Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأنعام 6:156 – الأعراف 7:29

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الأنعام 6:156
  2. الأنعام 6:157
  3. الأنعام 6:158
  4. الأنعام 6:159
  5. الأنعام 6:160
  6. الأنعام 6:161
  7. الأنعام 6:162
  8. الأنعام 6:163
  9. الأنعام 6:164
  10. الأنعام 6:165
  11. الأعراف 7:1
  12. الأعراف 7:2
  13. الأعراف 7:3
  14. الأعراف 7:4
  15. الأعراف 7:5
  16. الأعراف 7:6
  17. الأعراف 7:7
  18. الأعراف 7:8
  19. الأعراف 7:9
  20. الأعراف 7:10
  21. الأعراف 7:11
  22. الأعراف 7:12
  23. الأعراف 7:13
  24. الأعراف 7:14
  25. الأعراف 7:15
  26. الأعراف 7:16
  27. الأعراف 7:17
  28. الأعراف 7:18
  29. الأعراف 7:19
  30. الأعراف 7:20
  31. الأعراف 7:21
  32. الأعراف 7:22
  33. الأعراف 7:23
  34. الأعراف 7:24
  35. الأعراف 7:25
  36. الأعراف 7:26
  37. الأعراف 7:27
  38. الأعراف 7:28
  39. الأعراف 7:29

الأنعام 6:156

هَذا الكَلامُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ التَّوْصِيَةِ الَّتِي وصّى اللَّهُ عِبادَهُ (p-٤٥٩)بِها، وقَدِ اسْتُشْكِلَ العَطْفُ بِثُمَّ مَعَ كَوْنِ قِصَّةِ مُوسى وإيتائِهِ الكِتابَ قَبْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ فَقِيلَ: إنَّ ثُمَّ هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ثُمَّ كُنّا قَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ قَبْلَ إنْزالِنا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، ثُمَّ أتْلُ إيتاءَ مُوسى الكِتابَ، وقِيلَ: إنَّ التَّوْصِيَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها قَدِيمَةٌ لَمْ يَزَلْ كُلُّ نَبِيٍّ يُوصِي بِها أُمَّتَهُ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ لِلتَّراخِي في الإخْبارِ كَما تَقُولُ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتَ بِالأمْسِ أعْجَبُ. قَوْلُهُ: ١٥٤ - تَمامًا مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أوْ مَصْدَرٌ، و" ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ " قُرِئَ بِالرَّفْعِ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ وابْنِ أبِي إسْحاقَ، فَيَكُونُ رَفْعُ أحْسَنَ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ، ومِنهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ سَمِعَ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ اسْمًا نَعْتًا لِلَّذِي، وهَذا مُحالٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِأنَّهُ نَعَتٌ لِلِاسْمِ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ، والمَعْنى عِنْدَهم تَمامًا عَلى مَن أحْسَنَ قَبُولَهُ والقِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: ( تَمامًا عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا ) وقالَ الحَسَنُ: كانَ فِيهِمْ مُحْسِنٌ وغَيْرُ مُحْسِنٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ تَمامًا عَلى المُحْسِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: أعْطَيْنا مُوسى التَّوْراةَ زِيادَةً عَلى ما كانَ يُحْسِنُهُ مُوسى مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى مُوسى مِنَ الرِّسالَةِ وغَيْرِها، وقِيلَ: تَمامًا عَلى إحْسانِ مُوسى بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَمامًا: أيْ ولِأجْلِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وكَذا هُدًى ورَحْمَةً مَعْطُوفَتانِ عَلَيْهِ: أيْ ولِلْهُدى والرَّحْمَةِ، والضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجِعٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مُوسى، والباءُ في بِلِقاءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُؤْمِنُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ، وأنْزَلْناهُ صِفَةٌ لِكِتابٍ ومُبارَكٌ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ، وتَقْدِيمُ صِفَةِ الإنْزالِ لِكَوْنِ الإنْكارِ مُتَعَلِّقًا بِها، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ لِما هو مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ فاتَّبِعُوهُ فَإنَّهُ لَمّا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكانَ مُشْتَمِلًا عَلى البَرَكَةِ، كانَ اتِّباعُهُ مُتَحَتِّمًا عَلَيْكم واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ والتَّكْذِيبَ بِما فِيهِ لَعَلَّكم إنْ قَبِلْتُمُوهُ ولَمْ تُخالِفُوهُ تُرْحَمُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأنْ في ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. قالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولُوا. وقالَ البَصْرِيُّونَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَعْنى فاتَّقُوا أنْ تَقُولُوا يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾: أيِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْنا كِتابٌ ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ أيْ عَنْ تِلاوَةِ كُتُبِهِمْ بِلُغاتِهِمْ لَغافِلِينَ أيْ لا نَدْرِي ما فِيها، ومُرادُهم إثْباتُ نُزُولِ الكِتابَيْنِ مَعَ الِاعْتِذارِ عَنِ اتِّباعِ ما فِيهِما بِعَدَمِ الدِّرايَةِ مِنهم والغَفْلَةِ عَنْ مَعْناهُما. قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا أيْ أوْ أنْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ كَما أُنْزِلَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن قَبِلْنا ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ المَقالَةَ والمَعْذِرَةَ مِنهم مُنْدَفِعَةٌ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلَيْهِمْ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ كِتابٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى نَبِيِّكم، وهو مِنكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ، فَلا تَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الباطِلَةِ وتُعَلِّلُوا أنْفُسَكم بِالعِلَلِ السّاقِطَةِ، فَقَدْ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَيِّنَةٌ أيْ جاءَكُمُ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ والهُدى الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مِن لَهُ رَغْبَةٌ في الِاهْتِداءِ، ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يَدْخُلُ فِيها كُلُّ مَن يَطْلُبُها ويُرِيدُ حُصُولَها، ولَكِنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِالتَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ والصُّدُوفِ عَنْها: أيِ الِانْصِرافِ عَنْها، وصَرْفِ مَن أرادَ الإقْبالَ إلَيْها ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الَّتِي هي رَحْمَةٌ وهُدًى لِلنّاسِ ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ فَضَلَّ بِانْصِرافِهِ عَنْها، وأضَلَّ بِصَرْفِ غَيْرِهِ عَنِ الإقْبالِ إلَيْها ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾ أيِ العَذابَ السَّيِّءَ بِـ سَبَبِ ما كانُوا يَصْدِفُونَ وقِيلَ: مَعْنى صَدَفَ: أعْرَضَ، ويَصْدِفُونَ يُعْرِضُونَ، وهو مُقارِبٌ لِمَعْنى الصَّرْفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى هَذا اللَّفْظِ، والِاسْتِفْهامُ في فَمَن أظْلَمُ لِلْإنْكارِ: أيْ إنْكارِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها مَعَ ما يُفِيدُهُ ذَلِكَ مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ قالَ: عَلى المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ قالَ: تَمامًا لِما كانَ قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: تَمامًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿وهَذا كِتابٌ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا﴾ يَقُولُ: فاتَّبِعُوا ما أحَلَّ اللَّهُ فِيهِ واتَّقُوا ما حَرَّمَ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى، خافَ أنْ تَقُولَهُ قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ قالَ: تِلاوَتِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ كُفّارِ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَقُولُ: قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ حِينَ لَمْ يَعْرِفُوا دِراسَةَ الطّائِفَتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ قالَ: أعْرَضَ عَنْها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ قالَ: يُعْرِضُونَ.

الأنعام 6:157

هَذا الكَلامُ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ التَّوْصِيَةِ الَّتِي وصّى اللَّهُ عِبادَهُ (p-٤٥٩)بِها، وقَدِ اسْتُشْكِلَ العَطْفُ بِثُمَّ مَعَ كَوْنِ قِصَّةِ مُوسى وإيتائِهِ الكِتابَ قَبْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ فَقِيلَ: إنَّ ثُمَّ هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: ثُمَّ كُنّا قَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ قَبْلَ إنْزالِنا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم، ثُمَّ أتْلُ إيتاءَ مُوسى الكِتابَ، وقِيلَ: إنَّ التَّوْصِيَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها قَدِيمَةٌ لَمْ يَزَلْ كُلُّ نَبِيٍّ يُوصِي بِها أُمَّتَهُ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ لِلتَّراخِي في الإخْبارِ كَما تَقُولُ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتَ بِالأمْسِ أعْجَبُ. قَوْلُهُ: ١٥٤ - تَمامًا مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أوْ مَصْدَرٌ، و" ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ " قُرِئَ بِالرَّفْعِ وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ وابْنِ أبِي إسْحاقَ، فَيَكُونُ رَفْعُ أحْسَنَ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ، ومِنهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ سَمِعَ: ما أنا بِالَّذِي قائِلٌ لَكَ شَيْئًا. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ اسْمًا نَعْتًا لِلَّذِي، وهَذا مُحالٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِأنَّهُ نَعَتٌ لِلِاسْمِ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ، والمَعْنى عِنْدَهم تَمامًا عَلى مَن أحْسَنَ قَبُولَهُ والقِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: ( تَمامًا عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا ) وقالَ الحَسَنُ: كانَ فِيهِمْ مُحْسِنٌ وغَيْرُ مُحْسِنٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ تَمامًا عَلى المُحْسِنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: أعْطَيْنا مُوسى التَّوْراةَ زِيادَةً عَلى ما كانَ يُحْسِنُهُ مُوسى مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى مُوسى مِنَ الرِّسالَةِ وغَيْرِها، وقِيلَ: تَمامًا عَلى إحْسانِ مُوسى بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قالَهُ الفَرّاءُ. قَوْلُهُ: ﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَمامًا: أيْ ولِأجْلِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ وكَذا هُدًى ورَحْمَةً مَعْطُوفَتانِ عَلَيْهِ: أيْ ولِلْهُدى والرَّحْمَةِ، والضَّمِيرُ في لَعَلَّهم راجِعٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مُوسى، والباءُ في بِلِقاءِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيُؤْمِنُونَ. قَوْلُهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ، وأنْزَلْناهُ صِفَةٌ لِكِتابٍ ومُبارَكٌ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ، وتَقْدِيمُ صِفَةِ الإنْزالِ لِكَوْنِ الإنْكارِ مُتَعَلِّقًا بِها، والمُبارَكُ كَثِيرُ البَرَكَةِ لِما هو مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ فاتَّبِعُوهُ فَإنَّهُ لَمّا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكانَ مُشْتَمِلًا عَلى البَرَكَةِ، كانَ اتِّباعُهُ مُتَحَتِّمًا عَلَيْكم واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ والتَّكْذِيبَ بِما فِيهِ لَعَلَّكم إنْ قَبِلْتُمُوهُ ولَمْ تُخالِفُوهُ تُرْحَمُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأنْ في ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ. قالَ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولُوا. وقالَ البَصْرِيُّونَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: المَعْنى فاتَّقُوا أنْ تَقُولُوا يا أهْلَ مَكَّةَ ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾: أيِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْنا كِتابٌ ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ أيْ عَنْ تِلاوَةِ كُتُبِهِمْ بِلُغاتِهِمْ لَغافِلِينَ أيْ لا نَدْرِي ما فِيها، ومُرادُهم إثْباتُ نُزُولِ الكِتابَيْنِ مَعَ الِاعْتِذارِ عَنِ اتِّباعِ ما فِيهِما بِعَدَمِ الدِّرايَةِ مِنهم والغَفْلَةِ عَنْ مَعْناهُما. قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا أيْ أوْ أنْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ كَما أُنْزِلَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ مِن قَبِلْنا ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ، فَإنَّ هَذِهِ المَقالَةَ والمَعْذِرَةَ مِنهم مُنْدَفِعَةٌ بِإرْسالِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلَيْهِمْ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ كِتابٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى نَبِيِّكم، وهو مِنكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ، فَلا تَعْتَذِرُوا بِالأعْذارِ الباطِلَةِ وتُعَلِّلُوا أنْفُسَكم بِالعِلَلِ السّاقِطَةِ، فَقَدْ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى بَيِّنَةٌ أيْ جاءَكُمُ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ والهُدى الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مِن لَهُ رَغْبَةٌ في الِاهْتِداءِ، ورَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ يَدْخُلُ فِيها كُلُّ مَن يَطْلُبُها ويُرِيدُ حُصُولَها، ولَكِنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِالتَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ والصُّدُوفِ عَنْها: أيِ الِانْصِرافِ عَنْها، وصَرْفِ مَن أرادَ الإقْبالَ إلَيْها ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ الَّتِي هي رَحْمَةٌ وهُدًى لِلنّاسِ ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ فَضَلَّ بِانْصِرافِهِ عَنْها، وأضَلَّ بِصَرْفِ غَيْرِهِ عَنِ الإقْبالِ إلَيْها ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ﴾ أيِ العَذابَ السَّيِّءَ بِـ سَبَبِ ما كانُوا يَصْدِفُونَ وقِيلَ: مَعْنى صَدَفَ: أعْرَضَ، ويَصْدِفُونَ يُعْرِضُونَ، وهو مُقارِبٌ لِمَعْنى الصَّرْفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى هَذا اللَّفْظِ، والِاسْتِفْهامُ في فَمَن أظْلَمُ لِلْإنْكارِ: أيْ إنْكارِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها مَعَ ما يُفِيدُهُ ذَلِكَ مِنَ التَّبْكِيتِ لَهم. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ قالَ: عَلى المُؤْمِنِينَ المُحْسِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صَخْرٍ ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ قالَ: تَمامًا لِما كانَ قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: تَمامًا لِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ ﴿وهَذا كِتابٌ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا﴾ يَقُولُ: فاتَّبِعُوا ما أحَلَّ اللَّهُ فِيهِ واتَّقُوا ما حَرَّمَ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى، خافَ أنْ تَقُولَهُ قُرَيْشٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ قالَ: تِلاوَتِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ كُفّارِ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ يَقُولُ: قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ حِينَ لَمْ يَعْرِفُوا دِراسَةَ الطّائِفَتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وصَدَفَ عَنْها﴾ قالَ: أعْرَضَ عَنْها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، في قَوْلِهِ: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ قالَ: يُعْرِضُونَ.

الأنعام 6:158

(p-٤٦٠)أيْ لَمّا أقَمْنا عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ وأنْزَلْنا الكِتابَ عَلى رَسُولِنا المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ ولَمْ يَرْجِعُوا بِهِ عَنْ غِوايَتِهِمْ فَما بَقِيَ بَعْدَ هَذا إلّا أنَّهم يُنْظَرُونَ أيْ يَنْتَظِرُونَ ﴿أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ مَلائِكَةُ المَوْتِ لَقَبْضِ أرْواحِهِمْ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يا مُحَمَّدُ كَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ ( الفَرْقانِ: ٢١ ) وقِيلَ: مَعْناهُ: أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ بِإهْلاكِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: أوْ يَأْتِيَ كُلُّ آياتِ رَبِّكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ:﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وقِيلَ: هو مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ حَذْفُ المُضافِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ ( يُوسُفَ: ٨٢ ) وقَوْلِهِ: ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٩٣ ) أيْ حُبَّ العِجْلِ، وقِيلَ: إتْيانُ اللَّهِ مَجِيئُهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ( الفَجْرِ: ٢٢ ) . قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ . قَرَأ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ الزُّبَيْرِ " يَوْمَ تَأْتِي " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ المُبَرِّدَ: التَّأْنِيثُ عَلى المُجاوَرَةِ لِمُؤَنَّثٍ لا عَلى الأصْلِ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: لا تَنْفَعُ بِالفَوْقِيَّةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ،: إنَّ هَذا غَلَطٌ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ. وقَدْ قالَ النّاسُ: في هَذا شَيْءٌ دَقِيقٌ مِنَ النَّحْوِ ذَكَرَهُ نِفْطَوَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ الإيمانَ والنَّفْسَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشْتَمِلٌ عَلى الآخَرِ، فَأنَّثَ الإيمانَ إذْ هو مِنَ النَّفْسِ. قالَ النَّحّاسُ: وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُؤَنَّثَ الإيمانُ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما يُذْكَرُ المَصْدَرُ المُؤَنَّثُ مِثْلَ ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٧٥ ) . مَعْنى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ يَوْمَ يَأْتِي الآياتُ الَّتِي اقْتَرَحُوها، وهي الَّتِي تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ أوْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَنْتَظِرُونَهُ، وقِيلَ: هي الآياتُ الَّتِي هي عَلاماتُ القِيامَةِ المَذْكُورَةُ في الأحادِيثِ الثّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَهي الَّتِي إذا جاءَتْ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها. قَوْلُهُ: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إتْيانِ بَعْضِ الآياتِ، فَأمّا الَّتِي قَدْ كانَتْ آمَنَتْ مِن قَبْلِ مَجِيءِ بَعْضِ الآياتِ فَإيمانُها يَنْفَعُها، وجُمْلَةُ ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةُ نَفْسًا. قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى آمَنَتْ والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها عِنْدَ حُضُورِ الآياتِ مُتَّصِفَةً بِأنَّها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ ولَكِنْ لَمْ تَكْسِبْ في إيمانِها خَيْرًا، فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّهُ لا يَنْفَعُ إلّا الجَمْعُ بَيْنَ الإيمانِ مِن قَبْلِ مَجِيءِ بَعْضِ الآياتِ مَعَ كَسْبِ الخَيْرِ في الإيمانِ، فَمَن آمَنَ مِن قَبْلُ فَقَطْ ولَمْ يَكْسِبْ خَيْرًا في إيمانِهِ أوْ كَسَبَ خَيْرًا ولَمْ يُؤْمِن فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعِهِ، وهَذا التَّرْكِيبُ هو كَقَوْلِكَ: لا أُعْطِي رَجُلًا اليَوْمَ أتانِي لَمْ يَأْتِنِي بِالأمْسِ أوْ لَمْ يَمْدَحْنِي في إتْيانِهِ إلَيَّ بِالأمْسِ، فَإنَّ المُسْتَفادَ مِن هَذا أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العَطاءَ إلّا رَجُلٌ أتاهُ بِالأمْسِ ومَدَحَهُ في إتْيانِهِ إلَيْهِ بِالأمْسِ، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: انْتَظِرُوا ما تُرِيدُونَ إتْيانَهُ إنّا مُنْتَظِرُونَ لَهُ، وهَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ووَعِيدٌ عَظِيمٌ، وهو يُقَوِّي ما قِيلَ: في تَفْسِيرِ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أنَّها الآياتُ الَّتِي اقْتَرَحُوها مِن إتْيانِ المَلائِكَةِ وإتْيانِ العَذابِ لَهم مِن قِبَلِ اللَّهِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ قالَ: عِنْدَ المَوْتِ ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في تَفْسِيرِ الآيَةِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، في مَسْنَدِهِ والتِّرْمِذِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ قالَ: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها» . قالَ التِّرْمِذِيُّ،: غَرِيبٌ. ورَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا. فَإذا ثَبَتَ رَفْعُ هَذا التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ مِن وجْهٍ صَحِيحٍ لا قادِحَ فِيهِ فَهو واجِبُ التَّقْدِيمِ لَهُ مُتَحَتِّمُ الأخْذِ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فَإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِين لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وغَيْرُهم عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ يَقُولُ: كَسَبَتْ في تَصْدِيقِها عَمَلًا صالِحًا، هَؤُلاءِ أهْلُ القِبْلَةِ وإنْ كانَتْ مُصَدِّقَةً لَمْ تَعْمَلْ قَبْلَ ذَلِكَ خَيْرًا فَعَمِلَتْ بَعْدَ أنْ رَأتِ الآيَةَ لَمْ يُقْبَلْ مِنها، وإنْ عَمِلَتْ قَبْلَ الآيَةِ خَيْرًا، ثُمَّ عَمِلَتْ بَعْدَ الآيَةِ خَيْرًا قُبِلَ مِنها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ قالَ: يَعْنِي المُسْلِمَ الَّذِي لَمْ يَعْمَلُ في إيمانِهِ خَيْرًا وكانَ قَبْلَ الآيَةِ مُقِيمًا عَلى الكَبائِرِ. والآياتُ الَّتِي هي عَلاماتُ القِيامَةِ قَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ المُتَكاثِرَةُ في بَيانِها وتَعْدادِها، وهي مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ.

الأنعام 6:159

قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " فارَقُوا دِينَهم " وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أيْ تَرَكُوا دِينَهم وخَرَجُوا عَنْهُ. وقَرَأ الباقُونَ فَرَّقُوا بِالتَّشْدِيدِ إلّا النَّخَعِيَّ فَإنَّهُ قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ. والمَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا دِينَهم مُتَفَرِّقًا فَأخَذُوا بِبَعْضِهِ وتَرَكُوا بَعْضَهُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقَدْ ورَدَ في مَعْنى هَذا، في اليَهُودِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ( البَيِّنَةِ: ٤ ) (p-٤٦١)وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الصَّنَمَ وبَعْضُهُمُ المَلائِكَةَ، وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الكُفّارِ وكُلِّ مَنِ ابْتَدَعَ وجاءَ بِما لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اللَّهُ، وهَذا هو الصَّوابُ لِأنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ العُمُومَ فَيَدْخُلُ فِيهِ طَوائِفُ أهْلِ الكِتابِ وطَوائِفُ المُشْرِكِينَ وغَيْرُهم مِمَّنِ ابْتَدَعَ مِن أهْلِ الإسْلامِ، ومَعْنى شِيَعًا فِرَقًا وأحْزابًا، فَتَصْدُقُ عَلى كُلِّ قَوْمٍ كانَ أمْرُهم في الدِّينِ واحِدًا مُجْتَمِعًا، ثُمَّ اتَّبَعَ كُلُّ جَماعَةٍ مِنهم رَأْيَ كَبِيرٍ مِن كُبَرائِهِمْ يُخالِفُ الصَّوابَ ويُبايِنُ الحَقَّ ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ لَسْتَ مِن تَفَرُّقِهِمْ، أوْ مِنَ السُّؤالِ عَنْ سَبَبِ تَفَرُّقِهِمْ والبَحْثِ عَنْ مُوجِبِ تَحَزُّبِهِمْ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَلا يَلْزَمُكَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا تُخاطَبُ بِهِ إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» أيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنهُ، ومَوْضِعُ ﴿فِي شَيْءٍ﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ لَسْتَ مِن عِقابِهِمْ في شَيْءٍ، وإنَّما عَلَيْكَ الإنْذارُ، ثُمَّ سَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ فَهو مُجازٍ لَهم بِما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، والحَصْرُ بِإنَّما هو في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ والتَّأْكِيدِ لَهُ ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ يُنَبِّئُهُمُ أيْ يُخْبِرُهم بِما يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِنَ المُجازاةِ ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُخالِفُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم وأوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ ما هو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ لَمّا تَوَعَّدَ سُبْحانَهُ المُخالِفِينَ لَهُ بِما تَوَعَّدَ بَيَّنَ عَقِبَ ذَلِكَ مِقْدارَ جَزاءِ العامِلِينَ بِما أمَرَهم بِهِ المُمْتَثِلِينَ لِما شَرَعَهُ لَهم بِأنَّ مَن جاءَ بِحَسَنَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الحَسَناتِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ عَشْرُ حَسَناتٍ، والتَّقْدِيرُ: فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها، فَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَسُنَ التَّأْنِيثُ في عَشْرِ أمْثالِها لَمّا كانَ الأمْثالُ مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ، نَحْو ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ " فَلَهُ عَشْرُ أمْثالُها " بِرَفْعِهِما. وقَدْ ثَبَتَ هَذا التَّضْعِيفُ في السُّنَّةِ بِأحادِيثَ كَثِيرَةٍ، وهَذا التَّضْعِيفُ هو أقَلُّ ما يَسْتَحِقُّهُ عامِلُ الحَسَنَةِ. وقَدْ ورَدَتِ الزِّيادَةُ عَلى هَذا عُمُومًا وخُصُوصًا، فَفي القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٦١ ) . ووَرَدَ في بَعْضِ الحَسَناتِ أنَّ فاعِلَها يُجازى عَلَيْها بِغَيْرِ حِسابٍ، ووَرَدَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ تَضْعِيفُ الجَزاءِ إلى أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ. وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في مَوْضِعَيْنِ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِما ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ مِن دُونِ زِيادَةٍ عَلَيْها عَلى قَدْرِها في الخِفَّةِ والعِظَمِ، فالمُشْرِكُ يُجازى عَلى سَيِّئَةِ الشِّرْكِ بِخُلُودِهِ في النّارِ، وفاعِلُ المَعْصِيَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ يُجازى عَلَيْها بِمِثْلِها مِمّا ورَدَ تَقْدِيرُهُ مِنَ العُقُوباتِ كَما ورَدَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ مَن عَمِلَ كَذا فَعَلَيْهِ كَذا، وما لَمْ يَرِدْ لِعُقُوبَتِهِ تَقْدِيرٌ مِن الذُّنُوبِ فَعَلَيْنا أنْ نَقُولَ: يُجازِيهِ اللَّهُ بِمِثْلِهِ وإنْ لَمْ نَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ ما يُجازى بِهِ، وهَذا إنْ لَمْ يَتُبْ، أمّا إذا تابَ أوْ غَلَبَتْ حَسَناتُهُ سَيِّئاتِهِ أوْ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِمَغْفِرَتِهِ فَلا مُجازاةَ، وأدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ مُصَرِّحَةٌ بِهَذا تَصْرِيحًا لا يَبْقى بَعْدَهُ رَيْبٌ لِمُرْتابٍ، وهم أيْ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابِ حَسَناتِ المُحْسِنِينَ ولا بِزِيادَةِ عُقُوباتِ المُسِيئِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: اخْتَلَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارى قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَتَفَرَّقُوا، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ في ناسِخِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى تَرَكُوا الإسْلامَ والدِّينَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقًا أحْزابًا مُخْتَلِفَةً ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ نَسَخَها ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٣٦ ) . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ قالَ: مِلَلًا شَتّى. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: هم في هَذِهِ الأُمَّةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ قالَ: «هم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ»، وفي إسْنادِهِ عَبْدُ بْنُ كَثِيرٍ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ ولَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُهُ، ومَن عَداهُ وقَفُوهُ عَلى أبِي هُرَيْرَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ في الآيَةِ قالَ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي غالِبٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ شاهِينَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِعائِشَةَ: «يا عائِشَةُ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهم وكانُوا شِيَعًا هم أصْحابُ البِدَعِ وأصْحابُ الأهْواءِ وأصْحابُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لَيْسَتْ لَهم تَوْبَةٌ، يا عائِشَةُ إنَّ لِكُلِّ صاحِبِ ذَنْبٍ تَوْبَةً غَيْرَ أصْحابِ البِدَعِ وأصْحابِ الأهْواءِ لَيْسَ لَهم تَوْبَةٌ وهم مِنِّي بُرَآءُ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو غَرِيبٌ ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَسَنَةٌ ؟ قالَ: نَعَمْ أفْضَلُ الحَسَناتِ»، وهَذا مُرْسَلٌ ولا نَدْرِي كَيْفَ إسْنادُهُ إلى سَعِيدٍ ؟ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ أيْضًا. وقَدْ قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى أنَّها قَدْ ثَبَتَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِمُضاعَفَةِ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في الزِّيادَةِ عَلى هَذا المِقْدارِ، وفَضْلُ اللَّهِ (p-٤٦٢)واسِعٌ، وعَطاؤُهُ جَمٌّ.

