Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأنعام 6:73 – الأنعام 6:103
المحتويات
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:83
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:85
- الأنعام 6:86
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:88
- الأنعام 6:89
- الأنعام 6:90
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:97
- الأنعام 6:98
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:101
- الأنعام 6:102
- الأنعام 6:103
الأنعام 6:73
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أوْ إلى العَذابِ.
وقَوْمُهُ المُكَذِّبُونَ: هم قُرَيْشٌ، وقِيلَ: كُلُّ مُعانِدٍ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ أوِ العَذابِ، والحالُ أنَّهُ حَقٌّ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ " وكَذَّبَتْ " بِالتّاءِ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ لَسْتُ بِحَفِيظٍ عَلى أعْمالِكم حَتّى أُجازِيَكم عَلَيْها.
قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقِيلَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ إذْ لَمْ يَكُنْ إيمانُهم في وُسْعِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ لِكُلِّ شَيْءٍ وقْتٌ يَقَعُ فِيهِ.
والنَّبَأُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُنَبَّأُ عَنْهُ، وقِيلَ: المَعْنى: لِكُلِّ عَمَلٍ جَزاءٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لَهم بِما يَنْزِلُ بِهِمْ في الدُّنْيا، وقالَ الحَسَنُ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْكُفّارِ، لِأنَّهم كانُوا لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ ﴿وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ بِحُصُولِهِ ونُزُولِهِ بِهِمْ كَما عَلِمُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِحُصُولِ ما كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَوَعَّدُهم بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ.
والخَوْضُ: أصْلُهُ في الماءِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في غَمَراتِ الأشْياءِ الَّتِي هي مَجاهِلُ تَشْبِيهًا بِغَمَراتِ الماءِ، فاسْتُعِيرَ مِنَ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ، وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْطِ، وكُلُّ شَيْءٍ خُضْتَهُ فَقَدْ خَلَطْتَهُ، ومِنهُ خاضَ الماءَ بِالعَسَلِ: خَلَطَهُ.
والمَعْنى: إذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا بِالتَّكْذِيبِ والرَّدِّ والِاسْتِهْزاءِ فَدَعْهم ولا تَقْعُدْ مَعَهم لِسَماعِ مِثْلِ هَذا المُنْكَرِ العَظِيمِ حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ مُغايِرٍ لَهُ، أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَنْ أهْلِ المَجالِسِ الَّتِي يُسْتَهانُ فِيها بِآياتِ اللَّهِ إلى غايَةٍ هي الخَوْضُ في غَيْرِ ذَلِكَ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَن يَتَسَمَّحُ بِمُجالَسَةِ المُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ كَلامَ اللَّهِ ويَتَلاعَبُونَ بِكِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، ويَرُدُّونَ ذَلِكَ إلى أهْوائِهِمُ المُضِلَّةِ وبِدَعِهِمُ الفاسِدَةِ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ويُغَيِّرْ ما هم فِيهِ فَأقَلُّ الأحْوالِ أنْ يَتْرُكَ مُجالَسَتَهم، وذَلِكَ يَسِيرٌ عَلَيْهِ غَيْرُ عَسِيرٍ.
وقَدْ يَجْعَلُونَ حُضُورَهُ مَعَهم مَعَ تَنَزُّهِهِ عَمّا يَتَلَبَّسُونَ بِهِ شُبْهَةً يُشَبِّهُونَ بِها عَلى العامَّةِ، فَيَكُونُ في حُضُورِهِ مَفْسَدَةٌ زائِدَةٌ عَلى مُجَرَّدِ سَماعِ المُنْكَرِ.
وقَدْ شاهَدْنا مِن هَذِهِ المَجالِسِ المَلْعُونَةِ ما لا يَأْتِي عَلَيْهِ الحَصْرُ، وقُمْنا في نُصْرَةِ الحَقِّ ودَفْعِ الباطِلِ بِما قَدَرْنا عَلَيْهِ وبَلَغَتْ إلَيْهِ طاقَتُنا، ومَن عَرَفَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ المُطَهَّرَةَ حَقَّ مَعْرِفَتِها عَلِمَ أنْ مُجالَسَةَ أهْلِ البِدَعِ المُضِلَّةِ فِيها مِنَ المَفْسَدَةِ أضْعافُ أضْعافِ ما في مُجالَسَةِ مَن يَعْصِي اللَّهَ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولا سِيَّما لِمَن كانَ غَيْرَ راسِخِ (p-٤٢٧)القَدَمِ في عِلْمِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَإنَّهُ رُبَّما يَتَّفِقُ عَلَيْهِ مِن كَذِباتِهِمْ وهَذَيانِهِمْ ما هو مِنَ البُطْلانِ بِأوْضَحِ مَكانٍ، فَيَنْقَدِحُ في قَلْبِهِ ما يَصْعُبُ عِلاجُهُ ويَعْسُرُ دَفْعُهُ فَيَعْمَلُ بِذَلِكَ مُدَّةَ عُمْرِهِ ويَلْقى اللَّهَ بِهِ مُعْتَقِدًا أنَّهُ مِنَ الحَقِّ وهو مِن أبْطَلِ الباطِلِ وأنْكَرِ المُنْكَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ إمّا هَذِهِ هي الشَّرْطِيَّةُ وتَلْزَمُها غالِبًا نُونُ التَّأْكِيدِ ولا تَلْزَمُها نادِرًا ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إمّا يُصِبْكَ عَدُوٌّ في مَنازِلِهِ يَوْمًا فَقُلْ كَيْفَ يَسْتَعْلِي ويَنْتَصِرُ
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ( يُنَسِّيكَ ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدْ يُنَسِّيكَ بَعْضَ الحاجَةِ الكَسَلُ
والمَعْنى: إنْ أنْساكَ الشَّيْطانُ أنْ تَقُومَ عَنْهم ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ إذا ذَكَرْتَ ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالِاسْتِهْزاءِ بِالآياتِ والتَّكْذِيبِ بِها.
قِيلَ: وهَذا الخِطابُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فالمُرادُ التَّعْرِيضُ لِأُمَّتِهِ لِتَنَزُّهِهِ عَنْ أنْ يُنْسِيَهُ الشَّيْطانُ، وقِيلَ: لا وجْهَ لِهَذا فالنِّسْيانُ جائِزٌ عَلَيْهِ كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ: «إنَّما أنا بَشَرٌ أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ونَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ ما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مُجالَسَةَ الكُفّارِ عِنْدَ خَوْضِهِمْ في آياتِ اللَّهِ مِن حِسابِ الكُفّارِ مِن شَيْءٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: ما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ ما يَقَعُ مِنهم مِنَ الخَوْضِ في آياتِ اللَّهِ في مُجالَسَتِهِمْ لَهم مِن شَيْءٍ: وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَفي الآيَةِ التَّرْخِيصُ لِلْمُتَّقِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في مُجالَسَةِ الكُفّارِ إذا اضْطُرُّوا إلى ذَلِكَ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ.
قِيلَ: وهَذا التَّرْخِيصُ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ، وكانَ الوَقْتُ وقْتَ تُقْيَةٍ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فَنَسَخَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم﴾، ذِكْرى في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، أوْ رَفْعٍ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها مَحْذُوفٌ: أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ ذِكْرى.
وقالَ الكِسائِيُّ: المَعْنى ولَكِنَّ هَذِهِ ذِكْرى.
والمَعْنى عَلى الِاسْتِدْراكِ مِنَ النَّفْيِ السّابِقِ: أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمُ الذِّكْرى لِلْكافِرِينَ بِالمَوْعِظَةِ والبَيانِ لَهم بِأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ.
أمّا عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ فَلِأنَّ مُجَرَّدَ اتِّقاءِ مَجالِسِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللَّهِ لا يُسْقِطُ وُجُوبَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
وأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي فالتَّرْخِيصُ في المُجالَسَةِ لا يُسْقِطُ التَّذْكِيرَ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ الخَوْضَ في آياتِ اللَّهِ إذا وقَعَتْ مِنكُمُ الذِّكْرى لَهم.
وأمّا جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْمُتَّقِينَ فَبِعِيدٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ أيِ اتْرُكْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الدِّينَ الَّذِي كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ العَمَلُ بِهِ والدُّخُولُ فِيهِ لَعِبًا ولَهْوًا ولا تُعَلِّقْ قَلْبَكَ بِهِمْ فَإنَّهم أهْلُ تَعَنُّتٍ وإنْ كُنْتَ مَأْمُورًا بِإبْلاغِهِمُ الحُجَّةَ.
وقِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ لَعِبًا ولَهْوًا كَما في فِعْلِهِمْ بِالأنْعامِ مِن تِلْكَ الجَهالاتِ والضَّلالاتِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها، وقِيلَ: المُرادُ بِالدِّينِ هُنا العِيدُ: أيِ اتَّخَذُوا عِيدَهم لَعِبًا ولَهْوًا، وجُمْلَةُ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى اتَّخَذُوا أيْ غَرَّتْهم حَتّى آثَرُوها عَلى الآخِرَةِ وأنْكَرُوا البَعْثَ وقالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ الضَّمِيرُ في " بِهِ " لِلْقُرْآنِ أوْ لِلْحِسابِ.
والإبْسالُ: تَسْلِيمُ المَرْءِ نَفْسَهُ لِلْهَلاكِ، ومِنهُ أبْسَلْتُ ولَدِي: أيْ رَهَنْتُهُ في الدَّمِ، لِأنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الهَلاكُ.
قالَ النّابِغَةُ:
؎ونَحْنُ رَهَنّا بِالأفاقَةِ عامِرًا ∗∗∗ بِما كانَ في الدَّرْداءِ رَهْنًا فَأُبْسِلا
أيْ فَهَلَكَ، والدَّرْداءُ: كَتِيبَةٌ كانَتْ لَهم مَعْرُوفَةٌ بِهَذا الِاسْمِ، فالمَعْنى: وذَكِّرْ بِهِ خَشْيَةَ أوْ مَخافَةَ أوْ كَراهَةَ أنْ تَهْلِكَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ: أيْ تُرْتَهَنُ وتُسَلَّمُ لِلْهَلَكَةِ، وأصْلُ الإبْسالِ: المَنعُ، ومِنهُ شُجاعٌ باسِلٌ: أيْ: مُمْتَنِعٌ مِن قَرْنِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ العَدْلُ هُنا: الفِدْيَةُ.
والمَعْنى: وإنْ بَذَلَتْ تِلْكَ النَّفْسُ الَّتِي سَلَّمَتْ لِلْهَلاكِ كُلَّ فِدْيَةٍ لا يُؤْخَذُ مِنها ذَلِكَ العَدْلُ حَتّى تَنْجُوَ بِهِ مِنَ الهَلاكِ، وفاعِلُ يُؤْخَذُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلى العَدْلِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى المُفْدى بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [سورة البقرة: ٤٨] وقِيلَ: فاعِلُهُ مِنها، لِأنَّ العَدْلَ هُنا مُصْدَرٌ لا يُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ، وكُلُّ عَدْلٍ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ عَدْلًا كُلَّ عَدْلٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى المُتَّخِذِينَ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا، وخَبَرُهُ ( ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ ) أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا هُمُ الَّذِينَ سَلَّمُوا لِلْهَلاكِ بِما كَسَبُوا، و﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ ؟ فَقِيلَ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾، وهو الماءُ الحارُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] وهو هُنا شَرابٌ يَشْرَبُونَهُ فَيُقَطِّعُ أمْعاءَهم.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: هَذِهِ المَقالَةَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ: أيْ كَيْفَ نَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ أصْنامًا لا تَنْفَعُنا بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ النَّفْعِ إنْ أرَدْنا مِنها نَفْعًا ولا نَخْشى ضُرَّها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَن كانَ هَكَذا فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى نَدْعُو.
والأعْقابُ، جَمْعُ عَقِبٍ: أيْ كَيْفَ نَدْعُو مَن كانَ كَذَلِكَ ونَرْجِعُ إلى الضَّلالَةِ الَّتِي أخْرَجَنا اللَّهُ مِنها.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِمَن رُدَّ عَنْ حاجَتِهِ ولَمْ يَظْفَرْ بِها قَدْ رُدَّ عَلى عَقِبَيْهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: نُعْقَبُ بِالشَّرِّ بَعْدَ الخَيْرِ، وأصْلُهُ مِنَ المُعاقَبَةِ والعُقْبى، وهُما ما كانَ تالِيًا لِلشَّيْءِ واجِبًا أنْ يَتْبَعَهُ، ومِنهُ ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، ومِنهُ عَقِبُ الرَّجُلِ، ومِنهُ العُقُوبَةُ، لِأنَّها تالِيَةٌ لِلذَّنْبِ.
قَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ هَوى يَهْوِي إلى الشَّيْءِ أسْرَعَ إلَيْهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو مِن هَوى النَّفْسِ، أيْ زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطانُ هَواهُ، و﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ هَوَتْ بِهِ، والكافُ في " كالَّذِي " إمّا نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ نُرَدُّ عَلى أعْقابِنا رَدًّا كالَّذِي، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ نُرَدُّ: أيْ (p-٤٢٨)نُرَدُّ حالَ كَوْنِنا مُشْبِهِينَ لِلَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ: أيْ ذَهَبَتْ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ بَعْدَ أنْ كانَ بَيْنَ الإنْسِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ اسْتَهْوَتْهُ وقَرَأ حَمْزَةُ " اسْتَهْواهُ " عَلى تَذْكِيرِ الجَمْعِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ " اسْتَهْواهُ الشَّيْطانُ " وهو كَذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ، وحَيْرانَ حالٌ: أيْ حالَ كَوْنِهِ مُتَحَيِّرًا تائِهًا لا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ والحَيْرانُ هو الَّذِي لا يَهْتَدِي لِجِهَةٍ، وقَدْ حارَ حَيْرَةً وحَيْرُورَةً: إذا تَرَدَّدَ، وبِهِ سُمِّيَ الماءُ المُسْتَنْقَعُ الَّذِي لا مَنفَذَ لَهُ حائِرًا.
قَوْلُهُ: ﴿لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ صِفَةٌ لِحَيْرانَ أوْ حالِيَّةٌ: أيْ لَهُ رُفْقَةٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى يَقُولُونَ لَهُ ائْتِنا فَلا يُجِيبُهم ولا يَهْتَدِي بِهَدْيِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ أيْ دِينَهُ الَّذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ ﴿هُوَ الهُدى﴾ وما عَداهُ باطِلٌ ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] وأُمِرْنا مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ: أيْ مِن جُمْلَةِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَهُ، واللّامُ في لِنُسْلِمَ هي لامُ العِلَّةِ، والمُعَلَّلُ هو الأمْرُ: أيْ أُمِرْنا لِأجْلِ نُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ.
وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أُمِرْنا بِأنْ نُسْلِمَ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ أمَرْتُكَ لِتَذْهَبَ، وبِأنْ تَذْهَبَ بِمَعْنًى.
وقالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ الخَفْضِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " لِنُسْلِمَ " عَلى مَعْنى وأُمْرَنا أنْ نُسْلِمَ وأنْ أقِيمُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى يَدْعُونَهُ عَلى المَعْنى: أيْ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ويَدْعُونَهُ أنْ أقِيمُوا.
﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فَكَيْفَ تُخالِفُونَ أمْرَهُ.
﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ خَلْقًا بِالحَقِّ أوْ حالَ كَوْنِ الخَلْقِ بِالحَقِّ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ الأصْنامَ المَخْلُوقَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ أيْ واذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ أوْ واتَّقُوا يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى الهاءِ في واتَّقُوهُ وقِيلَ: إنَّ يَوْمَ ظَرْفٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ والمَعْنى وأمْرُهُ المُتَعَلِّقُ بِالأشْياءِ، الحَقُّ: أيِ المَشْهُودُ لَهُ بِأنَّهُ حَقٌّ، وقِيلَ: قَوْلُهُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ خَبَرُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، والمَعْنى: قَوْلُهُ المُتَّصِفُ بِالحَقِّ كائِنٌ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ مُرْتَفِعٌ بِيَكُونُ، والحَقَّ صِفَتُهُ: أيْ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ يَكُونُ قَوْلُهُ الحَقَّ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " فَنَكُونُ " بِالنُّونِ، وهو إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ الحِسابِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وهو الصَّوابُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِما قَبْلَهُ: أيْ لَهُ المُلْكُ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ اليَوْمِ الأوَّلِ، والصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ النَّفْخَةُ الأُولى لِلْفَناءِ، والثّانِيَةُ لِلْإنْشاءِ، وكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ: إنَّ الصُّورَ القَرْنُ، قالَ الرّاجِزُ:
؎لَقَدْ نَطَحْناهم غَداةَ الجَمْعَيْنِ ∗∗∗ نَطْحًا شَدِيدًا لا كَنَطْحِ الصُّورَيْنِ
والصُّورُ بِضَمِّ الصّادِ وبِكَسْرِها لُغَةٌ، وحُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ أنَّهُ قَرَأ " يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّوَرِ " بِتَحْرِيكِ الواوِ، جَمْعُ صُورَةٍ، والمُرادُ: الخَلْقُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وهَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا يُرَدُّ بِما في الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: كُنْ فَيَكُونُ، يُقالُ إنَّهُ لِلصُّورِ خاصَّةً: أيْ ويَوْمَ يَقُولُ لِلصُّورِ كُنْ فَيَكُونُ.
قَوْلُهُ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ رَفَعَ عالِمُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ: أيْ هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ يَنْفُخُ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، فَيَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَما أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيْ يُبْكِيهِ مُخْتَبِطُ.
وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ " عالِمِ " بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِنَ الهاءِ في لَهُ المُلْكُ، ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ في جَمِيعِ ما يَصْدُرُ عَنْهُ الخَبِيرُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ يَقُولُ: كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ بِالقُرْآنِ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ وأمّا الوَكِيلُ فالحَفِيظُ، وأمّا ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ فَكانَ نَبَأُ القَوْمِ اسْتَقَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ بِما كانَ يَعِدُهم مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ قالَ: نَسَخَ هَذِهِ الآيَةَ آيَةُ السَّيْفِ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ،: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ يَقُولُ: حَقِيقَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ قالَ: حُبِسَتْ عُقُوبَتُها حَتّى عُمِلَ ذَنْبُها أُرْسِلَتْ عُقُوبَتُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ قالَ: فِعْلٌ وحَقِيقَةٌ ما كانَ مِنهُ في الدُّنْيا وما كانَ مِنهُ في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم﴾ ونَحْوَ هَذا في القُرْآنِ قالَ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِالجَماعَةِ ونَهاهم عَنْ الِاخْتِلافِ والفُرْقَةِ وأخْبَرَهم أنَّما أُهْلِكَ مَن كانَ قَبْلَهم بِالمِراءِ والخُصُوماتِ في دِينِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ قالَ: يَسْتَهْزِئُونَ بِها، نَهى مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقْعُدَ مَعَهم إلّا أنْ يَنْسى، فَإذا ذُكِّرَ فَلْيَقُمْ وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ كانَ يَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الأهْواءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: لا تُجالِسُوا أهْلَ الخُصُوماتِ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: إنَّ أصْحابَ الأهْواءِ مِنَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ إذا سَمِعُوا القُرْآنَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاضُوا واسْتَهْزَءُوا، فَقالَ المُسْلِمُونَ: لا تَصْلُحُ لَنا مُجالَسَتُهم نَخافُ أنْ نَخْرُجَ حِينَ نَسْمَعُ قَوْلَهم ونُجالِسَهم فَلا نَعِيبُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-٤٢٩)هَذِهِ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَكِّيَّةُ بِالآيَةِ المَدَنِيَّةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها﴾ [النساء: ١٤٠] الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ إنْ قَعَدُوا ولَكِنْ لا يَقْعُدُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ أُتِيَ بِقَوْمٍ قَعَدُوا عَلى شَرابٍ مَعَهم رَجُلٌ صائِمٌ فَضَرَبَهُ وقالَ: لا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ قالَ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] يَعْنِي أنَّهُ لِلتَّهْدِيدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ، في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَعِبًا ولَهْوًا﴾ قالَ: أكْلًا وشُرْبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُبْسَلَ﴾ قالَ: أنْ تُفْضَحَ، وفي قَوْلِهِ: أُبْسِلُوا قالَ: فُضِحُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ قالَ: أُسْلِمُوا بِجَرائِرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْآلِهَةِ ولِلدُّعاةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: أضَلَّتْهُ، وهُمُ الغِيلانُ يَدْعُونَهُ بِاسْمِهِ واسْمِ أبِيهِ وجَدِّهِ فَيَتْبَعُها ويَرى أنَّهُ في شَيْءٍ فَيُصْبِحُ وقَدْ ألْقَتْهُ في هَلَكَةٍ، ورُبَّما أكَلَتْهُ أوْ تُلْقِيهِ في مَضَلَّةٍ مِنَ الأرْضِ يَهْلِكُ فِيها عَطَشًا، فَهَذا مِثْلُ مَن أجابَ الآلِهَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ لا يَسْتَجِيبُ لِهَدْيِ اللَّهِ، وهو الرَّجُلُ أطاعَ الشَّيْطانَ وعَمِلَ في الأرْضِ بِالمَعْصِيَةِ وحادَ عَنِ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهُ، و﴿لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ ويَزْعُمُونَ أنَّ الَّذِي يَأْمُرُونَهُ بِهِ هُدًى، يَقُولُ اللَّهُ ذَلِكَ لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ الإنْسِ يَقُولُ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ والضَّلالَةُ ما تَدْعُو إلَيْهِ الجِنُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الصُّورِ: فَقالَ: قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ» والأحادِيثُ الوارِدَةُ في كَيْفِيَّةِ النَّفْخِ ثابِتَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ لا حاجَةَ لَنا إلى إيرادِها هاهُنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يَعْنِي أنَّ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الَّذِي يَنْفُخُ في الصُّورِ.
الأنعام 6:74
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:75
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:76
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:77
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:78
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:79
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:80
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:81
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:82
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:83
قَوْلُهُ: ﴿لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: آزَرَ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مُشْتَقٌّ مِن آزَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا عاوَنَهُ، فَهو مُؤازِرُ قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوَّةِ.
قالَ الجُوَيْنِيُّ في النُّكَتِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ اسْمَ والِدِ إبْراهِيمَ تارِخُ، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ آزَرُ.
وقَدْ تُعُقِّبَ في دَعْوى الِاتِّفاقِ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، والضَّحّاكِ، والكَلْبِيِّ، أنَّهُ كانَ لَهُ اسْمانِ: آزَرَ وتارِخَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: آزَرُ لَقَبٌ.
وتارِخُ اسْمٌ.
وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنَّ آزَرَ سَبَّ وعَتَبَ، ومَعْناهُ في كَلامِهِمُ المُعْوَجُّ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: مَعْنى آزَرَ الشَّيْخُ الهَمُّ بِالفارِسِيَّةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي صِفَةُ ذَمٍّ بِلُغَتِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: يا مُخْطِئُ.
ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الزَّجّاجِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هو اسْمُ صَنَمٍ.
وعَلى هَذا إطْلاقُ اسْمِ الصَّنَمِ عَلى أبِيهِ إمّا لِلتَّعْبِيرِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَعْبُودَهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ قالَ لِأبِيهِ عابِدَ آزَرَ أوْ أتَعْبُدُ آزَرَ عَلى حَذْفِ الفِعْلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، أإزَرُ بِهَمْزَتَيْنِ الأوْلى مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، ومَحَلُّ إذْ قالَ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ويَكُونُ هَذا المُقَدَّرُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ﴾ وآزَرُ عَطْفُ بَيانٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ: أيْ أتَجْعَلُها آلِهَةً لَكَ تَعْبُدُها ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ المُتَّبِعِينَ لَكَ في عِبادَةِ الأصْنامِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ مُبِينٍ واضِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ ومِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ نُرِي إبْراهِيمَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ، و﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُلْكِهِما، وزِيدَتِ التّاءُ والواوُ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، ومِثْلُهُ الرَّغَبُوتُ والرَّهَبُوتُ مُبالَغَةً في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
قِيلَ: أرادَ بِمَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما فِيهِما مِنَ الخَلْقِ، وقِيلَ: كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى رَأى إلى العَرْشِ وإلى (p-٤٣٠)أسْفَلِ الأرْضِينَ، وقِيلَ: رَأى مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِمَلَكُوتِهِما الرُّبُوبِيَّةُ والإلَهِيَّةُ: أيْ نُرِيَهُ ذَلِكَ ونُوَفِّقَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ الَّتِي سَلَكَها، ومَعْنى نُرِي أرَيْناهُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ: أيْ أرَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ وقَدْ كانَ آزَرُ وقَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، فَأرادَ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى الخَطَأِ، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في سَرَبٍ وجُعِلَ رِزْقُهُ في أطْرافِ أصابِعِهِ فَكانَ يَمُصُّها.
وسَبَبُ جَعْلِهِ في السَّرَبِ أنَّ النُّمْرُوذَ رَأى رُؤْيا أنَّ مُلْكَهُ يَذْهَبُ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ فَأمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ مَوْلُودٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ سَتَرَهُ بِظُلْمَتِهِ، ومِنهُ الجَنَّةُ والمِجَنُّ والجِنُّ كُلُّهُ مِنَ السَّتْرِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَوْلا جَنانُ اللَّيْلِ أدْرَكَ رَكْضَنا بِذِي الرَّمْثِ والأرْطِي عِياضُ بْنُ ثابِتِ
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى قالَ إبْراهِيمُ: أيْ واذْكُرْ إذْ قالَ وإذْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ فَهو قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ عَرْضِ المَلَكُوتِ عَلَيْهِ، وجَوابُ لَمّا ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ قِيلَ: رَآهُ مِن شَقِّ الصَّخْرَةِ المَوْضُوعَةِ عَلى رَأْسِ السَّرَبِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: رَآهُ لَمّا أخْرَجَهُ أبُوهُ مِنَ السَّرَبِ وكانَ وقْتَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، قِيلَ: رَأى المُشْتَرِيَ وقِيلَ: الزُّهَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ ؟ قِيلَ: وكانَ هَذا مِنهُ عِنْدَ قُصُورِ النَّظَرِ لِأنَّهُ في زَمَنِ الطُّفُولِيَّةِ، وقِيلَ: أرادَ قِيامَ الحُجَّةِ عَلى قَوْمِهِ كالحاكِي لِما هو عِنْدَهم وما يَعْتَقِدُونَ لِأجْلِ إلْزامِهِمْ، وبِالثّانِي قالَ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ: أيْ أهَذا رَبِّي، ومَعْناهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذا رَبًّا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] أيْ أفَهُمُ الخالِدُونَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎رَقَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
أيْ أهُمُ هُمُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بِثَمانِيا
أيْ أبِسَبْعٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وأنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي فَأُضْمِرَ القَوْلُ، وقِيلَ: المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ هَذا دَلِيلُ رَبِّي " ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ غَرَبَ قالَ إبْراهِيمُ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ أيِ الآلِهَةَ الَّتِي تَغْرُبُ، فَإنَّ الغُرُوبَ تَغَيُّرٌ مِن حالٍ إلى حالٍ، وهو دَلِيلُ الحُدُوثِ.
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ طالِعًا، يُقالُ: بَزَغَ القَمَرُ إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، والبَزْغُ: الشَّقُّ كانَ يَشُقُّ بِنُورِهِ الظُّلْمَةَ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلى الهِدايَةِ ويُوَفِّقْنِي لِلْحُجَّةِ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ فَيَظْلِمُونَ أنْفُسَهم ويَحْرِمُونَها حَظَّها مِنَ الخَيْرِ.
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ بازِغًا وبازِغَةً مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، لِأنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وإنَّما قالَ هَذا رَبِّي مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ مُؤَنَّثَةً، لِأنَّ مُرادَهُ هَذا الطّالِعُ قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هَذا الضَّوْءُ، وقِيلَ: الشَّخْصُ هَذا أكْبُرُ أيْ بِما تَقَدَّمَهُ مِنَ الكَوْكَبِ والقَمَرِ ﴿قالَ ياقَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَجْعَلُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ وتَعْبُدُونَها، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، قالَ: بِهَذا لَمّا ظَهَرَ لَهُ أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مَخْلُوقَةٌ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ بِأُفُولِها الَّذِي هو دَلِيلُ حُدُوثِها.
٧٩ - ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ قَصَدْتُ بِعِبادَتِي وتَوْحِيدِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، وذَكَرَ الوَجْهَ لِأنَّهُ العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا مائِلًا إلى الدِّينِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ٨٠ - ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُمُ المُحاجَجَةُ لَهُ في التَّوْحِيدِ بِما يَدُلُّ عَلى ما يَدْعُونَهُ مِن أنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ ويَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ آلِهَةٌ، فَأجابَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ أيْ في كَوْنِهِ لا شَرِيكَ لَهُ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ.
وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ نُونِ " أتُحاجُّونِي " .
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ ونافِعٌ خَفَّفَ فَحَذَفَ إحْدى النُّونَيْنِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَسِيبَوَيْهِ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ قِراءَةَ نافِعٍ لَحْنٌ، وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ هَدانِي إلى تَوْحِيدِهِ وأنْتُمْ تُرِيدُونَ أنْ أكُونَ مِثْلَكم في الضَّلالَةِ والجَهالَةِ وعَدَمِ الهِدايَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ قالَ: هَذا لَمّا خَوَّفُوهُ مِن آلِهَتِهِمْ بِأنَّها سَتَغْضَبُ عَلَيْهِ وتُصِيبُهُ بِمَكْرُوهٍ: أيْ إنِّي لا أخافُ ما هو مَخْلُوقٌ مِن مَخْلُوقاتِ اللَّهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ وإلى مَعْبُوداتِهِمُ المَدْلُولِ عَلَيْها بِما في ﴿ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي بِأنْ يُلْحِقَنِي شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِذَنْبٍ عَمِلْتُهُ فالأمْرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ مِنهُ لا مِن مَعْبُوداتِكُمُ الباطِلَةِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.
والمَعْنى: عَلى نَفْيِ حُصُولِ ضَرَرٍ مِن مَعْبُوداتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ، وإثْباتُ الضَّرَرِ والنَّفْعِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وصُدُورِهِما حَسْبَ مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ إنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَإذا شاءَ الخَيْرَ كانَ حَسَبَ مَشِيئَتِهِ، وإذا شاءَ إنْزالَ شَرٍّ بِي كانَ، ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قالَ لَهم مُكَمِّلًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ودافِعًا لِما خَوَّفُوهُ بِهِ.
