Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأعراف 7:76 – الأعراف 7:112
المحتويات
- الأعراف 7:76
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:79
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:81
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:84
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:87
- الأعراف 7:88
- الأعراف 7:89
- الأعراف 7:90
- الأعراف 7:91
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:95
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:98
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:100
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:104
- الأعراف 7:105
- الأعراف 7:106
- الأعراف 7:107
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:109
- الأعراف 7:110
- الأعراف 7:111
- الأعراف 7:112
الأعراف 7:76
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم، وثَمُودُ قَبِيلَةٌ سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمْ، وهو ثَمُودُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وصالِحٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أسْفِ بْنِ ماشِحِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حاذَرَ بْنِ ثَمُودَ، وامْتِناعُ ثَمُودَ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّهُ جُعِلَ اسَمًا لِلْقَبِيلَةِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ،: لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ لِأنَّهُ مِنَ الثَّمْدِ، وهو الماءُ القَلِيلُ، وقَدْ قَرَأ القُرّاءُ ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ( هُودٍ: ٦٨ ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيِّ، وكانَتْ مَساكِنُ ثَمُودَ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القُرى.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ، وهي إخْراجُ النّاقَةِ مِنَ الحَجَرِ الصَّلْدِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ البَيِّنَةِ المَذْكُورَةِ وانْتِصابُ " آيَةً " عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، وفي إضافَةِ النّاقَةِ إلى اللَّهِ تَشْرِيفٌ لَها وتَكْرِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ، فَهي ناقَةُ اللَّهِ، والأرْضُ أرْضُهُ فَلا تَمْنَعُوها مِمّا لَيْسَ لَكم ولا تَمْلِكُونَهُ ﴿ولا تَمَسُّوها﴾ بِشَيْءٍ مِنَ السُّوءِ: أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَسُوءُها.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هو جَوابُ النَّهْيِ: أيْ إذا لَمْ تَتْرُكُوا مَسَّها بِشَيْءٍ مِنَ السُّوءِ أخَذَكم عَذابٌ ألِيمٌ: أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ أيِ اسْتَخْلَفَكم في الأرْضِ أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا فِيها، كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلَ لَكم فِيها مَباءَةً، وهي المَنزِلُ الَّذِي تَسْكُنُونَهُ ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ أيْ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولَةِ الأرْضِ قُصُورًا، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ: ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾، وسُهُولُ الأرْضِ تُرابُها يَتَّخِذُونَ مِنهُ اللَّبِنَ والآجُرَّ، ونَحْوَ ذَلِكَ فَيَبْنُونَ بِهِ القُصُورَ ﴿وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ أيْ تَتَّخِذُونَ في الجِبالِ الَّتِي هي صُخُورٌ بُيُوتًا تَسْكُنُونَ فِيها، وقَدْ كانُوا لِقُوَّتِهِمْ وصَلابَةِ أبْدانِهِمْ يَنْحِتُونَ الجِبالَ فَيَتَّخِذُونَ فِيها كُهُوفًا يَسْكُنُونَ فِيها، لِأنَّ الأبْنُيَةَ (p-٤٨٤)والسُّقُوفَ كانَتْ تَفْنى قَبْلَ فَناءِ أعْمارِهِمْ، وانْتِصابُ بُيُوتًا عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَنْحِتُونَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى تَتَّخِذُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في القِصَّةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العَثْيُ والعَثْوُ لُغَتانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ بِما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾: أيْ قالَ الرُّؤَساءُ المُسْتَكْبِرُونَ مِن قَوْمِ صالِحٍ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ اسْتَضْعَفَهُمُ المُسْتَكْبِرُونَ، و﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، لِأنَّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ هَذا عَلى عَوْدِ ضَمِيرِ مِنهم إلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا، فَإنَ عادَ إلى قَوْمِهِ كانَ بَدَلَ كُلٍّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، ومَقُولُ القَوْلِ: ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ قالُوا هَذا عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أجابُوهم بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِرِسالَتِهِ مَعَ كَوْنِ سُؤالِ المُسْتَكْبِرِينَ لَهم إنَّما هو عَنِ العِلْمِ مِنهم هَلْ تَعْلَمُونَ بِرِسالَتِهِ أمْ لا ؟ مُسارَعَةً إلى إظْهارِ ما لَهم مِنَ الإيمانِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُرْسَلًا أمْرٌ واضِحٌ مَكْشُوفٌ لا يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْهُ.
فَأجابُوا تَمَرُّدًا وعِنادًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذِهِ الجُمَلُ المَعْنَوِيَّةُ يُقالُ: مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مَقَدَّرَةٍ كَما سَبَقَ بَيانُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ العَقْرُ: الجَرْحُ، وقِيلَ: قَطْعُ عُضْوٍ يُؤَثِّرُ في تَلَفِ النَّفْسِ، يُقالُ عَقَرَتِ الفُرْسُ: إذا ضُرِبَتْ قَوائِمُهُ بِالسَّيْفِ، وقِيلَ: أصْلُ العَقْرِ: كَسْرُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ ثُمَّ قِيلَ: لِلنَّحْرِ عَقْرٌ، لِأنَّ العَقْرَ سَبَبُ النَّحْرِ في الغالِبِ، وأسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ مَعَ كَوْنِ العاقِرِ واحِدًا مِنهم، لِأنَّهم راضُونَ بِذَلِكَ مُوافِقُونَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عاقِرِ النّاقَةِ ما كانَ اسْمُهُ، فَقِيلَ: قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ اسْتَكْبَرُوا، يُقالُ عَتا يَعْتُو عُتُوًّا: اسْتَكْبَرَ، وتَعَتّى فُلانٌ: إذا لَمْ يُطِعْ، واللَّيْلُ العاتِي: الشَّدِيدُ الظُّلْمَةِ ﴿وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ هَذا اسْتِعْجالٌ مِنهم لِلنِّقْمَةِ وطَلَبٌ مِنهم لِنُزُولِ العَذابِ وحُلُولِ البَلِيَّةِ بِهِمْ.
٧٨ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، يُقالُ: رَجَفَ الشَّيْءُ يَرْجُفُ رُجْفانًا، وأصْلُهُ حَرَكَةٌ مَعَ صَوْتٍ، ومِنهُ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾، وقِيلَ: كانَتْ صَيْحَةً شَدِيدَةً خَلَعَتْ قُلُوبَهم ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ بَلَدِهِمْ جاثِمِينَ لاصِقِينَ بِالأرْضِ عَلى رُكَبِهِمْ ووُجُوهِهِمْ كَما يَجْثُمُ الطّائِرُ، وأصْلُ الجُثُومِ لِلْأرْنَبِ وشَبَهِها، وقِيلَ: لِلنّاسِ والطَّيْرِ والمُرادُ أنَّهم أصْبَحُوا في دُورِهِمْ مَيِّتِينَ لا حَراكَ بِهِمْ.
٧٩ - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ صالِحٌ عِنْدَ اليَأْسِ مِن إجابَتِهِمْ وقالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الحِكايَةِ لِحالِهِمُ الماضِيَةِ، كَما وقَعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّكْلِيمِ لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، أوْ قالَها لَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، وكَأنَّهُ كانَ مُشاهِدًا لِذَلِكَ فَتَحَسَّرَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ أبانَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في إبْلاغِهِمُ الرِّسالَةَ ومَحْضِ النُّصْحِ، لَكِنْ أبَوْا ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ فَحَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، ونَزَلَ بِهِمْ ما كَذَّبُوا بِهِ واسْتَعْجَلُوهُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: قالَتْ ثَمُودُ لِصالِحٍ ائْتِنا بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، قالَ: اخْرُجُوا، فَخَرَجُوا إلى هَضْبَةٍ مِنَ الأرْضِ فَإذا هي تَمَخَّضُ كَما تَمَخَّضُ الحامِلُ، ثُمَّ إنَّها انْفَرَجَتْ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ مِن وسَطِها، فَقالَ لَهم صالِحٌ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ فَلَمّا مَلُّوها عَقَرُوها ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ( هُودٍ: ٦٥ ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّ صالِحًا قالَ لَهم حِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ قالَ لَهم: آيَةُ هَلاكِكم أنْ تُصْبِحَ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً، وتُصْبِحَ اليَوْمَ الثّانِي مُحَمَّرَةً، ثُمَّ تُصْبِحَ اليَوْمَ الثّالِثَ مُسَوَّدَةً، فَأصْبَحَتْ كَذَلِكَ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الثّالِثُ أيْقَنُوا بِالهَلاكِ فَتَكَفَّنُوا وتَحَنَّطُوا، ثُمَّ أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأهْمَدَتْهم.
وقالَ عاقِرُ النّاقَةِ: لا أقْتُلُها حَتّى تَرْضَوْا أجْمَعِينَ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلى المَرْأةِ في خِدْرِها فَيَقُولُونَ أتَرْضِينَ ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ، والصَّبِيُّ حَتّى رَضُوا أجْمَعُونَ، فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ قامَ فَخَطَبَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ لا تَسْألُوا نَبِيَّكم عَنِ الآياتِ فَإنَّ قَوْمَ صالِحٍ سَألُوا نَبِيَّهم أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ آيَةً فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمُ النّاقَةَ، فَكانَتْ تَرِدُ مِن هَذا الفَجِّ فَتَشْرَبُ ماءَهم يَوْمَ وِرْدِها ويَحْتَلِبُونَ مِن لَبَنِها مِثْلَ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَ مِن مائِها يَوْمَ غِبِّها وتَصْدُرُ مِن هَذا الفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوها، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ وكانَ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرَ مَكْذُوبٍ، ثُمَّ جاءَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأهْلَكَ اللَّهُ مَن كانَ مِنهم تَحْتَ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هو ؟ فَقالَ: أبُو رِغالٍ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَ قَوْمَهُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الحَدِيثُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ أبِي الطُّفَيْلِ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو بِالحِجْرِ: لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم» وأصْلُ الحَدِيثِ في الصَّحِيحَيْنِ مِن غَيْرِ وجْهٍ، وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ، مِن هَذا الحَدِيثِ قالَ: «لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى تَبُوكَ نَزَلَ بِهِمُ الحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي كَبْشَةَ الأنْمارِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ قالَ: لا تَعْقِرُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٤٨٥)﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ قالَ: كانُوا يَنْقُبُونَ في الجِبالِ البُيُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: غَلَوْا في الباطِلِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: الصَّيْحَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:77
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم، وثَمُودُ قَبِيلَةٌ سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمْ، وهو ثَمُودُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وصالِحٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أسْفِ بْنِ ماشِحِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حاذَرَ بْنِ ثَمُودَ، وامْتِناعُ ثَمُودَ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّهُ جُعِلَ اسَمًا لِلْقَبِيلَةِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ،: لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ لِأنَّهُ مِنَ الثَّمْدِ، وهو الماءُ القَلِيلُ، وقَدْ قَرَأ القُرّاءُ ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ( هُودٍ: ٦٨ ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيِّ، وكانَتْ مَساكِنُ ثَمُودَ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القُرى.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ، وهي إخْراجُ النّاقَةِ مِنَ الحَجَرِ الصَّلْدِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ البَيِّنَةِ المَذْكُورَةِ وانْتِصابُ " آيَةً " عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، وفي إضافَةِ النّاقَةِ إلى اللَّهِ تَشْرِيفٌ لَها وتَكْرِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ، فَهي ناقَةُ اللَّهِ، والأرْضُ أرْضُهُ فَلا تَمْنَعُوها مِمّا لَيْسَ لَكم ولا تَمْلِكُونَهُ ﴿ولا تَمَسُّوها﴾ بِشَيْءٍ مِنَ السُّوءِ: أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَسُوءُها.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هو جَوابُ النَّهْيِ: أيْ إذا لَمْ تَتْرُكُوا مَسَّها بِشَيْءٍ مِنَ السُّوءِ أخَذَكم عَذابٌ ألِيمٌ: أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ أيِ اسْتَخْلَفَكم في الأرْضِ أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا فِيها، كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلَ لَكم فِيها مَباءَةً، وهي المَنزِلُ الَّذِي تَسْكُنُونَهُ ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ أيْ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولَةِ الأرْضِ قُصُورًا، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ: ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾، وسُهُولُ الأرْضِ تُرابُها يَتَّخِذُونَ مِنهُ اللَّبِنَ والآجُرَّ، ونَحْوَ ذَلِكَ فَيَبْنُونَ بِهِ القُصُورَ ﴿وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ أيْ تَتَّخِذُونَ في الجِبالِ الَّتِي هي صُخُورٌ بُيُوتًا تَسْكُنُونَ فِيها، وقَدْ كانُوا لِقُوَّتِهِمْ وصَلابَةِ أبْدانِهِمْ يَنْحِتُونَ الجِبالَ فَيَتَّخِذُونَ فِيها كُهُوفًا يَسْكُنُونَ فِيها، لِأنَّ الأبْنُيَةَ (p-٤٨٤)والسُّقُوفَ كانَتْ تَفْنى قَبْلَ فَناءِ أعْمارِهِمْ، وانْتِصابُ بُيُوتًا عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَنْحِتُونَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى تَتَّخِذُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في القِصَّةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العَثْيُ والعَثْوُ لُغَتانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ بِما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾: أيْ قالَ الرُّؤَساءُ المُسْتَكْبِرُونَ مِن قَوْمِ صالِحٍ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ اسْتَضْعَفَهُمُ المُسْتَكْبِرُونَ، و﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، لِأنَّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ هَذا عَلى عَوْدِ ضَمِيرِ مِنهم إلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا، فَإنَ عادَ إلى قَوْمِهِ كانَ بَدَلَ كُلٍّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، ومَقُولُ القَوْلِ: ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ قالُوا هَذا عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أجابُوهم بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِرِسالَتِهِ مَعَ كَوْنِ سُؤالِ المُسْتَكْبِرِينَ لَهم إنَّما هو عَنِ العِلْمِ مِنهم هَلْ تَعْلَمُونَ بِرِسالَتِهِ أمْ لا ؟ مُسارَعَةً إلى إظْهارِ ما لَهم مِنَ الإيمانِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُرْسَلًا أمْرٌ واضِحٌ مَكْشُوفٌ لا يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْهُ.
فَأجابُوا تَمَرُّدًا وعِنادًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذِهِ الجُمَلُ المَعْنَوِيَّةُ يُقالُ: مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مَقَدَّرَةٍ كَما سَبَقَ بَيانُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ العَقْرُ: الجَرْحُ، وقِيلَ: قَطْعُ عُضْوٍ يُؤَثِّرُ في تَلَفِ النَّفْسِ، يُقالُ عَقَرَتِ الفُرْسُ: إذا ضُرِبَتْ قَوائِمُهُ بِالسَّيْفِ، وقِيلَ: أصْلُ العَقْرِ: كَسْرُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ ثُمَّ قِيلَ: لِلنَّحْرِ عَقْرٌ، لِأنَّ العَقْرَ سَبَبُ النَّحْرِ في الغالِبِ، وأسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ مَعَ كَوْنِ العاقِرِ واحِدًا مِنهم، لِأنَّهم راضُونَ بِذَلِكَ مُوافِقُونَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عاقِرِ النّاقَةِ ما كانَ اسْمُهُ، فَقِيلَ: قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ اسْتَكْبَرُوا، يُقالُ عَتا يَعْتُو عُتُوًّا: اسْتَكْبَرَ، وتَعَتّى فُلانٌ: إذا لَمْ يُطِعْ، واللَّيْلُ العاتِي: الشَّدِيدُ الظُّلْمَةِ ﴿وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ هَذا اسْتِعْجالٌ مِنهم لِلنِّقْمَةِ وطَلَبٌ مِنهم لِنُزُولِ العَذابِ وحُلُولِ البَلِيَّةِ بِهِمْ.