الأنعام 6:160

قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " فارَقُوا دِينَهم " وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أيْ تَرَكُوا دِينَهم وخَرَجُوا عَنْهُ. وقَرَأ الباقُونَ فَرَّقُوا بِالتَّشْدِيدِ إلّا النَّخَعِيَّ فَإنَّهُ قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ. والمَعْنى: أنَّهم جَعَلُوا دِينَهم مُتَفَرِّقًا فَأخَذُوا بِبَعْضِهِ وتَرَكُوا بَعْضَهُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وقَدْ ورَدَ في مَعْنى هَذا، في اليَهُودِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ( البَيِّنَةِ: ٤ ) (p-٤٦١)وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الصَّنَمَ وبَعْضُهُمُ المَلائِكَةَ، وقِيلَ: الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الكُفّارِ وكُلِّ مَنِ ابْتَدَعَ وجاءَ بِما لَمْ يَأْمُرْ بِهِ اللَّهُ، وهَذا هو الصَّوابُ لِأنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ العُمُومَ فَيَدْخُلُ فِيهِ طَوائِفُ أهْلِ الكِتابِ وطَوائِفُ المُشْرِكِينَ وغَيْرُهم مِمَّنِ ابْتَدَعَ مِن أهْلِ الإسْلامِ، ومَعْنى شِيَعًا فِرَقًا وأحْزابًا، فَتَصْدُقُ عَلى كُلِّ قَوْمٍ كانَ أمْرُهم في الدِّينِ واحِدًا مُجْتَمِعًا، ثُمَّ اتَّبَعَ كُلُّ جَماعَةٍ مِنهم رَأْيَ كَبِيرٍ مِن كُبَرائِهِمْ يُخالِفُ الصَّوابَ ويُبايِنُ الحَقَّ ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ لَسْتَ مِن تَفَرُّقِهِمْ، أوْ مِنَ السُّؤالِ عَنْ سَبَبِ تَفَرُّقِهِمْ والبَحْثِ عَنْ مُوجِبِ تَحَزُّبِهِمْ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَلا يَلْزَمُكَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ ولا تُخاطَبُ بِهِ إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا» أيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنهُ، ومَوْضِعُ ﴿فِي شَيْءٍ﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ. قالَ الفَرّاءُ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ: أيْ لَسْتَ مِن عِقابِهِمْ في شَيْءٍ، وإنَّما عَلَيْكَ الإنْذارُ، ثُمَّ سَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ فَهو مُجازٍ لَهم بِما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، والحَصْرُ بِإنَّما هو في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ والتَّأْكِيدِ لَهُ ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ يُنَبِّئُهُمُ أيْ يُخْبِرُهم بِما يُنْزِلُهُ بِهِمْ مِنَ المُجازاةِ ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تُخالِفُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم وأوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن جُمْلَةِ ما هو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ لَمّا تَوَعَّدَ سُبْحانَهُ المُخالِفِينَ لَهُ بِما تَوَعَّدَ بَيَّنَ عَقِبَ ذَلِكَ مِقْدارَ جَزاءِ العامِلِينَ بِما أمَرَهم بِهِ المُمْتَثِلِينَ لِما شَرَعَهُ لَهم بِأنَّ مَن جاءَ بِحَسَنَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الحَسَناتِ فَلَهُ مِنَ الجَزاءِ عَشْرُ حَسَناتٍ، والتَّقْدِيرُ: فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها، فَأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَ المَوْصُوفِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَسُنَ التَّأْنِيثُ في عَشْرِ أمْثالِها لَمّا كانَ الأمْثالُ مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ، نَحْو ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ " فَلَهُ عَشْرُ أمْثالُها " بِرَفْعِهِما. وقَدْ ثَبَتَ هَذا التَّضْعِيفُ في السُّنَّةِ بِأحادِيثَ كَثِيرَةٍ، وهَذا التَّضْعِيفُ هو أقَلُّ ما يَسْتَحِقُّهُ عامِلُ الحَسَنَةِ. وقَدْ ورَدَتِ الزِّيادَةُ عَلى هَذا عُمُومًا وخُصُوصًا، فَفي القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٦١ ) . ووَرَدَ في بَعْضِ الحَسَناتِ أنَّ فاعِلَها يُجازى عَلَيْها بِغَيْرِ حِسابٍ، ووَرَدَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ تَضْعِيفُ الجَزاءِ إلى أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ. وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في مَوْضِعَيْنِ مِن هَذا التَّفْسِيرِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِما ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ مِن دُونِ زِيادَةٍ عَلَيْها عَلى قَدْرِها في الخِفَّةِ والعِظَمِ، فالمُشْرِكُ يُجازى عَلى سَيِّئَةِ الشِّرْكِ بِخُلُودِهِ في النّارِ، وفاعِلُ المَعْصِيَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ يُجازى عَلَيْها بِمِثْلِها مِمّا ورَدَ تَقْدِيرُهُ مِنَ العُقُوباتِ كَما ورَدَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّ مَن عَمِلَ كَذا فَعَلَيْهِ كَذا، وما لَمْ يَرِدْ لِعُقُوبَتِهِ تَقْدِيرٌ مِن الذُّنُوبِ فَعَلَيْنا أنْ نَقُولَ: يُجازِيهِ اللَّهُ بِمِثْلِهِ وإنْ لَمْ نَقِفْ عَلى حَقِيقَةِ ما يُجازى بِهِ، وهَذا إنْ لَمْ يَتُبْ، أمّا إذا تابَ أوْ غَلَبَتْ حَسَناتُهُ سَيِّئاتِهِ أوْ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِمَغْفِرَتِهِ فَلا مُجازاةَ، وأدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ مُصَرِّحَةٌ بِهَذا تَصْرِيحًا لا يَبْقى بَعْدَهُ رَيْبٌ لِمُرْتابٍ، وهم أيْ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابِ حَسَناتِ المُحْسِنِينَ ولا بِزِيادَةِ عُقُوباتِ المُسِيئِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: اخْتَلَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارى قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَتَفَرَّقُوا، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنْهُ في ناسِخِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى تَرَكُوا الإسْلامَ والدِّينَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ فِرَقًا أحْزابًا مُخْتَلِفَةً ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ نَسَخَها ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٣٦ ) . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ ﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ قالَ: مِلَلًا شَتّى. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: هم في هَذِهِ الأُمَّةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ قالَ: «هم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ»، وفي إسْنادِهِ عَبْدُ بْنُ كَثِيرٍ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ ولَمْ يَرْفَعْهُ غَيْرُهُ، ومَن عَداهُ وقَفُوهُ عَلى أبِي هُرَيْرَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ في الآيَةِ قالَ: هُمُ الحَرُورِيَّةُ وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي غالِبٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ مَرْفُوعًا ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ شاهِينَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في الإبانَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لِعائِشَةَ: «يا عائِشَةُ إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهم وكانُوا شِيَعًا هم أصْحابُ البِدَعِ وأصْحابُ الأهْواءِ وأصْحابُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لَيْسَتْ لَهم تَوْبَةٌ، يا عائِشَةُ إنَّ لِكُلِّ صاحِبِ ذَنْبٍ تَوْبَةً غَيْرَ أصْحابِ البِدَعِ وأصْحابِ الأهْواءِ لَيْسَ لَهم تَوْبَةٌ وهم مِنِّي بُرَآءُ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو غَرِيبٌ ولا يَصِحُّ رَفْعُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ حَسَنَةٌ ؟ قالَ: نَعَمْ أفْضَلُ الحَسَناتِ»، وهَذا مُرْسَلٌ ولا نَدْرِي كَيْفَ إسْنادُهُ إلى سَعِيدٍ ؟ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ أيْضًا. وقَدْ قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى أنَّها قَدْ ثَبَتَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِمُضاعَفَةِ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِها، ووَرَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في الزِّيادَةِ عَلى هَذا المِقْدارِ، وفَضْلُ اللَّهِ (p-٤٦٢)واسِعٌ، وعَطاؤُهُ جَمٌّ.

الأنعام 6:161

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُفّارَ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ أيْ أرْشَدَنِي بِما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ودِينًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ كَما قالَ قُطْرُبٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ هَدانِي كَما قالَ الأخْفَشُ، وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَدانِي، لِأنَّ مَعْناهُ عَرَّفَنِي: أيْ عَرَّفَنِي دِينًا، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ إلى صِراطٍ، لِأنَّ مَعْناهُ هَدانِي صِراطًا مُسْتَقِيمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ( الفَتْحِ: ٢٠ ) وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبِعُوا دِينًا. قَوْلُهُ: " قِيَمًا " قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ القافِ، والتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، وهُما لُغَتانِ: ومَعْناهُ الدِّينُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، وهو صِفَةٌ لِدِينًا وُصِفَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُبالَغَةً، وانْتِصابُ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ لِدِينًا، ويَجُوزُ نَصْبُها بِتَقْدِيرِ أعْنِي، وحَنِيفًا مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن إبْراهِيمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي. والحَنِيفُ المائِلُ إلى الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ مَعْطُوفٍ عَلى حَنِيفًا، أوْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: بِهَذِهِ المَقالَةِ عَقِبَ أمْرِهِ بِأنْ يَقُولَ لَهم بِالمَقالَةِ السّابِقَةِ، قِيلَ: ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى أُصُولِ الدِّينِ، وهَذا إلى فُرُوعِها. والمُرادُ بِالصَّلاةِ جِنْسُها فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِها، وقِيلَ: المُرادُ بِها هُنا صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِيدِ. والنُّسُكُ: جَمْعُ نَسِيكَةٍ، وهي الذَّبِيحَةُ كَذا قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهم: أيْ ذَبِيحَتِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: دِينِي. وقالَ الزَّجّاجُ: عِبادَتِي مِن قَوْلِهِمْ: نَسَكَ فُلانٌ هو ناسِكٌ: إذا تَعَبَّدَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ ما أعْمَلُهُ في حَياتِي ومَماتِي مِن أعْمالِ الخَيْرِ، ومِن أعْمالِ الخَيْرِ في المَماتِ الوَصِيَّةُ بِالصَّدَقاتِ وأنْواعِ القُرُباتِ، وقِيلَ: نَفْسُ الحَياةِ ونَفْسُ المَوْتِ لِلَّهِ قَرَأ الحَسَنُ " نُسْكِي " بِسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " مَحْيايْ " بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها لِئَلّا يَجْتَمِعَ ساكِنانِ. قالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُجِزْهُ، أيِ السُّكُونَ أحَدٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا يُونُسُ، وإنَّما أجازَهُ لِأنَّ المَدَّةَ الَّتِي في الألِفِ تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ " مَحْيى " مِن غَيْرِ ألِفٍ وهي لُغَةُ عُلْيا مُضَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ خالِصًا لَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما أفادَهُ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ مِنَ الإخْلاصِ في الطّاعَةِ وجَعْلِها لِلَّهِ وحْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ أوَّلُ مُسْلِمِي أُمَّتِهِ، وقِيلَ: أوَّلُ المُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الرِّسالَةِ فَهو أوَّلُهم في الخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ الآيَةَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الشّافِعِيُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ افْتِتاحِ الصَّلاةِ بِهَذا الذِّكْرِ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ وأنْزَلَهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ: " وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ " إلى قَوْلِهِ: " وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ "» قُلْتُ: هَذا هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مُطَوَّلًا، وهو أحَدُ التَّوَجُّهاتِ الوارِدَةِ، ولَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِصَلاةِ اللَّيْلِ كَما في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، وأصَحُّ التَّوَجُّهاتِ الَّذِي كانَ يُلازِمُهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ويُرْشِدُ إلَيْهِ هو: «اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ» إلى آخِرِهِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ إلى زِيادَةٍ عَلَيْهِ هُنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ صَلاتِي﴾ قالَ: يَعْنِي المَفْرُوضَةَ ﴿ونُسُكِي﴾ يَعْنِي الحَجَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ونُسُكِي قالَ: ذَبِيحَتِي. وأخْرَجا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ قالَ: حَجِّي وذَبِيحَتِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونُسُكِي﴾ قالَ: ذَبِيحَتِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ونُسُكِي﴾ قالَ: ضَحِيَّتِي. وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ قالَ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا فاطِمَةُ قُومِي فاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكَ فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِها كُلَّ ذَنْبٍ عَمِلْتِهِ، وقُولِي: " إنَّ صَلاتِي " إلى " وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ "، قَلَتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: هَذا لَكَ ولِأهْلِ بَيْتِكَ خاصَّةً، فَأهْلُ ذَلِكَ أنْتُمْ أمْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً ؟ قالَ: لا بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً» .

الأنعام 6:162

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُفّارَ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ أيْ أرْشَدَنِي بِما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ودِينًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ كَما قالَ قُطْرُبٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ هَدانِي كَما قالَ الأخْفَشُ، وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَدانِي، لِأنَّ مَعْناهُ عَرَّفَنِي: أيْ عَرَّفَنِي دِينًا، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ إلى صِراطٍ، لِأنَّ مَعْناهُ هَدانِي صِراطًا مُسْتَقِيمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ( الفَتْحِ: ٢٠ ) وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبِعُوا دِينًا. قَوْلُهُ: " قِيَمًا " قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ القافِ، والتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، وهُما لُغَتانِ: ومَعْناهُ الدِّينُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، وهو صِفَةٌ لِدِينًا وُصِفَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُبالَغَةً، وانْتِصابُ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ لِدِينًا، ويَجُوزُ نَصْبُها بِتَقْدِيرِ أعْنِي، وحَنِيفًا مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن إبْراهِيمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي. والحَنِيفُ المائِلُ إلى الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ مَعْطُوفٍ عَلى حَنِيفًا، أوْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: بِهَذِهِ المَقالَةِ عَقِبَ أمْرِهِ بِأنْ يَقُولَ لَهم بِالمَقالَةِ السّابِقَةِ، قِيلَ: ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى أُصُولِ الدِّينِ، وهَذا إلى فُرُوعِها. والمُرادُ بِالصَّلاةِ جِنْسُها فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِها، وقِيلَ: المُرادُ بِها هُنا صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِيدِ. والنُّسُكُ: جَمْعُ نَسِيكَةٍ، وهي الذَّبِيحَةُ كَذا قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهم: أيْ ذَبِيحَتِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: دِينِي. وقالَ الزَّجّاجُ: عِبادَتِي مِن قَوْلِهِمْ: نَسَكَ فُلانٌ هو ناسِكٌ: إذا تَعَبَّدَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ ما أعْمَلُهُ في حَياتِي ومَماتِي مِن أعْمالِ الخَيْرِ، ومِن أعْمالِ الخَيْرِ في المَماتِ الوَصِيَّةُ بِالصَّدَقاتِ وأنْواعِ القُرُباتِ، وقِيلَ: نَفْسُ الحَياةِ ونَفْسُ المَوْتِ لِلَّهِ قَرَأ الحَسَنُ " نُسْكِي " بِسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " مَحْيايْ " بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها لِئَلّا يَجْتَمِعَ ساكِنانِ. قالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُجِزْهُ، أيِ السُّكُونَ أحَدٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا يُونُسُ، وإنَّما أجازَهُ لِأنَّ المَدَّةَ الَّتِي في الألِفِ تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ " مَحْيى " مِن غَيْرِ ألِفٍ وهي لُغَةُ عُلْيا مُضَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ خالِصًا لَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما أفادَهُ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ مِنَ الإخْلاصِ في الطّاعَةِ وجَعْلِها لِلَّهِ وحْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ أوَّلُ مُسْلِمِي أُمَّتِهِ، وقِيلَ: أوَّلُ المُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الرِّسالَةِ فَهو أوَّلُهم في الخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ الآيَةَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الشّافِعِيُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ افْتِتاحِ الصَّلاةِ بِهَذا الذِّكْرِ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ وأنْزَلَهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ: " وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ " إلى قَوْلِهِ: " وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ "» قُلْتُ: هَذا هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مُطَوَّلًا، وهو أحَدُ التَّوَجُّهاتِ الوارِدَةِ، ولَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِصَلاةِ اللَّيْلِ كَما في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، وأصَحُّ التَّوَجُّهاتِ الَّذِي كانَ يُلازِمُهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ويُرْشِدُ إلَيْهِ هو: «اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ» إلى آخِرِهِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ إلى زِيادَةٍ عَلَيْهِ هُنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ صَلاتِي﴾ قالَ: يَعْنِي المَفْرُوضَةَ ﴿ونُسُكِي﴾ يَعْنِي الحَجَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ونُسُكِي قالَ: ذَبِيحَتِي. وأخْرَجا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ قالَ: حَجِّي وذَبِيحَتِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونُسُكِي﴾ قالَ: ذَبِيحَتِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ونُسُكِي﴾ قالَ: ضَحِيَّتِي. وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ قالَ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا فاطِمَةُ قُومِي فاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكَ فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِها كُلَّ ذَنْبٍ عَمِلْتِهِ، وقُولِي: " إنَّ صَلاتِي " إلى " وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ "، قَلَتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: هَذا لَكَ ولِأهْلِ بَيْتِكَ خاصَّةً، فَأهْلُ ذَلِكَ أنْتُمْ أمْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً ؟ قالَ: لا بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً» .

الأنعام 6:163

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُفّارَ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ أيْ أرْشَدَنِي بِما أوْحاهُ إلَيَّ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ودِينًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ كَما قالَ قُطْرُبٌ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ هَدانِي كَما قالَ الأخْفَشُ، وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَدانِي، لِأنَّ مَعْناهُ عَرَّفَنِي: أيْ عَرَّفَنِي دِينًا، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ إلى صِراطٍ، لِأنَّ مَعْناهُ هَدانِي صِراطًا مُسْتَقِيمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ( الفَتْحِ: ٢٠ ) وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبِعُوا دِينًا. قَوْلُهُ: " قِيَمًا " قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ القافِ، والتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، وهُما لُغَتانِ: ومَعْناهُ الدِّينُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، وهو صِفَةٌ لِدِينًا وُصِفَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُبالَغَةً، وانْتِصابُ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ لِدِينًا، ويَجُوزُ نَصْبُها بِتَقْدِيرِ أعْنِي، وحَنِيفًا مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن إبْراهِيمَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي. والحَنِيفُ المائِلُ إلى الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبِ مَعْطُوفٍ عَلى حَنِيفًا، أوْ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَقُولَ لَهم: بِهَذِهِ المَقالَةِ عَقِبَ أمْرِهِ بِأنْ يَقُولَ لَهم بِالمَقالَةِ السّابِقَةِ، قِيلَ: ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ ما تَضَمَّنَهُ القَوْلُ الأوَّلُ إشارَةٌ إلى أُصُولِ الدِّينِ، وهَذا إلى فُرُوعِها. والمُرادُ بِالصَّلاةِ جِنْسُها فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أنْواعِها، وقِيلَ: المُرادُ بِها هُنا صَلاةُ اللَّيْلِ، وقِيلَ: صَلاةُ العِيدِ. والنُّسُكُ: جَمْعُ نَسِيكَةٍ، وهي الذَّبِيحَةُ كَذا قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهم: أيْ ذَبِيحَتِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: دِينِي. وقالَ الزَّجّاجُ: عِبادَتِي مِن قَوْلِهِمْ: نَسَكَ فُلانٌ هو ناسِكٌ: إذا تَعَبَّدَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ ﴿ومَحْيايَ ومَماتِي﴾ أيْ ما أعْمَلُهُ في حَياتِي ومَماتِي مِن أعْمالِ الخَيْرِ، ومِن أعْمالِ الخَيْرِ في المَماتِ الوَصِيَّةُ بِالصَّدَقاتِ وأنْواعِ القُرُباتِ، وقِيلَ: نَفْسُ الحَياةِ ونَفْسُ المَوْتِ لِلَّهِ قَرَأ الحَسَنُ " نُسْكِي " بِسُكُونِ السِّينِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ " مَحْيايْ " بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها لِئَلّا يَجْتَمِعَ ساكِنانِ. قالَ النَّحّاسُ: لَمْ يُجِزْهُ، أيِ السُّكُونَ أحَدٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا يُونُسُ، وإنَّما أجازَهُ لِأنَّ المَدَّةَ الَّتِي في الألِفِ تَقُومُ مَقامَ الحَرَكَةِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ " مَحْيى " مِن غَيْرِ ألِفٍ وهي لُغَةُ عُلْيا مُضَرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ خالِصًا لَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما أفادَهُ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ مِنَ الإخْلاصِ في الطّاعَةِ وجَعْلِها لِلَّهِ وحْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ أوَّلُ مُسْلِمِي أُمَّتِهِ، وقِيلَ: أوَّلُ المُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الرِّسالَةِ فَهو أوَّلُهم في الخَلْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ الآيَةَ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الشّافِعِيُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ افْتِتاحِ الصَّلاةِ بِهَذا الذِّكْرِ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ وأنْزَلَهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قالَ: " وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ " إلى قَوْلِهِ: " وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ "» قُلْتُ: هَذا هو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مُطَوَّلًا، وهو أحَدُ التَّوَجُّهاتِ الوارِدَةِ، ولَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِصَلاةِ اللَّيْلِ كَما في الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ، وأصَحُّ التَّوَجُّهاتِ الَّذِي كانَ يُلازِمُهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ويُرْشِدُ إلَيْهِ هو: «اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ» إلى آخِرِهِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ إلى زِيادَةٍ عَلَيْهِ هُنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ صَلاتِي﴾ قالَ: يَعْنِي المَفْرُوضَةَ ﴿ونُسُكِي﴾ يَعْنِي الحَجَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ونُسُكِي قالَ: ذَبِيحَتِي. وأخْرَجا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، ﴿إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ قالَ: حَجِّي وذَبِيحَتِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونُسُكِي﴾ قالَ: ذَبِيحَتِي في الحَجِّ والعُمْرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ونُسُكِي﴾ قالَ: ضَحِيَّتِي. وفِي قَوْلِهِ: ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ قالَ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يا فاطِمَةُ قُومِي فاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكَ فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ بِأوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِها كُلَّ ذَنْبٍ عَمِلْتِهِ، وقُولِي: " إنَّ صَلاتِي " إلى " وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ "، قَلَتُ يا رَسُولَ اللَّهِ: هَذا لَكَ ولِأهْلِ بَيْتِكَ خاصَّةً، فَأهْلُ ذَلِكَ أنْتُمْ أمْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً ؟ قالَ: لا بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً» .

