Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأعراف 7:113 – الأعراف 7:147
المحتويات
- الأعراف 7:113
- الأعراف 7:114
- الأعراف 7:115
- الأعراف 7:116
- الأعراف 7:117
- الأعراف 7:118
- الأعراف 7:119
- الأعراف 7:120
- الأعراف 7:121
- الأعراف 7:122
- الأعراف 7:123
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:125
- الأعراف 7:126
- الأعراف 7:127
- الأعراف 7:128
- الأعراف 7:129
- الأعراف 7:130
- الأعراف 7:131
- الأعراف 7:132
- الأعراف 7:133
- الأعراف 7:134
- الأعراف 7:135
- الأعراف 7:136
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:138
- الأعراف 7:139
- الأعراف 7:140
- الأعراف 7:141
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
الأعراف 7:113
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:114
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:115
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:116
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:117
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:118
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:119
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:120
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:121
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:122
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ: أيْ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى بَعْدَ إرْسالِنا لِهَؤُلاءِ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَمِ السّابِقَةِ: أيْ مِن بَعْدِ إهْلاكِهِمْ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ فِرْعَوْنُ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن يَمْلِكُ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ العَمالِقَةِ ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أشْرافُ قَوْمِهِ وتَخْصِيصُ الذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم ولِغَيْرِهِمْ، لِأنَّ مَن عَداهم كالأتْباعِ لَهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ كَفَرُوا بِها، وأُطْلِقَ الظُّلْمُ عَلى الكُفْرِ لِكَوْنِ كُفْرِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى كانَ كُفْرًا مُتَبالِغًا لِوُجُودِ ما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي جاءَهم بِها والمُرادُ بِالآياتِ هُنا: هي الآياتُ التِّسْعُ، أوْ مَعْنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظَلَمُوا النّاسَ بِسَبَبِها لَمّا صَدُّوهم عَنِ الإيمانِ بِها، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ بِالآياتِ الكافِرِينَ بِها وجَعَلَهم مُفْسِدِينَ، لِأنَّ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم مِن أقْبَحِ أنْواعِ الفَسادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى يافِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ وجَعَلَ ذَلِكَ عُنْوانًا لِكَلامِهِ مَعَهُ، لِأنَّ مَن كانَ مُرْسَلًا مِن جِهَةِ مَن هو رَبُّ العالَمِينَ أجْمَعِينَ فَهو حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لِما جاءَ بِهِ كَما يَقُولُ مَن أرْسَلَهُ المَلِكُ في حاجَةٍ إلى رَعِيَّتِهِ: أنا رَسُولُ المَلِكِ إلَيْكم ثُمَّ يَحْكِي ما أُرْسِلَ بِهِ فَإنَّ في ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ قُرِئَ ( حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ): أيْ واجِبٌ عَلَيَّ ولازِمٌ لِي أنْ لا أقُولَ فِيما أُبَلِّغُكم عَنِ اللَّهِ إلّا القَوْلَ الحَقَّ، وقُرِئَ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ بِدُونِ ضَمِيرٍ في عَلى، قِيلَ: في تَوْجِيهِهِ أنَّ عَلى مَعْنى الباءِ: أيْ حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ والأعْمَشِ فَإنَّهُما قَرَآ ( حَقِيقٌ بِأنْ لا أقُولَ ) وقِيلَ: إنَّ " حَقِيقٌ " مُضَمَّنٌ مَعْنى حَرِيصٍ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا كانَ لازِمًا لِلْحَقِّ كانَ الحَقُّ لازِمًا لَهُ، فَقَوْلُ الحَقِّ حَقِيقٌ عَلَيْهِ وهو حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّهُ أغْرَقَ في وصْفِ نَفْسِهِ في ذَلِكَ المَقامِ حَتّى جَعَلَ نَفْسَهُ حَقِيقَةً عَلى قَوْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ وجَبَ عَلى الحَقِّ أنْ يَكُونَ مُوسى هو قائِلُهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ " بِإسْقاطِ عَلى، ومَعْناهُ واضِحٌ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ صِدْقِي وأنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
وقَدْ طَوى هُنا ذِكْرَ ما دارَ بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ كَما في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ قالَ فِرْعَوْنُ ﴿فَمَن رَبُّكُما يامُوسى﴾ ( طه: ٤٩ ) ثُمَّ قالَ بَعْدَ جَوابِ مُوسى ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ الآياتِ الحاكِيَةَ لِما دارَ بَيْنَهُما.
قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَدَعَ بَنِي إسْرائِيلَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ، ويَرْجِعُونَ إلى أوْطانِهِمْ، وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ.
وقَدْ كانُوا باقِينَ لَدَيْهِ مُسْتَعْبَدِينَ مَمْنُوعِينَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى وطَنِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها.
فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ فَأْتِ بِها حَتّى نُشاهِدَها ونَنْظُرَ فِيها إنْ ﴿كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي جِئْتَ بِها.
قَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ أيْ وضَعَها عَلى الأرْضِ فانْقَلَبَتْ ثُعْبانًا: أيْ حَيَّةً عَظِيمَةً مِن ذُكُورِ الحَيّاتِ، ومَعْنى مُبِينٌ أنَّ كَوْنَها حَيَّةً في تِلْكَ الحالِ أمْرٌ ظاهِرٌ واضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ.
ونَزَعَ يَدَهُ أيْ أخْرَجَها وأظْهَرَها مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ ( النَّمْلِ: ١٢ ) .
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ فَإذا يَدُهُ الَّتِي أخْرَجَها بَيْضاءَ تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَظْهَرُ لِكُلِّ مُبْصِرٍ.
قالَ المَلَأُ أيِ: (p-٤٩١)الأشْرافُ ﴿مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لَمّا شاهَدُوا انْقِلابَ العَصى حَيَّةً، ومَصِيرَ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ إنَّ هَذا أيْ مُوسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ كَثِيرُ العِلْمِ بِالسِّحْرِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ نِسْبَةِ هَذا القَوْلِ إلى المَلَأِ هُنا، وإلى فِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، فَكُلُّهم قَدْ قالُوهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصَحِّحًا لِنِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ تارَةً وإلَيْهِ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم﴾ وصْفٌ لِساحِرٍ، والأرْضُ المَنسُوبَةُ إلَيْهِمْ هي أرْضُ مِصْرَ: وهَذا مِن كَلامِ المَلَأِ، وأمّا ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فَقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ، قالَ: لِلْمَلَأِ لَمّا قالُوا بِما تَقَدَّمَ: أيْ بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ المَلَأِ: أيْ قالُوا لِفِرْعَوْنَ فَبِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُنا وخاطَبُوهُ بِما تُخاطَبُ بِهِ الجَماعَةُ تَعْظِيمًا لَهُ كَما يُخاطِبُ الرُّؤَساءَ أتْباعُهم، وما في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ذا بِمَعْنى الَّذِي كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في ماذا صَنَعْتَ.
وكَوْنُ هَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ هو الأوْلى بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ قالَ المَلَأُ جَوابًا لِكَلامِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ اسْتَشارَهم وطَلَبَ ما عِنْدَهم مِنَ الرَّأْيِ: أرْجِهْ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ يُقالُ: أرْجَأْتُهُ وأرْجَيْتُهُ: أخَّرْتُهُ.
قَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأهْلُ المَدِينَةِ " أرْجِهْ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا الكِسائِيَّ " أرْجِهْ " بِسُكُونِ الهاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةٌ لِلْعَرَبِ يَقِفُونَ عَلى الهاءِ في الوَصْلِ، وأنْكَرَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ، وقِيلَ: مَعْنى أرْجِهْ: احْبِسْهُ، وقِيلَ: هو مِن رَجا يَرْجُو: أيْ أطْمِعْهُ ودَعْهُ يَرْجُوكَ، حَكاهُ النَّحّاسُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أيْ أرْسِلْ جَماعَةً حاشِرِينَ في المَدائِنِ الَّتِي فِيها السَّحَرَةُ، وحاشِرِينَ مَفْعُولُ أرْسِلْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
ويَأْتُوكَ جَوابُ الأمْرِ: أيْ يَأْتُوكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أرْسَلْتَهم ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ بِكُلِّ ماهِرٍ في السِّحْرِ كَثِيرِ العِلْمِ بِصِناعَتِهِ.
قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمٌ سَحّارٍ وقَرَأ مَن عَداهم " ساحِرٍ " .
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ في الكَلامِ طَيٌّ: أيْ فَبَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ فَلَمّا جاءُوا فِرْعَوْنَ قالُوا لَهُ إنَّ لَنا لَأجْرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ قالُوا لَهُ لَمّا جاءُوهُ ؟ والأجْرُ الجائِزَةُ والجُعْلُ، ألْزَمُوا فِرْعَوْنَ أنْ يَجْعَلَ لَهم جُعْلًا إنْ غَلَبُوا مُوسى بِسِحْرِهِمْ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ إنَّ لَنا عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ الباقُونَ " أئِنَّ لَنا " عَلى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَفْهَمُوا فِرْعَوْنَ عَنِ الجُعْلِ الَّذِي سَيَجْعَلُهُ لَهم عَلى الغَلَبَةِ، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرُ.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَكَأنَّهم قاطِعُونَ بِالجُعْلِ وأنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ.