٧٨ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، يُقالُ: رَجَفَ الشَّيْءُ يَرْجُفُ رُجْفانًا، وأصْلُهُ حَرَكَةٌ مَعَ صَوْتٍ، ومِنهُ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾، وقِيلَ: كانَتْ صَيْحَةً شَدِيدَةً خَلَعَتْ قُلُوبَهم ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ بَلَدِهِمْ جاثِمِينَ لاصِقِينَ بِالأرْضِ عَلى رُكَبِهِمْ ووُجُوهِهِمْ كَما يَجْثُمُ الطّائِرُ، وأصْلُ الجُثُومِ لِلْأرْنَبِ وشَبَهِها، وقِيلَ: لِلنّاسِ والطَّيْرِ والمُرادُ أنَّهم أصْبَحُوا في دُورِهِمْ مَيِّتِينَ لا حَراكَ بِهِمْ.
٧٩ - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ صالِحٌ عِنْدَ اليَأْسِ مِن إجابَتِهِمْ وقالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الحِكايَةِ لِحالِهِمُ الماضِيَةِ، كَما وقَعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّكْلِيمِ لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، أوْ قالَها لَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، وكَأنَّهُ كانَ مُشاهِدًا لِذَلِكَ فَتَحَسَّرَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ أبانَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في إبْلاغِهِمُ الرِّسالَةَ ومَحْضِ النُّصْحِ، لَكِنْ أبَوْا ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ فَحَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، ونَزَلَ بِهِمْ ما كَذَّبُوا بِهِ واسْتَعْجَلُوهُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: قالَتْ ثَمُودُ لِصالِحٍ ائْتِنا بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، قالَ: اخْرُجُوا، فَخَرَجُوا إلى هَضْبَةٍ مِنَ الأرْضِ فَإذا هي تَمَخَّضُ كَما تَمَخَّضُ الحامِلُ، ثُمَّ إنَّها انْفَرَجَتْ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ مِن وسَطِها، فَقالَ لَهم صالِحٌ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ فَلَمّا مَلُّوها عَقَرُوها ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ( هُودٍ: ٦٥ ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّ صالِحًا قالَ لَهم حِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ قالَ لَهم: آيَةُ هَلاكِكم أنْ تُصْبِحَ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً، وتُصْبِحَ اليَوْمَ الثّانِي مُحَمَّرَةً، ثُمَّ تُصْبِحَ اليَوْمَ الثّالِثَ مُسَوَّدَةً، فَأصْبَحَتْ كَذَلِكَ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الثّالِثُ أيْقَنُوا بِالهَلاكِ فَتَكَفَّنُوا وتَحَنَّطُوا، ثُمَّ أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأهْمَدَتْهم.
وقالَ عاقِرُ النّاقَةِ: لا أقْتُلُها حَتّى تَرْضَوْا أجْمَعِينَ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلى المَرْأةِ في خِدْرِها فَيَقُولُونَ أتَرْضِينَ ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ، والصَّبِيُّ حَتّى رَضُوا أجْمَعُونَ، فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ قامَ فَخَطَبَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ لا تَسْألُوا نَبِيَّكم عَنِ الآياتِ فَإنَّ قَوْمَ صالِحٍ سَألُوا نَبِيَّهم أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ آيَةً فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمُ النّاقَةَ، فَكانَتْ تَرِدُ مِن هَذا الفَجِّ فَتَشْرَبُ ماءَهم يَوْمَ وِرْدِها ويَحْتَلِبُونَ مِن لَبَنِها مِثْلَ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَ مِن مائِها يَوْمَ غِبِّها وتَصْدُرُ مِن هَذا الفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوها، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ وكانَ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرَ مَكْذُوبٍ، ثُمَّ جاءَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأهْلَكَ اللَّهُ مَن كانَ مِنهم تَحْتَ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هو ؟ فَقالَ: أبُو رِغالٍ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَ قَوْمَهُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الحَدِيثُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ أبِي الطُّفَيْلِ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو بِالحِجْرِ: لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم» وأصْلُ الحَدِيثِ في الصَّحِيحَيْنِ مِن غَيْرِ وجْهٍ، وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ، مِن هَذا الحَدِيثِ قالَ: «لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى تَبُوكَ نَزَلَ بِهِمُ الحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي كَبْشَةَ الأنْمارِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ قالَ: لا تَعْقِرُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٤٨٥)﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ قالَ: كانُوا يَنْقُبُونَ في الجِبالِ البُيُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: غَلَوْا في الباطِلِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: الصَّيْحَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:78
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم، وثَمُودُ قَبِيلَةٌ سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمْ، وهو ثَمُودُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وصالِحٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أسْفِ بْنِ ماشِحِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حاذَرَ بْنِ ثَمُودَ، وامْتِناعُ ثَمُودَ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّهُ جُعِلَ اسَمًا لِلْقَبِيلَةِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ،: لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ لِأنَّهُ مِنَ الثَّمْدِ، وهو الماءُ القَلِيلُ، وقَدْ قَرَأ القُرّاءُ ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ( هُودٍ: ٦٨ ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيِّ، وكانَتْ مَساكِنُ ثَمُودَ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القُرى.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ، وهي إخْراجُ النّاقَةِ مِنَ الحَجَرِ الصَّلْدِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ البَيِّنَةِ المَذْكُورَةِ وانْتِصابُ " آيَةً " عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، وفي إضافَةِ النّاقَةِ إلى اللَّهِ تَشْرِيفٌ لَها وتَكْرِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ، فَهي ناقَةُ اللَّهِ، والأرْضُ أرْضُهُ فَلا تَمْنَعُوها مِمّا لَيْسَ لَكم ولا تَمْلِكُونَهُ ﴿ولا تَمَسُّوها﴾ بِشَيْءٍ مِنَ السُّوءِ: أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَسُوءُها.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هو جَوابُ النَّهْيِ: أيْ إذا لَمْ تَتْرُكُوا مَسَّها بِشَيْءٍ مِنَ السُّوءِ أخَذَكم عَذابٌ ألِيمٌ: أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ أيِ اسْتَخْلَفَكم في الأرْضِ أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا فِيها، كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلَ لَكم فِيها مَباءَةً، وهي المَنزِلُ الَّذِي تَسْكُنُونَهُ ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ أيْ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولَةِ الأرْضِ قُصُورًا، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ: ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾، وسُهُولُ الأرْضِ تُرابُها يَتَّخِذُونَ مِنهُ اللَّبِنَ والآجُرَّ، ونَحْوَ ذَلِكَ فَيَبْنُونَ بِهِ القُصُورَ ﴿وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ أيْ تَتَّخِذُونَ في الجِبالِ الَّتِي هي صُخُورٌ بُيُوتًا تَسْكُنُونَ فِيها، وقَدْ كانُوا لِقُوَّتِهِمْ وصَلابَةِ أبْدانِهِمْ يَنْحِتُونَ الجِبالَ فَيَتَّخِذُونَ فِيها كُهُوفًا يَسْكُنُونَ فِيها، لِأنَّ الأبْنُيَةَ (p-٤٨٤)والسُّقُوفَ كانَتْ تَفْنى قَبْلَ فَناءِ أعْمارِهِمْ، وانْتِصابُ بُيُوتًا عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَنْحِتُونَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى تَتَّخِذُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في القِصَّةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العَثْيُ والعَثْوُ لُغَتانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ بِما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾: أيْ قالَ الرُّؤَساءُ المُسْتَكْبِرُونَ مِن قَوْمِ صالِحٍ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ اسْتَضْعَفَهُمُ المُسْتَكْبِرُونَ، و﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، لِأنَّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ هَذا عَلى عَوْدِ ضَمِيرِ مِنهم إلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا، فَإنَ عادَ إلى قَوْمِهِ كانَ بَدَلَ كُلٍّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، ومَقُولُ القَوْلِ: ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ قالُوا هَذا عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أجابُوهم بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِرِسالَتِهِ مَعَ كَوْنِ سُؤالِ المُسْتَكْبِرِينَ لَهم إنَّما هو عَنِ العِلْمِ مِنهم هَلْ تَعْلَمُونَ بِرِسالَتِهِ أمْ لا ؟ مُسارَعَةً إلى إظْهارِ ما لَهم مِنَ الإيمانِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُرْسَلًا أمْرٌ واضِحٌ مَكْشُوفٌ لا يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْهُ.
فَأجابُوا تَمَرُّدًا وعِنادًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذِهِ الجُمَلُ المَعْنَوِيَّةُ يُقالُ: مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مَقَدَّرَةٍ كَما سَبَقَ بَيانُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ العَقْرُ: الجَرْحُ، وقِيلَ: قَطْعُ عُضْوٍ يُؤَثِّرُ في تَلَفِ النَّفْسِ، يُقالُ عَقَرَتِ الفُرْسُ: إذا ضُرِبَتْ قَوائِمُهُ بِالسَّيْفِ، وقِيلَ: أصْلُ العَقْرِ: كَسْرُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ ثُمَّ قِيلَ: لِلنَّحْرِ عَقْرٌ، لِأنَّ العَقْرَ سَبَبُ النَّحْرِ في الغالِبِ، وأسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ مَعَ كَوْنِ العاقِرِ واحِدًا مِنهم، لِأنَّهم راضُونَ بِذَلِكَ مُوافِقُونَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عاقِرِ النّاقَةِ ما كانَ اسْمُهُ، فَقِيلَ: قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ اسْتَكْبَرُوا، يُقالُ عَتا يَعْتُو عُتُوًّا: اسْتَكْبَرَ، وتَعَتّى فُلانٌ: إذا لَمْ يُطِعْ، واللَّيْلُ العاتِي: الشَّدِيدُ الظُّلْمَةِ ﴿وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ هَذا اسْتِعْجالٌ مِنهم لِلنِّقْمَةِ وطَلَبٌ مِنهم لِنُزُولِ العَذابِ وحُلُولِ البَلِيَّةِ بِهِمْ.
٧٨ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، يُقالُ: رَجَفَ الشَّيْءُ يَرْجُفُ رُجْفانًا، وأصْلُهُ حَرَكَةٌ مَعَ صَوْتٍ، ومِنهُ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾، وقِيلَ: كانَتْ صَيْحَةً شَدِيدَةً خَلَعَتْ قُلُوبَهم ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ بَلَدِهِمْ جاثِمِينَ لاصِقِينَ بِالأرْضِ عَلى رُكَبِهِمْ ووُجُوهِهِمْ كَما يَجْثُمُ الطّائِرُ، وأصْلُ الجُثُومِ لِلْأرْنَبِ وشَبَهِها، وقِيلَ: لِلنّاسِ والطَّيْرِ والمُرادُ أنَّهم أصْبَحُوا في دُورِهِمْ مَيِّتِينَ لا حَراكَ بِهِمْ.
٧٩ - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ صالِحٌ عِنْدَ اليَأْسِ مِن إجابَتِهِمْ وقالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الحِكايَةِ لِحالِهِمُ الماضِيَةِ، كَما وقَعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّكْلِيمِ لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، أوْ قالَها لَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، وكَأنَّهُ كانَ مُشاهِدًا لِذَلِكَ فَتَحَسَّرَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ أبانَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في إبْلاغِهِمُ الرِّسالَةَ ومَحْضِ النُّصْحِ، لَكِنْ أبَوْا ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ فَحَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، ونَزَلَ بِهِمْ ما كَذَّبُوا بِهِ واسْتَعْجَلُوهُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: قالَتْ ثَمُودُ لِصالِحٍ ائْتِنا بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، قالَ: اخْرُجُوا، فَخَرَجُوا إلى هَضْبَةٍ مِنَ الأرْضِ فَإذا هي تَمَخَّضُ كَما تَمَخَّضُ الحامِلُ، ثُمَّ إنَّها انْفَرَجَتْ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ مِن وسَطِها، فَقالَ لَهم صالِحٌ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ فَلَمّا مَلُّوها عَقَرُوها ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ( هُودٍ: ٦٥ ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّ صالِحًا قالَ لَهم حِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ قالَ لَهم: آيَةُ هَلاكِكم أنْ تُصْبِحَ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً، وتُصْبِحَ اليَوْمَ الثّانِي مُحَمَّرَةً، ثُمَّ تُصْبِحَ اليَوْمَ الثّالِثَ مُسَوَّدَةً، فَأصْبَحَتْ كَذَلِكَ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الثّالِثُ أيْقَنُوا بِالهَلاكِ فَتَكَفَّنُوا وتَحَنَّطُوا، ثُمَّ أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأهْمَدَتْهم.
وقالَ عاقِرُ النّاقَةِ: لا أقْتُلُها حَتّى تَرْضَوْا أجْمَعِينَ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلى المَرْأةِ في خِدْرِها فَيَقُولُونَ أتَرْضِينَ ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ، والصَّبِيُّ حَتّى رَضُوا أجْمَعُونَ، فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ قامَ فَخَطَبَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ لا تَسْألُوا نَبِيَّكم عَنِ الآياتِ فَإنَّ قَوْمَ صالِحٍ سَألُوا نَبِيَّهم أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ آيَةً فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمُ النّاقَةَ، فَكانَتْ تَرِدُ مِن هَذا الفَجِّ فَتَشْرَبُ ماءَهم يَوْمَ وِرْدِها ويَحْتَلِبُونَ مِن لَبَنِها مِثْلَ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَ مِن مائِها يَوْمَ غِبِّها وتَصْدُرُ مِن هَذا الفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوها، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ وكانَ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرَ مَكْذُوبٍ، ثُمَّ جاءَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأهْلَكَ اللَّهُ مَن كانَ مِنهم تَحْتَ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هو ؟ فَقالَ: أبُو رِغالٍ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَ قَوْمَهُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الحَدِيثُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ أبِي الطُّفَيْلِ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو بِالحِجْرِ: لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم» وأصْلُ الحَدِيثِ في الصَّحِيحَيْنِ مِن غَيْرِ وجْهٍ، وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ، مِن هَذا الحَدِيثِ قالَ: «لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى تَبُوكَ نَزَلَ بِهِمُ الحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي كَبْشَةَ الأنْمارِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ قالَ: لا تَعْقِرُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٤٨٥)﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ قالَ: كانُوا يَنْقُبُونَ في الجِبالِ البُيُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: غَلَوْا في الباطِلِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: الصَّيْحَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:79
قَوْلُهُ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم، وثَمُودُ قَبِيلَةٌ سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمْ، وهو ثَمُودُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وصالِحٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أسْفِ بْنِ ماشِحِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حاذَرَ بْنِ ثَمُودَ، وامْتِناعُ ثَمُودَ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّهُ جُعِلَ اسَمًا لِلْقَبِيلَةِ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ،: لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ.
قالَ النَّحّاسُ: وهو غَلَطٌ لِأنَّهُ مِنَ الثَّمْدِ، وهو الماءُ القَلِيلُ، وقَدْ قَرَأ القُرّاءُ ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ( هُودٍ: ٦٨ ) عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيِّ، وكانَتْ مَساكِنُ ثَمُودَ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القُرى.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ، وهي إخْراجُ النّاقَةِ مِنَ الحَجَرِ الصَّلْدِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ البَيِّنَةِ المَذْكُورَةِ وانْتِصابُ " آيَةً " عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، وفي إضافَةِ النّاقَةِ إلى اللَّهِ تَشْرِيفٌ لَها وتَكْرِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ أيْ دَعُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ، فَهي ناقَةُ اللَّهِ، والأرْضُ أرْضُهُ فَلا تَمْنَعُوها مِمّا لَيْسَ لَكم ولا تَمْلِكُونَهُ ﴿ولا تَمَسُّوها﴾ بِشَيْءٍ مِنَ السُّوءِ: أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي تَسُوءُها.
قَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هو جَوابُ النَّهْيِ: أيْ إذا لَمْ تَتْرُكُوا مَسَّها بِشَيْءٍ مِنَ السُّوءِ أخَذَكم عَذابٌ ألِيمٌ: أيْ شَدِيدُ الألَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ أيِ اسْتَخْلَفَكم في الأرْضِ أوْ جَعَلَكم مُلُوكًا فِيها، كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ هُودٍ ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أيْ جَعَلَ لَكم فِيها مَباءَةً، وهي المَنزِلُ الَّذِي تَسْكُنُونَهُ ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ أيْ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولَةِ الأرْضِ قُصُورًا، أوْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ: ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾، وسُهُولُ الأرْضِ تُرابُها يَتَّخِذُونَ مِنهُ اللَّبِنَ والآجُرَّ، ونَحْوَ ذَلِكَ فَيَبْنُونَ بِهِ القُصُورَ ﴿وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ أيْ تَتَّخِذُونَ في الجِبالِ الَّتِي هي صُخُورٌ بُيُوتًا تَسْكُنُونَ فِيها، وقَدْ كانُوا لِقُوَّتِهِمْ وصَلابَةِ أبْدانِهِمْ يَنْحِتُونَ الجِبالَ فَيَتَّخِذُونَ فِيها كُهُوفًا يَسْكُنُونَ فِيها، لِأنَّ الأبْنُيَةَ (p-٤٨٤)والسُّقُوفَ كانَتْ تَفْنى قَبْلَ فَناءِ أعْمارِهِمْ، وانْتِصابُ بُيُوتًا عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَنْحِتُونَ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى تَتَّخِذُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في القِصَّةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ العَثْيُ والعَثْوُ لُغَتانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في البَقَرَةِ بِما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾: أيْ قالَ الرُّؤَساءُ المُسْتَكْبِرُونَ مِن قَوْمِ صالِحٍ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ اسْتَضْعَفَهُمُ المُسْتَكْبِرُونَ، و﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، لِأنَّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ هَذا عَلى عَوْدِ ضَمِيرِ مِنهم إلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا، فَإنَ عادَ إلى قَوْمِهِ كانَ بَدَلَ كُلٍّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، ومَقُولُ القَوْلِ: ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ قالُوا هَذا عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أجابُوهم بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِرِسالَتِهِ مَعَ كَوْنِ سُؤالِ المُسْتَكْبِرِينَ لَهم إنَّما هو عَنِ العِلْمِ مِنهم هَلْ تَعْلَمُونَ بِرِسالَتِهِ أمْ لا ؟ مُسارَعَةً إلى إظْهارِ ما لَهم مِنَ الإيمانِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُرْسَلًا أمْرٌ واضِحٌ مَكْشُوفٌ لا يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْهُ.
فَأجابُوا تَمَرُّدًا وعِنادًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وهَذِهِ الجُمَلُ المَعْنَوِيَّةُ يُقالُ: مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مَقَدَّرَةٍ كَما سَبَقَ بَيانُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ العَقْرُ: الجَرْحُ، وقِيلَ: قَطْعُ عُضْوٍ يُؤَثِّرُ في تَلَفِ النَّفْسِ، يُقالُ عَقَرَتِ الفُرْسُ: إذا ضُرِبَتْ قَوائِمُهُ بِالسَّيْفِ، وقِيلَ: أصْلُ العَقْرِ: كَسْرُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ ثُمَّ قِيلَ: لِلنَّحْرِ عَقْرٌ، لِأنَّ العَقْرَ سَبَبُ النَّحْرِ في الغالِبِ، وأسْنَدَ العَقْرَ إلى الجَمِيعِ مَعَ كَوْنِ العاقِرِ واحِدًا مِنهم، لِأنَّهم راضُونَ بِذَلِكَ مُوافِقُونَ عَلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عاقِرِ النّاقَةِ ما كانَ اسْمُهُ، فَقِيلَ: قِدارُ بْنُ سالِفٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ اسْتَكْبَرُوا، يُقالُ عَتا يَعْتُو عُتُوًّا: اسْتَكْبَرَ، وتَعَتّى فُلانٌ: إذا لَمْ يُطِعْ، واللَّيْلُ العاتِي: الشَّدِيدُ الظُّلْمَةِ ﴿وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ هَذا اسْتِعْجالٌ مِنهم لِلنِّقْمَةِ وطَلَبٌ مِنهم لِنُزُولِ العَذابِ وحُلُولِ البَلِيَّةِ بِهِمْ.
٧٨ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، يُقالُ: رَجَفَ الشَّيْءُ يَرْجُفُ رُجْفانًا، وأصْلُهُ حَرَكَةٌ مَعَ صَوْتٍ، ومِنهُ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾، وقِيلَ: كانَتْ صَيْحَةً شَدِيدَةً خَلَعَتْ قُلُوبَهم ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ بَلَدِهِمْ جاثِمِينَ لاصِقِينَ بِالأرْضِ عَلى رُكَبِهِمْ ووُجُوهِهِمْ كَما يَجْثُمُ الطّائِرُ، وأصْلُ الجُثُومِ لِلْأرْنَبِ وشَبَهِها، وقِيلَ: لِلنّاسِ والطَّيْرِ والمُرادُ أنَّهم أصْبَحُوا في دُورِهِمْ مَيِّتِينَ لا حَراكَ بِهِمْ.
٧٩ - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ صالِحٌ عِنْدَ اليَأْسِ مِن إجابَتِهِمْ وقالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الحِكايَةِ لِحالِهِمُ الماضِيَةِ، كَما وقَعَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّكْلِيمِ لِأهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، أوْ قالَها لَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ، وكَأنَّهُ كانَ مُشاهِدًا لِذَلِكَ فَتَحَسَّرَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ أبانَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لَمْ يَأْلُ جُهْدًا في إبْلاغِهِمُ الرِّسالَةَ ومَحْضِ النُّصْحِ، لَكِنْ أبَوْا ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ فَحَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، ونَزَلَ بِهِمْ ما كَذَّبُوا بِهِ واسْتَعْجَلُوهُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: قالَتْ ثَمُودُ لِصالِحٍ ائْتِنا بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، قالَ: اخْرُجُوا، فَخَرَجُوا إلى هَضْبَةٍ مِنَ الأرْضِ فَإذا هي تَمَخَّضُ كَما تَمَخَّضُ الحامِلُ، ثُمَّ إنَّها انْفَرَجَتْ فَخَرَجَتِ النّاقَةُ مِن وسَطِها، فَقالَ لَهم صالِحٌ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ فَلَمّا مَلُّوها عَقَرُوها ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ( هُودٍ: ٦٥ ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: أنَّ صالِحًا قالَ لَهم حِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: تَمَتَّعُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ قالَ لَهم: آيَةُ هَلاكِكم أنْ تُصْبِحَ وُجُوهُكم غَدًا مُصْفَرَّةً، وتُصْبِحَ اليَوْمَ الثّانِي مُحَمَّرَةً، ثُمَّ تُصْبِحَ اليَوْمَ الثّالِثَ مُسَوَّدَةً، فَأصْبَحَتْ كَذَلِكَ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الثّالِثُ أيْقَنُوا بِالهَلاكِ فَتَكَفَّنُوا وتَحَنَّطُوا، ثُمَّ أخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأهْمَدَتْهم.
وقالَ عاقِرُ النّاقَةِ: لا أقْتُلُها حَتّى تَرْضَوْا أجْمَعِينَ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلى المَرْأةِ في خِدْرِها فَيَقُولُونَ أتَرْضِينَ ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ، والصَّبِيُّ حَتّى رَضُوا أجْمَعُونَ، فَعَقَرَها.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ قامَ فَخَطَبَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ لا تَسْألُوا نَبِيَّكم عَنِ الآياتِ فَإنَّ قَوْمَ صالِحٍ سَألُوا نَبِيَّهم أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ آيَةً فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمُ النّاقَةَ، فَكانَتْ تَرِدُ مِن هَذا الفَجِّ فَتَشْرَبُ ماءَهم يَوْمَ وِرْدِها ويَحْتَلِبُونَ مِن لَبَنِها مِثْلَ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَ مِن مائِها يَوْمَ غِبِّها وتَصْدُرُ مِن هَذا الفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوها، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ وكانَ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرَ مَكْذُوبٍ، ثُمَّ جاءَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأهْلَكَ اللَّهُ مَن كانَ مِنهم تَحْتَ مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، إلّا رَجُلًا كانَ في حَرَمِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هو ؟ فَقالَ: أبُو رِغالٍ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصابَهُ ما أصابَ قَوْمَهُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الحَدِيثُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن حَدِيثِ أبِي الطُّفَيْلِ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو بِالحِجْرِ: لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم» وأصْلُ الحَدِيثِ في الصَّحِيحَيْنِ مِن غَيْرِ وجْهٍ، وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ، مِن هَذا الحَدِيثِ قالَ: «لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى تَبُوكَ نَزَلَ بِهِمُ الحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، نَحْوَهُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي كَبْشَةَ الأنْمارِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ قالَ: لا تَعْقِرُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: (p-٤٨٥)﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ قالَ: كانُوا يَنْقُبُونَ في الجِبالِ البُيُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ قالَ: غَلَوْا في الباطِلِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ: الصَّيْحَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ قالَ: مَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:80
قَوْلُهُ: ولُوطًا مَعْطُوفٌ عَلى ما سَبَقَ: أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ واذْكُرْ لُوطًا وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لُوطٌ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا أُلِيطَ بِقَلْبِي: أيْ أُلْصِقَ.
قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ لُوطًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن لُطْتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسْتُهُ بِالطِّينِ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا تُشْتَقُّ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: نُوحٌ ولُوطٌ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ إلّا أنَّها خَفِيفَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ، ولُوطٌ هو ابْنُ هارانَ بْنِ تارِخٍ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أُمَّةٍ تُسَمّى سَدُومَ.
أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ أيِ الخَصْلَةُ الفاحِشَةُ المُتَمادِيَةُ في الفُحْشِ والقُبْحِ، قالَ: ذَلِكَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ لَمْ يَفْعَلْها أحَدٌ قَبْلَكم، فَإنَّ اللِّواطَ لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لِلْعُمُومِ في النَّفْيِ، وإنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ لِما دَخَلَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَلى الخَبَرِ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ المُقْتَضِي لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى اَبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما،، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وكَذَلِكَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَعَ مَزِيدِ الِاسْتِفْهامِ وتَكْرِيرِهِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وانْتِصابُ " شَهْوَةً " عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ تَشْتَهُونَهم شَهْوَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُشْتَهِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ: أيْ لِأجْلِ الشَّهْوَةِ، وفِيهِ أنَّهُ لا غَرَضَ لَهم بِإتْيانِ هَذِهِ الفاحِشَةِ إلّا مُجَرَّدُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ غَرَضٌ يُوافِقُ العَقْلَ، فَهم في هَذا كالبَهائِمِ الَّتِي يَنْزُو بَعْضُها عَلى بَعْضٍ لِما يَتَقاضاها مِنَ الشَّهْوَةِ ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ في فِعْلِكم هَذا لِلنِّساءِ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ، ومَوْضِعٌ لِطَلَبِ اللَّذَّةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ إلى الإخْبارِ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْرافِ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ إتْيانُ هَذِهِ الفاحِشَةِ الفَظِيعَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ الواقِعِينَ في هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مِنها ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ لُوطًا وأتْباعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾: أيْ ما كانَ لَهم جَوابٌ إلّا هَذا القَوْلُ المُبايِنُ لِلْإنْصافِ المُخالِفُ لِما طَلَبَهُ مِنهم وأنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإخْراجِ، ووَصْفُهم بِالتَّطَهُّرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم أرادُوا أنَّ هَؤُلاءِ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الوُقُوعِ في هَذِهِ الفاحِشَةِ فَلا يُساكِنُونا في قَرْيَتِنا، ويَحْتَمِلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أنْجى لُوطًا وأهْلَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، واسْتَثْنى امْرَأتَهُ مِنَ الأهْلِ لِكَوْنِها لَمْ تُؤْمِن بِهِ، ومَعْنى ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أنَّها كانَتْ مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ، يُقالُ: غَبَرَ الشَّيْءُ إذا مَضى، وغَبَرَ إذا بَقِيَ فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وحَكى ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: الماضِي عابِرٌ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، والباقِي غابِرٌ بِالمُعْجَمَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ.
وقالَ اَبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المُعَمَّرِينَ وكانَتْ قَدْ هَرِمَتْ، وأكْثَرَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الغابِرَ الباقِي.
قَوْلُهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ قِيلَ: أمْطَرَ بِمَعْنى إرْسالِ المَطَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطَرَ في الرَّحْمَةِ وأمْطَرَ في العَذابِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ اللَّهَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَطَرًا غَيْرَ ما يَعْتادُونَهُ وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ( الحِجْرِ: ٧٤ ) ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في هُودٍ قِصَّةُ لُوطٍ بِأبْيَنَ مِمّا هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قالَ: أدْبارَ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما كانَ بَدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَهم في هَيْئَةِ صَبِيٍّ، أجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النّاسُ، فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَسَرُوا عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ: مِن أدْبارِ الرِّجالِ ومِن أدْبارِ النِّساءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ قالَ: مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: كانَ قَوْمُ لُوطٍ أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.
الأعراف 7:81
قَوْلُهُ: ولُوطًا مَعْطُوفٌ عَلى ما سَبَقَ: أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ واذْكُرْ لُوطًا وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لُوطٌ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا أُلِيطَ بِقَلْبِي: أيْ أُلْصِقَ.
قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ لُوطًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن لُطْتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسْتُهُ بِالطِّينِ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا تُشْتَقُّ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: نُوحٌ ولُوطٌ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ إلّا أنَّها خَفِيفَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ، ولُوطٌ هو ابْنُ هارانَ بْنِ تارِخٍ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أُمَّةٍ تُسَمّى سَدُومَ.
أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ أيِ الخَصْلَةُ الفاحِشَةُ المُتَمادِيَةُ في الفُحْشِ والقُبْحِ، قالَ: ذَلِكَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ لَمْ يَفْعَلْها أحَدٌ قَبْلَكم، فَإنَّ اللِّواطَ لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لِلْعُمُومِ في النَّفْيِ، وإنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ لِما دَخَلَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَلى الخَبَرِ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ المُقْتَضِي لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى اَبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما،، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وكَذَلِكَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَعَ مَزِيدِ الِاسْتِفْهامِ وتَكْرِيرِهِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وانْتِصابُ " شَهْوَةً " عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ تَشْتَهُونَهم شَهْوَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُشْتَهِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ: أيْ لِأجْلِ الشَّهْوَةِ، وفِيهِ أنَّهُ لا غَرَضَ لَهم بِإتْيانِ هَذِهِ الفاحِشَةِ إلّا مُجَرَّدُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ غَرَضٌ يُوافِقُ العَقْلَ، فَهم في هَذا كالبَهائِمِ الَّتِي يَنْزُو بَعْضُها عَلى بَعْضٍ لِما يَتَقاضاها مِنَ الشَّهْوَةِ ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ في فِعْلِكم هَذا لِلنِّساءِ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ، ومَوْضِعٌ لِطَلَبِ اللَّذَّةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ إلى الإخْبارِ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْرافِ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ إتْيانُ هَذِهِ الفاحِشَةِ الفَظِيعَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ الواقِعِينَ في هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مِنها ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ لُوطًا وأتْباعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾: أيْ ما كانَ لَهم جَوابٌ إلّا هَذا القَوْلُ المُبايِنُ لِلْإنْصافِ المُخالِفُ لِما طَلَبَهُ مِنهم وأنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإخْراجِ، ووَصْفُهم بِالتَّطَهُّرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم أرادُوا أنَّ هَؤُلاءِ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الوُقُوعِ في هَذِهِ الفاحِشَةِ فَلا يُساكِنُونا في قَرْيَتِنا، ويَحْتَمِلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أنْجى لُوطًا وأهْلَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، واسْتَثْنى امْرَأتَهُ مِنَ الأهْلِ لِكَوْنِها لَمْ تُؤْمِن بِهِ، ومَعْنى ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أنَّها كانَتْ مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ، يُقالُ: غَبَرَ الشَّيْءُ إذا مَضى، وغَبَرَ إذا بَقِيَ فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وحَكى ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: الماضِي عابِرٌ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، والباقِي غابِرٌ بِالمُعْجَمَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ.
