Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأنعام 6:104 – الأنعام 6:155
المحتويات
- الأنعام 6:104
- الأنعام 6:105
- الأنعام 6:106
- الأنعام 6:107
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:110
- الأنعام 6:111
- الأنعام 6:112
- الأنعام 6:113
- الأنعام 6:114
- الأنعام 6:115
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:117
- الأنعام 6:118
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:122
- الأنعام 6:123
- الأنعام 6:124
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:126
- الأنعام 6:127
- الأنعام 6:128
- الأنعام 6:129
- الأنعام 6:130
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:132
- الأنعام 6:133
- الأنعام 6:134
- الأنعام 6:135
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:137
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:144
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:147
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:149
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
الأنعام 6:104
(p-٤٤٠)البَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي في الأصْلِ: نُورُ القَلْبِ، والمُرادُ بِها هُنا الحُجَّةُ البَيِّنَةُ والبُرْهانُ الواضِحُ، وهَذا الكَلامُ وارِدٌ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولِهَذا قالَ في آخِرِهِ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ ووَصَفَ البَصائِرَ بِالمَجِيءِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وجَعَلَها بِمَنزِلَةِ الغائِبِ المُتَوَقِّعِ مَجِيئُهُ كَما يُقالُ: جاءَتِ العافِيَةُ، وانْصَرَفَ المَرَضُ، وأقْبَلَتِ السُّعُودُ، وأدْبَرَتِ النُّحُوسُ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَن تَعَقَّلَ الحُجَّةَ وعَرَفَها وأذْعَنَ لَها فَنَفَعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ يَنْجُو بِهَذا الإبْصارِ مِن عَذابِ النّارِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ عَنِ الحُجَّةِ ولَمْ يَتَعَقَّلَها ولا أذْعَنَ لَها، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِغَضَبِ اللَّهِ في الدُّنْيا ويَكُونُ مَصِيرُهُ النّارَ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ بِرَقِيبٍ أُحْصِيَ عَلَيْكم أعْمالَكم، وإنَّما أنا رَسُولٌ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وهو الحَفِيظُ عَلَيْكم.
قالَ الزَّجّاجُ: نَزَلَ هَذا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَمْنَعَهم بِالسَّيْفِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ.
١٠٥ - ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ نُصَرِّفُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ والوَعْظِ والتَّنْبِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَفْناها، وعَلى هَذا تَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِلصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، فَإنَّهُ لا احْتِفالَ بِقَوْلِهِمْ: ولا اعْتِدادَ بِهِمْ فَيَكُونُ مَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ لَهم وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِقَوْلِهِمْ.
وقَدْ أشارَ إلى مَثَلِ هَذا الزَّجّاجُ.
وقالَ النَّحّاسُ: وفي المَعْنى قَوْلٌ آخَرُ حَسَنٌ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ نَأْتِي بِها آيَةً بَعْدَ آيَةٍ لِيَقُولُوا ﴿دَرَسْتَ﴾ عَلَيْنا فَيُذَكَّرُونَ الأوَّلَ بِالآخِرِ، فَهَذا حَقِيقَتُهُ، والَّذِي قالَهُ أبُو إسْحاقَ: يَعْنِي الزَّجّاجَ مَجازٌ، وفي " دَرَسْتَ " قِراءاتٌ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ دارَسْتَ بِألْفٍ بَيْنِ الدّالِ والرّاءِ كَفاعَلْتَ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وأهْلِ مَكَّةَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " دَرَسَتْ " بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ كَخَرَجَتْ، وبِهِ قِراءَةُ الحَسَنِ.
وقَرَأ الباقُونَ " دَرَسْتَ " كَضَرَبْتَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المَعْنى: دارَسْتَ أهْلَ الكِتابِ ودارَسُوكَ: أيْ ذاكَرْتَهم وذاكَرُوكَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] أيْ أعانَ اليَهُودُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى القُرْآنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقَوْلُهم: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَدَّمَتْ هَذِهِ الآياتِ وعَفَتْ وانْقَطَعَتْ وهو كَقَوْلِهِمْ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ مِثْلَ المَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى.
قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى دارَسْتَ إلّا أنَّهُ أبْلَغَ.
وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ قَرَأ " ولْيَقُولُوا " بِإسْكانِ اللّامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى التَّهْدِيدِ: أيْ ولْيَقُولُوا ما شاءُوا فَإنَّ الحَقَّ بَيِّنٌ، وفي هَذا اللَّفْظِ أصْلُهُ دَرَسَ يَدْرُسُ دِراسَةً فَهو مِنَ الدَّرْسِ وهو القِراءَةُ، وقِيلَ: مِن دَرَّسْتُهُ: أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ، وأصْلُهُ دَرَسَ الطَّعامَ: أيْ داسَهُ.
والدِّياسُ: الدِّراسُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا: أيْ أخْلَقْتُهُ، ودَرَسَتِ المَرْأةُ دَرْسًا: أيْ حاضَتْ، ويُقالُ: إنَّ فَرْجَ المَرْأةِ يُكَنّى أبا دِراسٍ وهو مِنَ الحَيْضِ، والدَّرْسُ أيْضًا: الطَّرِيقُ الخَفِيُّ.
وحَكى الأصْمَعِيُّ: بَعِيرٌ لَمْ يُدْرَسْ: أيْ لَمْ يُرْكَبْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأصْحابِهِ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ أنَّهم قَرَأُوا دَرَسَ أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ الآياتِ، وقُرِئَ " دُرِسَتْ " وبِهِ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: أيِ الآياتِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ودارَسَتْ أيْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا، واللّامُ في لِنُبَيِّنَهُ لامُ كَيْ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِكَيْ نُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الآياتِ لِأنَّها في مَعْنى القُرْآنِ، أوْ إلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ أوْ إلى التَّبْيِينِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ١٠٦ - ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وأنْ لا يَشْغَلَ خاطِرَهُ بِهِمْ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِاتِّباعِ ما أمَرَهُ اللَّهُ، وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ إيجابِ الِاتِّباعِ ﴿وأعْرِضْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿اتَّبِعْ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَما أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ.
١٠٧ - ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشْراكِهِمْ ما أشْرَكُوا، وفِيهِ أنَّ الشِّرْكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَتَعارَفُ بِهِ أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ والمِيزانِ مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِإيرادِهِ ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ رَقِيبًا ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ قَيِّمٍ بِما فِيهِ نَفْعُهم فَتَجْلِبُهُ إلَيْهِمْ، لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا إبْلاغُ الرِّسالَةِ.
قَوْلُهُ: ١٠٨ - ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْبُدُها الكُفّارُ.
والمَعْنى: لا تَسُبُّ يا مُحَمَّدُ آلِهَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّتِي يَدْعُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ سَبُّهم لِلَّهِ عُدْوانًا وتَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ وجَهْلًا مِنهم.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى الحَقِّ والنّاهِيَ عَنِ الباطِلِ إذا خَشِيَ أنْ يَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما هو أشَدُّ مِنهُ مِنَ انْتِهاكِ حُرَمٍ، ومُخالَفَةِ حَقٍّ، ووُقُوعٍ في باطِلٍ أشَدَّ، كانَ التَّرْكُ أوْلى بِهِ، بَلْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، وما أنْفَعَ هَذِهِ الآيَةِ وأجَّلَ فائِدَتِها لِمَن كانَ مِنَ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ المُتَصَدِّينَ لِبَيانِها لِلنّاسِ إذا كانَ بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الصُّمِّ البُكْمِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم بِمَعْرُوفٍ تَرَكُوهُ وتَرَكُوا غَيْرَهُ مِنَ المَعْرُوفِ، وإذا نَهاهم عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ وفَعَلُوا غَيْرَهُ مِنَ المُنْكَراتِ عِنادًا لِلْحَقِّ وبُغْضًا لِاتِّباعِ المُحِقِّينَ وجَراءَةً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ إلّا السَّيْفُ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ لِمَن عانَدَ الشَّرِيعَةَ المُطَهَّرَةَ وجَعَلَ المُخالَفَةَ لَها والتَّجَرُّؤَ عَلى أهْلِها (p-٤٤١)دَيْدَنَهُ وهَجِيراهُ، كَما يُشاهَدُ ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ إذا دُعُوا إلى حَقٍّ وقَعُوا في كَثِيرٍ مِنَ الباطِلِ، وإذا أُرْشِدُوا إلى السُّنَّةِ قابَلُوها بِما لَدَيْهِمْ مِنَ البِدْعَةِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ المُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ المُتَهاوِنُونَ بِالشَّرائِعِ، وهم شَرٌّ مِنَ الزَّنادِقَةِ، لِأنَّهم يَحْتَجُّونَ بِالباطِلِ ويَنْتَمُونَ إلى البِدَعِ ويَتَظاهَرُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا وجِلِينَ، والزَّنادِقَةُ قَدْ ألْجَمْتُهم سُيُوفُ الإسْلامِ وتَحاماهم أهْلُهُ، وقَدْ يُنْفَقُ كَيْدُهم ويَتِمُّ باطِلُهم وكُفْرُهم نادِرًا عَلى ضَعِيفٍ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مَعَ تَكَتُّمٍ وتَحَرُّزٍ وخِيفَةٍ ووَجِلٍ، وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ ثابِتَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهي أصْلٌ أصِيلٌ في سَدِّ الذَّرائِعِ وقَطْعِ التَّطَرُّقِ إلى الشُّبَهِ.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ ( عُدُوُّا ) بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ وقَتادَةَ، .
وقَرَأ مَن عَداهم بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الواوِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ: أيْ ظُلْمًا وعُدْوانًا، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ زَيَّنا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن أُمَمِ الكُفّارِ عَمَلَهم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [ النَّحْلِ: ٩٣، فاطِرٍ: ٨ ] ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي الَّتِي لَمْ يَنْتَهُوا عَنْها ولا قَبِلُوا مِنَ المُرْسَلِينَ ما أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ وما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ﴾ أيْ بَيِّنَةٌ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ أيْ مَن ضَلَّ ﴿فَعَلَيْها﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( دارَسْتَ ) وقالَ: قَرَأْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿دَرَسْتَ﴾ قالَ: قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ دارَسْتَ خاصَمْتَ جادَلْتَ تَلَوْتَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: كُفَّ عَنْهم، وهَذا مَنسُوخٌ نَسَخَهُ القِتالُ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكِ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: مَلْعُونٌ مَن سَبَّ والِدَيْهِ، قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ والِدَيْهِ ؟ قالَ: يَسُبُّ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» .
الأنعام 6:105
(p-٤٤٠)البَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي في الأصْلِ: نُورُ القَلْبِ، والمُرادُ بِها هُنا الحُجَّةُ البَيِّنَةُ والبُرْهانُ الواضِحُ، وهَذا الكَلامُ وارِدٌ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولِهَذا قالَ في آخِرِهِ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ ووَصَفَ البَصائِرَ بِالمَجِيءِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وجَعَلَها بِمَنزِلَةِ الغائِبِ المُتَوَقِّعِ مَجِيئُهُ كَما يُقالُ: جاءَتِ العافِيَةُ، وانْصَرَفَ المَرَضُ، وأقْبَلَتِ السُّعُودُ، وأدْبَرَتِ النُّحُوسُ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَن تَعَقَّلَ الحُجَّةَ وعَرَفَها وأذْعَنَ لَها فَنَفَعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ يَنْجُو بِهَذا الإبْصارِ مِن عَذابِ النّارِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ عَنِ الحُجَّةِ ولَمْ يَتَعَقَّلَها ولا أذْعَنَ لَها، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِغَضَبِ اللَّهِ في الدُّنْيا ويَكُونُ مَصِيرُهُ النّارَ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ بِرَقِيبٍ أُحْصِيَ عَلَيْكم أعْمالَكم، وإنَّما أنا رَسُولٌ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وهو الحَفِيظُ عَلَيْكم.
قالَ الزَّجّاجُ: نَزَلَ هَذا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَمْنَعَهم بِالسَّيْفِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ.
١٠٥ - ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ نُصَرِّفُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ والوَعْظِ والتَّنْبِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَفْناها، وعَلى هَذا تَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِلصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، فَإنَّهُ لا احْتِفالَ بِقَوْلِهِمْ: ولا اعْتِدادَ بِهِمْ فَيَكُونُ مَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ لَهم وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِقَوْلِهِمْ.
وقَدْ أشارَ إلى مَثَلِ هَذا الزَّجّاجُ.
وقالَ النَّحّاسُ: وفي المَعْنى قَوْلٌ آخَرُ حَسَنٌ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ نَأْتِي بِها آيَةً بَعْدَ آيَةٍ لِيَقُولُوا ﴿دَرَسْتَ﴾ عَلَيْنا فَيُذَكَّرُونَ الأوَّلَ بِالآخِرِ، فَهَذا حَقِيقَتُهُ، والَّذِي قالَهُ أبُو إسْحاقَ: يَعْنِي الزَّجّاجَ مَجازٌ، وفي " دَرَسْتَ " قِراءاتٌ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ دارَسْتَ بِألْفٍ بَيْنِ الدّالِ والرّاءِ كَفاعَلْتَ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وأهْلِ مَكَّةَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " دَرَسَتْ " بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ كَخَرَجَتْ، وبِهِ قِراءَةُ الحَسَنِ.
وقَرَأ الباقُونَ " دَرَسْتَ " كَضَرَبْتَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المَعْنى: دارَسْتَ أهْلَ الكِتابِ ودارَسُوكَ: أيْ ذاكَرْتَهم وذاكَرُوكَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] أيْ أعانَ اليَهُودُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى القُرْآنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقَوْلُهم: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَدَّمَتْ هَذِهِ الآياتِ وعَفَتْ وانْقَطَعَتْ وهو كَقَوْلِهِمْ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ مِثْلَ المَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى.
قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى دارَسْتَ إلّا أنَّهُ أبْلَغَ.
وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ قَرَأ " ولْيَقُولُوا " بِإسْكانِ اللّامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى التَّهْدِيدِ: أيْ ولْيَقُولُوا ما شاءُوا فَإنَّ الحَقَّ بَيِّنٌ، وفي هَذا اللَّفْظِ أصْلُهُ دَرَسَ يَدْرُسُ دِراسَةً فَهو مِنَ الدَّرْسِ وهو القِراءَةُ، وقِيلَ: مِن دَرَّسْتُهُ: أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ، وأصْلُهُ دَرَسَ الطَّعامَ: أيْ داسَهُ.
والدِّياسُ: الدِّراسُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا: أيْ أخْلَقْتُهُ، ودَرَسَتِ المَرْأةُ دَرْسًا: أيْ حاضَتْ، ويُقالُ: إنَّ فَرْجَ المَرْأةِ يُكَنّى أبا دِراسٍ وهو مِنَ الحَيْضِ، والدَّرْسُ أيْضًا: الطَّرِيقُ الخَفِيُّ.
وحَكى الأصْمَعِيُّ: بَعِيرٌ لَمْ يُدْرَسْ: أيْ لَمْ يُرْكَبْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأصْحابِهِ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ أنَّهم قَرَأُوا دَرَسَ أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ الآياتِ، وقُرِئَ " دُرِسَتْ " وبِهِ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: أيِ الآياتِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ودارَسَتْ أيْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا، واللّامُ في لِنُبَيِّنَهُ لامُ كَيْ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِكَيْ نُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الآياتِ لِأنَّها في مَعْنى القُرْآنِ، أوْ إلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ أوْ إلى التَّبْيِينِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ١٠٦ - ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وأنْ لا يَشْغَلَ خاطِرَهُ بِهِمْ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِاتِّباعِ ما أمَرَهُ اللَّهُ، وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ إيجابِ الِاتِّباعِ ﴿وأعْرِضْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿اتَّبِعْ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَما أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ.
١٠٧ - ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشْراكِهِمْ ما أشْرَكُوا، وفِيهِ أنَّ الشِّرْكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَتَعارَفُ بِهِ أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ والمِيزانِ مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِإيرادِهِ ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ رَقِيبًا ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ قَيِّمٍ بِما فِيهِ نَفْعُهم فَتَجْلِبُهُ إلَيْهِمْ، لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا إبْلاغُ الرِّسالَةِ.
قَوْلُهُ: ١٠٨ - ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْبُدُها الكُفّارُ.
والمَعْنى: لا تَسُبُّ يا مُحَمَّدُ آلِهَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّتِي يَدْعُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ سَبُّهم لِلَّهِ عُدْوانًا وتَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ وجَهْلًا مِنهم.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى الحَقِّ والنّاهِيَ عَنِ الباطِلِ إذا خَشِيَ أنْ يَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما هو أشَدُّ مِنهُ مِنَ انْتِهاكِ حُرَمٍ، ومُخالَفَةِ حَقٍّ، ووُقُوعٍ في باطِلٍ أشَدَّ، كانَ التَّرْكُ أوْلى بِهِ، بَلْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، وما أنْفَعَ هَذِهِ الآيَةِ وأجَّلَ فائِدَتِها لِمَن كانَ مِنَ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ المُتَصَدِّينَ لِبَيانِها لِلنّاسِ إذا كانَ بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الصُّمِّ البُكْمِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم بِمَعْرُوفٍ تَرَكُوهُ وتَرَكُوا غَيْرَهُ مِنَ المَعْرُوفِ، وإذا نَهاهم عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ وفَعَلُوا غَيْرَهُ مِنَ المُنْكَراتِ عِنادًا لِلْحَقِّ وبُغْضًا لِاتِّباعِ المُحِقِّينَ وجَراءَةً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ إلّا السَّيْفُ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ لِمَن عانَدَ الشَّرِيعَةَ المُطَهَّرَةَ وجَعَلَ المُخالَفَةَ لَها والتَّجَرُّؤَ عَلى أهْلِها (p-٤٤١)دَيْدَنَهُ وهَجِيراهُ، كَما يُشاهَدُ ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ إذا دُعُوا إلى حَقٍّ وقَعُوا في كَثِيرٍ مِنَ الباطِلِ، وإذا أُرْشِدُوا إلى السُّنَّةِ قابَلُوها بِما لَدَيْهِمْ مِنَ البِدْعَةِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ المُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ المُتَهاوِنُونَ بِالشَّرائِعِ، وهم شَرٌّ مِنَ الزَّنادِقَةِ، لِأنَّهم يَحْتَجُّونَ بِالباطِلِ ويَنْتَمُونَ إلى البِدَعِ ويَتَظاهَرُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا وجِلِينَ، والزَّنادِقَةُ قَدْ ألْجَمْتُهم سُيُوفُ الإسْلامِ وتَحاماهم أهْلُهُ، وقَدْ يُنْفَقُ كَيْدُهم ويَتِمُّ باطِلُهم وكُفْرُهم نادِرًا عَلى ضَعِيفٍ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مَعَ تَكَتُّمٍ وتَحَرُّزٍ وخِيفَةٍ ووَجِلٍ، وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ ثابِتَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهي أصْلٌ أصِيلٌ في سَدِّ الذَّرائِعِ وقَطْعِ التَّطَرُّقِ إلى الشُّبَهِ.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ ( عُدُوُّا ) بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ وقَتادَةَ، .
وقَرَأ مَن عَداهم بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الواوِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ: أيْ ظُلْمًا وعُدْوانًا، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ زَيَّنا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن أُمَمِ الكُفّارِ عَمَلَهم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [ النَّحْلِ: ٩٣، فاطِرٍ: ٨ ] ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي الَّتِي لَمْ يَنْتَهُوا عَنْها ولا قَبِلُوا مِنَ المُرْسَلِينَ ما أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ وما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ﴾ أيْ بَيِّنَةٌ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ أيْ مَن ضَلَّ ﴿فَعَلَيْها﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( دارَسْتَ ) وقالَ: قَرَأْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿دَرَسْتَ﴾ قالَ: قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ دارَسْتَ خاصَمْتَ جادَلْتَ تَلَوْتَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: كُفَّ عَنْهم، وهَذا مَنسُوخٌ نَسَخَهُ القِتالُ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكِ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: مَلْعُونٌ مَن سَبَّ والِدَيْهِ، قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ والِدَيْهِ ؟ قالَ: يَسُبُّ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» .
الأنعام 6:106
(p-٤٤٠)البَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي في الأصْلِ: نُورُ القَلْبِ، والمُرادُ بِها هُنا الحُجَّةُ البَيِّنَةُ والبُرْهانُ الواضِحُ، وهَذا الكَلامُ وارِدٌ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولِهَذا قالَ في آخِرِهِ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ ووَصَفَ البَصائِرَ بِالمَجِيءِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وجَعَلَها بِمَنزِلَةِ الغائِبِ المُتَوَقِّعِ مَجِيئُهُ كَما يُقالُ: جاءَتِ العافِيَةُ، وانْصَرَفَ المَرَضُ، وأقْبَلَتِ السُّعُودُ، وأدْبَرَتِ النُّحُوسُ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَن تَعَقَّلَ الحُجَّةَ وعَرَفَها وأذْعَنَ لَها فَنَفَعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ يَنْجُو بِهَذا الإبْصارِ مِن عَذابِ النّارِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ عَنِ الحُجَّةِ ولَمْ يَتَعَقَّلَها ولا أذْعَنَ لَها، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِغَضَبِ اللَّهِ في الدُّنْيا ويَكُونُ مَصِيرُهُ النّارَ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ بِرَقِيبٍ أُحْصِيَ عَلَيْكم أعْمالَكم، وإنَّما أنا رَسُولٌ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وهو الحَفِيظُ عَلَيْكم.
قالَ الزَّجّاجُ: نَزَلَ هَذا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَمْنَعَهم بِالسَّيْفِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ.
١٠٥ - ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ نُصَرِّفُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ والوَعْظِ والتَّنْبِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَفْناها، وعَلى هَذا تَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِلصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، فَإنَّهُ لا احْتِفالَ بِقَوْلِهِمْ: ولا اعْتِدادَ بِهِمْ فَيَكُونُ مَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ لَهم وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِقَوْلِهِمْ.
وقَدْ أشارَ إلى مَثَلِ هَذا الزَّجّاجُ.
وقالَ النَّحّاسُ: وفي المَعْنى قَوْلٌ آخَرُ حَسَنٌ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ نَأْتِي بِها آيَةً بَعْدَ آيَةٍ لِيَقُولُوا ﴿دَرَسْتَ﴾ عَلَيْنا فَيُذَكَّرُونَ الأوَّلَ بِالآخِرِ، فَهَذا حَقِيقَتُهُ، والَّذِي قالَهُ أبُو إسْحاقَ: يَعْنِي الزَّجّاجَ مَجازٌ، وفي " دَرَسْتَ " قِراءاتٌ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ دارَسْتَ بِألْفٍ بَيْنِ الدّالِ والرّاءِ كَفاعَلْتَ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وأهْلِ مَكَّةَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " دَرَسَتْ " بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ كَخَرَجَتْ، وبِهِ قِراءَةُ الحَسَنِ.
وقَرَأ الباقُونَ " دَرَسْتَ " كَضَرَبْتَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المَعْنى: دارَسْتَ أهْلَ الكِتابِ ودارَسُوكَ: أيْ ذاكَرْتَهم وذاكَرُوكَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] أيْ أعانَ اليَهُودُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى القُرْآنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقَوْلُهم: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَدَّمَتْ هَذِهِ الآياتِ وعَفَتْ وانْقَطَعَتْ وهو كَقَوْلِهِمْ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ مِثْلَ المَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى.
قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى دارَسْتَ إلّا أنَّهُ أبْلَغَ.
وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ قَرَأ " ولْيَقُولُوا " بِإسْكانِ اللّامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى التَّهْدِيدِ: أيْ ولْيَقُولُوا ما شاءُوا فَإنَّ الحَقَّ بَيِّنٌ، وفي هَذا اللَّفْظِ أصْلُهُ دَرَسَ يَدْرُسُ دِراسَةً فَهو مِنَ الدَّرْسِ وهو القِراءَةُ، وقِيلَ: مِن دَرَّسْتُهُ: أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ، وأصْلُهُ دَرَسَ الطَّعامَ: أيْ داسَهُ.
والدِّياسُ: الدِّراسُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا: أيْ أخْلَقْتُهُ، ودَرَسَتِ المَرْأةُ دَرْسًا: أيْ حاضَتْ، ويُقالُ: إنَّ فَرْجَ المَرْأةِ يُكَنّى أبا دِراسٍ وهو مِنَ الحَيْضِ، والدَّرْسُ أيْضًا: الطَّرِيقُ الخَفِيُّ.
وحَكى الأصْمَعِيُّ: بَعِيرٌ لَمْ يُدْرَسْ: أيْ لَمْ يُرْكَبْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأصْحابِهِ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ أنَّهم قَرَأُوا دَرَسَ أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ الآياتِ، وقُرِئَ " دُرِسَتْ " وبِهِ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: أيِ الآياتِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ودارَسَتْ أيْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا، واللّامُ في لِنُبَيِّنَهُ لامُ كَيْ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِكَيْ نُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الآياتِ لِأنَّها في مَعْنى القُرْآنِ، أوْ إلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ أوْ إلى التَّبْيِينِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ١٠٦ - ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وأنْ لا يَشْغَلَ خاطِرَهُ بِهِمْ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِاتِّباعِ ما أمَرَهُ اللَّهُ، وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ إيجابِ الِاتِّباعِ ﴿وأعْرِضْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿اتَّبِعْ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَما أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ.
١٠٧ - ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشْراكِهِمْ ما أشْرَكُوا، وفِيهِ أنَّ الشِّرْكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَتَعارَفُ بِهِ أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ والمِيزانِ مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِإيرادِهِ ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ رَقِيبًا ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ قَيِّمٍ بِما فِيهِ نَفْعُهم فَتَجْلِبُهُ إلَيْهِمْ، لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا إبْلاغُ الرِّسالَةِ.
قَوْلُهُ: ١٠٨ - ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْبُدُها الكُفّارُ.
والمَعْنى: لا تَسُبُّ يا مُحَمَّدُ آلِهَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّتِي يَدْعُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ سَبُّهم لِلَّهِ عُدْوانًا وتَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ وجَهْلًا مِنهم.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى الحَقِّ والنّاهِيَ عَنِ الباطِلِ إذا خَشِيَ أنْ يَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما هو أشَدُّ مِنهُ مِنَ انْتِهاكِ حُرَمٍ، ومُخالَفَةِ حَقٍّ، ووُقُوعٍ في باطِلٍ أشَدَّ، كانَ التَّرْكُ أوْلى بِهِ، بَلْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، وما أنْفَعَ هَذِهِ الآيَةِ وأجَّلَ فائِدَتِها لِمَن كانَ مِنَ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ المُتَصَدِّينَ لِبَيانِها لِلنّاسِ إذا كانَ بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الصُّمِّ البُكْمِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم بِمَعْرُوفٍ تَرَكُوهُ وتَرَكُوا غَيْرَهُ مِنَ المَعْرُوفِ، وإذا نَهاهم عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ وفَعَلُوا غَيْرَهُ مِنَ المُنْكَراتِ عِنادًا لِلْحَقِّ وبُغْضًا لِاتِّباعِ المُحِقِّينَ وجَراءَةً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ إلّا السَّيْفُ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ لِمَن عانَدَ الشَّرِيعَةَ المُطَهَّرَةَ وجَعَلَ المُخالَفَةَ لَها والتَّجَرُّؤَ عَلى أهْلِها (p-٤٤١)دَيْدَنَهُ وهَجِيراهُ، كَما يُشاهَدُ ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ إذا دُعُوا إلى حَقٍّ وقَعُوا في كَثِيرٍ مِنَ الباطِلِ، وإذا أُرْشِدُوا إلى السُّنَّةِ قابَلُوها بِما لَدَيْهِمْ مِنَ البِدْعَةِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ المُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ المُتَهاوِنُونَ بِالشَّرائِعِ، وهم شَرٌّ مِنَ الزَّنادِقَةِ، لِأنَّهم يَحْتَجُّونَ بِالباطِلِ ويَنْتَمُونَ إلى البِدَعِ ويَتَظاهَرُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا وجِلِينَ، والزَّنادِقَةُ قَدْ ألْجَمْتُهم سُيُوفُ الإسْلامِ وتَحاماهم أهْلُهُ، وقَدْ يُنْفَقُ كَيْدُهم ويَتِمُّ باطِلُهم وكُفْرُهم نادِرًا عَلى ضَعِيفٍ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مَعَ تَكَتُّمٍ وتَحَرُّزٍ وخِيفَةٍ ووَجِلٍ، وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ ثابِتَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهي أصْلٌ أصِيلٌ في سَدِّ الذَّرائِعِ وقَطْعِ التَّطَرُّقِ إلى الشُّبَهِ.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ ( عُدُوُّا ) بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ وقَتادَةَ، .
وقَرَأ مَن عَداهم بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الواوِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ: أيْ ظُلْمًا وعُدْوانًا، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ زَيَّنا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن أُمَمِ الكُفّارِ عَمَلَهم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [ النَّحْلِ: ٩٣، فاطِرٍ: ٨ ] ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي الَّتِي لَمْ يَنْتَهُوا عَنْها ولا قَبِلُوا مِنَ المُرْسَلِينَ ما أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ وما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ﴾ أيْ بَيِّنَةٌ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ أيْ مَن ضَلَّ ﴿فَعَلَيْها﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( دارَسْتَ ) وقالَ: قَرَأْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿دَرَسْتَ﴾ قالَ: قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ دارَسْتَ خاصَمْتَ جادَلْتَ تَلَوْتَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: كُفَّ عَنْهم، وهَذا مَنسُوخٌ نَسَخَهُ القِتالُ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكِ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: مَلْعُونٌ مَن سَبَّ والِدَيْهِ، قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ والِدَيْهِ ؟ قالَ: يَسُبُّ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» .
الأنعام 6:107
(p-٤٤٠)البَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي في الأصْلِ: نُورُ القَلْبِ، والمُرادُ بِها هُنا الحُجَّةُ البَيِّنَةُ والبُرْهانُ الواضِحُ، وهَذا الكَلامُ وارِدٌ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولِهَذا قالَ في آخِرِهِ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ ووَصَفَ البَصائِرَ بِالمَجِيءِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وجَعَلَها بِمَنزِلَةِ الغائِبِ المُتَوَقِّعِ مَجِيئُهُ كَما يُقالُ: جاءَتِ العافِيَةُ، وانْصَرَفَ المَرَضُ، وأقْبَلَتِ السُّعُودُ، وأدْبَرَتِ النُّحُوسُ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَن تَعَقَّلَ الحُجَّةَ وعَرَفَها وأذْعَنَ لَها فَنَفَعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ يَنْجُو بِهَذا الإبْصارِ مِن عَذابِ النّارِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ عَنِ الحُجَّةِ ولَمْ يَتَعَقَّلَها ولا أذْعَنَ لَها، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِغَضَبِ اللَّهِ في الدُّنْيا ويَكُونُ مَصِيرُهُ النّارَ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ بِرَقِيبٍ أُحْصِيَ عَلَيْكم أعْمالَكم، وإنَّما أنا رَسُولٌ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وهو الحَفِيظُ عَلَيْكم.
قالَ الزَّجّاجُ: نَزَلَ هَذا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَمْنَعَهم بِالسَّيْفِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ.
١٠٥ - ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ نُصَرِّفُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ والوَعْظِ والتَّنْبِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَفْناها، وعَلى هَذا تَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِلصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، فَإنَّهُ لا احْتِفالَ بِقَوْلِهِمْ: ولا اعْتِدادَ بِهِمْ فَيَكُونُ مَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ لَهم وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِقَوْلِهِمْ.
وقَدْ أشارَ إلى مَثَلِ هَذا الزَّجّاجُ.
وقالَ النَّحّاسُ: وفي المَعْنى قَوْلٌ آخَرُ حَسَنٌ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ نَأْتِي بِها آيَةً بَعْدَ آيَةٍ لِيَقُولُوا ﴿دَرَسْتَ﴾ عَلَيْنا فَيُذَكَّرُونَ الأوَّلَ بِالآخِرِ، فَهَذا حَقِيقَتُهُ، والَّذِي قالَهُ أبُو إسْحاقَ: يَعْنِي الزَّجّاجَ مَجازٌ، وفي " دَرَسْتَ " قِراءاتٌ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ دارَسْتَ بِألْفٍ بَيْنِ الدّالِ والرّاءِ كَفاعَلْتَ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وأهْلِ مَكَّةَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " دَرَسَتْ " بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ كَخَرَجَتْ، وبِهِ قِراءَةُ الحَسَنِ.
وقَرَأ الباقُونَ " دَرَسْتَ " كَضَرَبْتَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المَعْنى: دارَسْتَ أهْلَ الكِتابِ ودارَسُوكَ: أيْ ذاكَرْتَهم وذاكَرُوكَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] أيْ أعانَ اليَهُودُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى القُرْآنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقَوْلُهم: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَدَّمَتْ هَذِهِ الآياتِ وعَفَتْ وانْقَطَعَتْ وهو كَقَوْلِهِمْ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ مِثْلَ المَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى.
قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى دارَسْتَ إلّا أنَّهُ أبْلَغَ.
وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ قَرَأ " ولْيَقُولُوا " بِإسْكانِ اللّامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى التَّهْدِيدِ: أيْ ولْيَقُولُوا ما شاءُوا فَإنَّ الحَقَّ بَيِّنٌ، وفي هَذا اللَّفْظِ أصْلُهُ دَرَسَ يَدْرُسُ دِراسَةً فَهو مِنَ الدَّرْسِ وهو القِراءَةُ، وقِيلَ: مِن دَرَّسْتُهُ: أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ، وأصْلُهُ دَرَسَ الطَّعامَ: أيْ داسَهُ.
والدِّياسُ: الدِّراسُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا: أيْ أخْلَقْتُهُ، ودَرَسَتِ المَرْأةُ دَرْسًا: أيْ حاضَتْ، ويُقالُ: إنَّ فَرْجَ المَرْأةِ يُكَنّى أبا دِراسٍ وهو مِنَ الحَيْضِ، والدَّرْسُ أيْضًا: الطَّرِيقُ الخَفِيُّ.
وحَكى الأصْمَعِيُّ: بَعِيرٌ لَمْ يُدْرَسْ: أيْ لَمْ يُرْكَبْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأصْحابِهِ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ أنَّهم قَرَأُوا دَرَسَ أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ الآياتِ، وقُرِئَ " دُرِسَتْ " وبِهِ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: أيِ الآياتِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ودارَسَتْ أيْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا، واللّامُ في لِنُبَيِّنَهُ لامُ كَيْ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِكَيْ نُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الآياتِ لِأنَّها في مَعْنى القُرْآنِ، أوْ إلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ أوْ إلى التَّبْيِينِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ١٠٦ - ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وأنْ لا يَشْغَلَ خاطِرَهُ بِهِمْ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِاتِّباعِ ما أمَرَهُ اللَّهُ، وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ إيجابِ الِاتِّباعِ ﴿وأعْرِضْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿اتَّبِعْ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَما أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ.
١٠٧ - ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشْراكِهِمْ ما أشْرَكُوا، وفِيهِ أنَّ الشِّرْكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَتَعارَفُ بِهِ أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ والمِيزانِ مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِإيرادِهِ ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ رَقِيبًا ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ قَيِّمٍ بِما فِيهِ نَفْعُهم فَتَجْلِبُهُ إلَيْهِمْ، لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا إبْلاغُ الرِّسالَةِ.
قَوْلُهُ: ١٠٨ - ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْبُدُها الكُفّارُ.
والمَعْنى: لا تَسُبُّ يا مُحَمَّدُ آلِهَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّتِي يَدْعُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ سَبُّهم لِلَّهِ عُدْوانًا وتَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ وجَهْلًا مِنهم.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى الحَقِّ والنّاهِيَ عَنِ الباطِلِ إذا خَشِيَ أنْ يَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما هو أشَدُّ مِنهُ مِنَ انْتِهاكِ حُرَمٍ، ومُخالَفَةِ حَقٍّ، ووُقُوعٍ في باطِلٍ أشَدَّ، كانَ التَّرْكُ أوْلى بِهِ، بَلْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، وما أنْفَعَ هَذِهِ الآيَةِ وأجَّلَ فائِدَتِها لِمَن كانَ مِنَ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ المُتَصَدِّينَ لِبَيانِها لِلنّاسِ إذا كانَ بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الصُّمِّ البُكْمِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم بِمَعْرُوفٍ تَرَكُوهُ وتَرَكُوا غَيْرَهُ مِنَ المَعْرُوفِ، وإذا نَهاهم عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ وفَعَلُوا غَيْرَهُ مِنَ المُنْكَراتِ عِنادًا لِلْحَقِّ وبُغْضًا لِاتِّباعِ المُحِقِّينَ وجَراءَةً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ إلّا السَّيْفُ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ لِمَن عانَدَ الشَّرِيعَةَ المُطَهَّرَةَ وجَعَلَ المُخالَفَةَ لَها والتَّجَرُّؤَ عَلى أهْلِها (p-٤٤١)دَيْدَنَهُ وهَجِيراهُ، كَما يُشاهَدُ ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ إذا دُعُوا إلى حَقٍّ وقَعُوا في كَثِيرٍ مِنَ الباطِلِ، وإذا أُرْشِدُوا إلى السُّنَّةِ قابَلُوها بِما لَدَيْهِمْ مِنَ البِدْعَةِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ المُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ المُتَهاوِنُونَ بِالشَّرائِعِ، وهم شَرٌّ مِنَ الزَّنادِقَةِ، لِأنَّهم يَحْتَجُّونَ بِالباطِلِ ويَنْتَمُونَ إلى البِدَعِ ويَتَظاهَرُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا وجِلِينَ، والزَّنادِقَةُ قَدْ ألْجَمْتُهم سُيُوفُ الإسْلامِ وتَحاماهم أهْلُهُ، وقَدْ يُنْفَقُ كَيْدُهم ويَتِمُّ باطِلُهم وكُفْرُهم نادِرًا عَلى ضَعِيفٍ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مَعَ تَكَتُّمٍ وتَحَرُّزٍ وخِيفَةٍ ووَجِلٍ، وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ ثابِتَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهي أصْلٌ أصِيلٌ في سَدِّ الذَّرائِعِ وقَطْعِ التَّطَرُّقِ إلى الشُّبَهِ.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ ( عُدُوُّا ) بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ وقَتادَةَ، .
وقَرَأ مَن عَداهم بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الواوِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ: أيْ ظُلْمًا وعُدْوانًا، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ زَيَّنا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن أُمَمِ الكُفّارِ عَمَلَهم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [ النَّحْلِ: ٩٣، فاطِرٍ: ٨ ] ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي الَّتِي لَمْ يَنْتَهُوا عَنْها ولا قَبِلُوا مِنَ المُرْسَلِينَ ما أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ وما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ﴾ أيْ بَيِّنَةٌ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ أيْ مَن ضَلَّ ﴿فَعَلَيْها﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( دارَسْتَ ) وقالَ: قَرَأْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿دَرَسْتَ﴾ قالَ: قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ دارَسْتَ خاصَمْتَ جادَلْتَ تَلَوْتَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: كُفَّ عَنْهم، وهَذا مَنسُوخٌ نَسَخَهُ القِتالُ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكِ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: مَلْعُونٌ مَن سَبَّ والِدَيْهِ، قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ والِدَيْهِ ؟ قالَ: يَسُبُّ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» .
الأنعام 6:108
(p-٤٤٠)البَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي في الأصْلِ: نُورُ القَلْبِ، والمُرادُ بِها هُنا الحُجَّةُ البَيِّنَةُ والبُرْهانُ الواضِحُ، وهَذا الكَلامُ وارِدٌ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولِهَذا قالَ في آخِرِهِ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ ووَصَفَ البَصائِرَ بِالمَجِيءِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وجَعَلَها بِمَنزِلَةِ الغائِبِ المُتَوَقِّعِ مَجِيئُهُ كَما يُقالُ: جاءَتِ العافِيَةُ، وانْصَرَفَ المَرَضُ، وأقْبَلَتِ السُّعُودُ، وأدْبَرَتِ النُّحُوسُ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَن تَعَقَّلَ الحُجَّةَ وعَرَفَها وأذْعَنَ لَها فَنَفَعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ يَنْجُو بِهَذا الإبْصارِ مِن عَذابِ النّارِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ عَنِ الحُجَّةِ ولَمْ يَتَعَقَّلَها ولا أذْعَنَ لَها، فَضَرَرُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِغَضَبِ اللَّهِ في الدُّنْيا ويَكُونُ مَصِيرُهُ النّارَ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ بِرَقِيبٍ أُحْصِيَ عَلَيْكم أعْمالَكم، وإنَّما أنا رَسُولٌ أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وهو الحَفِيظُ عَلَيْكم.
قالَ الزَّجّاجُ: نَزَلَ هَذا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ ثُمَّ أمَرَ أنْ يَمْنَعَهم بِالسَّيْفِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ.
١٠٥ - ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ نُصَرِّفُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ والوَعْظِ والتَّنْبِيهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ صَرَفْناها، وعَلى هَذا تَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ أوْ لِلصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: ومِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ، فَإنَّهُ لا احْتِفالَ بِقَوْلِهِمْ: ولا اعْتِدادَ بِهِمْ فَيَكُونُ مَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ لَهم وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِقَوْلِهِمْ.
وقَدْ أشارَ إلى مَثَلِ هَذا الزَّجّاجُ.
وقالَ النَّحّاسُ: وفي المَعْنى قَوْلٌ آخَرُ حَسَنٌ، وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ نَأْتِي بِها آيَةً بَعْدَ آيَةٍ لِيَقُولُوا ﴿دَرَسْتَ﴾ عَلَيْنا فَيُذَكَّرُونَ الأوَّلَ بِالآخِرِ، فَهَذا حَقِيقَتُهُ، والَّذِي قالَهُ أبُو إسْحاقَ: يَعْنِي الزَّجّاجَ مَجازٌ، وفي " دَرَسْتَ " قِراءاتٌ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ دارَسْتَ بِألْفٍ بَيْنِ الدّالِ والرّاءِ كَفاعَلْتَ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وأهْلِ مَكَّةَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " دَرَسَتْ " بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ التّاءِ مِن غَيْرِ ألْفٍ كَخَرَجَتْ، وبِهِ قِراءَةُ الحَسَنِ.
وقَرَأ الباقُونَ " دَرَسْتَ " كَضَرَبْتَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى المَعْنى: دارَسْتَ أهْلَ الكِتابِ ودارَسُوكَ: أيْ ذاكَرْتَهم وذاكَرُوكَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما وقَعَ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن إخْبارِ اللَّهِ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] أيْ أعانَ اليَهُودُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى القُرْآنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقَوْلُهم: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ .
والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَدَّمَتْ هَذِهِ الآياتِ وعَفَتْ وانْقَطَعَتْ وهو كَقَوْلِهِمْ ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ مِثْلَ المَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى.
قالَ الأخْفَشُ: هي بِمَعْنى دارَسْتَ إلّا أنَّهُ أبْلَغَ.
وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ أنَّهُ قَرَأ " ولْيَقُولُوا " بِإسْكانِ اللّامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنى التَّهْدِيدِ: أيْ ولْيَقُولُوا ما شاءُوا فَإنَّ الحَقَّ بَيِّنٌ، وفي هَذا اللَّفْظِ أصْلُهُ دَرَسَ يَدْرُسُ دِراسَةً فَهو مِنَ الدَّرْسِ وهو القِراءَةُ، وقِيلَ: مِن دَرَّسْتُهُ: أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ، وأصْلُهُ دَرَسَ الطَّعامَ: أيْ داسَهُ.
والدِّياسُ: الدِّراسُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا: أيْ أخْلَقْتُهُ، ودَرَسَتِ المَرْأةُ دَرْسًا: أيْ حاضَتْ، ويُقالُ: إنَّ فَرْجَ المَرْأةِ يُكَنّى أبا دِراسٍ وهو مِنَ الحَيْضِ، والدَّرْسُ أيْضًا: الطَّرِيقُ الخَفِيُّ.
وحَكى الأصْمَعِيُّ: بَعِيرٌ لَمْ يُدْرَسْ: أيْ لَمْ يُرْكَبْ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأصْحابِهِ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والأعْمَشِ أنَّهم قَرَأُوا دَرَسَ أيْ دَرَسَ مُحَمَّدٌ الآياتِ، وقُرِئَ " دُرِسَتْ " وبِهِ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: أيِ الآياتِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ودارَسَتْ أيْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا، واللّامُ في لِنُبَيِّنَهُ لامُ كَيْ: أيْ نُصَرِّفُ الآياتِ لِكَيْ نُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الآياتِ لِأنَّها في مَعْنى القُرْآنِ، أوْ إلى القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ أوْ إلى التَّبْيِينِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ١٠٦ - ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وأنْ لا يَشْغَلَ خاطِرَهُ بِهِمْ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِاتِّباعِ ما أمَرَهُ اللَّهُ، وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ إيجابِ الِاتِّباعِ ﴿وأعْرِضْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿اتَّبِعْ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ بِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ بَعْدَما أمَرَهُ بِاتِّباعِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ.
١٠٧ - ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشْراكِهِمْ ما أشْرَكُوا، وفِيهِ أنَّ الشِّرْكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والكَلامُ في تَقْرِيرِ هَذا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَتَعارَفُ بِهِ أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ والمِيزانِ مَعْرُوفٌ فَلا نُطِيلُ بِإيرادِهِ ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ رَقِيبًا ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ قَيِّمٍ بِما فِيهِ نَفْعُهم فَتَجْلِبُهُ إلَيْهِمْ، لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا إبْلاغُ الرِّسالَةِ.
قَوْلُهُ: ١٠٨ - ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الآلِهَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْبُدُها الكُفّارُ.
والمَعْنى: لا تَسُبُّ يا مُحَمَّدُ آلِهَةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّتِي يَدْعُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ سَبُّهم لِلَّهِ عُدْوانًا وتَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ وجَهْلًا مِنهم.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الدّاعِيَ إلى الحَقِّ والنّاهِيَ عَنِ الباطِلِ إذا خَشِيَ أنْ يَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما هو أشَدُّ مِنهُ مِنَ انْتِهاكِ حُرَمٍ، ومُخالَفَةِ حَقٍّ، ووُقُوعٍ في باطِلٍ أشَدَّ، كانَ التَّرْكُ أوْلى بِهِ، بَلْ كانَ واجِبًا عَلَيْهِ، وما أنْفَعَ هَذِهِ الآيَةِ وأجَّلَ فائِدَتِها لِمَن كانَ مِنَ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ المُتَصَدِّينَ لِبَيانِها لِلنّاسِ إذا كانَ بَيْنَ قَوْمٍ مِنَ الصُّمِّ البُكْمِ الَّذِينَ إذا أمَرَهم بِمَعْرُوفٍ تَرَكُوهُ وتَرَكُوا غَيْرَهُ مِنَ المَعْرُوفِ، وإذا نَهاهم عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ وفَعَلُوا غَيْرَهُ مِنَ المُنْكَراتِ عِنادًا لِلْحَقِّ وبُغْضًا لِاتِّباعِ المُحِقِّينَ وجَراءَةً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ إلّا السَّيْفُ، وهو الحَكَمُ العَدْلُ لِمَن عانَدَ الشَّرِيعَةَ المُطَهَّرَةَ وجَعَلَ المُخالَفَةَ لَها والتَّجَرُّؤَ عَلى أهْلِها (p-٤٤١)دَيْدَنَهُ وهَجِيراهُ، كَما يُشاهَدُ ذَلِكَ في أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ إذا دُعُوا إلى حَقٍّ وقَعُوا في كَثِيرٍ مِنَ الباطِلِ، وإذا أُرْشِدُوا إلى السُّنَّةِ قابَلُوها بِما لَدَيْهِمْ مِنَ البِدْعَةِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ المُتَلاعِبُونَ بِالدِّينِ المُتَهاوِنُونَ بِالشَّرائِعِ، وهم شَرٌّ مِنَ الزَّنادِقَةِ، لِأنَّهم يَحْتَجُّونَ بِالباطِلِ ويَنْتَمُونَ إلى البِدَعِ ويَتَظاهَرُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ خائِفِينَ ولا وجِلِينَ، والزَّنادِقَةُ قَدْ ألْجَمْتُهم سُيُوفُ الإسْلامِ وتَحاماهم أهْلُهُ، وقَدْ يُنْفَقُ كَيْدُهم ويَتِمُّ باطِلُهم وكُفْرُهم نادِرًا عَلى ضَعِيفٍ مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ مَعَ تَكَتُّمٍ وتَحَرُّزٍ وخِيفَةٍ ووَجِلٍ، وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ ثابِتَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وهي أصْلٌ أصِيلٌ في سَدِّ الذَّرائِعِ وقَطْعِ التَّطَرُّقِ إلى الشُّبَهِ.
وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ ( عُدُوُّا ) بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي رَجاءٍ وقَتادَةَ، .
وقَرَأ مَن عَداهم بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الواوِ، ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ: أيْ ظُلْمًا وعُدْوانًا، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ زَيَّنا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِن أُمَمِ الكُفّارِ عَمَلَهم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [ النَّحْلِ: ٩٣، فاطِرٍ: ٨ ] ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي الَّتِي لَمْ يَنْتَهُوا عَنْها ولا قَبِلُوا مِنَ المُرْسَلِينَ ما أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ وما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ﴾ أيْ بَيِّنَةٌ ﴿فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ أيْ مَن ضَلَّ ﴿فَعَلَيْها﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ( دارَسْتَ ) وقالَ: قَرَأْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ ﴿دَرَسْتَ﴾ قالَ: قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ دارَسْتَ خاصَمْتَ جادَلْتَ تَلَوْتَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ: كُفَّ عَنْهم، وهَذا مَنسُوخٌ نَسَخَهُ القِتالُ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكِ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: مَلْعُونٌ مَن سَبَّ والِدَيْهِ، قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ والِدَيْهِ ؟ قالَ: يَسُبُّ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» .