الأنعام 6:164

الِاسْتِفْهامُ في أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبّا لِلْإنْكارِ وهو جَوابٌ عَلى المُشْرِكِينَ ل‍َمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ: أيْ كَيْفَ أبْغِي غَيْرَ اللَّهِ رَبّا مُسْتَقِلّا وأتْرُكُ عِبادَةَ اللَّهِ أوْ شَرِيكًا لِلَّهِ فَأعْبُدَهُما مَعًا، والحالُ أنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، والَّذِي تَدْعُونَنِي إلى عِبادَتِهِ هو مِن جُمْلَةِ مَن هو مَرْبُوبٌ لَهُ مَخْلُوقٌ مِثْلِي لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، وفي هَذا الكَلامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم (p-٤٦٣)ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وغَيْرَ مَنصُوبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، ورَبًّا تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى جَعْلِ الفِعْلِ ناصِبًا لِمَفْعُولَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ أيْ لا يُؤاخَذُ مِمّا أتَتْ مِنَ الذَّنْبِ وارْتَكَبَتْ مِنَ المَعْصِيَةِ سِواها، فَكُلُّ كَسْبِها لِلشَّرِّ عَلَيْها لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٨٦ ) وقَوْلِهِ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ( طه: ١٥ ) . قَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أصْلُ الوِزْرِ الثِّقْلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ( الشَّرْحِ: ٢ ) وهو هُنا الذَّنْبُ ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ ( الأنْعامِ: ٣١ ) . قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: وُزِرَ يُوزَرُ، ووَزَرَ يَزِرُ وِزْرًا، ويَجُوزُ إزْرًا، وفِيهِ رَدٌّ لِما كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن مُؤاخَذَةِ القَرِيبِ بِذَنْبِ قَرِيبِهِ، والواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ بِذَنْبِ الآخَرِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ في الآخِرَةِ وكَذَلِكَ الَّتِي قَبْلَها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ ( الأنْفالِ: ٢٥ ) ومِثْلُهُ قَوْلُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها: أعْنِي العُمُومَ وما ورَدَ مِنَ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبِ الغَيْرِ كالدِّيَةِ الَّتِي تَحْمِلُها العاقِلَةُ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ في حُكْمِ المُخَصَّصِ بِهَذا العُمُومِ ويُقِرُّ في مَوْضِعِهِ ولا يُعارِضُ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ ( العَنْكَبُوتِ: ١٣ ) فَإنَّ المُرادَ بِالأثْقالِ الَّتِي مَعَ أثْقالِهِمْ هي أثْقالُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ( النَّحْلِ: ٢٥ ) ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدُّنْيا، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ حَقُّ المُحِقِّينَ وباطِلُ المُبْطِلِينَ. قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ خَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ: أيْ جَعَلَكم خُلَفاءَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والقُرُونِ السّالِفَةِ، قالَ الشَّمّاخُ: ؎أُصِيبُهُمُ وتُخْطِئُنِي المَنايا وأخْلُفُ في رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ أوِ المُرادُ أنَّهُ يُخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الإنْسانِيَّ خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ في الخَلْقِ والرِّزْقِ والقُوَّةِ والفَضْلِ والعِلْمِ، ودَرَجاتٍ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ إلى دَرَجاتٍ، " ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ " أيْ لِيَخْتَبِرَكم فِيما آتاكم مِن تِلْكَ الأُمُورِ، أوْ لِيَبْتَلِيَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ( الفَرْقانِ: ٢٠ ) ثُمَّ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ في الآخِرَةِ فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ كَما قالَ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ ( النَّحْلِ: ٧٧ ) ثُمَّ رَغَّبَ مَن يَسْتَحِقُّ التَّرْغِيبَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ قالَ: لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ قالَ: أهْلَكَ القُرُونَ الأُولى فاسْتَخْلَفَنا فِيها بَعْدَهم ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ قالَ: في الرِّزْقِ.

الأنعام 6:165

الِاسْتِفْهامُ في أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبّا لِلْإنْكارِ وهو جَوابٌ عَلى المُشْرِكِينَ ل‍َمّا دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ: أيْ كَيْفَ أبْغِي غَيْرَ اللَّهِ رَبّا مُسْتَقِلّا وأتْرُكُ عِبادَةَ اللَّهِ أوْ شَرِيكًا لِلَّهِ فَأعْبُدَهُما مَعًا، والحالُ أنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، والَّذِي تَدْعُونَنِي إلى عِبادَتِهِ هو مِن جُمْلَةِ مَن هو مَرْبُوبٌ لَهُ مَخْلُوقٌ مِثْلِي لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، وفي هَذا الكَلامِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لَهم (p-٤٦٣)ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وغَيْرَ مَنصُوبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، ورَبًّا تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى جَعْلِ الفِعْلِ ناصِبًا لِمَفْعُولَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ أيْ لا يُؤاخَذُ مِمّا أتَتْ مِنَ الذَّنْبِ وارْتَكَبَتْ مِنَ المَعْصِيَةِ سِواها، فَكُلُّ كَسْبِها لِلشَّرِّ عَلَيْها لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ ( البَقَرَةِ: ٢٨٦ ) وقَوْلِهِ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ( طه: ١٥ ) . قَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أصْلُ الوِزْرِ الثِّقْلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ( الشَّرْحِ: ٢ ) وهو هُنا الذَّنْبُ ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ ( الأنْعامِ: ٣١ ) . قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: وُزِرَ يُوزَرُ، ووَزَرَ يَزِرُ وِزْرًا، ويَجُوزُ إزْرًا، وفِيهِ رَدٌّ لِما كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن مُؤاخَذَةِ القَرِيبِ بِذَنْبِ قَرِيبِهِ، والواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ بِذَنْبِ الآخَرِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ في الآخِرَةِ وكَذَلِكَ الَّتِي قَبْلَها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ ( الأنْفالِ: ٢٥ ) ومِثْلُهُ قَوْلُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى ظاهِرِها: أعْنِي العُمُومَ وما ورَدَ مِنَ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبِ الغَيْرِ كالدِّيَةِ الَّتِي تَحْمِلُها العاقِلَةُ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ في حُكْمِ المُخَصَّصِ بِهَذا العُمُومِ ويُقِرُّ في مَوْضِعِهِ ولا يُعارِضُ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ ( العَنْكَبُوتِ: ١٣ ) فَإنَّ المُرادَ بِالأثْقالِ الَّتِي مَعَ أثْقالِهِمْ هي أثْقالُ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم كَما في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ( النَّحْلِ: ٢٥ ) ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدُّنْيا، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ حَقُّ المُحِقِّينَ وباطِلُ المُبْطِلِينَ. قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ خَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ: أيْ جَعَلَكم خُلَفاءَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والقُرُونِ السّالِفَةِ، قالَ الشَّمّاخُ: ؎أُصِيبُهُمُ وتُخْطِئُنِي المَنايا وأخْلُفُ في رُبُوعٍ عَنْ رُبُوعِ أوِ المُرادُ أنَّهُ يُخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الإنْسانِيَّ خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ في الخَلْقِ والرِّزْقِ والقُوَّةِ والفَضْلِ والعِلْمِ، ودَرَجاتٍ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ: أيْ إلى دَرَجاتٍ، " ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ " أيْ لِيَخْتَبِرَكم فِيما آتاكم مِن تِلْكَ الأُمُورِ، أوْ لِيَبْتَلِيَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ( الفَرْقانِ: ٢٠ ) ثُمَّ خَوَّفَهم فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ في الآخِرَةِ فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ كَما قالَ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ ( النَّحْلِ: ٧٧ ) ثُمَّ رَغَّبَ مَن يَسْتَحِقُّ التَّرْغِيبَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ الغُفْرانِ والرَّحْمَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ قالَ: لا يُؤاخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ قالَ: أهْلَكَ القُرُونَ الأُولى فاسْتَخْلَفَنا فِيها بَعْدَهم ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ قالَ: في الرِّزْقِ.

الأعراف 7:1

هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَمانِ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم﴾ ( الأعْرافِ: ١٦٣ - ١٧١ ) . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سُورَةُ الأعْرافِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ،: قالَ: آيَةٌ مِنَ الأعْرافِ مَدَنِيَّةٌ، وهي ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ ( الأعْرافِ: ١٦٣ ) إلى آخِرِ الآيَةِ، وسائِرُها مَكِّيَّةٌ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ يُفَرِّقُها في الرَّكْعَتَيْنِ. وآياتُها مِائَتانِ وسِتُّ آياتٍ.

الأعراف 7:2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ. قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ. وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ (p-٤٦٤)يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ. قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ. قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ. ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ فِيما يُحَلِّلُونَهُ لَهم ويُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ انْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِلْفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ هو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ لا تَتَّبِعُوا، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا تَذَكُّرُهم. قُرِئَ " تَذْكُرُونَ " بِالتَّخْفِيفِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى الإدْغامِ. قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأهْلَكْناها الخَبَرُ، ومِن قَرْيَةٍ تَمْيِيزٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ بَعْدَها لا قَبْلَها، لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ، ولَوْلا اشْتِغالُ أهْلَكْناها بِالضَّمِيرِ لَجازَ انْتِصابُ كَمْ بِهِ، والقَرْيَةُ مَوْضِعُ اجْتِماعِ النّاسِ: أيْ كَمْ مِن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى الكَبِيرَةِ أهْلَكْناها نَفْسَها بِإهْلاكِ أهْلِها، أوْ أهْلَكْنا أهْلَها، والمُرادُ أرَدْنا إهْلاكَها. قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أهْلَكْنا بِتَقْدِيرِ الإرادَةِ كَما مَرَّ، لِأنَّ تَرْتِيبَ مَجِيءِ البَأْسِ عَلى الإهْلاكِ لا يَصِحُّ إلّا بِهَذا التَّقْدِيرِ، إذِ الإهْلاكُ هو نَفْسُ مَجِيءِ البَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الفاءَ بِمَعْنى الواوِ فَلا يَلْزَمُ التَّقْدِيرُ، والمَعْنى: أهْلَكْناها وجاءَها بَأْسُنا، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ لا تَرْتِيبَ فِيها، وقِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ واقِعٌ لِبَعْضِ أهْلِ القَرْيَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْنا بَعْضَ أهْلِها فَجاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْنا الجَمِيعَ، وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِإهْلاكِها فَجاءَها بَأْسُنا، وقِيلَ: أهْلَكْناها بِإرْسالِ مَلائِكَةِ العَذابِ إلَيْها ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾، والبَأْسُ: هو العَذابُ. وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ إذا كانَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ واحِدًا أوْ كالواحِدِ قَدَّمْتَ أيَّهُما شِئْتَ فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ جاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْناها، مِثْلَ دَنا فَقَرُبَ وقَرُبَ فَدَنا. " ﴿بَياتًا﴾ " أيْ لَيْلًا، لِأنَّهُ يُباتُ فِيهِ، يُقالُ: باتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبَياتًا، وهو مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ: أيْ بائِتِينَ. قَوْلُهُ: أوْ هم قائِلُونَ مَعْطُوفٌ عَلى بَياتًا: أيْ بائِتِينَ أوْ قائِلِينَ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ بِدُونِ واوٍ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الواوَيْنِ واوِ العَطْفِ وواوِ الحالِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا خَطَأٌ بَلْ لا يُحْتاجُ إلى الواوِ، تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ راكِبًا أوْ هو ماشٍ لِأنَّ في الجُمْلَةِ ضَمِيرًا قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ، و" أوْ " في هَذا المَوْضِعِ لِلتَّفْصِيلِ لا لِلشَّكِّ. والقَيْلُولَةُ هي نَوْمُ نِصْفِ النَّهارِ. وقِيلَ: هي مُجَرَّدُ الِاسْتِراحَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِشِدَّةِ الحَرِّ مِن دُونِ نَوْمٍ، وخَصَّ الوَقْتَيْنِ لِأنَّهُما وقْتُ السُّكُونِ والدَّعَةِ فَمَجِيءُ العَذابِ فِيهِما أشَدُّ وأفْظَعُ. قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ الدَّعْوى: الدُّعاءُ: أيْ فَما كانَ دُعاؤُهم رَبَّهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ إلّا اعْتِرافُهم بِالظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ ( يُونُسَ: ١٠ ) أيْ آخِرُ دُعائِهِمْ، وقِيلَ: الدَّعْوى هُنا بِمَعْنى الِادِّعاءِ، والمَعْنى: ما كانَ ما يَدَّعُونَهُ لِدِينِهِمْ ويَنْتَحِلُونَهُ إلّا اعْتِرافُهم بِبُطْلانِهِ وفَسادِهِ، واسْمُ كانَ إلّا أنْ قالُوا وخَبَرُها دَعْواهم ويَجُوزُ العَكْسُ، والمَعْنى: ما كانَ دَعْواهم إلّا قَوْلُهم: إنّا كُنّا ظالِمِينَ. قَوْلُهُ: ٦ - ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، والسُّؤالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واللّامُ لامُ القَسَمِ: أيْ لَنَسْألَنَّهم عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ أيِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ: أيْ نَسْألُهم عَمّا أجابَ بِهِ أُمَمُهم عَلَيْهِمْ ومَن أطاعَ مِنهم ومَن عَصى، وقِيلَ: المَعْنى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾: يَعْنِي الأنْبِياءَ، ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾: يَعْنِي المَلائِكَةَ، ولا يُعارِضُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ لِما قَدَّمْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يُسْألُونَ، وفي مَوْطِنٍ لا يُسْألُونَ، وهَكَذا سائِرُ ما ورَدَ مِمّا ظاهِرُهُ التَّعارُضُ بِأنْ أثْبَتَ تارَةً ونَفى أُخْرى بِالنِّسْبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى تَعَدُّدِ المَواقِفِ مَعَ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ طُولًا عَظِيمًا. ٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ أيْ عَلى الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ما وقَعَ بَيْنَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ مِنهم لَهم بِعِلْمٍ لا بِجَهْلٍ: أيْ عالِمِينَ بِما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ وما كُنّا غائِبِينَ عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ حَتّى يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِمّا وقَعَ بَيْنَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: أنا اللَّهُ أفْصِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهي مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: هو المُصَوِّرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيُّ في قَوْلِهِ: المص قالَ: الألِفُ مِنَ اللَّهِ والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ والصّادُ مِنَ (p-٤٦٥)الصَّمَدِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَعْناهُ أنا اللَّهُ الصّادِقُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ قَوْلٌ بِالظَّنِّ وتَفْسِيرٌ بِالحَدْسِ، ولا حُجَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحَقُّ ما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ قالَ: الشَّكُّ، وقالَ لِأعْرابِيٍّ: ما الحَرَجُ فِيكم ؟ قالَ: اللَّبْسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: ضِيقٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَمّا أجابُوا المُرْسَلِينَ ونَسْألُ المُرْسَلِينَ عَمّا بَلَّغُوا، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾، قالَ: بِوَضْعِ الكِتابِ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فَرَقَدٍ في الآيَةِ قالَ: أحَدُهُما الأنْبِياءُ، وأحَدُهُما المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ونَسْألُ جِبْرِيلَ.

الأعراف 7:3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ. قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ. وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ (p-٤٦٤)يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ. قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ. قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ. ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ فِيما يُحَلِّلُونَهُ لَهم ويُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ انْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِلْفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ هو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ لا تَتَّبِعُوا، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا تَذَكُّرُهم. قُرِئَ " تَذْكُرُونَ " بِالتَّخْفِيفِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى الإدْغامِ. قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأهْلَكْناها الخَبَرُ، ومِن قَرْيَةٍ تَمْيِيزٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ بَعْدَها لا قَبْلَها، لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ، ولَوْلا اشْتِغالُ أهْلَكْناها بِالضَّمِيرِ لَجازَ انْتِصابُ كَمْ بِهِ، والقَرْيَةُ مَوْضِعُ اجْتِماعِ النّاسِ: أيْ كَمْ مِن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى الكَبِيرَةِ أهْلَكْناها نَفْسَها بِإهْلاكِ أهْلِها، أوْ أهْلَكْنا أهْلَها، والمُرادُ أرَدْنا إهْلاكَها. قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أهْلَكْنا بِتَقْدِيرِ الإرادَةِ كَما مَرَّ، لِأنَّ تَرْتِيبَ مَجِيءِ البَأْسِ عَلى الإهْلاكِ لا يَصِحُّ إلّا بِهَذا التَّقْدِيرِ، إذِ الإهْلاكُ هو نَفْسُ مَجِيءِ البَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الفاءَ بِمَعْنى الواوِ فَلا يَلْزَمُ التَّقْدِيرُ، والمَعْنى: أهْلَكْناها وجاءَها بَأْسُنا، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ لا تَرْتِيبَ فِيها، وقِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ واقِعٌ لِبَعْضِ أهْلِ القَرْيَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْنا بَعْضَ أهْلِها فَجاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْنا الجَمِيعَ، وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِإهْلاكِها فَجاءَها بَأْسُنا، وقِيلَ: أهْلَكْناها بِإرْسالِ مَلائِكَةِ العَذابِ إلَيْها ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾، والبَأْسُ: هو العَذابُ. وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ إذا كانَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ واحِدًا أوْ كالواحِدِ قَدَّمْتَ أيَّهُما شِئْتَ فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ جاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْناها، مِثْلَ دَنا فَقَرُبَ وقَرُبَ فَدَنا. " ﴿بَياتًا﴾ " أيْ لَيْلًا، لِأنَّهُ يُباتُ فِيهِ، يُقالُ: باتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبَياتًا، وهو مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ: أيْ بائِتِينَ. قَوْلُهُ: أوْ هم قائِلُونَ مَعْطُوفٌ عَلى بَياتًا: أيْ بائِتِينَ أوْ قائِلِينَ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ بِدُونِ واوٍ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الواوَيْنِ واوِ العَطْفِ وواوِ الحالِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا خَطَأٌ بَلْ لا يُحْتاجُ إلى الواوِ، تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ راكِبًا أوْ هو ماشٍ لِأنَّ في الجُمْلَةِ ضَمِيرًا قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ، و" أوْ " في هَذا المَوْضِعِ لِلتَّفْصِيلِ لا لِلشَّكِّ. والقَيْلُولَةُ هي نَوْمُ نِصْفِ النَّهارِ. وقِيلَ: هي مُجَرَّدُ الِاسْتِراحَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِشِدَّةِ الحَرِّ مِن دُونِ نَوْمٍ، وخَصَّ الوَقْتَيْنِ لِأنَّهُما وقْتُ السُّكُونِ والدَّعَةِ فَمَجِيءُ العَذابِ فِيهِما أشَدُّ وأفْظَعُ. قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ الدَّعْوى: الدُّعاءُ: أيْ فَما كانَ دُعاؤُهم رَبَّهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ إلّا اعْتِرافُهم بِالظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ ( يُونُسَ: ١٠ ) أيْ آخِرُ دُعائِهِمْ، وقِيلَ: الدَّعْوى هُنا بِمَعْنى الِادِّعاءِ، والمَعْنى: ما كانَ ما يَدَّعُونَهُ لِدِينِهِمْ ويَنْتَحِلُونَهُ إلّا اعْتِرافُهم بِبُطْلانِهِ وفَسادِهِ، واسْمُ كانَ إلّا أنْ قالُوا وخَبَرُها دَعْواهم ويَجُوزُ العَكْسُ، والمَعْنى: ما كانَ دَعْواهم إلّا قَوْلُهم: إنّا كُنّا ظالِمِينَ. قَوْلُهُ: ٦ - ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، والسُّؤالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واللّامُ لامُ القَسَمِ: أيْ لَنَسْألَنَّهم عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ أيِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ: أيْ نَسْألُهم عَمّا أجابَ بِهِ أُمَمُهم عَلَيْهِمْ ومَن أطاعَ مِنهم ومَن عَصى، وقِيلَ: المَعْنى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾: يَعْنِي الأنْبِياءَ، ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾: يَعْنِي المَلائِكَةَ، ولا يُعارِضُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ لِما قَدَّمْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يُسْألُونَ، وفي مَوْطِنٍ لا يُسْألُونَ، وهَكَذا سائِرُ ما ورَدَ مِمّا ظاهِرُهُ التَّعارُضُ بِأنْ أثْبَتَ تارَةً ونَفى أُخْرى بِالنِّسْبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى تَعَدُّدِ المَواقِفِ مَعَ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ طُولًا عَظِيمًا. ٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ أيْ عَلى الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ما وقَعَ بَيْنَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ مِنهم لَهم بِعِلْمٍ لا بِجَهْلٍ: أيْ عالِمِينَ بِما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ وما كُنّا غائِبِينَ عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ حَتّى يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِمّا وقَعَ بَيْنَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: أنا اللَّهُ أفْصِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهي مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: هو المُصَوِّرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيُّ في قَوْلِهِ: المص قالَ: الألِفُ مِنَ اللَّهِ والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ والصّادُ مِنَ (p-٤٦٥)الصَّمَدِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَعْناهُ أنا اللَّهُ الصّادِقُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ قَوْلٌ بِالظَّنِّ وتَفْسِيرٌ بِالحَدْسِ، ولا حُجَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحَقُّ ما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ قالَ: الشَّكُّ، وقالَ لِأعْرابِيٍّ: ما الحَرَجُ فِيكم ؟ قالَ: اللَّبْسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: ضِيقٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَمّا أجابُوا المُرْسَلِينَ ونَسْألُ المُرْسَلِينَ عَمّا بَلَّغُوا، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾، قالَ: بِوَضْعِ الكِتابِ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فَرَقَدٍ في الآيَةِ قالَ: أحَدُهُما الأنْبِياءُ، وأحَدُهُما المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ونَسْألُ جِبْرِيلَ.

الأعراف 7:4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ. قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ. وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ (p-٤٦٤)يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ. قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ. قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ. ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ فِيما يُحَلِّلُونَهُ لَهم ويُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ انْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِلْفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ هو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ لا تَتَّبِعُوا، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا تَذَكُّرُهم. قُرِئَ " تَذْكُرُونَ " بِالتَّخْفِيفِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى الإدْغامِ. قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأهْلَكْناها الخَبَرُ، ومِن قَرْيَةٍ تَمْيِيزٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ بَعْدَها لا قَبْلَها، لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ، ولَوْلا اشْتِغالُ أهْلَكْناها بِالضَّمِيرِ لَجازَ انْتِصابُ كَمْ بِهِ، والقَرْيَةُ مَوْضِعُ اجْتِماعِ النّاسِ: أيْ كَمْ مِن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى الكَبِيرَةِ أهْلَكْناها نَفْسَها بِإهْلاكِ أهْلِها، أوْ أهْلَكْنا أهْلَها، والمُرادُ أرَدْنا إهْلاكَها. قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أهْلَكْنا بِتَقْدِيرِ الإرادَةِ كَما مَرَّ، لِأنَّ تَرْتِيبَ مَجِيءِ البَأْسِ عَلى الإهْلاكِ لا يَصِحُّ إلّا بِهَذا التَّقْدِيرِ، إذِ الإهْلاكُ هو نَفْسُ مَجِيءِ البَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الفاءَ بِمَعْنى الواوِ فَلا يَلْزَمُ التَّقْدِيرُ، والمَعْنى: أهْلَكْناها وجاءَها بَأْسُنا، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ لا تَرْتِيبَ فِيها، وقِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ واقِعٌ لِبَعْضِ أهْلِ القَرْيَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْنا بَعْضَ أهْلِها فَجاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْنا الجَمِيعَ، وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِإهْلاكِها فَجاءَها بَأْسُنا، وقِيلَ: أهْلَكْناها بِإرْسالِ مَلائِكَةِ العَذابِ إلَيْها ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾، والبَأْسُ: هو العَذابُ. وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ إذا كانَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ واحِدًا أوْ كالواحِدِ قَدَّمْتَ أيَّهُما شِئْتَ فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ جاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْناها، مِثْلَ دَنا فَقَرُبَ وقَرُبَ فَدَنا. " ﴿بَياتًا﴾ " أيْ لَيْلًا، لِأنَّهُ يُباتُ فِيهِ، يُقالُ: باتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبَياتًا، وهو مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ: أيْ بائِتِينَ. قَوْلُهُ: أوْ هم قائِلُونَ مَعْطُوفٌ عَلى بَياتًا: أيْ بائِتِينَ أوْ قائِلِينَ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ بِدُونِ واوٍ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الواوَيْنِ واوِ العَطْفِ وواوِ الحالِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا خَطَأٌ بَلْ لا يُحْتاجُ إلى الواوِ، تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ راكِبًا أوْ هو ماشٍ لِأنَّ في الجُمْلَةِ ضَمِيرًا قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ، و" أوْ " في هَذا المَوْضِعِ لِلتَّفْصِيلِ لا لِلشَّكِّ. والقَيْلُولَةُ هي نَوْمُ نِصْفِ النَّهارِ. وقِيلَ: هي مُجَرَّدُ الِاسْتِراحَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِشِدَّةِ الحَرِّ مِن دُونِ نَوْمٍ، وخَصَّ الوَقْتَيْنِ لِأنَّهُما وقْتُ السُّكُونِ والدَّعَةِ فَمَجِيءُ العَذابِ فِيهِما أشَدُّ وأفْظَعُ. قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ الدَّعْوى: الدُّعاءُ: أيْ فَما كانَ دُعاؤُهم رَبَّهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ إلّا اعْتِرافُهم بِالظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ ( يُونُسَ: ١٠ ) أيْ آخِرُ دُعائِهِمْ، وقِيلَ: الدَّعْوى هُنا بِمَعْنى الِادِّعاءِ، والمَعْنى: ما كانَ ما يَدَّعُونَهُ لِدِينِهِمْ ويَنْتَحِلُونَهُ إلّا اعْتِرافُهم بِبُطْلانِهِ وفَسادِهِ، واسْمُ كانَ إلّا أنْ قالُوا وخَبَرُها دَعْواهم ويَجُوزُ العَكْسُ، والمَعْنى: ما كانَ دَعْواهم إلّا قَوْلُهم: إنّا كُنّا ظالِمِينَ. قَوْلُهُ: ٦ - ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، والسُّؤالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واللّامُ لامُ القَسَمِ: أيْ لَنَسْألَنَّهم عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ أيِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ: أيْ نَسْألُهم عَمّا أجابَ بِهِ أُمَمُهم عَلَيْهِمْ ومَن أطاعَ مِنهم ومَن عَصى، وقِيلَ: المَعْنى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾: يَعْنِي الأنْبِياءَ، ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾: يَعْنِي المَلائِكَةَ، ولا يُعارِضُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ لِما قَدَّمْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يُسْألُونَ، وفي مَوْطِنٍ لا يُسْألُونَ، وهَكَذا سائِرُ ما ورَدَ مِمّا ظاهِرُهُ التَّعارُضُ بِأنْ أثْبَتَ تارَةً ونَفى أُخْرى بِالنِّسْبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى تَعَدُّدِ المَواقِفِ مَعَ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ طُولًا عَظِيمًا. ٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ أيْ عَلى الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ما وقَعَ بَيْنَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ مِنهم لَهم بِعِلْمٍ لا بِجَهْلٍ: أيْ عالِمِينَ بِما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ وما كُنّا غائِبِينَ عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ حَتّى يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِمّا وقَعَ بَيْنَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: أنا اللَّهُ أفْصِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهي مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: هو المُصَوِّرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيُّ في قَوْلِهِ: المص قالَ: الألِفُ مِنَ اللَّهِ والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ والصّادُ مِنَ (p-٤٦٥)الصَّمَدِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَعْناهُ أنا اللَّهُ الصّادِقُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ قَوْلٌ بِالظَّنِّ وتَفْسِيرٌ بِالحَدْسِ، ولا حُجَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحَقُّ ما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ قالَ: الشَّكُّ، وقالَ لِأعْرابِيٍّ: ما الحَرَجُ فِيكم ؟ قالَ: اللَّبْسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: ضِيقٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَمّا أجابُوا المُرْسَلِينَ ونَسْألُ المُرْسَلِينَ عَمّا بَلَّغُوا، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾، قالَ: بِوَضْعِ الكِتابِ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فَرَقَدٍ في الآيَةِ قالَ: أحَدُهُما الأنْبِياءُ، وأحَدُهُما المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ونَسْألُ جِبْرِيلَ.

