَ فَوَضَعَ بَيْنَهم رَحْمَةً واحِدَةً وأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وتِسْعِينَ رَحْمَةً فَبِها يَتَراحَمُونَ، وبِها يَتَعاطَفُونَ، وبِها يَتَباذَلُونَ، وبِها يَتَزاوَرُونَ وبِها تَحِنُّ النّاقَةُ، وبِها تُنْتِجُ البَقَرَةُ، وبِها تَيْعَرُ الشّاةُ، وبِها تَتابَعُ الطَّيْرُ، وبِها تَتابَعُ الحِيتانُ في البَحْرِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جَمَعَ تِلْكَ الرَّحْمَةَ إلى ما عِنْدَهُ، ورَحْمَتُهُ أفْضَلُ وأوْسَعُ. وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ، وغَيْرُهُما، عَنْ سَلْمانَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ: مِنها رَحْمَةٌ يَتَراحَمُ بِها الخَلْقُ، وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أكْمَلَها بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ»، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» . وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ أُخْرى بِنَحْوِ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ يَقُولُ: (p-٤١٤)ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ قالَ: أمّا الوَلِيُّ فالَّذِي تَوَلّاهُ ويُقِرُّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ لا أدْرِي ما فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، يَقُولُ: أنا ابْتَدَأْتُها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ قالَ: يَرْزُقُ ولا يُرْزَقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ قالَ: مَن يُصْرَفْ عَنْهُ العَذابُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَقُولُ: بِعافِيَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «جاءَ النَّمّامُ بْنُ زَيْدٍ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ما تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، بِذَلِكَ بُعِثْتُ وإلى ذَلِكَ أدْعُو، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن بَلَغَ يَعْنِي مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ مِنَ النّاسِ فَهو لَهُ نَذِيرٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى كِسْرى وقَيْصَرَ والنَّجاشِيِّ وكُلِّ جَبّارٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَيْسَ بِالنَّجاشِيِّ الَّذِي صَلّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ والخَطِيبُ وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما شافَهْتُهُ بِهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضُّرَيْسِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: " مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما رَأى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ " وفي لَفْظٍ: " مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ حَتّى تَفَهَّمَهُ وتَعَقَّلَهُ كانَ كَمَن عايَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكَلَّمَهُ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ﴾ قالَ: العَرَبُ ومَن بَلَغَ قالَ: العَجَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ.