الأنعام 6:109
قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ الكُفّارُ مُطْلَقًا، أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وجَهْدُ الأيْمانِ أشَدُّها: أيْ أقْسَمُوا بِاللَّهِ أشَدَّ أيْمانِهِمُ الَّتِي بَلَغَتْها قُدْرَتُهم، وقَدْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ الأعْظَمُ، فَلِهَذا أقْسَمُوا بِهِ، وانْتِصابُ جَهْدٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو بِفَتْحِ الجِيمِ المَشَقَّةُ، وبِضَمِّها الطّاقَةُ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن يَجْعَلُهُما لِمَعْنًى واحِدٍ، والمَعْنى: أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - آيَةً مِنَ الآياتِ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَها وأقْسَمُوا لَئِنْ جاءَتْهم هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ ولَيْسَ غَرَضُهُمُ الإيمانَ، بَلْ مُعْظَمُ قَصْدِهِمُ التَّحَكُّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والتَّلاعُبُ بِآياتِ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها وغَيْرُها ولَيْسَ عِنْدِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو سُبْحانَهُ إنْ أرادَ إنْزالَها أنْزَلَها، وإنْ أرادَ أنْ لا يَنْزِلَها لَمْ يَنْزِلْها.
قَوْلُهُ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن أنَّها وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ ( وما يُشْعِرُكم إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: المُخاطَبُ بِهَذا: المُشْرِكُونَ: أيْ وما يُدْرِيكم، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَزَلَتِ الآيَةُ لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، قالَ الخَلِيلُ: أنَّها بِمَعْنى لَعَلَّها، وفي التَّنْزِيلِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] أيْ أنَّهُ يَزَّكّى، وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا: أيْ لَعَلَّكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎أعاذِلُ ما يُدْرِيكَ أنَّ مَنِيَّتِي إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى الغَدِ
أيْ لَعَلَّ مَنِيَّتِي، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا
أيْ لَعَلَّنِي، وقَوْلُ أبِي النَّجْمِ:(p-٤٤٢)
؎قُلْتُ لَشَيْبانَ ادْنُ مِن لِقائِهِ ∗∗∗ أنِّي بَعْدَ اليَوْمِ مِن سَوائِهِ
أيْ لَعَلِّي، وقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎هَلْ أنْتُمْ عائِجُونَ بِنا لَأنْ ∗∗∗ نَرى العَرَصاتِ أوْ أثَرَ الخِيامِ
أيْ لَعَلَّنا.
وقَدْ ورَدَتْ في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا بِمَعْنى لَعَلَّهُ.
وحَكى الكِسائِيُّ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا والفَرّاءُ: إنَّ لا زائِدَةٌ، والمَعْنى: وما يُشْعِرُكم أنَّها: أيِ الآياتِ، إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ فَزِيدَتْ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وضَعَّفَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهُما، زِيادَةَ لا وقالُوا: هو غَلَطٌ وخَطَأٌ.
وذَكَرَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا والتَّقْدِيرُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أوْ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ حَذَفَ هَذا المُقَدَّرَ لِعِلْمِ السّامِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ: والمَعْنى: تَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى لَهَبِ النّارِ وحَرِّ الجَمْرِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ في الدُّنْيا: أيْ نُمْهِلُهم ولا نُعاقِبُهم فَعَلى هَذا بَعْضُ الآيَةِ في الآخِرَةِ.
وبَعْضُها في الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الدُّنْيا: أيْ نَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ لَوْ جاءَتْهم تِلْكَ الآيَةُ كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما دَعَوْتَهم إلَيْهِ أوَّلَ مَرَّةٍ عِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيمُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا، ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ: أيْ يَتَحَيَّرُونَ، والكافُ في ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، و﴿يَعْمَهُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بَعْدَ إحْيائِنا لَهم، فَقالُوا لَهم: إنَّ هَذا النَّبِيَّ صادِقٌ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَآمِنُوا بِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمّا سَألُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿قُبُلًا﴾ أيْ كُفُلًا وضِمْنًا بِما جِئْناهم بِهِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ.
هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿قُبُلًا﴾ بِضَمِّ القافِ وهُمُ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " قِبَلًا " بِكَسْرِها: أيْ مُقابَلَةً.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: قِبَلًا بِمَعْنى ناحِيَةٍ كَما تَقُولُ لِي: قِبَلَ فُلانٍ مالٌ، فَقُبُلًا نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى:﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ يَضْمَنُونَ كَذا قالَ الفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: هو بِمَعْنى قَبِيلٍ قَبِيلٍ أيْ: جَماعَةٍ جَماعَةٍ.
وحَكى أبُو زَيْدٍ لَقِيتُ فُلانًا قُبُلًا ومُقابَلَةً وقِبَلًا كُلُّهُ واحِدٌ بِمَعْنى المُواجَهَةِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا الضَّمُّ كالكَسْرِ وتَسْتَوِي القِراءَتانِ.
والحَشْرُ: الجَمْعُ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ إيمانَهم، فَإنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ جَهْلًا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ دَرْكِ الحَقِّ والوُصُولِ إلى الصَّوابِ.
قَوْلُهُ: ١١٢ - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ هَذا الكَلامُ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعِ ما حَصَلَ مَعَهُ مِنَ الحُزْنِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ: أيْ مِثْلِ هَذا الجَعْلِ ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ والمَعْنى: كَما ابْتَلَيْناكَ بِهَؤُلاءِ فَقَدِ ابْتَلَيْنا الأنْبِياءَ مِن قَبْلِكَ بِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ، فَجَعَلْنا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَدُوًّا مِنَ كُفارِ زَمَنِهِمْ، و﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ بَدَلٌ مِن " عَدُوًّا "، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا.
وقَرَأ الأعْمَشُ ( الجِنَّ والإنْسَ ) بِتَقْدِيمِ الجِنِّ، والمُرادُ بِالشَّياطِينِ المَرَدَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ أوْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والأصْلُ الإنْسُ والجِنُّ الشَّياطِينُ، وجُمْلَةُ ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِ يُوَسْوِسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِ العَدُوِّ، وسُمِّيَ وحْيًا لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ خُفْيَةً بَيْنَهم، وجُعِلَ تَمْوِيهُهم زُخْرُفَ القَوْلِ لِتَزْيِينِهِمْ إيّاهُ، والزُّخْرُفُ: المُزَيَّنُ، وزَخارِفُ الماءِ طَرائِقُهُ، و﴿غُرُورًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يَغُرُّونَهم بِذَلِكَ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والغُرُورُ: الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما ذُكِرَ سابِقًا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ مِنَ الكُفّارِ في زَمَنِهِ وزَمَنِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ: أيْ لَوْ شاءَ رَبُّكَ عَدَمَ وُقُوعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما فَعَلُوهُ وأوْقَعُوهُ، وقِيلَ: ما فَعَلُوا الإيحاءَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم، وهَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ إنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم وافْتِراءَهم، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم والَّذِي يَفْتَرُونَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ اللّامُ في لِتَصْغى لامُ كَيْ، فَتَكُونُ عِلَّةً كَقَوْلِهِ ﴿يُوحِي﴾ والتَّقْدِيرُ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِيَغُرُّوهم ولِتَصْغى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ لِتَصْغى ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِلْأمْرِ وهو غَلَطٌ، فَإنَّها لَوْ كانَتْ لامُ الأمْرِ جُزِمَ الفِعْلُ، والإصْغاءُ: المَيْلُ، يُقالُ: صَغَوْتُ أصْغُو صَغْوًا، وصَغَيْتُ أُصْغِي: ويُقالُ: صَغَيْتُ بِالكَسْرِ، ويُقالُ: أصْغَيْتُ الإناءَ: إذا أمَلْتُهُ لِيَجْتَمِعَ ما فِيهِ، وأصْلُهُ المَيْلُ إلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ويُقالُ: صَغَتِ النُّجُومُ: إذا مالَتْ لِلْغُرُوبِ، وأصْغَتِ النّاقَةُ: إذا أمالَتْ رَأْسَها، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎تُصْغِي إذا شَدَّها بِالكُوَرِ جانِحَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا ما اسْتَوى في غُرْزِها وثَبَتَ
والضَّمِيرُ في " إلَيْهِ " لِزُخْرُفِ القَوْلِ، أوْ لِما ذُكِرَ سابِقًا مِن زُخْرُفِ القَوْلِ وغَيْرِهِ: أيْ أوْحى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيَغُرُّوهم ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مِنَ الكُفّارِ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ الإصْغاءِ إلَيْهِ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ الآثامِ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، يُقالُ: خَرَجَ لِيَقْتَرِفَ لِأهْلِهِ: أيْ لِيَكْتَسِبَ لَهم، وقارَفَ فُلانٌ هَذا الأمْرَ: إذا واقَعَهُ، وقَرَفَهُ: إذا رَماهُ بِالرِّيبَةِ، واقْتَرَفَ: كَذَبَ، وأصْلُهُ اقْتِطاعُ قِطْعَةٍ مِنَ الشَّيْءِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في قُرَيْشٍ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ (p-٤٤٣)يا أيُّها المُسْلِمُونَ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى كانَ مَعَهُ عَصى يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ لَهم ناقَةٌ فَأْتِنا مِنَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ ؟، قالُوا: تَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، قالَ: فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي ؟، قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعُونَ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ ذَهَبًا فَإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهم، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم، فَقالَ: بَلْ يَتُوبُ تائِبُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَجْهَلُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ قالَ: لَمّا جَحَدَ المُشْرِكُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَمْ تَثْبُتْ قُلُوبُهم عَلى شَيْءٍ ورُدَّتْ عَنْ كُلِّ أمْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قالَ: مُعايَنَةً ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: أهْلُ الشَّقاءِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ أهْلُ السَّعادَةِ والَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنْ يَدْخُلُوا في الإيمانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ أيْ فَعايَنُوا ذَلِكَ مُعايَنَةً.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أفْواجًا قَبِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ قالَ: إنَّ لِلْجِنِّ شَياطِينَ يُضِلُّونَهم مِثْلَ شَياطِينِ الإنْسِ يُضِلُّونَهم، فَيَلْتَقِي شَيْطانُ الإنْسِ وشَيْطانُ الجِنِّ، فَيَقُولُ هَذا لِهَذا: أضْلِلْهُ بِكَذا وأُضَلِّلُهُ بِكَذا، فَهو ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِنُّ هُمُ الجانُّ ولَيْسُوا شَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ وهم لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ والجِنُّ يَمُوتُونَ، فَمِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الكَهَنَةُ هم شَياطِينُ الإنْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: شَياطِينُ الجِنِّ يُوحُونَ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ ومِنَ الجِنِّ شَياطِينُ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ قالَ: يُحْسِنُ بَعْضُهم لِبَعْضِ القَوْلَ لِيَتْبَعُوهم في فِتْنَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يا أبا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّ شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ، قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ وهَلْ لِلْإنْسِ شَياطِينُ ؟ قالَ: نَعَمْ، ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولِتَصْغى﴾ لِتَمِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ولِتَصْغى﴾ تَزِيغُ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ يَكْتَسِبُوا.
الأنعام 6:110
قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ الكُفّارُ مُطْلَقًا، أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وجَهْدُ الأيْمانِ أشَدُّها: أيْ أقْسَمُوا بِاللَّهِ أشَدَّ أيْمانِهِمُ الَّتِي بَلَغَتْها قُدْرَتُهم، وقَدْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ الأعْظَمُ، فَلِهَذا أقْسَمُوا بِهِ، وانْتِصابُ جَهْدٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو بِفَتْحِ الجِيمِ المَشَقَّةُ، وبِضَمِّها الطّاقَةُ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن يَجْعَلُهُما لِمَعْنًى واحِدٍ، والمَعْنى: أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - آيَةً مِنَ الآياتِ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَها وأقْسَمُوا لَئِنْ جاءَتْهم هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ ولَيْسَ غَرَضُهُمُ الإيمانَ، بَلْ مُعْظَمُ قَصْدِهِمُ التَّحَكُّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والتَّلاعُبُ بِآياتِ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها وغَيْرُها ولَيْسَ عِنْدِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو سُبْحانَهُ إنْ أرادَ إنْزالَها أنْزَلَها، وإنْ أرادَ أنْ لا يَنْزِلَها لَمْ يَنْزِلْها.
قَوْلُهُ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن أنَّها وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ ( وما يُشْعِرُكم إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: المُخاطَبُ بِهَذا: المُشْرِكُونَ: أيْ وما يُدْرِيكم، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَزَلَتِ الآيَةُ لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، قالَ الخَلِيلُ: أنَّها بِمَعْنى لَعَلَّها، وفي التَّنْزِيلِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] أيْ أنَّهُ يَزَّكّى، وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا: أيْ لَعَلَّكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎أعاذِلُ ما يُدْرِيكَ أنَّ مَنِيَّتِي إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى الغَدِ
أيْ لَعَلَّ مَنِيَّتِي، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا
أيْ لَعَلَّنِي، وقَوْلُ أبِي النَّجْمِ:(p-٤٤٢)
؎قُلْتُ لَشَيْبانَ ادْنُ مِن لِقائِهِ ∗∗∗ أنِّي بَعْدَ اليَوْمِ مِن سَوائِهِ
أيْ لَعَلِّي، وقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎هَلْ أنْتُمْ عائِجُونَ بِنا لَأنْ ∗∗∗ نَرى العَرَصاتِ أوْ أثَرَ الخِيامِ
أيْ لَعَلَّنا.
وقَدْ ورَدَتْ في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا بِمَعْنى لَعَلَّهُ.
وحَكى الكِسائِيُّ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا والفَرّاءُ: إنَّ لا زائِدَةٌ، والمَعْنى: وما يُشْعِرُكم أنَّها: أيِ الآياتِ، إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ فَزِيدَتْ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وضَعَّفَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهُما، زِيادَةَ لا وقالُوا: هو غَلَطٌ وخَطَأٌ.
وذَكَرَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا والتَّقْدِيرُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أوْ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ حَذَفَ هَذا المُقَدَّرَ لِعِلْمِ السّامِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ: والمَعْنى: تَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى لَهَبِ النّارِ وحَرِّ الجَمْرِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ في الدُّنْيا: أيْ نُمْهِلُهم ولا نُعاقِبُهم فَعَلى هَذا بَعْضُ الآيَةِ في الآخِرَةِ.
وبَعْضُها في الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الدُّنْيا: أيْ نَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ لَوْ جاءَتْهم تِلْكَ الآيَةُ كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما دَعَوْتَهم إلَيْهِ أوَّلَ مَرَّةٍ عِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيمُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا، ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ: أيْ يَتَحَيَّرُونَ، والكافُ في ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، و﴿يَعْمَهُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بَعْدَ إحْيائِنا لَهم، فَقالُوا لَهم: إنَّ هَذا النَّبِيَّ صادِقٌ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَآمِنُوا بِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمّا سَألُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿قُبُلًا﴾ أيْ كُفُلًا وضِمْنًا بِما جِئْناهم بِهِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ.
هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿قُبُلًا﴾ بِضَمِّ القافِ وهُمُ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " قِبَلًا " بِكَسْرِها: أيْ مُقابَلَةً.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: قِبَلًا بِمَعْنى ناحِيَةٍ كَما تَقُولُ لِي: قِبَلَ فُلانٍ مالٌ، فَقُبُلًا نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى:﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ يَضْمَنُونَ كَذا قالَ الفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: هو بِمَعْنى قَبِيلٍ قَبِيلٍ أيْ: جَماعَةٍ جَماعَةٍ.
وحَكى أبُو زَيْدٍ لَقِيتُ فُلانًا قُبُلًا ومُقابَلَةً وقِبَلًا كُلُّهُ واحِدٌ بِمَعْنى المُواجَهَةِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا الضَّمُّ كالكَسْرِ وتَسْتَوِي القِراءَتانِ.
والحَشْرُ: الجَمْعُ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ إيمانَهم، فَإنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ جَهْلًا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ دَرْكِ الحَقِّ والوُصُولِ إلى الصَّوابِ.
قَوْلُهُ: ١١٢ - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ هَذا الكَلامُ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعِ ما حَصَلَ مَعَهُ مِنَ الحُزْنِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ: أيْ مِثْلِ هَذا الجَعْلِ ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ والمَعْنى: كَما ابْتَلَيْناكَ بِهَؤُلاءِ فَقَدِ ابْتَلَيْنا الأنْبِياءَ مِن قَبْلِكَ بِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ، فَجَعَلْنا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَدُوًّا مِنَ كُفارِ زَمَنِهِمْ، و﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ بَدَلٌ مِن " عَدُوًّا "، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا.
وقَرَأ الأعْمَشُ ( الجِنَّ والإنْسَ ) بِتَقْدِيمِ الجِنِّ، والمُرادُ بِالشَّياطِينِ المَرَدَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ أوْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والأصْلُ الإنْسُ والجِنُّ الشَّياطِينُ، وجُمْلَةُ ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِ يُوَسْوِسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِ العَدُوِّ، وسُمِّيَ وحْيًا لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ خُفْيَةً بَيْنَهم، وجُعِلَ تَمْوِيهُهم زُخْرُفَ القَوْلِ لِتَزْيِينِهِمْ إيّاهُ، والزُّخْرُفُ: المُزَيَّنُ، وزَخارِفُ الماءِ طَرائِقُهُ، و﴿غُرُورًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يَغُرُّونَهم بِذَلِكَ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والغُرُورُ: الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما ذُكِرَ سابِقًا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ مِنَ الكُفّارِ في زَمَنِهِ وزَمَنِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ: أيْ لَوْ شاءَ رَبُّكَ عَدَمَ وُقُوعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما فَعَلُوهُ وأوْقَعُوهُ، وقِيلَ: ما فَعَلُوا الإيحاءَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم، وهَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ إنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم وافْتِراءَهم، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم والَّذِي يَفْتَرُونَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ اللّامُ في لِتَصْغى لامُ كَيْ، فَتَكُونُ عِلَّةً كَقَوْلِهِ ﴿يُوحِي﴾ والتَّقْدِيرُ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِيَغُرُّوهم ولِتَصْغى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ لِتَصْغى ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِلْأمْرِ وهو غَلَطٌ، فَإنَّها لَوْ كانَتْ لامُ الأمْرِ جُزِمَ الفِعْلُ، والإصْغاءُ: المَيْلُ، يُقالُ: صَغَوْتُ أصْغُو صَغْوًا، وصَغَيْتُ أُصْغِي: ويُقالُ: صَغَيْتُ بِالكَسْرِ، ويُقالُ: أصْغَيْتُ الإناءَ: إذا أمَلْتُهُ لِيَجْتَمِعَ ما فِيهِ، وأصْلُهُ المَيْلُ إلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ويُقالُ: صَغَتِ النُّجُومُ: إذا مالَتْ لِلْغُرُوبِ، وأصْغَتِ النّاقَةُ: إذا أمالَتْ رَأْسَها، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎تُصْغِي إذا شَدَّها بِالكُوَرِ جانِحَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا ما اسْتَوى في غُرْزِها وثَبَتَ
والضَّمِيرُ في " إلَيْهِ " لِزُخْرُفِ القَوْلِ، أوْ لِما ذُكِرَ سابِقًا مِن زُخْرُفِ القَوْلِ وغَيْرِهِ: أيْ أوْحى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيَغُرُّوهم ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مِنَ الكُفّارِ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ الإصْغاءِ إلَيْهِ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ الآثامِ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، يُقالُ: خَرَجَ لِيَقْتَرِفَ لِأهْلِهِ: أيْ لِيَكْتَسِبَ لَهم، وقارَفَ فُلانٌ هَذا الأمْرَ: إذا واقَعَهُ، وقَرَفَهُ: إذا رَماهُ بِالرِّيبَةِ، واقْتَرَفَ: كَذَبَ، وأصْلُهُ اقْتِطاعُ قِطْعَةٍ مِنَ الشَّيْءِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في قُرَيْشٍ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ (p-٤٤٣)يا أيُّها المُسْلِمُونَ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى كانَ مَعَهُ عَصى يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ لَهم ناقَةٌ فَأْتِنا مِنَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ ؟، قالُوا: تَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، قالَ: فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي ؟، قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعُونَ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ ذَهَبًا فَإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهم، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم، فَقالَ: بَلْ يَتُوبُ تائِبُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَجْهَلُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ قالَ: لَمّا جَحَدَ المُشْرِكُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَمْ تَثْبُتْ قُلُوبُهم عَلى شَيْءٍ ورُدَّتْ عَنْ كُلِّ أمْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قالَ: مُعايَنَةً ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: أهْلُ الشَّقاءِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ أهْلُ السَّعادَةِ والَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنْ يَدْخُلُوا في الإيمانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ أيْ فَعايَنُوا ذَلِكَ مُعايَنَةً.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أفْواجًا قَبِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ قالَ: إنَّ لِلْجِنِّ شَياطِينَ يُضِلُّونَهم مِثْلَ شَياطِينِ الإنْسِ يُضِلُّونَهم، فَيَلْتَقِي شَيْطانُ الإنْسِ وشَيْطانُ الجِنِّ، فَيَقُولُ هَذا لِهَذا: أضْلِلْهُ بِكَذا وأُضَلِّلُهُ بِكَذا، فَهو ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِنُّ هُمُ الجانُّ ولَيْسُوا شَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ وهم لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ والجِنُّ يَمُوتُونَ، فَمِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الكَهَنَةُ هم شَياطِينُ الإنْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: شَياطِينُ الجِنِّ يُوحُونَ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ ومِنَ الجِنِّ شَياطِينُ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ قالَ: يُحْسِنُ بَعْضُهم لِبَعْضِ القَوْلَ لِيَتْبَعُوهم في فِتْنَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يا أبا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّ شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ، قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ وهَلْ لِلْإنْسِ شَياطِينُ ؟ قالَ: نَعَمْ، ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولِتَصْغى﴾ لِتَمِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ولِتَصْغى﴾ تَزِيغُ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ يَكْتَسِبُوا.
الأنعام 6:111
قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ الكُفّارُ مُطْلَقًا، أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وجَهْدُ الأيْمانِ أشَدُّها: أيْ أقْسَمُوا بِاللَّهِ أشَدَّ أيْمانِهِمُ الَّتِي بَلَغَتْها قُدْرَتُهم، وقَدْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ الأعْظَمُ، فَلِهَذا أقْسَمُوا بِهِ، وانْتِصابُ جَهْدٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو بِفَتْحِ الجِيمِ المَشَقَّةُ، وبِضَمِّها الطّاقَةُ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن يَجْعَلُهُما لِمَعْنًى واحِدٍ، والمَعْنى: أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - آيَةً مِنَ الآياتِ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَها وأقْسَمُوا لَئِنْ جاءَتْهم هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ ولَيْسَ غَرَضُهُمُ الإيمانَ، بَلْ مُعْظَمُ قَصْدِهِمُ التَّحَكُّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والتَّلاعُبُ بِآياتِ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها وغَيْرُها ولَيْسَ عِنْدِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو سُبْحانَهُ إنْ أرادَ إنْزالَها أنْزَلَها، وإنْ أرادَ أنْ لا يَنْزِلَها لَمْ يَنْزِلْها.
قَوْلُهُ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن أنَّها وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ ( وما يُشْعِرُكم إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: المُخاطَبُ بِهَذا: المُشْرِكُونَ: أيْ وما يُدْرِيكم، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَزَلَتِ الآيَةُ لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، قالَ الخَلِيلُ: أنَّها بِمَعْنى لَعَلَّها، وفي التَّنْزِيلِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] أيْ أنَّهُ يَزَّكّى، وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا: أيْ لَعَلَّكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎أعاذِلُ ما يُدْرِيكَ أنَّ مَنِيَّتِي إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى الغَدِ
أيْ لَعَلَّ مَنِيَّتِي، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا
أيْ لَعَلَّنِي، وقَوْلُ أبِي النَّجْمِ:(p-٤٤٢)
؎قُلْتُ لَشَيْبانَ ادْنُ مِن لِقائِهِ ∗∗∗ أنِّي بَعْدَ اليَوْمِ مِن سَوائِهِ
أيْ لَعَلِّي، وقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎هَلْ أنْتُمْ عائِجُونَ بِنا لَأنْ ∗∗∗ نَرى العَرَصاتِ أوْ أثَرَ الخِيامِ
أيْ لَعَلَّنا.
وقَدْ ورَدَتْ في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا بِمَعْنى لَعَلَّهُ.
وحَكى الكِسائِيُّ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا والفَرّاءُ: إنَّ لا زائِدَةٌ، والمَعْنى: وما يُشْعِرُكم أنَّها: أيِ الآياتِ، إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ فَزِيدَتْ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وضَعَّفَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهُما، زِيادَةَ لا وقالُوا: هو غَلَطٌ وخَطَأٌ.
وذَكَرَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا والتَّقْدِيرُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أوْ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ حَذَفَ هَذا المُقَدَّرَ لِعِلْمِ السّامِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ: والمَعْنى: تَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى لَهَبِ النّارِ وحَرِّ الجَمْرِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ في الدُّنْيا: أيْ نُمْهِلُهم ولا نُعاقِبُهم فَعَلى هَذا بَعْضُ الآيَةِ في الآخِرَةِ.
وبَعْضُها في الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الدُّنْيا: أيْ نَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ لَوْ جاءَتْهم تِلْكَ الآيَةُ كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما دَعَوْتَهم إلَيْهِ أوَّلَ مَرَّةٍ عِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيمُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا، ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ: أيْ يَتَحَيَّرُونَ، والكافُ في ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، و﴿يَعْمَهُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بَعْدَ إحْيائِنا لَهم، فَقالُوا لَهم: إنَّ هَذا النَّبِيَّ صادِقٌ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَآمِنُوا بِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمّا سَألُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿قُبُلًا﴾ أيْ كُفُلًا وضِمْنًا بِما جِئْناهم بِهِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ.
هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿قُبُلًا﴾ بِضَمِّ القافِ وهُمُ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " قِبَلًا " بِكَسْرِها: أيْ مُقابَلَةً.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: قِبَلًا بِمَعْنى ناحِيَةٍ كَما تَقُولُ لِي: قِبَلَ فُلانٍ مالٌ، فَقُبُلًا نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى:﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ يَضْمَنُونَ كَذا قالَ الفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: هو بِمَعْنى قَبِيلٍ قَبِيلٍ أيْ: جَماعَةٍ جَماعَةٍ.
وحَكى أبُو زَيْدٍ لَقِيتُ فُلانًا قُبُلًا ومُقابَلَةً وقِبَلًا كُلُّهُ واحِدٌ بِمَعْنى المُواجَهَةِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا الضَّمُّ كالكَسْرِ وتَسْتَوِي القِراءَتانِ.
والحَشْرُ: الجَمْعُ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ إيمانَهم، فَإنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ جَهْلًا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ دَرْكِ الحَقِّ والوُصُولِ إلى الصَّوابِ.
قَوْلُهُ: ١١٢ - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ هَذا الكَلامُ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعِ ما حَصَلَ مَعَهُ مِنَ الحُزْنِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ: أيْ مِثْلِ هَذا الجَعْلِ ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ والمَعْنى: كَما ابْتَلَيْناكَ بِهَؤُلاءِ فَقَدِ ابْتَلَيْنا الأنْبِياءَ مِن قَبْلِكَ بِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ، فَجَعَلْنا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَدُوًّا مِنَ كُفارِ زَمَنِهِمْ، و﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ بَدَلٌ مِن " عَدُوًّا "، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا.
وقَرَأ الأعْمَشُ ( الجِنَّ والإنْسَ ) بِتَقْدِيمِ الجِنِّ، والمُرادُ بِالشَّياطِينِ المَرَدَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ أوْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والأصْلُ الإنْسُ والجِنُّ الشَّياطِينُ، وجُمْلَةُ ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِ يُوَسْوِسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِ العَدُوِّ، وسُمِّيَ وحْيًا لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ خُفْيَةً بَيْنَهم، وجُعِلَ تَمْوِيهُهم زُخْرُفَ القَوْلِ لِتَزْيِينِهِمْ إيّاهُ، والزُّخْرُفُ: المُزَيَّنُ، وزَخارِفُ الماءِ طَرائِقُهُ، و﴿غُرُورًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يَغُرُّونَهم بِذَلِكَ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والغُرُورُ: الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما ذُكِرَ سابِقًا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ مِنَ الكُفّارِ في زَمَنِهِ وزَمَنِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ: أيْ لَوْ شاءَ رَبُّكَ عَدَمَ وُقُوعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما فَعَلُوهُ وأوْقَعُوهُ، وقِيلَ: ما فَعَلُوا الإيحاءَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم، وهَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ إنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم وافْتِراءَهم، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم والَّذِي يَفْتَرُونَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ اللّامُ في لِتَصْغى لامُ كَيْ، فَتَكُونُ عِلَّةً كَقَوْلِهِ ﴿يُوحِي﴾ والتَّقْدِيرُ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِيَغُرُّوهم ولِتَصْغى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ لِتَصْغى ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِلْأمْرِ وهو غَلَطٌ، فَإنَّها لَوْ كانَتْ لامُ الأمْرِ جُزِمَ الفِعْلُ، والإصْغاءُ: المَيْلُ، يُقالُ: صَغَوْتُ أصْغُو صَغْوًا، وصَغَيْتُ أُصْغِي: ويُقالُ: صَغَيْتُ بِالكَسْرِ، ويُقالُ: أصْغَيْتُ الإناءَ: إذا أمَلْتُهُ لِيَجْتَمِعَ ما فِيهِ، وأصْلُهُ المَيْلُ إلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ويُقالُ: صَغَتِ النُّجُومُ: إذا مالَتْ لِلْغُرُوبِ، وأصْغَتِ النّاقَةُ: إذا أمالَتْ رَأْسَها، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎تُصْغِي إذا شَدَّها بِالكُوَرِ جانِحَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا ما اسْتَوى في غُرْزِها وثَبَتَ
والضَّمِيرُ في " إلَيْهِ " لِزُخْرُفِ القَوْلِ، أوْ لِما ذُكِرَ سابِقًا مِن زُخْرُفِ القَوْلِ وغَيْرِهِ: أيْ أوْحى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيَغُرُّوهم ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مِنَ الكُفّارِ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ الإصْغاءِ إلَيْهِ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ الآثامِ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، يُقالُ: خَرَجَ لِيَقْتَرِفَ لِأهْلِهِ: أيْ لِيَكْتَسِبَ لَهم، وقارَفَ فُلانٌ هَذا الأمْرَ: إذا واقَعَهُ، وقَرَفَهُ: إذا رَماهُ بِالرِّيبَةِ، واقْتَرَفَ: كَذَبَ، وأصْلُهُ اقْتِطاعُ قِطْعَةٍ مِنَ الشَّيْءِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في قُرَيْشٍ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ (p-٤٤٣)يا أيُّها المُسْلِمُونَ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى كانَ مَعَهُ عَصى يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ لَهم ناقَةٌ فَأْتِنا مِنَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ ؟، قالُوا: تَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، قالَ: فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي ؟، قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعُونَ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ ذَهَبًا فَإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهم، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم، فَقالَ: بَلْ يَتُوبُ تائِبُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَجْهَلُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ قالَ: لَمّا جَحَدَ المُشْرِكُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَمْ تَثْبُتْ قُلُوبُهم عَلى شَيْءٍ ورُدَّتْ عَنْ كُلِّ أمْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قالَ: مُعايَنَةً ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: أهْلُ الشَّقاءِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ أهْلُ السَّعادَةِ والَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنْ يَدْخُلُوا في الإيمانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ أيْ فَعايَنُوا ذَلِكَ مُعايَنَةً.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أفْواجًا قَبِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ قالَ: إنَّ لِلْجِنِّ شَياطِينَ يُضِلُّونَهم مِثْلَ شَياطِينِ الإنْسِ يُضِلُّونَهم، فَيَلْتَقِي شَيْطانُ الإنْسِ وشَيْطانُ الجِنِّ، فَيَقُولُ هَذا لِهَذا: أضْلِلْهُ بِكَذا وأُضَلِّلُهُ بِكَذا، فَهو ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِنُّ هُمُ الجانُّ ولَيْسُوا شَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ وهم لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ والجِنُّ يَمُوتُونَ، فَمِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الكَهَنَةُ هم شَياطِينُ الإنْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: شَياطِينُ الجِنِّ يُوحُونَ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ ومِنَ الجِنِّ شَياطِينُ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ قالَ: يُحْسِنُ بَعْضُهم لِبَعْضِ القَوْلَ لِيَتْبَعُوهم في فِتْنَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يا أبا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّ شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ، قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ وهَلْ لِلْإنْسِ شَياطِينُ ؟ قالَ: نَعَمْ، ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولِتَصْغى﴾ لِتَمِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ولِتَصْغى﴾ تَزِيغُ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ يَكْتَسِبُوا.
الأنعام 6:112
قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ الكُفّارُ مُطْلَقًا، أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وجَهْدُ الأيْمانِ أشَدُّها: أيْ أقْسَمُوا بِاللَّهِ أشَدَّ أيْمانِهِمُ الَّتِي بَلَغَتْها قُدْرَتُهم، وقَدْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ الأعْظَمُ، فَلِهَذا أقْسَمُوا بِهِ، وانْتِصابُ جَهْدٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو بِفَتْحِ الجِيمِ المَشَقَّةُ، وبِضَمِّها الطّاقَةُ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن يَجْعَلُهُما لِمَعْنًى واحِدٍ، والمَعْنى: أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - آيَةً مِنَ الآياتِ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَها وأقْسَمُوا لَئِنْ جاءَتْهم هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ ولَيْسَ غَرَضُهُمُ الإيمانَ، بَلْ مُعْظَمُ قَصْدِهِمُ التَّحَكُّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والتَّلاعُبُ بِآياتِ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها وغَيْرُها ولَيْسَ عِنْدِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو سُبْحانَهُ إنْ أرادَ إنْزالَها أنْزَلَها، وإنْ أرادَ أنْ لا يَنْزِلَها لَمْ يَنْزِلْها.
قَوْلُهُ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن أنَّها وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ ( وما يُشْعِرُكم إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: المُخاطَبُ بِهَذا: المُشْرِكُونَ: أيْ وما يُدْرِيكم، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَزَلَتِ الآيَةُ لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، قالَ الخَلِيلُ: أنَّها بِمَعْنى لَعَلَّها، وفي التَّنْزِيلِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] أيْ أنَّهُ يَزَّكّى، وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا: أيْ لَعَلَّكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎أعاذِلُ ما يُدْرِيكَ أنَّ مَنِيَّتِي إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى الغَدِ
أيْ لَعَلَّ مَنِيَّتِي، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا
أيْ لَعَلَّنِي، وقَوْلُ أبِي النَّجْمِ:(p-٤٤٢)
؎قُلْتُ لَشَيْبانَ ادْنُ مِن لِقائِهِ ∗∗∗ أنِّي بَعْدَ اليَوْمِ مِن سَوائِهِ
أيْ لَعَلِّي، وقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎هَلْ أنْتُمْ عائِجُونَ بِنا لَأنْ ∗∗∗ نَرى العَرَصاتِ أوْ أثَرَ الخِيامِ
أيْ لَعَلَّنا.
وقَدْ ورَدَتْ في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا بِمَعْنى لَعَلَّهُ.
وحَكى الكِسائِيُّ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا والفَرّاءُ: إنَّ لا زائِدَةٌ، والمَعْنى: وما يُشْعِرُكم أنَّها: أيِ الآياتِ، إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ فَزِيدَتْ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وضَعَّفَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهُما، زِيادَةَ لا وقالُوا: هو غَلَطٌ وخَطَأٌ.
وذَكَرَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا والتَّقْدِيرُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أوْ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ حَذَفَ هَذا المُقَدَّرَ لِعِلْمِ السّامِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ: والمَعْنى: تَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى لَهَبِ النّارِ وحَرِّ الجَمْرِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ في الدُّنْيا: أيْ نُمْهِلُهم ولا نُعاقِبُهم فَعَلى هَذا بَعْضُ الآيَةِ في الآخِرَةِ.
وبَعْضُها في الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الدُّنْيا: أيْ نَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ لَوْ جاءَتْهم تِلْكَ الآيَةُ كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما دَعَوْتَهم إلَيْهِ أوَّلَ مَرَّةٍ عِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيمُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا، ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ: أيْ يَتَحَيَّرُونَ، والكافُ في ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، و﴿يَعْمَهُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بَعْدَ إحْيائِنا لَهم، فَقالُوا لَهم: إنَّ هَذا النَّبِيَّ صادِقٌ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَآمِنُوا بِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمّا سَألُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿قُبُلًا﴾ أيْ كُفُلًا وضِمْنًا بِما جِئْناهم بِهِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ.
هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿قُبُلًا﴾ بِضَمِّ القافِ وهُمُ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " قِبَلًا " بِكَسْرِها: أيْ مُقابَلَةً.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: قِبَلًا بِمَعْنى ناحِيَةٍ كَما تَقُولُ لِي: قِبَلَ فُلانٍ مالٌ، فَقُبُلًا نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى:﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ يَضْمَنُونَ كَذا قالَ الفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: هو بِمَعْنى قَبِيلٍ قَبِيلٍ أيْ: جَماعَةٍ جَماعَةٍ.
وحَكى أبُو زَيْدٍ لَقِيتُ فُلانًا قُبُلًا ومُقابَلَةً وقِبَلًا كُلُّهُ واحِدٌ بِمَعْنى المُواجَهَةِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا الضَّمُّ كالكَسْرِ وتَسْتَوِي القِراءَتانِ.
والحَشْرُ: الجَمْعُ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ إيمانَهم، فَإنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ جَهْلًا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ دَرْكِ الحَقِّ والوُصُولِ إلى الصَّوابِ.
قَوْلُهُ: ١١٢ - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ هَذا الكَلامُ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعِ ما حَصَلَ مَعَهُ مِنَ الحُزْنِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ: أيْ مِثْلِ هَذا الجَعْلِ ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ والمَعْنى: كَما ابْتَلَيْناكَ بِهَؤُلاءِ فَقَدِ ابْتَلَيْنا الأنْبِياءَ مِن قَبْلِكَ بِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ، فَجَعَلْنا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَدُوًّا مِنَ كُفارِ زَمَنِهِمْ، و﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ بَدَلٌ مِن " عَدُوًّا "، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا.
وقَرَأ الأعْمَشُ ( الجِنَّ والإنْسَ ) بِتَقْدِيمِ الجِنِّ، والمُرادُ بِالشَّياطِينِ المَرَدَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ أوْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والأصْلُ الإنْسُ والجِنُّ الشَّياطِينُ، وجُمْلَةُ ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِ يُوَسْوِسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِ العَدُوِّ، وسُمِّيَ وحْيًا لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ خُفْيَةً بَيْنَهم، وجُعِلَ تَمْوِيهُهم زُخْرُفَ القَوْلِ لِتَزْيِينِهِمْ إيّاهُ، والزُّخْرُفُ: المُزَيَّنُ، وزَخارِفُ الماءِ طَرائِقُهُ، و﴿غُرُورًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يَغُرُّونَهم بِذَلِكَ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والغُرُورُ: الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما ذُكِرَ سابِقًا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ مِنَ الكُفّارِ في زَمَنِهِ وزَمَنِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ: أيْ لَوْ شاءَ رَبُّكَ عَدَمَ وُقُوعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما فَعَلُوهُ وأوْقَعُوهُ، وقِيلَ: ما فَعَلُوا الإيحاءَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم، وهَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ إنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم وافْتِراءَهم، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم والَّذِي يَفْتَرُونَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ اللّامُ في لِتَصْغى لامُ كَيْ، فَتَكُونُ عِلَّةً كَقَوْلِهِ ﴿يُوحِي﴾ والتَّقْدِيرُ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِيَغُرُّوهم ولِتَصْغى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ لِتَصْغى ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِلْأمْرِ وهو غَلَطٌ، فَإنَّها لَوْ كانَتْ لامُ الأمْرِ جُزِمَ الفِعْلُ، والإصْغاءُ: المَيْلُ، يُقالُ: صَغَوْتُ أصْغُو صَغْوًا، وصَغَيْتُ أُصْغِي: ويُقالُ: صَغَيْتُ بِالكَسْرِ، ويُقالُ: أصْغَيْتُ الإناءَ: إذا أمَلْتُهُ لِيَجْتَمِعَ ما فِيهِ، وأصْلُهُ المَيْلُ إلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ويُقالُ: صَغَتِ النُّجُومُ: إذا مالَتْ لِلْغُرُوبِ، وأصْغَتِ النّاقَةُ: إذا أمالَتْ رَأْسَها، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎تُصْغِي إذا شَدَّها بِالكُوَرِ جانِحَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا ما اسْتَوى في غُرْزِها وثَبَتَ
والضَّمِيرُ في " إلَيْهِ " لِزُخْرُفِ القَوْلِ، أوْ لِما ذُكِرَ سابِقًا مِن زُخْرُفِ القَوْلِ وغَيْرِهِ: أيْ أوْحى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيَغُرُّوهم ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مِنَ الكُفّارِ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ الإصْغاءِ إلَيْهِ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ الآثامِ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، يُقالُ: خَرَجَ لِيَقْتَرِفَ لِأهْلِهِ: أيْ لِيَكْتَسِبَ لَهم، وقارَفَ فُلانٌ هَذا الأمْرَ: إذا واقَعَهُ، وقَرَفَهُ: إذا رَماهُ بِالرِّيبَةِ، واقْتَرَفَ: كَذَبَ، وأصْلُهُ اقْتِطاعُ قِطْعَةٍ مِنَ الشَّيْءِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في قُرَيْشٍ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ (p-٤٤٣)يا أيُّها المُسْلِمُونَ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى كانَ مَعَهُ عَصى يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ لَهم ناقَةٌ فَأْتِنا مِنَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ ؟، قالُوا: تَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، قالَ: فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي ؟، قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعُونَ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ ذَهَبًا فَإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهم، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم، فَقالَ: بَلْ يَتُوبُ تائِبُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَجْهَلُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ قالَ: لَمّا جَحَدَ المُشْرِكُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَمْ تَثْبُتْ قُلُوبُهم عَلى شَيْءٍ ورُدَّتْ عَنْ كُلِّ أمْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قالَ: مُعايَنَةً ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: أهْلُ الشَّقاءِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ أهْلُ السَّعادَةِ والَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنْ يَدْخُلُوا في الإيمانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ أيْ فَعايَنُوا ذَلِكَ مُعايَنَةً.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أفْواجًا قَبِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ قالَ: إنَّ لِلْجِنِّ شَياطِينَ يُضِلُّونَهم مِثْلَ شَياطِينِ الإنْسِ يُضِلُّونَهم، فَيَلْتَقِي شَيْطانُ الإنْسِ وشَيْطانُ الجِنِّ، فَيَقُولُ هَذا لِهَذا: أضْلِلْهُ بِكَذا وأُضَلِّلُهُ بِكَذا، فَهو ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِنُّ هُمُ الجانُّ ولَيْسُوا شَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ وهم لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ والجِنُّ يَمُوتُونَ، فَمِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الكَهَنَةُ هم شَياطِينُ الإنْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: شَياطِينُ الجِنِّ يُوحُونَ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ ومِنَ الجِنِّ شَياطِينُ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ قالَ: يُحْسِنُ بَعْضُهم لِبَعْضِ القَوْلَ لِيَتْبَعُوهم في فِتْنَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يا أبا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّ شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ، قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ وهَلْ لِلْإنْسِ شَياطِينُ ؟ قالَ: نَعَمْ، ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولِتَصْغى﴾ لِتَمِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ولِتَصْغى﴾ تَزِيغُ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ يَكْتَسِبُوا.
الأنعام 6:113
قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ الكُفّارُ مُطْلَقًا، أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وجَهْدُ الأيْمانِ أشَدُّها: أيْ أقْسَمُوا بِاللَّهِ أشَدَّ أيْمانِهِمُ الَّتِي بَلَغَتْها قُدْرَتُهم، وقَدْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ الأعْظَمُ، فَلِهَذا أقْسَمُوا بِهِ، وانْتِصابُ جَهْدٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وهو بِفَتْحِ الجِيمِ المَشَقَّةُ، وبِضَمِّها الطّاقَةُ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن يَجْعَلُهُما لِمَعْنًى واحِدٍ، والمَعْنى: أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - آيَةً مِنَ الآياتِ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَها وأقْسَمُوا لَئِنْ جاءَتْهم هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوها ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ ولَيْسَ غَرَضُهُمُ الإيمانَ، بَلْ مُعْظَمُ قَصْدِهِمُ التَّحَكُّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والتَّلاعُبُ بِآياتِ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها وغَيْرُها ولَيْسَ عِنْدِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَهو سُبْحانَهُ إنْ أرادَ إنْزالَها أنْزَلَها، وإنْ أرادَ أنْ لا يَنْزِلَها لَمْ يَنْزِلْها.
قَوْلُهُ: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن أنَّها وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ ( وما يُشْعِرُكم إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: المُخاطَبُ بِهَذا: المُشْرِكُونَ: أيْ وما يُدْرِيكم، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَزَلَتِ الآيَةُ لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، قالَ الخَلِيلُ: أنَّها بِمَعْنى لَعَلَّها، وفي التَّنْزِيلِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] أيْ أنَّهُ يَزَّكّى، وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ ائْتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي لَنا شَيْئًا: أيْ لَعَلَّكَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎أعاذِلُ ما يُدْرِيكَ أنَّ مَنِيَّتِي إلى ساعَةٍ في اليَوْمِ أوْ في ضُحى الغَدِ
أيْ لَعَلَّ مَنِيَّتِي، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي ∗∗∗ أرى ما تَرَيْنَ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدا
أيْ لَعَلَّنِي، وقَوْلُ أبِي النَّجْمِ:(p-٤٤٢)
؎قُلْتُ لَشَيْبانَ ادْنُ مِن لِقائِهِ ∗∗∗ أنِّي بَعْدَ اليَوْمِ مِن سَوائِهِ
أيْ لَعَلِّي، وقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎هَلْ أنْتُمْ عائِجُونَ بِنا لَأنْ ∗∗∗ نَرى العَرَصاتِ أوْ أثَرَ الخِيامِ
أيْ لَعَلَّنا.
وقَدْ ورَدَتْ في كَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا بِمَعْنى لَعَلَّهُ.
وحَكى الكِسائِيُّ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا والفَرّاءُ: إنَّ لا زائِدَةٌ، والمَعْنى: وما يُشْعِرُكم أنَّها: أيِ الآياتِ، إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ فَزِيدَتْ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] وضَعَّفَ الزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهُما، زِيادَةَ لا وقالُوا: هو غَلَطٌ وخَطَأٌ.
وذَكَرَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا والتَّقْدِيرُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أوْ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ حَذَفَ هَذا المُقَدَّرَ لِعِلْمِ السّامِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ قِيلَ: والمَعْنى: تَقْلِيبُ أفْئِدَتِهِمْ وأبْصارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى لَهَبِ النّارِ وحَرِّ الجَمْرِ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ في الدُّنْيا: أيْ نُمْهِلُهم ولا نُعاقِبُهم فَعَلى هَذا بَعْضُ الآيَةِ في الآخِرَةِ.
وبَعْضُها في الدُّنْيا، وقِيلَ: المَعْنى: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الدُّنْيا: أيْ نَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ لَوْ جاءَتْهم تِلْكَ الآيَةُ كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما دَعَوْتَهم إلَيْهِ أوَّلَ مَرَّةٍ عِنْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيمُ: أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا، ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ: أيْ يَتَحَيَّرُونَ، والكافُ في ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، و﴿يَعْمَهُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهم بَعْدَ إحْيائِنا لَهم، فَقالُوا لَهم: إنَّ هَذا النَّبِيَّ صادِقٌ مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَآمِنُوا بِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمّا سَألُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿قُبُلًا﴾ أيْ كُفُلًا وضِمْنًا بِما جِئْناهم بِهِ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ.
هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿قُبُلًا﴾ بِضَمِّ القافِ وهُمُ الجُمْهُورُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ " قِبَلًا " بِكَسْرِها: أيْ مُقابَلَةً.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: قِبَلًا بِمَعْنى ناحِيَةٍ كَما تَقُولُ لِي: قِبَلَ فُلانٍ مالٌ، فَقُبُلًا نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى:﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ يَضْمَنُونَ كَذا قالَ الفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: هو بِمَعْنى قَبِيلٍ قَبِيلٍ أيْ: جَماعَةٍ جَماعَةٍ.
وحَكى أبُو زَيْدٍ لَقِيتُ فُلانًا قُبُلًا ومُقابَلَةً وقِبَلًا كُلُّهُ واحِدٌ بِمَعْنى المُواجَهَةِ، فَيَكُونُ عَلى هَذا الضَّمُّ كالكَسْرِ وتَسْتَوِي القِراءَتانِ.
والحَشْرُ: الجَمْعُ ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ إيمانَهم، فَإنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ جَهْلًا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ دَرْكِ الحَقِّ والوُصُولِ إلى الصَّوابِ.
قَوْلُهُ: ١١٢ - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ هَذا الكَلامُ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعِ ما حَصَلَ مَعَهُ مِنَ الحُزْنِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ: أيْ مِثْلِ هَذا الجَعْلِ ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ والمَعْنى: كَما ابْتَلَيْناكَ بِهَؤُلاءِ فَقَدِ ابْتَلَيْنا الأنْبِياءَ مِن قَبْلِكَ بِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ، فَجَعَلْنا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَدُوًّا مِنَ كُفارِ زَمَنِهِمْ، و﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ بَدَلٌ مِن " عَدُوًّا "، وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا.