الأعراف 7:5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ. قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ. وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ (p-٤٦٤)يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ. قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ. قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ. ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ فِيما يُحَلِّلُونَهُ لَهم ويُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ انْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِلْفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ هو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ لا تَتَّبِعُوا، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا تَذَكُّرُهم. قُرِئَ " تَذْكُرُونَ " بِالتَّخْفِيفِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى الإدْغامِ. قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأهْلَكْناها الخَبَرُ، ومِن قَرْيَةٍ تَمْيِيزٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ بَعْدَها لا قَبْلَها، لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ، ولَوْلا اشْتِغالُ أهْلَكْناها بِالضَّمِيرِ لَجازَ انْتِصابُ كَمْ بِهِ، والقَرْيَةُ مَوْضِعُ اجْتِماعِ النّاسِ: أيْ كَمْ مِن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى الكَبِيرَةِ أهْلَكْناها نَفْسَها بِإهْلاكِ أهْلِها، أوْ أهْلَكْنا أهْلَها، والمُرادُ أرَدْنا إهْلاكَها. قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أهْلَكْنا بِتَقْدِيرِ الإرادَةِ كَما مَرَّ، لِأنَّ تَرْتِيبَ مَجِيءِ البَأْسِ عَلى الإهْلاكِ لا يَصِحُّ إلّا بِهَذا التَّقْدِيرِ، إذِ الإهْلاكُ هو نَفْسُ مَجِيءِ البَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الفاءَ بِمَعْنى الواوِ فَلا يَلْزَمُ التَّقْدِيرُ، والمَعْنى: أهْلَكْناها وجاءَها بَأْسُنا، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ لا تَرْتِيبَ فِيها، وقِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ واقِعٌ لِبَعْضِ أهْلِ القَرْيَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْنا بَعْضَ أهْلِها فَجاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْنا الجَمِيعَ، وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِإهْلاكِها فَجاءَها بَأْسُنا، وقِيلَ: أهْلَكْناها بِإرْسالِ مَلائِكَةِ العَذابِ إلَيْها ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾، والبَأْسُ: هو العَذابُ. وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ إذا كانَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ واحِدًا أوْ كالواحِدِ قَدَّمْتَ أيَّهُما شِئْتَ فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ جاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْناها، مِثْلَ دَنا فَقَرُبَ وقَرُبَ فَدَنا. " ﴿بَياتًا﴾ " أيْ لَيْلًا، لِأنَّهُ يُباتُ فِيهِ، يُقالُ: باتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبَياتًا، وهو مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ: أيْ بائِتِينَ. قَوْلُهُ: أوْ هم قائِلُونَ مَعْطُوفٌ عَلى بَياتًا: أيْ بائِتِينَ أوْ قائِلِينَ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ بِدُونِ واوٍ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الواوَيْنِ واوِ العَطْفِ وواوِ الحالِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا خَطَأٌ بَلْ لا يُحْتاجُ إلى الواوِ، تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ راكِبًا أوْ هو ماشٍ لِأنَّ في الجُمْلَةِ ضَمِيرًا قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ، و" أوْ " في هَذا المَوْضِعِ لِلتَّفْصِيلِ لا لِلشَّكِّ. والقَيْلُولَةُ هي نَوْمُ نِصْفِ النَّهارِ. وقِيلَ: هي مُجَرَّدُ الِاسْتِراحَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِشِدَّةِ الحَرِّ مِن دُونِ نَوْمٍ، وخَصَّ الوَقْتَيْنِ لِأنَّهُما وقْتُ السُّكُونِ والدَّعَةِ فَمَجِيءُ العَذابِ فِيهِما أشَدُّ وأفْظَعُ. قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ الدَّعْوى: الدُّعاءُ: أيْ فَما كانَ دُعاؤُهم رَبَّهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ إلّا اعْتِرافُهم بِالظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ ( يُونُسَ: ١٠ ) أيْ آخِرُ دُعائِهِمْ، وقِيلَ: الدَّعْوى هُنا بِمَعْنى الِادِّعاءِ، والمَعْنى: ما كانَ ما يَدَّعُونَهُ لِدِينِهِمْ ويَنْتَحِلُونَهُ إلّا اعْتِرافُهم بِبُطْلانِهِ وفَسادِهِ، واسْمُ كانَ إلّا أنْ قالُوا وخَبَرُها دَعْواهم ويَجُوزُ العَكْسُ، والمَعْنى: ما كانَ دَعْواهم إلّا قَوْلُهم: إنّا كُنّا ظالِمِينَ. قَوْلُهُ: ٦ - ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، والسُّؤالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واللّامُ لامُ القَسَمِ: أيْ لَنَسْألَنَّهم عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ أيِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ: أيْ نَسْألُهم عَمّا أجابَ بِهِ أُمَمُهم عَلَيْهِمْ ومَن أطاعَ مِنهم ومَن عَصى، وقِيلَ: المَعْنى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾: يَعْنِي الأنْبِياءَ، ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾: يَعْنِي المَلائِكَةَ، ولا يُعارِضُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ لِما قَدَّمْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يُسْألُونَ، وفي مَوْطِنٍ لا يُسْألُونَ، وهَكَذا سائِرُ ما ورَدَ مِمّا ظاهِرُهُ التَّعارُضُ بِأنْ أثْبَتَ تارَةً ونَفى أُخْرى بِالنِّسْبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى تَعَدُّدِ المَواقِفِ مَعَ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ طُولًا عَظِيمًا. ٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ أيْ عَلى الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ما وقَعَ بَيْنَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ مِنهم لَهم بِعِلْمٍ لا بِجَهْلٍ: أيْ عالِمِينَ بِما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ وما كُنّا غائِبِينَ عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ حَتّى يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِمّا وقَعَ بَيْنَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: أنا اللَّهُ أفْصِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهي مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: هو المُصَوِّرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيُّ في قَوْلِهِ: المص قالَ: الألِفُ مِنَ اللَّهِ والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ والصّادُ مِنَ (p-٤٦٥)الصَّمَدِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَعْناهُ أنا اللَّهُ الصّادِقُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ قَوْلٌ بِالظَّنِّ وتَفْسِيرٌ بِالحَدْسِ، ولا حُجَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحَقُّ ما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ قالَ: الشَّكُّ، وقالَ لِأعْرابِيٍّ: ما الحَرَجُ فِيكم ؟ قالَ: اللَّبْسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: ضِيقٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَمّا أجابُوا المُرْسَلِينَ ونَسْألُ المُرْسَلِينَ عَمّا بَلَّغُوا، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾، قالَ: بِوَضْعِ الكِتابِ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فَرَقَدٍ في الآيَةِ قالَ: أحَدُهُما الأنْبِياءُ، وأحَدُهُما المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ونَسْألُ جِبْرِيلَ.

الأعراف 7:6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ. قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ. وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ (p-٤٦٤)يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ. قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ. قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ. ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ فِيما يُحَلِّلُونَهُ لَهم ويُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ انْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِلْفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ هو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ لا تَتَّبِعُوا، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا تَذَكُّرُهم. قُرِئَ " تَذْكُرُونَ " بِالتَّخْفِيفِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى الإدْغامِ. قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأهْلَكْناها الخَبَرُ، ومِن قَرْيَةٍ تَمْيِيزٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ بَعْدَها لا قَبْلَها، لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ، ولَوْلا اشْتِغالُ أهْلَكْناها بِالضَّمِيرِ لَجازَ انْتِصابُ كَمْ بِهِ، والقَرْيَةُ مَوْضِعُ اجْتِماعِ النّاسِ: أيْ كَمْ مِن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى الكَبِيرَةِ أهْلَكْناها نَفْسَها بِإهْلاكِ أهْلِها، أوْ أهْلَكْنا أهْلَها، والمُرادُ أرَدْنا إهْلاكَها. قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أهْلَكْنا بِتَقْدِيرِ الإرادَةِ كَما مَرَّ، لِأنَّ تَرْتِيبَ مَجِيءِ البَأْسِ عَلى الإهْلاكِ لا يَصِحُّ إلّا بِهَذا التَّقْدِيرِ، إذِ الإهْلاكُ هو نَفْسُ مَجِيءِ البَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الفاءَ بِمَعْنى الواوِ فَلا يَلْزَمُ التَّقْدِيرُ، والمَعْنى: أهْلَكْناها وجاءَها بَأْسُنا، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ لا تَرْتِيبَ فِيها، وقِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ واقِعٌ لِبَعْضِ أهْلِ القَرْيَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْنا بَعْضَ أهْلِها فَجاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْنا الجَمِيعَ، وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِإهْلاكِها فَجاءَها بَأْسُنا، وقِيلَ: أهْلَكْناها بِإرْسالِ مَلائِكَةِ العَذابِ إلَيْها ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾، والبَأْسُ: هو العَذابُ. وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ إذا كانَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ واحِدًا أوْ كالواحِدِ قَدَّمْتَ أيَّهُما شِئْتَ فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ جاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْناها، مِثْلَ دَنا فَقَرُبَ وقَرُبَ فَدَنا. " ﴿بَياتًا﴾ " أيْ لَيْلًا، لِأنَّهُ يُباتُ فِيهِ، يُقالُ: باتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبَياتًا، وهو مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ: أيْ بائِتِينَ. قَوْلُهُ: أوْ هم قائِلُونَ مَعْطُوفٌ عَلى بَياتًا: أيْ بائِتِينَ أوْ قائِلِينَ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ بِدُونِ واوٍ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الواوَيْنِ واوِ العَطْفِ وواوِ الحالِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا خَطَأٌ بَلْ لا يُحْتاجُ إلى الواوِ، تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ راكِبًا أوْ هو ماشٍ لِأنَّ في الجُمْلَةِ ضَمِيرًا قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ، و" أوْ " في هَذا المَوْضِعِ لِلتَّفْصِيلِ لا لِلشَّكِّ. والقَيْلُولَةُ هي نَوْمُ نِصْفِ النَّهارِ. وقِيلَ: هي مُجَرَّدُ الِاسْتِراحَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِشِدَّةِ الحَرِّ مِن دُونِ نَوْمٍ، وخَصَّ الوَقْتَيْنِ لِأنَّهُما وقْتُ السُّكُونِ والدَّعَةِ فَمَجِيءُ العَذابِ فِيهِما أشَدُّ وأفْظَعُ. قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ الدَّعْوى: الدُّعاءُ: أيْ فَما كانَ دُعاؤُهم رَبَّهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ إلّا اعْتِرافُهم بِالظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ ( يُونُسَ: ١٠ ) أيْ آخِرُ دُعائِهِمْ، وقِيلَ: الدَّعْوى هُنا بِمَعْنى الِادِّعاءِ، والمَعْنى: ما كانَ ما يَدَّعُونَهُ لِدِينِهِمْ ويَنْتَحِلُونَهُ إلّا اعْتِرافُهم بِبُطْلانِهِ وفَسادِهِ، واسْمُ كانَ إلّا أنْ قالُوا وخَبَرُها دَعْواهم ويَجُوزُ العَكْسُ، والمَعْنى: ما كانَ دَعْواهم إلّا قَوْلُهم: إنّا كُنّا ظالِمِينَ. قَوْلُهُ: ٦ - ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، والسُّؤالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واللّامُ لامُ القَسَمِ: أيْ لَنَسْألَنَّهم عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ أيِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ: أيْ نَسْألُهم عَمّا أجابَ بِهِ أُمَمُهم عَلَيْهِمْ ومَن أطاعَ مِنهم ومَن عَصى، وقِيلَ: المَعْنى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾: يَعْنِي الأنْبِياءَ، ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾: يَعْنِي المَلائِكَةَ، ولا يُعارِضُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ لِما قَدَّمْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يُسْألُونَ، وفي مَوْطِنٍ لا يُسْألُونَ، وهَكَذا سائِرُ ما ورَدَ مِمّا ظاهِرُهُ التَّعارُضُ بِأنْ أثْبَتَ تارَةً ونَفى أُخْرى بِالنِّسْبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى تَعَدُّدِ المَواقِفِ مَعَ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ طُولًا عَظِيمًا. ٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ أيْ عَلى الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ما وقَعَ بَيْنَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ مِنهم لَهم بِعِلْمٍ لا بِجَهْلٍ: أيْ عالِمِينَ بِما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ وما كُنّا غائِبِينَ عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ حَتّى يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِمّا وقَعَ بَيْنَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: أنا اللَّهُ أفْصِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهي مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: هو المُصَوِّرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيُّ في قَوْلِهِ: المص قالَ: الألِفُ مِنَ اللَّهِ والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ والصّادُ مِنَ (p-٤٦٥)الصَّمَدِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَعْناهُ أنا اللَّهُ الصّادِقُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ قَوْلٌ بِالظَّنِّ وتَفْسِيرٌ بِالحَدْسِ، ولا حُجَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحَقُّ ما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ قالَ: الشَّكُّ، وقالَ لِأعْرابِيٍّ: ما الحَرَجُ فِيكم ؟ قالَ: اللَّبْسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: ضِيقٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَمّا أجابُوا المُرْسَلِينَ ونَسْألُ المُرْسَلِينَ عَمّا بَلَّغُوا، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾، قالَ: بِوَضْعِ الكِتابِ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فَرَقَدٍ في الآيَةِ قالَ: أحَدُهُما الأنْبِياءُ، وأحَدُهُما المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ونَسْألُ جِبْرِيلَ.

الأعراف 7:7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ. قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ. وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ (p-٤٦٤)يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ. قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ. قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ. ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ. قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ فِيما يُحَلِّلُونَهُ لَهم ويُحَرِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ انْتِصابُ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ لِلْفِعْلِ المُتَأخِّرِ: أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، و" ما " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أوْ هو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ لا تَتَّبِعُوا، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا تَذَكُّرُهم. قُرِئَ " تَذْكُرُونَ " بِالتَّخْفِيفِ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ عَلى الإدْغامِ. قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ كَمْ هي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأهْلَكْناها الخَبَرُ، ومِن قَرْيَةٍ تَمْيِيزٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ بَعْدَها لا قَبْلَها، لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ، ولَوْلا اشْتِغالُ أهْلَكْناها بِالضَّمِيرِ لَجازَ انْتِصابُ كَمْ بِهِ، والقَرْيَةُ مَوْضِعُ اجْتِماعِ النّاسِ: أيْ كَمْ مِن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى الكَبِيرَةِ أهْلَكْناها نَفْسَها بِإهْلاكِ أهْلِها، أوْ أهْلَكْنا أهْلَها، والمُرادُ أرَدْنا إهْلاكَها. قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أهْلَكْنا بِتَقْدِيرِ الإرادَةِ كَما مَرَّ، لِأنَّ تَرْتِيبَ مَجِيءِ البَأْسِ عَلى الإهْلاكِ لا يَصِحُّ إلّا بِهَذا التَّقْدِيرِ، إذِ الإهْلاكُ هو نَفْسُ مَجِيءِ البَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الفاءَ بِمَعْنى الواوِ فَلا يَلْزَمُ التَّقْدِيرُ، والمَعْنى: أهْلَكْناها وجاءَها بَأْسُنا، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ لا تَرْتِيبَ فِيها، وقِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ واقِعٌ لِبَعْضِ أهْلِ القَرْيَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْنا بَعْضَ أهْلِها فَجاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْنا الجَمِيعَ، وقِيلَ: المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ حَكَمْنا بِإهْلاكِها فَجاءَها بَأْسُنا، وقِيلَ: أهْلَكْناها بِإرْسالِ مَلائِكَةِ العَذابِ إلَيْها ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾، والبَأْسُ: هو العَذابُ. وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ إذا كانَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ واحِدًا أوْ كالواحِدِ قَدَّمْتَ أيَّهُما شِئْتَ فَيَكُونُ المَعْنى: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ جاءَها بَأْسُنا فَأهْلَكْناها، مِثْلَ دَنا فَقَرُبَ وقَرُبَ فَدَنا. " ﴿بَياتًا﴾ " أيْ لَيْلًا، لِأنَّهُ يُباتُ فِيهِ، يُقالُ: باتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبَياتًا، وهو مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ: أيْ بائِتِينَ. قَوْلُهُ: أوْ هم قائِلُونَ مَعْطُوفٌ عَلى بَياتًا: أيْ بائِتِينَ أوْ قائِلِينَ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الحالِيَّةُ بِدُونِ واوٍ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ الواوَيْنِ واوِ العَطْفِ وواوِ الحالِ، هَكَذا قالَ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا خَطَأٌ بَلْ لا يُحْتاجُ إلى الواوِ، تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ راكِبًا أوْ هو ماشٍ لِأنَّ في الجُمْلَةِ ضَمِيرًا قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ، و" أوْ " في هَذا المَوْضِعِ لِلتَّفْصِيلِ لا لِلشَّكِّ. والقَيْلُولَةُ هي نَوْمُ نِصْفِ النَّهارِ. وقِيلَ: هي مُجَرَّدُ الِاسْتِراحَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِشِدَّةِ الحَرِّ مِن دُونِ نَوْمٍ، وخَصَّ الوَقْتَيْنِ لِأنَّهُما وقْتُ السُّكُونِ والدَّعَةِ فَمَجِيءُ العَذابِ فِيهِما أشَدُّ وأفْظَعُ. قَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ الدَّعْوى: الدُّعاءُ: أيْ فَما كانَ دُعاؤُهم رَبَّهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ إلّا اعْتِرافُهم بِالظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ومِثْلُهُ: ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ ( يُونُسَ: ١٠ ) أيْ آخِرُ دُعائِهِمْ، وقِيلَ: الدَّعْوى هُنا بِمَعْنى الِادِّعاءِ، والمَعْنى: ما كانَ ما يَدَّعُونَهُ لِدِينِهِمْ ويَنْتَحِلُونَهُ إلّا اعْتِرافُهم بِبُطْلانِهِ وفَسادِهِ، واسْمُ كانَ إلّا أنْ قالُوا وخَبَرُها دَعْواهم ويَجُوزُ العَكْسُ، والمَعْنى: ما كانَ دَعْواهم إلّا قَوْلُهم: إنّا كُنّا ظالِمِينَ. قَوْلُهُ: ٦ - ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ، والسُّؤالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، واللّامُ لامُ القَسَمِ: أيْ لَنَسْألَنَّهم عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ أيِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ: أيْ نَسْألُهم عَمّا أجابَ بِهِ أُمَمُهم عَلَيْهِمْ ومَن أطاعَ مِنهم ومَن عَصى، وقِيلَ: المَعْنى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾: يَعْنِي الأنْبِياءَ، ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾: يَعْنِي المَلائِكَةَ، ولا يُعارِضُ هَذا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ لِما قَدَّمْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الآخِرَةَ مَواطِنُ، فَفي مَوْطِنٍ يُسْألُونَ، وفي مَوْطِنٍ لا يُسْألُونَ، وهَكَذا سائِرُ ما ورَدَ مِمّا ظاهِرُهُ التَّعارُضُ بِأنْ أثْبَتَ تارَةً ونَفى أُخْرى بِالنِّسْبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى تَعَدُّدِ المَواقِفِ مَعَ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ طُولًا عَظِيمًا. ٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ أيْ عَلى الرُّسُلِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ما وقَعَ بَيْنَهم عِنْدَ الدَّعْوَةِ مِنهم لَهم بِعِلْمٍ لا بِجَهْلٍ: أيْ عالِمِينَ بِما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ وما كُنّا غائِبِينَ عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ حَتّى يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِمّا وقَعَ بَيْنَهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: أنا اللَّهُ أفْصِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مِن فَواتِحِ السُّوَرِ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهي مِن أسْماءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: المص قالَ: هو المُصَوِّرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيُّ في قَوْلِهِ: المص قالَ: الألِفُ مِنَ اللَّهِ والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ والصّادُ مِنَ (p-٤٦٥)الصَّمَدِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَعْناهُ أنا اللَّهُ الصّادِقُ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ قَوْلٌ بِالظَّنِّ وتَفْسِيرٌ بِالحَدْسِ، ولا حُجَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحَقُّ ما قَدَّمْنا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ قالَ: الشَّكُّ، وقالَ لِأعْرابِيٍّ: ما الحَرَجُ فِيكم ؟ قالَ: اللَّبْسُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: ضِيقٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَمّا أجابُوا المُرْسَلِينَ ونَسْألُ المُرْسَلِينَ عَمّا بَلَّغُوا، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾، قالَ: بِوَضْعِ الكِتابِ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ فَرَقَدٍ في الآيَةِ قالَ: أحَدُهُما الأنْبِياءُ، وأحَدُهُما المَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَسْألُ النّاسَ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ونَسْألُ جِبْرِيلَ.