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ كَيْفَ أخافُ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ، والحالُ أنَّكم لا تَخافُونَ ما صَدَرَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، وهو الضّارُّ النّافِعُ الخالِقُ الرّازِقُ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ الإلْزامِيَّ الَّذِي لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْلَصًا ولا مُتَحَوَّلًا، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّقْرِيعِ لَهم، " مّا " في ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَفْعُولُ أشْرَكْتُمْ: أيْ ولا تَخافُونَ أنَّكم جَعَلْتُمُ الأشْياءَ الَّتِي لَمْ يُنْزِلْ بِها عَلَيْكم سُلْطانًا شُرَكاءَ لِلَّهِ، أوِ المَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْذَنْ بِجَعْلِها شُرَكاءَ لَهُ ولا نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِإشْراكِها حُجَّةٌ يَحْتَجُّونَ بِها، فَكَيْفَ عَبَدُوها واتَّخَذُوها آلِهَةً وجَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ المُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ: (p-٤٣١)أيْ إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ مَعْبُودِي هو اللَّهُ المُتَّصِفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ومَعْبُودَكم هي تِلْكَ المَخْلُوقاتُ، كَيْفَ تُخَوِّفُونِي بِها، وكَيْفَ أخافُها ؟ وهي بِهَذِهِ المَنزِلَةِ ولا تَخافُونَ مِن إشْراكِكم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وبَعْدَ هَذا فَأخْبِرُونِي: أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ وعَدَمِ الخَوْفِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَعْرِفُونَ البَراهِينَ الصَّحِيحَةَ وتُمَيِّزُونَها عَنِ الشُّبَهِ الباطِلَةِ.
ثُمَّ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قاضِيًا بَيْنَهم ومُبَيِّنًا لَهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ أيْ هُمُ الأحَقُّ بِالأمْنِ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقِيلَ: هو مِن تَمامِ قَوْلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ لَمْ يَخْلِطُوهُ بِظُلْمٍ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ: الشِّرْكُ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: لَيْسَ هو كَما تَظُنُّونَ، إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ: ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشّافِ حَيْثُ يَقُولُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وأبى تَفْسِيرَ الظُّلْمِ بِالكُفْرِ لِفَضِّ اللَّبْسِ وهو لا يَدْرِي أنَّ الصّادِقَ المَصْدُوقَ قَدْ فَسَّرَها بِهَذا، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ أُولَئِكَ إلى المَوْصُولِ المُتَّصِفِ بِما سَبَقَ، و﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، هَذا أوْضَحُ ما قِيلَ: مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ثابِتُونَ عَلَيْهِ، وغَيْرُهم عَلى ضَلالٍ وجَهْلٍ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ: أيْ تِلْكَ البَراهِينُ الَّتِي أوْرَدَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
﴿حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ أيْ أعْطَيْناهُ إيّاها وأرْشَدْناهُ إلَيْها، وجُمْلَةُ ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِالهِدايَةِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ وتَلْقِينِ الحُجَّةِ، أوْ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ حَكِيمٌ في كُلِّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلِيمٌ بِحالِ عِبادِهِ، وأنَّ مِنهم مَن يَسْتَحِقُّ الرَّفْعَ ومِنهم مَن لا يَسْتَحِقُّهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: الآزَرُ الصَّنَمُ، وأبُو إبْراهِيمَ اسْمُهُ يَأْزَرُ وأُمُّهُ اسْمُها مِثْلى وامْرَأتُهُ اسْمُها سارَّةُ، وسُرِّيَّتُهُ أمُّ إسْماعِيلَ اسْمُها هاجَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: آزَرُ لَمْ يَكُنْ بِأبِيهِ ولَكِنَّهُ اسْمُ صَنَمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اسْمُ أبِيهِ تارَخُ واسْمُ الصَّنَمِ آزَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها أعْوَجُ وأنَّها أشَدُّ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ لِأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ: إنَّ والِدَ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ آزَرَ، وإنَّما اسْمُهُ تارَخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: كَشَفَ ما بَيْنَ السَّماواتِ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِنَّ عَلى صَخْرَةٍ، والصَّخْرَةُ عَلى حُوتٍ، وهو الحُوتُ الَّذِي مِنهُ طَعامُ النّاسِ، والحُوتُ في سِلْسِلَةٍ، والسِّلْسِلَةُ في خاتَمِ العِزَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ: قالَ سُلْطانُهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ يَقُولُ: خاصَمُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ قالَ: أتُخاصِمُونِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكَذَلِكَ أخْرَجا أيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِثْلَهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ مِثْلُ ذَلِكَ، ويُغْنِي عَنِ الجَمِيعِ ما قَدَّمْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في تَفْسِيرِ الآيَةِ كَما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ قالَ: خَصْمُهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: بِالعِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: إنَّ لِلْعُلَماءِ دَرَجاتٍ كَدَرَجاتِ الشُّهَداءِ.
الأنعام 6:84
قَوْلُهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ [الأنعام: ٨٣] عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى " آتَيْناها " والأوَّلُ أوْلى.
والمَعْنى: ووَهَبْنا لَهُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ عَلى الِاحْتِجاجِ في الدِّينِ وبَذْلِ النَّفْسِ فِيهِ، (p-٤٣٢)و﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾ انْتِصابُ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ: أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما هَدَيْناهُ، وكَذَلِكَ " نُوحًا " مَنصُوبٌ بِهَدَيْنا الثّانِي أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقالَ الفَرّاءُ: مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.
واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ والقُشَيْرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَدَّ مِن هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ يُونُسَ ولُوطًا وما كانا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ لُوطًا هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، وانْتَصَبَ ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وكَذَلِكَ ما بَعَدَهُما، وإنَّما عَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هِدايَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّ شَرَفَ الأبْناءِ مُتَّصِلٌ بِالآباءِ.
ومَعْنى مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ .
وإلْياسَ.
قالَ الضَّحّاكُ،: هو مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِن سِبْطِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ.
وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ وقَتادَةُ، " والياسَ " بِوَصْلِ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ واليَسَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا بِلامَيْنِ.
وكَذا قَرَأ الكِسائِيُّ ورَدَّ القِراءَةَ الأُولى، ولا وجْهَ لِلرَّدِّ فَهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعُجْمَةُ لا تُؤْخَذُ بِالقِياسِ بَلْ تُؤَدّى عَلى حَسَبِ السَّماعِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في الِاسْمِ لُغَتانِ لِلْعَجَمِ، أوْ تُغَيِّرُهُ العَرَبُ تَغْيِيرَيْنِ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ بِلامٍ واحِدَةٍ فالِاسْمُ يَسَعُ والألِفُ واللّامُ مَزِيدَتانِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ
ومَن قَرَأ بِلامَيْنِ فالِاسْمُ لِيَسَعَ، وقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّ اليَسَعَ هو إلْياسُ وهو وهْمٌ، فَإنَّ اللَّهَ أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
وقالَ وهْبٌ: اليَسَعُ صاحِبُ إلْياسَ، وكانُوا قَبْلَ يَحْيى وعِيسى وزَكَرِيّا، وقِيلَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ وإلْياسُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: إلْياسُ هو الخَضِرُ، وقِيلَ: لا بَلِ اليَسَعُ هو الخَضِرُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ فَضَّلْناهُ بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ هَدَيْنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ هَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وأزْواجِهِمْ ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فَضَّلْنا، والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ أوِ التَّخْلِيصُ أوْ الِاخْتِيارُ، مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، فالِاجْتِباءُ ضَمُّ الَّذِي تَجْتَبِيهِ إلى خاصِّيَّتِكَ.
قالَ الكِسائِيُّ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَبْيٌ مَقْصُورٌ، والجابِيَةُ الحَوْضُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إلى الهِدايَةِ والتَّفْضِيلِ والِاجْتِباءِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ اللَّهُ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ وفَّقَهم لِلْخَيْرِ واتِّباعِ الحَقِّ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مِن حَسَناتِهِمْ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والحُبُوطُ البُطْلانِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا: أيْ جِنْسِ الكِتابِ لِيُصَدِّقَ عَلى كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ والحُكْمَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ الرِّسالَةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ الضَّمِيرُ في بِها لِلْحُكْمِ والنُّبُوَّةِ والكِتابِ، أوْ لِلنُّبُوَّةِ فَقَطْ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعانِدِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ ألْزَمْنا بِالإيمانِ بِها قَوْمًا ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، أوِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ سابِقًا.
وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ لا إلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم، وتَقْدِيمِ بِهُداهم عَلى الفِعْلِ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هُداهم بِالِاقْتِداءِ، والِاقْتِداءُ طَلَبُ مُوافَقَةِ الغَيْرِ في فِعْلِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: اصْبِرْ كَما صَبَرُوا، وقِيلَ: اقْتَدِ بِهِمْ في التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَتْ جُزْئِيّاتُ الشَّرائِعِ مُخْتَلِفَةً، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيما لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا عَلى القُرْآنِ، وأنْ يَقُولَ لَهم: ما هو إلّا ذِكْرى يَعْنِي القُرْآنَ لِلْعالَمِينَ أيْ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لِلْخَلْقِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ مِن بَعْدُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ، نَسَبَ اللَّهُ عِيسى إلى أخْوالِهِ فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: دَخَلَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ عَلى الحَجّاجِ فَذَكَرَ الحُسَيْنَ، فَقالَ الحَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، فَقالَ يَحْيى: كَذَبْتَ، فَقالَ لَتَأْتِيَنِّي عَلى ما قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ فَتَلا ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ عِيسى فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِأُمِّهِ، فَقالَ: صَدَقْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ أبِي الأسْوَدِ قالَ: أرْسَلَ الحَجّاجُ إلى يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، تَجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ، وقَدْ قَرَأْتُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَلَمْ أجِدْهُ ؟، فَذَكَرَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْتَبَيْناهم﴾ قالَ: أخْلَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ: يُرِيدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هَدَيْناهم وفَعَلْنا بِهِمْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُكْمُ اللُّبُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، يَقُولُ: إنْ يَكْفُرُوا بِالقُرْآنِ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ والأنْصارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ قالَ: هُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٣٣)﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ،، عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ في الآيَةِ: هُمُ المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم وكانَ يَسْجُدُ في ص، ولَفْظُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، في السَّجْدَةِ الَّتِي في ص، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: أُمِرَ نَبِيُّكم أنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ عَرَضًا مِن عُرُوضِ الدُّنْيا.
الأنعام 6:85
قَوْلُهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ [الأنعام: ٨٣] عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى " آتَيْناها " والأوَّلُ أوْلى.
والمَعْنى: ووَهَبْنا لَهُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ عَلى الِاحْتِجاجِ في الدِّينِ وبَذْلِ النَّفْسِ فِيهِ، (p-٤٣٢)و﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾ انْتِصابُ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ: أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما هَدَيْناهُ، وكَذَلِكَ " نُوحًا " مَنصُوبٌ بِهَدَيْنا الثّانِي أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقالَ الفَرّاءُ: مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.
واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ والقُشَيْرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَدَّ مِن هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ يُونُسَ ولُوطًا وما كانا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ لُوطًا هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، وانْتَصَبَ ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وكَذَلِكَ ما بَعَدَهُما، وإنَّما عَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هِدايَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّ شَرَفَ الأبْناءِ مُتَّصِلٌ بِالآباءِ.
ومَعْنى مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ .
وإلْياسَ.
قالَ الضَّحّاكُ،: هو مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِن سِبْطِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ.
وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ وقَتادَةُ، " والياسَ " بِوَصْلِ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ واليَسَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا بِلامَيْنِ.
وكَذا قَرَأ الكِسائِيُّ ورَدَّ القِراءَةَ الأُولى، ولا وجْهَ لِلرَّدِّ فَهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعُجْمَةُ لا تُؤْخَذُ بِالقِياسِ بَلْ تُؤَدّى عَلى حَسَبِ السَّماعِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في الِاسْمِ لُغَتانِ لِلْعَجَمِ، أوْ تُغَيِّرُهُ العَرَبُ تَغْيِيرَيْنِ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ بِلامٍ واحِدَةٍ فالِاسْمُ يَسَعُ والألِفُ واللّامُ مَزِيدَتانِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ
ومَن قَرَأ بِلامَيْنِ فالِاسْمُ لِيَسَعَ، وقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّ اليَسَعَ هو إلْياسُ وهو وهْمٌ، فَإنَّ اللَّهَ أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
وقالَ وهْبٌ: اليَسَعُ صاحِبُ إلْياسَ، وكانُوا قَبْلَ يَحْيى وعِيسى وزَكَرِيّا، وقِيلَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ وإلْياسُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: إلْياسُ هو الخَضِرُ، وقِيلَ: لا بَلِ اليَسَعُ هو الخَضِرُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ فَضَّلْناهُ بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ هَدَيْنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ هَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وأزْواجِهِمْ ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فَضَّلْنا، والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ أوِ التَّخْلِيصُ أوْ الِاخْتِيارُ، مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، فالِاجْتِباءُ ضَمُّ الَّذِي تَجْتَبِيهِ إلى خاصِّيَّتِكَ.
قالَ الكِسائِيُّ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَبْيٌ مَقْصُورٌ، والجابِيَةُ الحَوْضُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إلى الهِدايَةِ والتَّفْضِيلِ والِاجْتِباءِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ اللَّهُ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ وفَّقَهم لِلْخَيْرِ واتِّباعِ الحَقِّ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مِن حَسَناتِهِمْ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والحُبُوطُ البُطْلانِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا: أيْ جِنْسِ الكِتابِ لِيُصَدِّقَ عَلى كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ والحُكْمَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ الرِّسالَةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ الضَّمِيرُ في بِها لِلْحُكْمِ والنُّبُوَّةِ والكِتابِ، أوْ لِلنُّبُوَّةِ فَقَطْ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعانِدِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ ألْزَمْنا بِالإيمانِ بِها قَوْمًا ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، أوِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ سابِقًا.
وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ لا إلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم، وتَقْدِيمِ بِهُداهم عَلى الفِعْلِ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هُداهم بِالِاقْتِداءِ، والِاقْتِداءُ طَلَبُ مُوافَقَةِ الغَيْرِ في فِعْلِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: اصْبِرْ كَما صَبَرُوا، وقِيلَ: اقْتَدِ بِهِمْ في التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَتْ جُزْئِيّاتُ الشَّرائِعِ مُخْتَلِفَةً، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيما لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا عَلى القُرْآنِ، وأنْ يَقُولَ لَهم: ما هو إلّا ذِكْرى يَعْنِي القُرْآنَ لِلْعالَمِينَ أيْ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لِلْخَلْقِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ مِن بَعْدُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ، نَسَبَ اللَّهُ عِيسى إلى أخْوالِهِ فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: دَخَلَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ عَلى الحَجّاجِ فَذَكَرَ الحُسَيْنَ، فَقالَ الحَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، فَقالَ يَحْيى: كَذَبْتَ، فَقالَ لَتَأْتِيَنِّي عَلى ما قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ فَتَلا ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ عِيسى فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِأُمِّهِ، فَقالَ: صَدَقْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ أبِي الأسْوَدِ قالَ: أرْسَلَ الحَجّاجُ إلى يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، تَجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ، وقَدْ قَرَأْتُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَلَمْ أجِدْهُ ؟، فَذَكَرَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْتَبَيْناهم﴾ قالَ: أخْلَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ: يُرِيدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هَدَيْناهم وفَعَلْنا بِهِمْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُكْمُ اللُّبُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، يَقُولُ: إنْ يَكْفُرُوا بِالقُرْآنِ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ والأنْصارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ قالَ: هُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٣٣)﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ،، عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ في الآيَةِ: هُمُ المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم وكانَ يَسْجُدُ في ص، ولَفْظُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، في السَّجْدَةِ الَّتِي في ص، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: أُمِرَ نَبِيُّكم أنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ عَرَضًا مِن عُرُوضِ الدُّنْيا.
الأنعام 6:86
قَوْلُهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ [الأنعام: ٨٣] عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى " آتَيْناها " والأوَّلُ أوْلى.
والمَعْنى: ووَهَبْنا لَهُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ عَلى الِاحْتِجاجِ في الدِّينِ وبَذْلِ النَّفْسِ فِيهِ، (p-٤٣٢)و﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾ انْتِصابُ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ: أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما هَدَيْناهُ، وكَذَلِكَ " نُوحًا " مَنصُوبٌ بِهَدَيْنا الثّانِي أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقالَ الفَرّاءُ: مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.
واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ والقُشَيْرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَدَّ مِن هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ يُونُسَ ولُوطًا وما كانا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ لُوطًا هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، وانْتَصَبَ ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وكَذَلِكَ ما بَعَدَهُما، وإنَّما عَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هِدايَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّ شَرَفَ الأبْناءِ مُتَّصِلٌ بِالآباءِ.
ومَعْنى مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ .
وإلْياسَ.
قالَ الضَّحّاكُ،: هو مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِن سِبْطِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ.
وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ وقَتادَةُ، " والياسَ " بِوَصْلِ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ واليَسَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا بِلامَيْنِ.
وكَذا قَرَأ الكِسائِيُّ ورَدَّ القِراءَةَ الأُولى، ولا وجْهَ لِلرَّدِّ فَهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعُجْمَةُ لا تُؤْخَذُ بِالقِياسِ بَلْ تُؤَدّى عَلى حَسَبِ السَّماعِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في الِاسْمِ لُغَتانِ لِلْعَجَمِ، أوْ تُغَيِّرُهُ العَرَبُ تَغْيِيرَيْنِ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ بِلامٍ واحِدَةٍ فالِاسْمُ يَسَعُ والألِفُ واللّامُ مَزِيدَتانِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ
ومَن قَرَأ بِلامَيْنِ فالِاسْمُ لِيَسَعَ، وقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّ اليَسَعَ هو إلْياسُ وهو وهْمٌ، فَإنَّ اللَّهَ أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
وقالَ وهْبٌ: اليَسَعُ صاحِبُ إلْياسَ، وكانُوا قَبْلَ يَحْيى وعِيسى وزَكَرِيّا، وقِيلَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ وإلْياسُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: إلْياسُ هو الخَضِرُ، وقِيلَ: لا بَلِ اليَسَعُ هو الخَضِرُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ فَضَّلْناهُ بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ هَدَيْنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ هَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وأزْواجِهِمْ ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فَضَّلْنا، والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ أوِ التَّخْلِيصُ أوْ الِاخْتِيارُ، مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، فالِاجْتِباءُ ضَمُّ الَّذِي تَجْتَبِيهِ إلى خاصِّيَّتِكَ.
قالَ الكِسائِيُّ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَبْيٌ مَقْصُورٌ، والجابِيَةُ الحَوْضُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إلى الهِدايَةِ والتَّفْضِيلِ والِاجْتِباءِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ اللَّهُ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ وفَّقَهم لِلْخَيْرِ واتِّباعِ الحَقِّ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مِن حَسَناتِهِمْ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والحُبُوطُ البُطْلانِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا: أيْ جِنْسِ الكِتابِ لِيُصَدِّقَ عَلى كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ والحُكْمَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ الرِّسالَةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ الضَّمِيرُ في بِها لِلْحُكْمِ والنُّبُوَّةِ والكِتابِ، أوْ لِلنُّبُوَّةِ فَقَطْ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعانِدِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ ألْزَمْنا بِالإيمانِ بِها قَوْمًا ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، أوِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ سابِقًا.
وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ لا إلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم، وتَقْدِيمِ بِهُداهم عَلى الفِعْلِ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هُداهم بِالِاقْتِداءِ، والِاقْتِداءُ طَلَبُ مُوافَقَةِ الغَيْرِ في فِعْلِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: اصْبِرْ كَما صَبَرُوا، وقِيلَ: اقْتَدِ بِهِمْ في التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَتْ جُزْئِيّاتُ الشَّرائِعِ مُخْتَلِفَةً، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيما لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا عَلى القُرْآنِ، وأنْ يَقُولَ لَهم: ما هو إلّا ذِكْرى يَعْنِي القُرْآنَ لِلْعالَمِينَ أيْ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لِلْخَلْقِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ مِن بَعْدُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ، نَسَبَ اللَّهُ عِيسى إلى أخْوالِهِ فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: دَخَلَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ عَلى الحَجّاجِ فَذَكَرَ الحُسَيْنَ، فَقالَ الحَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، فَقالَ يَحْيى: كَذَبْتَ، فَقالَ لَتَأْتِيَنِّي عَلى ما قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ فَتَلا ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ عِيسى فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِأُمِّهِ، فَقالَ: صَدَقْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ أبِي الأسْوَدِ قالَ: أرْسَلَ الحَجّاجُ إلى يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، تَجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ، وقَدْ قَرَأْتُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَلَمْ أجِدْهُ ؟، فَذَكَرَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْتَبَيْناهم﴾ قالَ: أخْلَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ: يُرِيدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هَدَيْناهم وفَعَلْنا بِهِمْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُكْمُ اللُّبُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، يَقُولُ: إنْ يَكْفُرُوا بِالقُرْآنِ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ والأنْصارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ قالَ: هُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٣٣)﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ،، عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ في الآيَةِ: هُمُ المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم وكانَ يَسْجُدُ في ص، ولَفْظُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، في السَّجْدَةِ الَّتِي في ص، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: أُمِرَ نَبِيُّكم أنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ عَرَضًا مِن عُرُوضِ الدُّنْيا.
الأنعام 6:87
قَوْلُهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ [الأنعام: ٨٣] عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى " آتَيْناها " والأوَّلُ أوْلى.
والمَعْنى: ووَهَبْنا لَهُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ عَلى الِاحْتِجاجِ في الدِّينِ وبَذْلِ النَّفْسِ فِيهِ، (p-٤٣٢)و﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾ انْتِصابُ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ: أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما هَدَيْناهُ، وكَذَلِكَ " نُوحًا " مَنصُوبٌ بِهَدَيْنا الثّانِي أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقالَ الفَرّاءُ: مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.
واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ والقُشَيْرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَدَّ مِن هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ يُونُسَ ولُوطًا وما كانا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ لُوطًا هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، وانْتَصَبَ ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وكَذَلِكَ ما بَعَدَهُما، وإنَّما عَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هِدايَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّ شَرَفَ الأبْناءِ مُتَّصِلٌ بِالآباءِ.
ومَعْنى مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ .
وإلْياسَ.
قالَ الضَّحّاكُ،: هو مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِن سِبْطِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ.
وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ وقَتادَةُ، " والياسَ " بِوَصْلِ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ واليَسَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا بِلامَيْنِ.
وكَذا قَرَأ الكِسائِيُّ ورَدَّ القِراءَةَ الأُولى، ولا وجْهَ لِلرَّدِّ فَهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعُجْمَةُ لا تُؤْخَذُ بِالقِياسِ بَلْ تُؤَدّى عَلى حَسَبِ السَّماعِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في الِاسْمِ لُغَتانِ لِلْعَجَمِ، أوْ تُغَيِّرُهُ العَرَبُ تَغْيِيرَيْنِ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ بِلامٍ واحِدَةٍ فالِاسْمُ يَسَعُ والألِفُ واللّامُ مَزِيدَتانِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ
ومَن قَرَأ بِلامَيْنِ فالِاسْمُ لِيَسَعَ، وقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّ اليَسَعَ هو إلْياسُ وهو وهْمٌ، فَإنَّ اللَّهَ أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
وقالَ وهْبٌ: اليَسَعُ صاحِبُ إلْياسَ، وكانُوا قَبْلَ يَحْيى وعِيسى وزَكَرِيّا، وقِيلَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ وإلْياسُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: إلْياسُ هو الخَضِرُ، وقِيلَ: لا بَلِ اليَسَعُ هو الخَضِرُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ فَضَّلْناهُ بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ هَدَيْنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ هَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وأزْواجِهِمْ ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فَضَّلْنا، والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ أوِ التَّخْلِيصُ أوْ الِاخْتِيارُ، مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، فالِاجْتِباءُ ضَمُّ الَّذِي تَجْتَبِيهِ إلى خاصِّيَّتِكَ.
قالَ الكِسائِيُّ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَبْيٌ مَقْصُورٌ، والجابِيَةُ الحَوْضُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إلى الهِدايَةِ والتَّفْضِيلِ والِاجْتِباءِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ اللَّهُ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ وفَّقَهم لِلْخَيْرِ واتِّباعِ الحَقِّ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مِن حَسَناتِهِمْ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والحُبُوطُ البُطْلانِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا: أيْ جِنْسِ الكِتابِ لِيُصَدِّقَ عَلى كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ والحُكْمَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ الرِّسالَةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ الضَّمِيرُ في بِها لِلْحُكْمِ والنُّبُوَّةِ والكِتابِ، أوْ لِلنُّبُوَّةِ فَقَطْ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعانِدِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ ألْزَمْنا بِالإيمانِ بِها قَوْمًا ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، أوِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ سابِقًا.
وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ لا إلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم، وتَقْدِيمِ بِهُداهم عَلى الفِعْلِ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هُداهم بِالِاقْتِداءِ، والِاقْتِداءُ طَلَبُ مُوافَقَةِ الغَيْرِ في فِعْلِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: اصْبِرْ كَما صَبَرُوا، وقِيلَ: اقْتَدِ بِهِمْ في التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَتْ جُزْئِيّاتُ الشَّرائِعِ مُخْتَلِفَةً، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيما لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا عَلى القُرْآنِ، وأنْ يَقُولَ لَهم: ما هو إلّا ذِكْرى يَعْنِي القُرْآنَ لِلْعالَمِينَ أيْ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لِلْخَلْقِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ مِن بَعْدُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ، نَسَبَ اللَّهُ عِيسى إلى أخْوالِهِ فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: دَخَلَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ عَلى الحَجّاجِ فَذَكَرَ الحُسَيْنَ، فَقالَ الحَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، فَقالَ يَحْيى: كَذَبْتَ، فَقالَ لَتَأْتِيَنِّي عَلى ما قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ فَتَلا ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ عِيسى فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِأُمِّهِ، فَقالَ: صَدَقْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ أبِي الأسْوَدِ قالَ: أرْسَلَ الحَجّاجُ إلى يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، تَجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ، وقَدْ قَرَأْتُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَلَمْ أجِدْهُ ؟، فَذَكَرَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْتَبَيْناهم﴾ قالَ: أخْلَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ: يُرِيدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هَدَيْناهم وفَعَلْنا بِهِمْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُكْمُ اللُّبُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، يَقُولُ: إنْ يَكْفُرُوا بِالقُرْآنِ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ والأنْصارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ قالَ: هُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٣٣)﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ،، عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ في الآيَةِ: هُمُ المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم وكانَ يَسْجُدُ في ص، ولَفْظُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، في السَّجْدَةِ الَّتِي في ص، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: أُمِرَ نَبِيُّكم أنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ عَرَضًا مِن عُرُوضِ الدُّنْيا.
الأنعام 6:88
قَوْلُهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ [الأنعام: ٨٣] عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى " آتَيْناها " والأوَّلُ أوْلى.
والمَعْنى: ووَهَبْنا لَهُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ عَلى الِاحْتِجاجِ في الدِّينِ وبَذْلِ النَّفْسِ فِيهِ، (p-٤٣٢)و﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾ انْتِصابُ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ: أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما هَدَيْناهُ، وكَذَلِكَ " نُوحًا " مَنصُوبٌ بِهَدَيْنا الثّانِي أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقالَ الفَرّاءُ: مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.
واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ والقُشَيْرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَدَّ مِن هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ يُونُسَ ولُوطًا وما كانا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ لُوطًا هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، وانْتَصَبَ ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وكَذَلِكَ ما بَعَدَهُما، وإنَّما عَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هِدايَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّ شَرَفَ الأبْناءِ مُتَّصِلٌ بِالآباءِ.
ومَعْنى مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ .
وإلْياسَ.
قالَ الضَّحّاكُ،: هو مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِن سِبْطِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ.
وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ وقَتادَةُ، " والياسَ " بِوَصْلِ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ واليَسَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا بِلامَيْنِ.
وكَذا قَرَأ الكِسائِيُّ ورَدَّ القِراءَةَ الأُولى، ولا وجْهَ لِلرَّدِّ فَهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعُجْمَةُ لا تُؤْخَذُ بِالقِياسِ بَلْ تُؤَدّى عَلى حَسَبِ السَّماعِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في الِاسْمِ لُغَتانِ لِلْعَجَمِ، أوْ تُغَيِّرُهُ العَرَبُ تَغْيِيرَيْنِ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ بِلامٍ واحِدَةٍ فالِاسْمُ يَسَعُ والألِفُ واللّامُ مَزِيدَتانِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ
ومَن قَرَأ بِلامَيْنِ فالِاسْمُ لِيَسَعَ، وقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّ اليَسَعَ هو إلْياسُ وهو وهْمٌ، فَإنَّ اللَّهَ أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
وقالَ وهْبٌ: اليَسَعُ صاحِبُ إلْياسَ، وكانُوا قَبْلَ يَحْيى وعِيسى وزَكَرِيّا، وقِيلَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ وإلْياسُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: إلْياسُ هو الخَضِرُ، وقِيلَ: لا بَلِ اليَسَعُ هو الخَضِرُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ فَضَّلْناهُ بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ هَدَيْنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ هَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وأزْواجِهِمْ ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فَضَّلْنا، والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ أوِ التَّخْلِيصُ أوْ الِاخْتِيارُ، مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، فالِاجْتِباءُ ضَمُّ الَّذِي تَجْتَبِيهِ إلى خاصِّيَّتِكَ.
قالَ الكِسائِيُّ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَبْيٌ مَقْصُورٌ، والجابِيَةُ الحَوْضُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إلى الهِدايَةِ والتَّفْضِيلِ والِاجْتِباءِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ اللَّهُ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ وفَّقَهم لِلْخَيْرِ واتِّباعِ الحَقِّ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مِن حَسَناتِهِمْ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والحُبُوطُ البُطْلانِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا: أيْ جِنْسِ الكِتابِ لِيُصَدِّقَ عَلى كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ والحُكْمَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ الرِّسالَةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ الضَّمِيرُ في بِها لِلْحُكْمِ والنُّبُوَّةِ والكِتابِ، أوْ لِلنُّبُوَّةِ فَقَطْ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعانِدِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ ألْزَمْنا بِالإيمانِ بِها قَوْمًا ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، أوِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ سابِقًا.
وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ لا إلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم، وتَقْدِيمِ بِهُداهم عَلى الفِعْلِ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هُداهم بِالِاقْتِداءِ، والِاقْتِداءُ طَلَبُ مُوافَقَةِ الغَيْرِ في فِعْلِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: اصْبِرْ كَما صَبَرُوا، وقِيلَ: اقْتَدِ بِهِمْ في التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَتْ جُزْئِيّاتُ الشَّرائِعِ مُخْتَلِفَةً، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيما لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا عَلى القُرْآنِ، وأنْ يَقُولَ لَهم: ما هو إلّا ذِكْرى يَعْنِي القُرْآنَ لِلْعالَمِينَ أيْ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لِلْخَلْقِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ مِن بَعْدُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ، نَسَبَ اللَّهُ عِيسى إلى أخْوالِهِ فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: دَخَلَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ عَلى الحَجّاجِ فَذَكَرَ الحُسَيْنَ، فَقالَ الحَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، فَقالَ يَحْيى: كَذَبْتَ، فَقالَ لَتَأْتِيَنِّي عَلى ما قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ فَتَلا ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ عِيسى فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِأُمِّهِ، فَقالَ: صَدَقْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ أبِي الأسْوَدِ قالَ: أرْسَلَ الحَجّاجُ إلى يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، تَجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ، وقَدْ قَرَأْتُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَلَمْ أجِدْهُ ؟، فَذَكَرَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْتَبَيْناهم﴾ قالَ: أخْلَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ: يُرِيدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هَدَيْناهم وفَعَلْنا بِهِمْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُكْمُ اللُّبُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، يَقُولُ: إنْ يَكْفُرُوا بِالقُرْآنِ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ والأنْصارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ قالَ: هُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٣٣)﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ،، عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ في الآيَةِ: هُمُ المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم وكانَ يَسْجُدُ في ص، ولَفْظُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، في السَّجْدَةِ الَّتِي في ص، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: أُمِرَ نَبِيُّكم أنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ عَرَضًا مِن عُرُوضِ الدُّنْيا.
الأنعام 6:89
قَوْلُهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ [الأنعام: ٨٣] عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى " آتَيْناها " والأوَّلُ أوْلى.
والمَعْنى: ووَهَبْنا لَهُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ عَلى الِاحْتِجاجِ في الدِّينِ وبَذْلِ النَّفْسِ فِيهِ، (p-٤٣٢)و﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾ انْتِصابُ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ: أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما هَدَيْناهُ، وكَذَلِكَ " نُوحًا " مَنصُوبٌ بِهَدَيْنا الثّانِي أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقالَ الفَرّاءُ: مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.
واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ والقُشَيْرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَدَّ مِن هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ يُونُسَ ولُوطًا وما كانا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ لُوطًا هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، وانْتَصَبَ ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وكَذَلِكَ ما بَعَدَهُما، وإنَّما عَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هِدايَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّ شَرَفَ الأبْناءِ مُتَّصِلٌ بِالآباءِ.
ومَعْنى مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ .
وإلْياسَ.
قالَ الضَّحّاكُ،: هو مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِن سِبْطِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ.
وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ وقَتادَةُ، " والياسَ " بِوَصْلِ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ واليَسَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا بِلامَيْنِ.
وكَذا قَرَأ الكِسائِيُّ ورَدَّ القِراءَةَ الأُولى، ولا وجْهَ لِلرَّدِّ فَهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعُجْمَةُ لا تُؤْخَذُ بِالقِياسِ بَلْ تُؤَدّى عَلى حَسَبِ السَّماعِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في الِاسْمِ لُغَتانِ لِلْعَجَمِ، أوْ تُغَيِّرُهُ العَرَبُ تَغْيِيرَيْنِ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ بِلامٍ واحِدَةٍ فالِاسْمُ يَسَعُ والألِفُ واللّامُ مَزِيدَتانِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ
ومَن قَرَأ بِلامَيْنِ فالِاسْمُ لِيَسَعَ، وقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّ اليَسَعَ هو إلْياسُ وهو وهْمٌ، فَإنَّ اللَّهَ أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
وقالَ وهْبٌ: اليَسَعُ صاحِبُ إلْياسَ، وكانُوا قَبْلَ يَحْيى وعِيسى وزَكَرِيّا، وقِيلَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ وإلْياسُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: إلْياسُ هو الخَضِرُ، وقِيلَ: لا بَلِ اليَسَعُ هو الخَضِرُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ فَضَّلْناهُ بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ هَدَيْنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ هَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وأزْواجِهِمْ ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فَضَّلْنا، والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ أوِ التَّخْلِيصُ أوْ الِاخْتِيارُ، مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، فالِاجْتِباءُ ضَمُّ الَّذِي تَجْتَبِيهِ إلى خاصِّيَّتِكَ.
قالَ الكِسائِيُّ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَبْيٌ مَقْصُورٌ، والجابِيَةُ الحَوْضُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إلى الهِدايَةِ والتَّفْضِيلِ والِاجْتِباءِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ اللَّهُ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ وفَّقَهم لِلْخَيْرِ واتِّباعِ الحَقِّ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مِن حَسَناتِهِمْ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والحُبُوطُ البُطْلانِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا: أيْ جِنْسِ الكِتابِ لِيُصَدِّقَ عَلى كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ والحُكْمَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ الرِّسالَةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ الضَّمِيرُ في بِها لِلْحُكْمِ والنُّبُوَّةِ والكِتابِ، أوْ لِلنُّبُوَّةِ فَقَطْ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعانِدِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ ألْزَمْنا بِالإيمانِ بِها قَوْمًا ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، أوِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ سابِقًا.
وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ لا إلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم، وتَقْدِيمِ بِهُداهم عَلى الفِعْلِ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هُداهم بِالِاقْتِداءِ، والِاقْتِداءُ طَلَبُ مُوافَقَةِ الغَيْرِ في فِعْلِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: اصْبِرْ كَما صَبَرُوا، وقِيلَ: اقْتَدِ بِهِمْ في التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَتْ جُزْئِيّاتُ الشَّرائِعِ مُخْتَلِفَةً، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيما لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا عَلى القُرْآنِ، وأنْ يَقُولَ لَهم: ما هو إلّا ذِكْرى يَعْنِي القُرْآنَ لِلْعالَمِينَ أيْ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لِلْخَلْقِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ مِن بَعْدُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ، نَسَبَ اللَّهُ عِيسى إلى أخْوالِهِ فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: دَخَلَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ عَلى الحَجّاجِ فَذَكَرَ الحُسَيْنَ، فَقالَ الحَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، فَقالَ يَحْيى: كَذَبْتَ، فَقالَ لَتَأْتِيَنِّي عَلى ما قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ فَتَلا ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ عِيسى فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِأُمِّهِ، فَقالَ: صَدَقْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ أبِي الأسْوَدِ قالَ: أرْسَلَ الحَجّاجُ إلى يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، تَجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ، وقَدْ قَرَأْتُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَلَمْ أجِدْهُ ؟، فَذَكَرَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْتَبَيْناهم﴾ قالَ: أخْلَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ: يُرِيدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هَدَيْناهم وفَعَلْنا بِهِمْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُكْمُ اللُّبُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، يَقُولُ: إنْ يَكْفُرُوا بِالقُرْآنِ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ والأنْصارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ قالَ: هُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٣٣)﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ،، عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ في الآيَةِ: هُمُ المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم وكانَ يَسْجُدُ في ص، ولَفْظُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، في السَّجْدَةِ الَّتِي في ص، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: أُمِرَ نَبِيُّكم أنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ عَرَضًا مِن عُرُوضِ الدُّنْيا.
الأنعام 6:90
قَوْلُهُ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ [الأنعام: ٨٣] عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى " آتَيْناها " والأوَّلُ أوْلى.
والمَعْنى: ووَهَبْنا لَهُ ذَلِكَ جَزاءً لَهُ عَلى الِاحْتِجاجِ في الدِّينِ وبَذْلِ النَّفْسِ فِيهِ، (p-٤٣٢)و﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾ انْتِصابُ كُلًّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ: أيْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما هَدَيْناهُ، وكَذَلِكَ " نُوحًا " مَنصُوبٌ بِهَدَيْنا الثّانِي أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ أيْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وقالَ الفَرّاءُ: مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.
واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ والقُشَيْرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عَدَّ مِن هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ يُونُسَ ولُوطًا وما كانا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ لُوطًا هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، وانْتَصَبَ ﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وكَذَلِكَ ما بَعَدَهُما، وإنَّما عَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هِدايَةَ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي عَدَّدَها عَلى إبْراهِيمَ، لِأنَّ شَرَفَ الأبْناءِ مُتَّصِلٌ بِالآباءِ.
ومَعْنى مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ .
وإلْياسَ.
قالَ الضَّحّاكُ،: هو مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: هو مِن سِبْطِ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ.
وقَرَأ الأعْرَجُ والحَسَنُ وقَتادَةُ، " والياسَ " بِوَصْلِ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ واليَسَعَ مُخَفَّفًا.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا بِلامَيْنِ.
وكَذا قَرَأ الكِسائِيُّ ورَدَّ القِراءَةَ الأُولى، ولا وجْهَ لِلرَّدِّ فَهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، والعُجْمَةُ لا تُؤْخَذُ بِالقِياسِ بَلْ تُؤَدّى عَلى حَسَبِ السَّماعِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في الِاسْمِ لُغَتانِ لِلْعَجَمِ، أوْ تُغَيِّرُهُ العَرَبُ تَغْيِيرَيْنِ.
قالَ الَمَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ بِلامٍ واحِدَةٍ فالِاسْمُ يَسَعُ والألِفُ واللّامُ مَزِيدَتانِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎رَأيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدِ مُبارَكًا شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهُ
ومَن قَرَأ بِلامَيْنِ فالِاسْمُ لِيَسَعَ، وقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أنَّ اليَسَعَ هو إلْياسُ وهو وهْمٌ، فَإنَّ اللَّهَ أفْرَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
وقالَ وهْبٌ: اليَسَعُ صاحِبُ إلْياسَ، وكانُوا قَبْلَ يَحْيى وعِيسى وزَكَرِيّا، وقِيلَ: إلْياسُ هو إدْرِيسُ، وهَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ وإلْياسُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقِيلَ: إلْياسُ هو الخَضِرُ، وقِيلَ: لا بَلِ اليَسَعُ هو الخَضِرُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ فَضَّلْناهُ بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ هَدَيْنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ: أيْ هَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وأزْواجِهِمْ ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى فَضَّلْنا، والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ أوِ التَّخْلِيصُ أوْ الِاخْتِيارُ، مُشْتَقٌّ مِن جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَمَعْتُهُ، فالِاجْتِباءُ ضَمُّ الَّذِي تَجْتَبِيهِ إلى خاصِّيَّتِكَ.
قالَ الكِسائِيُّ: جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ جَبْيٌ مَقْصُورٌ، والجابِيَةُ الحَوْضُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ إلى الهِدايَةِ والتَّفْضِيلِ والِاجْتِباءِ المَفْهُومَةِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ اللَّهُ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ وفَّقَهم لِلْخَيْرِ واتِّباعِ الحَقِّ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مِن حَسَناتِهِمْ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والحُبُوطُ البُطْلانِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ سابِقًا: أيْ جِنْسِ الكِتابِ لِيُصَدِّقَ عَلى كُلِّ ما أُنْزِلَ عَلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ والحُكْمَ العِلْمَ والنُّبُوَّةَ الرِّسالَةَ أوْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ الضَّمِيرُ في بِها لِلْحُكْمِ والنُّبُوَّةِ والكِتابِ، أوْ لِلنُّبُوَّةِ فَقَطْ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ المُعانِدِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ ألْزَمْنا بِالإيمانِ بِها قَوْمًا ﴿لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، أوِ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ سابِقًا.
وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فَإنَّ الإشارَةَ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ لا إلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم، وتَقْدِيمِ بِهُداهم عَلى الفِعْلِ يُفِيدُ تَخْصِيصَ هُداهم بِالِاقْتِداءِ، والِاقْتِداءُ طَلَبُ مُوافَقَةِ الغَيْرِ في فِعْلِهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: اصْبِرْ كَما صَبَرُوا، وقِيلَ: اقْتَدِ بِهِمْ في التَّوْحِيدِ، وإنْ كانَتْ جُزْئِيّاتُ الشَّرائِعِ مُخْتَلِفَةً، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَأْمُورٌ بِالِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فِيما لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لا يَسْألُهم أجْرًا عَلى القُرْآنِ، وأنْ يَقُولَ لَهم: ما هو إلّا ذِكْرى يَعْنِي القُرْآنَ لِلْعالَمِينَ أيْ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لِلْخَلْقِ كافَّةً، المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِهِ ومَن سَيُوجَدُ مِن بَعْدُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الخالُ والِدٌ والعَمُّ والِدٌ، نَسَبَ اللَّهُ عِيسى إلى أخْوالِهِ فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: دَخَلَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ عَلى الحَجّاجِ فَذَكَرَ الحُسَيْنَ، فَقالَ الحَجّاجُ: لَمْ يَكُنْ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، فَقالَ يَحْيى: كَذَبْتَ، فَقالَ لَتَأْتِيَنِّي عَلى ما قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ فَتَلا ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ عِيسى فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّ عِيسى مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِأُمِّهِ، فَقالَ: صَدَقْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حَرْبِ بْنِ أبِي الأسْوَدِ قالَ: أرْسَلَ الحَجّاجُ إلى يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ النَّبِيِّ، تَجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ، وقَدْ قَرَأْتُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ فَلَمْ أجِدْهُ ؟، فَذَكَرَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْتَبَيْناهم﴾ قالَ: أخْلَصْناهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ: يُرِيدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هَدَيْناهم وفَعَلْنا بِهِمْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُكْمُ اللُّبُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، يَقُولُ: إنْ يَكْفُرُوا بِالقُرْآنِ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ يَعْنِي أهْلَ المَدِينَةِ والأنْصارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا﴾ قالَ: هُمُ الأنْبِياءُ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٣٣)﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ،، عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ في الآيَةِ: هُمُ المَلائِكَةُ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهُما، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ قالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقْتَدِيَ بِهُداهم وكانَ يَسْجُدُ في ص، ولَفْظُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، في السَّجْدَةِ الَّتِي في ص، فَقالَ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ: أُمِرَ نَبِيُّكم أنْ يَقْتَدِيَ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ عَرَضًا مِن عُرُوضِ الدُّنْيا.
الأنعام 6:91
قَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قَدَّرْتُ الشَّيْءَ وقَدَرْتُهُ عَرَفْتُ مِقْدارَهُ، وأصْلُهُ: السَّتْرُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ: أيْ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ أنْكَرُوا إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ وإنْزالَهُ لِلْكُتُبِ.
وقِيلَ: المَعْنى: وما قَدَّرُوا نِعَمَ اللَّهِ حَقَّ تَقْدِيرِها.
وقَرَأ أبُو حَمْزَةَ " وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدَرِهِ " بِفَتْحِ الدّالِ: وهي لُغَةٌ، ولَمّا وقَعَ مِنهم هَذا الإنْكارُ وهم مِنَ اليَهُودِ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً لا يُطِيقُونَ دَفْعَها، فَقالَ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ وهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ويُذْعِنُونَ لَهُ، فَكانَ في هَذا مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم والتَّقْرِيعِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ إلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِما أنْكَرُوهُ مِن وُقُوعِ إنْزالِ اللَّهِ عَلى البَشَرِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَبَطَلَ جَحْدُهم وتَبَيَّنَ فَسادُ إنْكارِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ فَيَكُونُ إلْزامُهم بِإنْزالِ اللَّهِ الكِتابَ عَلى مُوسى مِن جِهَةِ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ويَعْلَمُونَهُ بِالأخْبارِ مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ كانُوا يُصَدِّقُونَهم، و﴿نُورًا وهُدًى﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، و﴿لِلنّاسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِهُدًى: أيْ كائِنًا لِلنّاسِ.
قَوْلُهُ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى في قَراطِيسَ تَضَعُونَهُ فِيها لِيَتِمَّ لَكم ما تُرِيدُونَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ وكَتْمِ صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ، وهَذا ذَمٌّ لَهم، والضَّمِيرُ في ﴿تُبْدُونَها﴾ راجِعٌ إلى القَراطِيسِ، وفي ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ، وجُمْلَةُ تَجْعَلُونَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ تُبْدُونَها صِفَةٌ لِقَراطِيسَ ﴿وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تُبْدُونَها: أيْ وتُخْفُونَ كَثِيرًا مِنها، والخِطابُ في ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم﴾ لِلْيَهُودِ: أيْ والحالُ أنَّكم قَدْ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها، والَّذِي عَلِمُوهُ هو الَّذِي أخْبَرَهم بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِها، فَإنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى ما لَمْ يَعْلَمُوهُ مِن كُتُبِهِمْ ولا عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ ولا عَلِمَهُ آباؤُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما في ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِنَ التَّوْراةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المَنِّ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ التَّوْراةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَتَكُونُ ما عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ الإلْزامِ الَّذِي ألْزَمَهم بِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ ﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ ذَرْهم في باطِلِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ يَلْعَبُونَ: أيْ يَصْنَعُونَ صُنْعَ الصِّبْيانِ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ يَعْنِي عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ تَقُولُونَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ ومُبارَكٌ ومُصَدِّقٌ صِفَتانِ لِكِتابٍ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ، والمُصَدِّقُ كَثِيرُ التَّصْدِيقِ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ عَلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلِهِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهُ يُوافِقُها في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ وإنْ خالَفَها في بَعْضِ الأحْكامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِتُنْذِرَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مُبارَكٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكاتِ ولِتُنْذِرَ، وخَصَّ أُمَّ القُرى وهي مَكَّةُ لِكَوْنِها أعْظَمَ القُرى شَأْنًا، ولِكَوْنِها أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ولِكَوْنِها قِبْلَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ ومَحَلَّ حَجِّهِمْ، فالإنْذارُ لِأهْلِها مُسْتَتْبَعٌ لِإنْذارِ سائِرِ أهْلِ الأرْضِ والمُرادُ بِمَن حَوْلَها جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ، والمُرادُ بِإنْذارِ أُمِّ القُرى: إنْذارُ أهْلِها وأهْلِ سائِرِ الأرْضِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ كَسُؤالِ القَرْيَةِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خَبَرُهُ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ مَن صَدَّقَ بِالدّارِ الآخِرَةِ أنْ يُؤْمِنَ بِهَذا الكِتابِ ويُصَدِّقَهُ ويَعْمَلَ بِما فِيهِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالآخِرَةِ يُوجِبُ قَبُولَ مَن دَعا النّاسَ إلى ما يُنالُ بِهِ خَيْرُها ويُنْدَفَعُ بِهِ ضُرُّها، وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وخَصَّ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الواجِباتِ لِكَوْنِها عِمادَها وبِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ لَها.
قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الكُتُبَ عَلى رُسُلِهِ: أيْ كَيْفَ تَقُولُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَزَعَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، أوْ كَذِبَ (p-٤٣٤)عَلى اللَّهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ، وقَدْ صانَ اللَّهُ أنْبِياءَهُ عَمّا تَزْعُمُونَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما هَذا شَأْنُ الكَذّابِينَ رُؤُوسِ الإضْلالِ كَمُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ وسَجاحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَنِ افْتَرى أيْ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى أوْ مِمَّنْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ، أوْ مِمَّنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وهُمُ القائِلُونَ ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] وقِيلَ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، فَإنَّهُ كانَ يَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأمْلى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ المُؤْمِنُونَ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَكَذا أُنْزِلَتْ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ حِينَئِذٍ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ» كَما هو مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والمُرادُ كُلُّ ظالِمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجاحِدُونَ لِما أنْزَلَ اللَّهُ والمُدَّعُونَ لِلنُّبُوّاتِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ دَخُولًا أوَّلِيًّا، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والغَمَراتُ جَمْعُ غَمْرَةٍ: وهي الشِّدَّةُ، وأصْلُها الشَّيْءُ الَّذِي يَغْمُرُ الأشْياءَ فَيُغَطِّيها، ومِنهُ غَمْرَةُ الماءِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في الشَّدائِدِ، ومِنهُ غَمْرَةُ الحَرْبِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والغَمْرَةُ الشِّدَّةُ والجَمْعُ غُمَرٌ: مِثْلُ نَوْبَةٍ ونُوَبُ، وجُمْلَةُ ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ والحالُ أنَّ المَلائِكَةَ باسِطُو أيْدِيهِمْ لِقَبْضِ أرْواحِ الكُفّارِ، وقِيلَ: لِلْعَذابِ وفي أيْدِيهِمْ مَطارِقُ الحَدِيدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم﴾ [الأنفال: ٥٠] .
قَوْلُهُ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ قائِلِينَ لَهم أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذِهِ الغَمَراتِ الَّتِي وقَعْتُمْ فِيها، أوْ أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن أيْدِينا وخَلِّصُوها مِنَ العَذابِ، أوْ أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن أجْسادِكم وسَلِّمُوها إلَيْنا لِنَقْبِضَها ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ اليَوْمَ الَّذِي تُقْبَضُ فِيهِ أرْواحُكم، أوْ أرادُوا بِاليَوْمِ الوَقْتَ الَّذِي يُعَذَّبُونَ فِيهِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ عَذابُ القَبْرِ، والهُونُ، والهَوانُ بِمَعْنًى: أيِ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهَوانِ الَّذِي تَصِيرُونَ بِهِ في إهانَةٍ وذِلَّةٍ بَعْدَما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكِبْرِ والتَّعاظُمِ، والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ قَوْلِكم هَذا مِن إنْكارِ إنْزالِ اللَّهِ كُتُبَهُ عَلى رُسُلِهِ والإشْراكِ بِهِ ﴿وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ لَها والعَمَلِ بِها فَكانَ ما جُوزِيتُمْ بِهِ مِن عَذابِ الهُونِ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] .
قَوْلُهُ: ٩٤ - ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ .
قَرَأ أبُو حَيْوَةَ فُرادًى بِالتَّنْوِينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ لِلْجَمْعِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ.
وحَكى ثَعْلَبٌ فُرادَ بِلا تَنْوِينٍ مِثْلَ: ثَلاثَ ورُباعَ، وفُرادى جَمْعُ فَرْدٍ كَسُكارى جَمْعُ سَكْرانٍ وكُسالى جَمْعُ كَسْلانٍ، والمَعْنى: جِئْتُمُونا مُنْفَرِدِينَ واحِدًا واحِدًا كُلُّ واحِدٍ مُنْفَرِدٌ عَنْ أهْلِهِ ومالِهِ وما كانَ يَعْبُدُهُ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها عِنْدَ خُرُوجِكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم، والكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ جِئْتُمُونا مَجِيئًا مِثْلَ مَجِيئِكم عِنْدَ خَلْقِنا لَكم، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ فُرادى: أيْ مُشابِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِنا لَكم ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أيْ أعْطَيْناكم، والخَوْلُ ما أعْطاهُ اللَّهُ لِلْإنْسانِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا: أيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ خَلْفَكم لَمْ تَأْتُونا بِشَيْءٍ مِنهُ ولا انْتَفَعْتُمْ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ﴾ عَبَدْتُمُوهم وقُلْتُمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، و﴿زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ لِلَّهِ يَسْتَحِقُّونَ مِنكُمُ العِبادَةَ كَما يَسْتَحِقُّها.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِنَصْبِ بَيْنَكم عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وفاعِلُ تَقَطَّعَ مَحْذُوفٌ: أيْ تَقَطَّعَ الوَصْلُ بَيْنَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ .
وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى إسْنادِ القَطْعِ إلى البَيْنِ: أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قِراءَةِ النَّصْبِ مَعْنى قِراءَةِ الرَّفْعِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى الظَّرْفِ، وإنَّما نُصِبَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ ظَرْفًا.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ما: أيِ الَّذِي بَيْنَكم ﴿وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مِنَ الشُّرَكاءِ والشِّرْكِ، وحِيلَ بَيْنَكم وبَيْنَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَمَن آمَنَ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ فَلَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ.
«قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتابًا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ كِتابًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى» إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ قالَها مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ مِن شَيْءٍ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، فَخاصَمَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ ؟ وكانَ حَبْرًا سَمِينًا، فَغَضِبَ وقالَ: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: ويْحَكَ ولا عَلى مُوسى ؟ قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: " ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ " قالَ: اليَهُودُ. وقَوْلُهُ: (p-٤٣٥)﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم﴾ قالَ: هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ آتاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا فَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِ ولَمْ يَأْخُذُوا بِهِ ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ في عِلْمِهِمْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ قالَ: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قالَ: مَكَّةُ ومَن حَوْلَها.
قالَ: يَعْنِي ما حَوْلَها مِنَ القُرى إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: إنَّما سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى لِأنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قالَ: هي مَكَّةُ، قالَ: وبَلَغَنِي أنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ فَرَّ إلى عُثْمانَ أخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَغَيَّبَهُ عِنْدَهُ حَتّى اطْمَأنَّ أهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي خَلَفٍ الأعْمى: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ ونَحْوَهُ مِمَّنْ دَعا إلى مِثْلِ ما دَعا إلَيْهِ ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ٢، ١] قالَ: النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ: والطّاحِناتِ طَحْنًا والعاجِناتِ عَجْنًا قَوْلًا كَثِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿غَمَراتِ المَوْتِ﴾ قالَ: سَكَراتُ المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ هَذا عِنْدَ المَوْتِ، والبَسْطُ: الضَّرْبُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم﴾ [ الأنْفالِ: ٥٠، مُحَمَّدٍ: ٢٧ ] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: في الآيَةِ هَذا مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ قالَ: الهَوانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ الآيَةَ، قالَ: كَيَوْمِ وُلِدَ يُرَدُّ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ نَقَصَ مِنهُ يَوْمَ وُلِدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم﴾ قالَ: مِنَ المالِ والخَدَمِ ﴿وراءَ ظُهُورِكم﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم﴾ قالَ: ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الوَصْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم﴾ قالَ: تَواصُلُكم في الدُّنْيا.
الأنعام 6:92
قَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قَدَّرْتُ الشَّيْءَ وقَدَرْتُهُ عَرَفْتُ مِقْدارَهُ، وأصْلُهُ: السَّتْرُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ: أيْ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ أنْكَرُوا إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ وإنْزالَهُ لِلْكُتُبِ.
وقِيلَ: المَعْنى: وما قَدَّرُوا نِعَمَ اللَّهِ حَقَّ تَقْدِيرِها.
وقَرَأ أبُو حَمْزَةَ " وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدَرِهِ " بِفَتْحِ الدّالِ: وهي لُغَةٌ، ولَمّا وقَعَ مِنهم هَذا الإنْكارُ وهم مِنَ اليَهُودِ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً لا يُطِيقُونَ دَفْعَها، فَقالَ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ وهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ويُذْعِنُونَ لَهُ، فَكانَ في هَذا مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم والتَّقْرِيعِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ إلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِما أنْكَرُوهُ مِن وُقُوعِ إنْزالِ اللَّهِ عَلى البَشَرِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَبَطَلَ جَحْدُهم وتَبَيَّنَ فَسادُ إنْكارِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ فَيَكُونُ إلْزامُهم بِإنْزالِ اللَّهِ الكِتابَ عَلى مُوسى مِن جِهَةِ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ويَعْلَمُونَهُ بِالأخْبارِ مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ كانُوا يُصَدِّقُونَهم، و﴿نُورًا وهُدًى﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، و﴿لِلنّاسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِهُدًى: أيْ كائِنًا لِلنّاسِ.
قَوْلُهُ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى في قَراطِيسَ تَضَعُونَهُ فِيها لِيَتِمَّ لَكم ما تُرِيدُونَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ وكَتْمِ صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ، وهَذا ذَمٌّ لَهم، والضَّمِيرُ في ﴿تُبْدُونَها﴾ راجِعٌ إلى القَراطِيسِ، وفي ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ، وجُمْلَةُ تَجْعَلُونَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ تُبْدُونَها صِفَةٌ لِقَراطِيسَ ﴿وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تُبْدُونَها: أيْ وتُخْفُونَ كَثِيرًا مِنها، والخِطابُ في ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم﴾ لِلْيَهُودِ: أيْ والحالُ أنَّكم قَدْ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها، والَّذِي عَلِمُوهُ هو الَّذِي أخْبَرَهم بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِها، فَإنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى ما لَمْ يَعْلَمُوهُ مِن كُتُبِهِمْ ولا عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ ولا عَلِمَهُ آباؤُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما في ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِنَ التَّوْراةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المَنِّ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ التَّوْراةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَتَكُونُ ما عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ الإلْزامِ الَّذِي ألْزَمَهم بِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ ﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ ذَرْهم في باطِلِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ يَلْعَبُونَ: أيْ يَصْنَعُونَ صُنْعَ الصِّبْيانِ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ يَعْنِي عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ تَقُولُونَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ ومُبارَكٌ ومُصَدِّقٌ صِفَتانِ لِكِتابٍ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ، والمُصَدِّقُ كَثِيرُ التَّصْدِيقِ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ عَلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلِهِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهُ يُوافِقُها في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ وإنْ خالَفَها في بَعْضِ الأحْكامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِتُنْذِرَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مُبارَكٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكاتِ ولِتُنْذِرَ، وخَصَّ أُمَّ القُرى وهي مَكَّةُ لِكَوْنِها أعْظَمَ القُرى شَأْنًا، ولِكَوْنِها أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ولِكَوْنِها قِبْلَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ ومَحَلَّ حَجِّهِمْ، فالإنْذارُ لِأهْلِها مُسْتَتْبَعٌ لِإنْذارِ سائِرِ أهْلِ الأرْضِ والمُرادُ بِمَن حَوْلَها جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ، والمُرادُ بِإنْذارِ أُمِّ القُرى: إنْذارُ أهْلِها وأهْلِ سائِرِ الأرْضِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ كَسُؤالِ القَرْيَةِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خَبَرُهُ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ مَن صَدَّقَ بِالدّارِ الآخِرَةِ أنْ يُؤْمِنَ بِهَذا الكِتابِ ويُصَدِّقَهُ ويَعْمَلَ بِما فِيهِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالآخِرَةِ يُوجِبُ قَبُولَ مَن دَعا النّاسَ إلى ما يُنالُ بِهِ خَيْرُها ويُنْدَفَعُ بِهِ ضُرُّها، وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وخَصَّ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الواجِباتِ لِكَوْنِها عِمادَها وبِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ لَها.
قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الكُتُبَ عَلى رُسُلِهِ: أيْ كَيْفَ تَقُولُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَزَعَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، أوْ كَذِبَ (p-٤٣٤)عَلى اللَّهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ، وقَدْ صانَ اللَّهُ أنْبِياءَهُ عَمّا تَزْعُمُونَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما هَذا شَأْنُ الكَذّابِينَ رُؤُوسِ الإضْلالِ كَمُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ وسَجاحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَنِ افْتَرى أيْ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى أوْ مِمَّنْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ، أوْ مِمَّنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وهُمُ القائِلُونَ ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] وقِيلَ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، فَإنَّهُ كانَ يَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأمْلى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ المُؤْمِنُونَ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَكَذا أُنْزِلَتْ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ حِينَئِذٍ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ» كَما هو مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والمُرادُ كُلُّ ظالِمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجاحِدُونَ لِما أنْزَلَ اللَّهُ والمُدَّعُونَ لِلنُّبُوّاتِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ دَخُولًا أوَّلِيًّا، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والغَمَراتُ جَمْعُ غَمْرَةٍ: وهي الشِّدَّةُ، وأصْلُها الشَّيْءُ الَّذِي يَغْمُرُ الأشْياءَ فَيُغَطِّيها، ومِنهُ غَمْرَةُ الماءِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في الشَّدائِدِ، ومِنهُ غَمْرَةُ الحَرْبِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والغَمْرَةُ الشِّدَّةُ والجَمْعُ غُمَرٌ: مِثْلُ نَوْبَةٍ ونُوَبُ، وجُمْلَةُ ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ والحالُ أنَّ المَلائِكَةَ باسِطُو أيْدِيهِمْ لِقَبْضِ أرْواحِ الكُفّارِ، وقِيلَ: لِلْعَذابِ وفي أيْدِيهِمْ مَطارِقُ الحَدِيدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم﴾ [الأنفال: ٥٠] .
قَوْلُهُ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ قائِلِينَ لَهم أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذِهِ الغَمَراتِ الَّتِي وقَعْتُمْ فِيها، أوْ أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن أيْدِينا وخَلِّصُوها مِنَ العَذابِ، أوْ أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن أجْسادِكم وسَلِّمُوها إلَيْنا لِنَقْبِضَها ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ اليَوْمَ الَّذِي تُقْبَضُ فِيهِ أرْواحُكم، أوْ أرادُوا بِاليَوْمِ الوَقْتَ الَّذِي يُعَذَّبُونَ فِيهِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ عَذابُ القَبْرِ، والهُونُ، والهَوانُ بِمَعْنًى: أيِ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهَوانِ الَّذِي تَصِيرُونَ بِهِ في إهانَةٍ وذِلَّةٍ بَعْدَما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكِبْرِ والتَّعاظُمِ، والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ قَوْلِكم هَذا مِن إنْكارِ إنْزالِ اللَّهِ كُتُبَهُ عَلى رُسُلِهِ والإشْراكِ بِهِ ﴿وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ لَها والعَمَلِ بِها فَكانَ ما جُوزِيتُمْ بِهِ مِن عَذابِ الهُونِ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] .
قَوْلُهُ: ٩٤ - ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ .
قَرَأ أبُو حَيْوَةَ فُرادًى بِالتَّنْوِينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ لِلْجَمْعِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ.
وحَكى ثَعْلَبٌ فُرادَ بِلا تَنْوِينٍ مِثْلَ: ثَلاثَ ورُباعَ، وفُرادى جَمْعُ فَرْدٍ كَسُكارى جَمْعُ سَكْرانٍ وكُسالى جَمْعُ كَسْلانٍ، والمَعْنى: جِئْتُمُونا مُنْفَرِدِينَ واحِدًا واحِدًا كُلُّ واحِدٍ مُنْفَرِدٌ عَنْ أهْلِهِ ومالِهِ وما كانَ يَعْبُدُهُ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها عِنْدَ خُرُوجِكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم، والكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ جِئْتُمُونا مَجِيئًا مِثْلَ مَجِيئِكم عِنْدَ خَلْقِنا لَكم، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ فُرادى: أيْ مُشابِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِنا لَكم ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أيْ أعْطَيْناكم، والخَوْلُ ما أعْطاهُ اللَّهُ لِلْإنْسانِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا: أيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ خَلْفَكم لَمْ تَأْتُونا بِشَيْءٍ مِنهُ ولا انْتَفَعْتُمْ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ﴾ عَبَدْتُمُوهم وقُلْتُمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، و﴿زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ لِلَّهِ يَسْتَحِقُّونَ مِنكُمُ العِبادَةَ كَما يَسْتَحِقُّها.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِنَصْبِ بَيْنَكم عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وفاعِلُ تَقَطَّعَ مَحْذُوفٌ: أيْ تَقَطَّعَ الوَصْلُ بَيْنَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ .
وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى إسْنادِ القَطْعِ إلى البَيْنِ: أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قِراءَةِ النَّصْبِ مَعْنى قِراءَةِ الرَّفْعِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى الظَّرْفِ، وإنَّما نُصِبَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ ظَرْفًا.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ما: أيِ الَّذِي بَيْنَكم ﴿وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مِنَ الشُّرَكاءِ والشِّرْكِ، وحِيلَ بَيْنَكم وبَيْنَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَمَن آمَنَ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ فَلَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ.
«قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتابًا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ كِتابًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى» إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ قالَها مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ مِن شَيْءٍ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، فَخاصَمَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ ؟ وكانَ حَبْرًا سَمِينًا، فَغَضِبَ وقالَ: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: ويْحَكَ ولا عَلى مُوسى ؟ قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: " ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ " قالَ: اليَهُودُ. وقَوْلُهُ: (p-٤٣٥)﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم﴾ قالَ: هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ آتاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا فَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِ ولَمْ يَأْخُذُوا بِهِ ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ في عِلْمِهِمْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ قالَ: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قالَ: مَكَّةُ ومَن حَوْلَها.
قالَ: يَعْنِي ما حَوْلَها مِنَ القُرى إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: إنَّما سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى لِأنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قالَ: هي مَكَّةُ، قالَ: وبَلَغَنِي أنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ فَرَّ إلى عُثْمانَ أخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَغَيَّبَهُ عِنْدَهُ حَتّى اطْمَأنَّ أهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي خَلَفٍ الأعْمى: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ ونَحْوَهُ مِمَّنْ دَعا إلى مِثْلِ ما دَعا إلَيْهِ ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ٢، ١] قالَ: النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ: والطّاحِناتِ طَحْنًا والعاجِناتِ عَجْنًا قَوْلًا كَثِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿غَمَراتِ المَوْتِ﴾ قالَ: سَكَراتُ المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ هَذا عِنْدَ المَوْتِ، والبَسْطُ: الضَّرْبُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم﴾ [ الأنْفالِ: ٥٠، مُحَمَّدٍ: ٢٧ ] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: في الآيَةِ هَذا مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ قالَ: الهَوانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ الآيَةَ، قالَ: كَيَوْمِ وُلِدَ يُرَدُّ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ نَقَصَ مِنهُ يَوْمَ وُلِدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم﴾ قالَ: مِنَ المالِ والخَدَمِ ﴿وراءَ ظُهُورِكم﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم﴾ قالَ: ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الوَصْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم﴾ قالَ: تَواصُلُكم في الدُّنْيا.
الأنعام 6:93
قَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قَدَّرْتُ الشَّيْءَ وقَدَرْتُهُ عَرَفْتُ مِقْدارَهُ، وأصْلُهُ: السَّتْرُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ: أيْ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ أنْكَرُوا إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ وإنْزالَهُ لِلْكُتُبِ.
وقِيلَ: المَعْنى: وما قَدَّرُوا نِعَمَ اللَّهِ حَقَّ تَقْدِيرِها.
وقَرَأ أبُو حَمْزَةَ " وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدَرِهِ " بِفَتْحِ الدّالِ: وهي لُغَةٌ، ولَمّا وقَعَ مِنهم هَذا الإنْكارُ وهم مِنَ اليَهُودِ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً لا يُطِيقُونَ دَفْعَها، فَقالَ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ وهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ويُذْعِنُونَ لَهُ، فَكانَ في هَذا مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم والتَّقْرِيعِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ إلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِما أنْكَرُوهُ مِن وُقُوعِ إنْزالِ اللَّهِ عَلى البَشَرِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَبَطَلَ جَحْدُهم وتَبَيَّنَ فَسادُ إنْكارِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ فَيَكُونُ إلْزامُهم بِإنْزالِ اللَّهِ الكِتابَ عَلى مُوسى مِن جِهَةِ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ويَعْلَمُونَهُ بِالأخْبارِ مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ كانُوا يُصَدِّقُونَهم، و﴿نُورًا وهُدًى﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، و﴿لِلنّاسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِهُدًى: أيْ كائِنًا لِلنّاسِ.
قَوْلُهُ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى في قَراطِيسَ تَضَعُونَهُ فِيها لِيَتِمَّ لَكم ما تُرِيدُونَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ وكَتْمِ صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ، وهَذا ذَمٌّ لَهم، والضَّمِيرُ في ﴿تُبْدُونَها﴾ راجِعٌ إلى القَراطِيسِ، وفي ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ، وجُمْلَةُ تَجْعَلُونَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ تُبْدُونَها صِفَةٌ لِقَراطِيسَ ﴿وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تُبْدُونَها: أيْ وتُخْفُونَ كَثِيرًا مِنها، والخِطابُ في ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم﴾ لِلْيَهُودِ: أيْ والحالُ أنَّكم قَدْ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها، والَّذِي عَلِمُوهُ هو الَّذِي أخْبَرَهم بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِها، فَإنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى ما لَمْ يَعْلَمُوهُ مِن كُتُبِهِمْ ولا عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ ولا عَلِمَهُ آباؤُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما في ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِنَ التَّوْراةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المَنِّ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ التَّوْراةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَتَكُونُ ما عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ الإلْزامِ الَّذِي ألْزَمَهم بِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ ﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ ذَرْهم في باطِلِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ يَلْعَبُونَ: أيْ يَصْنَعُونَ صُنْعَ الصِّبْيانِ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ يَعْنِي عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ تَقُولُونَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ ومُبارَكٌ ومُصَدِّقٌ صِفَتانِ لِكِتابٍ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ، والمُصَدِّقُ كَثِيرُ التَّصْدِيقِ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ عَلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلِهِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهُ يُوافِقُها في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ وإنْ خالَفَها في بَعْضِ الأحْكامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِتُنْذِرَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مُبارَكٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكاتِ ولِتُنْذِرَ، وخَصَّ أُمَّ القُرى وهي مَكَّةُ لِكَوْنِها أعْظَمَ القُرى شَأْنًا، ولِكَوْنِها أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ولِكَوْنِها قِبْلَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ ومَحَلَّ حَجِّهِمْ، فالإنْذارُ لِأهْلِها مُسْتَتْبَعٌ لِإنْذارِ سائِرِ أهْلِ الأرْضِ والمُرادُ بِمَن حَوْلَها جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ، والمُرادُ بِإنْذارِ أُمِّ القُرى: إنْذارُ أهْلِها وأهْلِ سائِرِ الأرْضِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ كَسُؤالِ القَرْيَةِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خَبَرُهُ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ مَن صَدَّقَ بِالدّارِ الآخِرَةِ أنْ يُؤْمِنَ بِهَذا الكِتابِ ويُصَدِّقَهُ ويَعْمَلَ بِما فِيهِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالآخِرَةِ يُوجِبُ قَبُولَ مَن دَعا النّاسَ إلى ما يُنالُ بِهِ خَيْرُها ويُنْدَفَعُ بِهِ ضُرُّها، وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وخَصَّ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الواجِباتِ لِكَوْنِها عِمادَها وبِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ لَها.
قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الكُتُبَ عَلى رُسُلِهِ: أيْ كَيْفَ تَقُولُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَزَعَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، أوْ كَذِبَ (p-٤٣٤)عَلى اللَّهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ، وقَدْ صانَ اللَّهُ أنْبِياءَهُ عَمّا تَزْعُمُونَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما هَذا شَأْنُ الكَذّابِينَ رُؤُوسِ الإضْلالِ كَمُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ وسَجاحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَنِ افْتَرى أيْ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى أوْ مِمَّنْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ، أوْ مِمَّنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وهُمُ القائِلُونَ ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] وقِيلَ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، فَإنَّهُ كانَ يَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأمْلى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ المُؤْمِنُونَ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَكَذا أُنْزِلَتْ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ حِينَئِذٍ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ» كَما هو مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والمُرادُ كُلُّ ظالِمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجاحِدُونَ لِما أنْزَلَ اللَّهُ والمُدَّعُونَ لِلنُّبُوّاتِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ دَخُولًا أوَّلِيًّا، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والغَمَراتُ جَمْعُ غَمْرَةٍ: وهي الشِّدَّةُ، وأصْلُها الشَّيْءُ الَّذِي يَغْمُرُ الأشْياءَ فَيُغَطِّيها، ومِنهُ غَمْرَةُ الماءِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في الشَّدائِدِ، ومِنهُ غَمْرَةُ الحَرْبِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والغَمْرَةُ الشِّدَّةُ والجَمْعُ غُمَرٌ: مِثْلُ نَوْبَةٍ ونُوَبُ، وجُمْلَةُ ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ والحالُ أنَّ المَلائِكَةَ باسِطُو أيْدِيهِمْ لِقَبْضِ أرْواحِ الكُفّارِ، وقِيلَ: لِلْعَذابِ وفي أيْدِيهِمْ مَطارِقُ الحَدِيدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم﴾ [الأنفال: ٥٠] .
قَوْلُهُ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ قائِلِينَ لَهم أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذِهِ الغَمَراتِ الَّتِي وقَعْتُمْ فِيها، أوْ أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن أيْدِينا وخَلِّصُوها مِنَ العَذابِ، أوْ أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن أجْسادِكم وسَلِّمُوها إلَيْنا لِنَقْبِضَها ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ اليَوْمَ الَّذِي تُقْبَضُ فِيهِ أرْواحُكم، أوْ أرادُوا بِاليَوْمِ الوَقْتَ الَّذِي يُعَذَّبُونَ فِيهِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ عَذابُ القَبْرِ، والهُونُ، والهَوانُ بِمَعْنًى: أيِ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهَوانِ الَّذِي تَصِيرُونَ بِهِ في إهانَةٍ وذِلَّةٍ بَعْدَما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكِبْرِ والتَّعاظُمِ، والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ قَوْلِكم هَذا مِن إنْكارِ إنْزالِ اللَّهِ كُتُبَهُ عَلى رُسُلِهِ والإشْراكِ بِهِ ﴿وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ لَها والعَمَلِ بِها فَكانَ ما جُوزِيتُمْ بِهِ مِن عَذابِ الهُونِ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] .
قَوْلُهُ: ٩٤ - ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ .
قَرَأ أبُو حَيْوَةَ فُرادًى بِالتَّنْوِينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ لِلْجَمْعِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ.
وحَكى ثَعْلَبٌ فُرادَ بِلا تَنْوِينٍ مِثْلَ: ثَلاثَ ورُباعَ، وفُرادى جَمْعُ فَرْدٍ كَسُكارى جَمْعُ سَكْرانٍ وكُسالى جَمْعُ كَسْلانٍ، والمَعْنى: جِئْتُمُونا مُنْفَرِدِينَ واحِدًا واحِدًا كُلُّ واحِدٍ مُنْفَرِدٌ عَنْ أهْلِهِ ومالِهِ وما كانَ يَعْبُدُهُ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها عِنْدَ خُرُوجِكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم، والكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ جِئْتُمُونا مَجِيئًا مِثْلَ مَجِيئِكم عِنْدَ خَلْقِنا لَكم، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ فُرادى: أيْ مُشابِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِنا لَكم ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أيْ أعْطَيْناكم، والخَوْلُ ما أعْطاهُ اللَّهُ لِلْإنْسانِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا: أيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ خَلْفَكم لَمْ تَأْتُونا بِشَيْءٍ مِنهُ ولا انْتَفَعْتُمْ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ﴾ عَبَدْتُمُوهم وقُلْتُمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، و﴿زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ لِلَّهِ يَسْتَحِقُّونَ مِنكُمُ العِبادَةَ كَما يَسْتَحِقُّها.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِنَصْبِ بَيْنَكم عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وفاعِلُ تَقَطَّعَ مَحْذُوفٌ: أيْ تَقَطَّعَ الوَصْلُ بَيْنَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ .
وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى إسْنادِ القَطْعِ إلى البَيْنِ: أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قِراءَةِ النَّصْبِ مَعْنى قِراءَةِ الرَّفْعِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى الظَّرْفِ، وإنَّما نُصِبَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ ظَرْفًا.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ما: أيِ الَّذِي بَيْنَكم ﴿وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مِنَ الشُّرَكاءِ والشِّرْكِ، وحِيلَ بَيْنَكم وبَيْنَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَمَن آمَنَ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ فَلَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ.
«قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتابًا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ كِتابًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى» إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ قالَها مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ مِن شَيْءٍ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، فَخاصَمَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ ؟ وكانَ حَبْرًا سَمِينًا، فَغَضِبَ وقالَ: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: ويْحَكَ ولا عَلى مُوسى ؟ قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: " ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ " قالَ: اليَهُودُ. وقَوْلُهُ: (p-٤٣٥)﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم﴾ قالَ: هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ آتاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا فَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِ ولَمْ يَأْخُذُوا بِهِ ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ في عِلْمِهِمْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ قالَ: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قالَ: مَكَّةُ ومَن حَوْلَها.
قالَ: يَعْنِي ما حَوْلَها مِنَ القُرى إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: إنَّما سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى لِأنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قالَ: هي مَكَّةُ، قالَ: وبَلَغَنِي أنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ فَرَّ إلى عُثْمانَ أخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَغَيَّبَهُ عِنْدَهُ حَتّى اطْمَأنَّ أهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي خَلَفٍ الأعْمى: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ ونَحْوَهُ مِمَّنْ دَعا إلى مِثْلِ ما دَعا إلَيْهِ ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ٢، ١] قالَ: النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ: والطّاحِناتِ طَحْنًا والعاجِناتِ عَجْنًا قَوْلًا كَثِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿غَمَراتِ المَوْتِ﴾ قالَ: سَكَراتُ المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ هَذا عِنْدَ المَوْتِ، والبَسْطُ: الضَّرْبُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم﴾ [ الأنْفالِ: ٥٠، مُحَمَّدٍ: ٢٧ ] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: في الآيَةِ هَذا مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ قالَ: الهَوانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ الآيَةَ، قالَ: كَيَوْمِ وُلِدَ يُرَدُّ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ نَقَصَ مِنهُ يَوْمَ وُلِدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم﴾ قالَ: مِنَ المالِ والخَدَمِ ﴿وراءَ ظُهُورِكم﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم﴾ قالَ: ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الوَصْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم﴾ قالَ: تَواصُلُكم في الدُّنْيا.
الأنعام 6:94
قَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قَدَّرْتُ الشَّيْءَ وقَدَرْتُهُ عَرَفْتُ مِقْدارَهُ، وأصْلُهُ: السَّتْرُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ: أيْ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ أنْكَرُوا إرْسالَهُ لِلرُّسُلِ وإنْزالَهُ لِلْكُتُبِ.
وقِيلَ: المَعْنى: وما قَدَّرُوا نِعَمَ اللَّهِ حَقَّ تَقْدِيرِها.
وقَرَأ أبُو حَمْزَةَ " وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدَرِهِ " بِفَتْحِ الدّالِ: وهي لُغَةٌ، ولَمّا وقَعَ مِنهم هَذا الإنْكارُ وهم مِنَ اليَهُودِ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يُورِدَ عَلَيْهِمْ حُجَّةً لا يُطِيقُونَ دَفْعَها، فَقالَ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ وهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ويُذْعِنُونَ لَهُ، فَكانَ في هَذا مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم والتَّقْرِيعِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ مَعَ إلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِما أنْكَرُوهُ مِن وُقُوعِ إنْزالِ اللَّهِ عَلى البَشَرِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَبَطَلَ جَحْدُهم وتَبَيَّنَ فَسادُ إنْكارِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ فَيَكُونُ إلْزامُهم بِإنْزالِ اللَّهِ الكِتابَ عَلى مُوسى مِن جِهَةِ أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ ويَعْلَمُونَهُ بِالأخْبارِ مِنَ اليَهُودِ، وقَدْ كانُوا يُصَدِّقُونَهم، و﴿نُورًا وهُدًى﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ، و﴿لِلنّاسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِهُدًى: أيْ كائِنًا لِلنّاسِ.
قَوْلُهُ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى في قَراطِيسَ تَضَعُونَهُ فِيها لِيَتِمَّ لَكم ما تُرِيدُونَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ وكَتْمِ صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ، وهَذا ذَمٌّ لَهم، والضَّمِيرُ في ﴿تُبْدُونَها﴾ راجِعٌ إلى القَراطِيسِ، وفي ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ، وجُمْلَةُ تَجْعَلُونَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ تُبْدُونَها صِفَةٌ لِقَراطِيسَ ﴿وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تُبْدُونَها: أيْ وتُخْفُونَ كَثِيرًا مِنها، والخِطابُ في ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم﴾ لِلْيَهُودِ: أيْ والحالُ أنَّكم قَدْ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها، والَّذِي عَلِمُوهُ هو الَّذِي أخْبَرَهم بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِها، فَإنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى ما لَمْ يَعْلَمُوهُ مِن كُتُبِهِمْ ولا عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ ولا عَلِمَهُ آباؤُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما في ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِنَ التَّوْراةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المَنِّ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ التَّوْراةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَتَكُونُ ما عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ الإلْزامِ الَّذِي ألْزَمَهم بِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ ﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ ذَرْهم في باطِلِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ يَلْعَبُونَ: أيْ يَصْنَعُونَ صُنْعَ الصِّبْيانِ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ يَعْنِي عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَيْفَ تَقُولُونَ: ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ ومُبارَكٌ ومُصَدِّقٌ صِفَتانِ لِكِتابٍ، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ، والمُصَدِّقُ كَثِيرُ التَّصْدِيقِ، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ عَلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلِهِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإنَّهُ يُوافِقُها في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وإلى تَوْحِيدِهِ وإنْ خالَفَها في بَعْضِ الأحْكامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِتُنْذِرَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مُبارَكٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكاتِ ولِتُنْذِرَ، وخَصَّ أُمَّ القُرى وهي مَكَّةُ لِكَوْنِها أعْظَمَ القُرى شَأْنًا، ولِكَوْنِها أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، ولِكَوْنِها قِبْلَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ ومَحَلَّ حَجِّهِمْ، فالإنْذارُ لِأهْلِها مُسْتَتْبَعٌ لِإنْذارِ سائِرِ أهْلِ الأرْضِ والمُرادُ بِمَن حَوْلَها جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ، والمُرادُ بِإنْذارِ أُمِّ القُرى: إنْذارُ أهْلِها وأهْلِ سائِرِ الأرْضِ فَهو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ كَسُؤالِ القَرْيَةِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ، و﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خَبَرُهُ، والمَعْنى: أنَّ مِن حَقِّ مَن صَدَّقَ بِالدّارِ الآخِرَةِ أنْ يُؤْمِنَ بِهَذا الكِتابِ ويُصَدِّقَهُ ويَعْمَلَ بِما فِيهِ، لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالآخِرَةِ يُوجِبُ قَبُولَ مَن دَعا النّاسَ إلى ما يُنالُ بِهِ خَيْرُها ويُنْدَفَعُ بِهِ ضُرُّها، وجُمْلَةُ ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وخَصَّ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلاةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الواجِباتِ لِكَوْنِها عِمادَها وبِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ لَها.
قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الكُتُبَ عَلى رُسُلِهِ: أيْ كَيْفَ تَقُولُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَزَعَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، أوْ كَذِبَ (p-٤٣٤)عَلى اللَّهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ، وقَدْ صانَ اللَّهُ أنْبِياءَهُ عَمّا تَزْعُمُونَ عَلَيْهِمْ، وإنَّما هَذا شَأْنُ الكَذّابِينَ رُؤُوسِ الإضْلالِ كَمُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ وسَجاحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَنِ افْتَرى أيْ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى أوْ مِمَّنْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ، أوْ مِمَّنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وهُمُ القائِلُونَ ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] وقِيلَ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي سَرْحٍ، فَإنَّهُ كانَ يَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأمْلى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ المُؤْمِنُونَ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَكَذا أُنْزِلَتْ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ حِينَئِذٍ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا لَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَئِنْ كانَ كاذِبًا لَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ» كَما هو مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والمُرادُ كُلُّ ظالِمٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الجاحِدُونَ لِما أنْزَلَ اللَّهُ والمُدَّعُونَ لِلنُّبُوّاتِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ دَخُولًا أوَّلِيًّا، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: أيْ لَرَأيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، والغَمَراتُ جَمْعُ غَمْرَةٍ: وهي الشِّدَّةُ، وأصْلُها الشَّيْءُ الَّذِي يَغْمُرُ الأشْياءَ فَيُغَطِّيها، ومِنهُ غَمْرَةُ الماءِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في الشَّدائِدِ، ومِنهُ غَمْرَةُ الحَرْبِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والغَمْرَةُ الشِّدَّةُ والجَمْعُ غُمَرٌ: مِثْلُ نَوْبَةٍ ونُوَبُ، وجُمْلَةُ ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ: أيْ والحالُ أنَّ المَلائِكَةَ باسِطُو أيْدِيهِمْ لِقَبْضِ أرْواحِ الكُفّارِ، وقِيلَ: لِلْعَذابِ وفي أيْدِيهِمْ مَطارِقُ الحَدِيدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم﴾ [الأنفال: ٥٠] .
قَوْلُهُ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ أيْ قائِلِينَ لَهم أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن هَذِهِ الغَمَراتِ الَّتِي وقَعْتُمْ فِيها، أوْ أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن أيْدِينا وخَلِّصُوها مِنَ العَذابِ، أوْ أخْرِجُوا أنْفُسَكم مِن أجْسادِكم وسَلِّمُوها إلَيْنا لِنَقْبِضَها ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيِ اليَوْمَ الَّذِي تُقْبَضُ فِيهِ أرْواحُكم، أوْ أرادُوا بِاليَوْمِ الوَقْتَ الَّذِي يُعَذَّبُونَ فِيهِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ عَذابُ القَبْرِ، والهُونُ، والهَوانُ بِمَعْنًى: أيِ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهَوانِ الَّذِي تَصِيرُونَ بِهِ في إهانَةٍ وذِلَّةٍ بَعْدَما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكِبْرِ والتَّعاظُمِ، والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ قَوْلِكم هَذا مِن إنْكارِ إنْزالِ اللَّهِ كُتُبَهُ عَلى رُسُلِهِ والإشْراكِ بِهِ ﴿وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ التَّصْدِيقِ لَها والعَمَلِ بِها فَكانَ ما جُوزِيتُمْ بِهِ مِن عَذابِ الهُونِ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] .
قَوْلُهُ: ٩٤ - ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ .
قَرَأ أبُو حَيْوَةَ فُرادًى بِالتَّنْوِينِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ لِلْجَمْعِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ.
وحَكى ثَعْلَبٌ فُرادَ بِلا تَنْوِينٍ مِثْلَ: ثَلاثَ ورُباعَ، وفُرادى جَمْعُ فَرْدٍ كَسُكارى جَمْعُ سَكْرانٍ وكُسالى جَمْعُ كَسْلانٍ، والمَعْنى: جِئْتُمُونا مُنْفَرِدِينَ واحِدًا واحِدًا كُلُّ واحِدٍ مُنْفَرِدٌ عَنْ أهْلِهِ ومالِهِ وما كانَ يَعْبُدُهُ مِن دُونِ اللَّهِ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْها عِنْدَ خُرُوجِكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم، والكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ جِئْتُمُونا مَجِيئًا مِثْلَ مَجِيئِكم عِنْدَ خَلْقِنا لَكم، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ فُرادى: أيْ مُشابِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِنا لَكم ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أيْ أعْطَيْناكم، والخَوْلُ ما أعْطاهُ اللَّهُ لِلْإنْسانِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا: أيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ خَلْفَكم لَمْ تَأْتُونا بِشَيْءٍ مِنهُ ولا انْتَفَعْتُمْ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ﴾ عَبَدْتُمُوهم وقُلْتُمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، و﴿زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ لِلَّهِ يَسْتَحِقُّونَ مِنكُمُ العِبادَةَ كَما يَسْتَحِقُّها.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِنَصْبِ بَيْنَكم عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وفاعِلُ تَقَطَّعَ مَحْذُوفٌ: أيْ تَقَطَّعَ الوَصْلُ بَيْنَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ .
وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى إسْنادِ القَطْعِ إلى البَيْنِ: أيْ وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قِراءَةِ النَّصْبِ مَعْنى قِراءَةِ الرَّفْعِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى الظَّرْفِ، وإنَّما نُصِبَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ ظَرْفًا.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما بَيْنَكم عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ما: أيِ الَّذِي بَيْنَكم ﴿وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مِنَ الشُّرَكاءِ والشِّرْكِ، وحِيلَ بَيْنَكم وبَيْنَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَمَن آمَنَ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَدْ قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ فَلَمْ يُقَدِّرِ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ.