وقَرَأ الأعْمَشُ ( الجِنَّ والإنْسَ ) بِتَقْدِيمِ الجِنِّ، والمُرادُ بِالشَّياطِينِ المَرَدَةُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، والإضافَةُ بَيانِيَّةٌ أوْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والأصْلُ الإنْسُ والجِنُّ الشَّياطِينُ، وجُمْلَةُ ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِ يُوَسْوِسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِ العَدُوِّ، وسُمِّيَ وحْيًا لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ خُفْيَةً بَيْنَهم، وجُعِلَ تَمْوِيهُهم زُخْرُفَ القَوْلِ لِتَزْيِينِهِمْ إيّاهُ، والزُّخْرُفُ: المُزَيَّنُ، وزَخارِفُ الماءِ طَرائِقُهُ، و﴿غُرُورًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ يَغُرُّونَهم بِذَلِكَ غُرُورًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، والغُرُورُ: الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما ذُكِرَ سابِقًا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ مِنَ الكُفّارِ في زَمَنِهِ وزَمَنِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ: أيْ لَوْ شاءَ رَبُّكَ عَدَمَ وُقُوعِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ما فَعَلُوهُ وأوْقَعُوهُ، وقِيلَ: ما فَعَلُوا الإيحاءَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالفِعْلِ ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم، وهَذا الأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ لِلْكُفّارِ كَقَوْلِهِ: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ إنْ كانَتْ ما مَصْدَرِيَّةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم وافْتِراءَهم، وإنْ كانَتْ مَوْصُولَةً فالتَّقْدِيرُ: اتْرُكْهم والَّذِي يَفْتَرُونَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ اللّامُ في لِتَصْغى لامُ كَيْ، فَتَكُونُ عِلَّةً كَقَوْلِهِ ﴿يُوحِي﴾ والتَّقْدِيرُ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ لِيَغُرُّوهم ولِتَصْغى، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ مُتَأخِّرًا: أيْ لِتَصْغى ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِلْأمْرِ وهو غَلَطٌ، فَإنَّها لَوْ كانَتْ لامُ الأمْرِ جُزِمَ الفِعْلُ، والإصْغاءُ: المَيْلُ، يُقالُ: صَغَوْتُ أصْغُو صَغْوًا، وصَغَيْتُ أُصْغِي: ويُقالُ: صَغَيْتُ بِالكَسْرِ، ويُقالُ: أصْغَيْتُ الإناءَ: إذا أمَلْتُهُ لِيَجْتَمِعَ ما فِيهِ، وأصْلُهُ المَيْلُ إلى الشَّيْءِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ويُقالُ: صَغَتِ النُّجُومُ: إذا مالَتْ لِلْغُرُوبِ، وأصْغَتِ النّاقَةُ: إذا أمالَتْ رَأْسَها، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎تُصْغِي إذا شَدَّها بِالكُوَرِ جانِحَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا ما اسْتَوى في غُرْزِها وثَبَتَ
والضَّمِيرُ في " إلَيْهِ " لِزُخْرُفِ القَوْلِ، أوْ لِما ذُكِرَ سابِقًا مِن زُخْرُفِ القَوْلِ وغَيْرِهِ: أيْ أوْحى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيَغُرُّوهم ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مِنَ الكُفّارِ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ الإصْغاءِ إلَيْهِ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ مِنَ الآثامِ، والِاقْتِرافُ: الِاكْتِسابُ، يُقالُ: خَرَجَ لِيَقْتَرِفَ لِأهْلِهِ: أيْ لِيَكْتَسِبَ لَهم، وقارَفَ فُلانٌ هَذا الأمْرَ: إذا واقَعَهُ، وقَرَفَهُ: إذا رَماهُ بِالرِّيبَةِ، واقْتَرَفَ: كَذَبَ، وأصْلُهُ اقْتِطاعُ قِطْعَةٍ مِنَ الشَّيْءِ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ في قُرَيْشٍ ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ (p-٤٤٣)يا أيُّها المُسْلِمُونَ ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قُرَيْشًا فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ تُخْبِرُنا أنَّ مُوسى كانَ مَعَهُ عَصى يَضْرِبُ بِها الحَجَرَ، وأنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ ثَمُودَ لَهم ناقَةٌ فَأْتِنا مِنَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: أيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أنْ آتِيَكم بِهِ ؟، قالُوا: تَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، قالَ: فَإنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي ؟، قالُوا: نَعَمْ، واللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتَّبِعَنَّكَ أجْمَعُونَ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ ذَهَبًا فَإنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهم، وإنْ شِئْتَ فاتْرُكْهم حَتّى يَتُوبَ تائِبُهم، فَقالَ: بَلْ يَتُوبُ تائِبُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَجْهَلُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم﴾ قالَ: لَمّا جَحَدَ المُشْرِكُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَمْ تَثْبُتْ قُلُوبُهم عَلى شَيْءٍ ورُدَّتْ عَنْ كُلِّ أمْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قالَ: مُعايَنَةً ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: أهْلُ الشَّقاءِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ أهْلُ السَّعادَةِ والَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ أنْ يَدْخُلُوا في الإيمانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ أيْ فَعايَنُوا ذَلِكَ مُعايَنَةً.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أفْواجًا قَبِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ قالَ: إنَّ لِلْجِنِّ شَياطِينَ يُضِلُّونَهم مِثْلَ شَياطِينِ الإنْسِ يُضِلُّونَهم، فَيَلْتَقِي شَيْطانُ الإنْسِ وشَيْطانُ الجِنِّ، فَيَقُولُ هَذا لِهَذا: أضْلِلْهُ بِكَذا وأُضَلِّلُهُ بِكَذا، فَهو ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ .
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِنُّ هُمُ الجانُّ ولَيْسُوا شَياطِينَ، والشَّياطِينُ ولَدُ إبْلِيسَ وهم لا يَمُوتُونَ إلّا مَعَ إبْلِيسَ والجِنُّ يَمُوتُونَ، فَمِنهُمُ المُؤْمِنُ ومِنهُمُ الكافِرُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الكَهَنَةُ هم شَياطِينُ الإنْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: شَياطِينُ الجِنِّ يُوحُونَ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ ومِنَ الجِنِّ شَياطِينُ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ قالَ: يُحْسِنُ بَعْضُهم لِبَعْضِ القَوْلَ لِيَتْبَعُوهم في فِتْنَتِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يا أبا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّ شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ، قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ وهَلْ لِلْإنْسِ شَياطِينُ ؟ قالَ: نَعَمْ، ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولِتَصْغى﴾ لِتَمِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿ولِتَصْغى﴾ تَزِيغُ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ يَكْتَسِبُوا.
الأنعام 6:114
قَوْلُهُ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والكَلامُ هو عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ كَيْفَ أضِلُّ وأبْتَغِي غَيْرَ اللَّهِ حَكَمًا ؟ و" غَيْرَ " مَفْعُولٌ لِأبْتَغِيَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، و" حَكَمًا " المَفْعُولُ الثّانِي أوِ العَكْسِ.
ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ " حَكَمًا " عَلى الحالِ، والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ كَما تَقَرَّرَ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ المُشْتَقَّةِ.
أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ مِن أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حَكَمًا فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وإنَّ اللَّهَ هو الحَكَمُ العَدْلُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَيْفَ أطْلُبُ حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ وهو الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا واضِحًا مُسْتَوْفِيًا لِكُلِّ قَضِيَّةٍ عَلى التَّفْصِيلِ، ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ وإنْ أظْهَرُوا الجُحُودَ والمُكابَرَةَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِما دَلَّتْهم عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا: أيْ مُتَلِبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ ثُمَّ نَهاهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالحَقِّ أوْ نَهاهُ عَنْ مُطْلَقِ الِامْتِراءِ ويَكُونُ ذَلِكَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ عَنْ أنْ يَمْتَرِيَ أحَدٌ مِنهم، أوِ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ: أيْ فَلا يَكُونَنَّ أحَدٌ مِنَ النّاسِ مِنَ المُمْتَرِينَ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ كَوْنُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ خِطابَهُ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: ( وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدَلا ) .
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ كَلِمَةً بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، والمُرادُ بِالكَلِماتِ العِباراتُ أوْ مُتَعَلِّقاتُها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدْ أتَمَّ وعْدَهُ ووَعِيدَهُ، فَظَهَرَ الحَقُّ وانْطَمَسَ الباطِلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكَلِمَةِ أوِ الكَلِماتِ القُرْآنُ، و﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أوْ عَلى أنَّهُما نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَمامُ صِدْقٍ وعَدْلٍ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا خُلْفَ فِيها ولا مُغَيِّرَ لِما حَكَمَ بِهِ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
قَوْلُهُ: ١١٦ - ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أخْبَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ إذا رامَ طاعَةَ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ أضَلُّوهُ، لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا بِيَدِ الأقَلِّينَ، ومِنهُمُ الطّائِفَةُ الَّتِي تَزالُ عَلى الحَقِّ ولا يَضُرُّها خِلافُ مَن يُخالِفُها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الكُفّارُ، وقِيلَ: (p-٤٤٤)المُرادُ بِالأرْضِ مَكَّةَ: أيْ أكْثَرَ أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ، وهو ظَنُّهم أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وأنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ وما هم إلّا يَخْرُصُونَ: أيْ يَحْدِسُونَ ويُقَدِّرُونَ، وأصْلُ الخَرْصِ القَطْعُ، ومِنهُ خَرَصَ النَّخْلَ يَخْرُصُ: إذا حَزَرَهُ لِيَأْخُذَ مِنهُ الزَّكاةَ، فالخارِصُ يَقْطَعُ بِما لا يَجُوزُ القَطْعُ بِهِ إذْ لا يَقِينَ مِنهُ، وإذا كانَ هَذا حالَ أكْثَرِ مَن في الأرْضِ فالعِلْمُ الحَقِيقِيُّ هو عِنْدَ اللَّهِ، فاتَّبِعْ ما أمَرَكَ بِهِ ودَعْ عَنْكَ طاعَةَ غَيْرِهِ، وهو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ومَن يَهْتَدِي إلَيْهِ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ أعْلَمُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى يَعْلَمُ، قالَ ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
؎فَحالَفَتْ طَيُّ مِن دُونِنا حِلْفًا واللَّهُ أعْلَمُ ما كُنّا لَهم خُولا
والوَجْهُ في هَذا التَّأْوِيلِ أنْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يَنْصِبُ الِاسْمَ الظّاهِرَ، فَتَكُونُ مِن مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ الَّذِي جُعِلَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ نائِبًا عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ عَلى بابِهِ والنَّصْبُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ أيْ إنَّ رَبَّكَ أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ، وقِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ بِمَن يَضِلُّ قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: في مَحَلِّ جَرِّ بِإضافَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ إلَيْها.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مُفَصَّلًا﴾ قالَ: مُبَيَّنًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ قُلْ: صِدْقًا فِيما وعَدَ، وعَدْلًا فِيما حَكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نَصْرٍ السَّجْزِيُّ في الإنابَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ قالَ: لا تَبْدِيلَ لِشَيْءٍ قالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ أنَسٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي اليَمانِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَسْجِدَ الحَرامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَعَهُ مِخْصَرَةٌ، ولِكُلِّ قَوْمٍ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ، فَجَعَلَ يَأْتِيها صَنَمًا صَنَمًا ويَطْعَنُ في صَدْرِ الصَّنَمِ بِعَصا ثُمَّ يَعْقِرُهُ، فَكُلَّما طَعَنَ صَنَمًا أتْبَعَهُ ضَرْبًا بِالقَوْسِ حَتّى يَكْسِرُوهُ ويَطْرَحُوهُ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾» .
الأنعام 6:115
قَوْلُهُ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والكَلامُ هو عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ كَيْفَ أضِلُّ وأبْتَغِي غَيْرَ اللَّهِ حَكَمًا ؟ و" غَيْرَ " مَفْعُولٌ لِأبْتَغِيَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، و" حَكَمًا " المَفْعُولُ الثّانِي أوِ العَكْسِ.
ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ " حَكَمًا " عَلى الحالِ، والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ كَما تَقَرَّرَ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ المُشْتَقَّةِ.
أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ مِن أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حَكَمًا فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وإنَّ اللَّهَ هو الحَكَمُ العَدْلُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَيْفَ أطْلُبُ حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ وهو الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا واضِحًا مُسْتَوْفِيًا لِكُلِّ قَضِيَّةٍ عَلى التَّفْصِيلِ، ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ وإنْ أظْهَرُوا الجُحُودَ والمُكابَرَةَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِما دَلَّتْهم عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا: أيْ مُتَلِبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ ثُمَّ نَهاهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالحَقِّ أوْ نَهاهُ عَنْ مُطْلَقِ الِامْتِراءِ ويَكُونُ ذَلِكَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ عَنْ أنْ يَمْتَرِيَ أحَدٌ مِنهم، أوِ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ: أيْ فَلا يَكُونَنَّ أحَدٌ مِنَ النّاسِ مِنَ المُمْتَرِينَ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ كَوْنُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ خِطابَهُ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: ( وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدَلا ) .
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ كَلِمَةً بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، والمُرادُ بِالكَلِماتِ العِباراتُ أوْ مُتَعَلِّقاتُها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدْ أتَمَّ وعْدَهُ ووَعِيدَهُ، فَظَهَرَ الحَقُّ وانْطَمَسَ الباطِلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكَلِمَةِ أوِ الكَلِماتِ القُرْآنُ، و﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أوْ عَلى أنَّهُما نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَمامُ صِدْقٍ وعَدْلٍ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا خُلْفَ فِيها ولا مُغَيِّرَ لِما حَكَمَ بِهِ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
قَوْلُهُ: ١١٦ - ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أخْبَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ إذا رامَ طاعَةَ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ أضَلُّوهُ، لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا بِيَدِ الأقَلِّينَ، ومِنهُمُ الطّائِفَةُ الَّتِي تَزالُ عَلى الحَقِّ ولا يَضُرُّها خِلافُ مَن يُخالِفُها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الكُفّارُ، وقِيلَ: (p-٤٤٤)المُرادُ بِالأرْضِ مَكَّةَ: أيْ أكْثَرَ أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ، وهو ظَنُّهم أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وأنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ وما هم إلّا يَخْرُصُونَ: أيْ يَحْدِسُونَ ويُقَدِّرُونَ، وأصْلُ الخَرْصِ القَطْعُ، ومِنهُ خَرَصَ النَّخْلَ يَخْرُصُ: إذا حَزَرَهُ لِيَأْخُذَ مِنهُ الزَّكاةَ، فالخارِصُ يَقْطَعُ بِما لا يَجُوزُ القَطْعُ بِهِ إذْ لا يَقِينَ مِنهُ، وإذا كانَ هَذا حالَ أكْثَرِ مَن في الأرْضِ فالعِلْمُ الحَقِيقِيُّ هو عِنْدَ اللَّهِ، فاتَّبِعْ ما أمَرَكَ بِهِ ودَعْ عَنْكَ طاعَةَ غَيْرِهِ، وهو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ومَن يَهْتَدِي إلَيْهِ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ أعْلَمُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى يَعْلَمُ، قالَ ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
؎فَحالَفَتْ طَيُّ مِن دُونِنا حِلْفًا واللَّهُ أعْلَمُ ما كُنّا لَهم خُولا
والوَجْهُ في هَذا التَّأْوِيلِ أنْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يَنْصِبُ الِاسْمَ الظّاهِرَ، فَتَكُونُ مِن مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ الَّذِي جُعِلَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ نائِبًا عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ عَلى بابِهِ والنَّصْبُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ أيْ إنَّ رَبَّكَ أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ، وقِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ بِمَن يَضِلُّ قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: في مَحَلِّ جَرِّ بِإضافَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ إلَيْها.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مُفَصَّلًا﴾ قالَ: مُبَيَّنًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ قُلْ: صِدْقًا فِيما وعَدَ، وعَدْلًا فِيما حَكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نَصْرٍ السَّجْزِيُّ في الإنابَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ قالَ: لا تَبْدِيلَ لِشَيْءٍ قالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ أنَسٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي اليَمانِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَسْجِدَ الحَرامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَعَهُ مِخْصَرَةٌ، ولِكُلِّ قَوْمٍ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ، فَجَعَلَ يَأْتِيها صَنَمًا صَنَمًا ويَطْعَنُ في صَدْرِ الصَّنَمِ بِعَصا ثُمَّ يَعْقِرُهُ، فَكُلَّما طَعَنَ صَنَمًا أتْبَعَهُ ضَرْبًا بِالقَوْسِ حَتّى يَكْسِرُوهُ ويَطْرَحُوهُ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾» .
الأنعام 6:116
قَوْلُهُ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والكَلامُ هو عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ كَيْفَ أضِلُّ وأبْتَغِي غَيْرَ اللَّهِ حَكَمًا ؟ و" غَيْرَ " مَفْعُولٌ لِأبْتَغِيَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، و" حَكَمًا " المَفْعُولُ الثّانِي أوِ العَكْسِ.
ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ " حَكَمًا " عَلى الحالِ، والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ كَما تَقَرَّرَ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ المُشْتَقَّةِ.
أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ مِن أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حَكَمًا فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وإنَّ اللَّهَ هو الحَكَمُ العَدْلُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَيْفَ أطْلُبُ حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ وهو الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا واضِحًا مُسْتَوْفِيًا لِكُلِّ قَضِيَّةٍ عَلى التَّفْصِيلِ، ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ وإنْ أظْهَرُوا الجُحُودَ والمُكابَرَةَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِما دَلَّتْهم عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا: أيْ مُتَلِبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ ثُمَّ نَهاهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالحَقِّ أوْ نَهاهُ عَنْ مُطْلَقِ الِامْتِراءِ ويَكُونُ ذَلِكَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ عَنْ أنْ يَمْتَرِيَ أحَدٌ مِنهم، أوِ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ: أيْ فَلا يَكُونَنَّ أحَدٌ مِنَ النّاسِ مِنَ المُمْتَرِينَ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ كَوْنُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ خِطابَهُ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: ( وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدَلا ) .
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ كَلِمَةً بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، والمُرادُ بِالكَلِماتِ العِباراتُ أوْ مُتَعَلِّقاتُها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدْ أتَمَّ وعْدَهُ ووَعِيدَهُ، فَظَهَرَ الحَقُّ وانْطَمَسَ الباطِلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكَلِمَةِ أوِ الكَلِماتِ القُرْآنُ، و﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أوْ عَلى أنَّهُما نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَمامُ صِدْقٍ وعَدْلٍ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا خُلْفَ فِيها ولا مُغَيِّرَ لِما حَكَمَ بِهِ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
قَوْلُهُ: ١١٦ - ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أخْبَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ إذا رامَ طاعَةَ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ أضَلُّوهُ، لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا بِيَدِ الأقَلِّينَ، ومِنهُمُ الطّائِفَةُ الَّتِي تَزالُ عَلى الحَقِّ ولا يَضُرُّها خِلافُ مَن يُخالِفُها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الكُفّارُ، وقِيلَ: (p-٤٤٤)المُرادُ بِالأرْضِ مَكَّةَ: أيْ أكْثَرَ أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ، وهو ظَنُّهم أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وأنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ وما هم إلّا يَخْرُصُونَ: أيْ يَحْدِسُونَ ويُقَدِّرُونَ، وأصْلُ الخَرْصِ القَطْعُ، ومِنهُ خَرَصَ النَّخْلَ يَخْرُصُ: إذا حَزَرَهُ لِيَأْخُذَ مِنهُ الزَّكاةَ، فالخارِصُ يَقْطَعُ بِما لا يَجُوزُ القَطْعُ بِهِ إذْ لا يَقِينَ مِنهُ، وإذا كانَ هَذا حالَ أكْثَرِ مَن في الأرْضِ فالعِلْمُ الحَقِيقِيُّ هو عِنْدَ اللَّهِ، فاتَّبِعْ ما أمَرَكَ بِهِ ودَعْ عَنْكَ طاعَةَ غَيْرِهِ، وهو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ومَن يَهْتَدِي إلَيْهِ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ أعْلَمُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى يَعْلَمُ، قالَ ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
؎فَحالَفَتْ طَيُّ مِن دُونِنا حِلْفًا واللَّهُ أعْلَمُ ما كُنّا لَهم خُولا
والوَجْهُ في هَذا التَّأْوِيلِ أنْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يَنْصِبُ الِاسْمَ الظّاهِرَ، فَتَكُونُ مِن مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ الَّذِي جُعِلَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ نائِبًا عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ عَلى بابِهِ والنَّصْبُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ أيْ إنَّ رَبَّكَ أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ، وقِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ بِمَن يَضِلُّ قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: في مَحَلِّ جَرِّ بِإضافَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ إلَيْها.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مُفَصَّلًا﴾ قالَ: مُبَيَّنًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ قُلْ: صِدْقًا فِيما وعَدَ، وعَدْلًا فِيما حَكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نَصْرٍ السَّجْزِيُّ في الإنابَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ قالَ: لا تَبْدِيلَ لِشَيْءٍ قالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ أنَسٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي اليَمانِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَسْجِدَ الحَرامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَعَهُ مِخْصَرَةٌ، ولِكُلِّ قَوْمٍ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ، فَجَعَلَ يَأْتِيها صَنَمًا صَنَمًا ويَطْعَنُ في صَدْرِ الصَّنَمِ بِعَصا ثُمَّ يَعْقِرُهُ، فَكُلَّما طَعَنَ صَنَمًا أتْبَعَهُ ضَرْبًا بِالقَوْسِ حَتّى يَكْسِرُوهُ ويَطْرَحُوهُ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾» .
الأنعام 6:117
قَوْلُهُ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، والكَلامُ هو عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ كَيْفَ أضِلُّ وأبْتَغِي غَيْرَ اللَّهِ حَكَمًا ؟ و" غَيْرَ " مَفْعُولٌ لِأبْتَغِيَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، و" حَكَمًا " المَفْعُولُ الثّانِي أوِ العَكْسِ.
ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ " حَكَمًا " عَلى الحالِ، والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ كَما تَقَرَّرَ في مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ المُشْتَقَّةِ.
أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ما طَلَبُوهُ مِنهُ مِن أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم حَكَمًا فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وإنَّ اللَّهَ هو الحَكَمُ العَدْلُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كَيْفَ أطْلُبُ حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ وهو الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكُمُ القُرْآنَ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا واضِحًا مُسْتَوْفِيًا لِكُلِّ قَضِيَّةٍ عَلى التَّفْصِيلِ، ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ وإنْ أظْهَرُوا الجُحُودَ والمُكابَرَةَ، فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِما دَلَّتْهم عَلَيْهِ كُتُبُ اللَّهِ المُنَزَّلَةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، وبِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا: أيْ مُتَلِبِّسًا بِالحَقِّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ ثُمَّ نَهاهُ عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ المُمْتَرِينَ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالحَقِّ أوْ نَهاهُ عَنْ مُطْلَقِ الِامْتِراءِ ويَكُونُ ذَلِكَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ عَنْ أنْ يَمْتَرِيَ أحَدٌ مِنهم، أوِ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ: أيْ فَلا يَكُونَنَّ أحَدٌ مِنَ النّاسِ مِنَ المُمْتَرِينَ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ كَوْنُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ خِطابَهُ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: ( وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدَلا ) .
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ كَلِمَةً بِالتَّوْحِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ، والمُرادُ بِالكَلِماتِ العِباراتُ أوْ مُتَعَلِّقاتُها مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدْ أتَمَّ وعْدَهُ ووَعِيدَهُ، فَظَهَرَ الحَقُّ وانْطَمَسَ الباطِلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكَلِمَةِ أوِ الكَلِماتِ القُرْآنُ، و﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ أوْ عَلى أنَّهُما نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ تَمامُ صِدْقٍ وعَدْلٍ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ لا خُلْفَ فِيها ولا مُغَيِّرَ لِما حَكَمَ بِهِ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.
قَوْلُهُ: ١١٦ - ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أخْبَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ إذا رامَ طاعَةَ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ أضَلُّوهُ، لِأنَّ الحَقَّ لا يَكُونُ إلّا بِيَدِ الأقَلِّينَ، ومِنهُمُ الطّائِفَةُ الَّتِي تَزالُ عَلى الحَقِّ ولا يَضُرُّها خِلافُ مَن يُخالِفُها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الكُفّارُ، وقِيلَ: (p-٤٤٤)المُرادُ بِالأرْضِ مَكَّةَ: أيْ أكْثَرَ أهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ، وهو ظَنُّهم أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وأنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ ﴿وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ وما هم إلّا يَخْرُصُونَ: أيْ يَحْدِسُونَ ويُقَدِّرُونَ، وأصْلُ الخَرْصِ القَطْعُ، ومِنهُ خَرَصَ النَّخْلَ يَخْرُصُ: إذا حَزَرَهُ لِيَأْخُذَ مِنهُ الزَّكاةَ، فالخارِصُ يَقْطَعُ بِما لا يَجُوزُ القَطْعُ بِهِ إذْ لا يَقِينَ مِنهُ، وإذا كانَ هَذا حالَ أكْثَرِ مَن في الأرْضِ فالعِلْمُ الحَقِيقِيُّ هو عِنْدَ اللَّهِ، فاتَّبِعْ ما أمَرَكَ بِهِ ودَعْ عَنْكَ طاعَةَ غَيْرِهِ، وهو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ومَن يَهْتَدِي إلَيْهِ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ أعْلَمُ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى يَعْلَمُ، قالَ ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
؎فَحالَفَتْ طَيُّ مِن دُونِنا حِلْفًا واللَّهُ أعْلَمُ ما كُنّا لَهم خُولا
والوَجْهُ في هَذا التَّأْوِيلِ أنْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يَنْصِبُ الِاسْمَ الظّاهِرَ، فَتَكُونُ مِن مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ الَّذِي جُعِلَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ نائِبًا عَنْهُ، وقِيلَ: إنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ عَلى بابِهِ والنَّصْبُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: إنَّها مَنصُوبَةٌ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ أيْ إنَّ رَبَّكَ أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ، وقِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ بِمَن يَضِلُّ قالَهُ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ، وقِيلَ: في مَحَلِّ جَرِّ بِإضافَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ إلَيْها.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿مُفَصَّلًا﴾ قالَ: مُبَيَّنًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿صِدْقًا وعَدْلًا﴾ قُلْ: صِدْقًا فِيما وعَدَ، وعَدْلًا فِيما حَكَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نَصْرٍ السَّجْزِيُّ في الإنابَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ قالَ: لا تَبْدِيلَ لِشَيْءٍ قالَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ النَّجّارِ عَنْ أنَسٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي اليَمانِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَسْجِدَ الحَرامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَعَهُ مِخْصَرَةٌ، ولِكُلِّ قَوْمٍ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ، فَجَعَلَ يَأْتِيها صَنَمًا صَنَمًا ويَطْعَنُ في صَدْرِ الصَّنَمِ بِعَصا ثُمَّ يَعْقِرُهُ، فَكُلَّما طَعَنَ صَنَمًا أتْبَعَهُ ضَرْبًا بِالقَوْسِ حَتّى يَكْسِرُوهُ ويَطْرَحُوهُ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ، والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾» .
الأنعام 6:118
لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما يَصْنَعُهُ الكُفّارُ في الأنْعامِ مِن تِلْكَ السُّنَنِ الجاهِلِيَّةِ أمْرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ يَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبَبٍ خاصٍّ وسَيَأْتِي، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَكُلُّ ما ذَكَرَ الذّابِحُ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ حَلَّ إنْ كانَ مِمّا أباحَ اللَّهُ أكْلَهُ.
وقالَ عَطاءٌ: في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَلى الشَّرابِ والذَّبْحِ وكُلِّ مَطْعُومٍ، والشَّرْطُ في ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ: أيْ بِأحْكامِهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْرُ بِالأكْلِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ لِلْإنْكارِ: أيْ ما المانِعُ لَكم مِن أكْلِ ما سَمَّيْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أذِنَ اللَّهُ لَكم بِذَلِكَ " و" الحالُ أنْ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بَيَّنَ لَكم بَيانًا مُفَصَّلًا يَدْفَعُ الشَّكَّ ويُزِيلُ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ [الأنعام: ١٤٥]، ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ ما حَرَّمَهُ عَلَيْكم فَإنَّ الضَّرُورَةَ تُحَلِّلُ الحَرامَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
قَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم ) بِفَتْحِ الفِعْلَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالضَّمِّ فِيهِما عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ فَصَلَ بِالتَّخْفِيفِ: أيْ أبانَ وأظْهَرَ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُحَرِّمُونَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ ونَحْوَهُما، فَإنَّهم بِهَذِهِ الأفْعالِ المَبْنِيَّةِ عَلى الجَهْلِ كانُوا يُضِلُّونَ النّاسَ فَيَتْبَعُونَهم ولا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ وضَلالَةٌ لا يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ.
١٢٠ - ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَتْرُكُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ.
والظّاهِرُ: ما كانَ يَظْهَرُ كَأفْعالِ الجَوارِحِ، والباطِنُ: ما كانَ لا يَظْهَرُ كَأفْعالِ القَلْبِ، وقِيلَ: ما أعْلَنْتُمْ وما أسْرَرْتُمْ: وقِيلَ: الزِّنا الظّاهِرُ والزِّنا المَكْتُومُ.
وأضافَ الظّاهِرَ والباطِنَ إلى الإثْمِ لِأنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُما، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكاسِبِينَ لِلْإثْمِ بِالجَزاءِ بِسَبَبِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «جاءَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالُوا: إنّا نَأْكُلُ مِمّا قَتَلْنا ولا نَأْكُلُ مِمّا قَتَلَ اللَّهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ حَلالٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ مُؤْمِنِينَ قالَ: مُصَدِّقِينَ: ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي الذَّبائِحَ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم﴾ يَعْنِي ما حَرُمَ عَلَيْكم مِنَ المِيتَةِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي مِن مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي في أمْرِ الذَّبائِحِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ﴾ قالَ: هو نِكاحُ الأُمَّهاتِ والبَناتِ ﴿وباطِنَهُ﴾ قالَ: هو (p-٤٤٥)الزِّنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الظّاهِرُ مِنهُ ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ، والباطِنُ: الزِّنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: عَلانِيَتُهُ وسِرُّهُ.
الأنعام 6:119
لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما يَصْنَعُهُ الكُفّارُ في الأنْعامِ مِن تِلْكَ السُّنَنِ الجاهِلِيَّةِ أمْرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ يَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبَبٍ خاصٍّ وسَيَأْتِي، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَكُلُّ ما ذَكَرَ الذّابِحُ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ حَلَّ إنْ كانَ مِمّا أباحَ اللَّهُ أكْلَهُ.
وقالَ عَطاءٌ: في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَلى الشَّرابِ والذَّبْحِ وكُلِّ مَطْعُومٍ، والشَّرْطُ في ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ: أيْ بِأحْكامِهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْرُ بِالأكْلِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ لِلْإنْكارِ: أيْ ما المانِعُ لَكم مِن أكْلِ ما سَمَّيْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أذِنَ اللَّهُ لَكم بِذَلِكَ " و" الحالُ أنْ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بَيَّنَ لَكم بَيانًا مُفَصَّلًا يَدْفَعُ الشَّكَّ ويُزِيلُ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ [الأنعام: ١٤٥]، ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ ما حَرَّمَهُ عَلَيْكم فَإنَّ الضَّرُورَةَ تُحَلِّلُ الحَرامَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
قَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم ) بِفَتْحِ الفِعْلَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالضَّمِّ فِيهِما عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ فَصَلَ بِالتَّخْفِيفِ: أيْ أبانَ وأظْهَرَ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُحَرِّمُونَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ ونَحْوَهُما، فَإنَّهم بِهَذِهِ الأفْعالِ المَبْنِيَّةِ عَلى الجَهْلِ كانُوا يُضِلُّونَ النّاسَ فَيَتْبَعُونَهم ولا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ وضَلالَةٌ لا يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ.
١٢٠ - ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَتْرُكُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ.
والظّاهِرُ: ما كانَ يَظْهَرُ كَأفْعالِ الجَوارِحِ، والباطِنُ: ما كانَ لا يَظْهَرُ كَأفْعالِ القَلْبِ، وقِيلَ: ما أعْلَنْتُمْ وما أسْرَرْتُمْ: وقِيلَ: الزِّنا الظّاهِرُ والزِّنا المَكْتُومُ.
وأضافَ الظّاهِرَ والباطِنَ إلى الإثْمِ لِأنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُما، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكاسِبِينَ لِلْإثْمِ بِالجَزاءِ بِسَبَبِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «جاءَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالُوا: إنّا نَأْكُلُ مِمّا قَتَلْنا ولا نَأْكُلُ مِمّا قَتَلَ اللَّهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ حَلالٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ مُؤْمِنِينَ قالَ: مُصَدِّقِينَ: ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي الذَّبائِحَ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم﴾ يَعْنِي ما حَرُمَ عَلَيْكم مِنَ المِيتَةِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي مِن مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي في أمْرِ الذَّبائِحِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ﴾ قالَ: هو نِكاحُ الأُمَّهاتِ والبَناتِ ﴿وباطِنَهُ﴾ قالَ: هو (p-٤٤٥)الزِّنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الظّاهِرُ مِنهُ ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ، والباطِنُ: الزِّنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: عَلانِيَتُهُ وسِرُّهُ.
الأنعام 6:120
لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما يَصْنَعُهُ الكُفّارُ في الأنْعامِ مِن تِلْكَ السُّنَنِ الجاهِلِيَّةِ أمْرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ يَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في سَبَبٍ خاصٍّ وسَيَأْتِي، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَكُلُّ ما ذَكَرَ الذّابِحُ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ حَلَّ إنْ كانَ مِمّا أباحَ اللَّهُ أكْلَهُ.
وقالَ عَطاءٌ: في هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَلى الشَّرابِ والذَّبْحِ وكُلِّ مَطْعُومٍ، والشَّرْطُ في ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لِلتَّهْيِيجِ والإلْهابِ: أيْ بِأحْكامِهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْرُ بِالأكْلِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ لِلْإنْكارِ: أيْ ما المانِعُ لَكم مِن أكْلِ ما سَمَّيْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أذِنَ اللَّهُ لَكم بِذَلِكَ " و" الحالُ أنْ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بَيَّنَ لَكم بَيانًا مُفَصَّلًا يَدْفَعُ الشَّكَّ ويُزِيلُ الشُّبْهَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ [الأنعام: ١٤٥]، ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ ما حَرَّمَهُ عَلَيْكم فَإنَّ الضَّرُورَةَ تُحَلِّلُ الحَرامَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ.
قَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ( وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم ) بِفَتْحِ الفِعْلَيْنِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالضَّمِّ فِيهِما عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ فَصَلَ بِالتَّخْفِيفِ: أيْ أبانَ وأظْهَرَ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يُحَرِّمُونَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ ونَحْوَهُما، فَإنَّهم بِهَذِهِ الأفْعالِ المَبْنِيَّةِ عَلى الجَهْلِ كانُوا يُضِلُّونَ النّاسَ فَيَتْبَعُونَهم ولا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ وضَلالَةٌ لا يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ.
١٢٠ - ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَتْرُكُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ.
والظّاهِرُ: ما كانَ يَظْهَرُ كَأفْعالِ الجَوارِحِ، والباطِنُ: ما كانَ لا يَظْهَرُ كَأفْعالِ القَلْبِ، وقِيلَ: ما أعْلَنْتُمْ وما أسْرَرْتُمْ: وقِيلَ: الزِّنا الظّاهِرُ والزِّنا المَكْتُومُ.
وأضافَ الظّاهِرَ والباطِنَ إلى الإثْمِ لِأنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُما، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكاسِبِينَ لِلْإثْمِ بِالجَزاءِ بِسَبَبِ افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «جاءَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالُوا: إنّا نَأْكُلُ مِمّا قَتَلْنا ولا نَأْكُلُ مِمّا قَتَلَ اللَّهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ حَلالٌ ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ مُؤْمِنِينَ قالَ: مُصَدِّقِينَ: ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي الذَّبائِحَ ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم﴾ يَعْنِي ما حَرُمَ عَلَيْكم مِنَ المِيتَةِ ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ يَعْنِي مِن مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي في أمْرِ الذَّبائِحِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ﴾ قالَ: هو نِكاحُ الأُمَّهاتِ والبَناتِ ﴿وباطِنَهُ﴾ قالَ: هو (p-٤٤٥)الزِّنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الظّاهِرُ مِنهُ ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم﴾ [النساء: ٢٣] الآيَةَ، والباطِنُ: الزِّنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: عَلانِيَتُهُ وسِرُّهُ.
الأنعام 6:121
نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِالأكْلِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ ونافِعٌ مَوْلاهُ والشَّعْبِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ وهو رِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وبِهِ قالَ أبُو ثَوْرٍ وداوُدُ الظّاهِرِيُّ: أنَّ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبائِحِ حَرامٌ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ العامِدِ والنّاسِي لِهَذِهِ الآيَةِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةِ الصَّيْدِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] ويَزِيدُ هَذا الِاسْتِدْلالَ تَأْكِيدًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ .
وقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الأمْرُ بِالتَّسْمِيَةِ في الصَّيْدِ وغَيْرِهِ.
وذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ وهو رِوايَةٌ عَنْ مالِكٍ ورِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، أنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ لا واجِبَةٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وحَمَلَ الشّافِعِيُّ الآيَةَ عَلى مَن ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وهو تَخْصِيصٌ لِلْآيَةِ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ.
وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في المُرْسَلِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ، ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ أوْ لَمْ يُذْكَرْ» .
ولَيْسَ في هَذا المُرْسَلِ ما يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِ الآيَةِ، نَعَمْ «حَدِيثُ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنا بِلُحْمانٍ لا نَدْرِي أذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا ؟ فَقالَ: سَمُّوا أنْتُمْ وكُلُوا» يُفِيدُ أنَّ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الأكْلِ تُجْزِئُ مَعَ التِباسِ وُقُوعِها عِنْدَ الذَّبْحِ.
وذَهَبَ مالِكٌ وأحْمَدُ في المَشْهُورِ عَنْهُما وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ أنَّ التَّسْمِيَةَ إنْ تُرِكَتْ نِسْيانًا لَمْ تَضُرَّ، وإنْ تُرِكَتْ عَمْدًا لَمْ يَحِلَّ أكْلُ الذَّبِيحَةِ.
وهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وعَطاءٍ وطاوُسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وأبِي مالِكٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ورَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، واسْتَدَلُّوا بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «المُسْلِمُ إنْ نَسِيَ أنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ ولْيَأْكُلْهُ» وهَذا الحَدِيثُ رَفْعُهُ خَطَأٌ، وإنَّما هو مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وكَذا أخْرَجَهُ مِن قَوْلِهِ: عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، نَعَمْ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلالُ لِهَذا المَذْهَبِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] كَما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وبِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ» وأمّا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أرَأيْتَ الرَّجُلَ مِنّا يَذْبَحُ ويَنْسى أنْ يُسَمِّيَ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اسْمُ اللَّهِ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ» فَهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ قَدْ ضَعَّفَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى " ما " بِتَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ وإنَّ أكْلَ ما لَمْ يُذْكَرْ لَفِسْقٌ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى مَصْدَرِ تَأْكُلُوا: أيْ فَإنَّ الأكْلَ لَفِسْقٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الفِسْقِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن حَمَلَ هَذِهِ الآيَةَ عَلى ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ التَّرْكَ لا يَكُونُ فِسْقًا، بَلِ الفِسْقُ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ إطْلاقَ اسْمِ الفِسْقِ عَلى تارِكِ ما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ شَرْعًا ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ أيْ يُوَسْوِسُونَ لَهم بِالوَساوِسِ المُخالِفَةِ لِلْحَقِّ المُبايِنَةِ لِلصَّوابِ قاصِدِينَ بِذَلِكَ أنْ يُجادِلَكم هَؤُلاءِ الأوْلِياءُ بِما يُوَسْوِسُونَ لَهم ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ فِيما يَأْمُرُونَكم بِهِ ويَنْهَوْنَكم عَنْهُ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ مِثْلَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: المُشْرِكُونَ، وفي لَفْظٍ: قالَ اليَهُودُ: لا تَأْكُلُوا مِمّا قَتَلَ اللَّهُ وتَأْكُلُوا مِمّا قَتَلْتُمْ أنْتُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أرْسَلَتْ فارِسُ إلى قُرَيْشٍ أنْ خاصِمُوا مُحَمَّدًا، فَقالُوا لَهُ: ما تَذْبَحُ أنْتَ بِيَدِكَ بِسِكِّينٍ فَهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللَّهُ بِشِمْشارٍ مِن ذَهَبٍ يَعْنِي المَيْتَةَ فَهو حَرامٌ ؟ !، فَنَزَلَتْ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم﴾ قالَ: الشَّياطِينُ مِن فارِسَ وأوْلِياؤُهم مِن قُرَيْشٍ.
وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، الأوَّلِ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ قالَ: إبْلِيسُ أوْحى إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَنُسِخَ، واسْتُثْنِيَ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ قالَ: كُلُوا ذَبائِحَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَكْحُولٍ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، في النَّسْخِ.
الأنعام 6:122
(p-٤٤٦)قَوْلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ أبِي نُعَيْمٍ بِإسْكانِها، قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى: أيِ انْظُرُوا وتَدَبَّرُوا ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾، ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] والمُرادُ بِالمَيِّتِ هُنا الكافِرُ أحْياهُ اللَّهُ بِالإسْلامِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: كانَ مَيْتًا حِينَ كانَ نُطْفَةً فَأحْيَيْناهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ السِّياقَ يُشْعِرُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ في تَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنِ اتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وكَثِيرًا ما تُسْتَعارُ الحَياةُ لِلْهِدايَةِ والعِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ فَأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ
؎وإنَّ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالعِلْمِ مَيِّتٌ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ
والنُّورُ عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والإيمانِ، وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ، وقِيلَ: هو النُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] والضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى النُّورِ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ أيْ كَمَن صِفَتُهُ في الظُّلُماتِ، ومَثَلُهُ مُبْتَدَأٌ والظُّلُماتُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِمَن، وقِيلَ: " مِثْلُ " زائِدَةٌ، والمَعْنى: كَمَن في الظُّلُماتِ كَما تَقُولُ: أنا أكْرَمُ مِن مِثْلِكَ: أيْ مِنكَ، ومِثْلُهُ ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
وقِيلَ: المَعْنى: كَمَن مَثَلُهُ مِثْلَ مَن هو في الظُّلُماتِ، و﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ١٢٣ - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، والأكابِرُ جَمْعُ أكْبَرَ، قِيلَ: هُمُ الرُّؤَساءُ والعُظَماءُ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أقْدَرُ عَلى الفَسادِ، والمَكْرُ: الحِيلَةُ في مُخالَفَةِ الِاسْتِقامَةِ، وأصْلُهُ الفَتْلُ، فالماكِرُ يَفْتِلُ عَنْ الِاسْتِقامَةِ: أيْ يَصْرِفُ عَنْها ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: وبالُ مَكْرِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ بِذَلِكَ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ.
١٢٤ - ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِنَ الآياتِ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يُرِيدُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَكُونُوا أنْبِياءَ، وهَذا نَوْعٌ عَجِيبٌ مِن جَهالاتِهِمُ الغَرِيبَةِ وعَجْرَفَتِهِمُ العَجِيبَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] .
والمَعْنى: إذا جاءَتِ الأكابِرَ آيَةٌ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ أنْ يَجْعَلَهُ رَسُولًا ويَكُونُ مَوْضِعًا لَها وأمِينًا عَلَيْها، وقَدِ اخْتارَ أنْ يَجْعَلَ الرِّسالَةَ في مُحَمَّدٍ صَفِيِّهِ وحَبِيبِهِ، فَدَعُوا طَلَبَ ما لَيْسَ مِن شَأْنِكم، تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ أيْ ذُلٌّ وهَوانٌ، وأصْلُهُ مِنَ الصِّغَرِ كَأنَّ الذُّلَّ يُصَغِّرُ إلى المَرْءِ نَفْسَهُ، وقِيلَ: الصَّغارُ هو الرِّضا بِالذُّلِّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ قالَ: كانَ كافِرًا ضالًّا فَهَدَيْناهُ ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ هو القُرْآنُ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ يَعْنِي أبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ كانا مَيِّتَيْنِ في ضَلالَتِهِما فَأحْيا اللَّهُ عُمَرَ بِالإسْلامِ وأعَزَّهُ، وأقَرَّ أبا جَهْلٍ في ضَلالَتِهِ ومَوْتِهِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَعا فَقالَ: «اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، أوْ بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: سَلَّطْنا شِرارَها فَعَصَوْا فِيها، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ عُظَماءَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ الآيَةَ.
قالَ: قالُوا لِمُحَمَّدٍ حِينَ دَعاهم إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا لَكانَ فِينا مَن هو أحَقُّ أنْ يُؤْتى بِهِ مِن مُحَمَّدٍ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ قالَ: أشْرَكُوا ﴿صَغارٌ﴾ قالَ: هَوانٌ.
الأنعام 6:123
(p-٤٤٦)قَوْلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ أبِي نُعَيْمٍ بِإسْكانِها، قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى: أيِ انْظُرُوا وتَدَبَّرُوا ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾، ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] والمُرادُ بِالمَيِّتِ هُنا الكافِرُ أحْياهُ اللَّهُ بِالإسْلامِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: كانَ مَيْتًا حِينَ كانَ نُطْفَةً فَأحْيَيْناهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ السِّياقَ يُشْعِرُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ في تَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنِ اتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وكَثِيرًا ما تُسْتَعارُ الحَياةُ لِلْهِدايَةِ والعِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ فَأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ
؎وإنَّ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالعِلْمِ مَيِّتٌ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ
والنُّورُ عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والإيمانِ، وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ، وقِيلَ: هو النُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] والضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى النُّورِ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ أيْ كَمَن صِفَتُهُ في الظُّلُماتِ، ومَثَلُهُ مُبْتَدَأٌ والظُّلُماتُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِمَن، وقِيلَ: " مِثْلُ " زائِدَةٌ، والمَعْنى: كَمَن في الظُّلُماتِ كَما تَقُولُ: أنا أكْرَمُ مِن مِثْلِكَ: أيْ مِنكَ، ومِثْلُهُ ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
وقِيلَ: المَعْنى: كَمَن مَثَلُهُ مِثْلَ مَن هو في الظُّلُماتِ، و﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ١٢٣ - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، والأكابِرُ جَمْعُ أكْبَرَ، قِيلَ: هُمُ الرُّؤَساءُ والعُظَماءُ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أقْدَرُ عَلى الفَسادِ، والمَكْرُ: الحِيلَةُ في مُخالَفَةِ الِاسْتِقامَةِ، وأصْلُهُ الفَتْلُ، فالماكِرُ يَفْتِلُ عَنْ الِاسْتِقامَةِ: أيْ يَصْرِفُ عَنْها ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: وبالُ مَكْرِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ بِذَلِكَ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ.
١٢٤ - ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِنَ الآياتِ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يُرِيدُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَكُونُوا أنْبِياءَ، وهَذا نَوْعٌ عَجِيبٌ مِن جَهالاتِهِمُ الغَرِيبَةِ وعَجْرَفَتِهِمُ العَجِيبَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] .
والمَعْنى: إذا جاءَتِ الأكابِرَ آيَةٌ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ أنْ يَجْعَلَهُ رَسُولًا ويَكُونُ مَوْضِعًا لَها وأمِينًا عَلَيْها، وقَدِ اخْتارَ أنْ يَجْعَلَ الرِّسالَةَ في مُحَمَّدٍ صَفِيِّهِ وحَبِيبِهِ، فَدَعُوا طَلَبَ ما لَيْسَ مِن شَأْنِكم، تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ أيْ ذُلٌّ وهَوانٌ، وأصْلُهُ مِنَ الصِّغَرِ كَأنَّ الذُّلَّ يُصَغِّرُ إلى المَرْءِ نَفْسَهُ، وقِيلَ: الصَّغارُ هو الرِّضا بِالذُّلِّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ قالَ: كانَ كافِرًا ضالًّا فَهَدَيْناهُ ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ هو القُرْآنُ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ يَعْنِي أبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ كانا مَيِّتَيْنِ في ضَلالَتِهِما فَأحْيا اللَّهُ عُمَرَ بِالإسْلامِ وأعَزَّهُ، وأقَرَّ أبا جَهْلٍ في ضَلالَتِهِ ومَوْتِهِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَعا فَقالَ: «اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، أوْ بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: سَلَّطْنا شِرارَها فَعَصَوْا فِيها، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ عُظَماءَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ الآيَةَ.
قالَ: قالُوا لِمُحَمَّدٍ حِينَ دَعاهم إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا لَكانَ فِينا مَن هو أحَقُّ أنْ يُؤْتى بِهِ مِن مُحَمَّدٍ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ قالَ: أشْرَكُوا ﴿صَغارٌ﴾ قالَ: هَوانٌ.
الأنعام 6:124
(p-٤٤٦)قَوْلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الواوِ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ أبِي نُعَيْمٍ بِإسْكانِها، قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى: أيِ انْظُرُوا وتَدَبَّرُوا ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾، ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] والمُرادُ بِالمَيِّتِ هُنا الكافِرُ أحْياهُ اللَّهُ بِالإسْلامِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: كانَ مَيْتًا حِينَ كانَ نُطْفَةً فَأحْيَيْناهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ السِّياقَ يُشْعِرُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ في تَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنِ اتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وكَثِيرًا ما تُسْتَعارُ الحَياةُ لِلْهِدايَةِ والعِلْمِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ:
؎وفِي الجَهْلِ قَبْلَ المَوْتِ مَوْتٌ لِأهْلِهِ فَأجْسامُهم قَبْلَ القُبُورِ قُبُورُ
؎وإنَّ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالعِلْمِ مَيِّتٌ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ
والنُّورُ عِبارَةٌ عَنِ الهِدايَةِ والإيمانِ، وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ، وقِيلَ: هو النُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] والضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى النُّورِ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ أيْ كَمَن صِفَتُهُ في الظُّلُماتِ، ومَثَلُهُ مُبْتَدَأٌ والظُّلُماتُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِمَن، وقِيلَ: " مِثْلُ " زائِدَةٌ، والمَعْنى: كَمَن في الظُّلُماتِ كَما تَقُولُ: أنا أكْرَمُ مِن مِثْلِكَ: أيْ مِنكَ، ومِثْلُهُ ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
وقِيلَ: المَعْنى: كَمَن مَثَلُهُ مِثْلَ مَن هو في الظُّلُماتِ، و﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
قَوْلُهُ: ١٢٣ - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، والأكابِرُ جَمْعُ أكْبَرَ، قِيلَ: هُمُ الرُّؤَساءُ والعُظَماءُ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أقْدَرُ عَلى الفَسادِ، والمَكْرُ: الحِيلَةُ في مُخالَفَةِ الِاسْتِقامَةِ، وأصْلُهُ الفَتْلُ، فالماكِرُ يَفْتِلُ عَنْ الِاسْتِقامَةِ: أيْ يَصْرِفُ عَنْها ﴿وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: وبالُ مَكْرِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ بِذَلِكَ لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ.