الأعراف 7:8

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:9

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:10

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:11

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:12

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:13

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:14

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:15

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:16

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:17

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:18

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» . وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى. والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ. وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ( النِّساءِ: ٤٠ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ( القارِعَةِ: ٦ - ٩ )، والفاءُ في فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ لِلتَّفْصِيلِ. والمَوازِينُ: جَمْعُ مِيزانٍ، وأصْلُهُ مِوْزانٌ قُلِبَتْ الواوُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، وثِقْلُ المَوازِينِ هَذا يَكُونُ بِثِقْلِ ما وُضِعَ فِيها مِن صَحائِفِ الأعْمالِ، وقِيلَ: إنَّ المَوازِينَ جَمْعُ مَوْزُونٍ: أيْ فَمَن رَجَحَتْ أعْمالُهُ المَوْزُونَةُ، والأوَّلُ أوْلى. وظاهِرُ جَمْعِ المَوازِينِ المُضافَةِ إلى العامِلِ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ العامِلِينَ مَوازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها صِنْفٌ مِن أعْمالِهِ، وقِيلَ: هو مِيزانٌ واحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ كَما يُقالُ: خَرَجَ فُلانٌ إلى مَكَّةَ عَلى البِغالِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ كَما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ " مَوازِينُهُ " بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ هُمُ المُفْلِحُونَ. والكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم﴾ مِثْلُهُ، والباءُ في بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ سَبَبِيَّةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. ومَعْنى يَظْلِمُونَ يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ (p-٤٦٦)أيْ جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وهَيَّأْنا لَكم فِيها أسْبابَ المَعايِشِ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ: أيْ ما يُتَعايَشُ بِهِ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ وما تَكُونُ بِهِ الحَياةُ، يُقالُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا ومَعِيشًا. قالَ الزَّجّاجُ: المَعِيشَةُ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى العَيْشِ، والمَعِيشَةُ عِنْدَ الأخْفَشِ وكَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ مَفْعِلَةٌ. وقَرَأ الأعْرَجُ " مَعائِشَ " بِالهَمْزَةِ، وكَذا رَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ. قالَ النَّحّاسُ: والهَمْزُ لَحْنٌ لا يَجُوزُ، لِأنَّ الواحِدَةَ مَعِيشَةٌ والياءُ أصِيلَةٌ كَمَدِينَةٍ ومَدايِنَ وصَحِيفَةٍ وصَحايِفَ. قَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ هَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمٍ اللَّهِ عَلى عَبِيدِهِ. والمَعْنى: خَلَقْناكم نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْناكم بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْنا آدَمَ مِن تُرابٍ ثُمَّ صَوَّرْناكم في ظَهْرِهِ، وقِيلَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي آدَمَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ راجِعٌ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ هَذا القَوْلِ عَلى الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ المُصَوَّرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ثُمَّ في ثُمَّ صَوَّرْناكم بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْناكم مِن ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناكم حِينَ أخَذْنا عَلَيْكُمُ المِيثاقَ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولَقَدْ خَلَقْنا الأرْواحَ أوَّلًا، ثُمَّ صَوَّرْنا الأشْباحَ، ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ: أيْ أمَرْناهم بِذَلِكَ فامْتَثَلُوا الأمْرَ، وفَعَلُوا السُّجُودَ بَعْدَ الأمْرِ إلّا إبْلِيسَ. قِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ بِتَغْلِيبِ المَلائِكَةِ عَلى إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُنْفَرِدًا بَيْنَهم، أوْ كَما قِيلَ: لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما فُهِمَ مِن مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، ومَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا قالَ مَعْناهُ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ. وجُمْلَةُ قالَ ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُ اللَّهُ ؟ و" لا " في أنْ لا تَسْجُدَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ ( ص: ٧٥ )، وقِيلَ: إنَّ مَنَعَ بِمَعْنى قالَ، والتَّقْدِيرُ: مَن قالَ لَكَ أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: مَنَعَ بِمَعْنى دَعا: أيْ ما دَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ مِنَ الطّاعَةِ وأحْوَجَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ: أيْ وقْتَ أمَرْتُكَ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ، والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ، والِاسْتِفْهامُ في ما مَنَعَكَ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وإلّا فَهو سُبْحانَهُ عالِمٌ بِذَلِكَ، وجُمْلَةُ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ إبْلِيسُ ؟ وإنَّما قالَ في الجَوابِ أنا خَيْرٌ مِنهُ، ولَمْ يَقُلْ مَنَعَنِي كَذا، لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةٌ ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ. والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ مَعَ ما تُفِيدُهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. ثُمَّ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ اعْتِقادًا مِنهُ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ. وقَدْ أخْطَأ عَدُوُّ اللَّهِ فَإنَّ عُنْصُرَ الطِّينِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ النّارِ مِن جِهَةِ رَزانَتِهِ وسُكُونِهِ وطُولِ بَقائِهِ وهي حَقِيقَةٌ مُضْطَرِبَةٌ سَرِيعَةُ النَّفادِ، ومَعَ هَذا فَهو مَوْجُودٌ في الجَنَّةِ دُونَها، وهي عَذابٌ دُونَهُ، وهي مُحْتاجَةٌ إلَيْهِ لِتَتَحَيَّزَ فِيهِ، وهو مَسْجِدٌ وطَهُورٌ، ولَوْلا سَبْقُ شَقاوَتِهِ وصِدْقِ كَلِمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ لَكانَ لَهُ بِالمَلائِكَةِ المُطِيعِينَ لِهَذا الأمْرِ أُسْوَةٌ وقُدْوَةٌ، فَعُنْصُرُهُمُ النُّورِيُّ أشْرَفُ مِن عُنْصُرِهِ النّارِيِّ. وجُمْلَةُ قالَ فاهْبِطْ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ عَلى مُخالَفَتِهِ لِلْأمْرِ: أيِ اهْبِطْ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَحَلُّ المُطِيعِينَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فِيما أمَرَهم إلى الأرْضِ الَّتِي هي مَقَرُّ مَن يَعْصِي ويُطِيعُ، فَإنَّ السَّماءَ لا تَصْلُحُ لِمَن يَتَكَبَّرُ ويَعْصِي أمْرَ رَبِّهِ مِثْلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ . ومِنَ التَّفاسِيرِ الباطِلَةِ ما قِيلَ: إنَّ مَعْنى اهْبِطْ مِنها أيْ أخْرِجْ مِن صُورَتِكِ النّارِيَّةِ الَّتِي افْتَخَرْتَ بِها صُورَةً مُظْلِمَةً مُشَوَّهَةً، وقِيلَ: المُرادُ هُبُوطُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ، وجُمْلَةُ فاخْرُجْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالهُبُوطِ، وجُمْلَةُ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ: أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ وعَلى صالِحِي عِبادِهِ وهَكَذا كُلُّ مَن تَرَدّى بِرِداءِ الِاسْتِكْبارِ عُوقِبَ بِلُبْسِ رِداءِ الهَوانِ والصَّغارِ ومَن لَبِسَ رِداءَ التَّواضُعِ ألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ التَّرَفُّعِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: أيْ أمْهِلْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، وكَأنَّهُ طَلَبَ أنْ لا يَمُوتَ، لِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ لا مَوْتَ بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ في يُبْعَثُونَ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ. فَأجابَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ أيِ المُمْهَلِينَ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ تُعاقَبُ بِما قَضاهُ اللَّهُ لَكَ، وأنْزَلَهُ بِكَ في دَرَكاتِ النّارِ. قِيلَ: الحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ابْتِلاءُ العِبادِ لِيَعْرِفَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ. وجُمْلَةُ ١٦ - ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمَلِ السّابِقَةِ وارِدَةٌ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والباءُ في فَبِما لِلسَّبَبِيَّةِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: الباءُ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ فَبِإغْوائِكِ إيّايَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ والإغْواءُ: الإيقاعُ في الغَيِّ، وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى اللّامِ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ. والمَعْنى: فَمَعَ إغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: ما في فَبِما أغْوَيْتَنِي لِلِاسْتِفْهامِ. والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ أغْوَيْتَنِي والأوَّلُ أُولى. ومُرادُهُ بِهَذا الإغْواءِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِما سَيَفْعَلُهُ مَعَ العِبادِ هو تَرْكُ السُّجُودِ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ كانَ بِإغْواءِ اللَّهِ لَهُ، حَتّى اخْتارَ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، وقِيلَ: أرادَ بِهِ اللَّعْنَةَ الَّتِي لَعَنَهُ اللَّهُ: أيْ فَبِما لَعَنْتَنِي فَأهْلَكْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم ومِنهُ " ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " ( مَرْيَمَ: ٥٩ ) أيْ هَلاكًا. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: يُقالُ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي غَيًّا: إذا فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ أوْ فَسَدَ هو نَفْسُهُ، ومِنهُ ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ( طه: ١٢١ ) أيْ فَسَدَ عَيْشُهُ في الجَنَّةِ لَأقْعُدَنَّ لَهم أيْ لَأجْهَدَنَّ (p-٤٦٧)فِي إغْوائِهِمْ حَتّى يَفْسُدُوا بِسَبَبِي كَما فَسَدْتُ بِسَبَبِ تَرْكِي السُّجُودَ لِأبِيهِمْ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ: أيْ في صِراطِكَ المُسْتَقِيمِ كَما حَكىسِيبَوَيْهِ ضَرَبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ، واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ، والباءُ في بِما أغْوَيْتَنِي مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ: أيْ فَبِما أغْوَيْتَنِي أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ ذَكَرَ الجِهاتِ الأرْبَعَ لِأنَّها هي الَّتِي يَأْتِي مِنها العَدُوُّ عَدُوَّهُ، ولِهَذا تَرَكَ ذِكْرَ جِهَةِ الفَوْقِ والتَّحْتِ، وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى الجِهَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ بِمِن، وإلى الأُخْرَيَيْنِ بِعَنْ، لِأنَّ الغالِبَ فِيمَن يَأْتِي مِن قُدّامٍ وخَلْفٍ أنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَأْتِيهِ بِكُلِّيَّةِ بَدَنِهِ، والغالِبُ فِيمَن يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ والشَّمالِ أنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا، فَناسَبَ في الأُولَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ التَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ، وهو تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَتِهِ وتَسْوِيلِهِ بِمَن يَأْتِي حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ مِن دُنْياهم ومِن خَلْفِهِمْ مِن آخِرَتِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن جِهَةِ سَيِّئاتِهِمْ واسْتَحْسَنَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ وعِنْدَ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ لا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ لِتَأْثِيرِ وسْوَسَتِي فِيهِمْ وإغْوائِي لَهم، وهَذا قالَهُ عَلى الظَّنِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ ( سَبَأٍ: ٢٠ )، وقِيلَ: إنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَهُ، وعَبَّرَ بِالشُّكْرِ عَنِ الطّاعَةِ أوْ هو عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا اللَّهَ بِسَبَبِ الإغْواءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ اسْتِئْنافٌ كالجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها: أيْ مِنَ السَّماءِ أوِ الجَنَّةِ أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. مَذْؤُومًا أيْ مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ إذا ذَمَّهُ يُقالُ: ذَأمْتُهُ وذَمَمْتُهُ بِمَعْنًى. وقَرَأ الأعْمَشُ مَذْمُومًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ مَذْوُمًا بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقِيلَ: المَذْءُومُ: المَنفِيُّ، والمَدْحُورُ: المَطْرُودُ. قَوْلُهُ: لَمَن تَبِعَكَ مِنهم. قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وقِيلَ: اللّامُ في لَمَن تَبِعَكَ لِلتَّوْكِيدِ، وفي لَأمْلَأنَّ لامُ القَسَمِ. والأوَّلُ أوْلى، وجَوابُ القَسَمِ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، لِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وفي هَذا الجَوابِ مِنَ التَّهْدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُ: " لِمَن تَبِعَكَ " بِكَسْرِ اللّامِ وأنْكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. قالَ النَّحّاسُ: وتَقْدِيرُهُ واللَّهُ أعْلَمُ مِن أجْلِ مَنِ اتَّبَعَكَ كَما يُقالُ: أكْرَمْتُ فُلانًا لَكَ، وقِيلَ: هو عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، وضَمِيرُ مِنكم لَهُ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ، وغُلِّبَ ضَمِيرُ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، والأصْلُ مِنكَ ومِنهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ قالَ: العَدْلُ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ قالَ: حَسَناتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، تُوزَنُ الأعْمالُ. وقَدْ ورَدَ في كَيْفِيَّةِ المِيزانِ والوَزْنِ والمَوْزُونِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا ؟ أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ ؟ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطاقَةً فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ ؟ فَيُقالُ إنَّكَ لا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ» وقَدْ صَحَّحَهُ أيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وإسْنادُهُ عِنْدَ أحْمَدَ، حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم﴾ قالَ: خُلِقُوا في أصْلابِ الرِّجالِ وصُوِّرُوا في أرْحامِ النِّساءِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: خُلِقُوا في ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صُوِّرُوا في الأرْحامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: أمّا خَلَقْناكم فَآدَمُ، وأمّا ثُمَّ صَوَّرْناكم فَذُرِّيَّتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارِ العِزَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وصَفَهُ لَكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: أوَّلُ مَن قاسَ إبْلِيسُ في قَوْلِهِ: " ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ " وإسْنادُهُ صَحِيحٌ إلى الحَسَنِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ لَهُ اسْجُدْ لِآدَمَ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ» . قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيهِ قَرَنَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ. ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ فَما أظُنُّهُ يَصِحُّ رَفْعُهُ وهو لا يُشْبِهُ كَلامَ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: فَبِما أغْوَيْتَنِي أضْلَلْتَنِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ قالَ: طَرِيقُ مَكَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُشَكِّكُهم في أُمُورِ آخِرَتِهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ قالَ: أُرَغِّبُهم في دُنْياهم وعَنْ أيْمانِهِمْ أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ قالَ: أُسِنُّ لَهُمُ المَعاصِيَ وأُحِقُّ عَلَيْهِمُ الباطِلَ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ قالَ: مُوَحِّدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ يَقُولُ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ ومِن خَلْفِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ وعَنْ أيْمانِهِمْ مِن حَيْثُ يُبْصِرُونَ وعَنْ شَمائِلِهِمْ مِن حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ (p-٤٦٨)يَقُولُ مِن فَوْقِهِمْ وفي لَفْظٍ عَلِمَ أنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ مِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: مَذْؤُومًا قالَ: مَلُومًا، مَدْحُورًا: قالَ مَقِيتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ مَذْؤُومًا قالَ: مَنفِيًّا مَدْحُورًا قالَ: مَطْرُودًا.

الأعراف 7:19

قَوْلُهُ: ويا آدَمُ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ وقُلْنا يا آدَمُ. قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ بَعْدَ إخْراجِ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الإسْكانِ، ومَعْنى لا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ في البَقَرَةِ. ومَعْنى مِن حَيْثُ شِئْتُما مِن أيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الجَنَّةِ شِئْتُما أكْلَهُ، ومِثْلُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ ( البَقَرَةِ: ٣٥ ) وحَذْفُ النُّونِ مِن فَتَكُونا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى المَجْزُومِ أوْ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ الوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ، يُقالُ: وسْوَسَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وسْوَسَةً ووِسْواسًا بِكَسْرِ الواوِ، والوَسْوَسَةُ بِالفَتْحِ الِاسْمُ: مِثْلَ الزَّلْزَلَةِ والزِّلْزالِ، ويُقالُ: لِهَمْسِ الصّائِدِ والكِلابِ وأصْواتِ الحُلِيِّ وسْواسٌ. قالَ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسَواسًا إذا انْصَرَفَتْ والوَسْواسُ: اسْمُ الشَّيْطانِ. ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ، وسْوَسَ إلَيْهِ أوْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: لِيُبْدِيَ لَهُما أيْ لِيُظْهِرَ لَهُما، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ ( القَصَصِ: ٨ )، وقِيلَ: هي لامُ كَيْ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَعَقَّبَهُ الإيذاءُ، أوْ لِكَيْ يَقَعَ الإيذاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ﴾ أيْ ما سُتِرَ وغُطِّيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما سَمّى الفَرَجَ سَوْءَةً، لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ، أرادَ الشَّيْطانُ أنْ يَسُوءَهُما بِظُهُورِ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما فَإنَّهُما كانا لا يَرَيانِ عَوْرَةَ أنْفُسِهِما ولا يَراها أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وإنَّما لَمْ تُقْلَبِ الواوُ في وُورَيَ هَمْزَةً، لِأنَّ الثّانِيَةَ مَدَّةٌ، قِيلَ: إنَّما بَدَتْ عَوْرَتُهُما لَهُما لا لِغَيْرِهِما، وكانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِها وقالَ أيِ الشَّيْطانُ لَهُما ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ أكْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ هَكَذا قالَ البَصْرِيُّونَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: التَّقْدِيرُ لِئَلّا تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِن الخالِدِينَ في الجَنَّةِ أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ. قالَ النَّحّاسُ: فَضَّلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ، فَمِنها هَذا، ومِنها ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ ( هُودٍ: ٣١ )، ومِنها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٢ ) . قالَ ابْنُ فُورَكْ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في الطَّعامِ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ المَسْألَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا وأطالُوا الكَلامَ في غَيْرِ طائِلٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا كَلَّفَنا اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فالكَلامُ فِيها لا يَعْنِينا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ والضَّحّاكُ، مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ مُلْكٌ فَيَصِيرا مَلِكَيْنِ. وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِقِراءَةِ الكَسْرِ ولَكِنَّ النّاسَ عَلى تَرْكِها فَلِهَذا تَرَكْناها. قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وأنْكَرَ عَلى أبِي عُبَيْدٍ هَذا الكَلامَ وجَعَلَهُ مِنَ الخَطَأِ الفاحِشِ. قالَ: وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَصِلَ إلى أكْثَرِ مِن مُلْكِ الجَنَّةِ وهي غايَةُ الطّالِبِينَ، وإنَّما مَعْنى ومُلْكٍ لا يَبْلى المُقامُ في مُلْكِ الجَنَّةِ والخُلُودُ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ حَلَفَ لَهُما فَقالَ: أُقْسِمُ قَسامًا أيْ حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُما ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى ما إذا نُشُورُها وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ وإنْ كانَتْ في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ فَقَدْ جاءَتْ كَثِيرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في المائِدَةِ، والمُرادُ بِها هُنا المُبالَغَةُ في صُدُورِ الأقْسامِ لَهُما مِن إبْلِيسَ، وقِيلَ: إنَّهُما أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ كَما أقْسَمَ لَهُما عَلى المُناصَحَةِ. قَوْلُهُ: فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ التَّدْلِيَةُ والإدْلاءُ: إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، يُقالُ أدْلى دَلْوَهُ: أرْسَلَها والمَعْنى: أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِنَ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أوْقَعَهُما في الهَلاكِ، وقِيلَ: خَدَعَهُما، وأنْشَدَ نَفْطَوَيْهِ: ؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَشاءُ خَدَعْتَهُ ∗∗∗ وتَرى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لا يُخْدَعُ وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما دَلَّلَهُما مِنَ الدّالَّةِ، وهي الجُرْأةُ: أيْ جَرَّأهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَخَرَجا مِنَ الجَنَّةِ. قَوْلُهُ: فَلَمّا ﴿ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ لَمّا طَعِماها ظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما بِسَبَبِ زَوالِ ما كانَ ساتِرًا لَها وهو تَقَلُّصُ النُّورِ الَّذِي كانَ عَلَيْها وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا: بِمَعْنى شَرَعَ يَفْعَلُ كَذا. وحَكى الأخْفَشُ: طَفِقَ يَطْفِقُ مِثْلَ ضَرِبَ يَضْرِبُ: أيْ شَرَعا أوْ جَعَلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما. قَرَأ الحَسَنُ " يَخِصِّفانِ " بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَخْتَصِفانِ فَأدْغَمَ وكُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " يُخْصِفانِ " مِن أخْصَفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَخْصِفانِ مِن خَصَفَ. والمَعْنى: أنَّهُما أخَذا يَقْطَعانِ الوَرَقَ ويُلْزِقانِهِ بِعَوْرَتِهِما لِيَسْتُراها، مِن خَصَفَ (p-٤٦٩)النَّعْلَ: إذا جَعَلَهُ طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ وناداهُما رَبُّهُما قائِلًا لَهُما: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ الَّتِي نَهَيْتُكُما عَنْ أكْلِها، وهَذا عِتابٌ مِنَ اللَّهِ لَهُما وتَوْبِيخٌ حَيْثُ لَمْ يَحْذَرا ما حَذَّرَهُما مِنهُ ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنْهَكُما. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لِلْعَداوَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالا ؟ وهَذا مِنهُما اعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ وأنَّهُما ظَلَما أنْفَسَهُما مِمّا وقَعَ مِنهُما مِنَ المُخالَفَةِ، ثُمَّ قالا: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كالَّتِي قَبْلَها، والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ، وجُمْلَةُ " بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ أيْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ولَكم مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن المَطْعَمِ والمُشْرَبِ ونَحْوِهِما إلى حِينٍ أيْ إلى وقْتٍ، وهو وقْتُ مَوْتِكم. وجُمْلَةُ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ في الأرْضِ تَحْيَوْنَ، وفِيها يَأْتِيكُمُ المَوْتُ، ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ إلى دارِ الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ( طه: ٥٥ ) واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ قالَ: كانَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نُورٌ لا يُبْصِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَوْءَةَ صاحِبِهِ، فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أتاهُما إبْلِيسٌ فَقالَ: ما ﴿نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ مِثْلَهُ، يَعْنِي مِثْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يُصَدِّقاهُ حَتّى دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ فَكَلَّمَهُما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ فَإنْ أخْطَأكُما أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ لَمْ يُخْطِئْكُما أنْ تَكُونا خالِدَيْنِ فَلا تَمُوتانِ فِيها أبَدًا ﴿وقاسَمَهُما﴾ قالَ: حَلَفَ لَهُما إنِّي لَكُما لِمِنَ النّاصِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: فَدَلّاهُما بِغَرُورٍ قالَ: مَنّاهُما بِغُرُورٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لِباسُ كُلِّ دابَّةٍ مِنها، ولِباسُ الإنْسانِ الظُّفْرُ، فَأدْرَكَتْ آدَمَ التَّوْبَةُ عِنْدَ ظُفْرِهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ وحَوّاءَ كالظُّفْرِ، فَلَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِما إلّا مِثْلُ الظُّفْرِ ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قالَ: يَنْزِعانِ ورَقَ التِّينِ فَيَجْعَلانِهِ عَلى سَوْآتِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: لَمّا أسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ الجَنَّةَ كَساهُ سِرْبالًا مِنَ الظُّفْرِ، فَلَمّا أصابَ الخَطِيئَةَ سَلَبَهُ السِّرْبالَ فَبَقِيَ في أطْرافِ أصابِعِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ في الجَنَّةِ الياقُوتُ، فَلَمّا عَصى قُلِّصَ فَصارَ الظُّفْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وطَفِقا يَخْصِفانِ قالَ: يُرَقِّعانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ قالَ آدَمُ: رَبِّ إنَّهُ حَلَفَ لِي بِكَ ولَمْ أكُنْ أعْلَمُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ إلّا صادِقًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ الآيَةَ قالَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.

الأعراف 7:20

قَوْلُهُ: ويا آدَمُ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ وقُلْنا يا آدَمُ. قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ بَعْدَ إخْراجِ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الإسْكانِ، ومَعْنى لا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ في البَقَرَةِ. ومَعْنى مِن حَيْثُ شِئْتُما مِن أيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الجَنَّةِ شِئْتُما أكْلَهُ، ومِثْلُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ ( البَقَرَةِ: ٣٥ ) وحَذْفُ النُّونِ مِن فَتَكُونا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى المَجْزُومِ أوْ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ الوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ، يُقالُ: وسْوَسَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وسْوَسَةً ووِسْواسًا بِكَسْرِ الواوِ، والوَسْوَسَةُ بِالفَتْحِ الِاسْمُ: مِثْلَ الزَّلْزَلَةِ والزِّلْزالِ، ويُقالُ: لِهَمْسِ الصّائِدِ والكِلابِ وأصْواتِ الحُلِيِّ وسْواسٌ. قالَ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسَواسًا إذا انْصَرَفَتْ والوَسْواسُ: اسْمُ الشَّيْطانِ. ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ، وسْوَسَ إلَيْهِ أوْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: لِيُبْدِيَ لَهُما أيْ لِيُظْهِرَ لَهُما، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ ( القَصَصِ: ٨ )، وقِيلَ: هي لامُ كَيْ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَعَقَّبَهُ الإيذاءُ، أوْ لِكَيْ يَقَعَ الإيذاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ﴾ أيْ ما سُتِرَ وغُطِّيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما سَمّى الفَرَجَ سَوْءَةً، لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ، أرادَ الشَّيْطانُ أنْ يَسُوءَهُما بِظُهُورِ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما فَإنَّهُما كانا لا يَرَيانِ عَوْرَةَ أنْفُسِهِما ولا يَراها أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وإنَّما لَمْ تُقْلَبِ الواوُ في وُورَيَ هَمْزَةً، لِأنَّ الثّانِيَةَ مَدَّةٌ، قِيلَ: إنَّما بَدَتْ عَوْرَتُهُما لَهُما لا لِغَيْرِهِما، وكانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِها وقالَ أيِ الشَّيْطانُ لَهُما ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ أكْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ هَكَذا قالَ البَصْرِيُّونَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: التَّقْدِيرُ لِئَلّا تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِن الخالِدِينَ في الجَنَّةِ أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ. قالَ النَّحّاسُ: فَضَّلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ، فَمِنها هَذا، ومِنها ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ ( هُودٍ: ٣١ )، ومِنها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٢ ) . قالَ ابْنُ فُورَكْ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في الطَّعامِ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ المَسْألَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا وأطالُوا الكَلامَ في غَيْرِ طائِلٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا كَلَّفَنا اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فالكَلامُ فِيها لا يَعْنِينا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ والضَّحّاكُ، مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ مُلْكٌ فَيَصِيرا مَلِكَيْنِ. وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِقِراءَةِ الكَسْرِ ولَكِنَّ النّاسَ عَلى تَرْكِها فَلِهَذا تَرَكْناها. قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وأنْكَرَ عَلى أبِي عُبَيْدٍ هَذا الكَلامَ وجَعَلَهُ مِنَ الخَطَأِ الفاحِشِ. قالَ: وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَصِلَ إلى أكْثَرِ مِن مُلْكِ الجَنَّةِ وهي غايَةُ الطّالِبِينَ، وإنَّما مَعْنى ومُلْكٍ لا يَبْلى المُقامُ في مُلْكِ الجَنَّةِ والخُلُودُ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ حَلَفَ لَهُما فَقالَ: أُقْسِمُ قَسامًا أيْ حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُما ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى ما إذا نُشُورُها وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ وإنْ كانَتْ في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ فَقَدْ جاءَتْ كَثِيرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في المائِدَةِ، والمُرادُ بِها هُنا المُبالَغَةُ في صُدُورِ الأقْسامِ لَهُما مِن إبْلِيسَ، وقِيلَ: إنَّهُما أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ كَما أقْسَمَ لَهُما عَلى المُناصَحَةِ. قَوْلُهُ: فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ التَّدْلِيَةُ والإدْلاءُ: إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، يُقالُ أدْلى دَلْوَهُ: أرْسَلَها والمَعْنى: أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِنَ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أوْقَعَهُما في الهَلاكِ، وقِيلَ: خَدَعَهُما، وأنْشَدَ نَفْطَوَيْهِ: ؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَشاءُ خَدَعْتَهُ ∗∗∗ وتَرى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لا يُخْدَعُ وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما دَلَّلَهُما مِنَ الدّالَّةِ، وهي الجُرْأةُ: أيْ جَرَّأهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَخَرَجا مِنَ الجَنَّةِ. قَوْلُهُ: فَلَمّا ﴿ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ لَمّا طَعِماها ظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما بِسَبَبِ زَوالِ ما كانَ ساتِرًا لَها وهو تَقَلُّصُ النُّورِ الَّذِي كانَ عَلَيْها وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا: بِمَعْنى شَرَعَ يَفْعَلُ كَذا. وحَكى الأخْفَشُ: طَفِقَ يَطْفِقُ مِثْلَ ضَرِبَ يَضْرِبُ: أيْ شَرَعا أوْ جَعَلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما. قَرَأ الحَسَنُ " يَخِصِّفانِ " بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَخْتَصِفانِ فَأدْغَمَ وكُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " يُخْصِفانِ " مِن أخْصَفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَخْصِفانِ مِن خَصَفَ. والمَعْنى: أنَّهُما أخَذا يَقْطَعانِ الوَرَقَ ويُلْزِقانِهِ بِعَوْرَتِهِما لِيَسْتُراها، مِن خَصَفَ (p-٤٦٩)النَّعْلَ: إذا جَعَلَهُ طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ وناداهُما رَبُّهُما قائِلًا لَهُما: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ الَّتِي نَهَيْتُكُما عَنْ أكْلِها، وهَذا عِتابٌ مِنَ اللَّهِ لَهُما وتَوْبِيخٌ حَيْثُ لَمْ يَحْذَرا ما حَذَّرَهُما مِنهُ ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنْهَكُما. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لِلْعَداوَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالا ؟ وهَذا مِنهُما اعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ وأنَّهُما ظَلَما أنْفَسَهُما مِمّا وقَعَ مِنهُما مِنَ المُخالَفَةِ، ثُمَّ قالا: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كالَّتِي قَبْلَها، والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ، وجُمْلَةُ " بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ أيْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ولَكم مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن المَطْعَمِ والمُشْرَبِ ونَحْوِهِما إلى حِينٍ أيْ إلى وقْتٍ، وهو وقْتُ مَوْتِكم. وجُمْلَةُ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ في الأرْضِ تَحْيَوْنَ، وفِيها يَأْتِيكُمُ المَوْتُ، ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ إلى دارِ الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ( طه: ٥٥ ) واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ قالَ: كانَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نُورٌ لا يُبْصِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَوْءَةَ صاحِبِهِ، فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أتاهُما إبْلِيسٌ فَقالَ: ما ﴿نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ مِثْلَهُ، يَعْنِي مِثْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يُصَدِّقاهُ حَتّى دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ فَكَلَّمَهُما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ فَإنْ أخْطَأكُما أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ لَمْ يُخْطِئْكُما أنْ تَكُونا خالِدَيْنِ فَلا تَمُوتانِ فِيها أبَدًا ﴿وقاسَمَهُما﴾ قالَ: حَلَفَ لَهُما إنِّي لَكُما لِمِنَ النّاصِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: فَدَلّاهُما بِغَرُورٍ قالَ: مَنّاهُما بِغُرُورٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لِباسُ كُلِّ دابَّةٍ مِنها، ولِباسُ الإنْسانِ الظُّفْرُ، فَأدْرَكَتْ آدَمَ التَّوْبَةُ عِنْدَ ظُفْرِهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ وحَوّاءَ كالظُّفْرِ، فَلَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِما إلّا مِثْلُ الظُّفْرِ ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قالَ: يَنْزِعانِ ورَقَ التِّينِ فَيَجْعَلانِهِ عَلى سَوْآتِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: لَمّا أسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ الجَنَّةَ كَساهُ سِرْبالًا مِنَ الظُّفْرِ، فَلَمّا أصابَ الخَطِيئَةَ سَلَبَهُ السِّرْبالَ فَبَقِيَ في أطْرافِ أصابِعِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ في الجَنَّةِ الياقُوتُ، فَلَمّا عَصى قُلِّصَ فَصارَ الظُّفْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وطَفِقا يَخْصِفانِ قالَ: يُرَقِّعانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ قالَ آدَمُ: رَبِّ إنَّهُ حَلَفَ لِي بِكَ ولَمْ أكُنْ أعْلَمُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ إلّا صادِقًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ الآيَةَ قالَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.