وقالَ اَبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المُعَمَّرِينَ وكانَتْ قَدْ هَرِمَتْ، وأكْثَرَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الغابِرَ الباقِي.
قَوْلُهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ قِيلَ: أمْطَرَ بِمَعْنى إرْسالِ المَطَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطَرَ في الرَّحْمَةِ وأمْطَرَ في العَذابِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ اللَّهَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَطَرًا غَيْرَ ما يَعْتادُونَهُ وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ( الحِجْرِ: ٧٤ ) ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في هُودٍ قِصَّةُ لُوطٍ بِأبْيَنَ مِمّا هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قالَ: أدْبارَ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما كانَ بَدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَهم في هَيْئَةِ صَبِيٍّ، أجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النّاسُ، فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَسَرُوا عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ: مِن أدْبارِ الرِّجالِ ومِن أدْبارِ النِّساءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ قالَ: مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: كانَ قَوْمُ لُوطٍ أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.
الأعراف 7:82
قَوْلُهُ: ولُوطًا مَعْطُوفٌ عَلى ما سَبَقَ: أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ واذْكُرْ لُوطًا وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لُوطٌ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا أُلِيطَ بِقَلْبِي: أيْ أُلْصِقَ.
قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ لُوطًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن لُطْتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسْتُهُ بِالطِّينِ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا تُشْتَقُّ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: نُوحٌ ولُوطٌ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ إلّا أنَّها خَفِيفَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ، ولُوطٌ هو ابْنُ هارانَ بْنِ تارِخٍ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أُمَّةٍ تُسَمّى سَدُومَ.
أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ أيِ الخَصْلَةُ الفاحِشَةُ المُتَمادِيَةُ في الفُحْشِ والقُبْحِ، قالَ: ذَلِكَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ لَمْ يَفْعَلْها أحَدٌ قَبْلَكم، فَإنَّ اللِّواطَ لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لِلْعُمُومِ في النَّفْيِ، وإنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ لِما دَخَلَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَلى الخَبَرِ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ المُقْتَضِي لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى اَبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما،، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وكَذَلِكَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَعَ مَزِيدِ الِاسْتِفْهامِ وتَكْرِيرِهِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وانْتِصابُ " شَهْوَةً " عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ تَشْتَهُونَهم شَهْوَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُشْتَهِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ: أيْ لِأجْلِ الشَّهْوَةِ، وفِيهِ أنَّهُ لا غَرَضَ لَهم بِإتْيانِ هَذِهِ الفاحِشَةِ إلّا مُجَرَّدُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ غَرَضٌ يُوافِقُ العَقْلَ، فَهم في هَذا كالبَهائِمِ الَّتِي يَنْزُو بَعْضُها عَلى بَعْضٍ لِما يَتَقاضاها مِنَ الشَّهْوَةِ ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ في فِعْلِكم هَذا لِلنِّساءِ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ، ومَوْضِعٌ لِطَلَبِ اللَّذَّةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ إلى الإخْبارِ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْرافِ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ إتْيانُ هَذِهِ الفاحِشَةِ الفَظِيعَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ الواقِعِينَ في هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مِنها ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ لُوطًا وأتْباعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾: أيْ ما كانَ لَهم جَوابٌ إلّا هَذا القَوْلُ المُبايِنُ لِلْإنْصافِ المُخالِفُ لِما طَلَبَهُ مِنهم وأنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإخْراجِ، ووَصْفُهم بِالتَّطَهُّرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم أرادُوا أنَّ هَؤُلاءِ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الوُقُوعِ في هَذِهِ الفاحِشَةِ فَلا يُساكِنُونا في قَرْيَتِنا، ويَحْتَمِلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أنْجى لُوطًا وأهْلَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، واسْتَثْنى امْرَأتَهُ مِنَ الأهْلِ لِكَوْنِها لَمْ تُؤْمِن بِهِ، ومَعْنى ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أنَّها كانَتْ مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ، يُقالُ: غَبَرَ الشَّيْءُ إذا مَضى، وغَبَرَ إذا بَقِيَ فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وحَكى ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: الماضِي عابِرٌ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، والباقِي غابِرٌ بِالمُعْجَمَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ.
وقالَ اَبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المُعَمَّرِينَ وكانَتْ قَدْ هَرِمَتْ، وأكْثَرَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الغابِرَ الباقِي.
قَوْلُهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ قِيلَ: أمْطَرَ بِمَعْنى إرْسالِ المَطَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطَرَ في الرَّحْمَةِ وأمْطَرَ في العَذابِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ اللَّهَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَطَرًا غَيْرَ ما يَعْتادُونَهُ وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ( الحِجْرِ: ٧٤ ) ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في هُودٍ قِصَّةُ لُوطٍ بِأبْيَنَ مِمّا هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قالَ: أدْبارَ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما كانَ بَدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَهم في هَيْئَةِ صَبِيٍّ، أجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النّاسُ، فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَسَرُوا عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ: مِن أدْبارِ الرِّجالِ ومِن أدْبارِ النِّساءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ قالَ: مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: كانَ قَوْمُ لُوطٍ أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.
الأعراف 7:83
قَوْلُهُ: ولُوطًا مَعْطُوفٌ عَلى ما سَبَقَ: أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ واذْكُرْ لُوطًا وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لُوطٌ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا أُلِيطَ بِقَلْبِي: أيْ أُلْصِقَ.
قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ لُوطًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن لُطْتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسْتُهُ بِالطِّينِ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا تُشْتَقُّ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: نُوحٌ ولُوطٌ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ إلّا أنَّها خَفِيفَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ، ولُوطٌ هو ابْنُ هارانَ بْنِ تارِخٍ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أُمَّةٍ تُسَمّى سَدُومَ.
أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ أيِ الخَصْلَةُ الفاحِشَةُ المُتَمادِيَةُ في الفُحْشِ والقُبْحِ، قالَ: ذَلِكَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ لَمْ يَفْعَلْها أحَدٌ قَبْلَكم، فَإنَّ اللِّواطَ لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لِلْعُمُومِ في النَّفْيِ، وإنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ لِما دَخَلَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَلى الخَبَرِ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ المُقْتَضِي لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى اَبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما،، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وكَذَلِكَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَعَ مَزِيدِ الِاسْتِفْهامِ وتَكْرِيرِهِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وانْتِصابُ " شَهْوَةً " عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ تَشْتَهُونَهم شَهْوَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُشْتَهِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ: أيْ لِأجْلِ الشَّهْوَةِ، وفِيهِ أنَّهُ لا غَرَضَ لَهم بِإتْيانِ هَذِهِ الفاحِشَةِ إلّا مُجَرَّدُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ غَرَضٌ يُوافِقُ العَقْلَ، فَهم في هَذا كالبَهائِمِ الَّتِي يَنْزُو بَعْضُها عَلى بَعْضٍ لِما يَتَقاضاها مِنَ الشَّهْوَةِ ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ في فِعْلِكم هَذا لِلنِّساءِ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ، ومَوْضِعٌ لِطَلَبِ اللَّذَّةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ إلى الإخْبارِ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْرافِ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ إتْيانُ هَذِهِ الفاحِشَةِ الفَظِيعَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ الواقِعِينَ في هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مِنها ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ لُوطًا وأتْباعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾: أيْ ما كانَ لَهم جَوابٌ إلّا هَذا القَوْلُ المُبايِنُ لِلْإنْصافِ المُخالِفُ لِما طَلَبَهُ مِنهم وأنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإخْراجِ، ووَصْفُهم بِالتَّطَهُّرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم أرادُوا أنَّ هَؤُلاءِ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الوُقُوعِ في هَذِهِ الفاحِشَةِ فَلا يُساكِنُونا في قَرْيَتِنا، ويَحْتَمِلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أنْجى لُوطًا وأهْلَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، واسْتَثْنى امْرَأتَهُ مِنَ الأهْلِ لِكَوْنِها لَمْ تُؤْمِن بِهِ، ومَعْنى ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أنَّها كانَتْ مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ، يُقالُ: غَبَرَ الشَّيْءُ إذا مَضى، وغَبَرَ إذا بَقِيَ فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وحَكى ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: الماضِي عابِرٌ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، والباقِي غابِرٌ بِالمُعْجَمَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ.
وقالَ اَبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المُعَمَّرِينَ وكانَتْ قَدْ هَرِمَتْ، وأكْثَرَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الغابِرَ الباقِي.
قَوْلُهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ قِيلَ: أمْطَرَ بِمَعْنى إرْسالِ المَطَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطَرَ في الرَّحْمَةِ وأمْطَرَ في العَذابِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ اللَّهَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَطَرًا غَيْرَ ما يَعْتادُونَهُ وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ( الحِجْرِ: ٧٤ ) ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في هُودٍ قِصَّةُ لُوطٍ بِأبْيَنَ مِمّا هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قالَ: أدْبارَ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما كانَ بَدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَهم في هَيْئَةِ صَبِيٍّ، أجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النّاسُ، فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَسَرُوا عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ: مِن أدْبارِ الرِّجالِ ومِن أدْبارِ النِّساءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ قالَ: مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: كانَ قَوْمُ لُوطٍ أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.
الأعراف 7:84
قَوْلُهُ: ولُوطًا مَعْطُوفٌ عَلى ما سَبَقَ: أيْ وأرْسَلْنا لُوطًا أوْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ واذْكُرْ لُوطًا وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: لُوطٌ مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِهِمْ: هَذا أُلِيطَ بِقَلْبِي: أيْ أُلْصِقَ.
قالَ الزَّجّاجُ: زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ لُوطًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن لُطْتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسْتُهُ بِالطِّينِ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ الأسْماءَ الأعْجَمِيَّةَ لا تُشْتَقُّ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: نُوحٌ ولُوطٌ أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ إلّا أنَّها خَفِيفَةٌ، فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ، ولُوطٌ هو ابْنُ هارانَ بْنِ تارِخٍ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أُمَّةٍ تُسَمّى سَدُومَ.
أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ أيِ الخَصْلَةُ الفاحِشَةُ المُتَمادِيَةُ في الفُحْشِ والقُبْحِ، قالَ: ذَلِكَ إنْكارًا عَلَيْهِمْ وتَوْبِيخًا لَهم ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ أيْ لَمْ يَفْعَلْها أحَدٌ قَبْلَكم، فَإنَّ اللِّواطَ لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ لِلْعُمُومِ في النَّفْيِ، وإنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ لِما دَخَلَ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ عَلى الخَبَرِ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ المُقْتَضِي لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى اَبُو عُبَيْدٍ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما،، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ القِراءَةَ الثّانِيَةَ، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ وكَذَلِكَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ مَعَ مَزِيدِ الِاسْتِفْهامِ وتَكْرِيرِهِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وانْتِصابُ " شَهْوَةً " عَلى المَصْدَرِيَّةِ: أيْ تَشْتَهُونَهم شَهْوَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُشْتَهِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ: أيْ لِأجْلِ الشَّهْوَةِ، وفِيهِ أنَّهُ لا غَرَضَ لَهم بِإتْيانِ هَذِهِ الفاحِشَةِ إلّا مُجَرَّدُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ غَرَضٌ يُوافِقُ العَقْلَ، فَهم في هَذا كالبَهائِمِ الَّتِي يَنْزُو بَعْضُها عَلى بَعْضٍ لِما يَتَقاضاها مِنَ الشَّهْوَةِ ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ في فِعْلِكم هَذا لِلنِّساءِ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ، ومَوْضِعٌ لِطَلَبِ اللَّذَّةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ إلى الإخْبارِ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الإسْرافِ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ إتْيانُ هَذِهِ الفاحِشَةِ الفَظِيعَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ الواقِعِينَ في هَذِهِ الفاحِشَةِ عَلى ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مِنها ﴿إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ لُوطًا وأتْباعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾: أيْ ما كانَ لَهم جَوابٌ إلّا هَذا القَوْلُ المُبايِنُ لِلْإنْصافِ المُخالِفُ لِما طَلَبَهُ مِنهم وأنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإخْراجِ، ووَصْفُهم بِالتَّطَهُّرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّهم أرادُوا أنَّ هَؤُلاءِ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الوُقُوعِ في هَذِهِ الفاحِشَةِ فَلا يُساكِنُونا في قَرْيَتِنا، ويَحْتَمِلُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ.
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أنْجى لُوطًا وأهْلَهُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، واسْتَثْنى امْرَأتَهُ مِنَ الأهْلِ لِكَوْنِها لَمْ تُؤْمِن بِهِ، ومَعْنى ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أنَّها كانَتْ مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ، يُقالُ: غَبَرَ الشَّيْءُ إذا مَضى، وغَبَرَ إذا بَقِيَ فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وحَكى ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: الماضِي عابِرٌ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، والباقِي غابِرٌ بِالمُعْجَمَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ.
وقالَ اَبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ المُعَمَّرِينَ وكانَتْ قَدْ هَرِمَتْ، وأكْثَرَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ الغابِرَ الباقِي.
قَوْلُهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ قِيلَ: أمْطَرَ بِمَعْنى إرْسالِ المَطَرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَطَرَ في الرَّحْمَةِ وأمْطَرَ في العَذابِ، والمَعْنى هُنا: أنَّ اللَّهَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ مَطَرًا غَيْرَ ما يَعْتادُونَهُ وهو رَمْيُهم بِالحِجارَةِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ( الحِجْرِ: ٧٤ ) ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ هَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، أوْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وسَيَأْتِي في هُودٍ قِصَّةُ لُوطٍ بِأبْيَنَ مِمّا هُنا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ قالَ: أدْبارَ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّما كانَ بَدْءُ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَهم في هَيْئَةِ صَبِيٍّ، أجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النّاسُ، فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَسَرُوا عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قالَ: مِن أدْبارِ الرِّجالِ ومِن أدْبارِ النِّساءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إلّا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ قالَ: مِنَ الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: كانَ قَوْمُ لُوطٍ أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.
الأعراف 7:85
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.
ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.
وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.
وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.
٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.
قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ
؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ
ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.
قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .
الأعراف 7:86
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.
ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.
وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.
وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.
٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.
قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ
؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ
ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.
قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .
الأعراف 7:87
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.
ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.
وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.
وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.
٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.
قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ
؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ
ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.
قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .
الأعراف 7:88
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.
ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.
وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.
وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.
٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.
قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ
؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ
ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.
قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .
الأعراف 7:89
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.
ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.
وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.
وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.
٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.
قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ
؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ
ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.
قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .
الأعراف 7:90
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.
ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.
وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.
وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.
٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.
قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ
؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ
ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.
قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .
الأعراف 7:91
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.
ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.
وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.
وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.
٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.
قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ
؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ
ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.
قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .
الأعراف 7:92
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.
ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.
وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.
وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.
٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.
قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ
؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ
ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.
قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .
الأعراف 7:93
(p-٤٨٦)قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ: أيْ وأرْسَلْنا.
ومَدْيَنُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ والأوَّلُ أوْلى، وسُمِّيَتِ القَبِيلَةُ بِاسْمِ أبِيهِمْ: وهو مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ كَما يُقالُ: بَكْرٌ وتَمِيمٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ شُعَيْبٌ عَطْفُ بَيانٍ، وهو شُعَيْبُ بْنُ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ عَطاءٌ وابْنُ إسْحاقَ، وغَيْرُهُما.
وقالَ الشُّرَفِيُّ بْنُ القَطّامِيِّ: إنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ عَيْفاءَ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وزَعَمَ ابْنُ سَمْعانَ أنَّهُ شُعَيْبُ بْنُ حُرَّةَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ.
وقالَ قَتادَةُ: هو شُعَيْبُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ عَيْفاءَ بْنِ ثابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ ياقَوْمِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ في قِصَّةِ نُوحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أمَرَهم بِإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ مُعامَلَةٍ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، وكانُوا لا يُوَفُّونَهُما، وذَكَرَ الكَيْلَ الَّذِي هو المَصْدَرُ وعَطَفَ عَلَيْهِ المِيزانَ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْآلَةِ.
واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: المُرادُ بِالكَيْلِ المِكْيالُ فَتَناسَبَ عَطْفُ المِيزانِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمِيزانِ الوَزْنُ فَيُناسِبُ الكَيْلَ، والفاءُ في فَأوْفُوا لِلْعَطْفِ عَلى اعْبُدُوا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ البَخْسُ النَّقْصُ وهو يَكُونُ بِالتَّعْيِيبِ لِلسِّلْعَةِ أوِ التَّزْهِيدِ فِيها أوِ المُخادَعَةِ لِصاحِبِها والِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ وظاهِرُ قَوْلِهِ: أشْياءَهم أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في كُلِّ الأشْياءِ، وقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ يَمْكِسُونَ كُلَّ ما دَخَلَ إلى أسْواقِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ قَرِيبًا ويَدْخُلُ تَحْتَهُ قَلِيلُ الفَسادِ وكَثِيرُهُ ودَقِيقُهُ وجَلِيلُهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكم إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاهم عَنْهُ، والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ هُنا الزِّيادَةُ المُطْلَقَةُ، لِأنَّهُ لا خَيْرَ في عَدَمِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وفي بَخْسِ النّاسِ وفي الفَسادِ في الأرْضِ أصْلًا.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ الصِّراطُ: الطَّرِيقُ: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ النّاسَ بِالعَذابِ، قِيلَ: كانُوا يَقْعُدُونَ في الطُّرُقاتِ المُفْضِيَةِ إلى شُعَيْبٍ، فَيَتَوَعَّدُونَ مَن أرادَ المَجِيءَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ كَذّابٌ فَلا تَذْهَبْ إلَيْهِ كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهم، وقِيلَ: المُرادُ القُعُودُ عَلى طُرُقِ الدِّينِ ومَنعُ مَن أرادَ سُلُوكَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القُعُودَ عَلى الطُّرُقِ حَقِيقَةً، ويُؤَيِّدُهُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وأخْذِ السَّلْبِ، وكانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا عَشّارِينَ يَأْخُذُونَ الجِبايَةَ في الطُّرُقِ مِن أمْوالِ النّاسِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُها إلى الصَّوابِ مَعَ أنَّهُ لا مانِعَ مِن حَمْلِ النَّهْيِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ.
وجُمْلَةُ تُوعِدُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها: أيْ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوعِدِينَ لِأهْلِهِ صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ باغِينَ لَها عِوَجًا، والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: صَدُّ النّاسِ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، ومَنعُهم مِنَ الوُصُولِ إلى شُعَيْبٍ، فَإنَّ سُلُوكَ النّاسِ في ذَلِكَ السَّبِيلِ لِلْوُصُولِ إلى نَبِيِّ اللَّهِ هو سُلُوكُ سَبِيلِ اللَّهِ، و﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ، والضَّمِيرُ في آمَنَ بِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أوْ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ إلى كُلِّ صِراطٍ، أوْ إلى شُعَيْبٍ، ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ تَطْلُبُونَ سَبِيلَ اللَّهِ أنْ تَكُونَ مُعْوَجَّةً غَيْرَ مُسْتَقِيمَةٍ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى العِوَجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: كَسْرُ العَيْنِ في المَعانِي وفَتْحُها في الإحْرامِ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ﴾ أيْ وقْتَ كُنْتُمْ قَلِيلًا عَدَدُكم فَكَثَّرَكم بِالنَّسْلِ، وقِيلَ: كُنْتُمْ فُقَراءَ فَأغْناكم ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَإنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم وأنْزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ ما ذَهَبَ بِهِمْ ومَحا أثَرَهم.
﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إلَيْكم مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم وطائِفَةٌ مِنكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا مِن بابِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ لَهم ولَيْسَ هو مِن بابِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الكُفْرِ.
وحُكْمُ اللَّهِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ هو نَصْرُ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ( التَّوْبَةِ: ٥٢ ) أوْ هو أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَحِلُّ بِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ حَتّى يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ قالَ: الأشْرافُ المُسْتَكْبِرُونَ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ لَمْ يَكْتَفُوا بِتَرْكِ الإيمانِ والتَّمَرُّدِ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ بَغْيًا وبَطَرًا وأشَرًا إلى تَوَعُّدِ نَبِيِّهِمْ ومَن آمَنَ بِهِ بِالإخْراجِ مِن قَرْيَتِهِمْ أوْ عَوْدِهِ هو ومَن مَعَهُ في مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ: أيْ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الإخْراجُ، أوِ العَوْدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَوْدُ بِمَعْنى الِابْتِداءِ، يُقالُ: عادَ إلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: أيْ صارَ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: كَيْفَ يَكُونُ شُعَيْبٌ عَلى مِلَّتِهِمُ الكُفْرِيَّةِ مِن قَبْلِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا ؟ ويَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِتَغْلِيبِ قَوْمِهِ المُتَّبِعِينَ لَهُ عَلَيْهِ في الخِطابِ بِالعَوْدِ إلى مِلَّتِهِمْ، (p-٤٨٧)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ وُقُوعِ ما طَلَبُوهُ مِنَ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، والواوُ لِلْحالِ: أيْ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْعَوْدِ إلَيْها، أوْ أتُخْرِجُونَنا مِن قَرْيَتِكم في حالِ كَراهَتِنا لِلْخُرُوجِ مِنها، أوْ في حالِ كَراهَتِنا لِلْأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والمَعْنى: إنَّهُ لَيْسَ لَكم أنْ تُكْرِهُونا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ ولا يَصِحُّ لَكم ذَلِكَ، فَإنَّ المُكْرَهَ لا اخْتِيارَ لَهُ ولا تُعَدُّ مُوافَقَتُهُ مُكْرَهًا مُوافَقَةً ولا عَوْدُهُ إلى مِلَّتِكم مُكْرَهًا عَوْدًا، وبِهَذا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ ما اسْتَشْكَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَتّى تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَطْوِيلُ ذُيُولِ الكَلامِ.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ بِالإيمانِ فَلا يَكُونُ مِنّا عَوْدٌ إلَيْها أصْلًا ﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ ما يَصِحُّ لَنا ولا يَسْتَقِيمُ ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ ما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: وهَذا قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَكُونُ مِنّا العَوْدُ إلى الكُفْرِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا عَلى جِهَةِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ ( هُودٍ: ٨٨ ) وقِيلَ: هو كَقَوْلِهِمْ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبِيضَ الغُرابُ، وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، والغُرابُ لا يَبِيضُ، والجَمَلُ لا يَلِجُ، فَهو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ.
﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ، وعِلْمًا مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: المَعْنى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنْ كَرِهْتُمْ مُجاوَرَتَنا لَكم ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ عَوْدَنا إلَيْها ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ أيْ عَلَيْهِ اعْتَمَدْنا في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى الإيمانِ، ويَحُولَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكُفْرِ وأهْلِهِ ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ ويَعْصِمَنا مِن نِقْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ الفُتاحَةُ الحُكُومَةُ أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الحاكِمِينَ، دَعَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم ولا يَكُونُ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ إلّا بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ: كَما أخْبَرَنا بِهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ فَكَأنَّهم طَلَبُوا نُزُولَ العَذابِ بِالكافِرِينَ وحُلُولَ نِقْمَةِ اللَّهِ بِهِمْ.
﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ هم أُولَئِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهم مِن طَوائِفِ الكُفّارِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ، واللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ مُوَطِّئَةٌ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ: أيْ دَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وخُسْرانُهم: هَلاكُهم أوْ ما يَخْسَرُونَهُ بِسَبَبِ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ وتَرْكِ التَّطْفِيفِ الَّذِي كانُوا يُعامِلُونَ النّاسَ بِهِ.
٩١ - ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ، وقِيلَ: الصَّيْحَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ( هُودٍ: ٩٤ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ صالِحٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، وكَأنْ لَمْ يَغْنَوْا خَبَرُهُ: يُقالُ، غَنَيْتُ بِالمَكانِ إذا أقَمْتُ بِهِ، وغَنِيَ القَوْمُ في دارِهِمْ أيْ طالَ مُقامُهم فِيها والمَغْنى: المَنزِلُ، والجَمْعُ المَغانِي.
قالَ حاتِمٌ الطّائِيُّ:
؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ ∗∗∗ والغِنى وكُلًّا سَقاناهُ بِكاسَيْهِما الدَّهْرُ
؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِإحْسانِنا الفَقْرُ
ومَعْنى الآيَةِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شَعَيْبًا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اسْتَأْصَلَهم بِالعَذابِ، والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كالأُولى مُتَضَمِّنَةٌ لِبَيانِ خُسْرانِ القَوْمِ المُكَذِّبِينَ.
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ شُعَيْبٌ لَمّا شاهَدَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ ﴿وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ الَّتِي أرْسَلَنِي بِها إلَيْكم ﴿ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِبَيانٍ ما فِيهِ سَلامَةُ دِينِكم ودُنْياكم ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أيْ أحْزَنُ ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ مُتَمَرِّدِينَ عَنِ الإجابَةِ، أوِ الأسى شِدَّةُ الحُزْنِ، آسى عَلى ذَلِكَ فَهو آسٍ.
قالَ شُعَيْبٌ هَذِهِ المَقالَةَ تَحَسُّرًا عَلى عَدَمِ إيمانِ قَوْمِهِ، ثُمَّ سَلّا نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَيْفَ يَقَعُ مِنهُ الأسى عَلى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْحُزْنِ عَلَيْهِمْ لِكَفْرِهِمْ بِاللَّهِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدَّيِّ، قالا: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا: مَرَّةً إلى مَدِينَ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوا النّاسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ قالَ: لا تَظْلِمُوهم ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يُوعِدُونَ مَن أتى شُعَيْبًا وغَشِيَهُ وأرادَ الإسْلامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَجْلِسُونَ في الطَّرِيقِ فَيُخْبِرُونَ مَن أتى عَلَيْهِمْ أنَّ شُعَيْبًا كَذّابٌ فَلا يَفْتِنَنَّكم عَنْ دِينِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: بِكُلِّ سَبِيلِ حَقٍّ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ أهْلَها ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ قالَ: تَلْتَمِسُونَ لَها الزَّيْغَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ قالَ: هو العاشِرُ ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: تَصُدُّونَ عَنِ الإسْلامِ وتَبْغُونَها عِوَجًا قالَ: هَلاكًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم العِشارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ غَيْرِهِ: شَكَّ أبُو العالِيَةِ قالَ: «أتى النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يَمُرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ قالَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ ثُمَّ تَلا» ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ . .
وأخْرَجَ ابْنُ (p-٤٨٨)جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها﴾ قالَ: ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعُودَ في شِرْكِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ واللَّهُ لا يَشاءُ الشِّرْكَ، ولَكِنْ يَقُولُ: إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ شَيْئًا، فَإنَّهُ قَدْ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: ما كُنْتُ أدْرِي ما قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ حَتّى سَمِعْتُ ابْنَةَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ: تَعالَ أُفاتِحُكَ، تَعْنِي أُقاضِيكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ﴾ يَقُولُ: اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: الفَتْحُ القَضاءُ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ إذا قالَ أحَدُهم: تَعالَ أُقاضِيكَ القَضاءَ قالَ: تَعالَ أُفاتِحُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ قالَ: لَمْ يَعِيشُوا فِيها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ قالَ: أحْزَنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْرانِ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُما، قَبْرُ إسْماعِيلَ وقَبْرُ شُعَيْبٍ فَقَبْرُ إسْماعِيلَ في الحِجْرِ، وقَبْرُ شُعَيْبٍ مُقابِلَ الحَجَرِ الأسْوَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ شُعَيْبًا ماتَ بِمَكَّةَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ دارِ النَّدْوَةِ وبَيْنَ بابِ بَنِي سَهْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ: ذَكَرَ لِي يَعْقُوبُ بْنُ أبِي مَسْلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا ذَكَرَ شُعَيْبًا قالَ: ذاكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ فِيما يُرِيدُهم بِهِ، فَلَمّا كَذَّبُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ والنَّفْيِ مِن بِلادِهِمْ وعَتَوْا عَلى اللَّهِ أخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ» .
الأعراف 7:94
قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ لَمّا فَصَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ سابِقًا أجْمَلَ حالَ سائِرِ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْها: أيْ وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ أيْ فَكَذَّبَ أهْلُها إلّا أخَذْناهم، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ ما أرْسَلْنا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أخْذِنا أهْلَها فَمَحَلُّ أخَذْنا النَّصْبُ، والبَأْساءُ: البُؤْسُ والفَقْرُ، والضَّرّاءُ: الضُّرُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ أيْ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، فَيَدَعُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أخَذْنا: أيْ ثُمَّ بَعْدَ الأخْذِ لِأهْلِ القُرى بَدَّلْناهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ الَّتِي أصَبْناهم بِها مِنَ البَلاءِ والِامْتِحانِ الحَسَنَةَ أيِ الخَصْلَةَ الحَسَنَةَ: فَصارُوا في خَيْرٍ وسَعَةٍ وأمْنٍ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يُقالُ: عَفا كَثُرَ، وعَفا دَرَسَ، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، والمُرادُ هُنا: أنَّهم كَثُرُوا في أنْفُسِهِمْ وفي أمْوالِهِمْ: أيْ أعْطَيْناهُمُ الحَسَنَةَ مَكانَ السَّيِّئَةِ حَتّى كَثُرُوا ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ صارُوا في الحَسَنَةِ بَعْدَ السَّيِّئَةِ: أيْ أنَّ هَذا الَّذِي مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ مِنَ الرَّخاءِ والخِصْبِ مِن بَعْدُ هو أمْرٌ وقَعَ لِآبائِنا قَبْلَنا مِثْلُهُ، فَمَسَّهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما مَسَّنا ومِنَ النِّعْمَةِ والخَيْرِ ما نِلْناهُ، ومَعْناهم: أنَّ هَذِهِ العادَةَ الجارِيَةَ في السَّلَفِ والخَلَفِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ابْتِلاءً لَهم واخْتِبارًا لِما عِنْدَهم، وفي هَذا مِن شِدَّةِ عِنادِهِمْ وقُوَّةِ تَمَرُّدِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى، ولِهَذا عاجَلَهُمُ اللَّهُ بِالعُقُوبَةِ ولَمْ يُمْهِلْهم فَقالَ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَقِبَ أنْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِن دُونِ تَراخٍ ولا إمْهالٍ والحالُ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ولا يَتَرَقَّبُونَهُ.