١٢٤ - ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِنَ الآياتِ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يُرِيدُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَكُونُوا أنْبِياءَ، وهَذا نَوْعٌ عَجِيبٌ مِن جَهالاتِهِمُ الغَرِيبَةِ وعَجْرَفَتِهِمُ العَجِيبَةِ، ونَظِيرُهُ ﴿يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] .
والمَعْنى: إذا جاءَتِ الأكابِرَ آيَةٌ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ أيْ إنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ أنْ يَجْعَلَهُ رَسُولًا ويَكُونُ مَوْضِعًا لَها وأمِينًا عَلَيْها، وقَدِ اخْتارَ أنْ يَجْعَلَ الرِّسالَةَ في مُحَمَّدٍ صَفِيِّهِ وحَبِيبِهِ، فَدَعُوا طَلَبَ ما لَيْسَ مِن شَأْنِكم، تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ﴾ أيْ ذُلٌّ وهَوانٌ، وأصْلُهُ مِنَ الصِّغَرِ كَأنَّ الذُّلَّ يُصَغِّرُ إلى المَرْءِ نَفْسَهُ، وقِيلَ: الصَّغارُ هو الرِّضا بِالذُّلِّ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ قالَ: كانَ كافِرًا ضالًّا فَهَدَيْناهُ ﴿وجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾ هو القُرْآنُ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ يَعْنِي أبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ كانا مَيِّتَيْنِ في ضَلالَتِهِما فَأحْيا اللَّهُ عُمَرَ بِالإسْلامِ وأعَزَّهُ، وأقَرَّ أبا جَهْلٍ في ضَلالَتِهِ ومَوْتِهِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دَعا فَقالَ: «اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، أوْ بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: سَلَّطْنا شِرارَها فَعَصَوْا فِيها، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ عُظَماءَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ الآيَةَ.
قالَ: قالُوا لِمُحَمَّدٍ حِينَ دَعاهم إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا لَكانَ فِينا مَن هو أحَقُّ أنْ يُؤْتى بِهِ مِن مُحَمَّدٍ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ قالَ: أشْرَكُوا ﴿صَغارٌ﴾ قالَ: هَوانٌ.
الأنعام 6:125
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ الشَّرْحُ: الشَّقُّ وأصْلُهُ التَّوْسِعَةُ، وشَرَحْتُ الأمْرَ بَيَّنْتُهُ وأوْضَحْتُهُ، والمَعْنى: مَن يَرُدِ اللَّهُ هِدايَتَهُ لِلْحَقِّ يُوَسِّعْ صَدْرَهُ حَتّى يَقْبَلَهُ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ، ﴿ومَن يُرِدْ﴾ إضْلالَهُ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ضَيْقًا " بِالتَّخْفِيفِ مِثْلَ هَيْنٍ ولَيْنٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وهُما لُغَتانِ.
وقَرَأ نافِعٌ " حَرِجًا " بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ الضَّيِّقُ، كَرَّرَ المَعْنى تَأْكِيدًا، وحَسَّنَ ذَلِكَ اخْتِلافُ اللَّفْظِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ، جَمْعُ حَرَجَةٍ وهي شِدَّةُ الضَّيِّقِ، والحَرَجَةُ الغَيْظَةُ، والجَمْعُ حُرَجٍ وحُرُجاتٍ، (p-٤٤٧)ومِنهُ فُلانٌ يَتَحَرَّجُ: أيْ يُضَيِّقُ عَلى نَفْسِهِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: مَكانٌ حَرِجٌ وحَرَجٌ: أيْ ضَيِّقٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ لا تَصِلُ إلَيْهِ الرّاعِيَةُ، والحَرِجُ الإثْمُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَجُ أضْيَقُ الضِّيقِ.
وقالَ النَّحّاسُ: " حَرِجٌ " اسْمُ الفاعِلِ، وحَرَجٌ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الصُّعُودِ، شَبَّهَ الكافِرَ في ثِقَلِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِمَن يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُهُ كَصُعُودِ السَّماءِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ " يَصّاعَدُ " وأصْلُهُ يَتَصاعَدُ.
وقَرَأ الباقُونَ ﴿يَصَّعَّدُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وأصْلُهُ يَتَصَعَّدُ، ومَعْناهُ: يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَما يَتَكَلَّفُ مَن يُرِيدُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ.
وقِيلَ: المَعْنى عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: كادَ قَلْبُهُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَلى الإسْلامِ، و" ما " في " كَأنَّما " هي المُهَيِّئَةُ لِدُخُولِ كَأنَّ عَلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي هو جَعْلُ الصَّدْرِ ضَيِّقًا حَرَجًا يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ.
والرِّجْسُ في اللُّغَةِ: النَّتْنُ، وقِيلَ: هو العَذابُ، وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ يُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو ما لا خَيْرَ فِيهِ، والمَعْنى الأوَّلُ هو المَشْهُورُ في لُغَةِ العَرَبِ، وهو مُسْتَعارٌ لِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ وهو يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ﴾ إلى ما عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ هَذا طَرِيقُ دِينِ رَبِّكَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ: أيْ هَذا هو عادَةُ اللَّهِ في عِبادِهِ يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وانْتِصابُ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] .
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ بَيَّنّاها وأوْضَحْناها ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ما فِيها ويَتَفَهَّمُونَ مَعانِيها.
﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُتَذَكِّرِينَ الجَنَّةَ لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، أوْ دارُ الرَّبِّ السَّلامُ مُدَّخَرَةٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُوصِلُهم إلَيْها ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ أيْ ناصِرُهم، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُقَدَّرُ مُتَقَدِّمًا: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم أوْ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ نَقُولُ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ﴾، والمُرادُ حَشْرُ جَمِيعِ الخَلْقِ في القِيامَةِ، والمَعْشَرُ الجَماعَةُ: أيْ يَوْمُ الحَشْرِ نَقُولُ: يا جَماعَةَ الجِنِّ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقِيلَ: اسْتَكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ حَتّى صارُوا في حُكْمِ الأتْباعِ لَكم فَحَشَرْناهم مَعَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ، والمُرادُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالِاسْتِمْتاعِ التَّلَذُّذُ مِنَ الجِنِّ بِطاعَةِ الإنْسِ لَهم ودُخُولِهِمْ فِيما يُرِيدُونَ مِنهم ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ .
أمّا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِن تَلَذُّذِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ لَهم، وأمّا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ فَحَيْثُ قَبِلُوا مِنهم تَحْسِينَ المَعاصِي فَوَقَعُوا فِيها وتَلَذَّذُوا بِها، فَذَلِكَ هو اسْتِمْتاعُهم بِالجِنِّ، وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهُ كانَ إذا مَرَّ الرَّجُلُ بِوادٍ في سَفَرِهِ وخافَ عَلى نَفْسِهِ قالَ: أعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي مِن جَمِيعِ ما أحْذَرُ، يَعْنِي رَبَّهُ مِنَ الجِنِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ أنَّهم كانُوا يُصَدِّقُونَهم فِيما يَقُولُونَ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ الباطِلَةِ، واسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهم كانُوا يَتَلَذَّذُونَ بِما يُلْقُونَهُ إلَيْهِمْ مِنَ الأكاذِيبِ ويَنالُونَ بِذَلِكَ شَيْئًا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا كالكُهّانِ ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ اعْتِرافًا مِنهم بِالوُصُولِ إلى ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِمّا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ.
ولَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ أجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَ ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ مَوْضِعُ مَقامِكم.
والمَثْوى: المَقامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ المَعْنى الَّذِي تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ في هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهم يَخْلُدُونَ في النّارِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي يَشاءُ اللَّهُ عَدَمَ بَقائِهِمْ فِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ خالِدِينَ في النّارِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ ومِقْدارِ مُدَّتِهِمْ في الحِسابِ، وهو تَعَسُّفٌ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ ولا يَصْدُقُ عَلى مَن لَمْ يَدْخُلِ النّارَ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى النّارِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِغَيْرِها في بَعْضِ الأوْقاتِ كالزَّمْهَرِيرِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ لِأهْلِ الإيمانِ، و" ما " بِمَعْنى مِن أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ إيمانَهُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، وقِيلَ: المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ.
وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مُتَكَلَّفَةٌ، والَّذِي ألْجَأ إلَيْها ما ورَدَ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِن خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ أبَدًا، ولَكِنْ لا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ لا سِيَّما بَعْدَ وُرُودِهِ في القُرْآنِ مُكَرَّرًا كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ هُودٍ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ولَعَلَّهُ يَأْتِي هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ المَدائِنِيِّ رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ، ولَيْسَ هو مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالُوا: كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لَهُ ويَنْفَسِحُ لَهُ، قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فُضَيْلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ (p-٤٤٨)مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُسْتَوْرِدِ، وكانَ مِن ولَدِ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وهَذِهِ الطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، والمُتَّصِلُ يُقَوِّي المُرْسَلَ، فالمَصِيرُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ مُتَعَيَّنٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: كَما لا يَسْتَطِيعُ ابْنُ آدَمَ أنْ يَبْلُغَ السَّماءَ، كَذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْخُلَ الإيمانُ والتَّوْحِيدُ قَلْبَهُ حَتّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في الآيَةِ يَقُولُ: مَن أرادَ أنْ يُضِلَّهُ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ حَتّى يَجْعَلَ الإسْلامَ عَلَيْهِ ضَيِّقًا والإسْلامُ واسِعٌ وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يَقُولُ: ما جَعَلَ عَلَيْكم في الإسْلامِ مِن ضِيقٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: السَّلامُ هو اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اللَّهُ هو السَّلامُ، ودارُهُ الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ يَقُولُ: مِن ضَلالَتِكم إيّاهم، يَعْنِي أضْلَلْتُمْ مِنهم كَثِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ لا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا.
الأنعام 6:126
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ الشَّرْحُ: الشَّقُّ وأصْلُهُ التَّوْسِعَةُ، وشَرَحْتُ الأمْرَ بَيَّنْتُهُ وأوْضَحْتُهُ، والمَعْنى: مَن يَرُدِ اللَّهُ هِدايَتَهُ لِلْحَقِّ يُوَسِّعْ صَدْرَهُ حَتّى يَقْبَلَهُ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ، ﴿ومَن يُرِدْ﴾ إضْلالَهُ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ضَيْقًا " بِالتَّخْفِيفِ مِثْلَ هَيْنٍ ولَيْنٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وهُما لُغَتانِ.
وقَرَأ نافِعٌ " حَرِجًا " بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ الضَّيِّقُ، كَرَّرَ المَعْنى تَأْكِيدًا، وحَسَّنَ ذَلِكَ اخْتِلافُ اللَّفْظِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ، جَمْعُ حَرَجَةٍ وهي شِدَّةُ الضَّيِّقِ، والحَرَجَةُ الغَيْظَةُ، والجَمْعُ حُرَجٍ وحُرُجاتٍ، (p-٤٤٧)ومِنهُ فُلانٌ يَتَحَرَّجُ: أيْ يُضَيِّقُ عَلى نَفْسِهِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: مَكانٌ حَرِجٌ وحَرَجٌ: أيْ ضَيِّقٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ لا تَصِلُ إلَيْهِ الرّاعِيَةُ، والحَرِجُ الإثْمُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَجُ أضْيَقُ الضِّيقِ.
وقالَ النَّحّاسُ: " حَرِجٌ " اسْمُ الفاعِلِ، وحَرَجٌ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الصُّعُودِ، شَبَّهَ الكافِرَ في ثِقَلِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِمَن يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُهُ كَصُعُودِ السَّماءِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ " يَصّاعَدُ " وأصْلُهُ يَتَصاعَدُ.
وقَرَأ الباقُونَ ﴿يَصَّعَّدُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وأصْلُهُ يَتَصَعَّدُ، ومَعْناهُ: يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَما يَتَكَلَّفُ مَن يُرِيدُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ.
وقِيلَ: المَعْنى عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: كادَ قَلْبُهُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَلى الإسْلامِ، و" ما " في " كَأنَّما " هي المُهَيِّئَةُ لِدُخُولِ كَأنَّ عَلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي هو جَعْلُ الصَّدْرِ ضَيِّقًا حَرَجًا يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ.
والرِّجْسُ في اللُّغَةِ: النَّتْنُ، وقِيلَ: هو العَذابُ، وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ يُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو ما لا خَيْرَ فِيهِ، والمَعْنى الأوَّلُ هو المَشْهُورُ في لُغَةِ العَرَبِ، وهو مُسْتَعارٌ لِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ وهو يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ﴾ إلى ما عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ هَذا طَرِيقُ دِينِ رَبِّكَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ: أيْ هَذا هو عادَةُ اللَّهِ في عِبادِهِ يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وانْتِصابُ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] .
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ بَيَّنّاها وأوْضَحْناها ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ما فِيها ويَتَفَهَّمُونَ مَعانِيها.
﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُتَذَكِّرِينَ الجَنَّةَ لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، أوْ دارُ الرَّبِّ السَّلامُ مُدَّخَرَةٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُوصِلُهم إلَيْها ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ أيْ ناصِرُهم، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُقَدَّرُ مُتَقَدِّمًا: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم أوْ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ نَقُولُ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ﴾، والمُرادُ حَشْرُ جَمِيعِ الخَلْقِ في القِيامَةِ، والمَعْشَرُ الجَماعَةُ: أيْ يَوْمُ الحَشْرِ نَقُولُ: يا جَماعَةَ الجِنِّ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقِيلَ: اسْتَكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ حَتّى صارُوا في حُكْمِ الأتْباعِ لَكم فَحَشَرْناهم مَعَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ، والمُرادُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالِاسْتِمْتاعِ التَّلَذُّذُ مِنَ الجِنِّ بِطاعَةِ الإنْسِ لَهم ودُخُولِهِمْ فِيما يُرِيدُونَ مِنهم ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ .
أمّا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِن تَلَذُّذِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ لَهم، وأمّا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ فَحَيْثُ قَبِلُوا مِنهم تَحْسِينَ المَعاصِي فَوَقَعُوا فِيها وتَلَذَّذُوا بِها، فَذَلِكَ هو اسْتِمْتاعُهم بِالجِنِّ، وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهُ كانَ إذا مَرَّ الرَّجُلُ بِوادٍ في سَفَرِهِ وخافَ عَلى نَفْسِهِ قالَ: أعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي مِن جَمِيعِ ما أحْذَرُ، يَعْنِي رَبَّهُ مِنَ الجِنِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ أنَّهم كانُوا يُصَدِّقُونَهم فِيما يَقُولُونَ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ الباطِلَةِ، واسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهم كانُوا يَتَلَذَّذُونَ بِما يُلْقُونَهُ إلَيْهِمْ مِنَ الأكاذِيبِ ويَنالُونَ بِذَلِكَ شَيْئًا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا كالكُهّانِ ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ اعْتِرافًا مِنهم بِالوُصُولِ إلى ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِمّا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ.
ولَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ أجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَ ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ مَوْضِعُ مَقامِكم.
والمَثْوى: المَقامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ المَعْنى الَّذِي تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ في هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهم يَخْلُدُونَ في النّارِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي يَشاءُ اللَّهُ عَدَمَ بَقائِهِمْ فِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ خالِدِينَ في النّارِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ ومِقْدارِ مُدَّتِهِمْ في الحِسابِ، وهو تَعَسُّفٌ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ ولا يَصْدُقُ عَلى مَن لَمْ يَدْخُلِ النّارَ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى النّارِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِغَيْرِها في بَعْضِ الأوْقاتِ كالزَّمْهَرِيرِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ لِأهْلِ الإيمانِ، و" ما " بِمَعْنى مِن أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ إيمانَهُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، وقِيلَ: المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ.
وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مُتَكَلَّفَةٌ، والَّذِي ألْجَأ إلَيْها ما ورَدَ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِن خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ أبَدًا، ولَكِنْ لا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ لا سِيَّما بَعْدَ وُرُودِهِ في القُرْآنِ مُكَرَّرًا كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ هُودٍ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ولَعَلَّهُ يَأْتِي هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ المَدائِنِيِّ رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ، ولَيْسَ هو مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالُوا: كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لَهُ ويَنْفَسِحُ لَهُ، قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فُضَيْلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ (p-٤٤٨)مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُسْتَوْرِدِ، وكانَ مِن ولَدِ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وهَذِهِ الطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، والمُتَّصِلُ يُقَوِّي المُرْسَلَ، فالمَصِيرُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ مُتَعَيَّنٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: كَما لا يَسْتَطِيعُ ابْنُ آدَمَ أنْ يَبْلُغَ السَّماءَ، كَذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْخُلَ الإيمانُ والتَّوْحِيدُ قَلْبَهُ حَتّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في الآيَةِ يَقُولُ: مَن أرادَ أنْ يُضِلَّهُ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ حَتّى يَجْعَلَ الإسْلامَ عَلَيْهِ ضَيِّقًا والإسْلامُ واسِعٌ وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يَقُولُ: ما جَعَلَ عَلَيْكم في الإسْلامِ مِن ضِيقٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: السَّلامُ هو اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اللَّهُ هو السَّلامُ، ودارُهُ الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ يَقُولُ: مِن ضَلالَتِكم إيّاهم، يَعْنِي أضْلَلْتُمْ مِنهم كَثِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ لا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا.
الأنعام 6:127
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ الشَّرْحُ: الشَّقُّ وأصْلُهُ التَّوْسِعَةُ، وشَرَحْتُ الأمْرَ بَيَّنْتُهُ وأوْضَحْتُهُ، والمَعْنى: مَن يَرُدِ اللَّهُ هِدايَتَهُ لِلْحَقِّ يُوَسِّعْ صَدْرَهُ حَتّى يَقْبَلَهُ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ، ﴿ومَن يُرِدْ﴾ إضْلالَهُ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ضَيْقًا " بِالتَّخْفِيفِ مِثْلَ هَيْنٍ ولَيْنٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وهُما لُغَتانِ.
وقَرَأ نافِعٌ " حَرِجًا " بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ الضَّيِّقُ، كَرَّرَ المَعْنى تَأْكِيدًا، وحَسَّنَ ذَلِكَ اخْتِلافُ اللَّفْظِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ، جَمْعُ حَرَجَةٍ وهي شِدَّةُ الضَّيِّقِ، والحَرَجَةُ الغَيْظَةُ، والجَمْعُ حُرَجٍ وحُرُجاتٍ، (p-٤٤٧)ومِنهُ فُلانٌ يَتَحَرَّجُ: أيْ يُضَيِّقُ عَلى نَفْسِهِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: مَكانٌ حَرِجٌ وحَرَجٌ: أيْ ضَيِّقٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ لا تَصِلُ إلَيْهِ الرّاعِيَةُ، والحَرِجُ الإثْمُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَجُ أضْيَقُ الضِّيقِ.
وقالَ النَّحّاسُ: " حَرِجٌ " اسْمُ الفاعِلِ، وحَرَجٌ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الصُّعُودِ، شَبَّهَ الكافِرَ في ثِقَلِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِمَن يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُهُ كَصُعُودِ السَّماءِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ " يَصّاعَدُ " وأصْلُهُ يَتَصاعَدُ.
وقَرَأ الباقُونَ ﴿يَصَّعَّدُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وأصْلُهُ يَتَصَعَّدُ، ومَعْناهُ: يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَما يَتَكَلَّفُ مَن يُرِيدُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ.
وقِيلَ: المَعْنى عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: كادَ قَلْبُهُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَلى الإسْلامِ، و" ما " في " كَأنَّما " هي المُهَيِّئَةُ لِدُخُولِ كَأنَّ عَلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي هو جَعْلُ الصَّدْرِ ضَيِّقًا حَرَجًا يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ.
والرِّجْسُ في اللُّغَةِ: النَّتْنُ، وقِيلَ: هو العَذابُ، وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ يُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو ما لا خَيْرَ فِيهِ، والمَعْنى الأوَّلُ هو المَشْهُورُ في لُغَةِ العَرَبِ، وهو مُسْتَعارٌ لِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ وهو يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ﴾ إلى ما عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ هَذا طَرِيقُ دِينِ رَبِّكَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ: أيْ هَذا هو عادَةُ اللَّهِ في عِبادِهِ يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وانْتِصابُ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] .
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ بَيَّنّاها وأوْضَحْناها ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ما فِيها ويَتَفَهَّمُونَ مَعانِيها.
﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُتَذَكِّرِينَ الجَنَّةَ لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، أوْ دارُ الرَّبِّ السَّلامُ مُدَّخَرَةٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُوصِلُهم إلَيْها ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ أيْ ناصِرُهم، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُقَدَّرُ مُتَقَدِّمًا: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم أوْ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ نَقُولُ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ﴾، والمُرادُ حَشْرُ جَمِيعِ الخَلْقِ في القِيامَةِ، والمَعْشَرُ الجَماعَةُ: أيْ يَوْمُ الحَشْرِ نَقُولُ: يا جَماعَةَ الجِنِّ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقِيلَ: اسْتَكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ حَتّى صارُوا في حُكْمِ الأتْباعِ لَكم فَحَشَرْناهم مَعَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ، والمُرادُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالِاسْتِمْتاعِ التَّلَذُّذُ مِنَ الجِنِّ بِطاعَةِ الإنْسِ لَهم ودُخُولِهِمْ فِيما يُرِيدُونَ مِنهم ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ .
أمّا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِن تَلَذُّذِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ لَهم، وأمّا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ فَحَيْثُ قَبِلُوا مِنهم تَحْسِينَ المَعاصِي فَوَقَعُوا فِيها وتَلَذَّذُوا بِها، فَذَلِكَ هو اسْتِمْتاعُهم بِالجِنِّ، وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهُ كانَ إذا مَرَّ الرَّجُلُ بِوادٍ في سَفَرِهِ وخافَ عَلى نَفْسِهِ قالَ: أعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي مِن جَمِيعِ ما أحْذَرُ، يَعْنِي رَبَّهُ مِنَ الجِنِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ أنَّهم كانُوا يُصَدِّقُونَهم فِيما يَقُولُونَ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ الباطِلَةِ، واسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهم كانُوا يَتَلَذَّذُونَ بِما يُلْقُونَهُ إلَيْهِمْ مِنَ الأكاذِيبِ ويَنالُونَ بِذَلِكَ شَيْئًا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا كالكُهّانِ ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ اعْتِرافًا مِنهم بِالوُصُولِ إلى ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِمّا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ.
ولَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ أجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَ ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ مَوْضِعُ مَقامِكم.
والمَثْوى: المَقامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ المَعْنى الَّذِي تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ في هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهم يَخْلُدُونَ في النّارِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي يَشاءُ اللَّهُ عَدَمَ بَقائِهِمْ فِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ خالِدِينَ في النّارِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ ومِقْدارِ مُدَّتِهِمْ في الحِسابِ، وهو تَعَسُّفٌ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ ولا يَصْدُقُ عَلى مَن لَمْ يَدْخُلِ النّارَ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى النّارِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِغَيْرِها في بَعْضِ الأوْقاتِ كالزَّمْهَرِيرِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ لِأهْلِ الإيمانِ، و" ما " بِمَعْنى مِن أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ إيمانَهُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، وقِيلَ: المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ.
وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مُتَكَلَّفَةٌ، والَّذِي ألْجَأ إلَيْها ما ورَدَ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِن خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ أبَدًا، ولَكِنْ لا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ لا سِيَّما بَعْدَ وُرُودِهِ في القُرْآنِ مُكَرَّرًا كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ هُودٍ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ولَعَلَّهُ يَأْتِي هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ المَدائِنِيِّ رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ، ولَيْسَ هو مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالُوا: كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لَهُ ويَنْفَسِحُ لَهُ، قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فُضَيْلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ (p-٤٤٨)مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُسْتَوْرِدِ، وكانَ مِن ولَدِ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وهَذِهِ الطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، والمُتَّصِلُ يُقَوِّي المُرْسَلَ، فالمَصِيرُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ مُتَعَيَّنٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: كَما لا يَسْتَطِيعُ ابْنُ آدَمَ أنْ يَبْلُغَ السَّماءَ، كَذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْخُلَ الإيمانُ والتَّوْحِيدُ قَلْبَهُ حَتّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في الآيَةِ يَقُولُ: مَن أرادَ أنْ يُضِلَّهُ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ حَتّى يَجْعَلَ الإسْلامَ عَلَيْهِ ضَيِّقًا والإسْلامُ واسِعٌ وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يَقُولُ: ما جَعَلَ عَلَيْكم في الإسْلامِ مِن ضِيقٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: السَّلامُ هو اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اللَّهُ هو السَّلامُ، ودارُهُ الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ يَقُولُ: مِن ضَلالَتِكم إيّاهم، يَعْنِي أضْلَلْتُمْ مِنهم كَثِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ لا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا.
الأنعام 6:128
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ الشَّرْحُ: الشَّقُّ وأصْلُهُ التَّوْسِعَةُ، وشَرَحْتُ الأمْرَ بَيَّنْتُهُ وأوْضَحْتُهُ، والمَعْنى: مَن يَرُدِ اللَّهُ هِدايَتَهُ لِلْحَقِّ يُوَسِّعْ صَدْرَهُ حَتّى يَقْبَلَهُ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ، ﴿ومَن يُرِدْ﴾ إضْلالَهُ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " ضَيْقًا " بِالتَّخْفِيفِ مِثْلَ هَيْنٍ ولَيْنٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ وهُما لُغَتانِ.
وقَرَأ نافِعٌ " حَرِجًا " بِالكَسْرِ، ومَعْناهُ الضَّيِّقُ، كَرَّرَ المَعْنى تَأْكِيدًا، وحَسَّنَ ذَلِكَ اخْتِلافُ اللَّفْظِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ، جَمْعُ حَرَجَةٍ وهي شِدَّةُ الضَّيِّقِ، والحَرَجَةُ الغَيْظَةُ، والجَمْعُ حُرَجٍ وحُرُجاتٍ، (p-٤٤٧)ومِنهُ فُلانٌ يَتَحَرَّجُ: أيْ يُضَيِّقُ عَلى نَفْسِهِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: مَكانٌ حَرِجٌ وحَرَجٌ: أيْ ضَيِّقٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ لا تَصِلُ إلَيْهِ الرّاعِيَةُ، والحَرِجُ الإثْمُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الحَرَجُ أضْيَقُ الضِّيقِ.
وقالَ النَّحّاسُ: " حَرِجٌ " اسْمُ الفاعِلِ، وحَرَجٌ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ.
قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الصُّعُودِ، شَبَّهَ الكافِرَ في ثِقَلِ الإيمانِ عَلَيْهِ بِمَن يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُهُ كَصُعُودِ السَّماءِ.
وقَرَأ النَّخَعِيُّ " يَصّاعَدُ " وأصْلُهُ يَتَصاعَدُ.
وقَرَأ الباقُونَ ﴿يَصَّعَّدُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وأصْلُهُ يَتَصَعَّدُ، ومَعْناهُ: يَتَكَلَّفُ ما لا يُطِيقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كَما يَتَكَلَّفُ مَن يُرِيدُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ.
وقِيلَ: المَعْنى عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: كادَ قَلْبُهُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَلى الإسْلامِ، و" ما " في " كَأنَّما " هي المُهَيِّئَةُ لِدُخُولِ كَأنَّ عَلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي هو جَعْلُ الصَّدْرِ ضَيِّقًا حَرَجًا يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ.
والرِّجْسُ في اللُّغَةِ: النَّتْنُ، وقِيلَ: هو العَذابُ، وقِيلَ: هو الشَّيْطانُ يُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: هو ما لا خَيْرَ فِيهِ، والمَعْنى الأوَّلُ هو المَشْهُورُ في لُغَةِ العَرَبِ، وهو مُسْتَعارٌ لِما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ وهو يَصْدُقُ عَلى جَمِيعِ المَعانِي المَذْكُورَةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ﴾ إلى ما عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ: أيْ هَذا طَرِيقُ دِينِ رَبِّكَ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ: أيْ هَذا هو عادَةُ اللَّهِ في عِبادِهِ يَهْدِي مَن يَشاءُ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، وانْتِصابُ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عَلى الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] .
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ بَيَّنّاها وأوْضَحْناها ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ما فِيها ويَتَفَهَّمُونَ مَعانِيها.
﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُتَذَكِّرِينَ الجَنَّةَ لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، أوْ دارُ الرَّبِّ السَّلامُ مُدَّخَرَةٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُوصِلُهم إلَيْها ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ أيْ ناصِرُهم، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُقَدَّرُ مُتَقَدِّمًا: أيْ واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم أوْ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ نَقُولُ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ﴾، والمُرادُ حَشْرُ جَمِيعِ الخَلْقِ في القِيامَةِ، والمَعْشَرُ الجَماعَةُ: أيْ يَوْمُ الحَشْرِ نَقُولُ: يا جَماعَةَ الجِنِّ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقِيلَ: اسْتَكْثَرْتُمْ مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ حَتّى صارُوا في حُكْمِ الأتْباعِ لَكم فَحَشَرْناهم مَعَكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُمُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ، والمُرادُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالِاسْتِمْتاعِ التَّلَذُّذُ مِنَ الجِنِّ بِطاعَةِ الإنْسِ لَهم ودُخُولِهِمْ فِيما يُرِيدُونَ مِنهم ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ .
أمّا اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِن تَلَذُّذِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ لَهم، وأمّا اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ فَحَيْثُ قَبِلُوا مِنهم تَحْسِينَ المَعاصِي فَوَقَعُوا فِيها وتَلَذَّذُوا بِها، فَذَلِكَ هو اسْتِمْتاعُهم بِالجِنِّ، وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهُ كانَ إذا مَرَّ الرَّجُلُ بِوادٍ في سَفَرِهِ وخافَ عَلى نَفْسِهِ قالَ: أعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي مِن جَمِيعِ ما أحْذَرُ، يَعْنِي رَبَّهُ مِنَ الجِنِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ فَزادُوهم رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] وقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ أنَّهم كانُوا يُصَدِّقُونَهم فِيما يَقُولُونَ مِنَ الأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ الباطِلَةِ، واسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّهم كانُوا يَتَلَذَّذُونَ بِما يُلْقُونَهُ إلَيْهِمْ مِنَ الأكاذِيبِ ويَنالُونَ بِذَلِكَ شَيْئًا مِن حُظُوظِ الدُّنْيا كالكُهّانِ ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ اعْتِرافًا مِنهم بِالوُصُولِ إلى ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِمّا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ.
ولَمّا قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ أجابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَ ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ مَوْضِعُ مَقامِكم.
والمَثْوى: المَقامُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ المَعْنى الَّذِي تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ في هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهم يَخْلُدُونَ في النّارِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي يَشاءُ اللَّهُ عَدَمَ بَقائِهِمْ فِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ خالِدِينَ في النّارِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ ومِقْدارِ مُدَّتِهِمْ في الحِسابِ، وهو تَعَسُّفٌ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ ولا يَصْدُقُ عَلى مَن لَمْ يَدْخُلِ النّارَ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى النّارِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِغَيْرِها في بَعْضِ الأوْقاتِ كالزَّمْهَرِيرِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ لِأهْلِ الإيمانِ، و" ما " بِمَعْنى مِن أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ إيمانَهُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، وقِيلَ: المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ.
وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مُتَكَلَّفَةٌ، والَّذِي ألْجَأ إلَيْها ما ورَدَ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِن خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ أبَدًا، ولَكِنْ لا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ لا سِيَّما بَعْدَ وُرُودِهِ في القُرْآنِ مُكَرَّرًا كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ هُودٍ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ولَعَلَّهُ يَأْتِي هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ المَدائِنِيِّ رَجُلٌ مِن بَنِي هاشِمٍ، ولَيْسَ هو مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ قالُوا: كَيْفَ يَشْرَحُ صَدْرَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لَهُ ويَنْفَسِحُ لَهُ، قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فُضَيْلٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ (p-٤٤٨)مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُسْتَوْرِدِ، وكانَ مِن ولَدِ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وهَذِهِ الطُّرُقُ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا، والمُتَّصِلُ يُقَوِّي المُرْسَلَ، فالمَصِيرُ إلى هَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ مُتَعَيَّنٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: كَما لا يَسْتَطِيعُ ابْنُ آدَمَ أنْ يَبْلُغَ السَّماءَ، كَذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْخُلَ الإيمانُ والتَّوْحِيدُ قَلْبَهُ حَتّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ في قَلْبِهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْهُ في الآيَةِ يَقُولُ: مَن أرادَ أنْ يُضِلَّهُ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ حَتّى يَجْعَلَ الإسْلامَ عَلَيْهِ ضَيِّقًا والإسْلامُ واسِعٌ وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يَقُولُ: ما جَعَلَ عَلَيْكم في الإسْلامِ مِن ضِيقٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: السَّلامُ هو اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: اللَّهُ هو السَّلامُ، ودارُهُ الجَنَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ يَقُولُ: مِن ضَلالَتِكم إيّاهم، يَعْنِي أضْلَلْتُمْ مِنهم كَثِيرًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ لا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا.
الأنعام 6:129
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ أيْ مِثْلُ ما جَعَلْنا بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ ما سَلَفَ ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ والمَعْنى: نَجْعَلُ بَعْضَهم يَتَوَلّى البَعْضَ فَيَكُونُونَ أوْلِياءَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِنَ البَعْضِ، فَمَعْنى نُوَلِّي عَلى هَذا: نَجْعَلُهُ ولِيًّا لَهُ.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: مَعْناهُ نُسَلِّطُ ظَلَمَةَ الجِنِّ عَلى ظَلَمَةِ الإنْسِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المَعْنى: نُسَلِّطُ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى بَعْضٍ فَيُهْلِكُهُ ويُذِلُّهُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ عَلى هَذا تَهْدِيدٌ لِلظَّلَمَةِ بِأنَّ مَن لَمْ يَمْتَنِعْ مِن ظُلْمِهِ مِنهم سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ظالِمًا آخَرَ.
وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: إذا رَأيْتَ ظالِمًا يَنْتَقِمُ مِن ظالِمٍ فَقِفْ وانْظُرْ مُتَعَجِّبًا، وقِيلَ: مَعْنى نُوَلِّي: نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ فِيما يَخْتارُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ لِلذُّنُوبِ ولَّيْنا بَعْضَهم بَعْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ أيْ يَوْمَ نَحْشُرُهم نَقُولُ لَهم: ﴿ألَمْ يَأْتِكم﴾ أوْ هو شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ في الحَشْرِ، وظاهِرُهُ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ في الدُّنْيا إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم، كَما يَبْعَثُ إلى الإنْسِ رُسُلًا مِنهم، وقِيلَ: مَعْنى مِنكم: أيْ مِمَّنْ هو مُجانِسٌ لَكم في الخَلْقِ والتَّكْلِيفِ، والقَصْدِ بِالمُخاطَبَةِ، فَإنَّ الجِنَّ والإنْسَ مُتَحِدُونَ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً فَهم مِن جِنْسِ الجِنِّ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن بابِ تَغْلِيبِ الإنْسِ عَلى الجِنِّ كَما يُغَلَّبُ الذَّكَرُ عَلى الأُنْثى، وقِيلَ: المُرادُ بِالرُّسُلِ إلى الجِنِّ هاهُنا هُمُ النُّذُرُ مِنهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٍ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى القَصِّ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ هَذا إقْرارٌ مِنهم بِأنَّ حُجَّةَ اللَّهِ لازِمَةٌ لَهم بِإرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُمْلَةُ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ هَذِهِ شَهادَةٌ أُخْرى مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم كانُوا كافِرِينَ في الدُّنْيا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُفِيدُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ المُصَرِّحَةِ بِإقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم يُقِرُّونَ في بَعْضِ مُواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ ويُنْكِرُونَ في بَعْضٍ آخَرَ لِطُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ، واضْطِرابِ القُلُوبِ فِيهِ وطَيَشانِ العُقُولِ، وانْغِلاقِ الأفْهامِ وتَبَلُّدِ الأذْهانِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.
وأنْ في ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى: ذَلِكَ أنَّ الشَّأْنَ ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، والباءُ في بِظُلْمٍ سَبَبِيَّةٌ: أيْ لَمْ أكُنْ أُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن يَظْلِمُ مِنهم، والحالُ أنَّ أهْلَها غافِلُونَ، لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رَسُولًا.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى عِبادِهِ لِأنَّهُ لا يُهْلِكُ مَن عَصاهُ بِالكُفْرِ مِنَ القُرى، والحالُ أنَّهم غافِلُونَ عَنِ الإعْذارِ والإنْذارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وارْتِفاعِ الغَفْلَةِ عَنْهم بِإنْذارِ الأنْبِياءِ لَهم: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقِيلَ: المَعْنى: ما كانَ اللَّهُ مُهْلِكَ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ مِنهُ، فَهو سُبْحانَهُ يَتَعالى عَنِ الظُّلْمِ بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم بَعْدَ أنْ يَسْتَحِقُّوا ذَلِكَ وتَرْتَفِعَ الغَفْلَةُ عَنْهم بِإرْسالِ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أهْلَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن يَظْلِمُ مِنهم مَعَ كَوْنِ الآخَرِينَ غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ لِكُلٍّ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ دَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ مِمّا عَمِلُوا فَنُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩]، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُطِيعَ مِنَ الجِنِّ في الجَنَّةِ، والعاصِي في النّارِ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والغَفْلَةُ ذَهابُ الشَّيْءِ عَنْكَ لِاشْتِغالِكَ بِغَيْرِهِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، (p-٤٤٩)وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ قالَ: يُوَلِّي اللَّهُ بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا في الدُّنْيا يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ مِثْلَ ما حَكَيْنا عَنْهُ قَرِيبًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الأعْمَشِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: سَمِعْتُهم يَقُولُونَ: إذا فَسَدَ الزَّمانُ أُمِّرَ عَلَيْهِمْ شِرارُهم.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ هاشِمٍ حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ أبِي إسْحاقَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَما تَكُونُونَ كَذَلِكَ يُؤَمَّرُ عَلَيْكم» .
قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا مُنْقَطِعٌ ويَحْيى ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُسُلٌ مِنكم﴾ قالَ: لَيْسَ في الجِنِّ رُسُلٌ، وإنَّما الرُّسُلُ في الإنْسِ، والنِّذارَةُ في الجِنِّ، وقَرَأ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: الجِنُّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسْلِمُو الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ أباهم مِنَ الجَنَّةِ فَلا يُعِيدُهُ ولا يُعِيدُ ولَدَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الخَلْقُ أرْبَعَةٌ فَخَلْقٌ في الجَنَّةِ كُلُّهم، وخَلْقٌ في النّارِ كُلُّهم، وخَلْقانِ في الجَنَّةِ والنّارِ، فَأمّا الَّذِينَ في الجَنَّةِ كُلُّهم فالمَلائِكَةُ، وأمّا الَّذِينَ في النّارِ كُلُّهم فالشَّياطِينُ، وأمّا الَّذِينَ في الجَنَّةِ والنّارِ فالإنْسُ والجِنُّ، لَهُمُ الثَّوابُ وعَلَيْهِمُ العِقابُ.
الأنعام 6:130
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ أيْ مِثْلُ ما جَعَلْنا بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ ما سَلَفَ ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ والمَعْنى: نَجْعَلُ بَعْضَهم يَتَوَلّى البَعْضَ فَيَكُونُونَ أوْلِياءَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِنَ البَعْضِ، فَمَعْنى نُوَلِّي عَلى هَذا: نَجْعَلُهُ ولِيًّا لَهُ.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: مَعْناهُ نُسَلِّطُ ظَلَمَةَ الجِنِّ عَلى ظَلَمَةِ الإنْسِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المَعْنى: نُسَلِّطُ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى بَعْضٍ فَيُهْلِكُهُ ويُذِلُّهُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ عَلى هَذا تَهْدِيدٌ لِلظَّلَمَةِ بِأنَّ مَن لَمْ يَمْتَنِعْ مِن ظُلْمِهِ مِنهم سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ظالِمًا آخَرَ.
وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: إذا رَأيْتَ ظالِمًا يَنْتَقِمُ مِن ظالِمٍ فَقِفْ وانْظُرْ مُتَعَجِّبًا، وقِيلَ: مَعْنى نُوَلِّي: نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ فِيما يَخْتارُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ لِلذُّنُوبِ ولَّيْنا بَعْضَهم بَعْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ أيْ يَوْمَ نَحْشُرُهم نَقُولُ لَهم: ﴿ألَمْ يَأْتِكم﴾ أوْ هو شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ في الحَشْرِ، وظاهِرُهُ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ في الدُّنْيا إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم، كَما يَبْعَثُ إلى الإنْسِ رُسُلًا مِنهم، وقِيلَ: مَعْنى مِنكم: أيْ مِمَّنْ هو مُجانِسٌ لَكم في الخَلْقِ والتَّكْلِيفِ، والقَصْدِ بِالمُخاطَبَةِ، فَإنَّ الجِنَّ والإنْسَ مُتَحِدُونَ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً فَهم مِن جِنْسِ الجِنِّ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن بابِ تَغْلِيبِ الإنْسِ عَلى الجِنِّ كَما يُغَلَّبُ الذَّكَرُ عَلى الأُنْثى، وقِيلَ: المُرادُ بِالرُّسُلِ إلى الجِنِّ هاهُنا هُمُ النُّذُرُ مِنهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٍ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى القَصِّ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ هَذا إقْرارٌ مِنهم بِأنَّ حُجَّةَ اللَّهِ لازِمَةٌ لَهم بِإرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُمْلَةُ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ هَذِهِ شَهادَةٌ أُخْرى مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم كانُوا كافِرِينَ في الدُّنْيا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُفِيدُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ المُصَرِّحَةِ بِإقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم يُقِرُّونَ في بَعْضِ مُواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ ويُنْكِرُونَ في بَعْضٍ آخَرَ لِطُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ، واضْطِرابِ القُلُوبِ فِيهِ وطَيَشانِ العُقُولِ، وانْغِلاقِ الأفْهامِ وتَبَلُّدِ الأذْهانِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.
وأنْ في ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى: ذَلِكَ أنَّ الشَّأْنَ ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، والباءُ في بِظُلْمٍ سَبَبِيَّةٌ: أيْ لَمْ أكُنْ أُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن يَظْلِمُ مِنهم، والحالُ أنَّ أهْلَها غافِلُونَ، لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رَسُولًا.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى عِبادِهِ لِأنَّهُ لا يُهْلِكُ مَن عَصاهُ بِالكُفْرِ مِنَ القُرى، والحالُ أنَّهم غافِلُونَ عَنِ الإعْذارِ والإنْذارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وارْتِفاعِ الغَفْلَةِ عَنْهم بِإنْذارِ الأنْبِياءِ لَهم: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقِيلَ: المَعْنى: ما كانَ اللَّهُ مُهْلِكَ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ مِنهُ، فَهو سُبْحانَهُ يَتَعالى عَنِ الظُّلْمِ بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم بَعْدَ أنْ يَسْتَحِقُّوا ذَلِكَ وتَرْتَفِعَ الغَفْلَةُ عَنْهم بِإرْسالِ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أهْلَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن يَظْلِمُ مِنهم مَعَ كَوْنِ الآخَرِينَ غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ لِكُلٍّ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ دَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ مِمّا عَمِلُوا فَنُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩]، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُطِيعَ مِنَ الجِنِّ في الجَنَّةِ، والعاصِي في النّارِ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والغَفْلَةُ ذَهابُ الشَّيْءِ عَنْكَ لِاشْتِغالِكَ بِغَيْرِهِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، (p-٤٤٩)وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ قالَ: يُوَلِّي اللَّهُ بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا في الدُّنْيا يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ مِثْلَ ما حَكَيْنا عَنْهُ قَرِيبًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الأعْمَشِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: سَمِعْتُهم يَقُولُونَ: إذا فَسَدَ الزَّمانُ أُمِّرَ عَلَيْهِمْ شِرارُهم.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ هاشِمٍ حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ أبِي إسْحاقَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَما تَكُونُونَ كَذَلِكَ يُؤَمَّرُ عَلَيْكم» .
قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا مُنْقَطِعٌ ويَحْيى ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُسُلٌ مِنكم﴾ قالَ: لَيْسَ في الجِنِّ رُسُلٌ، وإنَّما الرُّسُلُ في الإنْسِ، والنِّذارَةُ في الجِنِّ، وقَرَأ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: الجِنُّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسْلِمُو الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ أباهم مِنَ الجَنَّةِ فَلا يُعِيدُهُ ولا يُعِيدُ ولَدَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الخَلْقُ أرْبَعَةٌ فَخَلْقٌ في الجَنَّةِ كُلُّهم، وخَلْقٌ في النّارِ كُلُّهم، وخَلْقانِ في الجَنَّةِ والنّارِ، فَأمّا الَّذِينَ في الجَنَّةِ كُلُّهم فالمَلائِكَةُ، وأمّا الَّذِينَ في النّارِ كُلُّهم فالشَّياطِينُ، وأمّا الَّذِينَ في الجَنَّةِ والنّارِ فالإنْسُ والجِنُّ، لَهُمُ الثَّوابُ وعَلَيْهِمُ العِقابُ.
الأنعام 6:131
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ أيْ مِثْلُ ما جَعَلْنا بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ ما سَلَفَ ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ والمَعْنى: نَجْعَلُ بَعْضَهم يَتَوَلّى البَعْضَ فَيَكُونُونَ أوْلِياءَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِنَ البَعْضِ، فَمَعْنى نُوَلِّي عَلى هَذا: نَجْعَلُهُ ولِيًّا لَهُ.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: مَعْناهُ نُسَلِّطُ ظَلَمَةَ الجِنِّ عَلى ظَلَمَةِ الإنْسِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المَعْنى: نُسَلِّطُ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى بَعْضٍ فَيُهْلِكُهُ ويُذِلُّهُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ عَلى هَذا تَهْدِيدٌ لِلظَّلَمَةِ بِأنَّ مَن لَمْ يَمْتَنِعْ مِن ظُلْمِهِ مِنهم سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ظالِمًا آخَرَ.
وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: إذا رَأيْتَ ظالِمًا يَنْتَقِمُ مِن ظالِمٍ فَقِفْ وانْظُرْ مُتَعَجِّبًا، وقِيلَ: مَعْنى نُوَلِّي: نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ فِيما يَخْتارُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ لِلذُّنُوبِ ولَّيْنا بَعْضَهم بَعْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ أيْ يَوْمَ نَحْشُرُهم نَقُولُ لَهم: ﴿ألَمْ يَأْتِكم﴾ أوْ هو شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ في الحَشْرِ، وظاهِرُهُ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ في الدُّنْيا إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم، كَما يَبْعَثُ إلى الإنْسِ رُسُلًا مِنهم، وقِيلَ: مَعْنى مِنكم: أيْ مِمَّنْ هو مُجانِسٌ لَكم في الخَلْقِ والتَّكْلِيفِ، والقَصْدِ بِالمُخاطَبَةِ، فَإنَّ الجِنَّ والإنْسَ مُتَحِدُونَ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً فَهم مِن جِنْسِ الجِنِّ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن بابِ تَغْلِيبِ الإنْسِ عَلى الجِنِّ كَما يُغَلَّبُ الذَّكَرُ عَلى الأُنْثى، وقِيلَ: المُرادُ بِالرُّسُلِ إلى الجِنِّ هاهُنا هُمُ النُّذُرُ مِنهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٍ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى القَصِّ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ هَذا إقْرارٌ مِنهم بِأنَّ حُجَّةَ اللَّهِ لازِمَةٌ لَهم بِإرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُمْلَةُ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ هَذِهِ شَهادَةٌ أُخْرى مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم كانُوا كافِرِينَ في الدُّنْيا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُفِيدُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ المُصَرِّحَةِ بِإقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم يُقِرُّونَ في بَعْضِ مُواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ ويُنْكِرُونَ في بَعْضٍ آخَرَ لِطُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ، واضْطِرابِ القُلُوبِ فِيهِ وطَيَشانِ العُقُولِ، وانْغِلاقِ الأفْهامِ وتَبَلُّدِ الأذْهانِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.
وأنْ في ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى: ذَلِكَ أنَّ الشَّأْنَ ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، والباءُ في بِظُلْمٍ سَبَبِيَّةٌ: أيْ لَمْ أكُنْ أُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن يَظْلِمُ مِنهم، والحالُ أنَّ أهْلَها غافِلُونَ، لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رَسُولًا.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى عِبادِهِ لِأنَّهُ لا يُهْلِكُ مَن عَصاهُ بِالكُفْرِ مِنَ القُرى، والحالُ أنَّهم غافِلُونَ عَنِ الإعْذارِ والإنْذارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وارْتِفاعِ الغَفْلَةِ عَنْهم بِإنْذارِ الأنْبِياءِ لَهم: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقِيلَ: المَعْنى: ما كانَ اللَّهُ مُهْلِكَ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ مِنهُ، فَهو سُبْحانَهُ يَتَعالى عَنِ الظُّلْمِ بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم بَعْدَ أنْ يَسْتَحِقُّوا ذَلِكَ وتَرْتَفِعَ الغَفْلَةُ عَنْهم بِإرْسالِ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أهْلَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن يَظْلِمُ مِنهم مَعَ كَوْنِ الآخَرِينَ غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ لِكُلٍّ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ دَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ مِمّا عَمِلُوا فَنُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩]، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُطِيعَ مِنَ الجِنِّ في الجَنَّةِ، والعاصِي في النّارِ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والغَفْلَةُ ذَهابُ الشَّيْءِ عَنْكَ لِاشْتِغالِكَ بِغَيْرِهِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، (p-٤٤٩)وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ قالَ: يُوَلِّي اللَّهُ بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا في الدُّنْيا يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ مِثْلَ ما حَكَيْنا عَنْهُ قَرِيبًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الأعْمَشِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: سَمِعْتُهم يَقُولُونَ: إذا فَسَدَ الزَّمانُ أُمِّرَ عَلَيْهِمْ شِرارُهم.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ هاشِمٍ حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ أبِي إسْحاقَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَما تَكُونُونَ كَذَلِكَ يُؤَمَّرُ عَلَيْكم» .
قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا مُنْقَطِعٌ ويَحْيى ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُسُلٌ مِنكم﴾ قالَ: لَيْسَ في الجِنِّ رُسُلٌ، وإنَّما الرُّسُلُ في الإنْسِ، والنِّذارَةُ في الجِنِّ، وقَرَأ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: الجِنُّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسْلِمُو الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ أباهم مِنَ الجَنَّةِ فَلا يُعِيدُهُ ولا يُعِيدُ ولَدَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الخَلْقُ أرْبَعَةٌ فَخَلْقٌ في الجَنَّةِ كُلُّهم، وخَلْقٌ في النّارِ كُلُّهم، وخَلْقانِ في الجَنَّةِ والنّارِ، فَأمّا الَّذِينَ في الجَنَّةِ كُلُّهم فالمَلائِكَةُ، وأمّا الَّذِينَ في النّارِ كُلُّهم فالشَّياطِينُ، وأمّا الَّذِينَ في الجَنَّةِ والنّارِ فالإنْسُ والجِنُّ، لَهُمُ الثَّوابُ وعَلَيْهِمُ العِقابُ.
الأنعام 6:132
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ أيْ مِثْلُ ما جَعَلْنا بَيْنَ الجِنِّ والإنْسِ ما سَلَفَ ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ والمَعْنى: نَجْعَلُ بَعْضَهم يَتَوَلّى البَعْضَ فَيَكُونُونَ أوْلِياءَ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ يَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِنَ البَعْضِ، فَمَعْنى نُوَلِّي عَلى هَذا: نَجْعَلُهُ ولِيًّا لَهُ.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: مَعْناهُ نُسَلِّطُ ظَلَمَةَ الجِنِّ عَلى ظَلَمَةِ الإنْسِ.
ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّ المَعْنى: نُسَلِّطُ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى بَعْضٍ فَيُهْلِكُهُ ويُذِلُّهُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ عَلى هَذا تَهْدِيدٌ لِلظَّلَمَةِ بِأنَّ مَن لَمْ يَمْتَنِعْ مِن ظُلْمِهِ مِنهم سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ظالِمًا آخَرَ.
وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: إذا رَأيْتَ ظالِمًا يَنْتَقِمُ مِن ظالِمٍ فَقِفْ وانْظُرْ مُتَعَجِّبًا، وقِيلَ: مَعْنى نُوَلِّي: نَكِلُ بَعْضَهم إلى بَعْضٍ فِيما يَخْتارُونَهُ مِنَ الكُفْرِ، والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ لِلذُّنُوبِ ولَّيْنا بَعْضَهم بَعْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم﴾ أيْ يَوْمَ نَحْشُرُهم نَقُولُ لَهم: ﴿ألَمْ يَأْتِكم﴾ أوْ هو شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ في الحَشْرِ، وظاهِرُهُ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ في الدُّنْيا إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم، كَما يَبْعَثُ إلى الإنْسِ رُسُلًا مِنهم، وقِيلَ: مَعْنى مِنكم: أيْ مِمَّنْ هو مُجانِسٌ لَكم في الخَلْقِ والتَّكْلِيفِ، والقَصْدِ بِالمُخاطَبَةِ، فَإنَّ الجِنَّ والإنْسَ مُتَحِدُونَ في ذَلِكَ، وإنْ كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً فَهم مِن جِنْسِ الجِنِّ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن بابِ تَغْلِيبِ الإنْسِ عَلى الجِنِّ كَما يُغَلَّبُ الذَّكَرُ عَلى الأُنْثى، وقِيلَ: المُرادُ بِالرُّسُلِ إلى الجِنِّ هاهُنا هُمُ النُّذُرُ مِنهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
قَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٍ، قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى القَصِّ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ هَذا إقْرارٌ مِنهم بِأنَّ حُجَّةَ اللَّهِ لازِمَةٌ لَهم بِإرْسالِ رُسُلِهِ إلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُمْلَةُ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ هي جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ هَذِهِ شَهادَةٌ أُخْرى مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم كانُوا كافِرِينَ في الدُّنْيا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يُفِيدُ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ المُصَرِّحَةِ بِإقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم يُقِرُّونَ في بَعْضِ مُواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ ويُنْكِرُونَ في بَعْضٍ آخَرَ لِطُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ، واضْطِرابِ القُلُوبِ فِيهِ وطَيَشانِ العُقُولِ، وانْغِلاقِ الأفْهامِ وتَبَلُّدِ الأذْهانِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.
وأنْ في ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى: ذَلِكَ أنَّ الشَّأْنَ ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ أوْ هي المَصْدَرِيَّةُ، والباءُ في بِظُلْمٍ سَبَبِيَّةٌ: أيْ لَمْ أكُنْ أُهْلِكُ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن يَظْلِمُ مِنهم، والحالُ أنَّ أهْلَها غافِلُونَ، لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ إلَيْهِمْ رَسُولًا.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى عِبادِهِ لِأنَّهُ لا يُهْلِكُ مَن عَصاهُ بِالكُفْرِ مِنَ القُرى، والحالُ أنَّهم غافِلُونَ عَنِ الإعْذارِ والإنْذارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وارْتِفاعِ الغَفْلَةِ عَنْهم بِإنْذارِ الأنْبِياءِ لَهم: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقِيلَ: المَعْنى: ما كانَ اللَّهُ مُهْلِكَ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ مِنهُ، فَهو سُبْحانَهُ يَتَعالى عَنِ الظُّلْمِ بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم بَعْدَ أنْ يَسْتَحِقُّوا ذَلِكَ وتَرْتَفِعَ الغَفْلَةُ عَنْهم بِإرْسالِ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أهْلَ القُرى بِسَبَبِ ظُلْمِ مَن يَظْلِمُ مِنهم مَعَ كَوْنِ الآخَرِينَ غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ، فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ لِكُلٍّ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ دَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ مِمّا عَمِلُوا فَنُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهم وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩]، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُطِيعَ مِنَ الجِنِّ في الجَنَّةِ، والعاصِي في النّارِ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والشَّرِّ، والغَفْلَةُ ذَهابُ الشَّيْءِ عَنْكَ لِاشْتِغالِكَ بِغَيْرِهِ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ " تَعْمَلُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ، (p-٤٤٩)وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ قالَ: يُوَلِّي اللَّهُ بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا في الدُّنْيا يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ مِثْلَ ما حَكَيْنا عَنْهُ قَرِيبًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الأعْمَشِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: سَمِعْتُهم يَقُولُونَ: إذا فَسَدَ الزَّمانُ أُمِّرَ عَلَيْهِمْ شِرارُهم.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن طَرِيقِ يَحْيى بْنِ هاشِمٍ حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ أبِي إسْحاقَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «كَما تَكُونُونَ كَذَلِكَ يُؤَمَّرُ عَلَيْكم» .
قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا مُنْقَطِعٌ ويَحْيى ضَعِيفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُسُلٌ مِنكم﴾ قالَ: لَيْسَ في الجِنِّ رُسُلٌ، وإنَّما الرُّسُلُ في الإنْسِ، والنِّذارَةُ في الجِنِّ، وقَرَأ: ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: الجِنُّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: مُسْلِمُو الجِنِّ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ أباهم مِنَ الجَنَّةِ فَلا يُعِيدُهُ ولا يُعِيدُ ولَدَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، في العَظَمَةِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الخَلْقُ أرْبَعَةٌ فَخَلْقٌ في الجَنَّةِ كُلُّهم، وخَلْقٌ في النّارِ كُلُّهم، وخَلْقانِ في الجَنَّةِ والنّارِ، فَأمّا الَّذِينَ في الجَنَّةِ كُلُّهم فالمَلائِكَةُ، وأمّا الَّذِينَ في النّارِ كُلُّهم فالشَّياطِينُ، وأمّا الَّذِينَ في الجَنَّةِ والنّارِ فالإنْسُ والجِنُّ، لَهُمُ الثَّوابُ وعَلَيْهِمُ العِقابُ.
الأنعام 6:133
قَوْلُهُ: ١٣٣ - ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ خَلْقِهِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِمْ ولا إلى عِبادَتِهِمْ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهم ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهم، فَهو ذُو رَحْمَةٍ بِهِمْ لا يَكُونُ غِناهُ عَنْهم مانِعًا مِن رَحْمَتِهِ لَهم، وما أحْسَنَ هَذا الكَلامَ الرَّبّانِيَّ وأبْلَغَهُ، وما أقْوى الِاقْتِرانَ بَيْنَ الغِنى والرَّحْمَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَهم مَعَ الغِنى عَنْهم هي غايَةُ التَّفَضُّلِ والتَّطَوُّلِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العِبادُ العُصاةُ فَيَسْتَأْصِلْكم بِالعَذابِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِ إهْلاكِكم ما يَشاءُ مِن خَلْقِهِ مِمَّنْ هو أطْوَعُ لَهُ وأسْرَعُ إلى امْتِثالِ أحْكامِهِ مِنكم ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ ويَسْتَخْلِفُ اسْتِخْلافًا مِثْلَ إنْشائِكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ، قِيلَ: هم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَلَمْ يُهْلِكْهم ولا اسْتَخْلَفَ غَيْرَهم رَحْمَةً لَهم ولُطْفًا بِهِمْ.
١٣٤ - ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ مِنَ البَعْثِ والمُجازاةِ لَآتٍ لا مَحالَةَ فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ بِفائِتِينَ عَنْ ما هو نازِلٌ بِكم، وواقِعٌ عَلَيْكم: يُقالُ أعْجَزَنِي فُلانٌ: أيْ فاتَنِي وغَلَبَنِي.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم﴾ المَكانَةُ: الطَّرِيقَةُ، أيِ اثْبُتُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَإنِّي غَيْرُ مُبالٍ بِكم ولا مُكْتَرِثٍ بِكُفْرِكم، إنِّي ثابِتٌ عَلى ما أنا عَلَيْهِ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَن هو عَلى الحَقِّ ومَن هو عَلى الباطِلِ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، فَلا يَرِدُ ما يُقالُ كَيْفَ يَأْمُرُهم بِالثَّباتِ عَلى الكُفْرِ ؟ و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ الَّتِي يُحْمَدُ صاحِبُها عَلَيْها: أيْ مَن لَهُ النَّصْرُ في دارِ الدُّنْيا، ومَن لَهُ وِراثَةُ الأرْضِ، ومَن لَهُ الدّارُ الآخِرَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَكانَتِكم: تَمَكُّنُكم في الدُّنْيا، أيِ اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم، وقِيلَ: عَلى ناحِيَتِكم، وقِيلَ: عَلى مَوْضِعِكم.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " مَن يَكُونُ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لِلشَّأْنِ: أيْ لا يُفْلِحُ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الظُّلْمِ، وهو تَعْرِيضٌ لَهم بِعَدَمِ فَلاحِهِمْ لِكَوْنِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ هَذا بَيانُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ وتَأْثِيرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ مِمّا خَلَقَ مِن حَرْثِهِمْ ونِتاجِ دَوابِّهِمْ نَصِيبًا ولِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مِن ذَلِكَ يَصْرِفُونَهُ في سَدَنَتِها والقائِمِينَ بِخِدْمَتِها، فَإذا ذَهَبَ ما لِآلِهَتِهِمْ بِإنْفاقِهِ في ذَلِكَ عَوَّضُوا عَنْهُ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وقالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، والزَّعْمُ: الكَذِبُ.
قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والسُّلَمِيُّ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ: " بِزَعْمِهِمْ " بِضَمِّ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى المَصارِفِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ الصَّرْفَ فِيها كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، وقِرى الضَّيْفِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ أيْ يَجْعَلُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ ويُنْفِقُونَهُ في مَصالِحِها ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم في إيثارِ آلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ ذَكَرُوا عَلَيْهِ اسْمَ أصْنامِهِمْ، وإذا ذَبَحُوا ما لِأصْنامِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ، فَهَذا مَعْنى الوُصُولِ إلى اللَّهِ، والوُصُولِ إلى شُرَكائِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في ذَرَأ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهم في قِسْمَةِ أمْوالِهِمْ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ زَيَّنَ لَهم قَتْلَ أوْلادِهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: شُرَكاؤُهم هاهُنا هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَخْدُمُونَ الأوْثانَ، وقِيلَ: هُمُ الغُواةُ مِنَ النّاسِ وقِيلَ: هُمُ الشَّياطِينُ وأشارَ بِهَذا إلى الوَأْدِ، وهو دَفْنُ البَناتِ مَخافَةَ (p-٤٥٠)السَّبْيِ والحاجَةِ؛ وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا مِنَ الذُّكُورِ لَيَنَحَرَنَّ أحَدَهم كَما فَعَلَهُ عَبْدُ المَطَّلِبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَيَّنَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ قَتْلَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " زَيَّنَ " وجَرِّ " أوْلادِ " بِإضافَةِ " قَتْلَ " إلَيْهِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّهُ فاعِلُ زَيَّنَ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ الزّايِ ورَفْعِ قَتْلَ، وخَفْضِ أوْلادِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّ قَتْلَ هو نائِبُ الفاعِلِ، ورَفْعُ " شُرَكاؤُهم " بِتَقْدِيرِ يَجْعَلُ يَرْجِعُهُ: أيْ زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِيَبْكِ يَزِيدَ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ ما تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيْ يَبْكِيهِ ضارِعٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشّامِ بِضَمِّ الزّايِ، ورَفْعِ " قَتْلَ "، ونَصْبِ " أوْلاد "، وخَفْضِ شُرَكائِهِمْ عَلى أنَّ قَتْلَ مُضافٌ إلى شُرَكائِهِمْ، ومَعْمُولُهُ أوْلادُهم، فَفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما هو مُضافٌ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، ومِثْلُهُ في الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ عَلى ما تَسْتَمِرُّ ∗∗∗ وقَدْ شَفَتْ عَلائِلُ عَبْدِ القَيْسِ مِنها صُدُورِها
بِجَرِّ صُدُورِها، والتَّقْدِيرُ: شَفَتْ عَبْدَ القَيْسِ عَلائِلُ صُدُورِها.
قالَ النَّحّاسُ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَجُوزُ في كَلامٍ ولا في شِعْرٍ، وإنَّما أجازَ النَّحْوِيُّونَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ في الشِّعْرِ لِاتِّساعِهِمْ في الظُّرُوفِ، وهو أيِ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ بِهِ في الشِّعْرِ بَعِيدٌ، فَإجازَتُهُ في القُرْآنِ أبْعَدُ.
وقالَ أبُو غانِمٍ أحْمَدُ بْنُ حِمْدانَ النَّحْوِيُّ: إنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ هَذِهِ لا تَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ وهي زَلَّةُ عالِمٍ، وإذا زَلَّ العالِمُ لَمْ يَجُزِ اتِّباعُهُ ورُدَّ قَوْلُهُ إلى الإجْماعِ، وإنَّما أجازُوا في الضَّرُورَةِ لِلشّاعِرِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎كَما خَطَّ الكِتابَ بِكَفِّ يَوْمًا ∗∗∗ يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أوْ يُزِيلُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎لِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَن لامَها
وقالَ قَوْمٌ مِمَّنِ انْتَصَرَ لِهَذِهِ القِراءَةِ: إنَّها إذا ثَبَتَتْ بِالتَّواتُرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهي فَصِيحَةٌ لا قَبِيحَةٌ.
قالُوا: وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " شُرَكائِهِمْ " بِالياءِ.
وأقُولُ: دَعْوى التَّواتُرِ باطِلَةٌ بِإجْماعِ القُرّاءِ المُعْتَبَرِينَ كَما بَيَّنّا ذَلِكَ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَمَن قَرَأ بِما يُخالِفُ الوَجْهَ النَّحْوِيَّ فَقِراءَتُهُ رَدٌّ عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ لِصِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ بِما ورَدَ مِنَ الفَصْلِ في النَّظْمِ كَما قَدَّمْنا، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَزَجَجْتُها بِمَزْجَةٍ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مَزادَهْ
فَإنَّ ضَرُورَةَ الشِّعْرِ لا يُقاسُ عَلَيْها، وفي الآيَةِ قِراءَةٌ رابِعَةٌ وهي جَرُّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الشُّرَكاءَ بَدَلٌ مِنَ الأوْلادِ لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في النَّسَبِ والمِيراثِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ اللّامُ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ يُرْدُوهم، مِنَ الإرْداءِ وهو الإهْلاكُ ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ التَّزْيِينَ لِإهْلاكِهِمْ ولِخَلْطِ دِينِهِمْ عَلَيْهِمْ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ فِعْلِهِمْ ما فَعَلُوهُ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإذا كانَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ فَدَعْهم وافْتِراءَهم فَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبانِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: الذَّرِّيَّةُ الأصْلُ، والذُّرِّيَّةُ النَّسْلُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ قالَ: بِسابِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ قالَ: عَلى ناحِيَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآيَةَ.
قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِن ثِمارِهِمْ ومائِهِمْ نَصِيبًا ولِلشَّيْطانِ والأوْثانِ نَصِيبًا، فَإنْ سَقَطَ مِن ثَمَرِهِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلشَّياطِينِ في نَصِيبِ اللَّهِ رَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الشَّيْطانِ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ في نَصِيبِ اللَّهِ نَزَحُوهُ، فَهَذا ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِنَ الحَرْثِ وسَقْيِ الماءِ، وأمّا ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ مِنَ الأنْعامِ فَهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ المائِدَةِ ١٠٣ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ جُزْءًا ولِشُرَكائِهِمْ جُزْءًا، فَما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِمّا سَمَّوْا لِلَّهِ إلى جُزْءِ أوْثانِهِمْ تَرَكُوهُ وقالُوا اللَّهُ عَنْ هَذا غَنِيٌّ، وما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِن جُزْءِ أوْثانِهِمْ إلى جُزْءِ اللَّهِ أخَذُوهُ.
والأنْعامُ الَّتِي سَمَّوْا لِلَّهِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ قالَ: شَياطِينُهم يَأْمُرُونَهم أنْ يَئِدُوا أوْلادَهم خَوْفَ العَيْلَةَ.
الأنعام 6:134
قَوْلُهُ: ١٣٣ - ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ خَلْقِهِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِمْ ولا إلى عِبادَتِهِمْ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهم ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهم، فَهو ذُو رَحْمَةٍ بِهِمْ لا يَكُونُ غِناهُ عَنْهم مانِعًا مِن رَحْمَتِهِ لَهم، وما أحْسَنَ هَذا الكَلامَ الرَّبّانِيَّ وأبْلَغَهُ، وما أقْوى الِاقْتِرانَ بَيْنَ الغِنى والرَّحْمَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَهم مَعَ الغِنى عَنْهم هي غايَةُ التَّفَضُّلِ والتَّطَوُّلِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العِبادُ العُصاةُ فَيَسْتَأْصِلْكم بِالعَذابِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِ إهْلاكِكم ما يَشاءُ مِن خَلْقِهِ مِمَّنْ هو أطْوَعُ لَهُ وأسْرَعُ إلى امْتِثالِ أحْكامِهِ مِنكم ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ ويَسْتَخْلِفُ اسْتِخْلافًا مِثْلَ إنْشائِكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ، قِيلَ: هم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَلَمْ يُهْلِكْهم ولا اسْتَخْلَفَ غَيْرَهم رَحْمَةً لَهم ولُطْفًا بِهِمْ.
١٣٤ - ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ مِنَ البَعْثِ والمُجازاةِ لَآتٍ لا مَحالَةَ فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ بِفائِتِينَ عَنْ ما هو نازِلٌ بِكم، وواقِعٌ عَلَيْكم: يُقالُ أعْجَزَنِي فُلانٌ: أيْ فاتَنِي وغَلَبَنِي.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم﴾ المَكانَةُ: الطَّرِيقَةُ، أيِ اثْبُتُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَإنِّي غَيْرُ مُبالٍ بِكم ولا مُكْتَرِثٍ بِكُفْرِكم، إنِّي ثابِتٌ عَلى ما أنا عَلَيْهِ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَن هو عَلى الحَقِّ ومَن هو عَلى الباطِلِ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، فَلا يَرِدُ ما يُقالُ كَيْفَ يَأْمُرُهم بِالثَّباتِ عَلى الكُفْرِ ؟ و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ الَّتِي يُحْمَدُ صاحِبُها عَلَيْها: أيْ مَن لَهُ النَّصْرُ في دارِ الدُّنْيا، ومَن لَهُ وِراثَةُ الأرْضِ، ومَن لَهُ الدّارُ الآخِرَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَكانَتِكم: تَمَكُّنُكم في الدُّنْيا، أيِ اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم، وقِيلَ: عَلى ناحِيَتِكم، وقِيلَ: عَلى مَوْضِعِكم.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " مَن يَكُونُ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لِلشَّأْنِ: أيْ لا يُفْلِحُ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الظُّلْمِ، وهو تَعْرِيضٌ لَهم بِعَدَمِ فَلاحِهِمْ لِكَوْنِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ هَذا بَيانُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ وتَأْثِيرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ مِمّا خَلَقَ مِن حَرْثِهِمْ ونِتاجِ دَوابِّهِمْ نَصِيبًا ولِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مِن ذَلِكَ يَصْرِفُونَهُ في سَدَنَتِها والقائِمِينَ بِخِدْمَتِها، فَإذا ذَهَبَ ما لِآلِهَتِهِمْ بِإنْفاقِهِ في ذَلِكَ عَوَّضُوا عَنْهُ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وقالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، والزَّعْمُ: الكَذِبُ.
قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والسُّلَمِيُّ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ: " بِزَعْمِهِمْ " بِضَمِّ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى المَصارِفِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ الصَّرْفَ فِيها كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، وقِرى الضَّيْفِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ أيْ يَجْعَلُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ ويُنْفِقُونَهُ في مَصالِحِها ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم في إيثارِ آلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ ذَكَرُوا عَلَيْهِ اسْمَ أصْنامِهِمْ، وإذا ذَبَحُوا ما لِأصْنامِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ، فَهَذا مَعْنى الوُصُولِ إلى اللَّهِ، والوُصُولِ إلى شُرَكائِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في ذَرَأ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهم في قِسْمَةِ أمْوالِهِمْ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ زَيَّنَ لَهم قَتْلَ أوْلادِهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: شُرَكاؤُهم هاهُنا هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَخْدُمُونَ الأوْثانَ، وقِيلَ: هُمُ الغُواةُ مِنَ النّاسِ وقِيلَ: هُمُ الشَّياطِينُ وأشارَ بِهَذا إلى الوَأْدِ، وهو دَفْنُ البَناتِ مَخافَةَ (p-٤٥٠)السَّبْيِ والحاجَةِ؛ وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا مِنَ الذُّكُورِ لَيَنَحَرَنَّ أحَدَهم كَما فَعَلَهُ عَبْدُ المَطَّلِبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَيَّنَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ قَتْلَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " زَيَّنَ " وجَرِّ " أوْلادِ " بِإضافَةِ " قَتْلَ " إلَيْهِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّهُ فاعِلُ زَيَّنَ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ الزّايِ ورَفْعِ قَتْلَ، وخَفْضِ أوْلادِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّ قَتْلَ هو نائِبُ الفاعِلِ، ورَفْعُ " شُرَكاؤُهم " بِتَقْدِيرِ يَجْعَلُ يَرْجِعُهُ: أيْ زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِيَبْكِ يَزِيدَ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ ما تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيْ يَبْكِيهِ ضارِعٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشّامِ بِضَمِّ الزّايِ، ورَفْعِ " قَتْلَ "، ونَصْبِ " أوْلاد "، وخَفْضِ شُرَكائِهِمْ عَلى أنَّ قَتْلَ مُضافٌ إلى شُرَكائِهِمْ، ومَعْمُولُهُ أوْلادُهم، فَفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما هو مُضافٌ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، ومِثْلُهُ في الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ عَلى ما تَسْتَمِرُّ ∗∗∗ وقَدْ شَفَتْ عَلائِلُ عَبْدِ القَيْسِ مِنها صُدُورِها
بِجَرِّ صُدُورِها، والتَّقْدِيرُ: شَفَتْ عَبْدَ القَيْسِ عَلائِلُ صُدُورِها.
قالَ النَّحّاسُ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَجُوزُ في كَلامٍ ولا في شِعْرٍ، وإنَّما أجازَ النَّحْوِيُّونَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ في الشِّعْرِ لِاتِّساعِهِمْ في الظُّرُوفِ، وهو أيِ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ بِهِ في الشِّعْرِ بَعِيدٌ، فَإجازَتُهُ في القُرْآنِ أبْعَدُ.
وقالَ أبُو غانِمٍ أحْمَدُ بْنُ حِمْدانَ النَّحْوِيُّ: إنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ هَذِهِ لا تَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ وهي زَلَّةُ عالِمٍ، وإذا زَلَّ العالِمُ لَمْ يَجُزِ اتِّباعُهُ ورُدَّ قَوْلُهُ إلى الإجْماعِ، وإنَّما أجازُوا في الضَّرُورَةِ لِلشّاعِرِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎كَما خَطَّ الكِتابَ بِكَفِّ يَوْمًا ∗∗∗ يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أوْ يُزِيلُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎لِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَن لامَها
وقالَ قَوْمٌ مِمَّنِ انْتَصَرَ لِهَذِهِ القِراءَةِ: إنَّها إذا ثَبَتَتْ بِالتَّواتُرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهي فَصِيحَةٌ لا قَبِيحَةٌ.
قالُوا: وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " شُرَكائِهِمْ " بِالياءِ.
وأقُولُ: دَعْوى التَّواتُرِ باطِلَةٌ بِإجْماعِ القُرّاءِ المُعْتَبَرِينَ كَما بَيَّنّا ذَلِكَ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَمَن قَرَأ بِما يُخالِفُ الوَجْهَ النَّحْوِيَّ فَقِراءَتُهُ رَدٌّ عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ لِصِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ بِما ورَدَ مِنَ الفَصْلِ في النَّظْمِ كَما قَدَّمْنا، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَزَجَجْتُها بِمَزْجَةٍ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مَزادَهْ
فَإنَّ ضَرُورَةَ الشِّعْرِ لا يُقاسُ عَلَيْها، وفي الآيَةِ قِراءَةٌ رابِعَةٌ وهي جَرُّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الشُّرَكاءَ بَدَلٌ مِنَ الأوْلادِ لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في النَّسَبِ والمِيراثِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ اللّامُ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ يُرْدُوهم، مِنَ الإرْداءِ وهو الإهْلاكُ ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ التَّزْيِينَ لِإهْلاكِهِمْ ولِخَلْطِ دِينِهِمْ عَلَيْهِمْ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ فِعْلِهِمْ ما فَعَلُوهُ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإذا كانَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ فَدَعْهم وافْتِراءَهم فَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبانِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: الذَّرِّيَّةُ الأصْلُ، والذُّرِّيَّةُ النَّسْلُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ قالَ: بِسابِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ قالَ: عَلى ناحِيَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآيَةَ.
قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِن ثِمارِهِمْ ومائِهِمْ نَصِيبًا ولِلشَّيْطانِ والأوْثانِ نَصِيبًا، فَإنْ سَقَطَ مِن ثَمَرِهِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلشَّياطِينِ في نَصِيبِ اللَّهِ رَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الشَّيْطانِ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ في نَصِيبِ اللَّهِ نَزَحُوهُ، فَهَذا ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِنَ الحَرْثِ وسَقْيِ الماءِ، وأمّا ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ مِنَ الأنْعامِ فَهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ المائِدَةِ ١٠٣ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ جُزْءًا ولِشُرَكائِهِمْ جُزْءًا، فَما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِمّا سَمَّوْا لِلَّهِ إلى جُزْءِ أوْثانِهِمْ تَرَكُوهُ وقالُوا اللَّهُ عَنْ هَذا غَنِيٌّ، وما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِن جُزْءِ أوْثانِهِمْ إلى جُزْءِ اللَّهِ أخَذُوهُ.
والأنْعامُ الَّتِي سَمَّوْا لِلَّهِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ قالَ: شَياطِينُهم يَأْمُرُونَهم أنْ يَئِدُوا أوْلادَهم خَوْفَ العَيْلَةَ.
الأنعام 6:135
قَوْلُهُ: ١٣٣ - ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ خَلْقِهِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِمْ ولا إلى عِبادَتِهِمْ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهم ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهم، فَهو ذُو رَحْمَةٍ بِهِمْ لا يَكُونُ غِناهُ عَنْهم مانِعًا مِن رَحْمَتِهِ لَهم، وما أحْسَنَ هَذا الكَلامَ الرَّبّانِيَّ وأبْلَغَهُ، وما أقْوى الِاقْتِرانَ بَيْنَ الغِنى والرَّحْمَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَهم مَعَ الغِنى عَنْهم هي غايَةُ التَّفَضُّلِ والتَّطَوُّلِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العِبادُ العُصاةُ فَيَسْتَأْصِلْكم بِالعَذابِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِ إهْلاكِكم ما يَشاءُ مِن خَلْقِهِ مِمَّنْ هو أطْوَعُ لَهُ وأسْرَعُ إلى امْتِثالِ أحْكامِهِ مِنكم ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ ويَسْتَخْلِفُ اسْتِخْلافًا مِثْلَ إنْشائِكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ، قِيلَ: هم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَلَمْ يُهْلِكْهم ولا اسْتَخْلَفَ غَيْرَهم رَحْمَةً لَهم ولُطْفًا بِهِمْ.
١٣٤ - ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ مِنَ البَعْثِ والمُجازاةِ لَآتٍ لا مَحالَةَ فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ بِفائِتِينَ عَنْ ما هو نازِلٌ بِكم، وواقِعٌ عَلَيْكم: يُقالُ أعْجَزَنِي فُلانٌ: أيْ فاتَنِي وغَلَبَنِي.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم﴾ المَكانَةُ: الطَّرِيقَةُ، أيِ اثْبُتُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَإنِّي غَيْرُ مُبالٍ بِكم ولا مُكْتَرِثٍ بِكُفْرِكم، إنِّي ثابِتٌ عَلى ما أنا عَلَيْهِ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَن هو عَلى الحَقِّ ومَن هو عَلى الباطِلِ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، فَلا يَرِدُ ما يُقالُ كَيْفَ يَأْمُرُهم بِالثَّباتِ عَلى الكُفْرِ ؟ و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ الَّتِي يُحْمَدُ صاحِبُها عَلَيْها: أيْ مَن لَهُ النَّصْرُ في دارِ الدُّنْيا، ومَن لَهُ وِراثَةُ الأرْضِ، ومَن لَهُ الدّارُ الآخِرَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَكانَتِكم: تَمَكُّنُكم في الدُّنْيا، أيِ اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم، وقِيلَ: عَلى ناحِيَتِكم، وقِيلَ: عَلى مَوْضِعِكم.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " مَن يَكُونُ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لِلشَّأْنِ: أيْ لا يُفْلِحُ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الظُّلْمِ، وهو تَعْرِيضٌ لَهم بِعَدَمِ فَلاحِهِمْ لِكَوْنِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ هَذا بَيانُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ وتَأْثِيرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ مِمّا خَلَقَ مِن حَرْثِهِمْ ونِتاجِ دَوابِّهِمْ نَصِيبًا ولِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مِن ذَلِكَ يَصْرِفُونَهُ في سَدَنَتِها والقائِمِينَ بِخِدْمَتِها، فَإذا ذَهَبَ ما لِآلِهَتِهِمْ بِإنْفاقِهِ في ذَلِكَ عَوَّضُوا عَنْهُ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وقالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، والزَّعْمُ: الكَذِبُ.
قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والسُّلَمِيُّ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ: " بِزَعْمِهِمْ " بِضَمِّ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى المَصارِفِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ الصَّرْفَ فِيها كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، وقِرى الضَّيْفِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ أيْ يَجْعَلُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ ويُنْفِقُونَهُ في مَصالِحِها ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم في إيثارِ آلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ ذَكَرُوا عَلَيْهِ اسْمَ أصْنامِهِمْ، وإذا ذَبَحُوا ما لِأصْنامِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ، فَهَذا مَعْنى الوُصُولِ إلى اللَّهِ، والوُصُولِ إلى شُرَكائِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في ذَرَأ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهم في قِسْمَةِ أمْوالِهِمْ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ زَيَّنَ لَهم قَتْلَ أوْلادِهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: شُرَكاؤُهم هاهُنا هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَخْدُمُونَ الأوْثانَ، وقِيلَ: هُمُ الغُواةُ مِنَ النّاسِ وقِيلَ: هُمُ الشَّياطِينُ وأشارَ بِهَذا إلى الوَأْدِ، وهو دَفْنُ البَناتِ مَخافَةَ (p-٤٥٠)السَّبْيِ والحاجَةِ؛ وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا مِنَ الذُّكُورِ لَيَنَحَرَنَّ أحَدَهم كَما فَعَلَهُ عَبْدُ المَطَّلِبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَيَّنَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ قَتْلَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " زَيَّنَ " وجَرِّ " أوْلادِ " بِإضافَةِ " قَتْلَ " إلَيْهِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّهُ فاعِلُ زَيَّنَ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ الزّايِ ورَفْعِ قَتْلَ، وخَفْضِ أوْلادِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّ قَتْلَ هو نائِبُ الفاعِلِ، ورَفْعُ " شُرَكاؤُهم " بِتَقْدِيرِ يَجْعَلُ يَرْجِعُهُ: أيْ زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِيَبْكِ يَزِيدَ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ ما تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيْ يَبْكِيهِ ضارِعٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشّامِ بِضَمِّ الزّايِ، ورَفْعِ " قَتْلَ "، ونَصْبِ " أوْلاد "، وخَفْضِ شُرَكائِهِمْ عَلى أنَّ قَتْلَ مُضافٌ إلى شُرَكائِهِمْ، ومَعْمُولُهُ أوْلادُهم، فَفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما هو مُضافٌ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، ومِثْلُهُ في الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ عَلى ما تَسْتَمِرُّ ∗∗∗ وقَدْ شَفَتْ عَلائِلُ عَبْدِ القَيْسِ مِنها صُدُورِها
بِجَرِّ صُدُورِها، والتَّقْدِيرُ: شَفَتْ عَبْدَ القَيْسِ عَلائِلُ صُدُورِها.
قالَ النَّحّاسُ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَجُوزُ في كَلامٍ ولا في شِعْرٍ، وإنَّما أجازَ النَّحْوِيُّونَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ في الشِّعْرِ لِاتِّساعِهِمْ في الظُّرُوفِ، وهو أيِ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ بِهِ في الشِّعْرِ بَعِيدٌ، فَإجازَتُهُ في القُرْآنِ أبْعَدُ.
وقالَ أبُو غانِمٍ أحْمَدُ بْنُ حِمْدانَ النَّحْوِيُّ: إنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ هَذِهِ لا تَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ وهي زَلَّةُ عالِمٍ، وإذا زَلَّ العالِمُ لَمْ يَجُزِ اتِّباعُهُ ورُدَّ قَوْلُهُ إلى الإجْماعِ، وإنَّما أجازُوا في الضَّرُورَةِ لِلشّاعِرِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎كَما خَطَّ الكِتابَ بِكَفِّ يَوْمًا ∗∗∗ يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أوْ يُزِيلُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎لِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَن لامَها
وقالَ قَوْمٌ مِمَّنِ انْتَصَرَ لِهَذِهِ القِراءَةِ: إنَّها إذا ثَبَتَتْ بِالتَّواتُرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهي فَصِيحَةٌ لا قَبِيحَةٌ.
قالُوا: وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " شُرَكائِهِمْ " بِالياءِ.
وأقُولُ: دَعْوى التَّواتُرِ باطِلَةٌ بِإجْماعِ القُرّاءِ المُعْتَبَرِينَ كَما بَيَّنّا ذَلِكَ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَمَن قَرَأ بِما يُخالِفُ الوَجْهَ النَّحْوِيَّ فَقِراءَتُهُ رَدٌّ عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ لِصِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ بِما ورَدَ مِنَ الفَصْلِ في النَّظْمِ كَما قَدَّمْنا، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَزَجَجْتُها بِمَزْجَةٍ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مَزادَهْ
فَإنَّ ضَرُورَةَ الشِّعْرِ لا يُقاسُ عَلَيْها، وفي الآيَةِ قِراءَةٌ رابِعَةٌ وهي جَرُّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الشُّرَكاءَ بَدَلٌ مِنَ الأوْلادِ لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في النَّسَبِ والمِيراثِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ اللّامُ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ يُرْدُوهم، مِنَ الإرْداءِ وهو الإهْلاكُ ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ التَّزْيِينَ لِإهْلاكِهِمْ ولِخَلْطِ دِينِهِمْ عَلَيْهِمْ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ فِعْلِهِمْ ما فَعَلُوهُ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإذا كانَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ فَدَعْهم وافْتِراءَهم فَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبانِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: الذَّرِّيَّةُ الأصْلُ، والذُّرِّيَّةُ النَّسْلُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ قالَ: بِسابِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ قالَ: عَلى ناحِيَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآيَةَ.
قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِن ثِمارِهِمْ ومائِهِمْ نَصِيبًا ولِلشَّيْطانِ والأوْثانِ نَصِيبًا، فَإنْ سَقَطَ مِن ثَمَرِهِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلشَّياطِينِ في نَصِيبِ اللَّهِ رَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الشَّيْطانِ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ في نَصِيبِ اللَّهِ نَزَحُوهُ، فَهَذا ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِنَ الحَرْثِ وسَقْيِ الماءِ، وأمّا ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ مِنَ الأنْعامِ فَهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ المائِدَةِ ١٠٣ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ جُزْءًا ولِشُرَكائِهِمْ جُزْءًا، فَما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِمّا سَمَّوْا لِلَّهِ إلى جُزْءِ أوْثانِهِمْ تَرَكُوهُ وقالُوا اللَّهُ عَنْ هَذا غَنِيٌّ، وما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِن جُزْءِ أوْثانِهِمْ إلى جُزْءِ اللَّهِ أخَذُوهُ.
والأنْعامُ الَّتِي سَمَّوْا لِلَّهِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ قالَ: شَياطِينُهم يَأْمُرُونَهم أنْ يَئِدُوا أوْلادَهم خَوْفَ العَيْلَةَ.
الأنعام 6:136
قَوْلُهُ: ١٣٣ - ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ خَلْقِهِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِمْ ولا إلى عِبادَتِهِمْ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهم ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهم، فَهو ذُو رَحْمَةٍ بِهِمْ لا يَكُونُ غِناهُ عَنْهم مانِعًا مِن رَحْمَتِهِ لَهم، وما أحْسَنَ هَذا الكَلامَ الرَّبّانِيَّ وأبْلَغَهُ، وما أقْوى الِاقْتِرانَ بَيْنَ الغِنى والرَّحْمَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَهم مَعَ الغِنى عَنْهم هي غايَةُ التَّفَضُّلِ والتَّطَوُّلِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العِبادُ العُصاةُ فَيَسْتَأْصِلْكم بِالعَذابِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِ إهْلاكِكم ما يَشاءُ مِن خَلْقِهِ مِمَّنْ هو أطْوَعُ لَهُ وأسْرَعُ إلى امْتِثالِ أحْكامِهِ مِنكم ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ ويَسْتَخْلِفُ اسْتِخْلافًا مِثْلَ إنْشائِكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ، قِيلَ: هم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَلَمْ يُهْلِكْهم ولا اسْتَخْلَفَ غَيْرَهم رَحْمَةً لَهم ولُطْفًا بِهِمْ.
١٣٤ - ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ مِنَ البَعْثِ والمُجازاةِ لَآتٍ لا مَحالَةَ فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ بِفائِتِينَ عَنْ ما هو نازِلٌ بِكم، وواقِعٌ عَلَيْكم: يُقالُ أعْجَزَنِي فُلانٌ: أيْ فاتَنِي وغَلَبَنِي.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم﴾ المَكانَةُ: الطَّرِيقَةُ، أيِ اثْبُتُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَإنِّي غَيْرُ مُبالٍ بِكم ولا مُكْتَرِثٍ بِكُفْرِكم، إنِّي ثابِتٌ عَلى ما أنا عَلَيْهِ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَن هو عَلى الحَقِّ ومَن هو عَلى الباطِلِ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، فَلا يَرِدُ ما يُقالُ كَيْفَ يَأْمُرُهم بِالثَّباتِ عَلى الكُفْرِ ؟ و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ الَّتِي يُحْمَدُ صاحِبُها عَلَيْها: أيْ مَن لَهُ النَّصْرُ في دارِ الدُّنْيا، ومَن لَهُ وِراثَةُ الأرْضِ، ومَن لَهُ الدّارُ الآخِرَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَكانَتِكم: تَمَكُّنُكم في الدُّنْيا، أيِ اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم، وقِيلَ: عَلى ناحِيَتِكم، وقِيلَ: عَلى مَوْضِعِكم.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " مَن يَكُونُ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لِلشَّأْنِ: أيْ لا يُفْلِحُ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الظُّلْمِ، وهو تَعْرِيضٌ لَهم بِعَدَمِ فَلاحِهِمْ لِكَوْنِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ هَذا بَيانُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ وتَأْثِيرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ مِمّا خَلَقَ مِن حَرْثِهِمْ ونِتاجِ دَوابِّهِمْ نَصِيبًا ولِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مِن ذَلِكَ يَصْرِفُونَهُ في سَدَنَتِها والقائِمِينَ بِخِدْمَتِها، فَإذا ذَهَبَ ما لِآلِهَتِهِمْ بِإنْفاقِهِ في ذَلِكَ عَوَّضُوا عَنْهُ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وقالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، والزَّعْمُ: الكَذِبُ.
قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والسُّلَمِيُّ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ: " بِزَعْمِهِمْ " بِضَمِّ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى المَصارِفِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ الصَّرْفَ فِيها كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، وقِرى الضَّيْفِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ أيْ يَجْعَلُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ ويُنْفِقُونَهُ في مَصالِحِها ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم في إيثارِ آلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ ذَكَرُوا عَلَيْهِ اسْمَ أصْنامِهِمْ، وإذا ذَبَحُوا ما لِأصْنامِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ، فَهَذا مَعْنى الوُصُولِ إلى اللَّهِ، والوُصُولِ إلى شُرَكائِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في ذَرَأ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهم في قِسْمَةِ أمْوالِهِمْ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ زَيَّنَ لَهم قَتْلَ أوْلادِهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: شُرَكاؤُهم هاهُنا هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَخْدُمُونَ الأوْثانَ، وقِيلَ: هُمُ الغُواةُ مِنَ النّاسِ وقِيلَ: هُمُ الشَّياطِينُ وأشارَ بِهَذا إلى الوَأْدِ، وهو دَفْنُ البَناتِ مَخافَةَ (p-٤٥٠)السَّبْيِ والحاجَةِ؛ وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا مِنَ الذُّكُورِ لَيَنَحَرَنَّ أحَدَهم كَما فَعَلَهُ عَبْدُ المَطَّلِبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَيَّنَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ قَتْلَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " زَيَّنَ " وجَرِّ " أوْلادِ " بِإضافَةِ " قَتْلَ " إلَيْهِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّهُ فاعِلُ زَيَّنَ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ الزّايِ ورَفْعِ قَتْلَ، وخَفْضِ أوْلادِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّ قَتْلَ هو نائِبُ الفاعِلِ، ورَفْعُ " شُرَكاؤُهم " بِتَقْدِيرِ يَجْعَلُ يَرْجِعُهُ: أيْ زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِيَبْكِ يَزِيدَ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ ما تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيْ يَبْكِيهِ ضارِعٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشّامِ بِضَمِّ الزّايِ، ورَفْعِ " قَتْلَ "، ونَصْبِ " أوْلاد "، وخَفْضِ شُرَكائِهِمْ عَلى أنَّ قَتْلَ مُضافٌ إلى شُرَكائِهِمْ، ومَعْمُولُهُ أوْلادُهم، فَفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما هو مُضافٌ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، ومِثْلُهُ في الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ عَلى ما تَسْتَمِرُّ ∗∗∗ وقَدْ شَفَتْ عَلائِلُ عَبْدِ القَيْسِ مِنها صُدُورِها
بِجَرِّ صُدُورِها، والتَّقْدِيرُ: شَفَتْ عَبْدَ القَيْسِ عَلائِلُ صُدُورِها.
قالَ النَّحّاسُ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَجُوزُ في كَلامٍ ولا في شِعْرٍ، وإنَّما أجازَ النَّحْوِيُّونَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ في الشِّعْرِ لِاتِّساعِهِمْ في الظُّرُوفِ، وهو أيِ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ بِهِ في الشِّعْرِ بَعِيدٌ، فَإجازَتُهُ في القُرْآنِ أبْعَدُ.
وقالَ أبُو غانِمٍ أحْمَدُ بْنُ حِمْدانَ النَّحْوِيُّ: إنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ هَذِهِ لا تَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ وهي زَلَّةُ عالِمٍ، وإذا زَلَّ العالِمُ لَمْ يَجُزِ اتِّباعُهُ ورُدَّ قَوْلُهُ إلى الإجْماعِ، وإنَّما أجازُوا في الضَّرُورَةِ لِلشّاعِرِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎كَما خَطَّ الكِتابَ بِكَفِّ يَوْمًا ∗∗∗ يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أوْ يُزِيلُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎لِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَن لامَها
وقالَ قَوْمٌ مِمَّنِ انْتَصَرَ لِهَذِهِ القِراءَةِ: إنَّها إذا ثَبَتَتْ بِالتَّواتُرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهي فَصِيحَةٌ لا قَبِيحَةٌ.
قالُوا: وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " شُرَكائِهِمْ " بِالياءِ.
وأقُولُ: دَعْوى التَّواتُرِ باطِلَةٌ بِإجْماعِ القُرّاءِ المُعْتَبَرِينَ كَما بَيَّنّا ذَلِكَ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَمَن قَرَأ بِما يُخالِفُ الوَجْهَ النَّحْوِيَّ فَقِراءَتُهُ رَدٌّ عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ لِصِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ بِما ورَدَ مِنَ الفَصْلِ في النَّظْمِ كَما قَدَّمْنا، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَزَجَجْتُها بِمَزْجَةٍ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مَزادَهْ
فَإنَّ ضَرُورَةَ الشِّعْرِ لا يُقاسُ عَلَيْها، وفي الآيَةِ قِراءَةٌ رابِعَةٌ وهي جَرُّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الشُّرَكاءَ بَدَلٌ مِنَ الأوْلادِ لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في النَّسَبِ والمِيراثِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ اللّامُ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ يُرْدُوهم، مِنَ الإرْداءِ وهو الإهْلاكُ ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ التَّزْيِينَ لِإهْلاكِهِمْ ولِخَلْطِ دِينِهِمْ عَلَيْهِمْ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ فِعْلِهِمْ ما فَعَلُوهُ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإذا كانَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ فَدَعْهم وافْتِراءَهم فَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبانِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: الذَّرِّيَّةُ الأصْلُ، والذُّرِّيَّةُ النَّسْلُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ قالَ: بِسابِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ قالَ: عَلى ناحِيَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآيَةَ.
قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِن ثِمارِهِمْ ومائِهِمْ نَصِيبًا ولِلشَّيْطانِ والأوْثانِ نَصِيبًا، فَإنْ سَقَطَ مِن ثَمَرِهِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلشَّياطِينِ في نَصِيبِ اللَّهِ رَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الشَّيْطانِ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ في نَصِيبِ اللَّهِ نَزَحُوهُ، فَهَذا ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِنَ الحَرْثِ وسَقْيِ الماءِ، وأمّا ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ مِنَ الأنْعامِ فَهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ المائِدَةِ ١٠٣ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ جُزْءًا ولِشُرَكائِهِمْ جُزْءًا، فَما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِمّا سَمَّوْا لِلَّهِ إلى جُزْءِ أوْثانِهِمْ تَرَكُوهُ وقالُوا اللَّهُ عَنْ هَذا غَنِيٌّ، وما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِن جُزْءِ أوْثانِهِمْ إلى جُزْءِ اللَّهِ أخَذُوهُ.
والأنْعامُ الَّتِي سَمَّوْا لِلَّهِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ قالَ: شَياطِينُهم يَأْمُرُونَهم أنْ يَئِدُوا أوْلادَهم خَوْفَ العَيْلَةَ.
الأنعام 6:137
قَوْلُهُ: ١٣٣ - ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْ خَلْقِهِ لا يَحْتاجُ إلَيْهِمْ ولا إلى عِبادَتِهِمْ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهم ولا يَضُرُّهُ كُفْرُهم ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهم، فَهو ذُو رَحْمَةٍ بِهِمْ لا يَكُونُ غِناهُ عَنْهم مانِعًا مِن رَحْمَتِهِ لَهم، وما أحْسَنَ هَذا الكَلامَ الرَّبّانِيَّ وأبْلَغَهُ، وما أقْوى الِاقْتِرانَ بَيْنَ الغِنى والرَّحْمَةِ في هَذا المَقامِ، فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَهم مَعَ الغِنى عَنْهم هي غايَةُ التَّفَضُّلِ والتَّطَوُّلِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العِبادُ العُصاةُ فَيَسْتَأْصِلْكم بِالعَذابِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِ إهْلاكِكم ما يَشاءُ مِن خَلْقِهِ مِمَّنْ هو أطْوَعُ لَهُ وأسْرَعُ إلى امْتِثالِ أحْكامِهِ مِنكم ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ ويَسْتَخْلِفُ اسْتِخْلافًا مِثْلَ إنْشائِكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ، قِيلَ: هم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَلَمْ يُهْلِكْهم ولا اسْتَخْلَفَ غَيْرَهم رَحْمَةً لَهم ولُطْفًا بِهِمْ.