فَأجابَهم فِرْعَوْنُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ أيْ إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ هَذا الأجْرِ المَطْلُوبِ مِنكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْنا.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لِمُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهم فِرْعَوْنُ: ﴿نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ بِإلْقاءِ ما يُلْقِيهِ عَلَيْهِمْ أوْ يَبْتَدِئُوهُ هم بِذَلِكَ تَأدُّبًا مَعَهُ، وثِقَةً مِن أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم غالِبُونَ وإنْ تَأخَّرُوا، وأنْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيْ إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ أوْ نَفْعَلَهُ نَحْنُ.
فَأجابَهم مُوسى بِقَوْلِهِ: ألْقُوا اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِ بِإلْقاءِ ما يُلْقُونَهُ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا هائِبٍ لِما جاءُوا بِهِ.
قالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، المَعْنى: قالَ لَهم مُوسى إنَّكم لَنْ تَغْلِبُوا رَبَّكم ولَنْ تُبْطِلُوا آياتِهِ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ: أيِ ابْتَدِئُوا بِالإلْقاءِ فَسَتَنْظُرُونَ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ، والمُوجِبُ لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدَ مَن قالَ بِهِما أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى مُوسى أنْ يَأْمُرَهم بِالسِّحْرِ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ أيْ حِبالَهم وعِصِيَّهم ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ أيْ قَلَبُوها وغَيَّرُوها عَنْ صِحَّةِ إدْراكِها بِما جاءُوا بِهِ مِنَ التَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ الَّذِي يَفْعَلُهُ المُشَعْوِذُونَ وأهْلُ الخِفَّةِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أدْخَلُوا الرَّهْبَةَ في قُلُوبِهِمْ إدْخالًا شَدِيدًا ﴿وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِما جاءُوا بِهِ، وإنْ كانَ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ أنْ جاءَ السَّحَرَةُ بِما جاءُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيِ العَصا ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ .
قَرَأ حَفْصٌ تَلْقَفُ بِإسْكانِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ مِن لَقِفَ يَلْقَفُ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ مِن تَلَقَّفَ يَتَلَقَّفُ، يُقالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وتَلَقَّفْتُهُ: إذا أخَذْتُهُ أوْ بَلَغْتُهُ.
قالَ أبُو حاتِمٍ،: وبَلَغَنِي في بَعْضِ القِراءاتِ " تَلَقَّمُ " بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎أنْتِ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلَقَّمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ
وما في ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ: أيْ إفْكِهِمْ أوْ ما يَأْفِكُونَهُ، سَمّاهُ إفْكًا، لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَهُ في الواقِعِ بَلْ هو كَذِبٌ وزُورٌ وتَمْوِيهٌ وشَعْوَذَةٌ.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾ أيْ ظَهَرَ وتَبَيَّنَ لِما جاءَ بِهِ مُوسى ﴿وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن سِحْرِهِمْ: أيْ تَبَيَّنَ بُطْلانُهُ.
١١٩ - فَغُلِبُوا أيِ السَّحَرَةُ هُنالِكَ أيْ في المَوْقِفِ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ سِحْرَهم وانْقَلَبُوا مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.
١٢٠ - ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ خَرُّوا ساجِدِينَ كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ عَلى هَيْئَةِ السُّجُودِ أوْ لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالُوا عِنْدَ سُجُودِهِمْ أوْ في سُجُودِهِمْ، وإنَّما قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وصَرَّحُوا بِأنَّهم آمَنُوا بِرَبِّ العالَمِينَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتّى قالُوا: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ المُقِرِّينَ بِإلَهِيَّتِهِ أنَّ السُّجُودَ لَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مُوسى قالَ: إنَّما سُمِّيَ مُوسى، لِأنَّهُ أُلْقِيَ بَيْنَ ماءٍ وشَجَرٍ فالماءُ بِالقِبْطِيَّةِ مُو والشَّجَرُ سِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ فارِسِيًّا مِن أهْلِ إصْطَخْرَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ: أنَّهُ كانَ مِن أبْناءِ مِصْرَ، وأخْرَجَ أيْضًا وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: عاشَ فِرْعَوْنُ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، (p-٤٩٢)أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قِبْطِيًّا ولَدَ زِنا طُولُهُ سَبْعَةُ أشْبارٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ عِلْجًا مِن هَمَذانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُقْسِمٍ الهُذَلِيِّ قالَ: مَكَثَ فِرْعَوْنُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يُصْدَعْ لَهُ رَأْسٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ تِلْكَ العَصا عَصا آدَمَ أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ، فَكانَتْ تُضِيءُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَتُخْرِجُ لَهُ رِزْقَهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: حَيَّةٌ تَكادُ تُساوِرُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَقَدْ دَخَلَ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ زَرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ ما تَجاوِزُ مِرْفَقَيْهِ، فاسْتَأْذَنَ عَلى فِرْعَوْنَ فَقالَ: أدْخِلُوهُ، فَدَخَلَ فَقالَ: إنَّ إلَهِي أرْسَلَنِي إلَيْكَ، فَقالَ لِلْقَوْمِ حَوْلَهُ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، خُذُوهُ.
قالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُكَ بِآيَةٍ، قالَ: فائِتٌ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَألْقى عَصاهُ فَصارَتْ ثُعْبانًا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ما بَيْنَ السَّقْفِ إلى الأرْضِ، وأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ فَأخْرَجَها مِثْلَ البَرْقِ تَلْتَمِعُ الأبْصارَ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ وأخَذَ مُوسى عَصاهُ ثُمَّ خَرَجَ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفَرَ مِنهُ، فَلَمّا أفاقَ وذَهَبَ عَنْ فِرْعَوْنَ الرَّوْعُ قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ: ماذا تَأْمُرُونِي ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ ولا تَأْتِنا بِهِ ولا يَقْرَبُنا ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ وكانَتِ السَّحَرَةُ يَخْشَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ قالُوا: قَدِ احْتاجَ إلَيْكم إلَهُكم ؟ قالَ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَذا وكَذا، قالُوا: إنَّ هَذا ساحِرٌ سَحَرَ ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: عَصا مُوسى اسْمُها ماشا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ قالَ: الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ فاتِحَةً فَمَها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَفِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ، فَأحْدَثَ ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَصاحَ يا مُوسى خُذْها وأنا أُؤْمِنُ بِرَبِّكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها مُوسى فَصارَتْ عَصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: أرْجِهْ قالَ: أخِّرْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: احْبِسْهُ وأخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِن طُرُقٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قالَ: الشُّرَطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ﴾ قالَ: كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقَدِ اخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ في عَدَدِهِمْ، فَقِيلَ: كانُوا سَبْعِينَ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثِينَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَمانِينَ ألْفًا، وقِيلَ: ثَلاثُمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: تِسْعُمِائَةِ ألْفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾ أيْ عَطاءًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ قالَ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا، فَأقْبَلَتْ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: ألْقى مُوسى عَصاهُ فَأكَلَتْ كُلَّ حَيَّةٍ لَهم، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ سَجَدُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: ما يَكْذِبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ قالَ: تَسْتَرِطُ حِبالَهم وعِصِيَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: التَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتُكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: لَآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ سِحْرٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ بِكَ ولَأشْهَدَنَّ أنَّهُ حَقٌّ، وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما وهو قَوْلُ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: لَمّا خَرَّ السَّحَرَةُ سُجَّدًا رُفِعَتْ لَهُمُ الجَنَّةُ حَتّى نَظَرُوا إلَيْها.
الأعراف 7:123
قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ قُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى الإخْبارِ وبِإثْباتِها.
أنْكَرَ عَلى السَّحَرَةِ فِرْعَوْنُ إيمانَهم بِمُوسى قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُبَيِّنًا لِما هو الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ في زَعْمِهِ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ أيْ حِيلَةً احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَكم سابِقَةٍ لِتُخْرِجُوا مِن مَدِينَةِ مِصْرَ أهْلَها مِنَ القِبْطِ وتَسْتَوْلُوا عَلَيْها وتَسْكُنُوا فِيها أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ.
ومَعْنى في المَدِينَةِ أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ والمُواطَأةَ كانَتْ بَيْنَكم وأنْتُمْ بِالمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَبْرُزُوا أنْتُمْ ومُوسى إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقِبَةَ صُنْعِكم هَذا وسُوءَ مَغَبَّتِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ (p-٤٩٣)بِهَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ بَلْ فَصَّلَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ الرِّجْلَ اليُمْنى واليَدَ اليُسْرى، أوِ الرِّجْلَ اليُسْرى واليَدَ اليُمْنى، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ عَدُوُّ اللَّهِ بِهَذا، بَلْ جاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ فَقالَ: ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ: أيْ أجْعَلُكم عَلَيْها مَصْلُوبِينَ زِيادَةَ تَنْكِيلٍ بِهِمْ وإفْراطًا في تَعْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْناهُ: إنَّكَ وإنْ فَعَلْتَ بِنا هَذا الفِعْلَ فَتَعُدُّهُ يَوْمَ الجَزاءِ سَيُجازِيكَ اللَّهُ بِصُنْعِكَ ويُحْسِنُ إلَيْنا بِما أصابَنا في ذاتِهِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِعَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لَمّا تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بِالمَوْتِ: أيْ لا بُدَّ لَنا مِنَ المَوْتِ ولا يَضُرُّنا كَوْنُهُ بِسَبَبٍ مِنكَ.