«قالَتِ اليَهُودُ: يا مُحَمَّدُ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتابًا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ كِتابًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى» إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ قالَها مُشْرِكُو قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: قالَ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ مِن شَيْءٍ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في مالِكِ بْنِ الصَّيْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، فَخاصَمَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ ؟ وكانَ حَبْرًا سَمِينًا، فَغَضِبَ وقالَ: واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: ويْحَكَ ولا عَلى مُوسى ؟ قالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: " ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ " قالَ: اليَهُودُ. وقَوْلُهُ: (p-٤٣٥)﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم﴾ قالَ: هَذِهِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ آتاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا فَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِ ولَمْ يَأْخُذُوا بِهِ ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ في عِلْمِهِمْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ قالَ: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قالَ: مَكَّةُ ومَن حَوْلَها.
قالَ: يَعْنِي ما حَوْلَها مِنَ القُرى إلى المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: إنَّما سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى لِأنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ قالَ: هي مَكَّةُ، قالَ: وبَلَغَنِي أنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن مَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَكَّةَ فَرَّ إلى عُثْمانَ أخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَغَيَّبَهُ عِنْدَهُ حَتّى اطْمَأنَّ أهْلُ مَكَّةَ، ثُمَّ اسْتَأْمَنَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي خَلَفٍ الأعْمى: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وكَذَلِكَ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ ونَحْوَهُ مِمَّنْ دَعا إلى مِثْلِ ما دَعا إلَيْهِ ﴿ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ لَمّا نَزَلَتْ ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ﴿فالعاصِفاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: ٢، ١] قالَ: النَّضْرُ وهو مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ: والطّاحِناتِ طَحْنًا والعاجِناتِ عَجْنًا قَوْلًا كَثِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿غَمَراتِ المَوْتِ﴾ قالَ: سَكَراتُ المَوْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ هَذا عِنْدَ المَوْتِ، والبَسْطُ: الضَّرْبُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم﴾ [ الأنْفالِ: ٥٠، مُحَمَّدٍ: ٢٧ ] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: في الآيَةِ هَذا مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ قالَ: الهَوانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: سَوْفَ تَشْفَعُ لِيَ اللّاتُ والعُزّى، فَنَزَلَتْ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ الآيَةَ، قالَ: كَيَوْمِ وُلِدَ يُرَدُّ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ نَقَصَ مِنهُ يَوْمَ وُلِدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم﴾ قالَ: مِنَ المالِ والخَدَمِ ﴿وراءَ ظُهُورِكم﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم﴾ قالَ: ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الوَصْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم﴾ قالَ: تَواصُلُكم في الدُّنْيا.
الأنعام 6:95
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ هَذا شُرُوعٌ في تَعْدادِ عَجائِبِ صُنْعِهِ تَعالى وذِكْرِ ما يَعْجِزُ آلِهَتُهم عَنْ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ، والفَلْقُ: الشَّقُّ: أيْ هو سُبْحانَهُ فالِقُ الحَبِّ فَيَخْرُجُ مِنهُ النَّباتُ، وفالِقُ النَّوى فَيَخْرُجُ مِنهُ الشَّجَرُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ الشَّقُّ الَّذِي فِيهِما مِن أصْلِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ﴾ خالِقُ.
والنَّوى: جَمْعُ نَواةٍ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ عَجْمٌ كالتَّمْرِ والمِشْمِشِ والخَوْخِ.
قَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَهي في مَحَلِّ رَفْعٍ، وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، لِأنَّ مَعْناها مَعْناهُ، والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ مَعْنى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ يَخْرُجُ الحَيَوانَ مِن مِثْلِ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ.
ومَعْنى ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مُخْرِجُ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الحَيِّ، وجُمْلَةُ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿فالِقُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ جُمْلَةَ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى صانِعِ ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ المَذْكُورِ سابِقًا و﴿اللَّهَ﴾ خَبَرُهُ: والمَعْنى: أنَّ صانِعَ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ هو المُسْتَجْمِعُ لِكُلِّ كَمالٍ، والمُفَضَّلُ بِكُلِّ إفْضالٍ، والمُسْتَحِقُّ لِكُلِّ حَمَدٍ وإجْلالٍ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ مَعَ ما تَرَوْنَ مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ (p-٤٣٦)أخْبارِ إنَّ في ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ في ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " فالِقُ الأصْباحِ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها، وهو عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ جَمْعُ صُبْحٍ، وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ مَصْدَرُ أصْبَحَ، والصُّبْحُ والصَّباحُ: أوَّلُ النَّهارِ، وكَذا الإصْباحُ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ " فَلَقَ الإصْباحَ " بِفِعْلٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ.
والمَعْنى في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ أنَّهُ شاقُّ الضِّياءِ عَنِ الظَّلامِ وكاشِفُهُ، أوْ يَكُونُ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ، وهي الغَبَشُ، أوْ فالِقُ عَمُودِ الفَجْرِ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، لِأنَّهُ يَبْدُو مُخْتَلِطًا بِالظُّلْمَةِ ثُمَّ يَصِيرُ أبْيَضَ خالِصًا.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا " حَمْلًا عَلى مَعْنى " فالِقٍ " عِنْدَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وأمّا عِنْدَ الحَسَنِ وعِيسى فَعَطْفًا عَلى فَلَقَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " وجاعِلُ " عَطْفًا عَلى " فالِقٍ " وقُرِئَ ( فالِقَ ) و( جاعِلَ ) بِنَصْبِهِما عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ( وجاعِلُ اللَّيْلِ ساكِنًا ) .
والسَّكَنُ: مَحَلُّ السُّكُونِ، مِن سَكَنَ إلَيْهِ: إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ، لِأنَّهُ يَسْكُنُ فِيهِ النّاسُ عَنِ الحَرَكَةِ في مَعاشِهِمْ ويَسْتَرِيحُونَ مِنَ التَّعَبِ والنَّصَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ وجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ والشَّمْسَ والقَمَرَ مَجْعُولانِ حُسْبانًا، وبِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اللَّيْلِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " وجَعَلَ اللَّيْلَ " .
قالَ الأخْفَشُ: والحُسْبانُ جَمْعُ حِسابٍ مِثْلَ شُهْبانٍ وشِهابٍ.
وقالَ يَعْقُوبُ: حُسْبانٌ مَصْدَرُ حَسِبْتُ الشَّيْءَ أحْسُبُهُ حَسْبًا وحُسْبانًا.
والحِسابُ: الِاسْمُ، وقِيلَ: الحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ، والحِسْبانُ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ.
والمَعْنى: جَعَلَهُما مَحَلَّ حِسابٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ وسَيَّرَهُما عَلى تَقْدِيرٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ لِيَدُلَّ عِبادَهُ بِذَلِكَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقِيلَ: الحُسْبانُ: الضِّياءُ، وفي لُغَةٍ أنَّ الحُسْبانَ: النّارُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الكهف: ٤٠] والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ إلى الجَعْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجاعِلٍ أوْ بِجَعْلٍ عَلى القِراءَتَيْنِ.
والعَزِيزُ: القاهِرُ الغالِبُ.
والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ تَسْيِيرُهُما عَلى هَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ أيْ خَلَقَها لِلِاهْتِداءِ بِها ﴿فِي ظُلُماتِ﴾ أيِ اللَّيْلِ عِنْدَ المَسِيرِ في ﴿البَرِّ والبَحْرِ﴾ وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ لِكَوْنِها مُلابِسَةً لَهُما، أوِ المُرادُ بِالظُّلُماتِ: اشْتِباهُ طُرُقِهِما الَّتِي لا يُهْتَدى فِيها إلّا بِالنُّجُومِ، وهَذِهِ إحْدى مَنافِعِ النُّجُومِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَها، ومِنها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] .
﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥]، ومِنها: جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، ومَن زَعَمَ غَيْرَ هَذِهِ الفَوائِدِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ الَّتِي بَيَّنّاها بَيانًا مُفَصَّلًا لِتَكُونَ أبْلَغَ في الِاعْتِبارِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ بِما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ وبَدِيعِ حَكَمْتِهِ.
قَوْلُهُ: ٩٨ - ﴿وهو الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ، وهَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن بَدِيعِ خَلْقِهِ الدّالِّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ .
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى والأعْرَجُ والنَّخَعِيُّ بِكَسْرِ القافِ والباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما مَرْفُوعانِ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وخَبَرُهُما مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ، التَّقْدِيرُ الأوَّلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى، والثّانِي عَلى الثّانِيَةِ: أيْ فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِها، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ في الرَّحِمِ أوْ في باطِنِ الأرْضِ أوْ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأرْضِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في القَبْرِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ مَن خُلِقَ، والمُسْتَوْدَعُ مَن لَمْ يُخْلَقْ، وقِيلَ: الِاسْتِيداعُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ في القُبُورِ إلى المَبْعَثِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِ المُسْتَقَرِّ بِالكَوْنِ عَلى الأرْضِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا ﴿يَفْقَهُونَ﴾ وفِيما قَبْلَهُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ في إنْشاءِ الأنْفُسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعْلِ بَعْضِها مُسْتَقَرًا وبَعْضَها مُسْتَوْدَعًا مِنَ الغُمُوضِ والدِّقَّةِ ما لَيْسَ في خَلْقِ النُّجُومِ لِلِاهْتِداءِ، فَناسَبَهُ ذِكْرُ الفِقْهِ لِإشْعارِهِ بِمَزِيدِ تَدْقِيقٍ وإمْعانِ فِكْرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ.
والماءُ هو ماءُ المَطَرِ، وفي ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِلْعِنايَةِ بِشَأْنِ هَذا المَخْلُوقِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ إلى الماءِ، و﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي كُلَّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ المُخْتَلِفَةِ، وقِيلَ: المَعْنى رِزْقِ كُلِّ شَيْءٍ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ فَصَّلَ هَذا الإجْمالَ فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ .
قالَ الأخْفَشُ: أيْ أخْضَرَ.
والخَضِرُ: رَطْبُ البُقُولِ، وهو ما يَتَشَعَّبُ مِنَ الأغْصانِ الخارِجَةِ مِنَ الحَبَّةِ، وقِيلَ: يُرِيدُ القَمْحَ والشَّعِيرَ والذُّرَةَ والأُرْزَ وسائِرَ الحُبُوبِ ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِخَضِرًا: أيْ نَخْرُجُ مِنَ الأغْصانِ الخُضْرِ حَبًا مُتَراكِبًا: أيْ مُرَكَّبًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضِهِ كَما في السَّنابِلِ ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ يَكُونُ ارْتِفاعُ قِنْوانٍ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى حَبٍّ، وأجازَ الفَرّاءُ في غَيْرِ القُرْآنِ قِنْوانًا عَطْفًا عَلى حَبًّا، وتَمِيمٌ يَقُولُونَ قِنْيانٍ.
وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ اللُّغَتَيْنِ لُغَةِ قَيْسٍ ولُغَةِ أهْلِ الحِجازِ.
والطَّلْعُ: الكُفْرِيُّ قَبْلَ أنْ يَنْشَقَّ عَنِ الإغْرِيضِ، والإغْرِيضُ يُسَمّى طَلْعًا أيْضًا.
والقِنْوانُ: جَمْعُ قِنْوٍ، والفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِهِ وتَثْنِيَتِهِ أنَّ المُثَنّى مَكْسُورُ النُّونِ، والجَمْعُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإعْرابُ، ومِثْلُهُ صِنْوانٌ.
والقِنْوُ: العِذْقُ.
والمَعْنى: أنَّ القِنْوانَ أصْلُهُ مِنَ الطَّلْعِ.
والعِذْقُ هو عُنْقُودُ النَّخْلِ، وقِيلَ: القِنْوانُ: الجِمارُ.
والدّانِيَةُ: القَرِيبَةُ الَّتِي يَنالُها القائِمُ والقاعِدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى مِنها دانِيَةٌ ومِنها بَعِيدَةٌ فَحُذِفَ، ومِثْلُهُ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] (p-٤٣٧)وخَصَّ الدّانِيَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ القَدْرِ والِامْتِنانِ، وذَلِكَ فِيما يَقْرُبُ تَناوُلُهُ أكْثَرُ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ .
قَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى والأعْمَشُ وعاصِمٌ في قِراءَتِهِ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ بِرَفْعِ جَنّاتٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ.
وأنْكَرَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، حَتّى قالَ أبُو حاتِمٍ، هي مُحالٌ، لِأنَّ الجَنّاتِ لا تَكُونُ مِنَ النَّخْلِ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ تَأْوِيلُ الرَّفْعِ عَلى هَذا ولَكِنَّهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَهم جَنّاتٌ كَما قَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ " ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ " [الواقعة: ٢٢] وقَدْ أجازَ مِثْلَ هَذا سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وأمّا عَلى النَّصْبِ فَقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، أوِ النَّصْبِ بِفِعْلٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ أخْرَجْناها، وهَكَذا القَوْلُ في انْتِصابِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ: وقِيلَ: هُما مَنصُوبانِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِكَوْنِهِما عَزِيزَيْنِ، و﴿مُشْتَبِهًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ: أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في بَعْضِ أوْصافِهِ ولا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في البَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: إنَّ أحَدَهُما يُشْبِهُ الآخَرَ في الوَرَقِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى جَمِيعِ الغُصْنِ وبِاعْتِبارِ حَجْمِهِ، ولا يُشْبِهُ أحَدُهُما الآخَرَ في الطَّعْمِ، وقِيلَ: خَصَّ الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ لِقُرْبِ مَنابِتِهِما مِنَ العَرَبِ كَما في قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ثُمَّ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِأنْ يَنْظُرُوا نَظَرَ اعْتِبارٍ إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وإلى يَنْعِهِ إذا أيْنَعَ.
والثَّمَرُ في اللُّغَةِ: جَنى الشَّجَرِ.
واليانِعُ: النّاضِجُ الَّذِي قَدْ أدْرَكَ وحانَ قِطافُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اليَنْعُ جَمْعُ يانِعٍ، كَرَكْبٍ وراكِبٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْنَعَ احْمَرَّ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ثُمُرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، إلّا الأعْمَشُ فَإنَّهُ قَرَأ ثُمْرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ تَخْفِيفًا.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ويُنْعَهُ بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَعْضِ أهْلِ نَجْدٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ اسْتِدْلالًا بِما يُشاهِدُونَهُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي قَصَّها عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ يَقُولُ: خَلَقَ الحَبَّ والنَّوى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَفْلِقُ الحَبَّ والنَّوى عَنِ النَّباتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الشِّقّانِ اللَّذانِ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ قالَ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النَّواةُ مِنَ النَّخْلَةِ والحَبَّةُ مِنَ السُّنْبُلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النّاسُ الأحْياءُ مِنَ النُّطَفِ، والنُّطْفَةُ مَيْتَةٌ تَخْرُجُ مِنَ النّاسِ الأحْياءِ، ومِنَ الأنْعامِ والنَّباتِ كَذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ تُكَذِّبُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: أنّى تُصْرَفُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: يَعْنِي بِالإصْباحِ ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءَ القَمَرِ بِاللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: إضاءَةُ الفَجْرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: فالِقُ الصُّبْحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ قالَ: سَكَنَ فِيهِ كُلُّ طَيْرٍ ودابَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ يَعْنِي عَدَدَ الأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ قالَ: يَضِلُّ الرَّجُلُ وهو في الظُّلْمَةِ والجَوْرُ عَنِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في بَرِّكم وبَحْرِكم ثُمَّ أمْسِكُوا، فَإنَّها واللَّهِ ما خُلِقَتْ إلّا زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا» .
وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ مُراعاةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ أحادِيثُ: مِنها عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أحَبُّ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ الَّذِينَ يُراعُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِذِكْرِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والخَطِيبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والخَطِيبُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِ الأوَّلِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: التّاجِرُ الأمِينُ، والإمامُ المُقْتَصِدُ، وراعِي الشَّمْسِ بِالنَّهارِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: «سَبْعَةٌ في ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، فَذَكَرَ مِنهُمُ الرَّجُلَ الَّذِي يُراعِي الشَّمْسَ لِمَواقِيتِ الصَّلاةِ» .
فَهَذِهِ الأحادِيثُ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِ المُراعاةِ لِذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ انْقِضاءَ وقْتِ صَلاةِ الفَجْرِ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وأوَّلُ صَلاةِ الظُّهْرِ زَوالُها، ووَقْتُ العَصْرِ ما دامَتِ الشَّمْسُ بَيْضاءَ نَقِيَّةً، ووَقْتُ المَغْرِبِ غُرُوبُ (p-٤٣٨)الشَّمْسِ.
ووَرَدَ في صَلاةِ العِشاءِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّيها لِوَقْتِ مَغِيبِ القَمَرِ لَيْلَةَ ثالِثِ الشَّهْرِ» وبِها يُعْرَفُ أوائِلُ الشُّهُورِ وأوْساطُها وأواخِرُها، فَمَن راعى الشَّمْسَ والقَمَرَ بِهَذِهِ الأُمُورِ فَهو الَّذِي أرادَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن راعاها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُرادٍ بِما ورَدَ، وهَكَذا النُّجُومُ، ورَدَ النَّهْيُ عَنِ النَّظَرِ فِيها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: نَهانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والمَرْهَبِيُّ والخَطِيبُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ» فَهَذِهِ الأحادِيثُ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّظَرِ فِيها لِما عَدا الِاهْتِداءَ والتَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ.
وما ورَدَ في جَوازِ النَّظَرِ في النُّجُومِ فَهو مُقَيَّدٌ بِالِاهْتِداءِ والتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ السّابِقُ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِيما أخْرَجَهُ الخَطِيبُ عَنْهُ: أنَّهُ سَألَ رَجُلًا عَنْ حِسابِ النُّجُومِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يُخْبِرَهُ، فَقالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، يَقُولُ: عِلْمٌ عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ ووَدِدْتُ أنِّي عَلِمْتُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والخَطِيبُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أنَّهُ خَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «أمّا بَعْدُ، فَإنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ كُسُوفَ هَذِهِ الشَّمْسِ وكُسُوفَ هَذا القَمَرِ وزَوالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَواضِعِها لِمَوْتِ رِجالٍ عُظَماءَ مِن أهْلِ الأرْضِ، وإنَّهم قَدْ كَذَبُوا، ولَكِنَّها آياتٌ مِن آياتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِها عِبادَهُ لِيَنْظُرَ ما يَحْدُثُ لَهم مِن تَوْبَةٍ» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّهُما لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِما عِبادَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ نَصَبَ آدَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ كَتِفَهُ اليُسْرى فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن صُلْبِهِ حَتّى مَلَأُوا الأرْضَ» فَهَذا الحَدِيثُ هو مَعْنى ما في الآيَةِ، - ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ - وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ قالَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعِ ما اسْتَوْدَعَ في أصْلابِ الرِّجالِ والدَّوابِّ.
وفِي لَفْظِ: المُسْتَقَرُّ ما في الرَّحِمِ، وعَلى ظَهْرِ الأرْضِ وبَطْنِها مِمّا هو حَيٌّ ومِمّا قَدْ ماتَ.
وفِي لَفْظِ المُسْتَقَرِّ ما كانَ في الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مُسْتَقَرُّها في الدُّنْيا ومُسْتَوْدَعُها في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: المُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ، والمُسْتَوْدَعُ المَكانُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، في الآيَةِ قالا: مُسْتَقَرٌّ في القَبْرِ، ومُسْتَوْدَعٌ في الدُّنْيا، أوْشَكَ أنْ يَلْحَقَ بِصاحِبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ قالَ: هَذا السُّنْبُلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ قَرِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: قِصارُ النَّخْلِ اللّاصِقَةُ عُذُوقُها بِالأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قِنْوانُ الكَبائِسِ، والدّانِيَةُ المَنصُوبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: تَهَدُّلُ العُذُوفُ مِنَ الطَّلْعِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ قالَ: مُتَشابِهًا ورَقُهُ مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ قالَ: رُطَبُهُ وعِنَبُهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ " ويَنْعِهِ " قالَ: نُضْجُهُ.
الأنعام 6:96
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ هَذا شُرُوعٌ في تَعْدادِ عَجائِبِ صُنْعِهِ تَعالى وذِكْرِ ما يَعْجِزُ آلِهَتُهم عَنْ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ، والفَلْقُ: الشَّقُّ: أيْ هو سُبْحانَهُ فالِقُ الحَبِّ فَيَخْرُجُ مِنهُ النَّباتُ، وفالِقُ النَّوى فَيَخْرُجُ مِنهُ الشَّجَرُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ الشَّقُّ الَّذِي فِيهِما مِن أصْلِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ﴾ خالِقُ.
والنَّوى: جَمْعُ نَواةٍ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ عَجْمٌ كالتَّمْرِ والمِشْمِشِ والخَوْخِ.
قَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَهي في مَحَلِّ رَفْعٍ، وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، لِأنَّ مَعْناها مَعْناهُ، والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ مَعْنى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ يَخْرُجُ الحَيَوانَ مِن مِثْلِ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ.
ومَعْنى ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مُخْرِجُ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الحَيِّ، وجُمْلَةُ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿فالِقُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ جُمْلَةَ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى صانِعِ ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ المَذْكُورِ سابِقًا و﴿اللَّهَ﴾ خَبَرُهُ: والمَعْنى: أنَّ صانِعَ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ هو المُسْتَجْمِعُ لِكُلِّ كَمالٍ، والمُفَضَّلُ بِكُلِّ إفْضالٍ، والمُسْتَحِقُّ لِكُلِّ حَمَدٍ وإجْلالٍ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ مَعَ ما تَرَوْنَ مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ (p-٤٣٦)أخْبارِ إنَّ في ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ في ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " فالِقُ الأصْباحِ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها، وهو عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ جَمْعُ صُبْحٍ، وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ مَصْدَرُ أصْبَحَ، والصُّبْحُ والصَّباحُ: أوَّلُ النَّهارِ، وكَذا الإصْباحُ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ " فَلَقَ الإصْباحَ " بِفِعْلٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ.
والمَعْنى في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ أنَّهُ شاقُّ الضِّياءِ عَنِ الظَّلامِ وكاشِفُهُ، أوْ يَكُونُ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ، وهي الغَبَشُ، أوْ فالِقُ عَمُودِ الفَجْرِ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، لِأنَّهُ يَبْدُو مُخْتَلِطًا بِالظُّلْمَةِ ثُمَّ يَصِيرُ أبْيَضَ خالِصًا.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا " حَمْلًا عَلى مَعْنى " فالِقٍ " عِنْدَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وأمّا عِنْدَ الحَسَنِ وعِيسى فَعَطْفًا عَلى فَلَقَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " وجاعِلُ " عَطْفًا عَلى " فالِقٍ " وقُرِئَ ( فالِقَ ) و( جاعِلَ ) بِنَصْبِهِما عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ( وجاعِلُ اللَّيْلِ ساكِنًا ) .
والسَّكَنُ: مَحَلُّ السُّكُونِ، مِن سَكَنَ إلَيْهِ: إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ، لِأنَّهُ يَسْكُنُ فِيهِ النّاسُ عَنِ الحَرَكَةِ في مَعاشِهِمْ ويَسْتَرِيحُونَ مِنَ التَّعَبِ والنَّصَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ وجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ والشَّمْسَ والقَمَرَ مَجْعُولانِ حُسْبانًا، وبِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اللَّيْلِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " وجَعَلَ اللَّيْلَ " .
قالَ الأخْفَشُ: والحُسْبانُ جَمْعُ حِسابٍ مِثْلَ شُهْبانٍ وشِهابٍ.
وقالَ يَعْقُوبُ: حُسْبانٌ مَصْدَرُ حَسِبْتُ الشَّيْءَ أحْسُبُهُ حَسْبًا وحُسْبانًا.
والحِسابُ: الِاسْمُ، وقِيلَ: الحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ، والحِسْبانُ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ.
والمَعْنى: جَعَلَهُما مَحَلَّ حِسابٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ وسَيَّرَهُما عَلى تَقْدِيرٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ لِيَدُلَّ عِبادَهُ بِذَلِكَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقِيلَ: الحُسْبانُ: الضِّياءُ، وفي لُغَةٍ أنَّ الحُسْبانَ: النّارُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الكهف: ٤٠] والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ إلى الجَعْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجاعِلٍ أوْ بِجَعْلٍ عَلى القِراءَتَيْنِ.
والعَزِيزُ: القاهِرُ الغالِبُ.
والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ تَسْيِيرُهُما عَلى هَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ أيْ خَلَقَها لِلِاهْتِداءِ بِها ﴿فِي ظُلُماتِ﴾ أيِ اللَّيْلِ عِنْدَ المَسِيرِ في ﴿البَرِّ والبَحْرِ﴾ وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ لِكَوْنِها مُلابِسَةً لَهُما، أوِ المُرادُ بِالظُّلُماتِ: اشْتِباهُ طُرُقِهِما الَّتِي لا يُهْتَدى فِيها إلّا بِالنُّجُومِ، وهَذِهِ إحْدى مَنافِعِ النُّجُومِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَها، ومِنها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] .
﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥]، ومِنها: جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، ومَن زَعَمَ غَيْرَ هَذِهِ الفَوائِدِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ الَّتِي بَيَّنّاها بَيانًا مُفَصَّلًا لِتَكُونَ أبْلَغَ في الِاعْتِبارِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ بِما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ وبَدِيعِ حَكَمْتِهِ.
قَوْلُهُ: ٩٨ - ﴿وهو الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ، وهَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن بَدِيعِ خَلْقِهِ الدّالِّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ .
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى والأعْرَجُ والنَّخَعِيُّ بِكَسْرِ القافِ والباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما مَرْفُوعانِ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وخَبَرُهُما مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ، التَّقْدِيرُ الأوَّلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى، والثّانِي عَلى الثّانِيَةِ: أيْ فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِها، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ في الرَّحِمِ أوْ في باطِنِ الأرْضِ أوْ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأرْضِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في القَبْرِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ مَن خُلِقَ، والمُسْتَوْدَعُ مَن لَمْ يُخْلَقْ، وقِيلَ: الِاسْتِيداعُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ في القُبُورِ إلى المَبْعَثِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِ المُسْتَقَرِّ بِالكَوْنِ عَلى الأرْضِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا ﴿يَفْقَهُونَ﴾ وفِيما قَبْلَهُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ في إنْشاءِ الأنْفُسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعْلِ بَعْضِها مُسْتَقَرًا وبَعْضَها مُسْتَوْدَعًا مِنَ الغُمُوضِ والدِّقَّةِ ما لَيْسَ في خَلْقِ النُّجُومِ لِلِاهْتِداءِ، فَناسَبَهُ ذِكْرُ الفِقْهِ لِإشْعارِهِ بِمَزِيدِ تَدْقِيقٍ وإمْعانِ فِكْرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ.
والماءُ هو ماءُ المَطَرِ، وفي ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِلْعِنايَةِ بِشَأْنِ هَذا المَخْلُوقِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ إلى الماءِ، و﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي كُلَّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ المُخْتَلِفَةِ، وقِيلَ: المَعْنى رِزْقِ كُلِّ شَيْءٍ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ فَصَّلَ هَذا الإجْمالَ فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ .
قالَ الأخْفَشُ: أيْ أخْضَرَ.
والخَضِرُ: رَطْبُ البُقُولِ، وهو ما يَتَشَعَّبُ مِنَ الأغْصانِ الخارِجَةِ مِنَ الحَبَّةِ، وقِيلَ: يُرِيدُ القَمْحَ والشَّعِيرَ والذُّرَةَ والأُرْزَ وسائِرَ الحُبُوبِ ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِخَضِرًا: أيْ نَخْرُجُ مِنَ الأغْصانِ الخُضْرِ حَبًا مُتَراكِبًا: أيْ مُرَكَّبًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضِهِ كَما في السَّنابِلِ ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ يَكُونُ ارْتِفاعُ قِنْوانٍ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى حَبٍّ، وأجازَ الفَرّاءُ في غَيْرِ القُرْآنِ قِنْوانًا عَطْفًا عَلى حَبًّا، وتَمِيمٌ يَقُولُونَ قِنْيانٍ.
وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ اللُّغَتَيْنِ لُغَةِ قَيْسٍ ولُغَةِ أهْلِ الحِجازِ.
والطَّلْعُ: الكُفْرِيُّ قَبْلَ أنْ يَنْشَقَّ عَنِ الإغْرِيضِ، والإغْرِيضُ يُسَمّى طَلْعًا أيْضًا.
والقِنْوانُ: جَمْعُ قِنْوٍ، والفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِهِ وتَثْنِيَتِهِ أنَّ المُثَنّى مَكْسُورُ النُّونِ، والجَمْعُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإعْرابُ، ومِثْلُهُ صِنْوانٌ.
والقِنْوُ: العِذْقُ.
والمَعْنى: أنَّ القِنْوانَ أصْلُهُ مِنَ الطَّلْعِ.
والعِذْقُ هو عُنْقُودُ النَّخْلِ، وقِيلَ: القِنْوانُ: الجِمارُ.
والدّانِيَةُ: القَرِيبَةُ الَّتِي يَنالُها القائِمُ والقاعِدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى مِنها دانِيَةٌ ومِنها بَعِيدَةٌ فَحُذِفَ، ومِثْلُهُ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] (p-٤٣٧)وخَصَّ الدّانِيَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ القَدْرِ والِامْتِنانِ، وذَلِكَ فِيما يَقْرُبُ تَناوُلُهُ أكْثَرُ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ .
قَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى والأعْمَشُ وعاصِمٌ في قِراءَتِهِ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ بِرَفْعِ جَنّاتٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ.
وأنْكَرَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، حَتّى قالَ أبُو حاتِمٍ، هي مُحالٌ، لِأنَّ الجَنّاتِ لا تَكُونُ مِنَ النَّخْلِ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ تَأْوِيلُ الرَّفْعِ عَلى هَذا ولَكِنَّهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَهم جَنّاتٌ كَما قَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ " ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ " [الواقعة: ٢٢] وقَدْ أجازَ مِثْلَ هَذا سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وأمّا عَلى النَّصْبِ فَقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، أوِ النَّصْبِ بِفِعْلٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ أخْرَجْناها، وهَكَذا القَوْلُ في انْتِصابِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ: وقِيلَ: هُما مَنصُوبانِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِكَوْنِهِما عَزِيزَيْنِ، و﴿مُشْتَبِهًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ: أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في بَعْضِ أوْصافِهِ ولا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في البَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: إنَّ أحَدَهُما يُشْبِهُ الآخَرَ في الوَرَقِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى جَمِيعِ الغُصْنِ وبِاعْتِبارِ حَجْمِهِ، ولا يُشْبِهُ أحَدُهُما الآخَرَ في الطَّعْمِ، وقِيلَ: خَصَّ الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ لِقُرْبِ مَنابِتِهِما مِنَ العَرَبِ كَما في قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ثُمَّ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِأنْ يَنْظُرُوا نَظَرَ اعْتِبارٍ إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وإلى يَنْعِهِ إذا أيْنَعَ.