واللّامُ في القُرى لِلْعَهْدِ: أيْ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ الَّتِي أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا آمَنُوا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ واتَّقَوْا ما صَمَّمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ يَسَّرْنا لَهم خَيْرَ السَّماءِ والأرْضِ كَما يَحْصُلُ التَّيْسِيرُ لِلْأبْوابِ المُغْلَقَةِ بِفَتْحِ أبْوابِها، قِيلَ: المُرادُ بِخَيْرِ السَّماءِ: المَطَرُ، وخَيْرِ الأرْضِ: النَّباتُ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في القُرى لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: لَوْ أنَّ أهْلَ القُرى أيْنَ كانُوا وفي أيِّ بِلادٍ سَكَنُوا آمَنُوا واتَّقَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ بِالآياتِ والأنْبِياءِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولا اتَّقَوْا فَأخَذْناهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِعَذابِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأهْلُ القُرى هم أهْلُ القُرى المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ، وهو مِثْلُ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٥٠ )، وقِيلَ: المُرادُ بِالقُرى مَكَّةُ وما حَوْلَها لِتَكْذِيبِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ، وهو اللَّيْلُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: بِمَعْنى تَبْيِيتًا، أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُبَيَّتِينَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ كالِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ، والضُّحى ضَحْوَةُ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِضَوْءِ الشَّمْسِ إذا أشْرَقَتْ وارْتَفَعَتْ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَرَمِيّانِ أوْأمِنَ " بِإسْكانِ الواوِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٨٩)فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَشْتَغِلُونَ بِما لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفائِدَةٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِ ما لا يُؤْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ وعُقُوبَتِهِ لَهم، وفي تَكْرِيرِ هَذا الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِإنْكارِ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن أمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ أفْرَطُوا في الخُسْرانِ، ووَقَعُوا في وعِيدِهِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا هو اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قُرِئَ " نَهْدِ " بِالنُّونِ وبِالتَّحْتِيَّةِ فَعَلى القِراءَةِ بِالنُّونِ يَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ومَفْعُولُ الفِعْلِ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ هو هَذا، وعَلى القِراءَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ يَكُونُ فاعِلُ يَهْدِ هو ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أخَذْناهم بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، والهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، ولِهَذا عُدِّيَتْ بِاللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أصَبْنا لِأنَّهم مِمَّنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى يَرِثُونَ، قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ جَوابُ لَوْ: أيْ صارُوا بِسَبَبِ إصابَتِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْظِ والإعْذارِ والإنْذارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ قالَ: مَكانَ الشِّدَّةِ الرَّخاءَ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ أمْوالُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: جَمُّوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ قالَ: قالُوا: قَدْ أتى عَلى آبائِنا مِثْلُ هَذا فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ قالَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ واتَّقَوْا قالَ: ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: أعْطَتْهُمُ السَّماءُ بِرْكَتَها والأرْضُ نَباتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ مُوسى الطّائِفِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وأخْرَجَهُ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، قالَ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ حَرامٍ قالَ: صَلَّيْتُ القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وسَخَّرَ لَهُ بَرَكاتِ الأرْضِ، ومَن تَتَبَّعُ ما يَسْقُطُ مِنَ السُّفْرَةِ غُفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ أهْلُ قَرْيَةٍ أوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتّى كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالخُبْزِ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قالَ: المُشْرِكُونَ.
الأعراف 7:95
قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ لَمّا فَصَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ سابِقًا أجْمَلَ حالَ سائِرِ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْها: أيْ وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ أيْ فَكَذَّبَ أهْلُها إلّا أخَذْناهم، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ ما أرْسَلْنا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أخْذِنا أهْلَها فَمَحَلُّ أخَذْنا النَّصْبُ، والبَأْساءُ: البُؤْسُ والفَقْرُ، والضَّرّاءُ: الضُّرُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ أيْ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، فَيَدَعُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أخَذْنا: أيْ ثُمَّ بَعْدَ الأخْذِ لِأهْلِ القُرى بَدَّلْناهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ الَّتِي أصَبْناهم بِها مِنَ البَلاءِ والِامْتِحانِ الحَسَنَةَ أيِ الخَصْلَةَ الحَسَنَةَ: فَصارُوا في خَيْرٍ وسَعَةٍ وأمْنٍ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يُقالُ: عَفا كَثُرَ، وعَفا دَرَسَ، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، والمُرادُ هُنا: أنَّهم كَثُرُوا في أنْفُسِهِمْ وفي أمْوالِهِمْ: أيْ أعْطَيْناهُمُ الحَسَنَةَ مَكانَ السَّيِّئَةِ حَتّى كَثُرُوا ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ صارُوا في الحَسَنَةِ بَعْدَ السَّيِّئَةِ: أيْ أنَّ هَذا الَّذِي مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ مِنَ الرَّخاءِ والخِصْبِ مِن بَعْدُ هو أمْرٌ وقَعَ لِآبائِنا قَبْلَنا مِثْلُهُ، فَمَسَّهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما مَسَّنا ومِنَ النِّعْمَةِ والخَيْرِ ما نِلْناهُ، ومَعْناهم: أنَّ هَذِهِ العادَةَ الجارِيَةَ في السَّلَفِ والخَلَفِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ابْتِلاءً لَهم واخْتِبارًا لِما عِنْدَهم، وفي هَذا مِن شِدَّةِ عِنادِهِمْ وقُوَّةِ تَمَرُّدِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى، ولِهَذا عاجَلَهُمُ اللَّهُ بِالعُقُوبَةِ ولَمْ يُمْهِلْهم فَقالَ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَقِبَ أنْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِن دُونِ تَراخٍ ولا إمْهالٍ والحالُ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ولا يَتَرَقَّبُونَهُ.
واللّامُ في القُرى لِلْعَهْدِ: أيْ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ الَّتِي أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا آمَنُوا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ واتَّقَوْا ما صَمَّمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ يَسَّرْنا لَهم خَيْرَ السَّماءِ والأرْضِ كَما يَحْصُلُ التَّيْسِيرُ لِلْأبْوابِ المُغْلَقَةِ بِفَتْحِ أبْوابِها، قِيلَ: المُرادُ بِخَيْرِ السَّماءِ: المَطَرُ، وخَيْرِ الأرْضِ: النَّباتُ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في القُرى لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: لَوْ أنَّ أهْلَ القُرى أيْنَ كانُوا وفي أيِّ بِلادٍ سَكَنُوا آمَنُوا واتَّقَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ بِالآياتِ والأنْبِياءِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولا اتَّقَوْا فَأخَذْناهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِعَذابِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأهْلُ القُرى هم أهْلُ القُرى المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ، وهو مِثْلُ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٥٠ )، وقِيلَ: المُرادُ بِالقُرى مَكَّةُ وما حَوْلَها لِتَكْذِيبِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ، وهو اللَّيْلُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: بِمَعْنى تَبْيِيتًا، أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُبَيَّتِينَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ كالِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ، والضُّحى ضَحْوَةُ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِضَوْءِ الشَّمْسِ إذا أشْرَقَتْ وارْتَفَعَتْ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَرَمِيّانِ أوْأمِنَ " بِإسْكانِ الواوِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٨٩)فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَشْتَغِلُونَ بِما لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفائِدَةٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِ ما لا يُؤْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ وعُقُوبَتِهِ لَهم، وفي تَكْرِيرِ هَذا الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِإنْكارِ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن أمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ أفْرَطُوا في الخُسْرانِ، ووَقَعُوا في وعِيدِهِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا هو اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قُرِئَ " نَهْدِ " بِالنُّونِ وبِالتَّحْتِيَّةِ فَعَلى القِراءَةِ بِالنُّونِ يَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ومَفْعُولُ الفِعْلِ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ هو هَذا، وعَلى القِراءَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ يَكُونُ فاعِلُ يَهْدِ هو ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أخَذْناهم بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، والهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، ولِهَذا عُدِّيَتْ بِاللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أصَبْنا لِأنَّهم مِمَّنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى يَرِثُونَ، قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ جَوابُ لَوْ: أيْ صارُوا بِسَبَبِ إصابَتِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْظِ والإعْذارِ والإنْذارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ قالَ: مَكانَ الشِّدَّةِ الرَّخاءَ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ أمْوالُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: جَمُّوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ قالَ: قالُوا: قَدْ أتى عَلى آبائِنا مِثْلُ هَذا فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ قالَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ واتَّقَوْا قالَ: ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: أعْطَتْهُمُ السَّماءُ بِرْكَتَها والأرْضُ نَباتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ مُوسى الطّائِفِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وأخْرَجَهُ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، قالَ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ حَرامٍ قالَ: صَلَّيْتُ القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وسَخَّرَ لَهُ بَرَكاتِ الأرْضِ، ومَن تَتَبَّعُ ما يَسْقُطُ مِنَ السُّفْرَةِ غُفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ أهْلُ قَرْيَةٍ أوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتّى كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالخُبْزِ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قالَ: المُشْرِكُونَ.
الأعراف 7:96
قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ لَمّا فَصَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ سابِقًا أجْمَلَ حالَ سائِرِ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْها: أيْ وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ أيْ فَكَذَّبَ أهْلُها إلّا أخَذْناهم، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ ما أرْسَلْنا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أخْذِنا أهْلَها فَمَحَلُّ أخَذْنا النَّصْبُ، والبَأْساءُ: البُؤْسُ والفَقْرُ، والضَّرّاءُ: الضُّرُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ أيْ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، فَيَدَعُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أخَذْنا: أيْ ثُمَّ بَعْدَ الأخْذِ لِأهْلِ القُرى بَدَّلْناهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ الَّتِي أصَبْناهم بِها مِنَ البَلاءِ والِامْتِحانِ الحَسَنَةَ أيِ الخَصْلَةَ الحَسَنَةَ: فَصارُوا في خَيْرٍ وسَعَةٍ وأمْنٍ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يُقالُ: عَفا كَثُرَ، وعَفا دَرَسَ، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، والمُرادُ هُنا: أنَّهم كَثُرُوا في أنْفُسِهِمْ وفي أمْوالِهِمْ: أيْ أعْطَيْناهُمُ الحَسَنَةَ مَكانَ السَّيِّئَةِ حَتّى كَثُرُوا ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ صارُوا في الحَسَنَةِ بَعْدَ السَّيِّئَةِ: أيْ أنَّ هَذا الَّذِي مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ مِنَ الرَّخاءِ والخِصْبِ مِن بَعْدُ هو أمْرٌ وقَعَ لِآبائِنا قَبْلَنا مِثْلُهُ، فَمَسَّهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما مَسَّنا ومِنَ النِّعْمَةِ والخَيْرِ ما نِلْناهُ، ومَعْناهم: أنَّ هَذِهِ العادَةَ الجارِيَةَ في السَّلَفِ والخَلَفِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ابْتِلاءً لَهم واخْتِبارًا لِما عِنْدَهم، وفي هَذا مِن شِدَّةِ عِنادِهِمْ وقُوَّةِ تَمَرُّدِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى، ولِهَذا عاجَلَهُمُ اللَّهُ بِالعُقُوبَةِ ولَمْ يُمْهِلْهم فَقالَ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَقِبَ أنْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِن دُونِ تَراخٍ ولا إمْهالٍ والحالُ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ولا يَتَرَقَّبُونَهُ.
واللّامُ في القُرى لِلْعَهْدِ: أيْ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ الَّتِي أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا آمَنُوا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ واتَّقَوْا ما صَمَّمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ يَسَّرْنا لَهم خَيْرَ السَّماءِ والأرْضِ كَما يَحْصُلُ التَّيْسِيرُ لِلْأبْوابِ المُغْلَقَةِ بِفَتْحِ أبْوابِها، قِيلَ: المُرادُ بِخَيْرِ السَّماءِ: المَطَرُ، وخَيْرِ الأرْضِ: النَّباتُ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في القُرى لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: لَوْ أنَّ أهْلَ القُرى أيْنَ كانُوا وفي أيِّ بِلادٍ سَكَنُوا آمَنُوا واتَّقَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ بِالآياتِ والأنْبِياءِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولا اتَّقَوْا فَأخَذْناهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِعَذابِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأهْلُ القُرى هم أهْلُ القُرى المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ، وهو مِثْلُ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٥٠ )، وقِيلَ: المُرادُ بِالقُرى مَكَّةُ وما حَوْلَها لِتَكْذِيبِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ، وهو اللَّيْلُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: بِمَعْنى تَبْيِيتًا، أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُبَيَّتِينَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ كالِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ، والضُّحى ضَحْوَةُ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِضَوْءِ الشَّمْسِ إذا أشْرَقَتْ وارْتَفَعَتْ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَرَمِيّانِ أوْأمِنَ " بِإسْكانِ الواوِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٨٩)فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَشْتَغِلُونَ بِما لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفائِدَةٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِ ما لا يُؤْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ وعُقُوبَتِهِ لَهم، وفي تَكْرِيرِ هَذا الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِإنْكارِ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن أمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ أفْرَطُوا في الخُسْرانِ، ووَقَعُوا في وعِيدِهِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا هو اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قُرِئَ " نَهْدِ " بِالنُّونِ وبِالتَّحْتِيَّةِ فَعَلى القِراءَةِ بِالنُّونِ يَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ومَفْعُولُ الفِعْلِ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ هو هَذا، وعَلى القِراءَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ يَكُونُ فاعِلُ يَهْدِ هو ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أخَذْناهم بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، والهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، ولِهَذا عُدِّيَتْ بِاللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أصَبْنا لِأنَّهم مِمَّنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى يَرِثُونَ، قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ جَوابُ لَوْ: أيْ صارُوا بِسَبَبِ إصابَتِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْظِ والإعْذارِ والإنْذارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ قالَ: مَكانَ الشِّدَّةِ الرَّخاءَ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ أمْوالُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: جَمُّوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ قالَ: قالُوا: قَدْ أتى عَلى آبائِنا مِثْلُ هَذا فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ قالَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ واتَّقَوْا قالَ: ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: أعْطَتْهُمُ السَّماءُ بِرْكَتَها والأرْضُ نَباتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ مُوسى الطّائِفِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وأخْرَجَهُ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، قالَ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ حَرامٍ قالَ: صَلَّيْتُ القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وسَخَّرَ لَهُ بَرَكاتِ الأرْضِ، ومَن تَتَبَّعُ ما يَسْقُطُ مِنَ السُّفْرَةِ غُفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ أهْلُ قَرْيَةٍ أوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتّى كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالخُبْزِ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قالَ: المُشْرِكُونَ.