قَوْلُهُ: وما تَنْقِمُ مِنّا.
قَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ الأخْفَشُ: هي لُغَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، يُقالُ: نَقِمْتُ الأمْرَ أنْكَرْتُهُ: أيْ لَسْتَ تَعِيبُ عَلَيْنا وتُنْكِرُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا مَعَ أنَّ هَذا هو الشَّرَفُ العَظِيمُ والخَيْرُ الكامِلُ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْعَيْبِ ومَكانًا لِلْإنْكارِ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِالثَّناءِ الحَسَنِ والِاسْتِحْسانِ البالِغِ، ثُمَّ تَرَكُوا خِطابَهُ وقَطَعُوا الكَلامَ مَعَهُ والتَفَتُوا إلى خِطابِ الجَنابِ العَلِيِّ مُفَوِّضِينَ الأمْرَ إلَيْهِ طالِبِينَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى هَذِهِ المِحْنَةِ بِالصَّبْرِ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الإفْراغُ: الصَّبُّ: أيِ اصْبُبْهُ عَلَيْنا حَتّى يَفِيضَ ويَغْمُرَنا: طَلَبُوا أبْلَغَ أنْواعِ الصَّبْرِ اسْتِعْدادًا مِنهم لِما سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِن عَدُوِّ اللَّهِ وتَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى التَّصَلُّبِ في الحَقِّ وثُبُوتِ القَدَمِ عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنا إلَيْكَ حالَ ثُبُوتِنا عَلى الإسْلامِ غَيْرَ مُحَرِّفِينَ ولا مُبَدِّلِينَ ولا مَفْتُونِينَ ولَقَدْ كانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والمَهارَةِ في عِلْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ شَرًّا مَحْضًا سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَوَصَلُوا بِالشَّرِّ إلى الخَيْرِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ هَذا العِلْمَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ ما حَصَلَ مِنهم مِنَ الإذْعانِ والِاعْتِرافِ والإيمانِ، وإذا كانَتِ المَهارَةُ في عِلْمِ الشَّرِّ قَدْ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ فَما بالُكَ بِالمَهارَةِ في عِلْمِ الخَيْرِ، اللَّهُمَّ انْفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وثَبِّتْ أقْدامَنا عَلى الحَقِّ، وأفْرِغْ عَلَيْنا سِجالَ الصَّبْرِ وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ عَلَيْهِ: أيْ أتَتْرُكُهُ وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ بِإيقاعِ الفُرْقَةِ وتَشْتِيتِ الشَّمْلِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ قَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ " ويَذَرُكَ " بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وهو يَذَرُكَ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى أتَذَرُ مُوسى: أيْ أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ " ويَذَرْكَ " بِالجَزْمِ: إمّا عَلى التَّخْفِيفِ بِالسُّكُونِ لِثِقْلِ الضَّمَّةِ، أوْ عَلى ما قِيلَ: في وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ( المُنافِقُونَ: ١٠ ) في تَوْجِيهِ الجَزْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ " ونَذَرَكَ " بِالنُّونِ والرَّفْعِ، ومَعْناهُ: أنَّهم أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم سَيَذَرُوَنَهُ وآلِهَتَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ ويَذَرَكَ بِالنَّصْبِ بِأنْ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ والواوُ نائِبَةٌ عَنِ الفاءِ أوْ عَطْفًا عَلى يُفْسِدُوا أيْ لِيُفْسِدُوا، ولِيَذَرَكَ لِأنَّهم عَلى الفَسادِ في زَعْمِهِمْ، وهو يُؤَدِّي إلى تَرْكِ فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وآلِهَتَكَ لِكَوْنِ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، وقَوْلِهِ: أنا رَبُّكُمُ فَقِيلَ: مَعْنى وآلِهَتَكَ: وطاعَتَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِبادَتَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، " وإلَهَتَكَ " وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ " وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ بَقَرَةً، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ النُّجُومَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ أصْنامٌ يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ ولِهَذا قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى.
قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم ومُثَبِّتًا لِقُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ " سَنَقْتُلُ " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ: أيْ سَنُقَتِّلُ الأبْناءَ ونَسْتَحْيِي النِّساءَ: أيْ نَتْرُكُهُنَّ في الحَياةِ، ولَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسى لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ أيْ مُسْتَعْلُونَ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ أوْ هم تَحْتَ قَهْرِنا وبَيْنَ أيْدِينا، ما شِئْنا أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ فَعَلْناهُ.
وجُمْلَةُ: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
لَمّا بَلَغَ مُوسى ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والصَّبْرِ عَلى المِحْنَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم إنَّ الأرْضَ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أوْ جِنْسَ الأرْضِ، وهو وعْدٌ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَيُوَرِّثُهم أرْضَهم ودِيارَهم.