١٣٤ - ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ مِنَ البَعْثِ والمُجازاةِ لَآتٍ لا مَحالَةَ فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ بِفائِتِينَ عَنْ ما هو نازِلٌ بِكم، وواقِعٌ عَلَيْكم: يُقالُ أعْجَزَنِي فُلانٌ: أيْ فاتَنِي وغَلَبَنِي.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم﴾ المَكانَةُ: الطَّرِيقَةُ، أيِ اثْبُتُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، فَإنِّي غَيْرُ مُبالٍ بِكم ولا مُكْتَرِثٍ بِكُفْرِكم، إنِّي ثابِتٌ عَلى ما أنا عَلَيْهِ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مَن هو عَلى الحَقِّ ومَن هو عَلى الباطِلِ، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، فَلا يَرِدُ ما يُقالُ كَيْفَ يَأْمُرُهم بِالثَّباتِ عَلى الكُفْرِ ؟ و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ هي العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ الَّتِي يُحْمَدُ صاحِبُها عَلَيْها: أيْ مَن لَهُ النَّصْرُ في دارِ الدُّنْيا، ومَن لَهُ وِراثَةُ الأرْضِ، ومَن لَهُ الدّارُ الآخِرَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى مَكانَتِكم: تَمَكُّنُكم في الدُّنْيا، أيِ اعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم، وقِيلَ: عَلى ناحِيَتِكم، وقِيلَ: عَلى مَوْضِعِكم.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " مَن يَكُونُ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.
والضَّمِيرُ في ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لِلشَّأْنِ: أيْ لا يُفْلِحُ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَةِ الظُّلْمِ، وهو تَعْرِيضٌ لَهم بِعَدَمِ فَلاحِهِمْ لِكَوْنِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ.
قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ هَذا بَيانُ نَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ وجَهْلِهِمْ وتَأْثِيرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ جَعَلُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ مِمّا خَلَقَ مِن حَرْثِهِمْ ونِتاجِ دَوابِّهِمْ نَصِيبًا ولِآلِهَتِهِمْ نَصِيبًا مِن ذَلِكَ يَصْرِفُونَهُ في سَدَنَتِها والقائِمِينَ بِخِدْمَتِها، فَإذا ذَهَبَ ما لِآلِهَتِهِمْ بِإنْفاقِهِ في ذَلِكَ عَوَّضُوا عَنْهُ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وقالُوا: اللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، والزَّعْمُ: الكَذِبُ.
قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والسُّلَمِيُّ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ: " بِزَعْمِهِمْ " بِضَمِّ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى المَصارِفِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ الصَّرْفَ فِيها كالصَّدَقَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، وقِرى الضَّيْفِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ أيْ يَجْعَلُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ ويُنْفِقُونَهُ في مَصالِحِها ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم في إيثارِ آلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ ذَكَرُوا عَلَيْهِ اسْمَ أصْنامِهِمْ، وإذا ذَبَحُوا ما لِأصْنامِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ، فَهَذا مَعْنى الوُصُولِ إلى اللَّهِ، والوُصُولِ إلى شُرَكائِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ في ذَرَأ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ لَهم في قِسْمَةِ أمْوالِهِمْ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ زَيَّنَ لَهم قَتْلَ أوْلادِهِمْ.
قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: شُرَكاؤُهم هاهُنا هُمُ الَّذِينَ كانُوا يَخْدُمُونَ الأوْثانَ، وقِيلَ: هُمُ الغُواةُ مِنَ النّاسِ وقِيلَ: هُمُ الشَّياطِينُ وأشارَ بِهَذا إلى الوَأْدِ، وهو دَفْنُ البَناتِ مَخافَةَ (p-٤٥٠)السَّبْيِ والحاجَةِ؛ وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا مِنَ الذُّكُورِ لَيَنَحَرَنَّ أحَدَهم كَما فَعَلَهُ عَبْدُ المَطَّلِبِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ زَيَّنَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ قَتْلَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ " زَيَّنَ " وجَرِّ " أوْلادِ " بِإضافَةِ " قَتْلَ " إلَيْهِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّهُ فاعِلُ زَيَّنَ، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ الزّايِ ورَفْعِ قَتْلَ، وخَفْضِ أوْلادِ، ورَفْعِ " شُرَكاؤُهم " عَلى أنَّ قَتْلَ هو نائِبُ الفاعِلِ، ورَفْعُ " شُرَكاؤُهم " بِتَقْدِيرِ يَجْعَلُ يَرْجِعُهُ: أيْ زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لِيَبْكِ يَزِيدَ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ ما تُطِيحُ الطَّوائِحُ
أيْ يَبْكِيهِ ضارِعٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشّامِ بِضَمِّ الزّايِ، ورَفْعِ " قَتْلَ "، ونَصْبِ " أوْلاد "، وخَفْضِ شُرَكائِهِمْ عَلى أنَّ قَتْلَ مُضافٌ إلى شُرَكائِهِمْ، ومَعْمُولُهُ أوْلادُهم، فَفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما هو مُضافٌ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، ومِثْلُهُ في الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَمُرُّ عَلى ما تَسْتَمِرُّ ∗∗∗ وقَدْ شَفَتْ عَلائِلُ عَبْدِ القَيْسِ مِنها صُدُورِها
بِجَرِّ صُدُورِها، والتَّقْدِيرُ: شَفَتْ عَبْدَ القَيْسِ عَلائِلُ صُدُورِها.
قالَ النَّحّاسُ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَجُوزُ في كَلامٍ ولا في شِعْرٍ، وإنَّما أجازَ النَّحْوِيُّونَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ في الشِّعْرِ لِاتِّساعِهِمْ في الظُّرُوفِ، وهو أيِ الفَصْلُ بِالمَفْعُولِ بِهِ في الشِّعْرِ بَعِيدٌ، فَإجازَتُهُ في القُرْآنِ أبْعَدُ.
وقالَ أبُو غانِمٍ أحْمَدُ بْنُ حِمْدانَ النَّحْوِيُّ: إنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ هَذِهِ لا تَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ وهي زَلَّةُ عالِمٍ، وإذا زَلَّ العالِمُ لَمْ يَجُزِ اتِّباعُهُ ورُدَّ قَوْلُهُ إلى الإجْماعِ، وإنَّما أجازُوا في الضَّرُورَةِ لِلشّاعِرِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎كَما خَطَّ الكِتابَ بِكَفِّ يَوْمًا ∗∗∗ يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أوْ يُزِيلُ
وقَوْلِ الآخَرِ:
؎لِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَن لامَها
وقالَ قَوْمٌ مِمَّنِ انْتَصَرَ لِهَذِهِ القِراءَةِ: إنَّها إذا ثَبَتَتْ بِالتَّواتُرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَهي فَصِيحَةٌ لا قَبِيحَةٌ.
قالُوا: وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " شُرَكائِهِمْ " بِالياءِ.
وأقُولُ: دَعْوى التَّواتُرِ باطِلَةٌ بِإجْماعِ القُرّاءِ المُعْتَبَرِينَ كَما بَيَّنّا ذَلِكَ في رِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَمَن قَرَأ بِما يُخالِفُ الوَجْهَ النَّحْوِيَّ فَقِراءَتُهُ رَدٌّ عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ لِصِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ بِما ورَدَ مِنَ الفَصْلِ في النَّظْمِ كَما قَدَّمْنا، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فَزَجَجْتُها بِمَزْجَةٍ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصِ أبِي مَزادَهْ
فَإنَّ ضَرُورَةَ الشِّعْرِ لا يُقاسُ عَلَيْها، وفي الآيَةِ قِراءَةٌ رابِعَةٌ وهي جَرُّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الشُّرَكاءَ بَدَلٌ مِنَ الأوْلادِ لِكَوْنِهِمْ شُرَكاؤُهم في النَّسَبِ والمِيراثِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ اللّامُ لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ يُرْدُوهم، مِنَ الإرْداءِ وهو الإهْلاكُ ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ التَّزْيِينَ لِإهْلاكِهِمْ ولِخَلْطِ دِينِهِمْ عَلَيْهِمْ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ فِعْلِهِمْ ما فَعَلُوهُ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وإذا كانَ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ فَدَعْهم وافْتِراءَهم فَذَلِكَ لا يَضُرُّكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبانِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: الذَّرِّيَّةُ الأصْلُ، والذُّرِّيَّةُ النَّسْلُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ قالَ: بِسابِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ قالَ: عَلى ناحِيَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآيَةَ.
قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِن ثِمارِهِمْ ومائِهِمْ نَصِيبًا ولِلشَّيْطانِ والأوْثانِ نَصِيبًا، فَإنْ سَقَطَ مِن ثَمَرِهِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنْ سَقَطَ مِمّا جَعَلُوهُ لِلشَّياطِينِ في نَصِيبِ اللَّهِ رَدُّوهُ إلى نَصِيبِ الشَّيْطانِ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الشَّيْطانِ تَرَكُوهُ، وإنِ انْفَجَرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ في نَصِيبِ اللَّهِ نَزَحُوهُ، فَهَذا ما جَعَلُوا لِلَّهِ مِنَ الحَرْثِ وسَقْيِ الماءِ، وأمّا ما جَعَلُوهُ لِلشَّيْطانِ مِنَ الأنْعامِ فَهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ المائِدَةِ ١٠٣ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنِ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: جَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ جُزْءًا ولِشُرَكائِهِمْ جُزْءًا، فَما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِمّا سَمَّوْا لِلَّهِ إلى جُزْءِ أوْثانِهِمْ تَرَكُوهُ وقالُوا اللَّهُ عَنْ هَذا غَنِيٌّ، وما ذَهَبَ بِهِ الرِّيحُ مِن جُزْءِ أوْثانِهِمْ إلى جُزْءِ اللَّهِ أخَذُوهُ.
والأنْعامُ الَّتِي سَمَّوْا لِلَّهِ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم﴾ قالَ: شَياطِينُهم يَأْمُرُونَهم أنْ يَئِدُوا أوْلادَهم خَوْفَ العَيْلَةَ.
الأنعام 6:138
هَذا بَيانُ نَوْعٍ آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ.
والحِجْرُ بِكَسْرِ أوَّلِهِ وسُكُونِ ثانِيهِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ " حُجُرٌ " بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةَ، بِفَتْحِ الحاءِ وإسْكانِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ حَرَجٌ بِتَقْدِيمِ الرّاءِ عَلى الجِيمِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ أبِي، وهو مِنَ الحَرَجِ، يُقالُ: فُلانٌ يَتَحَرَّجُ: أيْ يُضَيِّقُ عَلى نَفْسِهِ الدُّخُولَ فِيما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ.
والحِجْرُ عَلى اخْتِلافِ القِراءاتِ فِيهِ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ: أيْ مَحْجُورٌ، وأصْلُهُ المَنعُ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ مَمْنُوعَةٌ، يَعْنُونَ أنَّها (p-٤٥١)لِأصْنامِهِمْ لا يَطْعَمُها إلّا مَن يَشاءُونَ بِزَعْمِهِمْ وهم خُدّامُ الأصْنامِ.
والقِسْمُ الثّانِي قَوْلُهم: ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ وهي البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والحامُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ مِمّا جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ أيْضًا.
والقِسْمُ الثّانِي أنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها وهي ما ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ فَإنَّهم يَذْبَحُونَها بِاسْمِ أصْنامِهِمْ لا بِاسْمِ اللَّهِ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ لا يَحُجُّونَ عَلَيْها افْتِراءً عَلى اللَّهِ: أيْ لِلِافْتِراءِ عَلَيْهِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ بِافْتِرائِهِمْ أوْ بِالَّذِي يَفْتَرُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " افْتِراءً " مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: أيِ افْتَرَوُا افْتِراءً، أوْ حالٌ: أيْ مُفْتَرِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى العِلَّةِ أظْهَرُ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ البَحائِرَ والسَّوائِبَ مِنَ الأجِنَّةِ ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ أيْ حَلالٌ لَهم ﴿ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ أيْ عَلى جِنْسِ الأزْواجِ، وهُنَّ النِّساءُ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ البَناتُ والأخَواتُ ونَحْوُهُنَّ، وقِيلَ: هو اللَّبَنُ جَعَلُوهُ حَلالًا لِلذُّكُورِ ومُحَرَّمًا عَلى الإناثِ، والهاءُ في " خالِصَةٌ " لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُوصِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ.
وقالَ الفَرّاءُ: تَأْنِيثُها لِتَأْنِيثِ الأنْعامِ.
ورُدَّ بِأنَّ ما في بُطُونِ الأنْعامِ غَيْرُ الأنْعامِ، وتُعُقِّبَ هَذا الرَّدُّ بِأنَّ ما في بُطُونِ الأنْعامِ أنْعامٌ، وهي الأجِنَّةُ، و" ما " عِبارَةٌ عَنْها، فَيَكُونُ تَأْنِيثُ " خالِصَةٌ " بِاعْتِبارِ مَعْنى ما، وتَذْكِيرُ " مُحَرَّمٌ " بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
وقَرَأ الأعْمَشُ " خالِصٌ " قالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى خالِصٌ وخالِصَةٌ واحِدٌ، إلّا أنَّ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ كَما تَقَدَّمَ عَنْهُ.
وقَرَأ قَتادَةُ، " خالِصَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ الَّذِي هو صِلَةٌ لِما، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِكَ: الَّذِي في الدّارِ قائِمًا زَيْدٌ، هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ انْتَصَبَ عَلى القَطْعِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، " خالِصَةٍ " بِإضافَة خالِصٍ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " ما " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، خالِصًا.
" ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ " قُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ: أيْ وإنْ يَكُنِ الَّذِي في بُطُونِ الأنْعامِ ﴿مَيْتَةً فَهم فِيهِ﴾ أيْ في الَّذِي في البُطُونِ شُرَكاءُ يَأْكُلُ مِنهُ الذُّكُورُ والإناثُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ بِوَصْفِهِمْ عَلى أنَّهُ مُنْتَصَبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى: سَيَجْزِيهِمْ بِوَصْفِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى: سَيَجْزِيهِمْ جَزاءَ وصْفِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا﴾ أيْ بَناتِهِمْ بِالوَأْدِ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ سَفْهًا: أيْ لِأجْلِ السَّفَهِ: وهو الطَّيْشُ والخِفَّةُ لا لِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ ولا شَرْعِيَّةٍ كائِنًا ذَلِكَ مِنهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَهْتَدُونَ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ الأنْعامِ الَّتِي سَمَّوْها بِحائِرَ وسَوائِبَ ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ أيْ لِلِافْتِراءِ عَلَيْهِ أوِ افْتَرَوُا افْتِراءً عَلَيْهِ ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ بِهَذِهِ الأفْعالِ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحَقِّ، ولا هم مِن أهْلِ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ: الحِجْرُ ما حَرَّمُوا مِنَ الوَصِيلَةِ وتَحْرِيمُ ما حَرَّمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ: ما جَعَلُوا لِلَّهِ ولِشُرَكائِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ: حَرامٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: يَقُولُونَ حَرامٌ أنْ يَطْعَمَ الِابْنُ شَيْئًا ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ قالَ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والحامِي ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ إذا نَحَرُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي وائِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ قالَ: لَمْ تَكُنْ يُحَجُّ عَلَيْها وهي البَحِيرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ الآيَةَ قالَ: اللَّبَنُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ إلّا ابْنَ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِبَةُ والبَحِيرَةُ مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا قالَ: النِّساءُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ قالَ: قَوْلَهُمُ الكَذِبَ في ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الشّاةُ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَكانَ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ وإنْ كانَتْ أُنْثى تَرَكُوها فَلَمْ تُذْبَحْ، وإنْ كانَتْ مَيْتَةً كانُوا فِيها شُرَكاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَئِدُ البَناتَ مِن مُضَرَ ورَبِيعَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هَذا صُنْعُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانَ أحَدُهم يَقْتُلُ ابْنَتَهُ مَخافَةَ السَّبْيِ والفاقَةِ ويَغْذُو كَلْبَهُ ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: جَعَلُوهُ بَحِيرَةً وسائِبَةً ووَصِيلَةً وحامِيًا تَحَكُّمًا مِنَ الشَّيْطانِ في أمْوالِهِمْ.
الأنعام 6:139
هَذا بَيانُ نَوْعٍ آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ.
والحِجْرُ بِكَسْرِ أوَّلِهِ وسُكُونِ ثانِيهِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ " حُجُرٌ " بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةَ، بِفَتْحِ الحاءِ وإسْكانِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ حَرَجٌ بِتَقْدِيمِ الرّاءِ عَلى الجِيمِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ أبِي، وهو مِنَ الحَرَجِ، يُقالُ: فُلانٌ يَتَحَرَّجُ: أيْ يُضَيِّقُ عَلى نَفْسِهِ الدُّخُولَ فِيما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ.
والحِجْرُ عَلى اخْتِلافِ القِراءاتِ فِيهِ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ: أيْ مَحْجُورٌ، وأصْلُهُ المَنعُ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ مَمْنُوعَةٌ، يَعْنُونَ أنَّها (p-٤٥١)لِأصْنامِهِمْ لا يَطْعَمُها إلّا مَن يَشاءُونَ بِزَعْمِهِمْ وهم خُدّامُ الأصْنامِ.
والقِسْمُ الثّانِي قَوْلُهم: ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ وهي البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والحامُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ مِمّا جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ أيْضًا.
والقِسْمُ الثّانِي أنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها وهي ما ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ فَإنَّهم يَذْبَحُونَها بِاسْمِ أصْنامِهِمْ لا بِاسْمِ اللَّهِ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ لا يَحُجُّونَ عَلَيْها افْتِراءً عَلى اللَّهِ: أيْ لِلِافْتِراءِ عَلَيْهِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ بِافْتِرائِهِمْ أوْ بِالَّذِي يَفْتَرُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " افْتِراءً " مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: أيِ افْتَرَوُا افْتِراءً، أوْ حالٌ: أيْ مُفْتَرِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى العِلَّةِ أظْهَرُ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ البَحائِرَ والسَّوائِبَ مِنَ الأجِنَّةِ ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ أيْ حَلالٌ لَهم ﴿ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ أيْ عَلى جِنْسِ الأزْواجِ، وهُنَّ النِّساءُ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ البَناتُ والأخَواتُ ونَحْوُهُنَّ، وقِيلَ: هو اللَّبَنُ جَعَلُوهُ حَلالًا لِلذُّكُورِ ومُحَرَّمًا عَلى الإناثِ، والهاءُ في " خالِصَةٌ " لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُوصِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ.
وقالَ الفَرّاءُ: تَأْنِيثُها لِتَأْنِيثِ الأنْعامِ.
ورُدَّ بِأنَّ ما في بُطُونِ الأنْعامِ غَيْرُ الأنْعامِ، وتُعُقِّبَ هَذا الرَّدُّ بِأنَّ ما في بُطُونِ الأنْعامِ أنْعامٌ، وهي الأجِنَّةُ، و" ما " عِبارَةٌ عَنْها، فَيَكُونُ تَأْنِيثُ " خالِصَةٌ " بِاعْتِبارِ مَعْنى ما، وتَذْكِيرُ " مُحَرَّمٌ " بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
وقَرَأ الأعْمَشُ " خالِصٌ " قالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى خالِصٌ وخالِصَةٌ واحِدٌ، إلّا أنَّ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ كَما تَقَدَّمَ عَنْهُ.
وقَرَأ قَتادَةُ، " خالِصَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ الَّذِي هو صِلَةٌ لِما، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِكَ: الَّذِي في الدّارِ قائِمًا زَيْدٌ، هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ انْتَصَبَ عَلى القَطْعِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، " خالِصَةٍ " بِإضافَة خالِصٍ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " ما " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، خالِصًا.
" ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ " قُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ: أيْ وإنْ يَكُنِ الَّذِي في بُطُونِ الأنْعامِ ﴿مَيْتَةً فَهم فِيهِ﴾ أيْ في الَّذِي في البُطُونِ شُرَكاءُ يَأْكُلُ مِنهُ الذُّكُورُ والإناثُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ بِوَصْفِهِمْ عَلى أنَّهُ مُنْتَصَبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى: سَيَجْزِيهِمْ بِوَصْفِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى: سَيَجْزِيهِمْ جَزاءَ وصْفِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا﴾ أيْ بَناتِهِمْ بِالوَأْدِ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ سَفْهًا: أيْ لِأجْلِ السَّفَهِ: وهو الطَّيْشُ والخِفَّةُ لا لِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ ولا شَرْعِيَّةٍ كائِنًا ذَلِكَ مِنهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَهْتَدُونَ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ الأنْعامِ الَّتِي سَمَّوْها بِحائِرَ وسَوائِبَ ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ أيْ لِلِافْتِراءِ عَلَيْهِ أوِ افْتَرَوُا افْتِراءً عَلَيْهِ ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ بِهَذِهِ الأفْعالِ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحَقِّ، ولا هم مِن أهْلِ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ: الحِجْرُ ما حَرَّمُوا مِنَ الوَصِيلَةِ وتَحْرِيمُ ما حَرَّمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ: ما جَعَلُوا لِلَّهِ ولِشُرَكائِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ: حَرامٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: يَقُولُونَ حَرامٌ أنْ يَطْعَمَ الِابْنُ شَيْئًا ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ قالَ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والحامِي ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ إذا نَحَرُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي وائِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ قالَ: لَمْ تَكُنْ يُحَجُّ عَلَيْها وهي البَحِيرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ الآيَةَ قالَ: اللَّبَنُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ إلّا ابْنَ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِبَةُ والبَحِيرَةُ مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا قالَ: النِّساءُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ قالَ: قَوْلَهُمُ الكَذِبَ في ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الشّاةُ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَكانَ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ وإنْ كانَتْ أُنْثى تَرَكُوها فَلَمْ تُذْبَحْ، وإنْ كانَتْ مَيْتَةً كانُوا فِيها شُرَكاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَئِدُ البَناتَ مِن مُضَرَ ورَبِيعَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هَذا صُنْعُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانَ أحَدُهم يَقْتُلُ ابْنَتَهُ مَخافَةَ السَّبْيِ والفاقَةِ ويَغْذُو كَلْبَهُ ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: جَعَلُوهُ بَحِيرَةً وسائِبَةً ووَصِيلَةً وحامِيًا تَحَكُّمًا مِنَ الشَّيْطانِ في أمْوالِهِمْ.
الأنعام 6:140
هَذا بَيانُ نَوْعٍ آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ وضَلالاتِهِمْ.
والحِجْرُ بِكَسْرِ أوَّلِهِ وسُكُونِ ثانِيهِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ " حُجُرٌ " بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةَ، بِفَتْحِ الحاءِ وإسْكانِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ حَرَجٌ بِتَقْدِيمِ الرّاءِ عَلى الجِيمِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ أبِي، وهو مِنَ الحَرَجِ، يُقالُ: فُلانٌ يَتَحَرَّجُ: أيْ يُضَيِّقُ عَلى نَفْسِهِ الدُّخُولَ فِيما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ.
والحِجْرُ عَلى اخْتِلافِ القِراءاتِ فِيهِ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ: أيْ مَحْجُورٌ، وأصْلُهُ المَنعُ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ مَمْنُوعَةٌ، يَعْنُونَ أنَّها (p-٤٥١)لِأصْنامِهِمْ لا يَطْعَمُها إلّا مَن يَشاءُونَ بِزَعْمِهِمْ وهم خُدّامُ الأصْنامِ.
والقِسْمُ الثّانِي قَوْلُهم: ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ وهي البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والحامُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ مِمّا جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ أيْضًا.
والقِسْمُ الثّانِي أنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها وهي ما ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ فَإنَّهم يَذْبَحُونَها بِاسْمِ أصْنامِهِمْ لا بِاسْمِ اللَّهِ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ لا يَحُجُّونَ عَلَيْها افْتِراءً عَلى اللَّهِ: أيْ لِلِافْتِراءِ عَلَيْهِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ بِافْتِرائِهِمْ أوْ بِالَّذِي يَفْتَرُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " افْتِراءً " مُنْتَصِبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: أيِ افْتَرَوُا افْتِراءً، أوْ حالٌ: أيْ مُفْتَرِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى العِلَّةِ أظْهَرُ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ البَحائِرَ والسَّوائِبَ مِنَ الأجِنَّةِ ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ أيْ حَلالٌ لَهم ﴿ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ أيْ عَلى جِنْسِ الأزْواجِ، وهُنَّ النِّساءُ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ البَناتُ والأخَواتُ ونَحْوُهُنَّ، وقِيلَ: هو اللَّبَنُ جَعَلُوهُ حَلالًا لِلذُّكُورِ ومُحَرَّمًا عَلى الإناثِ، والهاءُ في " خالِصَةٌ " لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُوصِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ.
وقالَ الفَرّاءُ: تَأْنِيثُها لِتَأْنِيثِ الأنْعامِ.
ورُدَّ بِأنَّ ما في بُطُونِ الأنْعامِ غَيْرُ الأنْعامِ، وتُعُقِّبَ هَذا الرَّدُّ بِأنَّ ما في بُطُونِ الأنْعامِ أنْعامٌ، وهي الأجِنَّةُ، و" ما " عِبارَةٌ عَنْها، فَيَكُونُ تَأْنِيثُ " خالِصَةٌ " بِاعْتِبارِ مَعْنى ما، وتَذْكِيرُ " مُحَرَّمٌ " بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
وقَرَأ الأعْمَشُ " خالِصٌ " قالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى خالِصٌ وخالِصَةٌ واحِدٌ، إلّا أنَّ الهاءَ لِلْمُبالَغَةِ كَما تَقَدَّمَ عَنْهُ.
وقَرَأ قَتادَةُ، " خالِصَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ الَّذِي هو صِلَةٌ لِما، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِكَ: الَّذِي في الدّارِ قائِمًا زَيْدٌ، هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ انْتَصَبَ عَلى القَطْعِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، " خالِصَةٍ " بِإضافَة خالِصٍ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " ما " .
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، خالِصًا.
" ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ " قُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ: أيْ وإنْ يَكُنِ الَّذِي في بُطُونِ الأنْعامِ ﴿مَيْتَةً فَهم فِيهِ﴾ أيْ في الَّذِي في البُطُونِ شُرَكاءُ يَأْكُلُ مِنهُ الذُّكُورُ والإناثُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ بِوَصْفِهِمْ عَلى أنَّهُ مُنْتَصَبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى: سَيَجْزِيهِمْ بِوَصْفِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى: سَيَجْزِيهِمْ جَزاءَ وصْفِهِمْ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَوْعًا آخَرَ مِن جَهالاتِهِمْ فَقالَ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا﴾ أيْ بَناتِهِمْ بِالوَأْدِ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ سَفْهًا: أيْ لِأجْلِ السَّفَهِ: وهو الطَّيْشُ والخِفَّةُ لا لِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ ولا شَرْعِيَّةٍ كائِنًا ذَلِكَ مِنهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَهْتَدُونَ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ الأنْعامِ الَّتِي سَمَّوْها بِحائِرَ وسَوائِبَ ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ أيْ لِلِافْتِراءِ عَلَيْهِ أوِ افْتَرَوُا افْتِراءً عَلَيْهِ ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ بِهَذِهِ الأفْعالِ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحَقِّ، ولا هم مِن أهْلِ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ: الحِجْرُ ما حَرَّمُوا مِنَ الوَصِيلَةِ وتَحْرِيمُ ما حَرَّمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ: ما جَعَلُوا لِلَّهِ ولِشُرَكائِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ قالَ: حَرامٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في الآيَةِ قالَ: يَقُولُونَ حَرامٌ أنْ يَطْعَمَ الِابْنُ شَيْئًا ﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ قالَ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والحامِي ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ إذا نَحَرُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي وائِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ قالَ: لَمْ تَكُنْ يُحَجُّ عَلَيْها وهي البَحِيرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ الآيَةَ قالَ: اللَّبَنُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ إلّا ابْنَ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: السّائِبَةُ والبَحِيرَةُ مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا قالَ: النِّساءُ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ قالَ: قَوْلَهُمُ الكَذِبَ في ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الشّاةُ إذا ولَدَتْ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَكانَ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ وإنْ كانَتْ أُنْثى تَرَكُوها فَلَمْ تُذْبَحْ، وإنْ كانَتْ مَيْتَةً كانُوا فِيها شُرَكاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَئِدُ البَناتَ مِن مُضَرَ ورَبِيعَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: هَذا صُنْعُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانَ أحَدُهم يَقْتُلُ ابْنَتَهُ مَخافَةَ السَّبْيِ والفاقَةِ ويَغْذُو كَلْبَهُ ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: جَعَلُوهُ بَحِيرَةً وسائِبَةً ووَصِيلَةً وحامِيًا تَحَكُّمًا مِنَ الشَّيْطانِ في أمْوالِهِمْ.
الأنعام 6:141
هَذا فِيهِ تَذْكِيرٌ لَهم بِبَدِيعِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظِيمِ صُنْعِهِ " أنْشَأ " أيْ خَلَقَ، والجَنّاتُ: البَساتِينُ مَعْرُوشاتٍ مَرْفُوعاتٍ عَلى الأعْمِدَةِ ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ غَيْرَ مَرْفُوعاتٍ عَلَيْها، وقِيلَ: المَعْرُوشاتُ، ما انْبَسَطَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِمّا يُعْرَشُ مِثْلُ الكَرْمِ والزَّرْعِ والبِطِّيخِ، وغَيْرُ المَعْرُوشاتِ: ما قامَ عَلى ساقٍ مِثْلُ النَّخْلِ وسائِرِ الأشْجارِ، وقِيلَ: المَعْرُوشاتُ: ما أنْبَتَهُ النّاسُ وعَرَّشُوهُ، وغَيْرُ المَعْرُوشاتِ: ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ.
قَوْلُهُ: ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ، وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما في الجَنّاتِ لِما فِيها مِنَ (p-٤٥٢)الفَضِيلَةِ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ أيْ حالَ كَوْنِهِ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ في الطَّعْمِ والجَوْدَةِ والرَّداءَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ مَسْألَةٌ مُشْكِلَةٌ في النَّحْوِ، يَعْنِي انْتِصابَ مُخْتَلِفًا عَلى الحالِ لِأنَّهُ يُقالُ: قَدْ أنْشَأها ولَمْ يَخْتَلِفْ أُكُلُها، فالجَوابُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْشَأها مُقَدِّرًا فِيها الِاخْتِلافَ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا: أيْ مُقَدِّرًا لِلصَّيْدِ بِهِ غَدًا، كَما تَقُولُ: لَتَدْخُلُنَّ الدّارَ آكِلِينَ شارِبِينَ: أيْ مُقَدِّرِينَ ذَلِكَ، وهَذِهِ هي الحالُ المُقَدَّرَةُ المَشْهُورَةُ عِنْدَ النُّحاةِ المُدَوَّنَةُ في كُتُبِ النَّحْوِ.
وقالَ: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ أُكُلُهُما اكْتِفاءً بِإعادَةِ الذِّكْرِ عَلى أحَدِهِما كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ ( الجُمُعَةِ: ١١ ) أوِ الضَّمِيرُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الإشارَةِ: أيْ: أُكُلُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ: أيْ وأنْشَأ الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ حالَ كَوْنِهِ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هَذا ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ أيْ مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أوْ مِن ثَمَرِ ذَلِكَ ﴿إذا أثْمَرَ﴾ أيْ إذا حَصَلَ فِيهِ الثَّمَرُ وإنْ لَمْ يُدْرَكْ ويَبْلُغْ حَدَّ الحَصادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ .
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ: هَلْ هَذِهِ مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ أوْ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّدْبِ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ، وأنَّهُ يَجِبُ عَلى المالِكِ يَوْمَ الحَصادِ أنْ يُعْطِيَ مَن حَضَرَ مِنَ المَساكِينِ القَبْضَةَ والضِّغْثَ ونَحْوَهُما.
وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ وطاوُسٌ وأبُو الشَّعْثاءِ وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالزَّكاةِ.
واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وآيَةُ الزَّكاةِ مَدَنِيَّةٌ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّدْبِ لا عَلى الوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ أيْ في التَّصَدُّقِ، وأصْلُ الإسْرافِ في اللُّغَةِ: الخَطَأُ، والإسْرافُ في النَّفَقَةِ: التَّبْذِيرُ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْوُلاةِ يَقُولُ لَهم: لا تَأْخُذُوا فَوْقَ حَقِّكم، وقِيلَ: المَعْنى: لا تَأْخُذُوا الشَّيْءَ بِغَيْرِ حَقِّهِ وتَضَعُونَهُ في غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ: أيْ وأنْشَأ لَكم مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا، والحَمُولَةُ ما يُحْمَلُ عَلَيْها، وهو يَخْتَصُّ بِالإبِلِ فَهي فَعُولَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ، والفَرْشُ: ما يُتَّخَذُ مِنَ الوَبَرِ والصُّوفِ والشَّعْرِ فِراشًا يَفْتَرِشُهُ النّاسُ، وقِيلَ: الحَمُولَةُ الإبِلُ، والفَرْشُ: الغَنَمُ: وقِيلَ: الحَمُولَةُ: كُلُّ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، والفَرْشُ: الغَنَمُ، وهَذا لا يَتِمُّ إلّا عَلى فَرْضِ صِحَّةِ إطْلاقِ اسْمِ الأنْعامِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ، وقِيلَ: الحَمُولَةُ: ما تُرْكَبُ، والفَرْشُ: ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ كَما فَعَلَ المُشْرِكُونَ مِن تَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وتَحْلِيلِ ما لَمْ يُحَلِّلْهُ إنَّهُ أيِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ مُظْهِرٌ لِلْعَداوَةِ ومُكاشِفٌ بِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ قالَ: المَعْرُوشاتُ ما عَرَّشَ النّاسُ ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ ما خَرَجَ في الجِبالِ والبَرِّيَّةِ مِنَ الثِّمارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مَعْرُوشاتٌ بِالعِيدانِ والقَصَبِ وغَيْرُ مَعْرُوشاتٍ قالَ: الضّاحِي.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ قالَ: الكَرَمُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قالَ: ما سَقَطَ مِنَ السُّنْبُلِ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قالَ: كانُوا يُعْطُونَ مَنِ اعْتَزَّ بِهِمْ شَيْئًا سِوى الصَّدَقَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم مِنَ السُّنْبُلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ ويَزِيدَ الأصَمِّ قالَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ إذا صَرَمُوا النَّخْلَ يَجِيئُونَ بِالعِذْقِ فَيَضَعُونَهُ في المَسْجِدِ فَيَجِيءُ السّائِلُ فَيَضْرِبُهُ بِالعَصا فَيُسْقِطُ مِنهُ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ في سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ مِن كُلِّ حادِي عَشْرَةَ أوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ في المَسْجِدِ لِلْمَساكِينِ» .
وإسْنادُهُ جَيِّدٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ نَسَخَها العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: إنَّ في المالِ حَقًّا سِوى الزَّكاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: ما كانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا سِوى الزَّكاةِ، ثُمَّ إنَّهم تَباذَرُوا وأسْرَفُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ جَدَّ نَخْلًا فَقالَ: لا يَأْتِينِي اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ، فَأطْعَمَ حَتّى أمْسى ولَيْسَ لَهُ تَمْرَةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَوْ أنْفَقْتَ مِثْلَ أبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا في طاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ إسْرافًا، ولَوْ أنْفَقْتَ صاعًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كانَ إسْرافًا، ولِلسَّلَفِ في هَذا (p-٤٥٣)مَقالاتٌ طَوِيلَةٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَمُولَةُ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ، والفَرْشُ صِغارُ الإبِلِ الَّتِي لا تَحْمِلُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الحَمُولَةُ الكِبارُ مِنَ الإبِلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ مِنَ الإبِلِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: الحَمُولَةُ ما حُمِلَ عَلَيْهِ، والفَرْشُ ما أُكِلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: الحَمُولَةُ الإبِلُ والخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ وكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، والفَرْشُ الغَنَمُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: الحَمُولَةُ الإبِلُ والبَقَرُ، والفَرْشُ الضَّأْنُ والمَعْزُ.
الأنعام 6:142
هَذا فِيهِ تَذْكِيرٌ لَهم بِبَدِيعِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظِيمِ صُنْعِهِ " أنْشَأ " أيْ خَلَقَ، والجَنّاتُ: البَساتِينُ مَعْرُوشاتٍ مَرْفُوعاتٍ عَلى الأعْمِدَةِ ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ غَيْرَ مَرْفُوعاتٍ عَلَيْها، وقِيلَ: المَعْرُوشاتُ، ما انْبَسَطَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِمّا يُعْرَشُ مِثْلُ الكَرْمِ والزَّرْعِ والبِطِّيخِ، وغَيْرُ المَعْرُوشاتِ: ما قامَ عَلى ساقٍ مِثْلُ النَّخْلِ وسائِرِ الأشْجارِ، وقِيلَ: المَعْرُوشاتُ: ما أنْبَتَهُ النّاسُ وعَرَّشُوهُ، وغَيْرُ المَعْرُوشاتِ: ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ.
قَوْلُهُ: ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ، وخَصَّهُما بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما في الجَنّاتِ لِما فِيها مِنَ (p-٤٥٢)الفَضِيلَةِ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ أيْ حالَ كَوْنِهِ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ في الطَّعْمِ والجَوْدَةِ والرَّداءَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ مَسْألَةٌ مُشْكِلَةٌ في النَّحْوِ، يَعْنِي انْتِصابَ مُخْتَلِفًا عَلى الحالِ لِأنَّهُ يُقالُ: قَدْ أنْشَأها ولَمْ يَخْتَلِفْ أُكُلُها، فالجَوابُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْشَأها مُقَدِّرًا فِيها الِاخْتِلافَ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا سِيبَوَيْهِ بِقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا: أيْ مُقَدِّرًا لِلصَّيْدِ بِهِ غَدًا، كَما تَقُولُ: لَتَدْخُلُنَّ الدّارَ آكِلِينَ شارِبِينَ: أيْ مُقَدِّرِينَ ذَلِكَ، وهَذِهِ هي الحالُ المُقَدَّرَةُ المَشْهُورَةُ عِنْدَ النُّحاةِ المُدَوَّنَةُ في كُتُبِ النَّحْوِ.
وقالَ: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ أُكُلُهُما اكْتِفاءً بِإعادَةِ الذِّكْرِ عَلى أحَدِهِما كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ ( الجُمُعَةِ: ١١ ) أوِ الضَّمِيرُ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الإشارَةِ: أيْ: أُكُلُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ: أيْ وأنْشَأ الزَّيْتُونَ والرُّمّانَ حالَ كَوْنِهِ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ هَذا ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ أيْ مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أوْ مِن ثَمَرِ ذَلِكَ ﴿إذا أثْمَرَ﴾ أيْ إذا حَصَلَ فِيهِ الثَّمَرُ وإنْ لَمْ يُدْرَكْ ويَبْلُغْ حَدَّ الحَصادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ .
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ: هَلْ هَذِهِ مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ أوْ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّدْبِ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ، وأنَّهُ يَجِبُ عَلى المالِكِ يَوْمَ الحَصادِ أنْ يُعْطِيَ مَن حَضَرَ مِنَ المَساكِينِ القَبْضَةَ والضِّغْثَ ونَحْوَهُما.
وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ والحَسَنُ والنَّخَعِيُّ وطاوُسٌ وأبُو الشَّعْثاءِ وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِالزَّكاةِ.
واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وآيَةُ الزَّكاةِ مَدَنِيَّةٌ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ: إنَّ الآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى النَّدْبِ لا عَلى الوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ أيْ في التَّصَدُّقِ، وأصْلُ الإسْرافِ في اللُّغَةِ: الخَطَأُ، والإسْرافُ في النَّفَقَةِ: التَّبْذِيرُ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْوُلاةِ يَقُولُ لَهم: لا تَأْخُذُوا فَوْقَ حَقِّكم، وقِيلَ: المَعْنى: لا تَأْخُذُوا الشَّيْءَ بِغَيْرِ حَقِّهِ وتَضَعُونَهُ في غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ: أيْ وأنْشَأ لَكم مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا، والحَمُولَةُ ما يُحْمَلُ عَلَيْها، وهو يَخْتَصُّ بِالإبِلِ فَهي فَعُولَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ، والفَرْشُ: ما يُتَّخَذُ مِنَ الوَبَرِ والصُّوفِ والشَّعْرِ فِراشًا يَفْتَرِشُهُ النّاسُ، وقِيلَ: الحَمُولَةُ الإبِلُ، والفَرْشُ: الغَنَمُ: وقِيلَ: الحَمُولَةُ: كُلُّ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، والفَرْشُ: الغَنَمُ، وهَذا لا يَتِمُّ إلّا عَلى فَرْضِ صِحَّةِ إطْلاقِ اسْمِ الأنْعامِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ، وقِيلَ: الحَمُولَةُ: ما تُرْكَبُ، والفَرْشُ: ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ مِن هَذِهِ الأشْياءِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ كَما فَعَلَ المُشْرِكُونَ مِن تَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ وتَحْلِيلِ ما لَمْ يُحَلِّلْهُ إنَّهُ أيِ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ مُظْهِرٌ لِلْعَداوَةِ ومُكاشِفٌ بِها.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ قالَ: المَعْرُوشاتُ ما عَرَّشَ النّاسُ ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ ما خَرَجَ في الجِبالِ والبَرِّيَّةِ مِنَ الثِّمارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مَعْرُوشاتٌ بِالعِيدانِ والقَصَبِ وغَيْرُ مَعْرُوشاتٍ قالَ: الضّاحِي.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ قالَ: الكَرَمُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قالَ: ما سَقَطَ مِنَ السُّنْبُلِ» .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ قالَ: كانُوا يُعْطُونَ مَنِ اعْتَزَّ بِهِمْ شَيْئًا سِوى الصَّدَقَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم مِنَ السُّنْبُلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ ويَزِيدَ الأصَمِّ قالَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ إذا صَرَمُوا النَّخْلَ يَجِيئُونَ بِالعِذْقِ فَيَضَعُونَهُ في المَسْجِدِ فَيَجِيءُ السّائِلُ فَيَضْرِبُهُ بِالعَصا فَيُسْقِطُ مِنهُ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ في سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أمَرَ مِن كُلِّ حادِي عَشْرَةَ أوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ في المَسْجِدِ لِلْمَساكِينِ» .
وإسْنادُهُ جَيِّدٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ نَسَخَها العُشْرُ ونِصْفُ العُشْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: إنَّ في المالِ حَقًّا سِوى الزَّكاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: ما كانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا سِوى الزَّكاةِ، ثُمَّ إنَّهم تَباذَرُوا وأسْرَفُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ جَدَّ نَخْلًا فَقالَ: لا يَأْتِينِي اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ، فَأطْعَمَ حَتّى أمْسى ولَيْسَ لَهُ تَمْرَةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَوْ أنْفَقْتَ مِثْلَ أبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا في طاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ إسْرافًا، ولَوْ أنْفَقْتَ صاعًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كانَ إسْرافًا، ولِلسَّلَفِ في هَذا (p-٤٥٣)مَقالاتٌ طَوِيلَةٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَمُولَةُ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ، والفَرْشُ صِغارُ الإبِلِ الَّتِي لا تَحْمِلُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الحَمُولَةُ الكِبارُ مِنَ الإبِلِ، والفَرْشُ الصِّغارُ مِنَ الإبِلِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: الحَمُولَةُ ما حُمِلَ عَلَيْهِ، والفَرْشُ ما أُكِلَ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: الحَمُولَةُ الإبِلُ والخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ وكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، والفَرْشُ الغَنَمُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: الحَمُولَةُ الإبِلُ والبَقَرُ، والفَرْشُ الضَّأْنُ والمَعْزُ.
الأنعام 6:143
اخْتُلِفَ في انْتِصابِ ثَمانِيَةَ عَلى ماذا ؟ فَقالَ الكِسائِيُّ: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: وأنْشَأ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.
وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ: هو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن " حَمُولَةً وفَرْشًا "، وقالَ الأخْفَشُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِكُلُوا، أيْ كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " ما " في ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ( الأنْعامِ: ١٤٢ ) والزَّوْجُ خِلافُ الفَرْدِ، يُقالُ: زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ، كَما يُقالُ: شَفْعٌ أوْ وتْرٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ يَعْنِي ثَمانِيَةَ أفْرادٍ وإنَّما سُمِّيَ الفَرْدُ زَوْجًا في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى زَوْجٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِ، ويَقَعُ لَفْظُ الزَّوْجِ عَلى الواحِدِ، فَيُقالُ: هُما زَوْجٌ وهو زَوْجٌ، ويَقُولُ: اشْتَرَيْتُ زَوْجَيْ حَمامٍ: أيْ ذَكَرًا وأُنْثى.
والحاصِلُ أنَّ الواحِدَ إذا كانَ مُنْفَرِدًا سَواءٌ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى، قِيلَ: لَهُ: فَرْدٌ، وإنْ كانَ الذَّكَرُ مَعَ أُنْثى مِن جِنْسِهِ قِيلَ: لَهُما زَوْجٌ، ولِكُلِّ واحِدٍ عَلى انْفِرادِهِ مِنهُما زَوْجٌ، ويُقالُ لَهُما أيْضًا: زَوْجانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ( القِيامَةِ: ٣٩ ) .
قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ بَدَلٌ مِن " ثَمانِيَةَ " مُنْتَصِبٌ بِناصِبِهِ عَلى حَسَبِ الخِلافِ السّابِقِ، والضَّأْنُ ذَواتُ الصُّوفِ مِنَ الغَنَمِ، وهو جَمْعُ ضائِنٍ، ويُقالُ لِلْأُنْثى: ضائِنَةٌ، والجَمْعُ ضَوائِنُ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: في جَمْعِهِ: ضَئِينٌ كَعَبْدِ وعَبِيدٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " الضَّأنِ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها.
وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: " مِنَ الضَّأْنِ اثْنانِ ومِنَ المَعْزِ اثْنانِ " رَفْعًا بِالِابْتِداءِ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُشارِكٌ لَهُ في حُكْمِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ البَصْرَةِ بِفَتْحِ العَيْنِ مِنَ المَعْزِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها.
قالَ النَّحّاسُ: الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ المَعْزُ والضَّأْنُ بِالإسْكانِ، والمَعْزُ مِنَ الغَنَمِ خِلافُ الضَّأْنِ، وهي ذَواتُ الأشْعارِ والأذْنابِ القِصارِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، وواحِدُ المَعْزِ ماعِزٌ، مِثْلُ صَحْبٍ وصاحِبٍ، ورَكْبٍ وراكِبٍ، وتَجْرٍ وتاجِرٍ، والأُنْثى ماعِزَةٌ.
والمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بَيَّنَ حالَ الأنْعامِ وتَفاصِيلَها إلى الأقْسامِ المَذْكُورَةِ تَوْضِيحًا لِلِامْتِنانِ بِها عَلى عِبادِهِ، ودَفْعًا لِما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَزْعُمُهُ مِن تَحْلِيلِ بَعْضِها وتَحْرِيمِ بَعْضِها تَقَوُّلًا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وافْتِراءً عَلَيْهِ، والهَمْزَةُ في ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ لِلْإنْكارِ، والمُرادُ بِالذَّكَرَيْنِ: الكَبْشُ والتَّيْسُ، وبِالأُنْثَيَيْنِ: النَّعْجَةُ والعَنْزُ، وانْتِصابُ الذَّكَرَيْنِ بِحَرَّمَ، والأُنْثَيَيْنِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ.
والمَعْنى: الإنْكارُ عَلى المُشْرِكِينَ في أمْرِ البَحِيرَةِ وما ذُكِرَ مَعَها، وقَوْلُهم: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ أيْ: قُلْ لَهم إنْ كانَ حَرَّمَ الذُّكُورَ فَكُلُّ ذَكَرٍ حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ الإناثَ فَكُلُّ أُنْثى حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ، يَعْنِي مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ فَكُلُّ مَوْلُودٍ حَرامٌ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى وكُلُّها مَوْلُودٌ، فَيَسْتَلْزِمُ أنَّ كُلَّها حَرامٌ.
قَوْلُهُ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ أخْبَرُونِي بِعِلْمٍ لا بِجَهْلٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
والمُرادُ مِن هَذا التَّبْكِيتُ وإلْزامُ الحُجَّةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدَهم.
وهَكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ إلى آخِرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وهي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ: أيْ بَلْ أكُنْتُمْ شُهَداءَ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا التَّحْرِيمِ.
والمُرادُ التَّبْكِيتُ وإلْزامُ الحُجَّةِ كَما سَلَفَ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَحَرَّمَ شَيْئًا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ ونَسَبَ ذَلِكَ إلَيْهِ افْتِراءً عَلَيْهِ كَما فَعَلَهُ كُبَراءُ المُشْرِكِينَ، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِلْعِلَّةِ: أيْ لِأجْلِ أنْ يُضِلَّ النّاسَ بِجَهْلٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِافْتَرى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في السِّياقِ داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في وجْهِ تَقْدِيمِ المَعْزِ والضَّأْنِ عَلى الإبِلِ والبَقَرِ مَعَ كَوْنِ الإبِلِ والبَقَرِ أكْثَرَ نَفْعًا وأكْبَرَ أجْسامًا وأعْوَدَ فائِدَةً، لا سِيَّما في الحَمُولَةِ والفَرْشِ اللَّذَيْنِ وقَعَ الإبْدالُ مِنهُما عَلى ما هو الوَجْهُ الأوْضَحُ في إعْرابِ " ثَمانِيَةَ " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما فائِدَةُ نَقْلِ هَذا الكَلامِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، منْ مِثْلِ هَؤُلاءِ الأئِمَّةِ، فَإنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِهِ فائِدَةٌ، وكَوْنُ الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ هي المَذْكُورَةُ هو هَكَذا في الآيَةِ مُصَرَّحًا بِهِ تَصْرِيحًا لا لَبْسَ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الذَّكَرُ والأُنْثى زَوْجانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، (p-٤٥٤)وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ قالَ: في شَأْنِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: الجامُوسُ والبُخْتِيُّ مِنَ الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ قالَ: فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَقُولُ: لَمْ أُحَرِّمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ الرَّحِمُ إلّا عَلى ذَكَرٍ أوْ أُنْثى فَلِمَ يُحَرِّمُونَ بَعْضًا ويُحِلُّونَ بَعْضًا ؟ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يَقُولُ: كُلُّها حَلالٌ: يَعْنِي ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا حَرَّمَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ.