والثَّمَرُ في اللُّغَةِ: جَنى الشَّجَرِ.
واليانِعُ: النّاضِجُ الَّذِي قَدْ أدْرَكَ وحانَ قِطافُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اليَنْعُ جَمْعُ يانِعٍ، كَرَكْبٍ وراكِبٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْنَعَ احْمَرَّ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ثُمُرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، إلّا الأعْمَشُ فَإنَّهُ قَرَأ ثُمْرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ تَخْفِيفًا.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ويُنْعَهُ بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَعْضِ أهْلِ نَجْدٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ اسْتِدْلالًا بِما يُشاهِدُونَهُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي قَصَّها عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ يَقُولُ: خَلَقَ الحَبَّ والنَّوى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَفْلِقُ الحَبَّ والنَّوى عَنِ النَّباتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الشِّقّانِ اللَّذانِ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ قالَ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النَّواةُ مِنَ النَّخْلَةِ والحَبَّةُ مِنَ السُّنْبُلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النّاسُ الأحْياءُ مِنَ النُّطَفِ، والنُّطْفَةُ مَيْتَةٌ تَخْرُجُ مِنَ النّاسِ الأحْياءِ، ومِنَ الأنْعامِ والنَّباتِ كَذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ تُكَذِّبُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: أنّى تُصْرَفُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: يَعْنِي بِالإصْباحِ ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءَ القَمَرِ بِاللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: إضاءَةُ الفَجْرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: فالِقُ الصُّبْحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ قالَ: سَكَنَ فِيهِ كُلُّ طَيْرٍ ودابَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ يَعْنِي عَدَدَ الأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ قالَ: يَضِلُّ الرَّجُلُ وهو في الظُّلْمَةِ والجَوْرُ عَنِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في بَرِّكم وبَحْرِكم ثُمَّ أمْسِكُوا، فَإنَّها واللَّهِ ما خُلِقَتْ إلّا زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا» .
وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ مُراعاةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ أحادِيثُ: مِنها عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أحَبُّ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ الَّذِينَ يُراعُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِذِكْرِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والخَطِيبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والخَطِيبُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِ الأوَّلِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: التّاجِرُ الأمِينُ، والإمامُ المُقْتَصِدُ، وراعِي الشَّمْسِ بِالنَّهارِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: «سَبْعَةٌ في ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، فَذَكَرَ مِنهُمُ الرَّجُلَ الَّذِي يُراعِي الشَّمْسَ لِمَواقِيتِ الصَّلاةِ» .
فَهَذِهِ الأحادِيثُ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِ المُراعاةِ لِذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ انْقِضاءَ وقْتِ صَلاةِ الفَجْرِ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وأوَّلُ صَلاةِ الظُّهْرِ زَوالُها، ووَقْتُ العَصْرِ ما دامَتِ الشَّمْسُ بَيْضاءَ نَقِيَّةً، ووَقْتُ المَغْرِبِ غُرُوبُ (p-٤٣٨)الشَّمْسِ.
ووَرَدَ في صَلاةِ العِشاءِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّيها لِوَقْتِ مَغِيبِ القَمَرِ لَيْلَةَ ثالِثِ الشَّهْرِ» وبِها يُعْرَفُ أوائِلُ الشُّهُورِ وأوْساطُها وأواخِرُها، فَمَن راعى الشَّمْسَ والقَمَرَ بِهَذِهِ الأُمُورِ فَهو الَّذِي أرادَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن راعاها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُرادٍ بِما ورَدَ، وهَكَذا النُّجُومُ، ورَدَ النَّهْيُ عَنِ النَّظَرِ فِيها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: نَهانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والمَرْهَبِيُّ والخَطِيبُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ» فَهَذِهِ الأحادِيثُ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّظَرِ فِيها لِما عَدا الِاهْتِداءَ والتَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ.
وما ورَدَ في جَوازِ النَّظَرِ في النُّجُومِ فَهو مُقَيَّدٌ بِالِاهْتِداءِ والتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ السّابِقُ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِيما أخْرَجَهُ الخَطِيبُ عَنْهُ: أنَّهُ سَألَ رَجُلًا عَنْ حِسابِ النُّجُومِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يُخْبِرَهُ، فَقالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، يَقُولُ: عِلْمٌ عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ ووَدِدْتُ أنِّي عَلِمْتُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والخَطِيبُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أنَّهُ خَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «أمّا بَعْدُ، فَإنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ كُسُوفَ هَذِهِ الشَّمْسِ وكُسُوفَ هَذا القَمَرِ وزَوالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَواضِعِها لِمَوْتِ رِجالٍ عُظَماءَ مِن أهْلِ الأرْضِ، وإنَّهم قَدْ كَذَبُوا، ولَكِنَّها آياتٌ مِن آياتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِها عِبادَهُ لِيَنْظُرَ ما يَحْدُثُ لَهم مِن تَوْبَةٍ» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّهُما لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِما عِبادَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ نَصَبَ آدَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ كَتِفَهُ اليُسْرى فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن صُلْبِهِ حَتّى مَلَأُوا الأرْضَ» فَهَذا الحَدِيثُ هو مَعْنى ما في الآيَةِ، - ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ - وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ قالَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعِ ما اسْتَوْدَعَ في أصْلابِ الرِّجالِ والدَّوابِّ.
وفِي لَفْظِ: المُسْتَقَرُّ ما في الرَّحِمِ، وعَلى ظَهْرِ الأرْضِ وبَطْنِها مِمّا هو حَيٌّ ومِمّا قَدْ ماتَ.
وفِي لَفْظِ المُسْتَقَرِّ ما كانَ في الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مُسْتَقَرُّها في الدُّنْيا ومُسْتَوْدَعُها في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: المُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ، والمُسْتَوْدَعُ المَكانُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، في الآيَةِ قالا: مُسْتَقَرٌّ في القَبْرِ، ومُسْتَوْدَعٌ في الدُّنْيا، أوْشَكَ أنْ يَلْحَقَ بِصاحِبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ قالَ: هَذا السُّنْبُلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ قَرِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: قِصارُ النَّخْلِ اللّاصِقَةُ عُذُوقُها بِالأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قِنْوانُ الكَبائِسِ، والدّانِيَةُ المَنصُوبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: تَهَدُّلُ العُذُوفُ مِنَ الطَّلْعِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ قالَ: مُتَشابِهًا ورَقُهُ مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ قالَ: رُطَبُهُ وعِنَبُهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ " ويَنْعِهِ " قالَ: نُضْجُهُ.
الأنعام 6:97
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ هَذا شُرُوعٌ في تَعْدادِ عَجائِبِ صُنْعِهِ تَعالى وذِكْرِ ما يَعْجِزُ آلِهَتُهم عَنْ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ، والفَلْقُ: الشَّقُّ: أيْ هو سُبْحانَهُ فالِقُ الحَبِّ فَيَخْرُجُ مِنهُ النَّباتُ، وفالِقُ النَّوى فَيَخْرُجُ مِنهُ الشَّجَرُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ الشَّقُّ الَّذِي فِيهِما مِن أصْلِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ﴾ خالِقُ.
والنَّوى: جَمْعُ نَواةٍ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ عَجْمٌ كالتَّمْرِ والمِشْمِشِ والخَوْخِ.
قَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَهي في مَحَلِّ رَفْعٍ، وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، لِأنَّ مَعْناها مَعْناهُ، والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ مَعْنى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ يَخْرُجُ الحَيَوانَ مِن مِثْلِ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ.
ومَعْنى ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مُخْرِجُ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الحَيِّ، وجُمْلَةُ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿فالِقُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ جُمْلَةَ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى صانِعِ ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ المَذْكُورِ سابِقًا و﴿اللَّهَ﴾ خَبَرُهُ: والمَعْنى: أنَّ صانِعَ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ هو المُسْتَجْمِعُ لِكُلِّ كَمالٍ، والمُفَضَّلُ بِكُلِّ إفْضالٍ، والمُسْتَحِقُّ لِكُلِّ حَمَدٍ وإجْلالٍ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ مَعَ ما تَرَوْنَ مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ (p-٤٣٦)أخْبارِ إنَّ في ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ في ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " فالِقُ الأصْباحِ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها، وهو عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ جَمْعُ صُبْحٍ، وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ مَصْدَرُ أصْبَحَ، والصُّبْحُ والصَّباحُ: أوَّلُ النَّهارِ، وكَذا الإصْباحُ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ " فَلَقَ الإصْباحَ " بِفِعْلٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ.
والمَعْنى في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ أنَّهُ شاقُّ الضِّياءِ عَنِ الظَّلامِ وكاشِفُهُ، أوْ يَكُونُ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ، وهي الغَبَشُ، أوْ فالِقُ عَمُودِ الفَجْرِ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، لِأنَّهُ يَبْدُو مُخْتَلِطًا بِالظُّلْمَةِ ثُمَّ يَصِيرُ أبْيَضَ خالِصًا.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا " حَمْلًا عَلى مَعْنى " فالِقٍ " عِنْدَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وأمّا عِنْدَ الحَسَنِ وعِيسى فَعَطْفًا عَلى فَلَقَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " وجاعِلُ " عَطْفًا عَلى " فالِقٍ " وقُرِئَ ( فالِقَ ) و( جاعِلَ ) بِنَصْبِهِما عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ( وجاعِلُ اللَّيْلِ ساكِنًا ) .
والسَّكَنُ: مَحَلُّ السُّكُونِ، مِن سَكَنَ إلَيْهِ: إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ، لِأنَّهُ يَسْكُنُ فِيهِ النّاسُ عَنِ الحَرَكَةِ في مَعاشِهِمْ ويَسْتَرِيحُونَ مِنَ التَّعَبِ والنَّصَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ وجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ والشَّمْسَ والقَمَرَ مَجْعُولانِ حُسْبانًا، وبِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اللَّيْلِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " وجَعَلَ اللَّيْلَ " .
قالَ الأخْفَشُ: والحُسْبانُ جَمْعُ حِسابٍ مِثْلَ شُهْبانٍ وشِهابٍ.
وقالَ يَعْقُوبُ: حُسْبانٌ مَصْدَرُ حَسِبْتُ الشَّيْءَ أحْسُبُهُ حَسْبًا وحُسْبانًا.
والحِسابُ: الِاسْمُ، وقِيلَ: الحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ، والحِسْبانُ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ.
والمَعْنى: جَعَلَهُما مَحَلَّ حِسابٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ وسَيَّرَهُما عَلى تَقْدِيرٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ لِيَدُلَّ عِبادَهُ بِذَلِكَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقِيلَ: الحُسْبانُ: الضِّياءُ، وفي لُغَةٍ أنَّ الحُسْبانَ: النّارُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الكهف: ٤٠] والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ إلى الجَعْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجاعِلٍ أوْ بِجَعْلٍ عَلى القِراءَتَيْنِ.
والعَزِيزُ: القاهِرُ الغالِبُ.
والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ تَسْيِيرُهُما عَلى هَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ أيْ خَلَقَها لِلِاهْتِداءِ بِها ﴿فِي ظُلُماتِ﴾ أيِ اللَّيْلِ عِنْدَ المَسِيرِ في ﴿البَرِّ والبَحْرِ﴾ وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ لِكَوْنِها مُلابِسَةً لَهُما، أوِ المُرادُ بِالظُّلُماتِ: اشْتِباهُ طُرُقِهِما الَّتِي لا يُهْتَدى فِيها إلّا بِالنُّجُومِ، وهَذِهِ إحْدى مَنافِعِ النُّجُومِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَها، ومِنها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] .
﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥]، ومِنها: جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، ومَن زَعَمَ غَيْرَ هَذِهِ الفَوائِدِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ الَّتِي بَيَّنّاها بَيانًا مُفَصَّلًا لِتَكُونَ أبْلَغَ في الِاعْتِبارِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ بِما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ وبَدِيعِ حَكَمْتِهِ.
قَوْلُهُ: ٩٨ - ﴿وهو الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ، وهَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن بَدِيعِ خَلْقِهِ الدّالِّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ .
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى والأعْرَجُ والنَّخَعِيُّ بِكَسْرِ القافِ والباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما مَرْفُوعانِ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وخَبَرُهُما مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ، التَّقْدِيرُ الأوَّلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى، والثّانِي عَلى الثّانِيَةِ: أيْ فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِها، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ في الرَّحِمِ أوْ في باطِنِ الأرْضِ أوْ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأرْضِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في القَبْرِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ مَن خُلِقَ، والمُسْتَوْدَعُ مَن لَمْ يُخْلَقْ، وقِيلَ: الِاسْتِيداعُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ في القُبُورِ إلى المَبْعَثِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِ المُسْتَقَرِّ بِالكَوْنِ عَلى الأرْضِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا ﴿يَفْقَهُونَ﴾ وفِيما قَبْلَهُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ في إنْشاءِ الأنْفُسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعْلِ بَعْضِها مُسْتَقَرًا وبَعْضَها مُسْتَوْدَعًا مِنَ الغُمُوضِ والدِّقَّةِ ما لَيْسَ في خَلْقِ النُّجُومِ لِلِاهْتِداءِ، فَناسَبَهُ ذِكْرُ الفِقْهِ لِإشْعارِهِ بِمَزِيدِ تَدْقِيقٍ وإمْعانِ فِكْرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ.
والماءُ هو ماءُ المَطَرِ، وفي ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِلْعِنايَةِ بِشَأْنِ هَذا المَخْلُوقِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ إلى الماءِ، و﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي كُلَّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ المُخْتَلِفَةِ، وقِيلَ: المَعْنى رِزْقِ كُلِّ شَيْءٍ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ فَصَّلَ هَذا الإجْمالَ فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ .
قالَ الأخْفَشُ: أيْ أخْضَرَ.
والخَضِرُ: رَطْبُ البُقُولِ، وهو ما يَتَشَعَّبُ مِنَ الأغْصانِ الخارِجَةِ مِنَ الحَبَّةِ، وقِيلَ: يُرِيدُ القَمْحَ والشَّعِيرَ والذُّرَةَ والأُرْزَ وسائِرَ الحُبُوبِ ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِخَضِرًا: أيْ نَخْرُجُ مِنَ الأغْصانِ الخُضْرِ حَبًا مُتَراكِبًا: أيْ مُرَكَّبًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضِهِ كَما في السَّنابِلِ ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ يَكُونُ ارْتِفاعُ قِنْوانٍ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى حَبٍّ، وأجازَ الفَرّاءُ في غَيْرِ القُرْآنِ قِنْوانًا عَطْفًا عَلى حَبًّا، وتَمِيمٌ يَقُولُونَ قِنْيانٍ.
وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ اللُّغَتَيْنِ لُغَةِ قَيْسٍ ولُغَةِ أهْلِ الحِجازِ.
والطَّلْعُ: الكُفْرِيُّ قَبْلَ أنْ يَنْشَقَّ عَنِ الإغْرِيضِ، والإغْرِيضُ يُسَمّى طَلْعًا أيْضًا.
والقِنْوانُ: جَمْعُ قِنْوٍ، والفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِهِ وتَثْنِيَتِهِ أنَّ المُثَنّى مَكْسُورُ النُّونِ، والجَمْعُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإعْرابُ، ومِثْلُهُ صِنْوانٌ.
والقِنْوُ: العِذْقُ.
والمَعْنى: أنَّ القِنْوانَ أصْلُهُ مِنَ الطَّلْعِ.
والعِذْقُ هو عُنْقُودُ النَّخْلِ، وقِيلَ: القِنْوانُ: الجِمارُ.
والدّانِيَةُ: القَرِيبَةُ الَّتِي يَنالُها القائِمُ والقاعِدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى مِنها دانِيَةٌ ومِنها بَعِيدَةٌ فَحُذِفَ، ومِثْلُهُ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] (p-٤٣٧)وخَصَّ الدّانِيَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ القَدْرِ والِامْتِنانِ، وذَلِكَ فِيما يَقْرُبُ تَناوُلُهُ أكْثَرُ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ .
قَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى والأعْمَشُ وعاصِمٌ في قِراءَتِهِ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ بِرَفْعِ جَنّاتٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ.
وأنْكَرَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، حَتّى قالَ أبُو حاتِمٍ، هي مُحالٌ، لِأنَّ الجَنّاتِ لا تَكُونُ مِنَ النَّخْلِ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ تَأْوِيلُ الرَّفْعِ عَلى هَذا ولَكِنَّهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَهم جَنّاتٌ كَما قَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ " ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ " [الواقعة: ٢٢] وقَدْ أجازَ مِثْلَ هَذا سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وأمّا عَلى النَّصْبِ فَقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، أوِ النَّصْبِ بِفِعْلٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ أخْرَجْناها، وهَكَذا القَوْلُ في انْتِصابِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ: وقِيلَ: هُما مَنصُوبانِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِكَوْنِهِما عَزِيزَيْنِ، و﴿مُشْتَبِهًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ: أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في بَعْضِ أوْصافِهِ ولا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في البَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: إنَّ أحَدَهُما يُشْبِهُ الآخَرَ في الوَرَقِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى جَمِيعِ الغُصْنِ وبِاعْتِبارِ حَجْمِهِ، ولا يُشْبِهُ أحَدُهُما الآخَرَ في الطَّعْمِ، وقِيلَ: خَصَّ الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ لِقُرْبِ مَنابِتِهِما مِنَ العَرَبِ كَما في قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ثُمَّ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِأنْ يَنْظُرُوا نَظَرَ اعْتِبارٍ إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وإلى يَنْعِهِ إذا أيْنَعَ.
والثَّمَرُ في اللُّغَةِ: جَنى الشَّجَرِ.
واليانِعُ: النّاضِجُ الَّذِي قَدْ أدْرَكَ وحانَ قِطافُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اليَنْعُ جَمْعُ يانِعٍ، كَرَكْبٍ وراكِبٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْنَعَ احْمَرَّ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ثُمُرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، إلّا الأعْمَشُ فَإنَّهُ قَرَأ ثُمْرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ تَخْفِيفًا.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ويُنْعَهُ بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَعْضِ أهْلِ نَجْدٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ اسْتِدْلالًا بِما يُشاهِدُونَهُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي قَصَّها عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ يَقُولُ: خَلَقَ الحَبَّ والنَّوى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَفْلِقُ الحَبَّ والنَّوى عَنِ النَّباتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الشِّقّانِ اللَّذانِ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ قالَ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النَّواةُ مِنَ النَّخْلَةِ والحَبَّةُ مِنَ السُّنْبُلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النّاسُ الأحْياءُ مِنَ النُّطَفِ، والنُّطْفَةُ مَيْتَةٌ تَخْرُجُ مِنَ النّاسِ الأحْياءِ، ومِنَ الأنْعامِ والنَّباتِ كَذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ تُكَذِّبُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: أنّى تُصْرَفُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: يَعْنِي بِالإصْباحِ ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءَ القَمَرِ بِاللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: إضاءَةُ الفَجْرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: فالِقُ الصُّبْحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ قالَ: سَكَنَ فِيهِ كُلُّ طَيْرٍ ودابَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ يَعْنِي عَدَدَ الأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ قالَ: يَضِلُّ الرَّجُلُ وهو في الظُّلْمَةِ والجَوْرُ عَنِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في بَرِّكم وبَحْرِكم ثُمَّ أمْسِكُوا، فَإنَّها واللَّهِ ما خُلِقَتْ إلّا زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا» .
وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ مُراعاةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ أحادِيثُ: مِنها عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أحَبُّ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ الَّذِينَ يُراعُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِذِكْرِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والخَطِيبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والخَطِيبُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِ الأوَّلِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: التّاجِرُ الأمِينُ، والإمامُ المُقْتَصِدُ، وراعِي الشَّمْسِ بِالنَّهارِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: «سَبْعَةٌ في ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، فَذَكَرَ مِنهُمُ الرَّجُلَ الَّذِي يُراعِي الشَّمْسَ لِمَواقِيتِ الصَّلاةِ» .
فَهَذِهِ الأحادِيثُ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِ المُراعاةِ لِذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ انْقِضاءَ وقْتِ صَلاةِ الفَجْرِ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وأوَّلُ صَلاةِ الظُّهْرِ زَوالُها، ووَقْتُ العَصْرِ ما دامَتِ الشَّمْسُ بَيْضاءَ نَقِيَّةً، ووَقْتُ المَغْرِبِ غُرُوبُ (p-٤٣٨)الشَّمْسِ.
ووَرَدَ في صَلاةِ العِشاءِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّيها لِوَقْتِ مَغِيبِ القَمَرِ لَيْلَةَ ثالِثِ الشَّهْرِ» وبِها يُعْرَفُ أوائِلُ الشُّهُورِ وأوْساطُها وأواخِرُها، فَمَن راعى الشَّمْسَ والقَمَرَ بِهَذِهِ الأُمُورِ فَهو الَّذِي أرادَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن راعاها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُرادٍ بِما ورَدَ، وهَكَذا النُّجُومُ، ورَدَ النَّهْيُ عَنِ النَّظَرِ فِيها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: نَهانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والمَرْهَبِيُّ والخَطِيبُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ» فَهَذِهِ الأحادِيثُ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّظَرِ فِيها لِما عَدا الِاهْتِداءَ والتَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ.
وما ورَدَ في جَوازِ النَّظَرِ في النُّجُومِ فَهو مُقَيَّدٌ بِالِاهْتِداءِ والتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ السّابِقُ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِيما أخْرَجَهُ الخَطِيبُ عَنْهُ: أنَّهُ سَألَ رَجُلًا عَنْ حِسابِ النُّجُومِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يُخْبِرَهُ، فَقالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، يَقُولُ: عِلْمٌ عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ ووَدِدْتُ أنِّي عَلِمْتُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والخَطِيبُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أنَّهُ خَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «أمّا بَعْدُ، فَإنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ كُسُوفَ هَذِهِ الشَّمْسِ وكُسُوفَ هَذا القَمَرِ وزَوالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَواضِعِها لِمَوْتِ رِجالٍ عُظَماءَ مِن أهْلِ الأرْضِ، وإنَّهم قَدْ كَذَبُوا، ولَكِنَّها آياتٌ مِن آياتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِها عِبادَهُ لِيَنْظُرَ ما يَحْدُثُ لَهم مِن تَوْبَةٍ» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّهُما لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِما عِبادَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ نَصَبَ آدَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ كَتِفَهُ اليُسْرى فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن صُلْبِهِ حَتّى مَلَأُوا الأرْضَ» فَهَذا الحَدِيثُ هو مَعْنى ما في الآيَةِ، - ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ - وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ قالَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعِ ما اسْتَوْدَعَ في أصْلابِ الرِّجالِ والدَّوابِّ.
وفِي لَفْظِ: المُسْتَقَرُّ ما في الرَّحِمِ، وعَلى ظَهْرِ الأرْضِ وبَطْنِها مِمّا هو حَيٌّ ومِمّا قَدْ ماتَ.
وفِي لَفْظِ المُسْتَقَرِّ ما كانَ في الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مُسْتَقَرُّها في الدُّنْيا ومُسْتَوْدَعُها في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: المُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ، والمُسْتَوْدَعُ المَكانُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، في الآيَةِ قالا: مُسْتَقَرٌّ في القَبْرِ، ومُسْتَوْدَعٌ في الدُّنْيا، أوْشَكَ أنْ يَلْحَقَ بِصاحِبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ قالَ: هَذا السُّنْبُلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ قَرِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: قِصارُ النَّخْلِ اللّاصِقَةُ عُذُوقُها بِالأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قِنْوانُ الكَبائِسِ، والدّانِيَةُ المَنصُوبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: تَهَدُّلُ العُذُوفُ مِنَ الطَّلْعِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ قالَ: مُتَشابِهًا ورَقُهُ مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ قالَ: رُطَبُهُ وعِنَبُهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ " ويَنْعِهِ " قالَ: نُضْجُهُ.
الأنعام 6:98
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ هَذا شُرُوعٌ في تَعْدادِ عَجائِبِ صُنْعِهِ تَعالى وذِكْرِ ما يَعْجِزُ آلِهَتُهم عَنْ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ، والفَلْقُ: الشَّقُّ: أيْ هو سُبْحانَهُ فالِقُ الحَبِّ فَيَخْرُجُ مِنهُ النَّباتُ، وفالِقُ النَّوى فَيَخْرُجُ مِنهُ الشَّجَرُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ الشَّقُّ الَّذِي فِيهِما مِن أصْلِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ﴾ خالِقُ.
والنَّوى: جَمْعُ نَواةٍ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ عَجْمٌ كالتَّمْرِ والمِشْمِشِ والخَوْخِ.
قَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَهي في مَحَلِّ رَفْعٍ، وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، لِأنَّ مَعْناها مَعْناهُ، والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ مَعْنى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ يَخْرُجُ الحَيَوانَ مِن مِثْلِ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ.
ومَعْنى ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مُخْرِجُ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الحَيِّ، وجُمْلَةُ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿فالِقُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ جُمْلَةَ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى صانِعِ ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ المَذْكُورِ سابِقًا و﴿اللَّهَ﴾ خَبَرُهُ: والمَعْنى: أنَّ صانِعَ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ هو المُسْتَجْمِعُ لِكُلِّ كَمالٍ، والمُفَضَّلُ بِكُلِّ إفْضالٍ، والمُسْتَحِقُّ لِكُلِّ حَمَدٍ وإجْلالٍ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ مَعَ ما تَرَوْنَ مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ (p-٤٣٦)أخْبارِ إنَّ في ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ في ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " فالِقُ الأصْباحِ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها، وهو عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ جَمْعُ صُبْحٍ، وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ مَصْدَرُ أصْبَحَ، والصُّبْحُ والصَّباحُ: أوَّلُ النَّهارِ، وكَذا الإصْباحُ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ " فَلَقَ الإصْباحَ " بِفِعْلٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ.
والمَعْنى في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ أنَّهُ شاقُّ الضِّياءِ عَنِ الظَّلامِ وكاشِفُهُ، أوْ يَكُونُ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ، وهي الغَبَشُ، أوْ فالِقُ عَمُودِ الفَجْرِ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، لِأنَّهُ يَبْدُو مُخْتَلِطًا بِالظُّلْمَةِ ثُمَّ يَصِيرُ أبْيَضَ خالِصًا.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا " حَمْلًا عَلى مَعْنى " فالِقٍ " عِنْدَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وأمّا عِنْدَ الحَسَنِ وعِيسى فَعَطْفًا عَلى فَلَقَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " وجاعِلُ " عَطْفًا عَلى " فالِقٍ " وقُرِئَ ( فالِقَ ) و( جاعِلَ ) بِنَصْبِهِما عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ( وجاعِلُ اللَّيْلِ ساكِنًا ) .
والسَّكَنُ: مَحَلُّ السُّكُونِ، مِن سَكَنَ إلَيْهِ: إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ، لِأنَّهُ يَسْكُنُ فِيهِ النّاسُ عَنِ الحَرَكَةِ في مَعاشِهِمْ ويَسْتَرِيحُونَ مِنَ التَّعَبِ والنَّصَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ وجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ والشَّمْسَ والقَمَرَ مَجْعُولانِ حُسْبانًا، وبِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اللَّيْلِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " وجَعَلَ اللَّيْلَ " .
قالَ الأخْفَشُ: والحُسْبانُ جَمْعُ حِسابٍ مِثْلَ شُهْبانٍ وشِهابٍ.
وقالَ يَعْقُوبُ: حُسْبانٌ مَصْدَرُ حَسِبْتُ الشَّيْءَ أحْسُبُهُ حَسْبًا وحُسْبانًا.
والحِسابُ: الِاسْمُ، وقِيلَ: الحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ، والحِسْبانُ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ.
والمَعْنى: جَعَلَهُما مَحَلَّ حِسابٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ وسَيَّرَهُما عَلى تَقْدِيرٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ لِيَدُلَّ عِبادَهُ بِذَلِكَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقِيلَ: الحُسْبانُ: الضِّياءُ، وفي لُغَةٍ أنَّ الحُسْبانَ: النّارُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الكهف: ٤٠] والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ إلى الجَعْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجاعِلٍ أوْ بِجَعْلٍ عَلى القِراءَتَيْنِ.
والعَزِيزُ: القاهِرُ الغالِبُ.
والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ تَسْيِيرُهُما عَلى هَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ أيْ خَلَقَها لِلِاهْتِداءِ بِها ﴿فِي ظُلُماتِ﴾ أيِ اللَّيْلِ عِنْدَ المَسِيرِ في ﴿البَرِّ والبَحْرِ﴾ وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ لِكَوْنِها مُلابِسَةً لَهُما، أوِ المُرادُ بِالظُّلُماتِ: اشْتِباهُ طُرُقِهِما الَّتِي لا يُهْتَدى فِيها إلّا بِالنُّجُومِ، وهَذِهِ إحْدى مَنافِعِ النُّجُومِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَها، ومِنها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] .
﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥]، ومِنها: جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، ومَن زَعَمَ غَيْرَ هَذِهِ الفَوائِدِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ الَّتِي بَيَّنّاها بَيانًا مُفَصَّلًا لِتَكُونَ أبْلَغَ في الِاعْتِبارِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ بِما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ وبَدِيعِ حَكَمْتِهِ.
قَوْلُهُ: ٩٨ - ﴿وهو الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ، وهَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن بَدِيعِ خَلْقِهِ الدّالِّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ .
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى والأعْرَجُ والنَّخَعِيُّ بِكَسْرِ القافِ والباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما مَرْفُوعانِ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وخَبَرُهُما مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ، التَّقْدِيرُ الأوَّلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى، والثّانِي عَلى الثّانِيَةِ: أيْ فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِها، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ في الرَّحِمِ أوْ في باطِنِ الأرْضِ أوْ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأرْضِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في القَبْرِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ مَن خُلِقَ، والمُسْتَوْدَعُ مَن لَمْ يُخْلَقْ، وقِيلَ: الِاسْتِيداعُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ في القُبُورِ إلى المَبْعَثِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِ المُسْتَقَرِّ بِالكَوْنِ عَلى الأرْضِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا ﴿يَفْقَهُونَ﴾ وفِيما قَبْلَهُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ في إنْشاءِ الأنْفُسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعْلِ بَعْضِها مُسْتَقَرًا وبَعْضَها مُسْتَوْدَعًا مِنَ الغُمُوضِ والدِّقَّةِ ما لَيْسَ في خَلْقِ النُّجُومِ لِلِاهْتِداءِ، فَناسَبَهُ ذِكْرُ الفِقْهِ لِإشْعارِهِ بِمَزِيدِ تَدْقِيقٍ وإمْعانِ فِكْرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ.