الأعراف 7:21

قَوْلُهُ: ويا آدَمُ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ وقُلْنا يا آدَمُ. قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ بَعْدَ إخْراجِ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الإسْكانِ، ومَعْنى لا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ في البَقَرَةِ. ومَعْنى مِن حَيْثُ شِئْتُما مِن أيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الجَنَّةِ شِئْتُما أكْلَهُ، ومِثْلُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ ( البَقَرَةِ: ٣٥ ) وحَذْفُ النُّونِ مِن فَتَكُونا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى المَجْزُومِ أوْ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ الوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ، يُقالُ: وسْوَسَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وسْوَسَةً ووِسْواسًا بِكَسْرِ الواوِ، والوَسْوَسَةُ بِالفَتْحِ الِاسْمُ: مِثْلَ الزَّلْزَلَةِ والزِّلْزالِ، ويُقالُ: لِهَمْسِ الصّائِدِ والكِلابِ وأصْواتِ الحُلِيِّ وسْواسٌ. قالَ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسَواسًا إذا انْصَرَفَتْ والوَسْواسُ: اسْمُ الشَّيْطانِ. ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ، وسْوَسَ إلَيْهِ أوْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: لِيُبْدِيَ لَهُما أيْ لِيُظْهِرَ لَهُما، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ ( القَصَصِ: ٨ )، وقِيلَ: هي لامُ كَيْ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَعَقَّبَهُ الإيذاءُ، أوْ لِكَيْ يَقَعَ الإيذاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ﴾ أيْ ما سُتِرَ وغُطِّيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما سَمّى الفَرَجَ سَوْءَةً، لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ، أرادَ الشَّيْطانُ أنْ يَسُوءَهُما بِظُهُورِ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما فَإنَّهُما كانا لا يَرَيانِ عَوْرَةَ أنْفُسِهِما ولا يَراها أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وإنَّما لَمْ تُقْلَبِ الواوُ في وُورَيَ هَمْزَةً، لِأنَّ الثّانِيَةَ مَدَّةٌ، قِيلَ: إنَّما بَدَتْ عَوْرَتُهُما لَهُما لا لِغَيْرِهِما، وكانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِها وقالَ أيِ الشَّيْطانُ لَهُما ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ أكْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ هَكَذا قالَ البَصْرِيُّونَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: التَّقْدِيرُ لِئَلّا تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِن الخالِدِينَ في الجَنَّةِ أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ. قالَ النَّحّاسُ: فَضَّلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ، فَمِنها هَذا، ومِنها ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ ( هُودٍ: ٣١ )، ومِنها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٢ ) . قالَ ابْنُ فُورَكْ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في الطَّعامِ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ المَسْألَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا وأطالُوا الكَلامَ في غَيْرِ طائِلٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا كَلَّفَنا اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فالكَلامُ فِيها لا يَعْنِينا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ والضَّحّاكُ، مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ مُلْكٌ فَيَصِيرا مَلِكَيْنِ. وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِقِراءَةِ الكَسْرِ ولَكِنَّ النّاسَ عَلى تَرْكِها فَلِهَذا تَرَكْناها. قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وأنْكَرَ عَلى أبِي عُبَيْدٍ هَذا الكَلامَ وجَعَلَهُ مِنَ الخَطَأِ الفاحِشِ. قالَ: وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَصِلَ إلى أكْثَرِ مِن مُلْكِ الجَنَّةِ وهي غايَةُ الطّالِبِينَ، وإنَّما مَعْنى ومُلْكٍ لا يَبْلى المُقامُ في مُلْكِ الجَنَّةِ والخُلُودُ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ حَلَفَ لَهُما فَقالَ: أُقْسِمُ قَسامًا أيْ حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُما ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى ما إذا نُشُورُها وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ وإنْ كانَتْ في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ فَقَدْ جاءَتْ كَثِيرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في المائِدَةِ، والمُرادُ بِها هُنا المُبالَغَةُ في صُدُورِ الأقْسامِ لَهُما مِن إبْلِيسَ، وقِيلَ: إنَّهُما أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ كَما أقْسَمَ لَهُما عَلى المُناصَحَةِ. قَوْلُهُ: فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ التَّدْلِيَةُ والإدْلاءُ: إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، يُقالُ أدْلى دَلْوَهُ: أرْسَلَها والمَعْنى: أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِنَ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أوْقَعَهُما في الهَلاكِ، وقِيلَ: خَدَعَهُما، وأنْشَدَ نَفْطَوَيْهِ: ؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَشاءُ خَدَعْتَهُ ∗∗∗ وتَرى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لا يُخْدَعُ وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما دَلَّلَهُما مِنَ الدّالَّةِ، وهي الجُرْأةُ: أيْ جَرَّأهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَخَرَجا مِنَ الجَنَّةِ. قَوْلُهُ: فَلَمّا ﴿ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ لَمّا طَعِماها ظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما بِسَبَبِ زَوالِ ما كانَ ساتِرًا لَها وهو تَقَلُّصُ النُّورِ الَّذِي كانَ عَلَيْها وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا: بِمَعْنى شَرَعَ يَفْعَلُ كَذا. وحَكى الأخْفَشُ: طَفِقَ يَطْفِقُ مِثْلَ ضَرِبَ يَضْرِبُ: أيْ شَرَعا أوْ جَعَلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما. قَرَأ الحَسَنُ " يَخِصِّفانِ " بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَخْتَصِفانِ فَأدْغَمَ وكُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " يُخْصِفانِ " مِن أخْصَفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَخْصِفانِ مِن خَصَفَ. والمَعْنى: أنَّهُما أخَذا يَقْطَعانِ الوَرَقَ ويُلْزِقانِهِ بِعَوْرَتِهِما لِيَسْتُراها، مِن خَصَفَ (p-٤٦٩)النَّعْلَ: إذا جَعَلَهُ طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ وناداهُما رَبُّهُما قائِلًا لَهُما: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ الَّتِي نَهَيْتُكُما عَنْ أكْلِها، وهَذا عِتابٌ مِنَ اللَّهِ لَهُما وتَوْبِيخٌ حَيْثُ لَمْ يَحْذَرا ما حَذَّرَهُما مِنهُ ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنْهَكُما. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لِلْعَداوَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالا ؟ وهَذا مِنهُما اعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ وأنَّهُما ظَلَما أنْفَسَهُما مِمّا وقَعَ مِنهُما مِنَ المُخالَفَةِ، ثُمَّ قالا: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كالَّتِي قَبْلَها، والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ، وجُمْلَةُ " بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ أيْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ولَكم مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن المَطْعَمِ والمُشْرَبِ ونَحْوِهِما إلى حِينٍ أيْ إلى وقْتٍ، وهو وقْتُ مَوْتِكم. وجُمْلَةُ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ في الأرْضِ تَحْيَوْنَ، وفِيها يَأْتِيكُمُ المَوْتُ، ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ إلى دارِ الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ( طه: ٥٥ ) واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ قالَ: كانَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نُورٌ لا يُبْصِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَوْءَةَ صاحِبِهِ، فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أتاهُما إبْلِيسٌ فَقالَ: ما ﴿نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ مِثْلَهُ، يَعْنِي مِثْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يُصَدِّقاهُ حَتّى دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ فَكَلَّمَهُما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ فَإنْ أخْطَأكُما أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ لَمْ يُخْطِئْكُما أنْ تَكُونا خالِدَيْنِ فَلا تَمُوتانِ فِيها أبَدًا ﴿وقاسَمَهُما﴾ قالَ: حَلَفَ لَهُما إنِّي لَكُما لِمِنَ النّاصِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: فَدَلّاهُما بِغَرُورٍ قالَ: مَنّاهُما بِغُرُورٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لِباسُ كُلِّ دابَّةٍ مِنها، ولِباسُ الإنْسانِ الظُّفْرُ، فَأدْرَكَتْ آدَمَ التَّوْبَةُ عِنْدَ ظُفْرِهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ وحَوّاءَ كالظُّفْرِ، فَلَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِما إلّا مِثْلُ الظُّفْرِ ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قالَ: يَنْزِعانِ ورَقَ التِّينِ فَيَجْعَلانِهِ عَلى سَوْآتِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: لَمّا أسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ الجَنَّةَ كَساهُ سِرْبالًا مِنَ الظُّفْرِ، فَلَمّا أصابَ الخَطِيئَةَ سَلَبَهُ السِّرْبالَ فَبَقِيَ في أطْرافِ أصابِعِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ في الجَنَّةِ الياقُوتُ، فَلَمّا عَصى قُلِّصَ فَصارَ الظُّفْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وطَفِقا يَخْصِفانِ قالَ: يُرَقِّعانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ قالَ آدَمُ: رَبِّ إنَّهُ حَلَفَ لِي بِكَ ولَمْ أكُنْ أعْلَمُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ إلّا صادِقًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ الآيَةَ قالَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.

الأعراف 7:22

قَوْلُهُ: ويا آدَمُ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ وقُلْنا يا آدَمُ. قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ بَعْدَ إخْراجِ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الإسْكانِ، ومَعْنى لا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ في البَقَرَةِ. ومَعْنى مِن حَيْثُ شِئْتُما مِن أيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الجَنَّةِ شِئْتُما أكْلَهُ، ومِثْلُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ ( البَقَرَةِ: ٣٥ ) وحَذْفُ النُّونِ مِن فَتَكُونا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى المَجْزُومِ أوْ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ الوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ، يُقالُ: وسْوَسَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وسْوَسَةً ووِسْواسًا بِكَسْرِ الواوِ، والوَسْوَسَةُ بِالفَتْحِ الِاسْمُ: مِثْلَ الزَّلْزَلَةِ والزِّلْزالِ، ويُقالُ: لِهَمْسِ الصّائِدِ والكِلابِ وأصْواتِ الحُلِيِّ وسْواسٌ. قالَ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسَواسًا إذا انْصَرَفَتْ والوَسْواسُ: اسْمُ الشَّيْطانِ. ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ، وسْوَسَ إلَيْهِ أوْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: لِيُبْدِيَ لَهُما أيْ لِيُظْهِرَ لَهُما، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ ( القَصَصِ: ٨ )، وقِيلَ: هي لامُ كَيْ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَعَقَّبَهُ الإيذاءُ، أوْ لِكَيْ يَقَعَ الإيذاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ﴾ أيْ ما سُتِرَ وغُطِّيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما سَمّى الفَرَجَ سَوْءَةً، لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ، أرادَ الشَّيْطانُ أنْ يَسُوءَهُما بِظُهُورِ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما فَإنَّهُما كانا لا يَرَيانِ عَوْرَةَ أنْفُسِهِما ولا يَراها أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وإنَّما لَمْ تُقْلَبِ الواوُ في وُورَيَ هَمْزَةً، لِأنَّ الثّانِيَةَ مَدَّةٌ، قِيلَ: إنَّما بَدَتْ عَوْرَتُهُما لَهُما لا لِغَيْرِهِما، وكانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِها وقالَ أيِ الشَّيْطانُ لَهُما ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ أكْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ هَكَذا قالَ البَصْرِيُّونَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: التَّقْدِيرُ لِئَلّا تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِن الخالِدِينَ في الجَنَّةِ أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ. قالَ النَّحّاسُ: فَضَّلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ، فَمِنها هَذا، ومِنها ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ ( هُودٍ: ٣١ )، ومِنها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٢ ) . قالَ ابْنُ فُورَكْ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في الطَّعامِ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ المَسْألَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا وأطالُوا الكَلامَ في غَيْرِ طائِلٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا كَلَّفَنا اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فالكَلامُ فِيها لا يَعْنِينا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ والضَّحّاكُ، مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ مُلْكٌ فَيَصِيرا مَلِكَيْنِ. وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِقِراءَةِ الكَسْرِ ولَكِنَّ النّاسَ عَلى تَرْكِها فَلِهَذا تَرَكْناها. قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وأنْكَرَ عَلى أبِي عُبَيْدٍ هَذا الكَلامَ وجَعَلَهُ مِنَ الخَطَأِ الفاحِشِ. قالَ: وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَصِلَ إلى أكْثَرِ مِن مُلْكِ الجَنَّةِ وهي غايَةُ الطّالِبِينَ، وإنَّما مَعْنى ومُلْكٍ لا يَبْلى المُقامُ في مُلْكِ الجَنَّةِ والخُلُودُ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ حَلَفَ لَهُما فَقالَ: أُقْسِمُ قَسامًا أيْ حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُما ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى ما إذا نُشُورُها وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ وإنْ كانَتْ في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ فَقَدْ جاءَتْ كَثِيرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في المائِدَةِ، والمُرادُ بِها هُنا المُبالَغَةُ في صُدُورِ الأقْسامِ لَهُما مِن إبْلِيسَ، وقِيلَ: إنَّهُما أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ كَما أقْسَمَ لَهُما عَلى المُناصَحَةِ. قَوْلُهُ: فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ التَّدْلِيَةُ والإدْلاءُ: إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، يُقالُ أدْلى دَلْوَهُ: أرْسَلَها والمَعْنى: أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِنَ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أوْقَعَهُما في الهَلاكِ، وقِيلَ: خَدَعَهُما، وأنْشَدَ نَفْطَوَيْهِ: ؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَشاءُ خَدَعْتَهُ ∗∗∗ وتَرى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لا يُخْدَعُ وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما دَلَّلَهُما مِنَ الدّالَّةِ، وهي الجُرْأةُ: أيْ جَرَّأهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَخَرَجا مِنَ الجَنَّةِ. قَوْلُهُ: فَلَمّا ﴿ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ لَمّا طَعِماها ظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما بِسَبَبِ زَوالِ ما كانَ ساتِرًا لَها وهو تَقَلُّصُ النُّورِ الَّذِي كانَ عَلَيْها وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا: بِمَعْنى شَرَعَ يَفْعَلُ كَذا. وحَكى الأخْفَشُ: طَفِقَ يَطْفِقُ مِثْلَ ضَرِبَ يَضْرِبُ: أيْ شَرَعا أوْ جَعَلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما. قَرَأ الحَسَنُ " يَخِصِّفانِ " بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَخْتَصِفانِ فَأدْغَمَ وكُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " يُخْصِفانِ " مِن أخْصَفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَخْصِفانِ مِن خَصَفَ. والمَعْنى: أنَّهُما أخَذا يَقْطَعانِ الوَرَقَ ويُلْزِقانِهِ بِعَوْرَتِهِما لِيَسْتُراها، مِن خَصَفَ (p-٤٦٩)النَّعْلَ: إذا جَعَلَهُ طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ وناداهُما رَبُّهُما قائِلًا لَهُما: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ الَّتِي نَهَيْتُكُما عَنْ أكْلِها، وهَذا عِتابٌ مِنَ اللَّهِ لَهُما وتَوْبِيخٌ حَيْثُ لَمْ يَحْذَرا ما حَذَّرَهُما مِنهُ ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنْهَكُما. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لِلْعَداوَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالا ؟ وهَذا مِنهُما اعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ وأنَّهُما ظَلَما أنْفَسَهُما مِمّا وقَعَ مِنهُما مِنَ المُخالَفَةِ، ثُمَّ قالا: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كالَّتِي قَبْلَها، والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ، وجُمْلَةُ " بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ أيْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ولَكم مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن المَطْعَمِ والمُشْرَبِ ونَحْوِهِما إلى حِينٍ أيْ إلى وقْتٍ، وهو وقْتُ مَوْتِكم. وجُمْلَةُ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ في الأرْضِ تَحْيَوْنَ، وفِيها يَأْتِيكُمُ المَوْتُ، ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ إلى دارِ الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ( طه: ٥٥ ) واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ قالَ: كانَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نُورٌ لا يُبْصِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَوْءَةَ صاحِبِهِ، فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أتاهُما إبْلِيسٌ فَقالَ: ما ﴿نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ مِثْلَهُ، يَعْنِي مِثْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يُصَدِّقاهُ حَتّى دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ فَكَلَّمَهُما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ فَإنْ أخْطَأكُما أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ لَمْ يُخْطِئْكُما أنْ تَكُونا خالِدَيْنِ فَلا تَمُوتانِ فِيها أبَدًا ﴿وقاسَمَهُما﴾ قالَ: حَلَفَ لَهُما إنِّي لَكُما لِمِنَ النّاصِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: فَدَلّاهُما بِغَرُورٍ قالَ: مَنّاهُما بِغُرُورٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لِباسُ كُلِّ دابَّةٍ مِنها، ولِباسُ الإنْسانِ الظُّفْرُ، فَأدْرَكَتْ آدَمَ التَّوْبَةُ عِنْدَ ظُفْرِهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ وحَوّاءَ كالظُّفْرِ، فَلَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِما إلّا مِثْلُ الظُّفْرِ ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قالَ: يَنْزِعانِ ورَقَ التِّينِ فَيَجْعَلانِهِ عَلى سَوْآتِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: لَمّا أسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ الجَنَّةَ كَساهُ سِرْبالًا مِنَ الظُّفْرِ، فَلَمّا أصابَ الخَطِيئَةَ سَلَبَهُ السِّرْبالَ فَبَقِيَ في أطْرافِ أصابِعِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ في الجَنَّةِ الياقُوتُ، فَلَمّا عَصى قُلِّصَ فَصارَ الظُّفْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وطَفِقا يَخْصِفانِ قالَ: يُرَقِّعانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ قالَ آدَمُ: رَبِّ إنَّهُ حَلَفَ لِي بِكَ ولَمْ أكُنْ أعْلَمُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ إلّا صادِقًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ الآيَةَ قالَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.