الأنعام 6:144
اخْتُلِفَ في انْتِصابِ ثَمانِيَةَ عَلى ماذا ؟ فَقالَ الكِسائِيُّ: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: وأنْشَأ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.
وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ: هو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن " حَمُولَةً وفَرْشًا "، وقالَ الأخْفَشُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِكُلُوا، أيْ كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " ما " في ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ( الأنْعامِ: ١٤٢ ) والزَّوْجُ خِلافُ الفَرْدِ، يُقالُ: زَوْجٌ أوْ فَرْدٌ، كَما يُقالُ: شَفْعٌ أوْ وتْرٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ يَعْنِي ثَمانِيَةَ أفْرادٍ وإنَّما سُمِّيَ الفَرْدُ زَوْجًا في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى زَوْجٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِ، ويَقَعُ لَفْظُ الزَّوْجِ عَلى الواحِدِ، فَيُقالُ: هُما زَوْجٌ وهو زَوْجٌ، ويَقُولُ: اشْتَرَيْتُ زَوْجَيْ حَمامٍ: أيْ ذَكَرًا وأُنْثى.
والحاصِلُ أنَّ الواحِدَ إذا كانَ مُنْفَرِدًا سَواءٌ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى، قِيلَ: لَهُ: فَرْدٌ، وإنْ كانَ الذَّكَرُ مَعَ أُنْثى مِن جِنْسِهِ قِيلَ: لَهُما زَوْجٌ، ولِكُلِّ واحِدٍ عَلى انْفِرادِهِ مِنهُما زَوْجٌ، ويُقالُ لَهُما أيْضًا: زَوْجانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ( القِيامَةِ: ٣٩ ) .
قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ بَدَلٌ مِن " ثَمانِيَةَ " مُنْتَصِبٌ بِناصِبِهِ عَلى حَسَبِ الخِلافِ السّابِقِ، والضَّأْنُ ذَواتُ الصُّوفِ مِنَ الغَنَمِ، وهو جَمْعُ ضائِنٍ، ويُقالُ لِلْأُنْثى: ضائِنَةٌ، والجَمْعُ ضَوائِنُ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: في جَمْعِهِ: ضَئِينٌ كَعَبْدِ وعَبِيدٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " الضَّأنِ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها.
وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: " مِنَ الضَّأْنِ اثْنانِ ومِنَ المَعْزِ اثْنانِ " رَفْعًا بِالِابْتِداءِ.
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مُشارِكٌ لَهُ في حُكْمِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ البَصْرَةِ بِفَتْحِ العَيْنِ مِنَ المَعْزِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها.
قالَ النَّحّاسُ: الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ المَعْزُ والضَّأْنُ بِالإسْكانِ، والمَعْزُ مِنَ الغَنَمِ خِلافُ الضَّأْنِ، وهي ذَواتُ الأشْعارِ والأذْنابِ القِصارِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ، وواحِدُ المَعْزِ ماعِزٌ، مِثْلُ صَحْبٍ وصاحِبٍ، ورَكْبٍ وراكِبٍ، وتَجْرٍ وتاجِرٍ، والأُنْثى ماعِزَةٌ.
والمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بَيَّنَ حالَ الأنْعامِ وتَفاصِيلَها إلى الأقْسامِ المَذْكُورَةِ تَوْضِيحًا لِلِامْتِنانِ بِها عَلى عِبادِهِ، ودَفْعًا لِما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَزْعُمُهُ مِن تَحْلِيلِ بَعْضِها وتَحْرِيمِ بَعْضِها تَقَوُّلًا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وافْتِراءً عَلَيْهِ، والهَمْزَةُ في ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ لِلْإنْكارِ، والمُرادُ بِالذَّكَرَيْنِ: الكَبْشُ والتَّيْسُ، وبِالأُنْثَيَيْنِ: النَّعْجَةُ والعَنْزُ، وانْتِصابُ الذَّكَرَيْنِ بِحَرَّمَ، والأُنْثَيَيْنِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ.
والمَعْنى: الإنْكارُ عَلى المُشْرِكِينَ في أمْرِ البَحِيرَةِ وما ذُكِرَ مَعَها، وقَوْلُهم: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ أيْ: قُلْ لَهم إنْ كانَ حَرَّمَ الذُّكُورَ فَكُلُّ ذَكَرٍ حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ الإناثَ فَكُلُّ أُنْثى حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ، يَعْنِي مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ فَكُلُّ مَوْلُودٍ حَرامٌ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى وكُلُّها مَوْلُودٌ، فَيَسْتَلْزِمُ أنَّ كُلَّها حَرامٌ.
قَوْلُهُ: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ أخْبَرُونِي بِعِلْمٍ لا بِجَهْلٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
والمُرادُ مِن هَذا التَّبْكِيتُ وإلْزامُ الحُجَّةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدَهم.
وهَكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ إلى آخِرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ " أمْ " هي المُنْقَطِعَةُ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وهي بِمَعْنى بَلْ والهَمْزَةِ: أيْ بَلْ أكُنْتُمْ شُهَداءَ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا التَّحْرِيمِ.
والمُرادُ التَّبْكِيتُ وإلْزامُ الحُجَّةِ كَما سَلَفَ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَحَرَّمَ شَيْئًا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ ونَسَبَ ذَلِكَ إلَيْهِ افْتِراءً عَلَيْهِ كَما فَعَلَهُ كُبَراءُ المُشْرِكِينَ، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِلْعِلَّةِ: أيْ لِأجْلِ أنْ يُضِلَّ النّاسَ بِجَهْلٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِافْتَرى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في السِّياقِ داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في وجْهِ تَقْدِيمِ المَعْزِ والضَّأْنِ عَلى الإبِلِ والبَقَرِ مَعَ كَوْنِ الإبِلِ والبَقَرِ أكْثَرَ نَفْعًا وأكْبَرَ أجْسامًا وأعْوَدَ فائِدَةً، لا سِيَّما في الحَمُولَةِ والفَرْشِ اللَّذَيْنِ وقَعَ الإبْدالُ مِنهُما عَلى ما هو الوَجْهُ الأوْضَحُ في إعْرابِ " ثَمانِيَةَ " .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والضَّأْنِ والمَعْزِ.
ولَيْتَ شِعْرِي ما فائِدَةُ نَقْلِ هَذا الكَلامِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، منْ مِثْلِ هَؤُلاءِ الأئِمَّةِ، فَإنَّها لا تَتَعَلَّقُ بِهِ فائِدَةٌ، وكَوْنُ الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ هي المَذْكُورَةُ هو هَكَذا في الآيَةِ مُصَرَّحًا بِهِ تَصْرِيحًا لا لَبْسَ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الذَّكَرُ والأُنْثى زَوْجانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، (p-٤٥٤)وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ قالَ: في شَأْنِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ قالَ: الجامُوسُ والبُخْتِيُّ مِنَ الأزْواجِ الثَّمانِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ قالَ: فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَقُولُ: لَمْ أُحَرِّمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَعْنِي هَلْ تَشْتَمِلُ الرَّحِمُ إلّا عَلى ذَكَرٍ أوْ أُنْثى فَلِمَ يُحَرِّمُونَ بَعْضًا ويُحِلُّونَ بَعْضًا ؟ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ يَقُولُ: كُلُّها حَلالٌ: يَعْنِي ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمّا حَرَّمَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ.
الأنعام 6:145
أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ لا يَجِدُ في شَيْءٍ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ مُحَرَّمًا غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى انْحِصارِ المُحَرَّماتِ فِيها لَوْلا أنَّها مَكِّيَّةٌ، وقَدْ نَزَلَ بَعْدَها بِالمَدِينَةِ سُورَةُ المائِدَةِ وزِيدَ فِيها عَلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - تَحْرِيمُ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ وتَحْرِيمُ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ والكِلابِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وبِالجُمْلَةِ فَهَذا العُمُومُ إنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَواناتِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ويُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ، فَيُضَمُّ إلَيْهِ كُلُّ ما ورَدَ بَعْدَهُ في الكِتابِ أوِ السُّنَّةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ شَيْءٍ مِنَ الحَيَواناتِ، وإنْ كانَ هَذا العُمُومُ هو بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ فَإنَّهُ يُضَمُّ إلَيْهِ كُلُّ ما ورَدَ بَعْدَهُ مِمّا فِيهِ تَحْرِيمُ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ وعائِشَةَ أنَّهُ لا حَرامَ إلّا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ وهو قَوْلٌ ساقِطٌ، ومَذْهَبٌ في غايَةِ الضَّعْفِ لِاسْتِلْزامِهِ لِإهْمالِ غَيْرِها مِمّا نَزَلَ بَعْدَها مِنَ القُرْآنِ، وإهْمالِ ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَهُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِلا سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ولا مُوجِبٍ يُوجِبُهُ.
قَوْلُهُ: مُحَرَّمًا صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ: أيْ طَعامًا مُحَرَّمًا عَلى أيِّ ﴿طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ مِنَ المَطاعِمِ، وفي يَطْعَمُهُ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ وتَقْرِيرٍ لِما قَبْلَهُ ﴿إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ أيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ أوْ ذَلِكَ الطَّعامُ أوِ العَيْنُ أوِ الجُثَّةُ أوِ النَّفْسُ.
وقُرِئَ " يَكُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ والفَوْقِيَّةِ، وقُرِئَ " مَيْتَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " يَكُونَ " تامَّةٌ.
والدَّمُ المَسْفُوحُ: الجارِي، وغَيْرُ المَسْفُوحِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كالدَّمِ الَّذِي يَبْقى في العُرُوقِ بَعْدَ الذَّبْحِ، ومِنهُ الكَبِدُ والطِّحالُ، وهَكَذا ما يَتَلَطَّخُ بِهِ اللَّحْمُ مِنَ الدَّمِ.
وقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلى هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ ظاهِرُ تَخْصِيصِ اللَّحْمِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ الِانْتِفاعُ مِنهُ بِما عَدا اللَّحْمَ، والضَّمِيرُ في فَإنَّهُ راجِعٌ إلى اللَّحْمِ أوْ إلى الخِنْزِيرِ.
والرِّجْسُ: النَّجِسُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.
قَوْلُهُ: أوْ فِسْقًا عَطْفٌ عَلى لَحْمِ خِنْزِيرٍ، و﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ صِفَةُ فِسْقٍ: أيْ ذُبِحَ عَلى الأصْنامِ، وسُمِّيَ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في بابِ الفِسْقِ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِسْقًا مَفْعُولًا لَهُ لِأُهِلَّ: أيْ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فِسْقًا عَلى عَطْفِ أُهِلَّ عَلى يَكُونُ، وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ فَلا يُؤاخِذُ المُضْطَرَّ بِما دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَتُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ أشْياءَ ويُحِلُّونَ أشْياءَ، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أشْياءَ ويَتْرُكُونَ أشْياءَ تَعَذُّرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وأنْزَلَ كِتابَهُ وأحَلَّ حَلالَهُ وحَرَّمَ حَرامَهُ، ما أحَلَّ فَهو حَلالٌ، وما حَرَّمَ فَهو حَرامٌ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: ما خَلا هَذا فَهو حَلالٌ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إنَّهم يَزْعُمُونَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ»، فَقالَ: قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الغِفارِيُّ عِنْدَنا بِالبَصْرَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَرَأ: ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ.
وأقُولُ: وإنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والتَمَسُّكُ بِقَوْلِ صَحابِيِّ في مُقابَلَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن سُوءِ الِاخْتِيارِ وعَدَمِ الإنْصافِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ حَرامٌ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو داوُدَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أكْلِ القُنْفُذِ، فَقَرَأ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ، فَقالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: خَبِيثَةٌ مِنَ الخَبائِثِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَهُ فَهو كَما قالَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ: أنَّها كانَتْ إذا سُئِلَتْ عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ تَلَتْ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ شاةً لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ماتَتْ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ ماتَتْ فُلانَةٌ: تَعْنِي الشّاةَ، قالَ: فَلَوْلا أخَذْتُمْ مَسْكَها ؟ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَأْخُذُ مَسْكَ شاةٍ قَدْ ماتَتْ ؟ فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وأنْتُمْ لا تَطْعَمُونَهُ، وإنَّما تَدْبَغُونَهُ حَتّى تَسْتَنْفِعُوا بِهِ، فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَسَلَخَتْها ثُمَّ دَبَغَتْهُ، فاتَّخَذَتْ مِنهُ قِرْبَةً حَتّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَها» .
ومِثْلُ هَذا حَدِيثُ شاةِ مَيْمُونَةَ، وهو في الصَّحِيحِ.
ومِثْلُهُ حَدِيثُ: «إنَّما (p-٤٥٥)حُرِّمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها» وهو أيْضًا في الصَّحِيحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قالَ: مُهْراقًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا ذَبَحُوا أوْدَجُوا الدّابَّةَ وأخَذُوا الدَّمَ فَأكَلُوهُ، قالَ: هو دَمٌ مَسْفُوحٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ،: أنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ الفِيلِ والأسَدِ فَتَلا ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ.
والأحادِيثُ الوارِدَةُ بِتَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ والحُمُرِ الأهْلِيَّةِ ونَحْوِها مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ.
الأنعام 6:146
قَدَّمَ عَلى الَّذِينَ هادُوا عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
والَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، ذَكَرَ اللَّهُ ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ عَقِبَ ذِكْرِ ما حَرَّمَهُ عَلى المُسْلِمِينَ.
والظُّفُرُ: واحِدُ الأظْفارِ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أظافِيرَ، وزادَ الفَرّاءُ في جُمُوعِ ظُفُرٍ أظافِرَ وأظافِرَةٌ وذُو الظُّفُرِ ما لَهُ أُصْبُعٌ مِن دابَّةٍ أوْ طائِرٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحافِرُ والخُفُّ والمِخْلَبُ، فَيَتَناوَلُ الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ والأوِّزَ والبَطَّ وكُلَّ ما لَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيْرِ، وتَسْمِيَةُ الحافِرِ ظُفُرًا مَجازٌ.
والأوْلى حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الظُّفُرِ في لُغَةِ العَرَبِ، لِأنَّ هَذا التَّعْمِيمَ يَأْباهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ﴾ فَإنْ كانَ في لُغَةِ العَرَبِ بِحَيْثُ يُقالُ عَلى البَقَرِ والغَنَمِ كانَ ذِكْرُهُما مِن بَعْدُ تَخْصِيصًا حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهم عَلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم﴾ ( النِّساءِ: ١٦٠ ) .
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ كَلَحْمِهِما، والشُّحُومُ يَدْخُلُ فِيها الثُّرُوبُ وشَحْمُ الكُلْيَةِ، وقِيلَ: الثُّرُوبُ جَمْع ثَرْبٍ، وهو الشَّحْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَكُونُ عَلى الكِرْشِ، ثُمَّ اسْتَثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشُّحُومِ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما مِنَ الشَّحْمِ فَإنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ظُهُورِهِما أيْ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوْ حَمَلَتِ الحَوايا، وهي المَباعِرُ الَّتِي يَجْتَمِعُ البَعْرُ فِيها، فَما حَمَلَتْهُ مِنَ الشَّحْمِ غَيْرُ حَرامٍ عَلَيْهِمْ، وواحِدُها حاوِيَةٌ، مِثْلُ ضارِبَةٍ وضَوارِبُ، وقِيلَ: واحِدُها حاوِياءُ مِثْلَ قاصِعاءَ وقَواصِعُ وقِيلَ: حَوِيَّةٌ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَوايا ما تُحْوى مِنَ البَطْنِ: أيْ ما اسْتَدارَ وهي مُتَحَوِّيَةٌ: أيْ مُسْتَدِيرَةٌ؛ وقِيلَ الحَوايا: خَزائِنُ اللَّبَنِ، وهي تَتَّصِلُ بِالمَباعِرِ وقِيلَ الحَوايا: الأمْعاءُ الَّتِي عَلَيْها الشُّحُومُ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ما " في " ما حَمَلَتْ " كَذا قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ، وقِيلَ: إنَّ الحَوايا وما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الشُّحُومِ.
والمَعْنى: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ولا وجْهَ لِهَذا التَّكَلُّفِ ولا مُوجِبَ لَهُ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ إحْدى هَذِهِ المَذْكُوراتِ.
والمُرادُ بِما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ: ما لَصِقَ بِالعِظامِ مِنَ الشُّحُومِ في جَمِيعِ مَواضِعِ الحَيَوانِ، ومِنهُ الإلْيَةُ فَإنَّها لاصِقَةٌ بِعَجَبِ الذَّنَبِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى التَّحْرِيمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِحَرَّمْنا أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ جَزَيْناهم بِهِ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى الجَزاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ جَزَيْناهم، وهو تَحْرِيمُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في كُلِّ ما نُخْبِرُ بِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الخَبَرُ، وهو مَوْجُودٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ونَصُّها: حَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وكُلَّ دابَّةٍ لَيْسَتْ مَشْقُوقَةَ الحافِرِ وكُلَّ حُوتٍ لَيْسَ فِيهِ سَفاسِفُ أيْ بَياضٌ انْتَهى.
والضَّمِيرُ في ١٤٧ - كَذَّبُوكَ لِلْيَهُودِ: أيْ فَإنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ فِيما وصَفْتَ مِن تَحْرِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ حِلْمُهُ عَنْكم وعَدَمُ مُعاجَلَتِهِ لَكم بِالعُقُوبَةِ في الدُّنْيا، وهو وإنْ أمْهَلَكم ورَحِمَكم فَ ﴿لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ إذا أنْزَلَهُ بِهِمُ اسْتَحَقُّوا المُعاجَلَةَ بِالعُقُوبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: لا يُرَدُّ بَأْسُهُ في الآخِرَةِ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ.
والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ عاجَلَهم بِعُقُوباتٍ مِنها تَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الأنْعامَ إلى تِلْكَ الأقْسامِ وحَلَّلُوا بَعْضَها وحَرَّمُوا بَعْضَها، وقِيلَ: المُرادُ: أنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِهَذا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ: هو الَّذِي لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الأصابِعِ، يَعْنِي لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الأصابِعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ: البَعِيرُ والنَّعامَةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو كُلُّ شَيْءٍ لَمْ تَنْفَرِجْ قَوائِمُهُ مِنَ البَهائِمِ، وما انْفَرَجَ أكَلَتْهُ اليَهُودُ، قالَ: انْفَرَجَتْ قَوائِمُ الدَّجاجِ والعَصافِيرِ فَيَهُودُ تَأْكُلُهُ، ولَمْ يَنْفَرِجْ خُفُّ البَعِيرِ ولا النَّعامَةِ، ولا قائِمَةُ الوَزِينَةِ فَلا تَأْكُلُ اليَهُودُ الإبِلَ ولا النَّعامَ ولا الوَزِينَةَ، ولا كُلَّ شَيْءٍ لَمْ تَنْفَرِجْ قائِمَتُهُ كَذَلِكَ، ولا تَأْكُلْ حِمارَ الوَحْشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ يَعْنِي ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ هي المَبْعَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ قالَ: الألْيَةُ ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَبْعَرُ ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالَ: الشَّحْمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَباعِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَرائِضُ والمَباعِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو (p-٤٥٦)الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالَ: الألْيَةُ اخْتَلَطَ شَحْمُ الألْيَةِ بِالعُصْعُصِ فَهو حَلالٌ وكُلُّ شَحْمِ القَوائِمِ والجَنْبِ والرَّأْسِ والعَيْنِ والأُذُنِ يَقُولُونَ قَدِ اخْتَلَطَ ذَلِكَ بِعَظْمٍ فَهو حَلالٌ لَهم، إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الثُّرْبَ وشَحْمَ الكُلْيَةِ وكُلَّ شَيْءٍ كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ في عَظْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إنَّ ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ فَنَحْنُ نُحَرِّمُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ الآيَةَ.
الأنعام 6:147
قَدَّمَ عَلى الَّذِينَ هادُوا عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
والَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، ذَكَرَ اللَّهُ ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ عَقِبَ ذِكْرِ ما حَرَّمَهُ عَلى المُسْلِمِينَ.
والظُّفُرُ: واحِدُ الأظْفارِ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أظافِيرَ، وزادَ الفَرّاءُ في جُمُوعِ ظُفُرٍ أظافِرَ وأظافِرَةٌ وذُو الظُّفُرِ ما لَهُ أُصْبُعٌ مِن دابَّةٍ أوْ طائِرٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحافِرُ والخُفُّ والمِخْلَبُ، فَيَتَناوَلُ الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ والأوِّزَ والبَطَّ وكُلَّ ما لَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيْرِ، وتَسْمِيَةُ الحافِرِ ظُفُرًا مَجازٌ.
والأوْلى حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الظُّفُرِ في لُغَةِ العَرَبِ، لِأنَّ هَذا التَّعْمِيمَ يَأْباهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ﴾ فَإنْ كانَ في لُغَةِ العَرَبِ بِحَيْثُ يُقالُ عَلى البَقَرِ والغَنَمِ كانَ ذِكْرُهُما مِن بَعْدُ تَخْصِيصًا حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهم عَلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم﴾ ( النِّساءِ: ١٦٠ ) .
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ كَلَحْمِهِما، والشُّحُومُ يَدْخُلُ فِيها الثُّرُوبُ وشَحْمُ الكُلْيَةِ، وقِيلَ: الثُّرُوبُ جَمْع ثَرْبٍ، وهو الشَّحْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَكُونُ عَلى الكِرْشِ، ثُمَّ اسْتَثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشُّحُومِ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما مِنَ الشَّحْمِ فَإنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ظُهُورِهِما أيْ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوْ حَمَلَتِ الحَوايا، وهي المَباعِرُ الَّتِي يَجْتَمِعُ البَعْرُ فِيها، فَما حَمَلَتْهُ مِنَ الشَّحْمِ غَيْرُ حَرامٍ عَلَيْهِمْ، وواحِدُها حاوِيَةٌ، مِثْلُ ضارِبَةٍ وضَوارِبُ، وقِيلَ: واحِدُها حاوِياءُ مِثْلَ قاصِعاءَ وقَواصِعُ وقِيلَ: حَوِيَّةٌ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَوايا ما تُحْوى مِنَ البَطْنِ: أيْ ما اسْتَدارَ وهي مُتَحَوِّيَةٌ: أيْ مُسْتَدِيرَةٌ؛ وقِيلَ الحَوايا: خَزائِنُ اللَّبَنِ، وهي تَتَّصِلُ بِالمَباعِرِ وقِيلَ الحَوايا: الأمْعاءُ الَّتِي عَلَيْها الشُّحُومُ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ما " في " ما حَمَلَتْ " كَذا قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ، وقِيلَ: إنَّ الحَوايا وما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الشُّحُومِ.
والمَعْنى: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ولا وجْهَ لِهَذا التَّكَلُّفِ ولا مُوجِبَ لَهُ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ إحْدى هَذِهِ المَذْكُوراتِ.
والمُرادُ بِما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ: ما لَصِقَ بِالعِظامِ مِنَ الشُّحُومِ في جَمِيعِ مَواضِعِ الحَيَوانِ، ومِنهُ الإلْيَةُ فَإنَّها لاصِقَةٌ بِعَجَبِ الذَّنَبِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى التَّحْرِيمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِحَرَّمْنا أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ جَزَيْناهم بِهِ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى الجَزاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ جَزَيْناهم، وهو تَحْرِيمُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في كُلِّ ما نُخْبِرُ بِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الخَبَرُ، وهو مَوْجُودٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ونَصُّها: حَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وكُلَّ دابَّةٍ لَيْسَتْ مَشْقُوقَةَ الحافِرِ وكُلَّ حُوتٍ لَيْسَ فِيهِ سَفاسِفُ أيْ بَياضٌ انْتَهى.
والضَّمِيرُ في ١٤٧ - كَذَّبُوكَ لِلْيَهُودِ: أيْ فَإنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ فِيما وصَفْتَ مِن تَحْرِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ حِلْمُهُ عَنْكم وعَدَمُ مُعاجَلَتِهِ لَكم بِالعُقُوبَةِ في الدُّنْيا، وهو وإنْ أمْهَلَكم ورَحِمَكم فَ ﴿لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ إذا أنْزَلَهُ بِهِمُ اسْتَحَقُّوا المُعاجَلَةَ بِالعُقُوبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: لا يُرَدُّ بَأْسُهُ في الآخِرَةِ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ.
والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ عاجَلَهم بِعُقُوباتٍ مِنها تَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الأنْعامَ إلى تِلْكَ الأقْسامِ وحَلَّلُوا بَعْضَها وحَرَّمُوا بَعْضَها، وقِيلَ: المُرادُ: أنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِهَذا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ: هو الَّذِي لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الأصابِعِ، يَعْنِي لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الأصابِعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ: البَعِيرُ والنَّعامَةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو كُلُّ شَيْءٍ لَمْ تَنْفَرِجْ قَوائِمُهُ مِنَ البَهائِمِ، وما انْفَرَجَ أكَلَتْهُ اليَهُودُ، قالَ: انْفَرَجَتْ قَوائِمُ الدَّجاجِ والعَصافِيرِ فَيَهُودُ تَأْكُلُهُ، ولَمْ يَنْفَرِجْ خُفُّ البَعِيرِ ولا النَّعامَةِ، ولا قائِمَةُ الوَزِينَةِ فَلا تَأْكُلُ اليَهُودُ الإبِلَ ولا النَّعامَ ولا الوَزِينَةَ، ولا كُلَّ شَيْءٍ لَمْ تَنْفَرِجْ قائِمَتُهُ كَذَلِكَ، ولا تَأْكُلْ حِمارَ الوَحْشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ يَعْنِي ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ هي المَبْعَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ قالَ: الألْيَةُ ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَبْعَرُ ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالَ: الشَّحْمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَباعِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَرائِضُ والمَباعِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو (p-٤٥٦)الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالَ: الألْيَةُ اخْتَلَطَ شَحْمُ الألْيَةِ بِالعُصْعُصِ فَهو حَلالٌ وكُلُّ شَحْمِ القَوائِمِ والجَنْبِ والرَّأْسِ والعَيْنِ والأُذُنِ يَقُولُونَ قَدِ اخْتَلَطَ ذَلِكَ بِعَظْمٍ فَهو حَلالٌ لَهم، إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الثُّرْبَ وشَحْمَ الكُلْيَةِ وكُلَّ شَيْءٍ كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ في عَظْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إنَّ ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ فَنَحْنُ نُحَرِّمُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ الآيَةَ.
الأنعام 6:148
قَدَّمَ عَلى الَّذِينَ هادُوا عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
والَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، ذَكَرَ اللَّهُ ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ عَقِبَ ذِكْرِ ما حَرَّمَهُ عَلى المُسْلِمِينَ.
والظُّفُرُ: واحِدُ الأظْفارِ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أظافِيرَ، وزادَ الفَرّاءُ في جُمُوعِ ظُفُرٍ أظافِرَ وأظافِرَةٌ وذُو الظُّفُرِ ما لَهُ أُصْبُعٌ مِن دابَّةٍ أوْ طائِرٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحافِرُ والخُفُّ والمِخْلَبُ، فَيَتَناوَلُ الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ والأوِّزَ والبَطَّ وكُلَّ ما لَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيْرِ، وتَسْمِيَةُ الحافِرِ ظُفُرًا مَجازٌ.
والأوْلى حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الظُّفُرِ في لُغَةِ العَرَبِ، لِأنَّ هَذا التَّعْمِيمَ يَأْباهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ﴾ فَإنْ كانَ في لُغَةِ العَرَبِ بِحَيْثُ يُقالُ عَلى البَقَرِ والغَنَمِ كانَ ذِكْرُهُما مِن بَعْدُ تَخْصِيصًا حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهم عَلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم﴾ ( النِّساءِ: ١٦٠ ) .
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ كَلَحْمِهِما، والشُّحُومُ يَدْخُلُ فِيها الثُّرُوبُ وشَحْمُ الكُلْيَةِ، وقِيلَ: الثُّرُوبُ جَمْع ثَرْبٍ، وهو الشَّحْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَكُونُ عَلى الكِرْشِ، ثُمَّ اسْتَثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشُّحُومِ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما مِنَ الشَّحْمِ فَإنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ظُهُورِهِما أيْ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوْ حَمَلَتِ الحَوايا، وهي المَباعِرُ الَّتِي يَجْتَمِعُ البَعْرُ فِيها، فَما حَمَلَتْهُ مِنَ الشَّحْمِ غَيْرُ حَرامٍ عَلَيْهِمْ، وواحِدُها حاوِيَةٌ، مِثْلُ ضارِبَةٍ وضَوارِبُ، وقِيلَ: واحِدُها حاوِياءُ مِثْلَ قاصِعاءَ وقَواصِعُ وقِيلَ: حَوِيَّةٌ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَوايا ما تُحْوى مِنَ البَطْنِ: أيْ ما اسْتَدارَ وهي مُتَحَوِّيَةٌ: أيْ مُسْتَدِيرَةٌ؛ وقِيلَ الحَوايا: خَزائِنُ اللَّبَنِ، وهي تَتَّصِلُ بِالمَباعِرِ وقِيلَ الحَوايا: الأمْعاءُ الَّتِي عَلَيْها الشُّحُومُ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ما " في " ما حَمَلَتْ " كَذا قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ، وقِيلَ: إنَّ الحَوايا وما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الشُّحُومِ.
والمَعْنى: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ولا وجْهَ لِهَذا التَّكَلُّفِ ولا مُوجِبَ لَهُ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ إحْدى هَذِهِ المَذْكُوراتِ.
والمُرادُ بِما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ: ما لَصِقَ بِالعِظامِ مِنَ الشُّحُومِ في جَمِيعِ مَواضِعِ الحَيَوانِ، ومِنهُ الإلْيَةُ فَإنَّها لاصِقَةٌ بِعَجَبِ الذَّنَبِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى التَّحْرِيمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِحَرَّمْنا أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ جَزَيْناهم بِهِ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى الجَزاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ جَزَيْناهم، وهو تَحْرِيمُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في كُلِّ ما نُخْبِرُ بِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الخَبَرُ، وهو مَوْجُودٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ونَصُّها: حَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وكُلَّ دابَّةٍ لَيْسَتْ مَشْقُوقَةَ الحافِرِ وكُلَّ حُوتٍ لَيْسَ فِيهِ سَفاسِفُ أيْ بَياضٌ انْتَهى.
والضَّمِيرُ في ١٤٧ - كَذَّبُوكَ لِلْيَهُودِ: أيْ فَإنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ فِيما وصَفْتَ مِن تَحْرِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ حِلْمُهُ عَنْكم وعَدَمُ مُعاجَلَتِهِ لَكم بِالعُقُوبَةِ في الدُّنْيا، وهو وإنْ أمْهَلَكم ورَحِمَكم فَ ﴿لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ إذا أنْزَلَهُ بِهِمُ اسْتَحَقُّوا المُعاجَلَةَ بِالعُقُوبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: لا يُرَدُّ بَأْسُهُ في الآخِرَةِ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ.
والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ عاجَلَهم بِعُقُوباتٍ مِنها تَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الأنْعامَ إلى تِلْكَ الأقْسامِ وحَلَّلُوا بَعْضَها وحَرَّمُوا بَعْضَها، وقِيلَ: المُرادُ: أنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِهَذا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ: هو الَّذِي لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الأصابِعِ، يَعْنِي لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الأصابِعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ: البَعِيرُ والنَّعامَةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو كُلُّ شَيْءٍ لَمْ تَنْفَرِجْ قَوائِمُهُ مِنَ البَهائِمِ، وما انْفَرَجَ أكَلَتْهُ اليَهُودُ، قالَ: انْفَرَجَتْ قَوائِمُ الدَّجاجِ والعَصافِيرِ فَيَهُودُ تَأْكُلُهُ، ولَمْ يَنْفَرِجْ خُفُّ البَعِيرِ ولا النَّعامَةِ، ولا قائِمَةُ الوَزِينَةِ فَلا تَأْكُلُ اليَهُودُ الإبِلَ ولا النَّعامَ ولا الوَزِينَةَ، ولا كُلَّ شَيْءٍ لَمْ تَنْفَرِجْ قائِمَتُهُ كَذَلِكَ، ولا تَأْكُلْ حِمارَ الوَحْشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ يَعْنِي ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ هي المَبْعَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ قالَ: الألْيَةُ ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَبْعَرُ ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالَ: الشَّحْمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَباعِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَرائِضُ والمَباعِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو (p-٤٥٦)الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالَ: الألْيَةُ اخْتَلَطَ شَحْمُ الألْيَةِ بِالعُصْعُصِ فَهو حَلالٌ وكُلُّ شَحْمِ القَوائِمِ والجَنْبِ والرَّأْسِ والعَيْنِ والأُذُنِ يَقُولُونَ قَدِ اخْتَلَطَ ذَلِكَ بِعَظْمٍ فَهو حَلالٌ لَهم، إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الثُّرْبَ وشَحْمَ الكُلْيَةِ وكُلَّ شَيْءٍ كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ في عَظْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إنَّ ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ فَنَحْنُ نُحَرِّمُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ الآيَةَ.
الأنعام 6:149
قَدَّمَ عَلى الَّذِينَ هادُوا عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ لا يُجاوِزُهم إلى غَيْرِهِمْ.
والَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، ذَكَرَ اللَّهُ ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ عَقِبَ ذِكْرِ ما حَرَّمَهُ عَلى المُسْلِمِينَ.
والظُّفُرُ: واحِدُ الأظْفارِ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أظافِيرَ، وزادَ الفَرّاءُ في جُمُوعِ ظُفُرٍ أظافِرَ وأظافِرَةٌ وذُو الظُّفُرِ ما لَهُ أُصْبُعٌ مِن دابَّةٍ أوْ طائِرٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الحافِرُ والخُفُّ والمِخْلَبُ، فَيَتَناوَلُ الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ والأوِّزَ والبَطَّ وكُلَّ ما لَهُ مِخْلَبٌ مِنَ الطَّيْرِ، وتَسْمِيَةُ الحافِرِ ظُفُرًا مَجازٌ.
والأوْلى حَمْلُ الظُّفُرِ عَلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الظُّفُرِ في لُغَةِ العَرَبِ، لِأنَّ هَذا التَّعْمِيمَ يَأْباهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ﴾ فَإنْ كانَ في لُغَةِ العَرَبِ بِحَيْثُ يُقالُ عَلى البَقَرِ والغَنَمِ كانَ ذِكْرُهُما مِن بَعْدُ تَخْصِيصًا حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهم عَلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم﴾ ( النِّساءِ: ١٦٠ ) .
قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا غَيْرَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ كَلَحْمِهِما، والشُّحُومُ يَدْخُلُ فِيها الثُّرُوبُ وشَحْمُ الكُلْيَةِ، وقِيلَ: الثُّرُوبُ جَمْع ثَرْبٍ، وهو الشَّحْمُ الرَّقِيقُ الَّذِي يَكُونُ عَلى الكِرْشِ، ثُمَّ اسْتَثْنى اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الشُّحُومِ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما مِنَ الشَّحْمِ فَإنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ظُهُورِهِما أيْ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوْ حَمَلَتِ الحَوايا، وهي المَباعِرُ الَّتِي يَجْتَمِعُ البَعْرُ فِيها، فَما حَمَلَتْهُ مِنَ الشَّحْمِ غَيْرُ حَرامٍ عَلَيْهِمْ، وواحِدُها حاوِيَةٌ، مِثْلُ ضارِبَةٍ وضَوارِبُ، وقِيلَ: واحِدُها حاوِياءُ مِثْلَ قاصِعاءَ وقَواصِعُ وقِيلَ: حَوِيَّةٌ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَوايا ما تُحْوى مِنَ البَطْنِ: أيْ ما اسْتَدارَ وهي مُتَحَوِّيَةٌ: أيْ مُسْتَدِيرَةٌ؛ وقِيلَ الحَوايا: خَزائِنُ اللَّبَنِ، وهي تَتَّصِلُ بِالمَباعِرِ وقِيلَ الحَوايا: الأمْعاءُ الَّتِي عَلَيْها الشُّحُومُ.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ما " في " ما حَمَلَتْ " كَذا قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ، وقِيلَ: إنَّ الحَوايا وما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الشُّحُومِ.
والمَعْنى: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما أوِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ولا وجْهَ لِهَذا التَّكَلُّفِ ولا مُوجِبَ لَهُ لِأنَّهُ يَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ إحْدى هَذِهِ المَذْكُوراتِ.
والمُرادُ بِما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ: ما لَصِقَ بِالعِظامِ مِنَ الشُّحُومِ في جَمِيعِ مَواضِعِ الحَيَوانِ، ومِنهُ الإلْيَةُ فَإنَّها لاصِقَةٌ بِعَجَبِ الذَّنَبِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى التَّحْرِيمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِحَرَّمْنا أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ جَزَيْناهم بِهِ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى الجَزاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الجَزاءُ جَزَيْناهم، وهو تَحْرِيمُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في كُلِّ ما نُخْبِرُ بِهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الخَبَرُ، وهو مَوْجُودٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ونَصُّها: حَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وكُلَّ دابَّةٍ لَيْسَتْ مَشْقُوقَةَ الحافِرِ وكُلَّ حُوتٍ لَيْسَ فِيهِ سَفاسِفُ أيْ بَياضٌ انْتَهى.
والضَّمِيرُ في ١٤٧ - كَذَّبُوكَ لِلْيَهُودِ: أيْ فَإنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ فِيما وصَفْتَ مِن تَحْرِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأشْياءَ ﴿فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ ومِن رَحْمَتِهِ حِلْمُهُ عَنْكم وعَدَمُ مُعاجَلَتِهِ لَكم بِالعُقُوبَةِ في الدُّنْيا، وهو وإنْ أمْهَلَكم ورَحِمَكم فَ ﴿لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ إذا أنْزَلَهُ بِهِمُ اسْتَحَقُّوا المُعاجَلَةَ بِالعُقُوبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: لا يُرَدُّ بَأْسُهُ في الآخِرَةِ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ.
والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ عاجَلَهم بِعُقُوباتٍ مِنها تَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الأنْعامَ إلى تِلْكَ الأقْسامِ وحَلَّلُوا بَعْضَها وحَرَّمُوا بَعْضَها، وقِيلَ: المُرادُ: أنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِهَذا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ: هو الَّذِي لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الأصابِعِ، يَعْنِي لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الأصابِعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قالَ: البَعِيرُ والنَّعامَةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو كُلُّ شَيْءٍ لَمْ تَنْفَرِجْ قَوائِمُهُ مِنَ البَهائِمِ، وما انْفَرَجَ أكَلَتْهُ اليَهُودُ، قالَ: انْفَرَجَتْ قَوائِمُ الدَّجاجِ والعَصافِيرِ فَيَهُودُ تَأْكُلُهُ، ولَمْ يَنْفَرِجْ خُفُّ البَعِيرِ ولا النَّعامَةِ، ولا قائِمَةُ الوَزِينَةِ فَلا تَأْكُلُ اليَهُودُ الإبِلَ ولا النَّعامَ ولا الوَزِينَةَ، ولا كُلَّ شَيْءٍ لَمْ تَنْفَرِجْ قائِمَتُهُ كَذَلِكَ، ولا تَأْكُلْ حِمارَ الوَحْشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ يَعْنِي ما عَلِقَ بِالظَّهْرِ مِنَ الشَّحْمِ ﴿أوِ الحَوايا﴾ هي المَبْعَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ قالَ: الألْيَةُ ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَبْعَرُ ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالَ: الشَّحْمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَباعِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، ﴿أوِ الحَوايا﴾ قالَ: المَرائِضُ والمَباعِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو (p-٤٥٦)الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ قالَ: الألْيَةُ اخْتَلَطَ شَحْمُ الألْيَةِ بِالعُصْعُصِ فَهو حَلالٌ وكُلُّ شَحْمِ القَوائِمِ والجَنْبِ والرَّأْسِ والعَيْنِ والأُذُنِ يَقُولُونَ قَدِ اخْتَلَطَ ذَلِكَ بِعَظْمٍ فَهو حَلالٌ لَهم، إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الثُّرْبَ وشَحْمَ الكُلْيَةِ وكُلَّ شَيْءٍ كانَ كَذَلِكَ لَيْسَ في عَظْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إنَّ ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ فَنَحْنُ نُحَرِّمُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ الآيَةَ.
الأنعام 6:150
أخْبَرَ اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ أنَّهم سَيَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ أوْ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ، يُرِيدُونَ أنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ شِرْكِهِمْ ما أشْرَكُوا هم ولا آباؤُهم ولا حَرَّمُوا شَيْئًا مِنَ الأنْعامِ كالبَحِيرَةِ ونَحْوِها، وظَنُّوا أنَّ هَذا القَوْلَ يُخَلِّصُهم عَنِ الحُجَّةِ الَّتِي ألْزَمَهم بِها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّ ما فَعَلُوهُ حَقٌّ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَأرْسَلَ اللَّهُ إلى آبائِهِمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ، وعَلى تَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ رُسُلًا يَأْمُرُونَهم بِتَرْكِ الشِّرْكِ وبِتَرْكِ التَّحْرِيمِ لِما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ، والتَّحْلِيلُ لِما لَمْ يُحَلِّلْهُ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِثْلَ ما كَذَّبَ هَؤُلاءِ كَذَّبَ مَن قَبْلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ أنْبِياءَ اللَّهِ ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا الَّذِي أنْزَلْناهُ بِهِمْ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ أيْ هَلْ عِنْدَكم دَلِيلٌ صَحِيحٌ يُعَدُّ مِنَ العِلْمِ النّافِعِ فَتُخْرِجُوهُ إلَيْنا لِنَنْظُرَ فِيهِ ونَتَدَبَّرَهُ، والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّبْكِيتُ لَهم، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدَهم يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ، ويَقُومُ بِهِ البُرْهانُ ثُمَّ أوْضَحَ لَهم أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ، وأنَّهم إنَّما يَتَّبِعُونَ الظُّنُونَ: أيْ ما يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ الَّذِي هو مَحَلُّ الخَطَأِ ومَكانُ الجَهْلِ ﴿وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ أيْ تَتَوَهَّمُونَ مُجَرَّدَ تَوَهُّمٍ فَقَطْ كَما يَتَوَهَّمُ الخارِصُ، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُهُ.
ثُمَّ أمَرَهُ الله سُبْحانَهُ بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّ لِلَّهِ الحُجَّةَ البالِغَةَ عَلى النّاسِ: أيِ الَّتِي تَنْقَطِعُ عِنْدَها مَعاذِيرُهم، وتَبْطُلُ شَبَهُهم، وظُنُونُهم وتَوَهُّماتُهم.
والمُرادُ بِها الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، والرُّسُلُ المُرْسَلَةُ، وما جاءُوا بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ هِدايَتَكم جَمِيعًا ﴿لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ ( الأنْعامِ: ١٠٧ ) ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ( الأنْعامِ: ١١١ ) ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أيْ هاتُوهم وأحْضِرُوهم، وهو اسْمُ فِعْلٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمُفْرَدُ والمُثَنّى والمَجْمُوعُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: هَلُمّا هَلُمِّي هَلُمُّوا، فَيَنْطِقُونَ بِهِ كَما يَنْطِقُونَ بِسائِرِ الأفْعالِ، وبِلُغَةِ أهْلِ الحِجازِ نَزَلَ القُرْآنُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ ( الأحْزابِ: ١٨ ) والأصْلُ عِنْدَ الخَلِيلِ ها ضُمَّتْ إلَيْها لَمْ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُها هَلْ زِيدَتْ عَلَيْها المِيمُ، وفي كِتابِ العَيْنِ لِلْخَلِيلِ: أنَّ أصْلَها هَلْ أؤُمَّ: أيْ هَلْ أقْصِدُكَ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهم لَها، وهَذا أيْضًا مِن بابِ التَّبْكِيتِ لَهم حَيْثُ يَأْمُرُهم بِإحْضارِ الشُّهُودِ عَلى أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ تِلْكَ الأشْياءَ مَعَ عِلْمِهِ أنْ لا شُهُودَ لَهم ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ لَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ بَلْ مُجازَفَةً وتَعَصُّبًا ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهم﴾ أيْ فَلا تُصَدِّقْهم ولا تُسَلِّمُ لَهم فَإنَّهم كاذِبُونَ جاهِلُونَ، وشَهادَتُهم باطِلَةٌ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم، فَإنَّهم رَأْسُ المُكَذِّبِينَ بِآياتِنا.
قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ: أيْ لا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، وأهْواءَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴿وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ يَجْعَلُونَ لَهُ عِدْلًا مِن مَخْلُوقاتِهِ كالأوْثانِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى لا يُؤْمِنُونَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ قُرَيْشٍ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا: أيِ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ، والوَصِيلَةَ والِحامِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ قالَ: السُّلْطانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قِيلَ: لَهُ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ لَيْسَ الشَّرُّ بِقَدَرٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنَنا وبَيْنَ أهْلِ القَدَرِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والعَجْزُ والكَيْسُ مِنَ القَدَرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قالَ: انْقَطَعَتْ حُجَّةُ القَدَرِيَّةِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ قالَ: أرُونِي شُهَداءَكم.
الأنعام 6:151
(p-٤٥٧)قَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ أيْ تَقَدَّمُوا.
قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: إنَّ المَأْمُورَ بِالتَّقَدُّمِ في أصْلِ وضْعِ هَذا الفِعْلِ كَأنَّهُ كانَ قاعِدًا، فَقِيلَ: لَهُ تَعالَ: أيِ ارْفَعْ شَخْصَكَ بِالقِيامِ وتَقَدَّمَ، واتْسَعُوا فِيهِ حَتّى جَعَلُوهُ لِلْواقِفِ والماشِي.
وهَكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِنَ الخاصِّ الَّذِي صارَ عامّا، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في مَكانٍ عالٍ لِمَن هو أسْفَلُ مِنهُ، ثُمَّ كَثُرَ واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى عَمَّ.
قَوْلُهُ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ أتْلُ جَوابُ الأمْرِ، وما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِهِ: أيْ أتْلُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم عَلَيْكم.
والمُرادُ مِن تِلاوَةِ ما حَرَّمَ اللَّهُ تِلاوَةُ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ أتْلُ تَحْرِيمَ رَبِّكم.
والمَعْنى: ما اشْتَمَلَ عَلى التَّحْرِيمِ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ أيْ أتْلُ أيَّ شَيْءِ حَرَّمَ رَبُّكم عَلى جَعْلِ التِّلاوَةِ بِمَعْنى القَوْلِ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، و" عَلَيْكم " إنْ تَعَلَّقَ بِأتْلُ، فالمَعْنى: أتْلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم، وإنْ تَعَلَّقَ بِحَرَّمَ، فالمَعْنى أتْلُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، وهَذا أوْلى، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ بَيانِ ما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم لا مَقامُ بَيانِ ما هو مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا، وقِيلَ: إنَّ " عَلَيْكم " لِلْإغْراءِ ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها.
والمَعْنى عَلَيْكم أنْ لا تُشْرِكُوا إلى آخِرِهِ: أيِ الزَمُوا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ( المائِدَةِ: ١٠٥ ) وهو أضْعَفُ مِمّا قَبْلَهُ، وأنْ في أنْ لا تُشْرِكُوا مُفَسِّرَةٌ لِفِعْلِ التِّلاوَةِ، وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِن ما: أيْ أتْلُ عَلَيْكم تَحْرِيمَ الإشْراكِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيِ المَتْلُوُّ أنْ لا تُشْرِكُوا، وشَيْئًا مَفْعُولٌ أوْ مَصْدَرٌ أيْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ.
قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا، والإحْسانُ إلَيْهِما البِرُّ بِهِما، وامْتِثالُ أمْرِهِما ونَهْيِهِما.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ حَقَّ الوالِدَيْنِ عَلى الأوْلادِ، ذَكَرَ حَقَّ الأوْلادِ عَلى الوالِدَيْنِ، وهو أنْ لا يَقْتُلُوهم مِن أجْلِ إمْلاقٍ.
والإمْلاقُ الفَقْرُ، فَقَدْ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِالذَّكَرِ والإناثِ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وتَفْعَلُهُ بِالإناثِ خاصَّةً خَشْيَةَ العارِ، وحَكى النَّقّاشُ عَنْ مُؤَرِّجٍ أنَّ الإمْلاقَ الجُوعُ بِلُغَةِ لَخْمٍ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ أنَّ الإمْلاقَ الإنْفاقُ.
يُقالُ: أمْلَقَ مالَهُ: بِمَعْنى أنْفَقَهُ.
والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ، وأئِمَّةُ التَّفْسِيرِ هاهُنا ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ أيِ المَعاصِيَ، ومِنهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنى إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ ( الإسْراءِ: ٣٢ ) وما في ﴿ما ظَهَرَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الفَواحِشِ، وكَذا ما بَطَنَ.
والمُرادُ بِما ظَهَرَ ما أعْلَنَ بِهِ مِنها، وما بَطَنَ: ما أسَرَّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ، ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ اللّامُ في النَّفْسِ لِلْجِنْسِ، و﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ صِفَةٌ لِلنَّفْسِ: أيْ لا تَقْتُلُوا شَيْئًا مِنَ الأنْفُسِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ إلّا بِما يُوجِبُهُ الحَقُّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ لا تَقْتُلُوهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الحَقِّ، أوْ لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، ومِنَ الحَقِّ قَتْلُها قَصاصًا وقَتْلُها بِسَبَبِ زِنا المُحْصَنِ، وقَتْلُها بِسَبَبِ الرِّدَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي ورَدَ الشَّرْعُ بِها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ خَبَرُهُ: أيْ أمَرَكم بِهِ، وأوْجَبَهُ عَلَيْكم.