والماءُ هو ماءُ المَطَرِ، وفي ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِلْعِنايَةِ بِشَأْنِ هَذا المَخْلُوقِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ إلى الماءِ، و﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي كُلَّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ المُخْتَلِفَةِ، وقِيلَ: المَعْنى رِزْقِ كُلِّ شَيْءٍ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ فَصَّلَ هَذا الإجْمالَ فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ .
قالَ الأخْفَشُ: أيْ أخْضَرَ.
والخَضِرُ: رَطْبُ البُقُولِ، وهو ما يَتَشَعَّبُ مِنَ الأغْصانِ الخارِجَةِ مِنَ الحَبَّةِ، وقِيلَ: يُرِيدُ القَمْحَ والشَّعِيرَ والذُّرَةَ والأُرْزَ وسائِرَ الحُبُوبِ ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِخَضِرًا: أيْ نَخْرُجُ مِنَ الأغْصانِ الخُضْرِ حَبًا مُتَراكِبًا: أيْ مُرَكَّبًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضِهِ كَما في السَّنابِلِ ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ يَكُونُ ارْتِفاعُ قِنْوانٍ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى حَبٍّ، وأجازَ الفَرّاءُ في غَيْرِ القُرْآنِ قِنْوانًا عَطْفًا عَلى حَبًّا، وتَمِيمٌ يَقُولُونَ قِنْيانٍ.
وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ اللُّغَتَيْنِ لُغَةِ قَيْسٍ ولُغَةِ أهْلِ الحِجازِ.
والطَّلْعُ: الكُفْرِيُّ قَبْلَ أنْ يَنْشَقَّ عَنِ الإغْرِيضِ، والإغْرِيضُ يُسَمّى طَلْعًا أيْضًا.
والقِنْوانُ: جَمْعُ قِنْوٍ، والفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِهِ وتَثْنِيَتِهِ أنَّ المُثَنّى مَكْسُورُ النُّونِ، والجَمْعُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإعْرابُ، ومِثْلُهُ صِنْوانٌ.
والقِنْوُ: العِذْقُ.
والمَعْنى: أنَّ القِنْوانَ أصْلُهُ مِنَ الطَّلْعِ.
والعِذْقُ هو عُنْقُودُ النَّخْلِ، وقِيلَ: القِنْوانُ: الجِمارُ.
والدّانِيَةُ: القَرِيبَةُ الَّتِي يَنالُها القائِمُ والقاعِدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى مِنها دانِيَةٌ ومِنها بَعِيدَةٌ فَحُذِفَ، ومِثْلُهُ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] (p-٤٣٧)وخَصَّ الدّانِيَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ القَدْرِ والِامْتِنانِ، وذَلِكَ فِيما يَقْرُبُ تَناوُلُهُ أكْثَرُ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ .
قَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى والأعْمَشُ وعاصِمٌ في قِراءَتِهِ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ بِرَفْعِ جَنّاتٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ.
وأنْكَرَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، حَتّى قالَ أبُو حاتِمٍ، هي مُحالٌ، لِأنَّ الجَنّاتِ لا تَكُونُ مِنَ النَّخْلِ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ تَأْوِيلُ الرَّفْعِ عَلى هَذا ولَكِنَّهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَهم جَنّاتٌ كَما قَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ " ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ " [الواقعة: ٢٢] وقَدْ أجازَ مِثْلَ هَذا سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وأمّا عَلى النَّصْبِ فَقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، أوِ النَّصْبِ بِفِعْلٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ أخْرَجْناها، وهَكَذا القَوْلُ في انْتِصابِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ: وقِيلَ: هُما مَنصُوبانِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِكَوْنِهِما عَزِيزَيْنِ، و﴿مُشْتَبِهًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ: أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في بَعْضِ أوْصافِهِ ولا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في البَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: إنَّ أحَدَهُما يُشْبِهُ الآخَرَ في الوَرَقِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى جَمِيعِ الغُصْنِ وبِاعْتِبارِ حَجْمِهِ، ولا يُشْبِهُ أحَدُهُما الآخَرَ في الطَّعْمِ، وقِيلَ: خَصَّ الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ لِقُرْبِ مَنابِتِهِما مِنَ العَرَبِ كَما في قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ثُمَّ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِأنْ يَنْظُرُوا نَظَرَ اعْتِبارٍ إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وإلى يَنْعِهِ إذا أيْنَعَ.
والثَّمَرُ في اللُّغَةِ: جَنى الشَّجَرِ.
واليانِعُ: النّاضِجُ الَّذِي قَدْ أدْرَكَ وحانَ قِطافُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اليَنْعُ جَمْعُ يانِعٍ، كَرَكْبٍ وراكِبٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْنَعَ احْمَرَّ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ثُمُرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، إلّا الأعْمَشُ فَإنَّهُ قَرَأ ثُمْرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ تَخْفِيفًا.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ويُنْعَهُ بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَعْضِ أهْلِ نَجْدٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ اسْتِدْلالًا بِما يُشاهِدُونَهُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي قَصَّها عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ يَقُولُ: خَلَقَ الحَبَّ والنَّوى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَفْلِقُ الحَبَّ والنَّوى عَنِ النَّباتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الشِّقّانِ اللَّذانِ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ قالَ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النَّواةُ مِنَ النَّخْلَةِ والحَبَّةُ مِنَ السُّنْبُلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النّاسُ الأحْياءُ مِنَ النُّطَفِ، والنُّطْفَةُ مَيْتَةٌ تَخْرُجُ مِنَ النّاسِ الأحْياءِ، ومِنَ الأنْعامِ والنَّباتِ كَذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ تُكَذِّبُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: أنّى تُصْرَفُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: يَعْنِي بِالإصْباحِ ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءَ القَمَرِ بِاللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: إضاءَةُ الفَجْرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: فالِقُ الصُّبْحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ قالَ: سَكَنَ فِيهِ كُلُّ طَيْرٍ ودابَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ يَعْنِي عَدَدَ الأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ قالَ: يَضِلُّ الرَّجُلُ وهو في الظُّلْمَةِ والجَوْرُ عَنِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في بَرِّكم وبَحْرِكم ثُمَّ أمْسِكُوا، فَإنَّها واللَّهِ ما خُلِقَتْ إلّا زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا» .
وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ مُراعاةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ أحادِيثُ: مِنها عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أحَبُّ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ الَّذِينَ يُراعُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِذِكْرِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والخَطِيبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والخَطِيبُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِ الأوَّلِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: التّاجِرُ الأمِينُ، والإمامُ المُقْتَصِدُ، وراعِي الشَّمْسِ بِالنَّهارِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: «سَبْعَةٌ في ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، فَذَكَرَ مِنهُمُ الرَّجُلَ الَّذِي يُراعِي الشَّمْسَ لِمَواقِيتِ الصَّلاةِ» .
فَهَذِهِ الأحادِيثُ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِ المُراعاةِ لِذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ انْقِضاءَ وقْتِ صَلاةِ الفَجْرِ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وأوَّلُ صَلاةِ الظُّهْرِ زَوالُها، ووَقْتُ العَصْرِ ما دامَتِ الشَّمْسُ بَيْضاءَ نَقِيَّةً، ووَقْتُ المَغْرِبِ غُرُوبُ (p-٤٣٨)الشَّمْسِ.
ووَرَدَ في صَلاةِ العِشاءِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّيها لِوَقْتِ مَغِيبِ القَمَرِ لَيْلَةَ ثالِثِ الشَّهْرِ» وبِها يُعْرَفُ أوائِلُ الشُّهُورِ وأوْساطُها وأواخِرُها، فَمَن راعى الشَّمْسَ والقَمَرَ بِهَذِهِ الأُمُورِ فَهو الَّذِي أرادَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن راعاها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُرادٍ بِما ورَدَ، وهَكَذا النُّجُومُ، ورَدَ النَّهْيُ عَنِ النَّظَرِ فِيها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: نَهانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والمَرْهَبِيُّ والخَطِيبُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ» فَهَذِهِ الأحادِيثُ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّظَرِ فِيها لِما عَدا الِاهْتِداءَ والتَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ.
وما ورَدَ في جَوازِ النَّظَرِ في النُّجُومِ فَهو مُقَيَّدٌ بِالِاهْتِداءِ والتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ السّابِقُ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِيما أخْرَجَهُ الخَطِيبُ عَنْهُ: أنَّهُ سَألَ رَجُلًا عَنْ حِسابِ النُّجُومِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يُخْبِرَهُ، فَقالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، يَقُولُ: عِلْمٌ عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ ووَدِدْتُ أنِّي عَلِمْتُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والخَطِيبُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أنَّهُ خَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «أمّا بَعْدُ، فَإنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ كُسُوفَ هَذِهِ الشَّمْسِ وكُسُوفَ هَذا القَمَرِ وزَوالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَواضِعِها لِمَوْتِ رِجالٍ عُظَماءَ مِن أهْلِ الأرْضِ، وإنَّهم قَدْ كَذَبُوا، ولَكِنَّها آياتٌ مِن آياتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِها عِبادَهُ لِيَنْظُرَ ما يَحْدُثُ لَهم مِن تَوْبَةٍ» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّهُما لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِما عِبادَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ نَصَبَ آدَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ كَتِفَهُ اليُسْرى فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن صُلْبِهِ حَتّى مَلَأُوا الأرْضَ» فَهَذا الحَدِيثُ هو مَعْنى ما في الآيَةِ، - ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ - وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ قالَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعِ ما اسْتَوْدَعَ في أصْلابِ الرِّجالِ والدَّوابِّ.
وفِي لَفْظِ: المُسْتَقَرُّ ما في الرَّحِمِ، وعَلى ظَهْرِ الأرْضِ وبَطْنِها مِمّا هو حَيٌّ ومِمّا قَدْ ماتَ.
وفِي لَفْظِ المُسْتَقَرِّ ما كانَ في الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مُسْتَقَرُّها في الدُّنْيا ومُسْتَوْدَعُها في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: المُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ، والمُسْتَوْدَعُ المَكانُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، في الآيَةِ قالا: مُسْتَقَرٌّ في القَبْرِ، ومُسْتَوْدَعٌ في الدُّنْيا، أوْشَكَ أنْ يَلْحَقَ بِصاحِبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ قالَ: هَذا السُّنْبُلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ قَرِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: قِصارُ النَّخْلِ اللّاصِقَةُ عُذُوقُها بِالأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قِنْوانُ الكَبائِسِ، والدّانِيَةُ المَنصُوبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: تَهَدُّلُ العُذُوفُ مِنَ الطَّلْعِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ قالَ: مُتَشابِهًا ورَقُهُ مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ قالَ: رُطَبُهُ وعِنَبُهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ " ويَنْعِهِ " قالَ: نُضْجُهُ.
الأنعام 6:99
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ هَذا شُرُوعٌ في تَعْدادِ عَجائِبِ صُنْعِهِ تَعالى وذِكْرِ ما يَعْجِزُ آلِهَتُهم عَنْ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ، والفَلْقُ: الشَّقُّ: أيْ هو سُبْحانَهُ فالِقُ الحَبِّ فَيَخْرُجُ مِنهُ النَّباتُ، وفالِقُ النَّوى فَيَخْرُجُ مِنهُ الشَّجَرُ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ الشَّقُّ الَّذِي فِيهِما مِن أصْلِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿فالِقُ﴾ خالِقُ.
والنَّوى: جَمْعُ نَواةٍ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ عَجْمٌ كالتَّمْرِ والمِشْمِشِ والخَوْخِ.
قَوْلُهُ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ فَهي في مَحَلِّ رَفْعٍ، وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، لِأنَّ مَعْناها مَعْناهُ، والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ مَعْنى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ يَخْرُجُ الحَيَوانَ مِن مِثْلِ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ.
ومَعْنى ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مُخْرِجُ النُّطْفَةِ والبَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الحَيِّ، وجُمْلَةُ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ، وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿فالِقُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ جُمْلَةَ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها، والأوَّلُ أوْلى، والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى صانِعِ ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ المَذْكُورِ سابِقًا و﴿اللَّهَ﴾ خَبَرُهُ: والمَعْنى: أنَّ صانِعَ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ هو المُسْتَجْمِعُ لِكُلِّ كَمالٍ، والمُفَضَّلُ بِكُلِّ إفْضالٍ، والمُسْتَحِقُّ لِكُلِّ حَمَدٍ وإجْلالٍ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ مَعَ ما تَرَوْنَ مِن بَدِيعِ صُنْعِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ (p-٤٣٦)أخْبارِ إنَّ في ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾، وقِيلَ: هو نَعْتٌ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ في ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ " فالِقُ الأصْباحِ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها، وهو عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ جَمْعُ صُبْحٍ، وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ مَصْدَرُ أصْبَحَ، والصُّبْحُ والصَّباحُ: أوَّلُ النَّهارِ، وكَذا الإصْباحُ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ " فَلَقَ الإصْباحَ " بِفِعْلٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ.
والمَعْنى في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ أنَّهُ شاقُّ الضِّياءِ عَنِ الظَّلامِ وكاشِفُهُ، أوْ يَكُونُ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ: فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ، وهي الغَبَشُ، أوْ فالِقُ عَمُودِ الفَجْرِ عَنْ بَياضِ النَّهارِ، لِأنَّهُ يَبْدُو مُخْتَلِطًا بِالظُّلْمَةِ ثُمَّ يَصِيرُ أبْيَضَ خالِصًا.
وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا " حَمْلًا عَلى مَعْنى " فالِقٍ " عِنْدَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وأمّا عِنْدَ الحَسَنِ وعِيسى فَعَطْفًا عَلى فَلَقَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " وجاعِلُ " عَطْفًا عَلى " فالِقٍ " وقُرِئَ ( فالِقَ ) و( جاعِلَ ) بِنَصْبِهِما عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ( وجاعِلُ اللَّيْلِ ساكِنًا ) .
والسَّكَنُ: مَحَلُّ السُّكُونِ، مِن سَكَنَ إلَيْهِ: إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ، لِأنَّهُ يَسْكُنُ فِيهِ النّاسُ عَنِ الحَرَكَةِ في مَعاشِهِمْ ويَسْتَرِيحُونَ مِنَ التَّعَبِ والنَّصَبِ.
قَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ وجَعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وبِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ والشَّمْسَ والقَمَرَ مَجْعُولانِ حُسْبانًا، وبِالجَرِّ عَطْفًا عَلى اللَّيْلِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " وجَعَلَ اللَّيْلَ " .
قالَ الأخْفَشُ: والحُسْبانُ جَمْعُ حِسابٍ مِثْلَ شُهْبانٍ وشِهابٍ.
وقالَ يَعْقُوبُ: حُسْبانٌ مَصْدَرُ حَسِبْتُ الشَّيْءَ أحْسُبُهُ حَسْبًا وحُسْبانًا.
والحِسابُ: الِاسْمُ، وقِيلَ: الحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ بِالفَتْحِ، والحِسْبانُ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ.
والمَعْنى: جَعَلَهُما مَحَلَّ حِسابٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصالِحُ العِبادِ وسَيَّرَهُما عَلى تَقْدِيرٍ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ لِيَدُلَّ عِبادَهُ بِذَلِكَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ، وقِيلَ: الحُسْبانُ: الضِّياءُ، وفي لُغَةٍ أنَّ الحُسْبانَ: النّارُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الكهف: ٤٠] والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ إلى الجَعْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجاعِلٍ أوْ بِجَعْلٍ عَلى القِراءَتَيْنِ.
والعَزِيزُ: القاهِرُ الغالِبُ.
والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، ومِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ تَسْيِيرُهُما عَلى هَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ أيْ خَلَقَها لِلِاهْتِداءِ بِها ﴿فِي ظُلُماتِ﴾ أيِ اللَّيْلِ عِنْدَ المَسِيرِ في ﴿البَرِّ والبَحْرِ﴾ وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ لِكَوْنِها مُلابِسَةً لَهُما، أوِ المُرادُ بِالظُّلُماتِ: اشْتِباهُ طُرُقِهِما الَّتِي لا يُهْتَدى فِيها إلّا بِالنُّجُومِ، وهَذِهِ إحْدى مَنافِعِ النُّجُومِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَها، ومِنها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] .
﴿وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥]، ومِنها: جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، ومَن زَعَمَ غَيْرَ هَذِهِ الفَوائِدِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ الَّتِي بَيَّنّاها بَيانًا مُفَصَّلًا لِتَكُونَ أبْلَغَ في الِاعْتِبارِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ بِما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ وبَدِيعِ حَكَمْتِهِ.
قَوْلُهُ: ٩٨ - ﴿وهو الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ أيْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ، وهَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن بَدِيعِ خَلْقِهِ الدّالِّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ .
قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو وعِيسى والأعْرَجُ والنَّخَعِيُّ بِكَسْرِ القافِ والباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما مَرْفُوعانِ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَآنِ وخَبَرُهُما مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ، التَّقْدِيرُ الأوَّلُ عَلى القِراءَةِ الأُولى، والثّانِي عَلى الثّانِيَةِ: أيْ فَمِنكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، أوْ فَلَكم مُسْتَقَرٌّ عَلى ظَهْرِها، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ في الرَّحِمِ أوْ في باطِنِ الأرْضِ أوْ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ في الأرْضِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ في القَبْرِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ، وقِيلَ: المُسْتَقَرُّ مَن خُلِقَ، والمُسْتَوْدَعُ مَن لَمْ يُخْلَقْ، وقِيلَ: الِاسْتِيداعُ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ في القُبُورِ إلى المَبْعَثِ.
ومِمّا يَدُلُّ عَلى تَفْسِيرِ المُسْتَقَرِّ بِالكَوْنِ عَلى الأرْضِ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا ﴿يَفْقَهُونَ﴾ وفِيما قَبْلَهُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ في إنْشاءِ الأنْفُسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعْلِ بَعْضِها مُسْتَقَرًا وبَعْضَها مُسْتَوْدَعًا مِنَ الغُمُوضِ والدِّقَّةِ ما لَيْسَ في خَلْقِ النُّجُومِ لِلِاهْتِداءِ، فَناسَبَهُ ذِكْرُ الفِقْهِ لِإشْعارِهِ بِمَزِيدِ تَدْقِيقٍ وإمْعانِ فِكْرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وهو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ.
والماءُ هو ماءُ المَطَرِ، وفي ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِلْعِنايَةِ بِشَأْنِ هَذا المَخْلُوقِ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ في ﴿بِهِ﴾ عائِدٌ إلى الماءِ، و﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَعْنِي كُلَّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ النَّباتِ المُخْتَلِفَةِ، وقِيلَ: المَعْنى رِزْقِ كُلِّ شَيْءٍ، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى.
ثُمَّ فَصَّلَ هَذا الإجْمالَ فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ .
قالَ الأخْفَشُ: أيْ أخْضَرَ.
والخَضِرُ: رَطْبُ البُقُولِ، وهو ما يَتَشَعَّبُ مِنَ الأغْصانِ الخارِجَةِ مِنَ الحَبَّةِ، وقِيلَ: يُرِيدُ القَمْحَ والشَّعِيرَ والذُّرَةَ والأُرْزَ وسائِرَ الحُبُوبِ ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِخَضِرًا: أيْ نَخْرُجُ مِنَ الأغْصانِ الخُضْرِ حَبًا مُتَراكِبًا: أيْ مُرَكَّبًا بَعْضُهُ عَلى بَعْضِهِ كَما في السَّنابِلِ ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ يَكُونُ ارْتِفاعُ قِنْوانٍ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى حَبٍّ، وأجازَ الفَرّاءُ في غَيْرِ القُرْآنِ قِنْوانًا عَطْفًا عَلى حَبًّا، وتَمِيمٌ يَقُولُونَ قِنْيانٍ.
وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِها بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ اللُّغَتَيْنِ لُغَةِ قَيْسٍ ولُغَةِ أهْلِ الحِجازِ.
والطَّلْعُ: الكُفْرِيُّ قَبْلَ أنْ يَنْشَقَّ عَنِ الإغْرِيضِ، والإغْرِيضُ يُسَمّى طَلْعًا أيْضًا.
والقِنْوانُ: جَمْعُ قِنْوٍ، والفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِهِ وتَثْنِيَتِهِ أنَّ المُثَنّى مَكْسُورُ النُّونِ، والجَمْعُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإعْرابُ، ومِثْلُهُ صِنْوانٌ.
والقِنْوُ: العِذْقُ.
والمَعْنى: أنَّ القِنْوانَ أصْلُهُ مِنَ الطَّلْعِ.
والعِذْقُ هو عُنْقُودُ النَّخْلِ، وقِيلَ: القِنْوانُ: الجِمارُ.
والدّانِيَةُ: القَرِيبَةُ الَّتِي يَنالُها القائِمُ والقاعِدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى مِنها دانِيَةٌ ومِنها بَعِيدَةٌ فَحُذِفَ، ومِثْلُهُ ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] (p-٤٣٧)وخَصَّ الدّانِيَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ القَدْرِ والِامْتِنانِ، وذَلِكَ فِيما يَقْرُبُ تَناوُلُهُ أكْثَرُ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ .
قَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى والأعْمَشُ وعاصِمٌ في قِراءَتِهِ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ بِرَفْعِ جَنّاتٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ.
وأنْكَرَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، حَتّى قالَ أبُو حاتِمٍ، هي مُحالٌ، لِأنَّ الجَنّاتِ لا تَكُونُ مِنَ النَّخْلِ.
قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ تَأْوِيلُ الرَّفْعِ عَلى هَذا ولَكِنَّهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ: أيْ ولَهم جَنّاتٌ كَما قَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ " ﴿وحُورٌ عِينٌ﴾ " [الواقعة: ٢٢] وقَدْ أجازَ مِثْلَ هَذا سِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ، وأمّا عَلى النَّصْبِ فَقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، أوِ النَّصْبِ بِفِعْلٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ أخْرَجْناها، وهَكَذا القَوْلُ في انْتِصابِ الزَّيْتُونِ والرُّمّانِ: وقِيلَ: هُما مَنصُوبانِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِكَوْنِهِما عَزِيزَيْنِ، و﴿مُشْتَبِهًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ: أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في بَعْضِ أوْصافِهِ ولا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في البَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: إنَّ أحَدَهُما يُشْبِهُ الآخَرَ في الوَرَقِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى جَمِيعِ الغُصْنِ وبِاعْتِبارِ حَجْمِهِ، ولا يُشْبِهُ أحَدُهُما الآخَرَ في الطَّعْمِ، وقِيلَ: خَصَّ الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ لِقُرْبِ مَنابِتِهِما مِنَ العَرَبِ كَما في قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، ثُمَّ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِأنْ يَنْظُرُوا نَظَرَ اعْتِبارٍ إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وإلى يَنْعِهِ إذا أيْنَعَ.
والثَّمَرُ في اللُّغَةِ: جَنى الشَّجَرِ.
واليانِعُ: النّاضِجُ الَّذِي قَدْ أدْرَكَ وحانَ قِطافُهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اليَنْعُ جَمْعُ يانِعٍ، كَرَكْبٍ وراكِبٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أيْنَعَ احْمَرَّ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ثُمُرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، إلّا الأعْمَشُ فَإنَّهُ قَرَأ ثُمْرَهُ بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ تَخْفِيفًا.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ويُنْعَهُ بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَعْضِ أهْلِ نَجْدٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بِاللَّهِ اسْتِدْلالًا بِما يُشاهِدُونَهُ مِن عَجائِبَ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي قَصَّها عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ يَقُولُ: خَلَقَ الحَبَّ والنَّوى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: يَفْلِقُ الحَبَّ والنَّوى عَنِ النَّباتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الشِّقّانِ اللَّذانِ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ قالَ: النَّخْلَةَ مِنَ النَّواةِ والسُّنْبُلَةَ مِنَ الحَبَّةِ ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النَّواةُ مِنَ النَّخْلَةِ والحَبَّةُ مِنَ السُّنْبُلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ قالَ: النّاسُ الأحْياءُ مِنَ النُّطَفِ، والنُّطْفَةُ مَيْتَةٌ تَخْرُجُ مِنَ النّاسِ الأحْياءِ، ومِنَ الأنْعامِ والنَّباتِ كَذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ تُكَذِّبُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: أنّى تُصْرَفُونَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: يَعْنِي بِالإصْباحِ ضَوْءَ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ وضَوْءَ القَمَرِ بِاللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: إضاءَةُ الفَجْرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ قالَ: فالِقُ الصُّبْحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ قالَ: سَكَنَ فِيهِ كُلُّ طَيْرٍ ودابَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾ يَعْنِي عَدَدَ الأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ قالَ: يَضِلُّ الرَّجُلُ وهو في الظُّلْمَةِ والجَوْرُ عَنِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في بَرِّكم وبَحْرِكم ثُمَّ أمْسِكُوا، فَإنَّها واللَّهِ ما خُلِقَتْ إلّا زِينَةً لِلسَّماءِ ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ، وعَلاماتٍ يُهْتَدى بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ بِهِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا» .
وقَدْ ورَدَ في اسْتِحْبابِ مُراعاةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ أحادِيثُ: مِنها عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أحَبُّ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ الَّذِينَ يُراعُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لِذِكْرِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والخَطِيبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، والخَطِيبُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ حَدِيثِهِ الأوَّلِ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ: التّاجِرُ الأمِينُ، والإمامُ المُقْتَصِدُ، وراعِي الشَّمْسِ بِالنَّهارِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: «سَبْعَةٌ في ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، فَذَكَرَ مِنهُمُ الرَّجُلَ الَّذِي يُراعِي الشَّمْسَ لِمَواقِيتِ الصَّلاةِ» .
فَهَذِهِ الأحادِيثُ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِ المُراعاةِ لِذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ انْقِضاءَ وقْتِ صَلاةِ الفَجْرِ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وأوَّلُ صَلاةِ الظُّهْرِ زَوالُها، ووَقْتُ العَصْرِ ما دامَتِ الشَّمْسُ بَيْضاءَ نَقِيَّةً، ووَقْتُ المَغْرِبِ غُرُوبُ (p-٤٣٨)الشَّمْسِ.
ووَرَدَ في صَلاةِ العِشاءِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يُصَلِّيها لِوَقْتِ مَغِيبِ القَمَرِ لَيْلَةَ ثالِثِ الشَّهْرِ» وبِها يُعْرَفُ أوائِلُ الشُّهُورِ وأوْساطُها وأواخِرُها، فَمَن راعى الشَّمْسَ والقَمَرَ بِهَذِهِ الأُمُورِ فَهو الَّذِي أرادَهُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ومَن راعاها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُرادٍ بِما ورَدَ، وهَكَذا النُّجُومُ، ورَدَ النَّهْيُ عَنِ النَّظَرِ فِيها كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والخَطِيبُ «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: نَهانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والمَرْهَبِيُّ والخَطِيبُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والخَطِيبُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ» فَهَذِهِ الأحادِيثُ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّظَرِ فِيها لِما عَدا الِاهْتِداءَ والتَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ.
وما ورَدَ في جَوازِ النَّظَرِ في النُّجُومِ فَهو مُقَيَّدٌ بِالِاهْتِداءِ والتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ السّابِقُ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِيما أخْرَجَهُ الخَطِيبُ عَنْهُ: أنَّهُ سَألَ رَجُلًا عَنْ حِسابِ النُّجُومِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يُخْبِرَهُ، فَقالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ، يَقُولُ: عِلْمٌ عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ ووَدِدْتُ أنِّي عَلِمْتُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والخَطِيبُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أنَّهُ خَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «أمّا بَعْدُ، فَإنَّ ناسًا يَزْعُمُونَ أنَّ كُسُوفَ هَذِهِ الشَّمْسِ وكُسُوفَ هَذا القَمَرِ وزَوالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَواضِعِها لِمَوْتِ رِجالٍ عُظَماءَ مِن أهْلِ الأرْضِ، وإنَّهم قَدْ كَذَبُوا، ولَكِنَّها آياتٌ مِن آياتِ اللَّهِ يَعْتَبِرُ بِها عِبادَهُ لِيَنْظُرَ ما يَحْدُثُ لَهم مِن تَوْبَةٍ» .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّهُما لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِما عِبادَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ نَصَبَ آدَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ كَتِفَهُ اليُسْرى فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن صُلْبِهِ حَتّى مَلَأُوا الأرْضَ» فَهَذا الحَدِيثُ هو مَعْنى ما في الآيَةِ، - ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ - وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ قالَ: المُسْتَقَرُّ ما كانَ في الرَّحِمِ، والمُسْتَوْدَعِ ما اسْتَوْدَعَ في أصْلابِ الرِّجالِ والدَّوابِّ.
وفِي لَفْظِ: المُسْتَقَرُّ ما في الرَّحِمِ، وعَلى ظَهْرِ الأرْضِ وبَطْنِها مِمّا هو حَيٌّ ومِمّا قَدْ ماتَ.
وفِي لَفْظِ المُسْتَقَرِّ ما كانَ في الأرْضِ، والمُسْتَوْدَعُ ما كانَ في الصُّلْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مُسْتَقَرُّها في الدُّنْيا ومُسْتَوْدَعُها في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: المُسْتَقَرُّ الرَّحِمُ، والمُسْتَوْدَعُ المَكانُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، في الآيَةِ قالا: مُسْتَقَرٌّ في القَبْرِ، ومُسْتَوْدَعٌ في الدُّنْيا، أوْشَكَ أنْ يَلْحَقَ بِصاحِبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ قالَ: هَذا السُّنْبُلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ قَرِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: قِصارُ النَّخْلِ اللّاصِقَةُ عُذُوقُها بِالأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قِنْوانُ الكَبائِسِ، والدّانِيَةُ المَنصُوبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في ﴿قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ قالَ: تَهَدُّلُ العُذُوفُ مِنَ الطَّلْعِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ قالَ: مُتَشابِهًا ورَقُهُ مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ قالَ: رُطَبُهُ وعِنَبُهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ " ويَنْعِهِ " قالَ: نُضْجُهُ.