ثُمَّ بَشَّرَهم أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: أيِ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ، وهم مُوسى ومَن مَعَهُ.
وعاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.
وقُرِئَ " والعاقِبَةَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا رَسُولًا وذَلِكَ بِقَتْلِ فِرْعَوْنَ أبْنُاءَنا عِنْدَ مَوْلِدِكَ لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ سَيُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ زَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا رَسُولًا بِقَتْلِ أبْنائِنا الآنَ، وقِيلَ: المَعْنى أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِاسْتِعْمالِنا في الأعْمالِ الشّاقَّةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِما صِرْنا فِيهِ الآنَ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا وأهْلِنا، وقِيلَ: إنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ واحِدٌ، وهو قَبْضُ الجِزْيَةِ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وعَدَهم بِإهْلاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّهِمْ، وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ هو تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ.
وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ ومَلَكُوا مِصْرَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وفَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بِالغَرَقِ وأنْجاهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِإهْلاكِ عَدُوِّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيُجازِيكم (p-٤٩٤)بِما عَمِلْتُمْ فِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ إذِ التَقَيْتُما لِتَظاهَرا فَتُخْرِجا مِنها أهْلَها لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمُ الآيَةَ، قالَ: فَقَتَلَهم وقَطَّعَهم كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ أوَّلُ مَن صَلَبَ فِرْعَوْنُ، وهو أوَّلُ مَن قَطَعَ الأيْدِي والأرْجُلَ مِن خِلافٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: مِن خِلافٍ قالَ: يَدًا مِن هاهُنا ورِجْلًا مِن هاهُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ: مِن قَبْلِ إرْسالِ اللَّهِ إيّاكَ ومِن بَعْدِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في الآيَةِ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى كانَ فِرْعَوْنُ يُكَلِّفُنا اللَّبِنَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنا، فَلَمّا جِئْتَ كَلَّفَنا اللَّبِنَ مَعَ التِّبْنِ أيْضًا، فَقالَ مُوسى: أيْ رَبِّ أهْلِكْ فِرْعَوْنَ، حَتّى مَتى تُبْقِيهِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا الذَّنْبَ الَّذِي أُهْلَكَهم بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: حَزا لِعَدُوِّ اللَّهِ حازٍ أنَّهُ يُولَدُ في العامِ غُلامٌ يَسْلِبُ مُلْكَكَ قالَ: فَتَتَبَّعَ أوْلادَهم في ذَلِكَ العامِ بِذَبْحِ الذَّكَرِ مِنهم، ثُمَّ ذَبَحَهم أيْضًا بَعْدَما جاءَهم مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ بِنا أهْلَ البَيْتِ يُفْتَحُ ويُخْتَمُ، ولا بُدَّ أنْ تَقَعَ دَوْلَةٌ لِبَنِي هاشِمٍ فانْظُرُوا فِيمَن تَكُونُ مِن بَنِي هاشِمٍ ؟ وفِيهِمْ نَزَلَتْ: عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ويَنْبَغِيَ أنْ يُنْظَرَ في صِحَّةِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالآيَةُ نازِلَةٌ في بَنِي إسْرائِيلَ لا في بَنِي هاشِمٍ واقِعَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ الحاكِيَةِ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
الأعراف 7:124
قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ قُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى الإخْبارِ وبِإثْباتِها.
أنْكَرَ عَلى السَّحَرَةِ فِرْعَوْنُ إيمانَهم بِمُوسى قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُبَيِّنًا لِما هو الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ في زَعْمِهِ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ أيْ حِيلَةً احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَكم سابِقَةٍ لِتُخْرِجُوا مِن مَدِينَةِ مِصْرَ أهْلَها مِنَ القِبْطِ وتَسْتَوْلُوا عَلَيْها وتَسْكُنُوا فِيها أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ.
ومَعْنى في المَدِينَةِ أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ والمُواطَأةَ كانَتْ بَيْنَكم وأنْتُمْ بِالمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَبْرُزُوا أنْتُمْ ومُوسى إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقِبَةَ صُنْعِكم هَذا وسُوءَ مَغَبَّتِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ (p-٤٩٣)بِهَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ بَلْ فَصَّلَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ الرِّجْلَ اليُمْنى واليَدَ اليُسْرى، أوِ الرِّجْلَ اليُسْرى واليَدَ اليُمْنى، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ عَدُوُّ اللَّهِ بِهَذا، بَلْ جاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ فَقالَ: ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ: أيْ أجْعَلُكم عَلَيْها مَصْلُوبِينَ زِيادَةَ تَنْكِيلٍ بِهِمْ وإفْراطًا في تَعْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْناهُ: إنَّكَ وإنْ فَعَلْتَ بِنا هَذا الفِعْلَ فَتَعُدُّهُ يَوْمَ الجَزاءِ سَيُجازِيكَ اللَّهُ بِصُنْعِكَ ويُحْسِنُ إلَيْنا بِما أصابَنا في ذاتِهِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِعَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لَمّا تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بِالمَوْتِ: أيْ لا بُدَّ لَنا مِنَ المَوْتِ ولا يَضُرُّنا كَوْنُهُ بِسَبَبٍ مِنكَ.