الأعراف 7:23

قَوْلُهُ: ويا آدَمُ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ وقُلْنا يا آدَمُ. قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ بَعْدَ إخْراجِ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الإسْكانِ، ومَعْنى لا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ في البَقَرَةِ. ومَعْنى مِن حَيْثُ شِئْتُما مِن أيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الجَنَّةِ شِئْتُما أكْلَهُ، ومِثْلُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ ( البَقَرَةِ: ٣٥ ) وحَذْفُ النُّونِ مِن فَتَكُونا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى المَجْزُومِ أوْ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ الوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ، يُقالُ: وسْوَسَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وسْوَسَةً ووِسْواسًا بِكَسْرِ الواوِ، والوَسْوَسَةُ بِالفَتْحِ الِاسْمُ: مِثْلَ الزَّلْزَلَةِ والزِّلْزالِ، ويُقالُ: لِهَمْسِ الصّائِدِ والكِلابِ وأصْواتِ الحُلِيِّ وسْواسٌ. قالَ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسَواسًا إذا انْصَرَفَتْ والوَسْواسُ: اسْمُ الشَّيْطانِ. ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ، وسْوَسَ إلَيْهِ أوْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: لِيُبْدِيَ لَهُما أيْ لِيُظْهِرَ لَهُما، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ ( القَصَصِ: ٨ )، وقِيلَ: هي لامُ كَيْ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَعَقَّبَهُ الإيذاءُ، أوْ لِكَيْ يَقَعَ الإيذاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ﴾ أيْ ما سُتِرَ وغُطِّيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما سَمّى الفَرَجَ سَوْءَةً، لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ، أرادَ الشَّيْطانُ أنْ يَسُوءَهُما بِظُهُورِ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما فَإنَّهُما كانا لا يَرَيانِ عَوْرَةَ أنْفُسِهِما ولا يَراها أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وإنَّما لَمْ تُقْلَبِ الواوُ في وُورَيَ هَمْزَةً، لِأنَّ الثّانِيَةَ مَدَّةٌ، قِيلَ: إنَّما بَدَتْ عَوْرَتُهُما لَهُما لا لِغَيْرِهِما، وكانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِها وقالَ أيِ الشَّيْطانُ لَهُما ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ أكْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ هَكَذا قالَ البَصْرِيُّونَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: التَّقْدِيرُ لِئَلّا تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِن الخالِدِينَ في الجَنَّةِ أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ. قالَ النَّحّاسُ: فَضَّلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ، فَمِنها هَذا، ومِنها ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ ( هُودٍ: ٣١ )، ومِنها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٢ ) . قالَ ابْنُ فُورَكْ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في الطَّعامِ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ المَسْألَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا وأطالُوا الكَلامَ في غَيْرِ طائِلٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا كَلَّفَنا اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فالكَلامُ فِيها لا يَعْنِينا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ والضَّحّاكُ، مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ مُلْكٌ فَيَصِيرا مَلِكَيْنِ. وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِقِراءَةِ الكَسْرِ ولَكِنَّ النّاسَ عَلى تَرْكِها فَلِهَذا تَرَكْناها. قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وأنْكَرَ عَلى أبِي عُبَيْدٍ هَذا الكَلامَ وجَعَلَهُ مِنَ الخَطَأِ الفاحِشِ. قالَ: وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَصِلَ إلى أكْثَرِ مِن مُلْكِ الجَنَّةِ وهي غايَةُ الطّالِبِينَ، وإنَّما مَعْنى ومُلْكٍ لا يَبْلى المُقامُ في مُلْكِ الجَنَّةِ والخُلُودُ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ حَلَفَ لَهُما فَقالَ: أُقْسِمُ قَسامًا أيْ حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُما ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى ما إذا نُشُورُها وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ وإنْ كانَتْ في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ فَقَدْ جاءَتْ كَثِيرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في المائِدَةِ، والمُرادُ بِها هُنا المُبالَغَةُ في صُدُورِ الأقْسامِ لَهُما مِن إبْلِيسَ، وقِيلَ: إنَّهُما أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ كَما أقْسَمَ لَهُما عَلى المُناصَحَةِ. قَوْلُهُ: فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ التَّدْلِيَةُ والإدْلاءُ: إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، يُقالُ أدْلى دَلْوَهُ: أرْسَلَها والمَعْنى: أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِنَ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أوْقَعَهُما في الهَلاكِ، وقِيلَ: خَدَعَهُما، وأنْشَدَ نَفْطَوَيْهِ: ؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَشاءُ خَدَعْتَهُ ∗∗∗ وتَرى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لا يُخْدَعُ وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما دَلَّلَهُما مِنَ الدّالَّةِ، وهي الجُرْأةُ: أيْ جَرَّأهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَخَرَجا مِنَ الجَنَّةِ. قَوْلُهُ: فَلَمّا ﴿ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ لَمّا طَعِماها ظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما بِسَبَبِ زَوالِ ما كانَ ساتِرًا لَها وهو تَقَلُّصُ النُّورِ الَّذِي كانَ عَلَيْها وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا: بِمَعْنى شَرَعَ يَفْعَلُ كَذا. وحَكى الأخْفَشُ: طَفِقَ يَطْفِقُ مِثْلَ ضَرِبَ يَضْرِبُ: أيْ شَرَعا أوْ جَعَلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما. قَرَأ الحَسَنُ " يَخِصِّفانِ " بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَخْتَصِفانِ فَأدْغَمَ وكُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " يُخْصِفانِ " مِن أخْصَفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَخْصِفانِ مِن خَصَفَ. والمَعْنى: أنَّهُما أخَذا يَقْطَعانِ الوَرَقَ ويُلْزِقانِهِ بِعَوْرَتِهِما لِيَسْتُراها، مِن خَصَفَ (p-٤٦٩)النَّعْلَ: إذا جَعَلَهُ طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ وناداهُما رَبُّهُما قائِلًا لَهُما: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ الَّتِي نَهَيْتُكُما عَنْ أكْلِها، وهَذا عِتابٌ مِنَ اللَّهِ لَهُما وتَوْبِيخٌ حَيْثُ لَمْ يَحْذَرا ما حَذَّرَهُما مِنهُ ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنْهَكُما. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لِلْعَداوَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالا ؟ وهَذا مِنهُما اعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ وأنَّهُما ظَلَما أنْفَسَهُما مِمّا وقَعَ مِنهُما مِنَ المُخالَفَةِ، ثُمَّ قالا: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كالَّتِي قَبْلَها، والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ، وجُمْلَةُ " بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ أيْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ولَكم مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن المَطْعَمِ والمُشْرَبِ ونَحْوِهِما إلى حِينٍ أيْ إلى وقْتٍ، وهو وقْتُ مَوْتِكم. وجُمْلَةُ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ في الأرْضِ تَحْيَوْنَ، وفِيها يَأْتِيكُمُ المَوْتُ، ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ إلى دارِ الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ( طه: ٥٥ ) واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ قالَ: كانَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نُورٌ لا يُبْصِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَوْءَةَ صاحِبِهِ، فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أتاهُما إبْلِيسٌ فَقالَ: ما ﴿نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ مِثْلَهُ، يَعْنِي مِثْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يُصَدِّقاهُ حَتّى دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ فَكَلَّمَهُما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ فَإنْ أخْطَأكُما أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ لَمْ يُخْطِئْكُما أنْ تَكُونا خالِدَيْنِ فَلا تَمُوتانِ فِيها أبَدًا ﴿وقاسَمَهُما﴾ قالَ: حَلَفَ لَهُما إنِّي لَكُما لِمِنَ النّاصِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: فَدَلّاهُما بِغَرُورٍ قالَ: مَنّاهُما بِغُرُورٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لِباسُ كُلِّ دابَّةٍ مِنها، ولِباسُ الإنْسانِ الظُّفْرُ، فَأدْرَكَتْ آدَمَ التَّوْبَةُ عِنْدَ ظُفْرِهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ وحَوّاءَ كالظُّفْرِ، فَلَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِما إلّا مِثْلُ الظُّفْرِ ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قالَ: يَنْزِعانِ ورَقَ التِّينِ فَيَجْعَلانِهِ عَلى سَوْآتِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: لَمّا أسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ الجَنَّةَ كَساهُ سِرْبالًا مِنَ الظُّفْرِ، فَلَمّا أصابَ الخَطِيئَةَ سَلَبَهُ السِّرْبالَ فَبَقِيَ في أطْرافِ أصابِعِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ في الجَنَّةِ الياقُوتُ، فَلَمّا عَصى قُلِّصَ فَصارَ الظُّفْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وطَفِقا يَخْصِفانِ قالَ: يُرَقِّعانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ قالَ آدَمُ: رَبِّ إنَّهُ حَلَفَ لِي بِكَ ولَمْ أكُنْ أعْلَمُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ إلّا صادِقًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ الآيَةَ قالَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.

الأعراف 7:24

قَوْلُهُ: ويا آدَمُ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ وقُلْنا يا آدَمُ. قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ بَعْدَ إخْراجِ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الإسْكانِ، ومَعْنى لا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ في البَقَرَةِ. ومَعْنى مِن حَيْثُ شِئْتُما مِن أيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الجَنَّةِ شِئْتُما أكْلَهُ، ومِثْلُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ ( البَقَرَةِ: ٣٥ ) وحَذْفُ النُّونِ مِن فَتَكُونا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى المَجْزُومِ أوْ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ الوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ، يُقالُ: وسْوَسَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وسْوَسَةً ووِسْواسًا بِكَسْرِ الواوِ، والوَسْوَسَةُ بِالفَتْحِ الِاسْمُ: مِثْلَ الزَّلْزَلَةِ والزِّلْزالِ، ويُقالُ: لِهَمْسِ الصّائِدِ والكِلابِ وأصْواتِ الحُلِيِّ وسْواسٌ. قالَ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسَواسًا إذا انْصَرَفَتْ والوَسْواسُ: اسْمُ الشَّيْطانِ. ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ، وسْوَسَ إلَيْهِ أوْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: لِيُبْدِيَ لَهُما أيْ لِيُظْهِرَ لَهُما، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ ( القَصَصِ: ٨ )، وقِيلَ: هي لامُ كَيْ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَعَقَّبَهُ الإيذاءُ، أوْ لِكَيْ يَقَعَ الإيذاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ﴾ أيْ ما سُتِرَ وغُطِّيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما سَمّى الفَرَجَ سَوْءَةً، لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ، أرادَ الشَّيْطانُ أنْ يَسُوءَهُما بِظُهُورِ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما فَإنَّهُما كانا لا يَرَيانِ عَوْرَةَ أنْفُسِهِما ولا يَراها أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وإنَّما لَمْ تُقْلَبِ الواوُ في وُورَيَ هَمْزَةً، لِأنَّ الثّانِيَةَ مَدَّةٌ، قِيلَ: إنَّما بَدَتْ عَوْرَتُهُما لَهُما لا لِغَيْرِهِما، وكانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِها وقالَ أيِ الشَّيْطانُ لَهُما ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ أكْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ هَكَذا قالَ البَصْرِيُّونَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: التَّقْدِيرُ لِئَلّا تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِن الخالِدِينَ في الجَنَّةِ أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ. قالَ النَّحّاسُ: فَضَّلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ، فَمِنها هَذا، ومِنها ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ ( هُودٍ: ٣١ )، ومِنها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٢ ) . قالَ ابْنُ فُورَكْ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في الطَّعامِ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ المَسْألَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا وأطالُوا الكَلامَ في غَيْرِ طائِلٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا كَلَّفَنا اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فالكَلامُ فِيها لا يَعْنِينا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ والضَّحّاكُ، مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ مُلْكٌ فَيَصِيرا مَلِكَيْنِ. وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِقِراءَةِ الكَسْرِ ولَكِنَّ النّاسَ عَلى تَرْكِها فَلِهَذا تَرَكْناها. قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وأنْكَرَ عَلى أبِي عُبَيْدٍ هَذا الكَلامَ وجَعَلَهُ مِنَ الخَطَأِ الفاحِشِ. قالَ: وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَصِلَ إلى أكْثَرِ مِن مُلْكِ الجَنَّةِ وهي غايَةُ الطّالِبِينَ، وإنَّما مَعْنى ومُلْكٍ لا يَبْلى المُقامُ في مُلْكِ الجَنَّةِ والخُلُودُ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ حَلَفَ لَهُما فَقالَ: أُقْسِمُ قَسامًا أيْ حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُما ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى ما إذا نُشُورُها وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ وإنْ كانَتْ في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ فَقَدْ جاءَتْ كَثِيرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في المائِدَةِ، والمُرادُ بِها هُنا المُبالَغَةُ في صُدُورِ الأقْسامِ لَهُما مِن إبْلِيسَ، وقِيلَ: إنَّهُما أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ كَما أقْسَمَ لَهُما عَلى المُناصَحَةِ. قَوْلُهُ: فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ التَّدْلِيَةُ والإدْلاءُ: إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، يُقالُ أدْلى دَلْوَهُ: أرْسَلَها والمَعْنى: أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِنَ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أوْقَعَهُما في الهَلاكِ، وقِيلَ: خَدَعَهُما، وأنْشَدَ نَفْطَوَيْهِ: ؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَشاءُ خَدَعْتَهُ ∗∗∗ وتَرى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لا يُخْدَعُ وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما دَلَّلَهُما مِنَ الدّالَّةِ، وهي الجُرْأةُ: أيْ جَرَّأهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَخَرَجا مِنَ الجَنَّةِ. قَوْلُهُ: فَلَمّا ﴿ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ لَمّا طَعِماها ظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما بِسَبَبِ زَوالِ ما كانَ ساتِرًا لَها وهو تَقَلُّصُ النُّورِ الَّذِي كانَ عَلَيْها وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا: بِمَعْنى شَرَعَ يَفْعَلُ كَذا. وحَكى الأخْفَشُ: طَفِقَ يَطْفِقُ مِثْلَ ضَرِبَ يَضْرِبُ: أيْ شَرَعا أوْ جَعَلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما. قَرَأ الحَسَنُ " يَخِصِّفانِ " بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَخْتَصِفانِ فَأدْغَمَ وكُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " يُخْصِفانِ " مِن أخْصَفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَخْصِفانِ مِن خَصَفَ. والمَعْنى: أنَّهُما أخَذا يَقْطَعانِ الوَرَقَ ويُلْزِقانِهِ بِعَوْرَتِهِما لِيَسْتُراها، مِن خَصَفَ (p-٤٦٩)النَّعْلَ: إذا جَعَلَهُ طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ وناداهُما رَبُّهُما قائِلًا لَهُما: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ الَّتِي نَهَيْتُكُما عَنْ أكْلِها، وهَذا عِتابٌ مِنَ اللَّهِ لَهُما وتَوْبِيخٌ حَيْثُ لَمْ يَحْذَرا ما حَذَّرَهُما مِنهُ ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنْهَكُما. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لِلْعَداوَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالا ؟ وهَذا مِنهُما اعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ وأنَّهُما ظَلَما أنْفَسَهُما مِمّا وقَعَ مِنهُما مِنَ المُخالَفَةِ، ثُمَّ قالا: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كالَّتِي قَبْلَها، والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ، وجُمْلَةُ " بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ أيْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ولَكم مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن المَطْعَمِ والمُشْرَبِ ونَحْوِهِما إلى حِينٍ أيْ إلى وقْتٍ، وهو وقْتُ مَوْتِكم. وجُمْلَةُ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ في الأرْضِ تَحْيَوْنَ، وفِيها يَأْتِيكُمُ المَوْتُ، ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ إلى دارِ الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ( طه: ٥٥ ) واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ قالَ: كانَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نُورٌ لا يُبْصِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَوْءَةَ صاحِبِهِ، فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أتاهُما إبْلِيسٌ فَقالَ: ما ﴿نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ مِثْلَهُ، يَعْنِي مِثْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يُصَدِّقاهُ حَتّى دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ فَكَلَّمَهُما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ فَإنْ أخْطَأكُما أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ لَمْ يُخْطِئْكُما أنْ تَكُونا خالِدَيْنِ فَلا تَمُوتانِ فِيها أبَدًا ﴿وقاسَمَهُما﴾ قالَ: حَلَفَ لَهُما إنِّي لَكُما لِمِنَ النّاصِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: فَدَلّاهُما بِغَرُورٍ قالَ: مَنّاهُما بِغُرُورٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لِباسُ كُلِّ دابَّةٍ مِنها، ولِباسُ الإنْسانِ الظُّفْرُ، فَأدْرَكَتْ آدَمَ التَّوْبَةُ عِنْدَ ظُفْرِهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ وحَوّاءَ كالظُّفْرِ، فَلَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِما إلّا مِثْلُ الظُّفْرِ ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قالَ: يَنْزِعانِ ورَقَ التِّينِ فَيَجْعَلانِهِ عَلى سَوْآتِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: لَمّا أسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ الجَنَّةَ كَساهُ سِرْبالًا مِنَ الظُّفْرِ، فَلَمّا أصابَ الخَطِيئَةَ سَلَبَهُ السِّرْبالَ فَبَقِيَ في أطْرافِ أصابِعِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ في الجَنَّةِ الياقُوتُ، فَلَمّا عَصى قُلِّصَ فَصارَ الظُّفْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وطَفِقا يَخْصِفانِ قالَ: يُرَقِّعانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ قالَ آدَمُ: رَبِّ إنَّهُ حَلَفَ لِي بِكَ ولَمْ أكُنْ أعْلَمُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ إلّا صادِقًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ الآيَةَ قالَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.

الأعراف 7:25

قَوْلُهُ: ويا آدَمُ هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ وقُلْنا يا آدَمُ. قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ بَعْدَ إخْراجِ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الإسْكانِ، ومَعْنى لا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ في البَقَرَةِ. ومَعْنى مِن حَيْثُ شِئْتُما مِن أيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الجَنَّةِ شِئْتُما أكْلَهُ، ومِثْلُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ ( البَقَرَةِ: ٣٥ ) وحَذْفُ النُّونِ مِن فَتَكُونا لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى المَجْزُومِ أوْ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ الوَسْوَسَةُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، والوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ، يُقالُ: وسْوَسَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وسْوَسَةً ووِسْواسًا بِكَسْرِ الواوِ، والوَسْوَسَةُ بِالفَتْحِ الِاسْمُ: مِثْلَ الزَّلْزَلَةِ والزِّلْزالِ، ويُقالُ: لِهَمْسِ الصّائِدِ والكِلابِ وأصْواتِ الحُلِيِّ وسْواسٌ. قالَ الأعْشى: ؎تَسْمَعُ لِلْحَلْيِ وسَواسًا إذا انْصَرَفَتْ والوَسْواسُ: اسْمُ الشَّيْطانِ. ومَعْنى وسْوَسَ لَهُ، وسْوَسَ إلَيْهِ أوْ فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: لِيُبْدِيَ لَهُما أيْ لِيُظْهِرَ لَهُما، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ ( القَصَصِ: ٨ )، وقِيلَ: هي لامُ كَيْ: أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَتَعَقَّبَهُ الإيذاءُ، أوْ لِكَيْ يَقَعَ الإيذاءُ. قَوْلُهُ: ﴿ما وُورِيَ﴾ أيْ ما سُتِرَ وغُطِّيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما سَمّى الفَرَجَ سَوْءَةً، لِأنَّ ظُهُورَهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ، أرادَ الشَّيْطانُ أنْ يَسُوءَهُما بِظُهُورِ ما كانَ مَسْتُورًا عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما فَإنَّهُما كانا لا يَرَيانِ عَوْرَةَ أنْفُسِهِما ولا يَراها أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وإنَّما لَمْ تُقْلَبِ الواوُ في وُورَيَ هَمْزَةً، لِأنَّ الثّانِيَةَ مَدَّةٌ، قِيلَ: إنَّما بَدَتْ عَوْرَتُهُما لَهُما لا لِغَيْرِهِما، وكانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَمْنَعُ مِن رُؤْيَتِها وقالَ أيِ الشَّيْطانُ لَهُما ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ أكْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ هَكَذا قالَ البَصْرِيُّونَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: التَّقْدِيرُ لِئَلّا تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِن الخالِدِينَ في الجَنَّةِ أوْ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ. قالَ النَّحّاسُ: فَضَّلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ، فَمِنها هَذا، ومِنها ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ ( هُودٍ: ٣١ )، ومِنها ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ( النِّساءِ: ١٧٢ ) . قالَ ابْنُ فُورَكْ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في الطَّعامِ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ المَسْألَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا وأطالُوا الكَلامَ في غَيْرِ طائِلٍ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِمّا كَلَّفَنا اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فالكَلامُ فِيها لا يَعْنِينا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ والضَّحّاكُ، مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، وأنْكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ مُلْكٌ فَيَصِيرا مَلِكَيْنِ. وقَدِ احْتَجَّ مَن قَرَأ بِالكَسْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدٍ: هَذِهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِقِراءَةِ الكَسْرِ ولَكِنَّ النّاسَ عَلى تَرْكِها فَلِهَذا تَرَكْناها. قالَ النَّحّاسُ: هي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، وأنْكَرَ عَلى أبِي عُبَيْدٍ هَذا الكَلامَ وجَعَلَهُ مِنَ الخَطَأِ الفاحِشِ. قالَ: وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَصِلَ إلى أكْثَرِ مِن مُلْكِ الجَنَّةِ وهي غايَةُ الطّالِبِينَ، وإنَّما مَعْنى ومُلْكٍ لا يَبْلى المُقامُ في مُلْكِ الجَنَّةِ والخُلُودُ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أيْ حَلَفَ لَهُما فَقالَ: أُقْسِمُ قَسامًا أيْ حَلَفَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُما ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى ما إذا نُشُورُها وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ وإنْ كانَتْ في الأصْلِ تَدُلُّ عَلى المُشارَكَةِ فَقَدْ جاءَتْ كَثِيرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في المائِدَةِ، والمُرادُ بِها هُنا المُبالَغَةُ في صُدُورِ الأقْسامِ لَهُما مِن إبْلِيسَ، وقِيلَ: إنَّهُما أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ كَما أقْسَمَ لَهُما عَلى المُناصَحَةِ. قَوْلُهُ: فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ التَّدْلِيَةُ والإدْلاءُ: إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، يُقالُ أدْلى دَلْوَهُ: أرْسَلَها والمَعْنى: أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِنَ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أوْقَعَهُما في الهَلاكِ، وقِيلَ: خَدَعَهُما، وأنْشَدَ نَفْطَوَيْهِ: ؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَشاءُ خَدَعْتَهُ ∗∗∗ وتَرى اللَّئِيمَ مُجَرِّبًا لا يُخْدَعُ وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما دَلَّلَهُما مِنَ الدّالَّةِ، وهي الجُرْأةُ: أيْ جَرَّأهُما عَلى المَعْصِيَةِ فَخَرَجا مِنَ الجَنَّةِ. قَوْلُهُ: فَلَمّا ﴿ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ لَمّا طَعِماها ظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما بِسَبَبِ زَوالِ ما كانَ ساتِرًا لَها وهو تَقَلُّصُ النُّورِ الَّذِي كانَ عَلَيْها وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ طَفِقَ يَفْعَلُ كَذا: بِمَعْنى شَرَعَ يَفْعَلُ كَذا. وحَكى الأخْفَشُ: طَفِقَ يَطْفِقُ مِثْلَ ضَرِبَ يَضْرِبُ: أيْ شَرَعا أوْ جَعَلا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما. قَرَأ الحَسَنُ " يَخِصِّفانِ " بِكَسْرِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ، والأصْلُ يَخْتَصِفانِ فَأدْغَمَ وكُسِرَتِ الخاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ بُرَيْدَةَ ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الخاءِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ " يُخْصِفانِ " مِن أخْصَفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَخْصِفانِ مِن خَصَفَ. والمَعْنى: أنَّهُما أخَذا يَقْطَعانِ الوَرَقَ ويُلْزِقانِهِ بِعَوْرَتِهِما لِيَسْتُراها، مِن خَصَفَ (p-٤٦٩)النَّعْلَ: إذا جَعَلَهُ طَبَقَةً فَوْقَ طَبَقَةٍ وناداهُما رَبُّهُما قائِلًا لَهُما: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ الَّتِي نَهَيْتُكُما عَنْ أكْلِها، وهَذا عِتابٌ مِنَ اللَّهِ لَهُما وتَوْبِيخٌ حَيْثُ لَمْ يَحْذَرا ما حَذَّرَهُما مِنهُ ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنْهَكُما. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لِلْعَداوَةِ. قَوْلُهُ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالا ؟ وهَذا مِنهُما اعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ وأنَّهُما ظَلَما أنْفَسَهُما مِمّا وقَعَ مِنهُما مِنَ المُخالَفَةِ، ثُمَّ قالا: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كالَّتِي قَبْلَها، والخِطابُ لِآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ، وجُمْلَةُ " بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ أيْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ولَكم مَتاعٌ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتَنْتَفِعُونَ بِهِ مِن المَطْعَمِ والمُشْرَبِ ونَحْوِهِما إلى حِينٍ أيْ إلى وقْتٍ، وهو وقْتُ مَوْتِكم. وجُمْلَةُ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ في الأرْضِ تَحْيَوْنَ، وفِيها يَأْتِيكُمُ المَوْتُ، ﴿ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ إلى دارِ الآخِرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ( طه: ٥٥ ) واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ قالَ: كانَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما نُورٌ لا يُبْصِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَوْءَةَ صاحِبِهِ، فَلَمّا أصابا الخَطِيئَةَ نُزِعَ عَنْهُما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أتاهُما إبْلِيسٌ فَقالَ: ما ﴿نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ مِثْلَهُ، يَعْنِي مِثْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يُصَدِّقاهُ حَتّى دَخَلَ في جَوْفِ الحَيَّةِ فَكَلَّمَهُما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ ﴿إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ فَإنْ أخْطَأكُما أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ لَمْ يُخْطِئْكُما أنْ تَكُونا خالِدَيْنِ فَلا تَمُوتانِ فِيها أبَدًا ﴿وقاسَمَهُما﴾ قالَ: حَلَفَ لَهُما إنِّي لَكُما لِمِنَ النّاصِحِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: فَدَلّاهُما بِغَرُورٍ قالَ: مَنّاهُما بِغُرُورٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لِباسُ كُلِّ دابَّةٍ مِنها، ولِباسُ الإنْسانِ الظُّفْرُ، فَأدْرَكَتْ آدَمَ التَّوْبَةُ عِنْدَ ظُفْرِهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ وحَوّاءَ كالظُّفْرِ، فَلَمّا أكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِما إلّا مِثْلُ الظُّفْرِ ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قالَ: يَنْزِعانِ ورَقَ التِّينِ فَيَجْعَلانِهِ عَلى سَوْآتِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: لَمّا أسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ الجَنَّةَ كَساهُ سِرْبالًا مِنَ الظُّفْرِ، فَلَمّا أصابَ الخَطِيئَةَ سَلَبَهُ السِّرْبالَ فَبَقِيَ في أطْرافِ أصابِعِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ لِباسُ آدَمَ في الجَنَّةِ الياقُوتُ، فَلَمّا عَصى قُلِّصَ فَصارَ الظُّفْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: وطَفِقا يَخْصِفانِ قالَ: يُرَقِّعانِ كَهَيْئَةِ الثَّوْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ قالَ آدَمُ: رَبِّ إنَّهُ حَلَفَ لِي بِكَ ولَمْ أكُنْ أعْلَمُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ إلّا صادِقًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ الآيَةَ قالَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.