الأنعام 6:100
هَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: الجِنُّ المَفْعُولُ الأوَّلُ، وشُرَكاءَ المَفْعُولُ الثّانِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] وأجازَ الفَرّاءُ: أنْ يَكُونَ الجِنُّ بَدَلًا مِن شُرَكاءَ ومُفَسِّرًا لَهُ.
وأجازَ الكِسائِيُّ رَفْعَ الجِنِّ بِمَعْنى هُمُ الجِنُّ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: الجِنُّ، وبِالرَّفْعِ قَرَأ يَزِيدُ بْنُ أبِي قُطَيْبٍ وأبُو حَيّانَ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى إضافَةِ شُرَكاءَ إلى الجِنِّ لِلْبَيانِ.
والمَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ فَعَبَدُوهم كَما عَبَدُوهُ، وعَظَّمُوهم كَما عَظَّمُوهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالجِنِّ هاهُنا المَلائِكَةُ لِاجْتِنانِهِمْ: أيِ اسْتَتارِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وإبْلِيسَ أخَوانٍ، فاللَّهُ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ، وإبْلِيسُ خالِقُ الحَيّاتِ والسِّباعِ والعَقارِبِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، ويَقْرُبُ مِن هَذا قَوْلُ المَجُوسِ، فَإنَّهم قالُوا: لِلْعالَمِ صانِعانِ هُما الرَّبُّ سُبْحانَهُ والشَّيْطانُ.
وهَكَذا القائِلُونَ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ النُّورِ، وكُلُّ شَرٍّ مِنَ الظُّلْمَةِ، وهُمُ المانَوِيَّةُ.
قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ: أيْ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم، أوْ خَلَقَ ما جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: " ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ﴾ " قَرَأ نافِعٌ بِالتَّشْدِيدِ عَلى التَّكْثِيرِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ ادَّعَوْا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والنَّصارى ادَّعَوْا أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، واليَهُودَ ادَّعَوْا أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَكَثُرَ ذَلِكَ (p-٤٣٩)مِن كُفْرِهِمْ فَشَدَّدَ الفِعْلَ لِمُطابَقَةِ المَعْنى.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقُرِئَ حَرَّفُوا مِنَ التَّحْرِيفِ: أيْ زَوَّرُوا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى خَرَقُوا اخْتَلَقُوا وافْتَعَلُوا وكَذَّبُوا، يُقالُ: اخْتَلَقَ الإفْكَ واخْتَرَقَهُ وخَرَقَهُ، أوْ أصْلُهُ مِن خَرَقَ الثَّوْبَ: إذا شَقَّهُ: أيِ اشْتَقُّوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ.
قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ كائِنِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ خالِصٍ، ثُمَّ بَعْدَ حِكايَةِ هَذا الضَّلالِ البَيِّنِ والبَهْتِ الفَظِيعِ مِن جَعْلِ الجِنِّ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وإثْباتِ بَنِينَ وبَناتٍ لَهُ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى سُبْحانَهُ.
ومَعْنى تَعالى: تَباعَدَ وارْتَفَعَ عَنْ قَوْلِهِمُ الباطِلِ الَّذِي وصَفُوهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعُهُما، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ ﴿يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وقَدْ جاءَ البَدِيعُ: بِمَعْنى المُبْدِعِ كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
أيِ المُسْمِعِ، وقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى الفاعِلِ، والأصْلُ بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ.
وأجازَ الكِسائِيُّ خَفْضَهُ عَلى النَّعْتِ لِلَّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ رَفْعَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ تَعالى، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ: أيْ مَن كانَ هَذا وصْفُهُ، وهو أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ؟ وهو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وكَيْفَ يَتَّخِذُ ما يَخْلُقُهُ ولَدًا، ثُمَّ بالَغَ في نَفْيِ الوَلَدِ، فَقالَ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ أيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، والصّاحِبَةُ إذا لَمْ تُوجَدِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ، وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، لِأنَّ مَن كانَ خالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ اسْتَحالَ مِنهُ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ ولَدًا ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن مَخْلُوقاتِهِ خافِيَةٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى الأوْصافِ السّابِقَةِ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وهو الِاسْمُ الشَّرِيفُ، و﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، وكَذَلِكَ ﴿لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُ خالِقِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ النَّصْبَ فِيهِ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ مَن كانَتْ هَذِهِ صِفاتُهُ فَهو الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ، فاعْبُدُوهُ ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ الأبْصارُ: جَمْعُ بَصَرٍ، وهو الحاسَّةُ، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَبْلُغُ كُنْهَ حَقِيقَتِهِ، فالمَنفِيُّ هو هَذا الإدْراكُ لا مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ.
فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، ولا يَجْهَلُهُ إلّا مَن يَجْهَلُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ جَهْلًا عَظِيمًا، وأيْضًا قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ والمِيزانِ أنَّ رَفْعَ الإيجابِ الكُلِّيِّ سَلْبٌ جُزْئِيُّ، فالمَعْنى لا تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصارِ وهي أبْصارُ الكُفّارِ، هَذا عَلى تَسْلِيمِ أنَّ نَفْيَ الإدْراكِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ، فالمُرادُ بِهِ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ، والآيَةُ مِن سَلْبِ العُمُومِ لا مِن عُمُومِ السَّلْبِ، والأوَّلُ تَخْلُفُهُ الجُزْئِيَّةُ، والتَّقْدِيرُ: لا تُدْرِكُهُ كُلُّ الأبْصارِ بَلْ بَعْضُها، وهي أبْصارُ المُؤْمِنِينَ.
والمَصِيرُ إلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ مُتَعَيَّنٌ لِما عَرَّفْناكَ مِن تَواتُرِ الرُّؤْيَةِ في الآخِرَةِ، واعْتِضادِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] الآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ أيْ يُحِيطُ بِها ويَبْلُغُ كُنْهَها لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ، وخَصَّ الأبْصارَ لِيُجانِسَ ما قَبْلُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ: أيْ لا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ حَقِيقَةَ البَصَرِ وما الشَّيْءُ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ يُبْصِرُ مِن عَيْنَيْهِ دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن سائِرِ أعْضائِهِ انْتَهى ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ﴾ أيِ الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ: يُقالُ لَطَفَ فُلانٌ بِفُلانٍ: أيْ رَفِقَ بِهِ، واللُّطْفُ في العَمَلِ الرِّفْقُ فِيهِ، واللُّطْفُ مِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، وألْطَفَهُ بِكَذا: إذا أبَرَّهُ: والمُلاطَفَةُ: المُبارَّةُ، هَكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ وابْنُ فارِسٍ، و﴿الخَبِيرُ﴾ المُخْتَبَرُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم﴾ قالَ: واللَّهُ خَلَقَهم ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قالَ: تَخْرُصُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرَقُوا﴾ قالَ: جَعَلُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كَذَّبُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ وابْنُ عَدِيٌّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ الإنْسَ والجِنَّ والمَلائِكَةَ والشَّياطِينَ مُنْذُ خُلِقُوا إلى أنْ فَنُوا صُفُّوا صَفًا واحِدًا ما أحاطُوا بِاللَّهِ أبَدًا» .
قالَ الذَّهَبِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ انْتَهى.
وفِي إسْنادِهِ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ لَهُ ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ قالَ: لا أُمَّ لَكَ ذاكَ نُورُهُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ لا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ، وفي لَفْظٍ: إنَّما ذَلِكَ إذا تَجَلّى بِكَيْفِيَّتِهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ بَصَرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ قالَ: لا يُحِيطُ بَصَرُ أحَدٍ بِاللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ مِثْلَهُ.
الأنعام 6:101
هَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: الجِنُّ المَفْعُولُ الأوَّلُ، وشُرَكاءَ المَفْعُولُ الثّانِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] وأجازَ الفَرّاءُ: أنْ يَكُونَ الجِنُّ بَدَلًا مِن شُرَكاءَ ومُفَسِّرًا لَهُ.
وأجازَ الكِسائِيُّ رَفْعَ الجِنِّ بِمَعْنى هُمُ الجِنُّ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: الجِنُّ، وبِالرَّفْعِ قَرَأ يَزِيدُ بْنُ أبِي قُطَيْبٍ وأبُو حَيّانَ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى إضافَةِ شُرَكاءَ إلى الجِنِّ لِلْبَيانِ.
والمَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ فَعَبَدُوهم كَما عَبَدُوهُ، وعَظَّمُوهم كَما عَظَّمُوهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالجِنِّ هاهُنا المَلائِكَةُ لِاجْتِنانِهِمْ: أيِ اسْتَتارِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وإبْلِيسَ أخَوانٍ، فاللَّهُ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ، وإبْلِيسُ خالِقُ الحَيّاتِ والسِّباعِ والعَقارِبِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، ويَقْرُبُ مِن هَذا قَوْلُ المَجُوسِ، فَإنَّهم قالُوا: لِلْعالَمِ صانِعانِ هُما الرَّبُّ سُبْحانَهُ والشَّيْطانُ.
وهَكَذا القائِلُونَ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ النُّورِ، وكُلُّ شَرٍّ مِنَ الظُّلْمَةِ، وهُمُ المانَوِيَّةُ.
قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ: أيْ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم، أوْ خَلَقَ ما جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: " ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ﴾ " قَرَأ نافِعٌ بِالتَّشْدِيدِ عَلى التَّكْثِيرِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ ادَّعَوْا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والنَّصارى ادَّعَوْا أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، واليَهُودَ ادَّعَوْا أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَكَثُرَ ذَلِكَ (p-٤٣٩)مِن كُفْرِهِمْ فَشَدَّدَ الفِعْلَ لِمُطابَقَةِ المَعْنى.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقُرِئَ حَرَّفُوا مِنَ التَّحْرِيفِ: أيْ زَوَّرُوا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى خَرَقُوا اخْتَلَقُوا وافْتَعَلُوا وكَذَّبُوا، يُقالُ: اخْتَلَقَ الإفْكَ واخْتَرَقَهُ وخَرَقَهُ، أوْ أصْلُهُ مِن خَرَقَ الثَّوْبَ: إذا شَقَّهُ: أيِ اشْتَقُّوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ.
قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ كائِنِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ خالِصٍ، ثُمَّ بَعْدَ حِكايَةِ هَذا الضَّلالِ البَيِّنِ والبَهْتِ الفَظِيعِ مِن جَعْلِ الجِنِّ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وإثْباتِ بَنِينَ وبَناتٍ لَهُ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى سُبْحانَهُ.
ومَعْنى تَعالى: تَباعَدَ وارْتَفَعَ عَنْ قَوْلِهِمُ الباطِلِ الَّذِي وصَفُوهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعُهُما، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ ﴿يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وقَدْ جاءَ البَدِيعُ: بِمَعْنى المُبْدِعِ كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
أيِ المُسْمِعِ، وقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى الفاعِلِ، والأصْلُ بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ.
وأجازَ الكِسائِيُّ خَفْضَهُ عَلى النَّعْتِ لِلَّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ رَفْعَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ تَعالى، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ: أيْ مَن كانَ هَذا وصْفُهُ، وهو أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ؟ وهو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وكَيْفَ يَتَّخِذُ ما يَخْلُقُهُ ولَدًا، ثُمَّ بالَغَ في نَفْيِ الوَلَدِ، فَقالَ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ أيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، والصّاحِبَةُ إذا لَمْ تُوجَدِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ، وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، لِأنَّ مَن كانَ خالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ اسْتَحالَ مِنهُ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ ولَدًا ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن مَخْلُوقاتِهِ خافِيَةٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى الأوْصافِ السّابِقَةِ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وهو الِاسْمُ الشَّرِيفُ، و﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، وكَذَلِكَ ﴿لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُ خالِقِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ النَّصْبَ فِيهِ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ مَن كانَتْ هَذِهِ صِفاتُهُ فَهو الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ، فاعْبُدُوهُ ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ الأبْصارُ: جَمْعُ بَصَرٍ، وهو الحاسَّةُ، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَبْلُغُ كُنْهَ حَقِيقَتِهِ، فالمَنفِيُّ هو هَذا الإدْراكُ لا مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ.
فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، ولا يَجْهَلُهُ إلّا مَن يَجْهَلُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ جَهْلًا عَظِيمًا، وأيْضًا قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ والمِيزانِ أنَّ رَفْعَ الإيجابِ الكُلِّيِّ سَلْبٌ جُزْئِيُّ، فالمَعْنى لا تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصارِ وهي أبْصارُ الكُفّارِ، هَذا عَلى تَسْلِيمِ أنَّ نَفْيَ الإدْراكِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ، فالمُرادُ بِهِ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ، والآيَةُ مِن سَلْبِ العُمُومِ لا مِن عُمُومِ السَّلْبِ، والأوَّلُ تَخْلُفُهُ الجُزْئِيَّةُ، والتَّقْدِيرُ: لا تُدْرِكُهُ كُلُّ الأبْصارِ بَلْ بَعْضُها، وهي أبْصارُ المُؤْمِنِينَ.
والمَصِيرُ إلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ مُتَعَيَّنٌ لِما عَرَّفْناكَ مِن تَواتُرِ الرُّؤْيَةِ في الآخِرَةِ، واعْتِضادِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] الآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ أيْ يُحِيطُ بِها ويَبْلُغُ كُنْهَها لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ، وخَصَّ الأبْصارَ لِيُجانِسَ ما قَبْلُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ: أيْ لا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ حَقِيقَةَ البَصَرِ وما الشَّيْءُ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ يُبْصِرُ مِن عَيْنَيْهِ دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن سائِرِ أعْضائِهِ انْتَهى ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ﴾ أيِ الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ: يُقالُ لَطَفَ فُلانٌ بِفُلانٍ: أيْ رَفِقَ بِهِ، واللُّطْفُ في العَمَلِ الرِّفْقُ فِيهِ، واللُّطْفُ مِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، وألْطَفَهُ بِكَذا: إذا أبَرَّهُ: والمُلاطَفَةُ: المُبارَّةُ، هَكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ وابْنُ فارِسٍ، و﴿الخَبِيرُ﴾ المُخْتَبَرُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم﴾ قالَ: واللَّهُ خَلَقَهم ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قالَ: تَخْرُصُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرَقُوا﴾ قالَ: جَعَلُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كَذَّبُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ وابْنُ عَدِيٌّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ الإنْسَ والجِنَّ والمَلائِكَةَ والشَّياطِينَ مُنْذُ خُلِقُوا إلى أنْ فَنُوا صُفُّوا صَفًا واحِدًا ما أحاطُوا بِاللَّهِ أبَدًا» .
قالَ الذَّهَبِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ انْتَهى.
وفِي إسْنادِهِ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ لَهُ ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ قالَ: لا أُمَّ لَكَ ذاكَ نُورُهُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ لا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ، وفي لَفْظٍ: إنَّما ذَلِكَ إذا تَجَلّى بِكَيْفِيَّتِهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ بَصَرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ قالَ: لا يُحِيطُ بَصَرُ أحَدٍ بِاللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ مِثْلَهُ.
الأنعام 6:102
هَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: الجِنُّ المَفْعُولُ الأوَّلُ، وشُرَكاءَ المَفْعُولُ الثّانِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] وأجازَ الفَرّاءُ: أنْ يَكُونَ الجِنُّ بَدَلًا مِن شُرَكاءَ ومُفَسِّرًا لَهُ.
وأجازَ الكِسائِيُّ رَفْعَ الجِنِّ بِمَعْنى هُمُ الجِنُّ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: الجِنُّ، وبِالرَّفْعِ قَرَأ يَزِيدُ بْنُ أبِي قُطَيْبٍ وأبُو حَيّانَ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى إضافَةِ شُرَكاءَ إلى الجِنِّ لِلْبَيانِ.
والمَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ فَعَبَدُوهم كَما عَبَدُوهُ، وعَظَّمُوهم كَما عَظَّمُوهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالجِنِّ هاهُنا المَلائِكَةُ لِاجْتِنانِهِمْ: أيِ اسْتَتارِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وإبْلِيسَ أخَوانٍ، فاللَّهُ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ، وإبْلِيسُ خالِقُ الحَيّاتِ والسِّباعِ والعَقارِبِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، ويَقْرُبُ مِن هَذا قَوْلُ المَجُوسِ، فَإنَّهم قالُوا: لِلْعالَمِ صانِعانِ هُما الرَّبُّ سُبْحانَهُ والشَّيْطانُ.
وهَكَذا القائِلُونَ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ النُّورِ، وكُلُّ شَرٍّ مِنَ الظُّلْمَةِ، وهُمُ المانَوِيَّةُ.
قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ: أيْ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم، أوْ خَلَقَ ما جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: " ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ﴾ " قَرَأ نافِعٌ بِالتَّشْدِيدِ عَلى التَّكْثِيرِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ ادَّعَوْا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والنَّصارى ادَّعَوْا أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، واليَهُودَ ادَّعَوْا أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَكَثُرَ ذَلِكَ (p-٤٣٩)مِن كُفْرِهِمْ فَشَدَّدَ الفِعْلَ لِمُطابَقَةِ المَعْنى.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقُرِئَ حَرَّفُوا مِنَ التَّحْرِيفِ: أيْ زَوَّرُوا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى خَرَقُوا اخْتَلَقُوا وافْتَعَلُوا وكَذَّبُوا، يُقالُ: اخْتَلَقَ الإفْكَ واخْتَرَقَهُ وخَرَقَهُ، أوْ أصْلُهُ مِن خَرَقَ الثَّوْبَ: إذا شَقَّهُ: أيِ اشْتَقُّوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ.
قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ كائِنِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ خالِصٍ، ثُمَّ بَعْدَ حِكايَةِ هَذا الضَّلالِ البَيِّنِ والبَهْتِ الفَظِيعِ مِن جَعْلِ الجِنِّ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وإثْباتِ بَنِينَ وبَناتٍ لَهُ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى سُبْحانَهُ.
ومَعْنى تَعالى: تَباعَدَ وارْتَفَعَ عَنْ قَوْلِهِمُ الباطِلِ الَّذِي وصَفُوهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعُهُما، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ ﴿يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وقَدْ جاءَ البَدِيعُ: بِمَعْنى المُبْدِعِ كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
أيِ المُسْمِعِ، وقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى الفاعِلِ، والأصْلُ بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ.
وأجازَ الكِسائِيُّ خَفْضَهُ عَلى النَّعْتِ لِلَّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ رَفْعَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ تَعالى، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ: أيْ مَن كانَ هَذا وصْفُهُ، وهو أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ؟ وهو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وكَيْفَ يَتَّخِذُ ما يَخْلُقُهُ ولَدًا، ثُمَّ بالَغَ في نَفْيِ الوَلَدِ، فَقالَ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ أيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، والصّاحِبَةُ إذا لَمْ تُوجَدِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ، وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، لِأنَّ مَن كانَ خالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ اسْتَحالَ مِنهُ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ ولَدًا ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن مَخْلُوقاتِهِ خافِيَةٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى الأوْصافِ السّابِقَةِ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وهو الِاسْمُ الشَّرِيفُ، و﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، وكَذَلِكَ ﴿لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُ خالِقِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ النَّصْبَ فِيهِ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ مَن كانَتْ هَذِهِ صِفاتُهُ فَهو الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ، فاعْبُدُوهُ ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ الأبْصارُ: جَمْعُ بَصَرٍ، وهو الحاسَّةُ، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَبْلُغُ كُنْهَ حَقِيقَتِهِ، فالمَنفِيُّ هو هَذا الإدْراكُ لا مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ.
فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، ولا يَجْهَلُهُ إلّا مَن يَجْهَلُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ جَهْلًا عَظِيمًا، وأيْضًا قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ والمِيزانِ أنَّ رَفْعَ الإيجابِ الكُلِّيِّ سَلْبٌ جُزْئِيُّ، فالمَعْنى لا تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصارِ وهي أبْصارُ الكُفّارِ، هَذا عَلى تَسْلِيمِ أنَّ نَفْيَ الإدْراكِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ، فالمُرادُ بِهِ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ، والآيَةُ مِن سَلْبِ العُمُومِ لا مِن عُمُومِ السَّلْبِ، والأوَّلُ تَخْلُفُهُ الجُزْئِيَّةُ، والتَّقْدِيرُ: لا تُدْرِكُهُ كُلُّ الأبْصارِ بَلْ بَعْضُها، وهي أبْصارُ المُؤْمِنِينَ.
والمَصِيرُ إلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ مُتَعَيَّنٌ لِما عَرَّفْناكَ مِن تَواتُرِ الرُّؤْيَةِ في الآخِرَةِ، واعْتِضادِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] الآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ أيْ يُحِيطُ بِها ويَبْلُغُ كُنْهَها لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ، وخَصَّ الأبْصارَ لِيُجانِسَ ما قَبْلُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ: أيْ لا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ حَقِيقَةَ البَصَرِ وما الشَّيْءُ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ يُبْصِرُ مِن عَيْنَيْهِ دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن سائِرِ أعْضائِهِ انْتَهى ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ﴾ أيِ الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ: يُقالُ لَطَفَ فُلانٌ بِفُلانٍ: أيْ رَفِقَ بِهِ، واللُّطْفُ في العَمَلِ الرِّفْقُ فِيهِ، واللُّطْفُ مِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، وألْطَفَهُ بِكَذا: إذا أبَرَّهُ: والمُلاطَفَةُ: المُبارَّةُ، هَكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ وابْنُ فارِسٍ، و﴿الخَبِيرُ﴾ المُخْتَبَرُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم﴾ قالَ: واللَّهُ خَلَقَهم ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قالَ: تَخْرُصُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرَقُوا﴾ قالَ: جَعَلُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كَذَّبُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ وابْنُ عَدِيٌّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ الإنْسَ والجِنَّ والمَلائِكَةَ والشَّياطِينَ مُنْذُ خُلِقُوا إلى أنْ فَنُوا صُفُّوا صَفًا واحِدًا ما أحاطُوا بِاللَّهِ أبَدًا» .
قالَ الذَّهَبِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ انْتَهى.
وفِي إسْنادِهِ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ لَهُ ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ قالَ: لا أُمَّ لَكَ ذاكَ نُورُهُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ لا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ، وفي لَفْظٍ: إنَّما ذَلِكَ إذا تَجَلّى بِكَيْفِيَّتِهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ بَصَرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ قالَ: لا يُحِيطُ بَصَرُ أحَدٍ بِاللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ مِثْلَهُ.
الأنعام 6:103
هَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ.
قالَ النَّحّاسُ: الجِنُّ المَفْعُولُ الأوَّلُ، وشُرَكاءَ المَفْعُولُ الثّانِي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] وأجازَ الفَرّاءُ: أنْ يَكُونَ الجِنُّ بَدَلًا مِن شُرَكاءَ ومُفَسِّرًا لَهُ.
وأجازَ الكِسائِيُّ رَفْعَ الجِنِّ بِمَعْنى هُمُ الجِنُّ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: الجِنُّ، وبِالرَّفْعِ قَرَأ يَزِيدُ بْنُ أبِي قُطَيْبٍ وأبُو حَيّانَ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى إضافَةِ شُرَكاءَ إلى الجِنِّ لِلْبَيانِ.
والمَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ فَعَبَدُوهم كَما عَبَدُوهُ، وعَظَّمُوهم كَما عَظَّمُوهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالجِنِّ هاهُنا المَلائِكَةُ لِاجْتِنانِهِمْ: أيِ اسْتَتارِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى وإبْلِيسَ أخَوانٍ، فاللَّهُ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ، وإبْلِيسُ خالِقُ الحَيّاتِ والسِّباعِ والعَقارِبِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ، ويَقْرُبُ مِن هَذا قَوْلُ المَجُوسِ، فَإنَّهم قالُوا: لِلْعالَمِ صانِعانِ هُما الرَّبُّ سُبْحانَهُ والشَّيْطانُ.
وهَكَذا القائِلُونَ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ النُّورِ، وكُلُّ شَرٍّ مِنَ الظُّلْمَةِ، وهُمُ المانَوِيَّةُ.
قَوْلُهُ: ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ: أيْ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم، أوْ خَلَقَ ما جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: " ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ﴾ " قَرَأ نافِعٌ بِالتَّشْدِيدِ عَلى التَّكْثِيرِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ ادَّعَوْا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والنَّصارى ادَّعَوْا أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، واليَهُودَ ادَّعَوْا أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَكَثُرَ ذَلِكَ (p-٤٣٩)مِن كُفْرِهِمْ فَشَدَّدَ الفِعْلَ لِمُطابَقَةِ المَعْنى.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ.
وقُرِئَ حَرَّفُوا مِنَ التَّحْرِيفِ: أيْ زَوَّرُوا.
قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى خَرَقُوا اخْتَلَقُوا وافْتَعَلُوا وكَذَّبُوا، يُقالُ: اخْتَلَقَ الإفْكَ واخْتَرَقَهُ وخَرَقَهُ، أوْ أصْلُهُ مِن خَرَقَ الثَّوْبَ: إذا شَقَّهُ: أيِ اشْتَقُّوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ.
قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ: أيْ كائِنِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ خالِصٍ، ثُمَّ بَعْدَ حِكايَةِ هَذا الضَّلالِ البَيِّنِ والبَهْتِ الفَظِيعِ مِن جَعْلِ الجِنِّ شُرَكاءَ لِلَّهِ، وإثْباتِ بَنِينَ وبَناتٍ لَهُ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في مَعْنى سُبْحانَهُ.
ومَعْنى تَعالى: تَباعَدَ وارْتَفَعَ عَنْ قَوْلِهِمُ الباطِلِ الَّذِي وصَفُوهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعُهُما، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ ﴿يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وقَدْ جاءَ البَدِيعُ: بِمَعْنى المُبْدِعِ كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
؎أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
أيِ المُسْمِعِ، وقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى الفاعِلِ، والأصْلُ بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ.
وأجازَ الكِسائِيُّ خَفْضَهُ عَلى النَّعْتِ لِلَّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ رَفْعَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ تَعالى، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ: أيْ مَن كانَ هَذا وصْفُهُ، وهو أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ؟ وهو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وكَيْفَ يَتَّخِذُ ما يَخْلُقُهُ ولَدًا، ثُمَّ بالَغَ في نَفْيِ الوَلَدِ، فَقالَ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ أيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، والصّاحِبَةُ إذا لَمْ تُوجَدِ اسْتَحالَ وُجُودُ الوَلَدِ، وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها، لِأنَّ مَن كانَ خالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ اسْتَحالَ مِنهُ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ ولَدًا ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تَخْفى عَلَيْهِ مِن مَخْلُوقاتِهِ خافِيَةٌ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ إلى الأوْصافِ السّابِقَةِ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وهو الِاسْمُ الشَّرِيفُ، و﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ بَدَلًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، وكَذَلِكَ ﴿لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُ خالِقِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ النَّصْبَ فِيهِ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ مَن كانَتْ هَذِهِ صِفاتُهُ فَهو الحَقِيقُ بِالعِبادَةِ، فاعْبُدُوهُ ولا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ الأبْصارُ: جَمْعُ بَصَرٍ، وهو الحاسَّةُ، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَبْلُغُ كُنْهَ حَقِيقَتِهِ، فالمَنفِيُّ هو هَذا الإدْراكُ لا مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ.
فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، ولا يَجْهَلُهُ إلّا مَن يَجْهَلُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ جَهْلًا عَظِيمًا، وأيْضًا قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ البَيانِ والمِيزانِ أنَّ رَفْعَ الإيجابِ الكُلِّيِّ سَلْبٌ جُزْئِيُّ، فالمَعْنى لا تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصارِ وهي أبْصارُ الكُفّارِ، هَذا عَلى تَسْلِيمِ أنَّ نَفْيَ الإدْراكِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ، فالمُرادُ بِهِ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ، والآيَةُ مِن سَلْبِ العُمُومِ لا مِن عُمُومِ السَّلْبِ، والأوَّلُ تَخْلُفُهُ الجُزْئِيَّةُ، والتَّقْدِيرُ: لا تُدْرِكُهُ كُلُّ الأبْصارِ بَلْ بَعْضُها، وهي أبْصارُ المُؤْمِنِينَ.
والمَصِيرُ إلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ مُتَعَيَّنٌ لِما عَرَّفْناكَ مِن تَواتُرِ الرُّؤْيَةِ في الآخِرَةِ، واعْتِضادِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] الآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ أيْ يُحِيطُ بِها ويَبْلُغُ كُنْهَها لا تَخْفى عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ، وخَصَّ الأبْصارَ لِيُجانِسَ ما قَبْلُهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَلْقَ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ: أيْ لا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ حَقِيقَةَ البَصَرِ وما الشَّيْءُ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ يُبْصِرُ مِن عَيْنَيْهِ دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن سائِرِ أعْضائِهِ انْتَهى ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ﴾ أيِ الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ: يُقالُ لَطَفَ فُلانٌ بِفُلانٍ: أيْ رَفِقَ بِهِ، واللُّطْفُ في العَمَلِ الرِّفْقُ فِيهِ، واللُّطْفُ مِنَ اللَّهِ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، وألْطَفَهُ بِكَذا: إذا أبَرَّهُ: والمُلاطَفَةُ: المُبارَّةُ، هَكَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ وابْنُ فارِسٍ، و﴿الخَبِيرُ﴾ المُخْتَبَرُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهم﴾ قالَ: واللَّهُ خَلَقَهم ﴿وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قالَ: تَخْرُصُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرَقُوا﴾ قالَ: جَعَلُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كَذَّبُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والعُقَيْلِيُّ وابْنُ عَدِيٌّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ الإنْسَ والجِنَّ والمَلائِكَةَ والشَّياطِينَ مُنْذُ خُلِقُوا إلى أنْ فَنُوا صُفُّوا صَفًا واحِدًا ما أحاطُوا بِاللَّهِ أبَدًا» .
قالَ الذَّهَبِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ انْتَهى.
وفِي إسْنادِهِ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ قالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ لَهُ ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ قالَ: لا أُمَّ لَكَ ذاكَ نُورُهُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ لا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ، وفي لَفْظٍ: إنَّما ذَلِكَ إذا تَجَلّى بِكَيْفِيَّتِهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ بَصَرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ قالَ: لا يُحِيطُ بَصَرُ أحَدٍ بِاللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ مِثْلَهُ.