الأعراف 7:97
قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ لَمّا فَصَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ سابِقًا أجْمَلَ حالَ سائِرِ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْها: أيْ وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ أيْ فَكَذَّبَ أهْلُها إلّا أخَذْناهم، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ ما أرْسَلْنا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أخْذِنا أهْلَها فَمَحَلُّ أخَذْنا النَّصْبُ، والبَأْساءُ: البُؤْسُ والفَقْرُ، والضَّرّاءُ: الضُّرُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ أيْ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، فَيَدَعُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أخَذْنا: أيْ ثُمَّ بَعْدَ الأخْذِ لِأهْلِ القُرى بَدَّلْناهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ الَّتِي أصَبْناهم بِها مِنَ البَلاءِ والِامْتِحانِ الحَسَنَةَ أيِ الخَصْلَةَ الحَسَنَةَ: فَصارُوا في خَيْرٍ وسَعَةٍ وأمْنٍ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يُقالُ: عَفا كَثُرَ، وعَفا دَرَسَ، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، والمُرادُ هُنا: أنَّهم كَثُرُوا في أنْفُسِهِمْ وفي أمْوالِهِمْ: أيْ أعْطَيْناهُمُ الحَسَنَةَ مَكانَ السَّيِّئَةِ حَتّى كَثُرُوا ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ صارُوا في الحَسَنَةِ بَعْدَ السَّيِّئَةِ: أيْ أنَّ هَذا الَّذِي مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ مِنَ الرَّخاءِ والخِصْبِ مِن بَعْدُ هو أمْرٌ وقَعَ لِآبائِنا قَبْلَنا مِثْلُهُ، فَمَسَّهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما مَسَّنا ومِنَ النِّعْمَةِ والخَيْرِ ما نِلْناهُ، ومَعْناهم: أنَّ هَذِهِ العادَةَ الجارِيَةَ في السَّلَفِ والخَلَفِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ابْتِلاءً لَهم واخْتِبارًا لِما عِنْدَهم، وفي هَذا مِن شِدَّةِ عِنادِهِمْ وقُوَّةِ تَمَرُّدِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى، ولِهَذا عاجَلَهُمُ اللَّهُ بِالعُقُوبَةِ ولَمْ يُمْهِلْهم فَقالَ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَقِبَ أنْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِن دُونِ تَراخٍ ولا إمْهالٍ والحالُ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ولا يَتَرَقَّبُونَهُ.
واللّامُ في القُرى لِلْعَهْدِ: أيْ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ الَّتِي أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا آمَنُوا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ واتَّقَوْا ما صَمَّمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ يَسَّرْنا لَهم خَيْرَ السَّماءِ والأرْضِ كَما يَحْصُلُ التَّيْسِيرُ لِلْأبْوابِ المُغْلَقَةِ بِفَتْحِ أبْوابِها، قِيلَ: المُرادُ بِخَيْرِ السَّماءِ: المَطَرُ، وخَيْرِ الأرْضِ: النَّباتُ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في القُرى لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: لَوْ أنَّ أهْلَ القُرى أيْنَ كانُوا وفي أيِّ بِلادٍ سَكَنُوا آمَنُوا واتَّقَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ بِالآياتِ والأنْبِياءِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولا اتَّقَوْا فَأخَذْناهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِعَذابِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأهْلُ القُرى هم أهْلُ القُرى المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ، وهو مِثْلُ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٥٠ )، وقِيلَ: المُرادُ بِالقُرى مَكَّةُ وما حَوْلَها لِتَكْذِيبِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ، وهو اللَّيْلُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: بِمَعْنى تَبْيِيتًا، أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُبَيَّتِينَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ كالِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ، والضُّحى ضَحْوَةُ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِضَوْءِ الشَّمْسِ إذا أشْرَقَتْ وارْتَفَعَتْ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَرَمِيّانِ أوْأمِنَ " بِإسْكانِ الواوِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٨٩)فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَشْتَغِلُونَ بِما لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفائِدَةٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِ ما لا يُؤْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ وعُقُوبَتِهِ لَهم، وفي تَكْرِيرِ هَذا الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِإنْكارِ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن أمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ أفْرَطُوا في الخُسْرانِ، ووَقَعُوا في وعِيدِهِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا هو اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قُرِئَ " نَهْدِ " بِالنُّونِ وبِالتَّحْتِيَّةِ فَعَلى القِراءَةِ بِالنُّونِ يَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ومَفْعُولُ الفِعْلِ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ هو هَذا، وعَلى القِراءَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ يَكُونُ فاعِلُ يَهْدِ هو ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أخَذْناهم بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، والهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، ولِهَذا عُدِّيَتْ بِاللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أصَبْنا لِأنَّهم مِمَّنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى يَرِثُونَ، قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ جَوابُ لَوْ: أيْ صارُوا بِسَبَبِ إصابَتِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْظِ والإعْذارِ والإنْذارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ قالَ: مَكانَ الشِّدَّةِ الرَّخاءَ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ أمْوالُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: جَمُّوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ قالَ: قالُوا: قَدْ أتى عَلى آبائِنا مِثْلُ هَذا فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ قالَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ واتَّقَوْا قالَ: ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: أعْطَتْهُمُ السَّماءُ بِرْكَتَها والأرْضُ نَباتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ مُوسى الطّائِفِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وأخْرَجَهُ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، قالَ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ حَرامٍ قالَ: صَلَّيْتُ القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وسَخَّرَ لَهُ بَرَكاتِ الأرْضِ، ومَن تَتَبَّعُ ما يَسْقُطُ مِنَ السُّفْرَةِ غُفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ أهْلُ قَرْيَةٍ أوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتّى كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالخُبْزِ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قالَ: المُشْرِكُونَ.
الأعراف 7:98
قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ لَمّا فَصَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ سابِقًا أجْمَلَ حالَ سائِرِ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْها: أيْ وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ أيْ فَكَذَّبَ أهْلُها إلّا أخَذْناهم، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ ما أرْسَلْنا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أخْذِنا أهْلَها فَمَحَلُّ أخَذْنا النَّصْبُ، والبَأْساءُ: البُؤْسُ والفَقْرُ، والضَّرّاءُ: الضُّرُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ أيْ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، فَيَدَعُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أخَذْنا: أيْ ثُمَّ بَعْدَ الأخْذِ لِأهْلِ القُرى بَدَّلْناهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ الَّتِي أصَبْناهم بِها مِنَ البَلاءِ والِامْتِحانِ الحَسَنَةَ أيِ الخَصْلَةَ الحَسَنَةَ: فَصارُوا في خَيْرٍ وسَعَةٍ وأمْنٍ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يُقالُ: عَفا كَثُرَ، وعَفا دَرَسَ، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، والمُرادُ هُنا: أنَّهم كَثُرُوا في أنْفُسِهِمْ وفي أمْوالِهِمْ: أيْ أعْطَيْناهُمُ الحَسَنَةَ مَكانَ السَّيِّئَةِ حَتّى كَثُرُوا ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ صارُوا في الحَسَنَةِ بَعْدَ السَّيِّئَةِ: أيْ أنَّ هَذا الَّذِي مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ مِنَ الرَّخاءِ والخِصْبِ مِن بَعْدُ هو أمْرٌ وقَعَ لِآبائِنا قَبْلَنا مِثْلُهُ، فَمَسَّهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما مَسَّنا ومِنَ النِّعْمَةِ والخَيْرِ ما نِلْناهُ، ومَعْناهم: أنَّ هَذِهِ العادَةَ الجارِيَةَ في السَّلَفِ والخَلَفِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ابْتِلاءً لَهم واخْتِبارًا لِما عِنْدَهم، وفي هَذا مِن شِدَّةِ عِنادِهِمْ وقُوَّةِ تَمَرُّدِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى، ولِهَذا عاجَلَهُمُ اللَّهُ بِالعُقُوبَةِ ولَمْ يُمْهِلْهم فَقالَ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَقِبَ أنْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِن دُونِ تَراخٍ ولا إمْهالٍ والحالُ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ولا يَتَرَقَّبُونَهُ.
واللّامُ في القُرى لِلْعَهْدِ: أيْ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ الَّتِي أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا آمَنُوا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ واتَّقَوْا ما صَمَّمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ يَسَّرْنا لَهم خَيْرَ السَّماءِ والأرْضِ كَما يَحْصُلُ التَّيْسِيرُ لِلْأبْوابِ المُغْلَقَةِ بِفَتْحِ أبْوابِها، قِيلَ: المُرادُ بِخَيْرِ السَّماءِ: المَطَرُ، وخَيْرِ الأرْضِ: النَّباتُ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في القُرى لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: لَوْ أنَّ أهْلَ القُرى أيْنَ كانُوا وفي أيِّ بِلادٍ سَكَنُوا آمَنُوا واتَّقَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ بِالآياتِ والأنْبِياءِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولا اتَّقَوْا فَأخَذْناهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِعَذابِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأهْلُ القُرى هم أهْلُ القُرى المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ، وهو مِثْلُ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٥٠ )، وقِيلَ: المُرادُ بِالقُرى مَكَّةُ وما حَوْلَها لِتَكْذِيبِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ، وهو اللَّيْلُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: بِمَعْنى تَبْيِيتًا، أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُبَيَّتِينَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ كالِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ، والضُّحى ضَحْوَةُ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِضَوْءِ الشَّمْسِ إذا أشْرَقَتْ وارْتَفَعَتْ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَرَمِيّانِ أوْأمِنَ " بِإسْكانِ الواوِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٨٩)فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَشْتَغِلُونَ بِما لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفائِدَةٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِ ما لا يُؤْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ وعُقُوبَتِهِ لَهم، وفي تَكْرِيرِ هَذا الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِإنْكارِ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن أمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ أفْرَطُوا في الخُسْرانِ، ووَقَعُوا في وعِيدِهِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا هو اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قُرِئَ " نَهْدِ " بِالنُّونِ وبِالتَّحْتِيَّةِ فَعَلى القِراءَةِ بِالنُّونِ يَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ومَفْعُولُ الفِعْلِ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ هو هَذا، وعَلى القِراءَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ يَكُونُ فاعِلُ يَهْدِ هو ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أخَذْناهم بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، والهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، ولِهَذا عُدِّيَتْ بِاللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أصَبْنا لِأنَّهم مِمَّنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى يَرِثُونَ، قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ جَوابُ لَوْ: أيْ صارُوا بِسَبَبِ إصابَتِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْظِ والإعْذارِ والإنْذارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ قالَ: مَكانَ الشِّدَّةِ الرَّخاءَ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ أمْوالُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: جَمُّوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ قالَ: قالُوا: قَدْ أتى عَلى آبائِنا مِثْلُ هَذا فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ قالَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ واتَّقَوْا قالَ: ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: أعْطَتْهُمُ السَّماءُ بِرْكَتَها والأرْضُ نَباتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ مُوسى الطّائِفِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وأخْرَجَهُ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، قالَ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ حَرامٍ قالَ: صَلَّيْتُ القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وسَخَّرَ لَهُ بَرَكاتِ الأرْضِ، ومَن تَتَبَّعُ ما يَسْقُطُ مِنَ السُّفْرَةِ غُفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ أهْلُ قَرْيَةٍ أوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتّى كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالخُبْزِ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قالَ: المُشْرِكُونَ.
الأعراف 7:99
قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ لَمّا فَصَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ سابِقًا أجْمَلَ حالَ سائِرِ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْها: أيْ وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ أيْ فَكَذَّبَ أهْلُها إلّا أخَذْناهم، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ ما أرْسَلْنا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أخْذِنا أهْلَها فَمَحَلُّ أخَذْنا النَّصْبُ، والبَأْساءُ: البُؤْسُ والفَقْرُ، والضَّرّاءُ: الضُّرُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ أيْ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، فَيَدَعُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أخَذْنا: أيْ ثُمَّ بَعْدَ الأخْذِ لِأهْلِ القُرى بَدَّلْناهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ الَّتِي أصَبْناهم بِها مِنَ البَلاءِ والِامْتِحانِ الحَسَنَةَ أيِ الخَصْلَةَ الحَسَنَةَ: فَصارُوا في خَيْرٍ وسَعَةٍ وأمْنٍ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يُقالُ: عَفا كَثُرَ، وعَفا دَرَسَ، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، والمُرادُ هُنا: أنَّهم كَثُرُوا في أنْفُسِهِمْ وفي أمْوالِهِمْ: أيْ أعْطَيْناهُمُ الحَسَنَةَ مَكانَ السَّيِّئَةِ حَتّى كَثُرُوا ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ صارُوا في الحَسَنَةِ بَعْدَ السَّيِّئَةِ: أيْ أنَّ هَذا الَّذِي مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ مِنَ الرَّخاءِ والخِصْبِ مِن بَعْدُ هو أمْرٌ وقَعَ لِآبائِنا قَبْلَنا مِثْلُهُ، فَمَسَّهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما مَسَّنا ومِنَ النِّعْمَةِ والخَيْرِ ما نِلْناهُ، ومَعْناهم: أنَّ هَذِهِ العادَةَ الجارِيَةَ في السَّلَفِ والخَلَفِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ابْتِلاءً لَهم واخْتِبارًا لِما عِنْدَهم، وفي هَذا مِن شِدَّةِ عِنادِهِمْ وقُوَّةِ تَمَرُّدِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى، ولِهَذا عاجَلَهُمُ اللَّهُ بِالعُقُوبَةِ ولَمْ يُمْهِلْهم فَقالَ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَقِبَ أنْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِن دُونِ تَراخٍ ولا إمْهالٍ والحالُ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ولا يَتَرَقَّبُونَهُ.
واللّامُ في القُرى لِلْعَهْدِ: أيْ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ الَّتِي أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا آمَنُوا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ واتَّقَوْا ما صَمَّمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ يَسَّرْنا لَهم خَيْرَ السَّماءِ والأرْضِ كَما يَحْصُلُ التَّيْسِيرُ لِلْأبْوابِ المُغْلَقَةِ بِفَتْحِ أبْوابِها، قِيلَ: المُرادُ بِخَيْرِ السَّماءِ: المَطَرُ، وخَيْرِ الأرْضِ: النَّباتُ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في القُرى لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: لَوْ أنَّ أهْلَ القُرى أيْنَ كانُوا وفي أيِّ بِلادٍ سَكَنُوا آمَنُوا واتَّقَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ بِالآياتِ والأنْبِياءِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولا اتَّقَوْا فَأخَذْناهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِعَذابِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأهْلُ القُرى هم أهْلُ القُرى المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ، وهو مِثْلُ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٥٠ )، وقِيلَ: المُرادُ بِالقُرى مَكَّةُ وما حَوْلَها لِتَكْذِيبِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ، وهو اللَّيْلُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: بِمَعْنى تَبْيِيتًا، أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُبَيَّتِينَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ كالِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ، والضُّحى ضَحْوَةُ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِضَوْءِ الشَّمْسِ إذا أشْرَقَتْ وارْتَفَعَتْ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَرَمِيّانِ أوْأمِنَ " بِإسْكانِ الواوِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٨٩)فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَشْتَغِلُونَ بِما لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفائِدَةٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِ ما لا يُؤْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ وعُقُوبَتِهِ لَهم، وفي تَكْرِيرِ هَذا الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِإنْكارِ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن أمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ أفْرَطُوا في الخُسْرانِ، ووَقَعُوا في وعِيدِهِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا هو اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قُرِئَ " نَهْدِ " بِالنُّونِ وبِالتَّحْتِيَّةِ فَعَلى القِراءَةِ بِالنُّونِ يَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ومَفْعُولُ الفِعْلِ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ هو هَذا، وعَلى القِراءَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ يَكُونُ فاعِلُ يَهْدِ هو ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أخَذْناهم بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، والهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، ولِهَذا عُدِّيَتْ بِاللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أصَبْنا لِأنَّهم مِمَّنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى يَرِثُونَ، قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ جَوابُ لَوْ: أيْ صارُوا بِسَبَبِ إصابَتِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْظِ والإعْذارِ والإنْذارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ قالَ: مَكانَ الشِّدَّةِ الرَّخاءَ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ أمْوالُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: جَمُّوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ قالَ: قالُوا: قَدْ أتى عَلى آبائِنا مِثْلُ هَذا فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ قالَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ واتَّقَوْا قالَ: ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: أعْطَتْهُمُ السَّماءُ بِرْكَتَها والأرْضُ نَباتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ مُوسى الطّائِفِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وأخْرَجَهُ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، قالَ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ حَرامٍ قالَ: صَلَّيْتُ القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وسَخَّرَ لَهُ بَرَكاتِ الأرْضِ، ومَن تَتَبَّعُ ما يَسْقُطُ مِنَ السُّفْرَةِ غُفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ أهْلُ قَرْيَةٍ أوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتّى كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالخُبْزِ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قالَ: المُشْرِكُونَ.