الأعراف 7:26

عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِالإنْزالِ عَنِ الخَلْقِ: أيْ خَلَقْنا لَكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمُ الَّتِي أظْهَرَها إبْلِيسُ مِن أبَوَيْكم، والسَّوْءَةُ العَوْرَةُ كَما سَلَفَ، والكَلامُ في قَدْرِها وما يَجِبُ سَتْرُهُ مِنها مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ. قَوْلُهُ: ورِيشًا قَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ المُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ وأبُو عَمْرٍو مِن رِوايَةِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الجُعْفِيِّ " ورِياشًا " وقَرَأ الباقُونَ ورِيشًا والرِّياشُ جَمْعُ رِيشٍ: وهو اللِّباسُ. قالَ الفَرّاءُ: رِيشٌ ورِياشٌ كَما يُقالُ: لِبْسٌ ولِباسٌ، ورِيشُ الطّائِرِ ما سَتَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّيشِ هُنا: الخِصْبُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الرِّيشَ ما سَتَرَ مِن لِباسٍ أوْ مَعِيشَةٍ. وحَكى أبُو حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: وهَبْتُ لَهُ دابَّةً ورِيشَها: أيْ وما عَلَيْها مِنَ اللِّباسِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّيشِ هُنا لِباسُ الزِّينَةِ لِذِكْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا وعَطْفِهِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ولِباسُ التَّقْوى قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِنَصْبِ لِباسٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، فالنَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى لِباسٍ الأوَّلِ، والرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ذَلِكَ خَيْرٌ خَبَرُهُ، والمُرادُ بِلِباسِ التَّقْوى: لِباسُ الوَرَعِ واتِّقاءُ مَعاصِي اللَّهِ، وهو الوَرَعُ نَفْسُهُ والخَشْيَةُ مِنَ اللَّهِ، فَذَلِكَ خَيْرُ لِباسٍ وأجْمَلُ زِينَةٍ، وقِيلَ: لِباسُ التَّقْوى الحَياءُ، وقِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ، وقِيلَ: هو لِباسُ الصُّوفِ والخَشِنِ مِنَ الثِّيابِ لِما فِيهِ مِنَ التَّواضُعِ لِلَّهِ، وقِيلَ: هو الدِّرْعُ والمِغْفَرُ الَّذِي يَلْبَسُهُ مَن يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى. وهُوَ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ تَقْوى لِلَّهِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ جَمِيعُ ما ذُكِرَ مِنَ الأقْوالِ، ومِثْلُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ كَثِيرَةُ الوُقُوعِ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إذِ المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيابًا مِنَ التُّقى تَقَلَّبَ عُرْيانًا وإنْ كانَ كاسِيا ومِثْلُهُ: ؎تَغَطَّ بِأثْوابِ السَّخاءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أرى كُلَّ عَيْبٍ والسَّخاءُ غِطاؤُهُ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى لِباسِ التَّقْوى: أيْ هو خَيْرُ لِباسٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ " ﴿ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ " والإشارَةُ (p-٤٧٠)بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ إلى الإنْزالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأنْزَلْنا: أيْ ذَلِكَ الإنْزالُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ لَهُ خالِقًا ثُمَّ كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ النِّداءَ لِبَنِي آدَمَ تَحْذِيرًا لَهم مِنَ الشَّيْطانِ. فَقالَ: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ لا يُوقِعَنَّكم في الفِتْنَةِ، فالنَّهْيُ وإنْ كانَ لِلشَّيْطانِ فَهو في الحَقِيقَةِ لِبَنِي آدَمَ بِأنْ لا يَفْتَتِنُوا بِفِتْنَتِهِ ويَتَأثَّرُوا لِذَلِكَ، والكافُ في كَما أخْرَجَ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ إخْراجِ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، واللّامُ في لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ يُرِيَهُما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا. قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مَعَ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ المُبالَغَةِ في تَحْذِيرِهِمْ مِنهُ، لِأنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ يَرى بَنِي آدَمَ مِن حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ، كانَ عَظِيمَ الكَيْدِ، وكانَ حَقِيقًا بِأنْ يُحْتَرَسَ مِنهُ أبْلَغَ احْتِراسٍ وقَبِيلُهُ أعْوانُهُ مِنَ الشَّياطِينِ وجُنُودُهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ رُؤْيَةَ الشَّياطِينِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وغايَةُ ما فِيها أنَّهُ يَرانا مِن حَيْثُ لا نَراهُ، ولَيْسَ فِيها أنّا لا نَراهُ أبَدًا، فَإنَّ انْتِفاءَ الرُّؤْيَةِ مِنّا لَهُ في وقْتِ رُؤْيَتِهِ لَنا لا يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَها مُطْلَقًا، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ جَعَلَ الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مِن عِبادِهِ وهُمُ الكُفّارُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم﴾ قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿ورِيشًا﴾ قالَ: المالُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم قالَ: الثِّيابُ ورِيشًا قالَ: المالُ ولِباسُ التَّقْوى قالَ: خَشْيَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم قالَ: لِباسُ العامَّةِ ورِيشًا قالَ: لِباسُ الزِّينَةِ ولِباسُ التَّقْوى قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ورِيشًا قالَ: المالُ واللِّباسُ والعَيْشُ والنَّعِيمُ، وفي قَوْلِهِ: ولِباسُ التَّقْوى قالَ: الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ ذَلِكَ خَيْرٌ قالَ: الإيمانُ والعَمَلُ خَيْرٌ مِنَ الرِّيشِ واللِّباسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: " ورِياشًا " يَقُولُ: المالُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما قالَ: التَّقْوى، وفي قَوْلِهِ: إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ قالَ: الجِنُّ والشَّياطِينُ.

الأعراف 7:27

عَبَّرَ سُبْحانَهُ بِالإنْزالِ عَنِ الخَلْقِ: أيْ خَلَقْنا لَكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمُ الَّتِي أظْهَرَها إبْلِيسُ مِن أبَوَيْكم، والسَّوْءَةُ العَوْرَةُ كَما سَلَفَ، والكَلامُ في قَدْرِها وما يَجِبُ سَتْرُهُ مِنها مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ. قَوْلُهُ: ورِيشًا قَرَأ الحَسَنُ وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ المُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ وأبُو عَمْرٍو مِن رِوايَةِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الجُعْفِيِّ " ورِياشًا " وقَرَأ الباقُونَ ورِيشًا والرِّياشُ جَمْعُ رِيشٍ: وهو اللِّباسُ. قالَ الفَرّاءُ: رِيشٌ ورِياشٌ كَما يُقالُ: لِبْسٌ ولِباسٌ، ورِيشُ الطّائِرِ ما سَتَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّيشِ هُنا: الخِصْبُ ورَفاهِيَةُ العَيْشِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الرِّيشَ ما سَتَرَ مِن لِباسٍ أوْ مَعِيشَةٍ. وحَكى أبُو حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: وهَبْتُ لَهُ دابَّةً ورِيشَها: أيْ وما عَلَيْها مِنَ اللِّباسِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرِّيشِ هُنا لِباسُ الزِّينَةِ لِذِكْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا وعَطْفِهِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ولِباسُ التَّقْوى قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِنَصْبِ لِباسٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، فالنَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى لِباسٍ الأوَّلِ، والرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ذَلِكَ خَيْرٌ خَبَرُهُ، والمُرادُ بِلِباسِ التَّقْوى: لِباسُ الوَرَعِ واتِّقاءُ مَعاصِي اللَّهِ، وهو الوَرَعُ نَفْسُهُ والخَشْيَةُ مِنَ اللَّهِ، فَذَلِكَ خَيْرُ لِباسٍ وأجْمَلُ زِينَةٍ، وقِيلَ: لِباسُ التَّقْوى الحَياءُ، وقِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ، وقِيلَ: هو لِباسُ الصُّوفِ والخَشِنِ مِنَ الثِّيابِ لِما فِيهِ مِنَ التَّواضُعِ لِلَّهِ، وقِيلَ: هو الدِّرْعُ والمِغْفَرُ الَّذِي يَلْبَسُهُ مَن يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والأوَّلُ أوْلى. وهُوَ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما فِيهِ تَقْوى لِلَّهِ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ جَمِيعُ ما ذُكِرَ مِنَ الأقْوالِ، ومِثْلُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ كَثِيرَةُ الوُقُوعِ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ: ؎إذِ المَرْءُ لَمْ يَلْبَسْ ثِيابًا مِنَ التُّقى تَقَلَّبَ عُرْيانًا وإنْ كانَ كاسِيا ومِثْلُهُ: ؎تَغَطَّ بِأثْوابِ السَّخاءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أرى كُلَّ عَيْبٍ والسَّخاءُ غِطاؤُهُ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى لِباسِ التَّقْوى: أيْ هو خَيْرُ لِباسٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ " ﴿ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ " والإشارَةُ (p-٤٧٠)بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ إلى الإنْزالِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأنْزَلْنا: أيْ ذَلِكَ الإنْزالُ مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ لَهُ خالِقًا ثُمَّ كَرَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ النِّداءَ لِبَنِي آدَمَ تَحْذِيرًا لَهم مِنَ الشَّيْطانِ. فَقالَ: ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ لا يُوقِعَنَّكم في الفِتْنَةِ، فالنَّهْيُ وإنْ كانَ لِلشَّيْطانِ فَهو في الحَقِيقَةِ لِبَنِي آدَمَ بِأنْ لا يَفْتَتِنُوا بِفِتْنَتِهِ ويَتَأثَّرُوا لِذَلِكَ، والكافُ في كَما أخْرَجَ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ إخْراجِ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، واللّامُ في لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما لامُ كَيْ: أيْ لِكَيْ يُرِيَهُما، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا. قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مَعَ ما تَتَضَمَّنُهُ مِنَ المُبالَغَةِ في تَحْذِيرِهِمْ مِنهُ، لِأنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ يَرى بَنِي آدَمَ مِن حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ، كانَ عَظِيمَ الكَيْدِ، وكانَ حَقِيقًا بِأنْ يُحْتَرَسَ مِنهُ أبْلَغَ احْتِراسٍ وقَبِيلُهُ أعْوانُهُ مِنَ الشَّياطِينِ وجُنُودُهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ رُؤْيَةَ الشَّياطِينِ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وغايَةُ ما فِيها أنَّهُ يَرانا مِن حَيْثُ لا نَراهُ، ولَيْسَ فِيها أنّا لا نَراهُ أبَدًا، فَإنَّ انْتِفاءَ الرُّؤْيَةِ مِنّا لَهُ في وقْتِ رُؤْيَتِهِ لَنا لا يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَها مُطْلَقًا، ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ جَعَلَ الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مِن عِبادِهِ وهُمُ الكُفّارُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم﴾ قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿ورِيشًا﴾ قالَ: المالُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم قالَ: الثِّيابُ ورِيشًا قالَ: المالُ ولِباسُ التَّقْوى قالَ: خَشْيَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم قالَ: لِباسُ العامَّةِ ورِيشًا قالَ: لِباسُ الزِّينَةِ ولِباسُ التَّقْوى قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ورِيشًا قالَ: المالُ واللِّباسُ والعَيْشُ والنَّعِيمُ، وفي قَوْلِهِ: ولِباسُ التَّقْوى قالَ: الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ ذَلِكَ خَيْرٌ قالَ: الإيمانُ والعَمَلُ خَيْرٌ مِنَ الرِّيشِ واللِّباسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: " ورِياشًا " يَقُولُ: المالُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما قالَ: التَّقْوى، وفي قَوْلِهِ: إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ قالَ: الجِنُّ والشَّياطِينُ.

الأعراف 7:28

الفاحِشَةُ: ما تُبالِغُ في فُحْشِهِ وقُبْحِهِ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هي طَوافُ المُشْرِكِينَ بِالبَيْتِ عُراةً. وقِيلَ: هي الشِّرْكُ، والظّاهِرُ أنَّها تَصْدُقُ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: أنَّهم إذا فَعَلُوا ذَنْبًا قَبِيحًا مُتَبالِغًا في القُبْحِ اعْتَذَرُوا عَنْ ذَلِكَ بِعُذْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ اقْتِداءً بِآبائِهِمْ لَمّا وجَدُوهم مُسْتَمِرِّينَ عَلى فِعْلِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، والثّانِي: أنَّهم مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وكِلا العُذْرَيْنِ في غايَةِ البُطْلانِ والفَسادِ، لِأنَّ وُجُودَ آبائِهِمْ عَلى القُبْحِ لا يُسَوِّغُ لَهم فِعْلَهُ، والأمْرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم لَمْ يَكُنْ بِالفَحْشاءِ، بَلْ أمَرَهم بِاتِّباعِ الأنْبِياءِ والعَمَلِ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ونَهاهم عَنْ مُخالَفَتِهِما، ومِمّا نَهاهم عَنْهُ فِعْلُ الفَواحِشِ، ولِهَذا رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ما أضافُوهُ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهو مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَهُ لَهم، وفِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ القَوْلَ بِالجَهْلِ إذا كانَ قَبِيحًا في كُلِّ شَيْءٍ فَكَيْفَ إذا كانَ في التَّقَوُّلِ عَلى اللَّهِ ؟ وإنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ لَأعْظَمَ زاجِرٍ وأبْلَغَ واعِظٍ لِلْمُقَلِّدَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ آباءَهم في المَذاهِبِ المُخالِفَةِ لِلْحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الِاقْتِداءِ بِأهْلِ الكُفْرِ لا بِأهْلِ الحَقِّ، فَإنَّهُمُ القائِلُونَ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٢٣ ) والقائِلُونَ: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ والمُقَلِّدُ لَوْلا اغْتِرارُهُ بِكَوْنِهِ وجَدَ أباهُ عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ، مَعَ اعْتِقادِهِ بِأنَّهُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وأنَّهُ الحَقُّ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الخَصْلَةُ هي الَّتِي بَقِيَ بِها اليَهُودِيُّ عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيُّ عَلى النَّصْرانِيَّةِ والمُبْتَدِعُ عَلى بِدْعَتِهِ، فَما أبْقاهم عَلى هَذِهِ الضَّلالاتِ إلّا كَوْنُهم وجَدُوا آباءَهم في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةَ أوْ البِدْعِيَّةِ وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ هو الحَقُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ ولَمْ يَنْظُرُوا لِأنْفُسِهِمْ، ولا طَلَبُوا الحَقَّ كَما يَجِبُ وبَحَثُوا عَنْ دِينِ اللَّهِ كَما يَنْبَغِي، وهَذا هو التَّقْلِيدُ البَحْتُ والقُصُورُ الخالِصُ، فَيا مَن نَشَأ عَلى مَذْهَبٍ مِن هَذِهِ المَذاهِبِ الإسْلامِيَّةِ أنا لَكَ النَّذِيرُ المُبالِغُ في التَّحْذِيرِ مِن أنْ تَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ وتَسْتَمِرَّ عَلى الضَّلالَةِ، فَقَدِ اخْتَلَطَ الشَّرُّ بِالخَيْرِ والصَّحِيحُ بِالسَّقِيمِ وفاسِدُ الرَّأْيِ بِصَحِيحِ الرِّوايَةِ. ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ إلى هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا نَبِيًّا واحِدًا أمَرَهم بِاتِّباعِهِ ونَهى عَنْ مُخالَفَتِهِ فَقالَ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ولَوْ كانَ مَحْضُ رَأْيِ أئِمَّةِ المَذاهِبِ وأتْباعُهم حُجَّةً عَلى العِبادِ، لَكانَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ رُسُلٌ كَثِيرُونَ مُتَعَدِّدُونَ بِعَدَدِ أهْلِ الرَّأْيِ المُكَلِّفِينَ لِلنّاسِ بِما لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ بِهِ. وإنَّ مِن أعْجَبِ الغَفْلَةِ وأعْظَمِ الذُّهُولِ عَنِ الحَقِّ اخْتِيارَ المُقَلِّدَةِ لِآراءِ الرِّجالِ مَعَ وُجُودِ كِتابِ اللَّهِ، ووُجُودِ سُنَّةِ رَسُولِهِ، ووُجُودِ مَن يَأْخُذُونَهُما عَنْهُ، ووُجُودِ آلَةِ الفَهْمِ لَدَيْهِمْ ومَلَكَةِ العَقْلِ عِنْدَهم. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ القِسْطُ: العَدْلُ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، (p-٤٧١)لا كَما زَعَمُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالفَحْشاءِ، وقِيلَ: القِسْطُ هُنا هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ: أيْ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ فَأطِيعُوهُ. قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ مَعْطُوف عَلى المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ: أيْ تَوَجَّهُوا إلَيْهِ في صَلاتِكم إلى القِبْلَةِ في أيِّ مَسْجِدٍ كُنْتُمْ، أوْ في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ، أوْ في كُلِّ مَكانِ سُجُودٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالسُّجُودِ الصَّلاةُ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أيِ ادْعُوهُ أوِ اعْبُدُوهُ حالَ كَوْنِكم مُخْلِصِينَ الدُّعاءَ، أوِ العِبادَةَ لَهُ، وقِيلَ: وحِّدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ. والمَعْنى: كَما أنْشَأكم في ابْتِداءِ الخَلْقِ يُعِيدُكم، فَيَكُونُ المَقْصُودُ الِاحْتِجاجَ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وقِيلَ: كَما أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم تَعُودُونَ إلَيْهِ كَذَلِكَ لَيْسَ مَعَكم شَيْءٌ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ( الأنْعامِ: ٩٤ ) وقِيلَ: كَما بَدَأكم مِن تُرابٍ تَعُودُونَ إلى التُّرابِ. ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المُضْمَرِ في تَعُودُونَ: أيْ تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ: سُعَداءَ وأشْقِياءَ ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى "، والفَرِيقُ الَّذِي هَداهُ اللَّهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ المُتَّبِعُونَ لِأنْبِيائِهِ، والفَرِيقُ الَّذِي حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ هُمُ الكُفّارُ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم أطاعُوا الشَّياطِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ومَعَ هَذا فَإنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ ولَمْ يَعْتَرِفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالضَّلالَةِ، وهَذا أشَدُّ في تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ قالَ: كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: واللَّهِ ما أكْرَمَ اللَّهُ عَبْدًا قَطُّ عَلى مَعْصِيَتِهِ ولا رَضِيَها لَهُ ولا أمَرَ بِها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم بِطاعَتِهِ ونَهاكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ قالَ: بِالعَدْلِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قالَ: إلى الكَعْبَةِ حَيْثُ صَلَّيْتُمْ في كَنِيسَةٍ أوْ غَيْرِها كَما بَدَأكم تَعُودُونَ قالَ: شَقِيٌّ وسَعِيدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ اللَّهَ بَدَأ خَلْقَ بَنِي آدَمَ مُؤْمِنًا وكافِرًا كَما قالَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ ( التَّغابُنِ: ٢ ) ثُمَّ يُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما بَدَأ خَلْقَهم مُؤْمِنًا وكافِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرٍ في الآيَةِ قالَ: يُبْعَثُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ: المُؤْمِنُ عَلى إيمانِهِ والمُنافِقُ عَلى نِفاقِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَقالَ: قاتَلَهُمُ اللَّهُ ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ: يَقُولُ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ كَذَلِكَ تَعُودُونَ.

الأعراف 7:29

الفاحِشَةُ: ما تُبالِغُ في فُحْشِهِ وقُبْحِهِ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هي طَوافُ المُشْرِكِينَ بِالبَيْتِ عُراةً. وقِيلَ: هي الشِّرْكُ، والظّاهِرُ أنَّها تَصْدُقُ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: أنَّهم إذا فَعَلُوا ذَنْبًا قَبِيحًا مُتَبالِغًا في القُبْحِ اعْتَذَرُوا عَنْ ذَلِكَ بِعُذْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ اقْتِداءً بِآبائِهِمْ لَمّا وجَدُوهم مُسْتَمِرِّينَ عَلى فِعْلِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، والثّانِي: أنَّهم مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وكِلا العُذْرَيْنِ في غايَةِ البُطْلانِ والفَسادِ، لِأنَّ وُجُودَ آبائِهِمْ عَلى القُبْحِ لا يُسَوِّغُ لَهم فِعْلَهُ، والأمْرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم لَمْ يَكُنْ بِالفَحْشاءِ، بَلْ أمَرَهم بِاتِّباعِ الأنْبِياءِ والعَمَلِ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ونَهاهم عَنْ مُخالَفَتِهِما، ومِمّا نَهاهم عَنْهُ فِعْلُ الفَواحِشِ، ولِهَذا رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أمَرَ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ما أضافُوهُ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وهو مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَهُ لَهم، وفِيهِ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ أمْرٌ عَظِيمٌ، فَإنَّ القَوْلَ بِالجَهْلِ إذا كانَ قَبِيحًا في كُلِّ شَيْءٍ فَكَيْفَ إذا كانَ في التَّقَوُّلِ عَلى اللَّهِ ؟ وإنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ لَأعْظَمَ زاجِرٍ وأبْلَغَ واعِظٍ لِلْمُقَلِّدَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ آباءَهم في المَذاهِبِ المُخالِفَةِ لِلْحَقِّ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الِاقْتِداءِ بِأهْلِ الكُفْرِ لا بِأهْلِ الحَقِّ، فَإنَّهُمُ القائِلُونَ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ( الزُّخْرُفِ: ٢٣ ) والقائِلُونَ: ﴿وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ والمُقَلِّدُ لَوْلا اغْتِرارُهُ بِكَوْنِهِ وجَدَ أباهُ عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ، مَعَ اعْتِقادِهِ بِأنَّهُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وأنَّهُ الحَقُّ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الخَصْلَةُ هي الَّتِي بَقِيَ بِها اليَهُودِيُّ عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيُّ عَلى النَّصْرانِيَّةِ والمُبْتَدِعُ عَلى بِدْعَتِهِ، فَما أبْقاهم عَلى هَذِهِ الضَّلالاتِ إلّا كَوْنُهم وجَدُوا آباءَهم في اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةَ أوْ البِدْعِيَّةِ وأحْسَنُوا الظَّنَّ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ هو الحَقُّ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ ولَمْ يَنْظُرُوا لِأنْفُسِهِمْ، ولا طَلَبُوا الحَقَّ كَما يَجِبُ وبَحَثُوا عَنْ دِينِ اللَّهِ كَما يَنْبَغِي، وهَذا هو التَّقْلِيدُ البَحْتُ والقُصُورُ الخالِصُ، فَيا مَن نَشَأ عَلى مَذْهَبٍ مِن هَذِهِ المَذاهِبِ الإسْلامِيَّةِ أنا لَكَ النَّذِيرُ المُبالِغُ في التَّحْذِيرِ مِن أنْ تَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ وتَسْتَمِرَّ عَلى الضَّلالَةِ، فَقَدِ اخْتَلَطَ الشَّرُّ بِالخَيْرِ والصَّحِيحُ بِالسَّقِيمِ وفاسِدُ الرَّأْيِ بِصَحِيحِ الرِّوايَةِ. ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ إلى هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا نَبِيًّا واحِدًا أمَرَهم بِاتِّباعِهِ ونَهى عَنْ مُخالَفَتِهِ فَقالَ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ولَوْ كانَ مَحْضُ رَأْيِ أئِمَّةِ المَذاهِبِ وأتْباعُهم حُجَّةً عَلى العِبادِ، لَكانَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ رُسُلٌ كَثِيرُونَ مُتَعَدِّدُونَ بِعَدَدِ أهْلِ الرَّأْيِ المُكَلِّفِينَ لِلنّاسِ بِما لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ بِهِ. وإنَّ مِن أعْجَبِ الغَفْلَةِ وأعْظَمِ الذُّهُولِ عَنِ الحَقِّ اخْتِيارَ المُقَلِّدَةِ لِآراءِ الرِّجالِ مَعَ وُجُودِ كِتابِ اللَّهِ، ووُجُودِ سُنَّةِ رَسُولِهِ، ووُجُودِ مَن يَأْخُذُونَهُما عَنْهُ، ووُجُودِ آلَةِ الفَهْمِ لَدَيْهِمْ ومَلَكَةِ العَقْلِ عِنْدَهم. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ القِسْطُ: العَدْلُ، وفِيهِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، (p-٤٧١)لا كَما زَعَمُوهُ مِن أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالفَحْشاءِ، وقِيلَ: القِسْطُ هُنا هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ: أيْ قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ فَأطِيعُوهُ. قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ مَعْطُوف عَلى المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ: أيْ تَوَجَّهُوا إلَيْهِ في صَلاتِكم إلى القِبْلَةِ في أيِّ مَسْجِدٍ كُنْتُمْ، أوْ في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ، أوْ في كُلِّ مَكانِ سُجُودٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالسُّجُودِ الصَّلاةُ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أيِ ادْعُوهُ أوِ اعْبُدُوهُ حالَ كَوْنِكم مُخْلِصِينَ الدُّعاءَ، أوِ العِبادَةَ لَهُ، وقِيلَ: وحِّدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ. والمَعْنى: كَما أنْشَأكم في ابْتِداءِ الخَلْقِ يُعِيدُكم، فَيَكُونُ المَقْصُودُ الِاحْتِجاجَ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، وقِيلَ: كَما أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم تَعُودُونَ إلَيْهِ كَذَلِكَ لَيْسَ مَعَكم شَيْءٌ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ( الأنْعامِ: ٩٤ ) وقِيلَ: كَما بَدَأكم مِن تُرابٍ تَعُودُونَ إلى التُّرابِ. ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِنَ المُضْمَرِ في تَعُودُونَ: أيْ تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ: سُعَداءَ وأشْقِياءَ ويُقَوِّيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى "، والفَرِيقُ الَّذِي هَداهُ اللَّهُ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ المُتَّبِعُونَ لِأنْبِيائِهِ، والفَرِيقُ الَّذِي حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ هُمُ الكُفّارُ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ أيْ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم أطاعُوا الشَّياطِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ومَعَ هَذا فَإنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ ولَمْ يَعْتَرِفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالضَّلالَةِ، وهَذا أشَدُّ في تَمَرُّدِهِمْ وعِنادِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ قالَ: كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: واللَّهِ ما أكْرَمَ اللَّهُ عَبْدًا قَطُّ عَلى مَعْصِيَتِهِ ولا رَضِيَها لَهُ ولا أمَرَ بِها، ولَكِنْ رَضِيَ لَكم بِطاعَتِهِ ونَهاكم عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ قالَ: بِالعَدْلِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قالَ: إلى الكَعْبَةِ حَيْثُ صَلَّيْتُمْ في كَنِيسَةٍ أوْ غَيْرِها كَما بَدَأكم تَعُودُونَ قالَ: شَقِيٌّ وسَعِيدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: إنَّ اللَّهَ بَدَأ خَلْقَ بَنِي آدَمَ مُؤْمِنًا وكافِرًا كَما قالَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ ( التَّغابُنِ: ٢ ) ثُمَّ يُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ كَما بَدَأ خَلْقَهم مُؤْمِنًا وكافِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرٍ في الآيَةِ قالَ: يُبْعَثُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ: المُؤْمِنُ عَلى إيمانِهِ والمُنافِقُ عَلى نِفاقِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ ذَكَرَ القَدَرِيَّةَ فَقالَ: قاتَلَهُمُ اللَّهُ ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ: يَقُولُ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ كَذَلِكَ تَعُودُونَ.