الأنعام 6:22

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:23

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:24

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:25

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:26

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:27

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:28

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:29

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:30

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:31

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

الأنعام 6:32

قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ في الفِعْلَيْنِ، وقُرِئَ بِالياءِ فِيهِما، وناصِبُ الظَّرْفِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ مُتَأخِّرٌ: أيْ: يَوْمَ نَحْشُرُهم كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ. وأضافَ الشُّرَكاءَ إلَيْهِمْ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ بَلْ لَمّا سَمَّوْها شُرَكاءَ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ، وهي ما كانُوا يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحَذَفَ المَفْعُولانِ مَعًا، ووَجْهُ التَّوْبِيخِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غابَتْ عَنْهم في تِلْكَ الحالِ أوْ كانَتْ حاضِرَةً ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ وُجُودُها كَعَدَمِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ بِقَصَصِ المُشْرِكِينَ وافْتِتانِهِمْ بِشِرْكِهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ فِتْنَتَهم لَمْ تَكُنْ حَتّى رَأوُا الحَقائِقَ إلّا أنِ انْتَفَوْا مِنَ الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذا في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبَرَّأ مِنهُ فَتَقُولُ: ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ إيّاهُ إلّا أنْ تَبْرَأ مِنهُ انْتَهى. فالمُرادُ بِالفِتْنَةِ عَلى هَذا كُفْرُهم: أيْ لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ وقاتَلُوا عَلَيْهِ إلّا ما وقَعَ مِنهم مِنَ الجُحُودِ والحَلِفِ عَلى نَفْيِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا جَوابُهم: أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُهم إلّا الجُحُودَ والتَّبَرُّئَ، فَكانَ هَذا الجَوابُ فِتْنَةً لِكَوْنِهِ كَذِبًا، وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عامِلِ الظَّرْفِ المُقَدَّرِ كَما مَرَّ والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ، وقُرِئَ " فِتْنَتُهم " بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ، و" يَكُنْ " و" تَكُنْ " والوَجْهُ ظاهِرٌ. وقُرِئَ " وما كانَ فِتْنَتُهم " وقُرِئَ " رَبَّنا " بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِإنْكارِ ما وقَعَ مِنهم في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم وتَلاشى وبَطَلَ ما كانُوا يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ الشُّرَكاءَ يُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ: أيْ فارَقَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، وهَذا تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن حالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ ودَعْواهُمُ المُتَناقِضَةِ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ مِنهم كَذِبٌ في الآخِرَةِ لِأنَّها دارٌ لا يَجْرِي فِيها غَيْرُ (p-٤١٥)الصِّدْقِ، فَمَعْنى ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ نَفْيُ شِرْكِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . قَوْلُهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ ما كانَ يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا: أيْ وبَعْضُ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حِينَ تَتْلُو القُرْآنَ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ مُجازاةً عَلى كُفْرِهِمْ، والأكِنَّةُ: الأغْطِيَةُ جَمْعُ كِنانٍ مِثْلَ الأسِنَّةِ والسِّنانِ، كَنَنْتُ الشَّيْءَ في كُنْهٍ: إذا جَعَلْتُهُ فِيهِ، وأكْنَنْتُهُ أخْفَيْتُهُ، وجُمْلَةُ ﴿جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِها، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وقَدْ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا القُرْآنَ، أوْ لِئَلّا يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ: الصَّمَمُ، يُقالُ: وُقِرَتْ أُذُنَهُ تَقِرُ وقْرًا: أيْ صُمَّتْ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " وِقْرًا " بِكَسْرِ الواوِ: أيْ جَعَلَ في آذانِهِمْ ما سَدَّها عَنِ اسْتِماعِ القَوْلِ عَلى التَّشْبِيهِ بِوِقْرِ البَعِيرِ، وهو مِقْدارُ ما يُطِيقُ أنْ يَحْمِلَهُ، وذِكْرُ الأكِنَّةَ والوَقْرَ تَمْثِيلٌ لِفَرْطِ بُعْدِهِمْ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ وسَماعِهِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَعْقِلُ وأسْماعَهم لا تُدْرِكُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أيْ لا يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَرَوْنَها مِنَ المُعْجِزاتِ ونَحْوَها لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ حَتّى هُنا هي الِابْتِدائِيَّةُ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنَّهم بَلَغُوا مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَمْ يَكْتَفُوا بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ، بَلْ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقِيلَ: حَتّى هي الجارَّةُ وما بَعْدَها في مَحَلِّ جَرٍّ، والمَعْنى: حَتّى وقْتِ مَجِيئِهِمْ مُجادِلِينَ يَقُولُونَ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا غايَةُ التَّكْذِيبِ ونِهايَةُ العِنادِ، والأساطِيرُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها أسْطارٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُسْطُورَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أسْطارَةٌ. وقالَ النَّحّاسُ: أُسْطُورٌ. وقالَ القُشَيْرِيُّ: أُسْطِيرٌ. وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ كَعَبادِيدَ وأبابِيلَ، والمَعْنى: ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ في الكُتُبِ مِنَ القِصَصِ والأحادِيثِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الأساطِيرُ الأباطِيلُ والتُّرَّهاتُ. قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ يَنْهى المُشْرِكُونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ أوْ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُونَ هم في أنْفُسِهِمْ عَنْهُ. وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ فَإنَّهُ كانَ يَنْهى الكُفّارَ عَنْ أذِيَّةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَبْعُدُ هو عَنْ إجابَتِهِ ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ ما يُهْلِكُونَ بِما يَقَعُ مِنهم مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ إلّا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِهَذا البَلاءِ الَّذِي جَلَبُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ يَوْمَ القِيامَةِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ المَعانِي، ووُقِفُوا مَعْناهُ حُبِسُوا، يُقالُ: وقَفْتُهُ وقْفًا ووَقَفَ وُقُوفًا، وقِيلَ: مَعْنى: ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ أُدْخِلُوها فَتَكُونُ عَلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ: أيْ وُقِفُوا بِالنّارِ أيْ بِقُرْبِها مُعايِنِينَ لَها، ومَفْعُولُ تُرى مَحْذُوفٌ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِيَذْهَبَ السّامِعُ كُلَّ مَذْهَبٍ، والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَراهم إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ لَرَأيْتَ مَنظَرًا هائِلًا وحالًا فَظِيعًا ﴿فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيِ الَّتِي جاءَنا بِها رَسُولُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِما فِيها، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ التَّمَنِّي: أيْ تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وأنْ لا يُكَذِّبُوا، وأنْ يَكُونُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ كَما هي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأهْلِ المَدِينَةِ وشُعْبَةَ وابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ بِنَصْبِ نَكْذِبَ ونَكُونَ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الواوِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، واخْتارَ سِيبَوَيْهِ القَطْعَ في " ولا نَكْذِبُ " فَيَكُونُ غَيْرَ داخِلٍ في التَّمَنِّي، والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ لا نَكْذِبُ عَلى مَعْنى الثَّباتِ عَلى تَرْكِ التَّكْذِيبِ: أيْ لا نَكْذِبْ رَدَدْنا أوْ لَمْ نُرَدُّ، قالَ: وهو مِثْلُ دَعْنِي ولا أعُودُ: أيْ لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. واسْتَدَلَّ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَلى خُرُوجِهِ مِنَ التَّمَنِّي بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ لِأنَّ الكَذِبَ لا يَكُونُ في التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " ونَكُونَ " بِالنَّصْبِ وأدْخَلَ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في التَّمَنِّي. وقَرَأ أُبَيٌّ " ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا " . وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ " يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبَ " بِالفاءِ والنَّصْبِ، والفاءُ يُنْصَبُ بِها في جَوابِ التَّمَنِّي كَما يُنْصَبُ بِالواوِ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وقالَ أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ: لا يَجُوزُ الجَوابُ إلّا بِالفاءِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ هَذا إضْرابٌ عَمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ والتَّصْدِيقِ: أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمَنِّي مِنهم عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ وخُلُوصِ اعْتِقادٍ بَلْ هو لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ: أيْ يَجْحَدُونَ مِنَ الشِّرْكِ وعَرَفُوا أنَّهم هالِكُونَ بِشِرْكِهِمْ فَعَدَلُوا إلى التَّمَنِّي والمَواعِيدِ الكاذِبَةِ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنَ النِّفاقِ والكُفْرِ بِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: بَدا لَهم ما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ كَما قالَ تَعالى: وبَدا لَهم مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] . وقالَ المُبَرِّدُ: بَدا لَهم جَزاءَ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ وهو مِثْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُ ظَهَرَ لِلَّذِينَ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والقِيامَةِ ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْا لَعادُوا لِفِعْلِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي رَأْسُها الشِّرْكُ كَما عايَنَ إبْلِيسُ ما عايَنَ مِن آياتِ اللَّهِ ثُمَّ عانَدَ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أيْ مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ شاهَدُوا ما شاهَدُوا، وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ والإيمانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ " ولَوْ رِدُّوا " بِكَسْرِ الرّاءِ لِأنَّ الأصْلَ رَدِدُوا فَنُقِلَتْ كَسْرَةُ الدّالِ إلى الرّاءِ، وجُمْلَةُ " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ وهو " وقالُوا "، وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو " لَعادُوا ": أيْ لَعادُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ. ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بَعْدَ المَوْتِ، وهَذا مِن شِدَّةِ (p-٤١٥)تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ حَيْثُ يَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهم رَجَعُوا إلى الدُّنْيا بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْبَعْثِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] أيْ حُبِسُوا عَلى ما يَكُونُ مِن أمْرِ رَبِّهِمْ فِيهِمْ، وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى عِنْدَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَشاهَدْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والِاسْتِفْهامُ في ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَيْسَ هَذا البَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ كائِنًا مَوْجُودًا، وهَذا الجَزاءُ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ حاضِرًا. قالُوا بَلى ورَبِّنا اعْتَرَفُوا بِما أنْكَرُوا وأكَّدُوا اعْتِرافَهم بِالقَسَمِ قالَ فَذُوقُوا العَذابَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ وهو عَذابُ النّارِ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم بِهِ أوْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرْتُمْ بِالإيمانِ بِهِ في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: مَعْذِرَتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ قالَ: حُجَّتُهم ﴿إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ قالُوا وهم في النّارِ: هَلُمَّ فَلْنَكْذِبْ فَلَعَلَّهُ أنْ يَنْفَعَنا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم﴾ في القِيامَةِ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَكْذِبُونَ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] قالَ: بِجَوارِحِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ،: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قالَ: ما كانُوا يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ قالَ: كالجُعْبَةِ لِلنَّبْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ قالَ: يَسْمَعُونَهُ بِآذانِهِمْ ولا يَعُونَ مِنهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَسْمَعُ النِّداءَ ولا تَدْرِي ما يُقالُ لَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الغِطاءُ أكَنَّ قُلُوبَهم أنْ يَفْقَهُوهُ، والوَقْرُ الصَّمَمُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ أساجِيعُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: أحادِيثُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وباطِلُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ كانَ يَنْهى المُشْرِكِينَ أنْ يَرُدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ويَتَباعَدُ عَمّا جاءَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: يَنْهَوْنَ عَنْهُ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: لا يَلْقَوْنَهُ ولا يَدَعُونَ أحَدًا يَأْتِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةَ في الآيَةِ قالَ: كُفّارُ مَكَّةَ كانُوا يَدْفَعُونَ النّاسَ عَنْهُ ولا يُجِيبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَنْهَوْنَ عَنِ القُرْآنِ وعَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ويَنْأوْنَ عَنْهُ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمُومَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وكانُوا عَشْرَةً، فَكانُوا أشَدَّ النّاسِ مَعَهُ في العَلانِيَةِ، وأشَدَّ النّاسِ عَلَيْهِ في السِّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِن أعْمالِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ يَقُولُ: ولَوْ وصَلَ اللَّهُ لَهم دُنْيا كَدُنْياهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها لَعادُوا إلى أعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ الَّتِي كانُوا نُهُوا عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلى الهُدى، فَقالَ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: ولَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.