١٥٢ - ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِـ الخَصْلَةِ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِن غَيْرِها، وهي ما فِيهِ صَلاحُهُ وحِفْظُهُ وتَنْمِيَتُهُ، فَيَشْمَلُ كُلَّ وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي فِيها نَفْعٌ لِلْيَتِيمِ وزِيادَةٌ في مالِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ التِّجارَةُ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ إلى غايَةٍ هي أنْ يَبْلُغَ اليَتِيمُ أشُدَّهُ، فَإنْ بَلَغَ ذَلِكَ فادْفَعُوا إلَيْهِ مالَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم﴾ ( النِّساءِ: ٦ ) .
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأشُدِّ، فَقالَ أهْلُ المَدِينَةِ: بُلُوغُهُ وإيناسُ رُشْدِهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: هو البُلُوغُ.
وقِيلَ: إنَّهُ انْتِهاءُ الكُهُولَةِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ الرَّباحِيِّ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي وبِحَدِيثِي مُداوَرَةُ الشُّئُونِ
والأوْلى في تَحْقِيقِ بُلُوغِ الأشُدِّ أنَّهُ البُلُوغُ إلى سِنِّ التَّكْلِيفِ مَعَ إيناسِ الرُّشْدِ، وهو أنْ يَكُونَ في تَصَرُّفاتِهِ بِمالِهِ سالِكًا مَسْلَكَ العُقَلاءِ، لا مَسْلَكَ أهْلِ السَّفَهِ والتَّبْذِيرِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم﴾ ( النِّساءِ: ٦ ) فَجَعَلَ بُلُوغَ النِّكاحِ، وهو بُلُوغُ سِنِّ التَّكْلِيفِ مُقَيَّدًا بِإيناسِ الرُّشْدِ، ولَعَلَّهُ قَدْ سَبَقَ هُنالِكَ كَلامٌ في هَذا، والأشُدُّ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقِيلَ: واحِدُهُ شَدٌّ كَفَلْسٍ وأفْلُسٍ وأصْلُهُ مِن شَدَّ النَّهارُ: أيِ ارْتَفَعَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهُ شِدَّةٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهو حَسَنٌ في المَعْنى، لِأنَّهُ يُقالُ: بَلَغَ الكَلامُ شِدَّتَهُ، ولَكِنْ لا تُجْمَعُ فِعْلَةٌ عَلى أفْعُلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ في الأخْذِ والإعْطاءِ عِنْدَ البَيْعِ والشِّراءِ ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيْ إلّا طاقَتَها في كُلِّ تَكْلِيفٍ مِنَ التَّكالِيفِ، ومِنهُ التَّكْلِيفُ بِإيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ، فَلا يُخاطَبُ المُتَوَلِّي لَهُما بِما لا يُمْكِنُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ أيْ إذا قُلْتُمْ بِقَوْلٍ في خَبَرٍ أوْ شَهادَةٍ أوْ جَرْحٍ أوْ تَعْدِيلٍ فاعْدِلُوا فِيهِ وتَحَرَّوُا الصَّوابَ، ولا تَتَعَصَّبُوا في ذَلِكَ لِقَرِيبٍ ولا عَلى بَعِيدٍ، ولا تَمِيلُوا إلى صَدِيقٍ ولا عَلى عَدُوٍّ، بَلْ سَوُّوا بَيْنَ النّاسِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ العَدْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿ولَوْ كانَ﴾ راجِعٌ إلى ما يُفِيدُهُ ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَوْلِ مِن مَقُولٍ فِيهِ، أوْ مَقُولٍ لَهُ: أيْ ولَوْ كانَ المَقُولُ فِيهِ، أوِ المَقُولُ لَهُ ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ صاحِبَ قَرابَةٍ لَكم.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: ولَوْ كانَ الحَقُّ عَلى مِثْلِ قَراباتِكم والأوَّلُ أوْلى، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ ( النِّساءِ: ١٣٥ ) .
قَوْلُهُ: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ أيْ أوْفُوا بِكُلِّ عَهْدٍ عَهِدَهُ اللَّهُ إلَيْكم، ومِن جُمْلَةِ ما عَهِدَهُ إلَيْكم ما تَلاهُ عَلَيْكم رَسُولُهُ بِأمْرِهِ في هَذا المَقامِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ كُلُّ عَهْدٍ، ولَوْ كانَ بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، لِأنَّ اللَّهَ (p-٤٥٨)سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالوَفاءِ بِهِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ كانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِإضافَتِهِ إلَيْهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَتَّعِظُونَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ أنَّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ واتْلُ أنَّ هَذا صِراطِي قالَهُ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ.
قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا: أيْ وصّاكم بِهِ، وبِأنَّ هَذا.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ التَّقْدِيرَ ولِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ ( الجِنِّ: ١٨ ) .
وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: " وإنَّ هَذا " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآياتِ صِراطِي.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ " وإنْ هَذا صِراطِي " بِالتَّخْفِيفِ عَلى تَقْدِيرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " هَذا صِراطِي " وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، وهو طَرِيقُ دِينِ الإسْلامِ، ونَصْبُ مَسْتَقِيمًا عَلى الحالِ، والمُسْتَقِيمُ المُسْتَوِي الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِهِ ونَهاهم عَنِ اتِّباعِ سائِرِ السُّبُلِ: أيِ الأدْيانِ المُتَبايِنَةِ طُرُقُها ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ أيْ تَمِيلَ بِكم ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو دِينُ الإسْلامِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ السُّبُلُ تَعُمُّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ والمَجُوسِيَّةَ وسائِرَ أهْلِ المِلَلِ وأهْلِ البِدَعِ والضَّلالاتِ مِن أهْلِ الأهْواءِ والشُّذُوذِ في الفُرُوعِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أهْلِ التَّعَمُّقِ في الجَدَلِ والخَوْضِ في الكَلامِ، هَذِهِ كُلُّها عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ ومَظِنَّةٌ لِسُوءِ المُعْتَقَدِ، والإشارَةُ بِـ ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أيْ أكَّدَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ بِهِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ما نَهاكم عَنْهُ.
وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أيُّكم يُبايِعُنِي عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ ؟ ثُمَّ تَلا ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ إلى ثَلاثِ آياتٍ، ثُمَّ قالَ: فَمَن وفّى بِهِنَّ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ومَنِ انْتَقَصَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأدْرَكَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا كانَتْ عُقُوبَتَهُ، ومَن أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ كانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ إنْ شاءَ أخَذَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ عَشْرُ آياتٍ، وهي العَشْرُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن آخِرِ الأنْعامِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم﴾ إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ قالَ: سَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ﴾ فَقالَ كَعْبٌ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إنَّها لَأوَّلُ آيَةٍ في التَّوْراةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم﴾ إلى آخِرِ الآياتِ انْتَهى.
قُلْتُ: هي الوَصايا العَشْرُ الَّتِي في التَّوْراةِ، وأوَّلُها أنا الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِن بَيْتِ العُبُودِيَّةِ لا يَكُنْ لَكَ إلَهٌ آخَرُ غَيْرِي.
ومِنها: أكْرِمْ أباكَ وأُمَّكَ لِيَطُولَ عُمُرُكَ في الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إلَهُكَ، لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرِقْ، لا تَشْهَدْ عَلى قَرِيبِكَ شَهادَةَ زُورٍ، لا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ، ولا تَشْتَهِ امْرَأةَ قَرِيبِكَ ولا عَبْدَهُ، ولا أمَتَهُ، ولا ثَوْرَهُ، ولا حِمارَهُ، ولا شَيْئًا مِمّا لِقَرِيبِكَ، فَلَعَلَّ مُرادُ كَعْبِ الأحْبارِ هَذا، ولِلْيَهُودِ بِهَذِهِ الوَصايا عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدْ كَتَبَها أهْلُ الزَّبُورِ في آخِرِ زَبُورِهِمْ، وأهْلُ الإنْجِيلِ في أوَّلِ إنْجِيلِهِمْ.
وهِيَ مَكْتُوبَةٌ في لَوْحَيْنِ، وقَدْ تَرَكْنا مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِالسَّبْتِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ قالَ: مِن خَشْيَةِ الفاقَةِ، قالَ: وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ أحَدُهُمُ ابْنَتَهُ مَخافَةَ الفاقَةِ عَلَيْها والسَّبْيِ ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ: سِرَّها وعَلانِيَتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ قالَ: خَشْيَةَ الفَقْرِ ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يَرَوْنَ بِالزِّنا بَأْسًا في السِّرِّ ويَسْتَقْبِحُونَهُ في العَلانِيَةِ فَحَرَّمَ اللَّهُ الزِّنا في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ: اعْلَمُوا أنَّ السَّبِيلَ سَبِيلٌ واحِدٌ، جَماعَةُ الهُدى ومَصِيرُهُ الجَنَّةُ، وأنَّ إبْلِيسَ اشْتَرَعَ سُبُلًا مُتَفَرِّقَةً، جَماعَةَ الضَّلالَةِ ومَصِيرُها النّارُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ، والنِّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَطّا بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنها سَبِيلٌ إلّا عَلَيْهِ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: ما الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ ؟ قالَ: تَرَكْنا مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في أدْناهُ وطَرَفُهُ الجَنَّةُ، وعَنْ يَمِينِهِ جَوادٌ وعَنْ شِمالِهِ جَوادٌ، وثَمَّ رِجالٌ يَدْعُونَ مَن مَرَّ بِهِمْ، فَمَن أخَذَ في تِلْكَ الجَوادِ انْتَهَتْ بِهِ إلى النّارِ، ومَن أخَذَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ انْتَهى بِهِ إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قالَ: الضَّلالاتُ.
الأنعام 6:152
(p-٤٥٧)قَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ أيْ تَقَدَّمُوا.
قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: إنَّ المَأْمُورَ بِالتَّقَدُّمِ في أصْلِ وضْعِ هَذا الفِعْلِ كَأنَّهُ كانَ قاعِدًا، فَقِيلَ: لَهُ تَعالَ: أيِ ارْفَعْ شَخْصَكَ بِالقِيامِ وتَقَدَّمَ، واتْسَعُوا فِيهِ حَتّى جَعَلُوهُ لِلْواقِفِ والماشِي.
وهَكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِنَ الخاصِّ الَّذِي صارَ عامّا، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في مَكانٍ عالٍ لِمَن هو أسْفَلُ مِنهُ، ثُمَّ كَثُرَ واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى عَمَّ.
قَوْلُهُ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ أتْلُ جَوابُ الأمْرِ، وما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِهِ: أيْ أتْلُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم عَلَيْكم.
والمُرادُ مِن تِلاوَةِ ما حَرَّمَ اللَّهُ تِلاوَةُ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ أتْلُ تَحْرِيمَ رَبِّكم.
والمَعْنى: ما اشْتَمَلَ عَلى التَّحْرِيمِ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ أيْ أتْلُ أيَّ شَيْءِ حَرَّمَ رَبُّكم عَلى جَعْلِ التِّلاوَةِ بِمَعْنى القَوْلِ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، و" عَلَيْكم " إنْ تَعَلَّقَ بِأتْلُ، فالمَعْنى: أتْلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم، وإنْ تَعَلَّقَ بِحَرَّمَ، فالمَعْنى أتْلُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، وهَذا أوْلى، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ بَيانِ ما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم لا مَقامُ بَيانِ ما هو مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا، وقِيلَ: إنَّ " عَلَيْكم " لِلْإغْراءِ ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها.
والمَعْنى عَلَيْكم أنْ لا تُشْرِكُوا إلى آخِرِهِ: أيِ الزَمُوا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ( المائِدَةِ: ١٠٥ ) وهو أضْعَفُ مِمّا قَبْلَهُ، وأنْ في أنْ لا تُشْرِكُوا مُفَسِّرَةٌ لِفِعْلِ التِّلاوَةِ، وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِن ما: أيْ أتْلُ عَلَيْكم تَحْرِيمَ الإشْراكِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيِ المَتْلُوُّ أنْ لا تُشْرِكُوا، وشَيْئًا مَفْعُولٌ أوْ مَصْدَرٌ أيْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ.
قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا، والإحْسانُ إلَيْهِما البِرُّ بِهِما، وامْتِثالُ أمْرِهِما ونَهْيِهِما.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ حَقَّ الوالِدَيْنِ عَلى الأوْلادِ، ذَكَرَ حَقَّ الأوْلادِ عَلى الوالِدَيْنِ، وهو أنْ لا يَقْتُلُوهم مِن أجْلِ إمْلاقٍ.
والإمْلاقُ الفَقْرُ، فَقَدْ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِالذَّكَرِ والإناثِ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وتَفْعَلُهُ بِالإناثِ خاصَّةً خَشْيَةَ العارِ، وحَكى النَّقّاشُ عَنْ مُؤَرِّجٍ أنَّ الإمْلاقَ الجُوعُ بِلُغَةِ لَخْمٍ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ أنَّ الإمْلاقَ الإنْفاقُ.
يُقالُ: أمْلَقَ مالَهُ: بِمَعْنى أنْفَقَهُ.
والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ، وأئِمَّةُ التَّفْسِيرِ هاهُنا ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ أيِ المَعاصِيَ، ومِنهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنى إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ ( الإسْراءِ: ٣٢ ) وما في ﴿ما ظَهَرَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الفَواحِشِ، وكَذا ما بَطَنَ.
والمُرادُ بِما ظَهَرَ ما أعْلَنَ بِهِ مِنها، وما بَطَنَ: ما أسَرَّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ، ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ اللّامُ في النَّفْسِ لِلْجِنْسِ، و﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ صِفَةٌ لِلنَّفْسِ: أيْ لا تَقْتُلُوا شَيْئًا مِنَ الأنْفُسِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ إلّا بِما يُوجِبُهُ الحَقُّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ لا تَقْتُلُوهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الحَقِّ، أوْ لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، ومِنَ الحَقِّ قَتْلُها قَصاصًا وقَتْلُها بِسَبَبِ زِنا المُحْصَنِ، وقَتْلُها بِسَبَبِ الرِّدَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي ورَدَ الشَّرْعُ بِها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ خَبَرُهُ: أيْ أمَرَكم بِهِ، وأوْجَبَهُ عَلَيْكم.
١٥٢ - ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِـ الخَصْلَةِ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِن غَيْرِها، وهي ما فِيهِ صَلاحُهُ وحِفْظُهُ وتَنْمِيَتُهُ، فَيَشْمَلُ كُلَّ وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي فِيها نَفْعٌ لِلْيَتِيمِ وزِيادَةٌ في مالِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ التِّجارَةُ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ إلى غايَةٍ هي أنْ يَبْلُغَ اليَتِيمُ أشُدَّهُ، فَإنْ بَلَغَ ذَلِكَ فادْفَعُوا إلَيْهِ مالَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم﴾ ( النِّساءِ: ٦ ) .
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأشُدِّ، فَقالَ أهْلُ المَدِينَةِ: بُلُوغُهُ وإيناسُ رُشْدِهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: هو البُلُوغُ.
وقِيلَ: إنَّهُ انْتِهاءُ الكُهُولَةِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ الرَّباحِيِّ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي وبِحَدِيثِي مُداوَرَةُ الشُّئُونِ
والأوْلى في تَحْقِيقِ بُلُوغِ الأشُدِّ أنَّهُ البُلُوغُ إلى سِنِّ التَّكْلِيفِ مَعَ إيناسِ الرُّشْدِ، وهو أنْ يَكُونَ في تَصَرُّفاتِهِ بِمالِهِ سالِكًا مَسْلَكَ العُقَلاءِ، لا مَسْلَكَ أهْلِ السَّفَهِ والتَّبْذِيرِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم﴾ ( النِّساءِ: ٦ ) فَجَعَلَ بُلُوغَ النِّكاحِ، وهو بُلُوغُ سِنِّ التَّكْلِيفِ مُقَيَّدًا بِإيناسِ الرُّشْدِ، ولَعَلَّهُ قَدْ سَبَقَ هُنالِكَ كَلامٌ في هَذا، والأشُدُّ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقِيلَ: واحِدُهُ شَدٌّ كَفَلْسٍ وأفْلُسٍ وأصْلُهُ مِن شَدَّ النَّهارُ: أيِ ارْتَفَعَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهُ شِدَّةٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهو حَسَنٌ في المَعْنى، لِأنَّهُ يُقالُ: بَلَغَ الكَلامُ شِدَّتَهُ، ولَكِنْ لا تُجْمَعُ فِعْلَةٌ عَلى أفْعُلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ في الأخْذِ والإعْطاءِ عِنْدَ البَيْعِ والشِّراءِ ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيْ إلّا طاقَتَها في كُلِّ تَكْلِيفٍ مِنَ التَّكالِيفِ، ومِنهُ التَّكْلِيفُ بِإيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ، فَلا يُخاطَبُ المُتَوَلِّي لَهُما بِما لا يُمْكِنُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ أيْ إذا قُلْتُمْ بِقَوْلٍ في خَبَرٍ أوْ شَهادَةٍ أوْ جَرْحٍ أوْ تَعْدِيلٍ فاعْدِلُوا فِيهِ وتَحَرَّوُا الصَّوابَ، ولا تَتَعَصَّبُوا في ذَلِكَ لِقَرِيبٍ ولا عَلى بَعِيدٍ، ولا تَمِيلُوا إلى صَدِيقٍ ولا عَلى عَدُوٍّ، بَلْ سَوُّوا بَيْنَ النّاسِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ العَدْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿ولَوْ كانَ﴾ راجِعٌ إلى ما يُفِيدُهُ ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَوْلِ مِن مَقُولٍ فِيهِ، أوْ مَقُولٍ لَهُ: أيْ ولَوْ كانَ المَقُولُ فِيهِ، أوِ المَقُولُ لَهُ ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ صاحِبَ قَرابَةٍ لَكم.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: ولَوْ كانَ الحَقُّ عَلى مِثْلِ قَراباتِكم والأوَّلُ أوْلى، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ ( النِّساءِ: ١٣٥ ) .
قَوْلُهُ: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ أيْ أوْفُوا بِكُلِّ عَهْدٍ عَهِدَهُ اللَّهُ إلَيْكم، ومِن جُمْلَةِ ما عَهِدَهُ إلَيْكم ما تَلاهُ عَلَيْكم رَسُولُهُ بِأمْرِهِ في هَذا المَقامِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ كُلُّ عَهْدٍ، ولَوْ كانَ بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، لِأنَّ اللَّهَ (p-٤٥٨)سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالوَفاءِ بِهِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ كانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِإضافَتِهِ إلَيْهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَتَّعِظُونَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ أنَّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ واتْلُ أنَّ هَذا صِراطِي قالَهُ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ.
قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا: أيْ وصّاكم بِهِ، وبِأنَّ هَذا.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ التَّقْدِيرَ ولِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ ( الجِنِّ: ١٨ ) .
وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: " وإنَّ هَذا " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآياتِ صِراطِي.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ " وإنْ هَذا صِراطِي " بِالتَّخْفِيفِ عَلى تَقْدِيرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " هَذا صِراطِي " وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، وهو طَرِيقُ دِينِ الإسْلامِ، ونَصْبُ مَسْتَقِيمًا عَلى الحالِ، والمُسْتَقِيمُ المُسْتَوِي الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِهِ ونَهاهم عَنِ اتِّباعِ سائِرِ السُّبُلِ: أيِ الأدْيانِ المُتَبايِنَةِ طُرُقُها ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ أيْ تَمِيلَ بِكم ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو دِينُ الإسْلامِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ السُّبُلُ تَعُمُّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ والمَجُوسِيَّةَ وسائِرَ أهْلِ المِلَلِ وأهْلِ البِدَعِ والضَّلالاتِ مِن أهْلِ الأهْواءِ والشُّذُوذِ في الفُرُوعِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أهْلِ التَّعَمُّقِ في الجَدَلِ والخَوْضِ في الكَلامِ، هَذِهِ كُلُّها عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ ومَظِنَّةٌ لِسُوءِ المُعْتَقَدِ، والإشارَةُ بِـ ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أيْ أكَّدَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ بِهِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ما نَهاكم عَنْهُ.
وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أيُّكم يُبايِعُنِي عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ ؟ ثُمَّ تَلا ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ إلى ثَلاثِ آياتٍ، ثُمَّ قالَ: فَمَن وفّى بِهِنَّ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ومَنِ انْتَقَصَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأدْرَكَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا كانَتْ عُقُوبَتَهُ، ومَن أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ كانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ إنْ شاءَ أخَذَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ عَشْرُ آياتٍ، وهي العَشْرُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن آخِرِ الأنْعامِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم﴾ إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ قالَ: سَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ﴾ فَقالَ كَعْبٌ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إنَّها لَأوَّلُ آيَةٍ في التَّوْراةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم﴾ إلى آخِرِ الآياتِ انْتَهى.
قُلْتُ: هي الوَصايا العَشْرُ الَّتِي في التَّوْراةِ، وأوَّلُها أنا الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِن بَيْتِ العُبُودِيَّةِ لا يَكُنْ لَكَ إلَهٌ آخَرُ غَيْرِي.
ومِنها: أكْرِمْ أباكَ وأُمَّكَ لِيَطُولَ عُمُرُكَ في الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إلَهُكَ، لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرِقْ، لا تَشْهَدْ عَلى قَرِيبِكَ شَهادَةَ زُورٍ، لا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ، ولا تَشْتَهِ امْرَأةَ قَرِيبِكَ ولا عَبْدَهُ، ولا أمَتَهُ، ولا ثَوْرَهُ، ولا حِمارَهُ، ولا شَيْئًا مِمّا لِقَرِيبِكَ، فَلَعَلَّ مُرادُ كَعْبِ الأحْبارِ هَذا، ولِلْيَهُودِ بِهَذِهِ الوَصايا عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدْ كَتَبَها أهْلُ الزَّبُورِ في آخِرِ زَبُورِهِمْ، وأهْلُ الإنْجِيلِ في أوَّلِ إنْجِيلِهِمْ.
وهِيَ مَكْتُوبَةٌ في لَوْحَيْنِ، وقَدْ تَرَكْنا مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِالسَّبْتِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ قالَ: مِن خَشْيَةِ الفاقَةِ، قالَ: وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ أحَدُهُمُ ابْنَتَهُ مَخافَةَ الفاقَةِ عَلَيْها والسَّبْيِ ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ: سِرَّها وعَلانِيَتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ قالَ: خَشْيَةَ الفَقْرِ ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يَرَوْنَ بِالزِّنا بَأْسًا في السِّرِّ ويَسْتَقْبِحُونَهُ في العَلانِيَةِ فَحَرَّمَ اللَّهُ الزِّنا في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ: اعْلَمُوا أنَّ السَّبِيلَ سَبِيلٌ واحِدٌ، جَماعَةُ الهُدى ومَصِيرُهُ الجَنَّةُ، وأنَّ إبْلِيسَ اشْتَرَعَ سُبُلًا مُتَفَرِّقَةً، جَماعَةَ الضَّلالَةِ ومَصِيرُها النّارُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ، والنِّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَطّا بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنها سَبِيلٌ إلّا عَلَيْهِ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: ما الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ ؟ قالَ: تَرَكْنا مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في أدْناهُ وطَرَفُهُ الجَنَّةُ، وعَنْ يَمِينِهِ جَوادٌ وعَنْ شِمالِهِ جَوادٌ، وثَمَّ رِجالٌ يَدْعُونَ مَن مَرَّ بِهِمْ، فَمَن أخَذَ في تِلْكَ الجَوادِ انْتَهَتْ بِهِ إلى النّارِ، ومَن أخَذَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ انْتَهى بِهِ إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قالَ: الضَّلالاتُ.
الأنعام 6:153
(p-٤٥٧)قَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ أيْ تَقَدَّمُوا.
قالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: إنَّ المَأْمُورَ بِالتَّقَدُّمِ في أصْلِ وضْعِ هَذا الفِعْلِ كَأنَّهُ كانَ قاعِدًا، فَقِيلَ: لَهُ تَعالَ: أيِ ارْفَعْ شَخْصَكَ بِالقِيامِ وتَقَدَّمَ، واتْسَعُوا فِيهِ حَتّى جَعَلُوهُ لِلْواقِفِ والماشِي.
وهَكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِنَ الخاصِّ الَّذِي صارَ عامّا، وأصْلُهُ أنْ يَقُولَهُ مَن كانَ في مَكانٍ عالٍ لِمَن هو أسْفَلُ مِنهُ، ثُمَّ كَثُرَ واتَّسَعَ فِيهِ حَتّى عَمَّ.
قَوْلُهُ: ﴿أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ أتْلُ جَوابُ الأمْرِ، وما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِهِ: أيْ أتْلُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم عَلَيْكم.
والمُرادُ مِن تِلاوَةِ ما حَرَّمَ اللَّهُ تِلاوَةُ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ أتْلُ تَحْرِيمَ رَبِّكم.
والمَعْنى: ما اشْتَمَلَ عَلى التَّحْرِيمِ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ أيْ أتْلُ أيَّ شَيْءِ حَرَّمَ رَبُّكم عَلى جَعْلِ التِّلاوَةِ بِمَعْنى القَوْلِ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، و" عَلَيْكم " إنْ تَعَلَّقَ بِأتْلُ، فالمَعْنى: أتْلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم، وإنْ تَعَلَّقَ بِحَرَّمَ، فالمَعْنى أتْلُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، وهَذا أوْلى، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ بَيانِ ما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم لا مَقامُ بَيانِ ما هو مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا، وقِيلَ: إنَّ " عَلَيْكم " لِلْإغْراءِ ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها.
والمَعْنى عَلَيْكم أنْ لا تُشْرِكُوا إلى آخِرِهِ: أيِ الزَمُوا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ( المائِدَةِ: ١٠٥ ) وهو أضْعَفُ مِمّا قَبْلَهُ، وأنْ في أنْ لا تُشْرِكُوا مُفَسِّرَةٌ لِفِعْلِ التِّلاوَةِ، وقالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِن ما: أيْ أتْلُ عَلَيْكم تَحْرِيمَ الإشْراكِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيِ المَتْلُوُّ أنْ لا تُشْرِكُوا، وشَيْئًا مَفْعُولٌ أوْ مَصْدَرٌ أيْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ.
قَوْلُهُ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ أيْ أحْسِنُوا بِهِما إحْسانًا، والإحْسانُ إلَيْهِما البِرُّ بِهِما، وامْتِثالُ أمْرِهِما ونَهْيِهِما.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ حَقَّ الوالِدَيْنِ عَلى الأوْلادِ، ذَكَرَ حَقَّ الأوْلادِ عَلى الوالِدَيْنِ، وهو أنْ لا يَقْتُلُوهم مِن أجْلِ إمْلاقٍ.
والإمْلاقُ الفَقْرُ، فَقَدْ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِالذَّكَرِ والإناثِ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وتَفْعَلُهُ بِالإناثِ خاصَّةً خَشْيَةَ العارِ، وحَكى النَّقّاشُ عَنْ مُؤَرِّجٍ أنَّ الإمْلاقَ الجُوعُ بِلُغَةِ لَخْمٍ، وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ أنَّ الإمْلاقَ الإنْفاقُ.
يُقالُ: أمْلَقَ مالَهُ: بِمَعْنى أنْفَقَهُ.
والمَعْنى الأوَّلُ هو الَّذِي أطْبَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ، وأئِمَّةُ التَّفْسِيرِ هاهُنا ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ أيِ المَعاصِيَ، ومِنهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنى إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ ( الإسْراءِ: ٣٢ ) وما في ﴿ما ظَهَرَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الفَواحِشِ، وكَذا ما بَطَنَ.
والمُرادُ بِما ظَهَرَ ما أعْلَنَ بِهِ مِنها، وما بَطَنَ: ما أسَرَّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ، ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ اللّامُ في النَّفْسِ لِلْجِنْسِ، و﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ صِفَةٌ لِلنَّفْسِ: أيْ لا تَقْتُلُوا شَيْئًا مِنَ الأنْفُسِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ أيْ إلّا بِما يُوجِبُهُ الحَقُّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ لا تَقْتُلُوهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الحَقِّ، أوْ لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، ومِنَ الحَقِّ قَتْلُها قَصاصًا وقَتْلُها بِسَبَبِ زِنا المُحْصَنِ، وقَتْلُها بِسَبَبِ الرِّدَّةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي ورَدَ الشَّرْعُ بِها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ خَبَرُهُ: أيْ أمَرَكم بِهِ، وأوْجَبَهُ عَلَيْكم.
١٥٢ - ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ إلّا بِـ الخَصْلَةِ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِن غَيْرِها، وهي ما فِيهِ صَلاحُهُ وحِفْظُهُ وتَنْمِيَتُهُ، فَيَشْمَلُ كُلَّ وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي فِيها نَفْعٌ لِلْيَتِيمِ وزِيادَةٌ في مالِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ التِّجارَةُ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ إلى غايَةٍ هي أنْ يَبْلُغَ اليَتِيمُ أشُدَّهُ، فَإنْ بَلَغَ ذَلِكَ فادْفَعُوا إلَيْهِ مالَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم﴾ ( النِّساءِ: ٦ ) .
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأشُدِّ، فَقالَ أهْلُ المَدِينَةِ: بُلُوغُهُ وإيناسُ رُشْدِهِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ سَنَةً.
وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: هو البُلُوغُ.
وقِيلَ: إنَّهُ انْتِهاءُ الكُهُولَةِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ الرَّباحِيِّ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي وبِحَدِيثِي مُداوَرَةُ الشُّئُونِ
والأوْلى في تَحْقِيقِ بُلُوغِ الأشُدِّ أنَّهُ البُلُوغُ إلى سِنِّ التَّكْلِيفِ مَعَ إيناسِ الرُّشْدِ، وهو أنْ يَكُونَ في تَصَرُّفاتِهِ بِمالِهِ سالِكًا مَسْلَكَ العُقَلاءِ، لا مَسْلَكَ أهْلِ السَّفَهِ والتَّبْذِيرِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم﴾ ( النِّساءِ: ٦ ) فَجَعَلَ بُلُوغَ النِّكاحِ، وهو بُلُوغُ سِنِّ التَّكْلِيفِ مُقَيَّدًا بِإيناسِ الرُّشْدِ، ولَعَلَّهُ قَدْ سَبَقَ هُنالِكَ كَلامٌ في هَذا، والأشُدُّ واحِدٌ لا جَمْعَ لَهُ، وقِيلَ: واحِدُهُ شَدٌّ كَفَلْسٍ وأفْلُسٍ وأصْلُهُ مِن شَدَّ النَّهارُ: أيِ ارْتَفَعَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهُ شِدَّةٌ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهو حَسَنٌ في المَعْنى، لِأنَّهُ يُقالُ: بَلَغَ الكَلامُ شِدَّتَهُ، ولَكِنْ لا تُجْمَعُ فِعْلَةٌ عَلى أفْعُلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ بِالعَدْلِ في الأخْذِ والإعْطاءِ عِنْدَ البَيْعِ والشِّراءِ ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ أيْ إلّا طاقَتَها في كُلِّ تَكْلِيفٍ مِنَ التَّكالِيفِ، ومِنهُ التَّكْلِيفُ بِإيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ، فَلا يُخاطَبُ المُتَوَلِّي لَهُما بِما لا يُمْكِنُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ ﴿وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ أيْ إذا قُلْتُمْ بِقَوْلٍ في خَبَرٍ أوْ شَهادَةٍ أوْ جَرْحٍ أوْ تَعْدِيلٍ فاعْدِلُوا فِيهِ وتَحَرَّوُا الصَّوابَ، ولا تَتَعَصَّبُوا في ذَلِكَ لِقَرِيبٍ ولا عَلى بَعِيدٍ، ولا تَمِيلُوا إلى صَدِيقٍ ولا عَلى عَدُوٍّ، بَلْ سَوُّوا بَيْنَ النّاسِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ العَدْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿ولَوْ كانَ﴾ راجِعٌ إلى ما يُفِيدُهُ ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَوْلِ مِن مَقُولٍ فِيهِ، أوْ مَقُولٍ لَهُ: أيْ ولَوْ كانَ المَقُولُ فِيهِ، أوِ المَقُولُ لَهُ ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ صاحِبَ قَرابَةٍ لَكم.
وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: ولَوْ كانَ الحَقُّ عَلى مِثْلِ قَراباتِكم والأوَّلُ أوْلى، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ ( النِّساءِ: ١٣٥ ) .
قَوْلُهُ: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ أيْ أوْفُوا بِكُلِّ عَهْدٍ عَهِدَهُ اللَّهُ إلَيْكم، ومِن جُمْلَةِ ما عَهِدَهُ إلَيْكم ما تَلاهُ عَلَيْكم رَسُولُهُ بِأمْرِهِ في هَذا المَقامِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ كُلُّ عَهْدٍ، ولَوْ كانَ بَيْنَ المَخْلُوقِينَ، لِأنَّ اللَّهَ (p-٤٥٨)سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِالوَفاءِ بِهِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ كانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِإضافَتِهِ إلَيْهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَتَّعِظُونَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ أنَّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ: أيْ واتْلُ أنَّ هَذا صِراطِي قالَهُ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ.
قالَ الفَرّاءُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا: أيْ وصّاكم بِهِ، وبِأنَّ هَذا.
وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّ التَّقْدِيرَ ولِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ﴾ ( الجِنِّ: ١٨ ) .
وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: " وإنَّ هَذا " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآياتِ صِراطِي.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ " وإنْ هَذا صِراطِي " بِالتَّخْفِيفِ عَلى تَقْدِيرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " هَذا صِراطِي " وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، وهو طَرِيقُ دِينِ الإسْلامِ، ونَصْبُ مَسْتَقِيمًا عَلى الحالِ، والمُسْتَقِيمُ المُسْتَوِي الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، ثُمَّ أمَرَهم بِاتِّباعِهِ ونَهاهم عَنِ اتِّباعِ سائِرِ السُّبُلِ: أيِ الأدْيانِ المُتَبايِنَةِ طُرُقُها ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ أيْ تَمِيلَ بِكم ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي هو دِينُ الإسْلامِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ السُّبُلُ تَعُمُّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ والمَجُوسِيَّةَ وسائِرَ أهْلِ المِلَلِ وأهْلِ البِدَعِ والضَّلالاتِ مِن أهْلِ الأهْواءِ والشُّذُوذِ في الفُرُوعِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أهْلِ التَّعَمُّقِ في الجَدَلِ والخَوْضِ في الكَلامِ، هَذِهِ كُلُّها عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ ومَظِنَّةٌ لِسُوءِ المُعْتَقَدِ، والإشارَةُ بِـ ذَلِكم إلى ما تَقَدَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أيْ أكَّدَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ بِهِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ما نَهاكم عَنْهُ.
وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أيُّكم يُبايِعُنِي عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ ؟ ثُمَّ تَلا ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ إلى ثَلاثِ آياتٍ، ثُمَّ قالَ: فَمَن وفّى بِهِنَّ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ومَنِ انْتَقَصَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَأدْرَكَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا كانَتْ عُقُوبَتَهُ، ومَن أخَّرَهُ إلى الآخِرَةِ كانَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ إنْ شاءَ أخَذَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: أوَّلُ ما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ عَشْرُ آياتٍ، وهي العَشْرُ الَّتِي أُنْزِلَتْ مِن آخِرِ الأنْعامِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم﴾ إلى آخِرِها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ قالَ: سَمِعَ كَعْبٌ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ﴾ فَقالَ كَعْبٌ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ إنَّها لَأوَّلُ آيَةٍ في التَّوْراةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم﴾ إلى آخِرِ الآياتِ انْتَهى.
قُلْتُ: هي الوَصايا العَشْرُ الَّتِي في التَّوْراةِ، وأوَّلُها أنا الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أخْرَجَكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِن بَيْتِ العُبُودِيَّةِ لا يَكُنْ لَكَ إلَهٌ آخَرُ غَيْرِي.
ومِنها: أكْرِمْ أباكَ وأُمَّكَ لِيَطُولَ عُمُرُكَ في الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إلَهُكَ، لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرِقْ، لا تَشْهَدْ عَلى قَرِيبِكَ شَهادَةَ زُورٍ، لا تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ، ولا تَشْتَهِ امْرَأةَ قَرِيبِكَ ولا عَبْدَهُ، ولا أمَتَهُ، ولا ثَوْرَهُ، ولا حِمارَهُ، ولا شَيْئًا مِمّا لِقَرِيبِكَ، فَلَعَلَّ مُرادُ كَعْبِ الأحْبارِ هَذا، ولِلْيَهُودِ بِهَذِهِ الوَصايا عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدْ كَتَبَها أهْلُ الزَّبُورِ في آخِرِ زَبُورِهِمْ، وأهْلُ الإنْجِيلِ في أوَّلِ إنْجِيلِهِمْ.
وهِيَ مَكْتُوبَةٌ في لَوْحَيْنِ، وقَدْ تَرَكْنا مِنها ما يَتَعَلَّقُ بِالسَّبْتِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ قالَ: مِن خَشْيَةِ الفاقَةِ، قالَ: وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ أحَدُهُمُ ابْنَتَهُ مَخافَةَ الفاقَةِ عَلَيْها والسَّبْيِ ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ: سِرَّها وعَلانِيَتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾ قالَ: خَشْيَةَ الفَقْرِ ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يَرَوْنَ بِالزِّنا بَأْسًا في السِّرِّ ويَسْتَقْبِحُونَهُ في العَلانِيَةِ فَحَرَّمَ اللَّهُ الزِّنا في السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قالَ: اعْلَمُوا أنَّ السَّبِيلَ سَبِيلٌ واحِدٌ، جَماعَةُ الهُدى ومَصِيرُهُ الجَنَّةُ، وأنَّ إبْلِيسَ اشْتَرَعَ سُبُلًا مُتَفَرِّقَةً، جَماعَةَ الضَّلالَةِ ومَصِيرُها النّارُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ، والنِّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَطّا بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ وعَنْ شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: وهَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنها سَبِيلٌ إلّا عَلَيْهِ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ جابِرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: ما الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ ؟ قالَ: تَرَكْنا مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في أدْناهُ وطَرَفُهُ الجَنَّةُ، وعَنْ يَمِينِهِ جَوادٌ وعَنْ شِمالِهِ جَوادٌ، وثَمَّ رِجالٌ يَدْعُونَ مَن مَرَّ بِهِمْ، فَمَن أخَذَ في تِلْكَ الجَوادِ انْتَهَتْ بِهِ إلى النّارِ، ومَن أخَذَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ انْتَهى بِهِ إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قالَ: الضَّلالاتُ.
الأنعام 6:154
هَذا الكَلامُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ التَّوْصِيَةِ الَّتِي وصّى اللَّهُ عِبادَهُ (p-٤٥٩)بِها، وقَدِ اسْتُشْكِلَ العَطْفُ بِثُمَّ مَعَ كَوْنِ قِصَّةِ مُوسى وإيتائِهِ الكِتابَ قَبْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ فَقِيلَ: إنَّ ثُمَّ هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ثُمَّ كُنّا قَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ قَبْلَ إنْزالِنا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، ثُمَّ أتْلُ إيتاءَ مُوسى الكِتابَ، وقِيلَ: إنَّ التَّوْصِيَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها قَدِيمَةٌ لَمْ يَزَلْ كُلُّ نَبِيٍّ يُوصِي بِها أُمَّتَهُ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ لِلتَّراخِي في الإخْبارِ كَما تَقُولُ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتَ بِالأمْسِ أعْجَبُ.
قَوْلُهُ: ١٥٤ - تَمامًا مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أوْ مَصْدَرٌ، و" ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ " قُرِئَ بِالرَّفْعِ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ وابْنِ أبِي إسْحاقَ، فَيَكُونُ رَفْعُ أحْسَنَ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ، ومِنهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ سَمِعَ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ اسْمًا نَعْتًا لِلَّذِي، وهَذا مُحالٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِأنَّهُ نَعَتٌ لِلِاسْمِ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ، والمَعْنى عِنْدَهم تَمامًا عَلى مَن أحْسَنَ قَبُولَهُ والقِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: ( تَمامًا عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا ) وقالَ الحَسَنُ: كانَ فِيهِمْ مُحْسِنٌ وغَيْرُ مُحْسِنٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ تَمامًا عَلى المُحْسِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: أعْطَيْنا مُوسى التَّوْراةَ زِيادَةً عَلى ما كانَ يُحْسِنُهُ مُوسى مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى مُوسى مِنَ الرِّسالَةِ وغَيْرِها، وقِيلَ: تَمامًا عَلى إحْسانِ مُوسى بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَمامًا: أيْ ولِأجْلِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وكَذا هُدًى ورَحْمَةً مَعْطُوفَتانِ عَلَيْهِ: أيْ ولِلْهُدى والرَّحْمَةِ، والضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجِعٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مُوسى، والباءُ في بِلِقاءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ، وأنْزَلْناهُ صِفَةٌ لِكِتابٍ ومُبارَكٌ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ، وتَقْدِيمُ صِفَةِ الإنْزالِ لِكَوْنِ الإنْكارِ مُتَعَلِّقًا بِها، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ لِما هو مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ فاتَّبِعُوهُ فَإنَّهُ لَمّا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكانَ مُشْتَمِلًا عَلى البَرَكَةِ، كانَ اتِّباعُهُ مُتَحَتِّمًا عَلَيْكم واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ والتَّكْذِيبَ بِما فِيهِ لَعَلَّكم إنْ قَبِلْتُمُوهُ ولَمْ تُخالِفُوهُ تُرْحَمُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وأنْ في ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولُوا.
وقالَ البَصْرِيُّونَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا.
وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَعْنى فاتَّقُوا أنْ تَقُولُوا يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾: أيِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْنا كِتابٌ ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ أيْ عَنْ تِلاوَةِ كُتُبِهِمْ بِلُغاتِهِمْ لَغافِلِينَ أيْ لا نَدْرِي ما فِيها، ومُرادُهم إثْباتُ نُزُولِ الكِتابَيْنِ مَعَ الِاعْتِذارِ عَنِ اتِّباعِ ما فِيهِما بِعَدَمِ الدِّرايَةِ مِنهم والغَفْلَةِ عَنْ مَعْناهُما.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا أيْ أوْ أنْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ كَما أُنْزِلَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن قَبِلْنا ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ المَقالَةَ والمَعْذِرَةَ مِنهم مُنْدَفِعَةٌ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلَيْهِمْ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ كِتابٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى نَبِيِّكم، وهو مِنكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ، فَلا تَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الباطِلَةِ وتُعَلِّلُوا أنْفُسَكم بِالعِلَلِ السّاقِطَةِ، فَقَدْ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَيِّنَةٌ أيْ جاءَكُمُ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ والهُدى الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مِن لَهُ رَغْبَةٌ في الِاهْتِداءِ، ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يَدْخُلُ فِيها كُلُّ مَن يَطْلُبُها ويُرِيدُ حُصُولَها، ولَكِنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِالتَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ والصُّدُوفِ عَنْها: أيِ الِانْصِرافِ عَنْها، وصَرْفِ مَن أرادَ الإقْبالَ إلَيْها ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الَّتِي هي رَحْمَةٌ وهُدًى لِلنّاسِ ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ فَضَلَّ بِانْصِرافِهِ عَنْها، وأضَلَّ بِصَرْفِ غَيْرِهِ عَنِ الإقْبالِ إلَيْها ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾ أيِ العَذابَ السَّيِّءَ بِـ سَبَبِ ما كانُوا يَصْدِفُونَ وقِيلَ: مَعْنى صَدَفَ: أعْرَضَ، ويَصْدِفُونَ يُعْرِضُونَ، وهو مُقارِبٌ لِمَعْنى الصَّرْفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى هَذا اللَّفْظِ، والِاسْتِفْهامُ في فَمَن أظْلَمُ لِلْإنْكارِ: أيْ إنْكارِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها مَعَ ما يُفِيدُهُ ذَلِكَ مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ قالَ: عَلى المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ قالَ: تَمامًا لِما كانَ قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: تَمامًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿وهَذا كِتابٌ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا﴾ يَقُولُ: فاتَّبِعُوا ما أحَلَّ اللَّهُ فِيهِ واتَّقُوا ما حَرَّمَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى، خافَ أنْ تَقُولَهُ قُرَيْشٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ قالَ: تِلاوَتِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ كُفّارِ العَرَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَقُولُ: قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ حِينَ لَمْ يَعْرِفُوا دِراسَةَ الطّائِفَتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ قالَ: أعْرَضَ عَنْها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ قالَ: يُعْرِضُونَ.
الأنعام 6:155
هَذا الكَلامُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ التَّوْصِيَةِ الَّتِي وصّى اللَّهُ عِبادَهُ (p-٤٥٩)بِها، وقَدِ اسْتُشْكِلَ العَطْفُ بِثُمَّ مَعَ كَوْنِ قِصَّةِ مُوسى وإيتائِهِ الكِتابَ قَبْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ فَقِيلَ: إنَّ ثُمَّ هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ثُمَّ كُنّا قَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ قَبْلَ إنْزالِنا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، ثُمَّ أتْلُ إيتاءَ مُوسى الكِتابَ، وقِيلَ: إنَّ التَّوْصِيَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها قَدِيمَةٌ لَمْ يَزَلْ كُلُّ نَبِيٍّ يُوصِي بِها أُمَّتَهُ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ لِلتَّراخِي في الإخْبارِ كَما تَقُولُ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتَ بِالأمْسِ أعْجَبُ.
قَوْلُهُ: ١٥٤ - تَمامًا مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أوْ مَصْدَرٌ، و" ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ " قُرِئَ بِالرَّفْعِ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ وابْنِ أبِي إسْحاقَ، فَيَكُونُ رَفْعُ أحْسَنَ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ، ومِنهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ سَمِعَ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ اسْمًا نَعْتًا لِلَّذِي، وهَذا مُحالٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِأنَّهُ نَعَتٌ لِلِاسْمِ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ، والمَعْنى عِنْدَهم تَمامًا عَلى مَن أحْسَنَ قَبُولَهُ والقِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: ( تَمامًا عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا ) وقالَ الحَسَنُ: كانَ فِيهِمْ مُحْسِنٌ وغَيْرُ مُحْسِنٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ تَمامًا عَلى المُحْسِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: أعْطَيْنا مُوسى التَّوْراةَ زِيادَةً عَلى ما كانَ يُحْسِنُهُ مُوسى مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى مُوسى مِنَ الرِّسالَةِ وغَيْرِها، وقِيلَ: تَمامًا عَلى إحْسانِ مُوسى بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَمامًا: أيْ ولِأجْلِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وكَذا هُدًى ورَحْمَةً مَعْطُوفَتانِ عَلَيْهِ: أيْ ولِلْهُدى والرَّحْمَةِ، والضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجِعٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مُوسى، والباءُ في بِلِقاءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُؤْمِنُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ، وأنْزَلْناهُ صِفَةٌ لِكِتابٍ ومُبارَكٌ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ، وتَقْدِيمُ صِفَةِ الإنْزالِ لِكَوْنِ الإنْكارِ مُتَعَلِّقًا بِها، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ لِما هو مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ فاتَّبِعُوهُ فَإنَّهُ لَمّا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكانَ مُشْتَمِلًا عَلى البَرَكَةِ، كانَ اتِّباعُهُ مُتَحَتِّمًا عَلَيْكم واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ والتَّكْذِيبَ بِما فِيهِ لَعَلَّكم إنْ قَبِلْتُمُوهُ ولَمْ تُخالِفُوهُ تُرْحَمُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وأنْ في ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولُوا.
وقالَ البَصْرِيُّونَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا.
وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَعْنى فاتَّقُوا أنْ تَقُولُوا يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾: أيِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْنا كِتابٌ ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ أيْ عَنْ تِلاوَةِ كُتُبِهِمْ بِلُغاتِهِمْ لَغافِلِينَ أيْ لا نَدْرِي ما فِيها، ومُرادُهم إثْباتُ نُزُولِ الكِتابَيْنِ مَعَ الِاعْتِذارِ عَنِ اتِّباعِ ما فِيهِما بِعَدَمِ الدِّرايَةِ مِنهم والغَفْلَةِ عَنْ مَعْناهُما.
قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا أيْ أوْ أنْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ كَما أُنْزِلَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن قَبِلْنا ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ المَقالَةَ والمَعْذِرَةَ مِنهم مُنْدَفِعَةٌ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلَيْهِمْ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ كِتابٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى نَبِيِّكم، وهو مِنكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ، فَلا تَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الباطِلَةِ وتُعَلِّلُوا أنْفُسَكم بِالعِلَلِ السّاقِطَةِ، فَقَدْ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَيِّنَةٌ أيْ جاءَكُمُ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ والهُدى الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مِن لَهُ رَغْبَةٌ في الِاهْتِداءِ، ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يَدْخُلُ فِيها كُلُّ مَن يَطْلُبُها ويُرِيدُ حُصُولَها، ولَكِنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِالتَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ والصُّدُوفِ عَنْها: أيِ الِانْصِرافِ عَنْها، وصَرْفِ مَن أرادَ الإقْبالَ إلَيْها ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الَّتِي هي رَحْمَةٌ وهُدًى لِلنّاسِ ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ فَضَلَّ بِانْصِرافِهِ عَنْها، وأضَلَّ بِصَرْفِ غَيْرِهِ عَنِ الإقْبالِ إلَيْها ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾ أيِ العَذابَ السَّيِّءَ بِـ سَبَبِ ما كانُوا يَصْدِفُونَ وقِيلَ: مَعْنى صَدَفَ: أعْرَضَ، ويَصْدِفُونَ يُعْرِضُونَ، وهو مُقارِبٌ لِمَعْنى الصَّرْفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى هَذا اللَّفْظِ، والِاسْتِفْهامُ في فَمَن أظْلَمُ لِلْإنْكارِ: أيْ إنْكارِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها مَعَ ما يُفِيدُهُ ذَلِكَ مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ قالَ: عَلى المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ قالَ: تَمامًا لِما كانَ قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: تَمامًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿وهَذا كِتابٌ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا﴾ يَقُولُ: فاتَّبِعُوا ما أحَلَّ اللَّهُ فِيهِ واتَّقُوا ما حَرَّمَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى، خافَ أنْ تَقُولَهُ قُرَيْشٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ قالَ: تِلاوَتِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ كُفّارِ العَرَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَقُولُ: قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ حِينَ لَمْ يَعْرِفُوا دِراسَةَ الطّائِفَتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ قالَ: أعْرَضَ عَنْها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ قالَ: يُعْرِضُونَ.