الأعراف 7:100
قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ لَمّا فَصَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْوالَ بَعْضِ الأنْبِياءِ مَعَ أُمَمِهِمْ، وهُمُ المَذْكُورُونَ سابِقًا أجْمَلَ حالَ سائِرِ الأُمَمِ المُرْسَلِ إلَيْها: أيْ وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ أيْ فَكَذَّبَ أهْلُها إلّا أخَذْناهم، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ: أيْ ما أرْسَلْنا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أخْذِنا أهْلَها فَمَحَلُّ أخَذْنا النَّصْبُ، والبَأْساءُ: البُؤْسُ والفَقْرُ، والضَّرّاءُ: الضُّرُّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَأْساءِ والضَّرّاءِ ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ أيْ لِكَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، فَيَدَعُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أخَذْنا: أيْ ثُمَّ بَعْدَ الأخْذِ لِأهْلِ القُرى بَدَّلْناهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ الَّتِي أصَبْناهم بِها مِنَ البَلاءِ والِامْتِحانِ الحَسَنَةَ أيِ الخَصْلَةَ الحَسَنَةَ: فَصارُوا في خَيْرٍ وسَعَةٍ وأمْنٍ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ يُقالُ: عَفا كَثُرَ، وعَفا دَرَسَ، فَهو مِن أسْماءِ الأضْدادِ، والمُرادُ هُنا: أنَّهم كَثُرُوا في أنْفُسِهِمْ وفي أمْوالِهِمْ: أيْ أعْطَيْناهُمُ الحَسَنَةَ مَكانَ السَّيِّئَةِ حَتّى كَثُرُوا ﴿وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ أيْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ صارُوا في الحَسَنَةِ بَعْدَ السَّيِّئَةِ: أيْ أنَّ هَذا الَّذِي مَسَّنا مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، ثُمَّ مِنَ الرَّخاءِ والخِصْبِ مِن بَعْدُ هو أمْرٌ وقَعَ لِآبائِنا قَبْلَنا مِثْلُهُ، فَمَسَّهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما مَسَّنا ومِنَ النِّعْمَةِ والخَيْرِ ما نِلْناهُ، ومَعْناهم: أنَّ هَذِهِ العادَةَ الجارِيَةَ في السَّلَفِ والخَلَفِ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ابْتِلاءً لَهم واخْتِبارًا لِما عِنْدَهم، وفي هَذا مِن شِدَّةِ عِنادِهِمْ وقُوَّةِ تَمَرُّدِهِمْ وعُتُوِّهِمْ ما لا يَخْفى، ولِهَذا عاجَلَهُمُ اللَّهُ بِالعُقُوبَةِ ولَمْ يُمْهِلْهم فَقالَ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَقِبَ أنْ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ مِن دُونِ تَراخٍ ولا إمْهالٍ والحالُ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ولا يَتَرَقَّبُونَهُ.
واللّامُ في القُرى لِلْعَهْدِ: أيْ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾ الَّتِي أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا آمَنُوا بِالرُّسُلِ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ واتَّقَوْا ما صَمَّمُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ يَسَّرْنا لَهم خَيْرَ السَّماءِ والأرْضِ كَما يَحْصُلُ التَّيْسِيرُ لِلْأبْوابِ المُغْلَقَةِ بِفَتْحِ أبْوابِها، قِيلَ: المُرادُ بِخَيْرِ السَّماءِ: المَطَرُ، وخَيْرِ الأرْضِ: النَّباتُ، والأوْلى حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في القُرى لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: لَوْ أنَّ أهْلَ القُرى أيْنَ كانُوا وفي أيِّ بِلادٍ سَكَنُوا آمَنُوا واتَّقَوْا إلى آخِرِ الآيَةِ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا﴾ بِالآياتِ والأنْبِياءِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولا اتَّقَوْا فَأخَذْناهم بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما كانُوا يَكْسِبُونَ مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِعَذابِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وأهْلُ القُرى هم أهْلُ القُرى المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ، والفاءُ لِلْعَطْفِ، وهو مِثْلُ ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ( المائِدَةِ: ٥٠ )، وقِيلَ: المُرادُ بِالقُرى مَكَّةُ وما حَوْلَها لِتَكْذِيبِهِمْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والحَمْلُ عَلى العُمُومِ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ، وهو اللَّيْلُ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا: بِمَعْنى تَبْيِيتًا، أوْ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ: أيْ مُبَيَّتِينَ، وجُمْلَةُ ﴿وهم نائِمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ كالِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَهُ، والضُّحى ضَحْوَةُ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِضَوْءِ الشَّمْسِ إذا أشْرَقَتْ وارْتَفَعَتْ.
قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والحَرَمِيّانِ أوْأمِنَ " بِإسْكانِ الواوِ وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ (p-٤٨٩)فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ يَشْتَغِلُونَ بِما لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفائِدَةٍ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِ ما لا يُؤْمَنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ وعُقُوبَتِهِ لَهم، وفي تَكْرِيرِ هَذا الِاسْتِفْهامِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِإنْكارِ ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَ مَن أمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ أفْرَطُوا في الخُسْرانِ، ووَقَعُوا في وعِيدِهِ الشَّدِيدِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا هو اسْتِدْراجُهُ بِالنِّعْمَةِ والصِّحَّةِ والأوْلى حَمْلُهُ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قُرِئَ " نَهْدِ " بِالنُّونِ وبِالتَّحْتِيَّةِ فَعَلى القِراءَةِ بِالنُّونِ يَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ ومَفْعُولُ الفِعْلِ ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أنَّ الشَّأْنَ هو هَذا، وعَلى القِراءَةِ بِالتَّحْتِيَّةِ يَكُونُ فاعِلُ يَهْدِ هو ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ أخَذْناهم بِكُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، والهِدايَةُ هُنا بِمَعْنى التَّبْيِينِ، ولِهَذا عُدِّيَتْ بِاللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ عَلى الِاسْتِئْنافِ ولا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلى أصَبْنا لِأنَّهم مِمَّنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى يَرِثُونَ، قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ جَوابُ لَوْ: أيْ صارُوا بِسَبَبِ إصابَتِنا لَهم بِذُنُوبِهِمْ والطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ لا يَسْمَعُونَ ما يَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِنَ الوَعْظِ والإعْذارِ والإنْذارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ قالَ: مَكانَ الشِّدَّةِ الرَّخاءَ ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: كَثُرُوا وكَثُرَتْ أمْوالُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ قالَ: جَمُّوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ قالَ: قالُوا: قَدْ أتى عَلى آبائِنا مِثْلُ هَذا فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا﴾ قالَ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ واتَّقَوْا قالَ: ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: أعْطَتْهُمُ السَّماءُ بِرْكَتَها والأرْضُ نَباتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ عَنْ مُوسى الطّائِفِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وأخْرَجَهُ مِن بَرَكاتِ الأرْضِ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، قالَ السُّيُوطِيُّ: بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ حَرامٍ قالَ: صَلَّيْتُ القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «أكْرِمُوا الخُبْزَ فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ مِن بَرَكاتِ السَّماءِ وسَخَّرَ لَهُ بَرَكاتِ الأرْضِ، ومَن تَتَبَّعُ ما يَسْقُطُ مِنَ السُّفْرَةِ غُفِرَ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ أهْلُ قَرْيَةٍ أوْسَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتّى كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالخُبْزِ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ﴾ قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ قالَ: المُشْرِكُونَ.
الأعراف 7:101
قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ القُرى﴾ أيِ الَّتِي أهْلَكْناها وهي قُرى نُوحٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُها ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أيْ نَتْلُو عَلَيْكَ ﴿مِن أنْبائِها﴾ أيْ مِن أخْبارِها وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولِلْمُؤْمِنِينَ ونَقُصُّ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، و﴿تِلْكَ القُرى﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ يَكُونُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ الخَبَرُ، والقُرى صِفَةٌ لِتِلْكَ، ومِن في ﴿مِن أنْبائِها﴾ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْبائِها، واللّامُ في لَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ جَوابُ القَسَمِ.
والمَعْنى: أنَّ مِن أخْبارِهِمْ أنَّها جاءَتْهم رُسُلُ اللَّهِ بِبَيِّناتِهِ كَما سَبَقَ بَيانُهُ في قِصَصِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلَ هَذا ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ بِهِ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ أوْ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ بِما كَذَّبُوا بِهِ قَبْلِ مَجِيئِهِمْ، بَلْ هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ مُتَشَبِّثُونَ بِأذْيالِ الطُّغْيانِ دائِمًا، ولَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ مَجِيءُ الرُّسُلِ ولا ظَهَرَ لَهُ أثَرٌ، بَلْ حالُهم عِنْدَ مَجِيئِهِمْ كَحالِهِمْ قَبْلَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ هَلاكِهِمْ بِما كَذَّبُوا بِهِ لَوْ أحْيَيْناهم كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا﴾ ( الأنْعامِ: ٢٨ ) وقِيلَ: سَألُوا المُعْجِزاتِ، فَلَمّا رَأوْها لَمْ يُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلِ رُؤْيَتِها.
والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ: أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُكَذِّبُونَ بِكُلِّ ما سَمِعُوا بِهِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ الشَّدِيدِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ فَلا يَنْجَعُ فِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وعْظٌ ولا تَذْكِيرٌ ولا تَرْغِيبٌ ولا تَرْهِيبٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى أهْلِ القُرى المَذْكُورِينَ سابِقًا: أيْ ما وجَدْنا لِأكْثَرِ أهْلِ هَذِهِ القُرى مِن عَهْدٍ: أيْ عَهْدٍ يُحافِظُونَ عَلَيْهِ ويَتَمَسَّكُونَ بِهِ، بَلْ دَأْبُهم نَقْضُ العُهُودِ في كُلِّ حالٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى النّاسِ عَلى العُمُومِ: أيْ ما وجَدْنا لِأكْثَرِ النّاسِ مِن عَهْدٍ وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ: هو المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ في عالَمِ الذَّرِّ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الكُفّارِ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِأهْلِ القُرى: أيِ الأكْثَرُ مِنهم لا عَهْدَ ولا وفاءَ، والقَلِيلُ مِنهم قَدْ يَفِي بِعَهْدِهِ ويُحافِظُ عَلَيْهِ، وإنْ في ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ (p-٤٩٠)هِيَ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ: أيْ أنَّ الشَّأْنَ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ، أوْ هي النّافِيَةُ، واللّامُ في لَفاسِقِينَ بِمَعْنى إلّا: أيْ إلّا فاسِقِينَ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ خُرُوجًا شَدِيدًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: كانَ في عِلْمِ اللَّهِ يَوْم أقَرُّوا لَهُ بِالمِيثاقِ مَن يُكَذِّبُ بِهِ مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ( الأنْعامِ: ٢٨ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ قالَ: الوَفاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، في الآيَةِ قالَ: هو ذاكَ العَهْدُ يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ قالَ: ذاكَ أنَّ اللَّهَ إنَّما أهْلَكَ القُرى لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا حَفِظُوا ما وصّاهم بِهِ.
الأعراف 7:102
قَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ القُرى﴾ أيِ الَّتِي أهْلَكْناها وهي قُرى نُوحٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُها ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أيْ نَتْلُو عَلَيْكَ ﴿مِن أنْبائِها﴾ أيْ مِن أخْبارِها وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولِلْمُؤْمِنِينَ ونَقُصُّ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، و﴿تِلْكَ القُرى﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ يَكُونُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ الخَبَرُ، والقُرى صِفَةٌ لِتِلْكَ، ومِن في ﴿مِن أنْبائِها﴾ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْبائِها، واللّامُ في لَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ جَوابُ القَسَمِ.
والمَعْنى: أنَّ مِن أخْبارِهِمْ أنَّها جاءَتْهم رُسُلُ اللَّهِ بِبَيِّناتِهِ كَما سَبَقَ بَيانُهُ في قِصَصِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ قَبْلَ هَذا ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ ﴿بِما كَذَّبُوا﴾ بِهِ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ أوْ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ بِما كَذَّبُوا بِهِ قَبْلِ مَجِيئِهِمْ، بَلْ هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ مُتَشَبِّثُونَ بِأذْيالِ الطُّغْيانِ دائِمًا، ولَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ مَجِيءُ الرُّسُلِ ولا ظَهَرَ لَهُ أثَرٌ، بَلْ حالُهم عِنْدَ مَجِيئِهِمْ كَحالِهِمْ قَبْلَهُ، وقِيلَ: المَعْنى: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ هَلاكِهِمْ بِما كَذَّبُوا بِهِ لَوْ أحْيَيْناهم كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا﴾ ( الأنْعامِ: ٢٨ ) وقِيلَ: سَألُوا المُعْجِزاتِ، فَلَمّا رَأوْها لَمْ يُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلِ رُؤْيَتِها.
والأوَّلُ أوْلى، ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ: أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُكَذِّبُونَ بِكُلِّ ما سَمِعُوا بِهِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ.
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ الشَّدِيدِ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ فَلا يَنْجَعُ فِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وعْظٌ ولا تَذْكِيرٌ ولا تَرْغِيبٌ ولا تَرْهِيبٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى أهْلِ القُرى المَذْكُورِينَ سابِقًا: أيْ ما وجَدْنا لِأكْثَرِ أهْلِ هَذِهِ القُرى مِن عَهْدٍ: أيْ عَهْدٍ يُحافِظُونَ عَلَيْهِ ويَتَمَسَّكُونَ بِهِ، بَلْ دَأْبُهم نَقْضُ العُهُودِ في كُلِّ حالٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى النّاسِ عَلى العُمُومِ: أيْ ما وجَدْنا لِأكْثَرِ النّاسِ مِن عَهْدٍ وقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ: هو المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ في عالَمِ الذَّرِّ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الكُفّارِ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِأهْلِ القُرى: أيِ الأكْثَرُ مِنهم لا عَهْدَ ولا وفاءَ، والقَلِيلُ مِنهم قَدْ يَفِي بِعَهْدِهِ ويُحافِظُ عَلَيْهِ، وإنْ في ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ (p-٤٩٠)هِيَ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ: أيْ أنَّ الشَّأْنَ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ، أوْ هي النّافِيَةُ، واللّامُ في لَفاسِقِينَ بِمَعْنى إلّا: أيْ إلّا فاسِقِينَ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ خُرُوجًا شَدِيدًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: كانَ في عِلْمِ اللَّهِ يَوْم أقَرُّوا لَهُ بِالمِيثاقِ مَن يُكَذِّبُ بِهِ مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ( الأنْعامِ: ٢٨ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ﴾ قالَ: الوَفاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، في الآيَةِ قالَ: هو ذاكَ العَهْدُ يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ قالَ: ذاكَ أنَّ اللَّهَ إنَّما أهْلَكَ القُرى لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا حَفِظُوا ما وصّاهم بِهِ.
الأعراف 7:103
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:104
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:105
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:106
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:107
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:108
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:109
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:110
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:111
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:112
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.