قَوْلُهُ: وما تَنْقِمُ مِنّا.
قَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ الأخْفَشُ: هي لُغَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، يُقالُ: نَقِمْتُ الأمْرَ أنْكَرْتُهُ: أيْ لَسْتَ تَعِيبُ عَلَيْنا وتُنْكِرُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا مَعَ أنَّ هَذا هو الشَّرَفُ العَظِيمُ والخَيْرُ الكامِلُ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْعَيْبِ ومَكانًا لِلْإنْكارِ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِالثَّناءِ الحَسَنِ والِاسْتِحْسانِ البالِغِ، ثُمَّ تَرَكُوا خِطابَهُ وقَطَعُوا الكَلامَ مَعَهُ والتَفَتُوا إلى خِطابِ الجَنابِ العَلِيِّ مُفَوِّضِينَ الأمْرَ إلَيْهِ طالِبِينَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى هَذِهِ المِحْنَةِ بِالصَّبْرِ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الإفْراغُ: الصَّبُّ: أيِ اصْبُبْهُ عَلَيْنا حَتّى يَفِيضَ ويَغْمُرَنا: طَلَبُوا أبْلَغَ أنْواعِ الصَّبْرِ اسْتِعْدادًا مِنهم لِما سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِن عَدُوِّ اللَّهِ وتَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى التَّصَلُّبِ في الحَقِّ وثُبُوتِ القَدَمِ عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنا إلَيْكَ حالَ ثُبُوتِنا عَلى الإسْلامِ غَيْرَ مُحَرِّفِينَ ولا مُبَدِّلِينَ ولا مَفْتُونِينَ ولَقَدْ كانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والمَهارَةِ في عِلْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ شَرًّا مَحْضًا سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَوَصَلُوا بِالشَّرِّ إلى الخَيْرِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ هَذا العِلْمَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ ما حَصَلَ مِنهم مِنَ الإذْعانِ والِاعْتِرافِ والإيمانِ، وإذا كانَتِ المَهارَةُ في عِلْمِ الشَّرِّ قَدْ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ فَما بالُكَ بِالمَهارَةِ في عِلْمِ الخَيْرِ، اللَّهُمَّ انْفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وثَبِّتْ أقْدامَنا عَلى الحَقِّ، وأفْرِغْ عَلَيْنا سِجالَ الصَّبْرِ وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ عَلَيْهِ: أيْ أتَتْرُكُهُ وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ بِإيقاعِ الفُرْقَةِ وتَشْتِيتِ الشَّمْلِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ قَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ " ويَذَرُكَ " بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وهو يَذَرُكَ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى أتَذَرُ مُوسى: أيْ أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ " ويَذَرْكَ " بِالجَزْمِ: إمّا عَلى التَّخْفِيفِ بِالسُّكُونِ لِثِقْلِ الضَّمَّةِ، أوْ عَلى ما قِيلَ: في وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ( المُنافِقُونَ: ١٠ ) في تَوْجِيهِ الجَزْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ " ونَذَرَكَ " بِالنُّونِ والرَّفْعِ، ومَعْناهُ: أنَّهم أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم سَيَذَرُوَنَهُ وآلِهَتَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ ويَذَرَكَ بِالنَّصْبِ بِأنْ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ والواوُ نائِبَةٌ عَنِ الفاءِ أوْ عَطْفًا عَلى يُفْسِدُوا أيْ لِيُفْسِدُوا، ولِيَذَرَكَ لِأنَّهم عَلى الفَسادِ في زَعْمِهِمْ، وهو يُؤَدِّي إلى تَرْكِ فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وآلِهَتَكَ لِكَوْنِ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، وقَوْلِهِ: أنا رَبُّكُمُ فَقِيلَ: مَعْنى وآلِهَتَكَ: وطاعَتَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِبادَتَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، " وإلَهَتَكَ " وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ " وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ بَقَرَةً، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ النُّجُومَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ أصْنامٌ يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ ولِهَذا قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى.
قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم ومُثَبِّتًا لِقُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ " سَنَقْتُلُ " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ: أيْ سَنُقَتِّلُ الأبْناءَ ونَسْتَحْيِي النِّساءَ: أيْ نَتْرُكُهُنَّ في الحَياةِ، ولَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسى لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ أيْ مُسْتَعْلُونَ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ أوْ هم تَحْتَ قَهْرِنا وبَيْنَ أيْدِينا، ما شِئْنا أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ فَعَلْناهُ.
وجُمْلَةُ: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
لَمّا بَلَغَ مُوسى ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والصَّبْرِ عَلى المِحْنَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم إنَّ الأرْضَ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أوْ جِنْسَ الأرْضِ، وهو وعْدٌ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَيُوَرِّثُهم أرْضَهم ودِيارَهم.
ثُمَّ بَشَّرَهم أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: أيِ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ، وهم مُوسى ومَن مَعَهُ.
وعاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.
وقُرِئَ " والعاقِبَةَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا رَسُولًا وذَلِكَ بِقَتْلِ فِرْعَوْنَ أبْنُاءَنا عِنْدَ مَوْلِدِكَ لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ سَيُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ زَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا رَسُولًا بِقَتْلِ أبْنائِنا الآنَ، وقِيلَ: المَعْنى أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِاسْتِعْمالِنا في الأعْمالِ الشّاقَّةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِما صِرْنا فِيهِ الآنَ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا وأهْلِنا، وقِيلَ: إنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ واحِدٌ، وهو قَبْضُ الجِزْيَةِ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وعَدَهم بِإهْلاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّهِمْ، وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ هو تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ.
وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ ومَلَكُوا مِصْرَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وفَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بِالغَرَقِ وأنْجاهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِإهْلاكِ عَدُوِّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيُجازِيكم (p-٤٩٤)بِما عَمِلْتُمْ فِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ إذِ التَقَيْتُما لِتَظاهَرا فَتُخْرِجا مِنها أهْلَها لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمُ الآيَةَ، قالَ: فَقَتَلَهم وقَطَّعَهم كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ أوَّلُ مَن صَلَبَ فِرْعَوْنُ، وهو أوَّلُ مَن قَطَعَ الأيْدِي والأرْجُلَ مِن خِلافٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: مِن خِلافٍ قالَ: يَدًا مِن هاهُنا ورِجْلًا مِن هاهُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ: مِن قَبْلِ إرْسالِ اللَّهِ إيّاكَ ومِن بَعْدِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في الآيَةِ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى كانَ فِرْعَوْنُ يُكَلِّفُنا اللَّبِنَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنا، فَلَمّا جِئْتَ كَلَّفَنا اللَّبِنَ مَعَ التِّبْنِ أيْضًا، فَقالَ مُوسى: أيْ رَبِّ أهْلِكْ فِرْعَوْنَ، حَتّى مَتى تُبْقِيهِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا الذَّنْبَ الَّذِي أُهْلَكَهم بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: حَزا لِعَدُوِّ اللَّهِ حازٍ أنَّهُ يُولَدُ في العامِ غُلامٌ يَسْلِبُ مُلْكَكَ قالَ: فَتَتَبَّعَ أوْلادَهم في ذَلِكَ العامِ بِذَبْحِ الذَّكَرِ مِنهم، ثُمَّ ذَبَحَهم أيْضًا بَعْدَما جاءَهم مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ بِنا أهْلَ البَيْتِ يُفْتَحُ ويُخْتَمُ، ولا بُدَّ أنْ تَقَعَ دَوْلَةٌ لِبَنِي هاشِمٍ فانْظُرُوا فِيمَن تَكُونُ مِن بَنِي هاشِمٍ ؟ وفِيهِمْ نَزَلَتْ: عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ويَنْبَغِيَ أنْ يُنْظَرَ في صِحَّةِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالآيَةُ نازِلَةٌ في بَنِي إسْرائِيلَ لا في بَنِي هاشِمٍ واقِعَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ الحاكِيَةِ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
الأعراف 7:125
قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ قُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى الإخْبارِ وبِإثْباتِها.
أنْكَرَ عَلى السَّحَرَةِ فِرْعَوْنُ إيمانَهم بِمُوسى قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُبَيِّنًا لِما هو الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ في زَعْمِهِ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ أيْ حِيلَةً احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَكم سابِقَةٍ لِتُخْرِجُوا مِن مَدِينَةِ مِصْرَ أهْلَها مِنَ القِبْطِ وتَسْتَوْلُوا عَلَيْها وتَسْكُنُوا فِيها أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ.
ومَعْنى في المَدِينَةِ أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ والمُواطَأةَ كانَتْ بَيْنَكم وأنْتُمْ بِالمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَبْرُزُوا أنْتُمْ ومُوسى إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقِبَةَ صُنْعِكم هَذا وسُوءَ مَغَبَّتِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ (p-٤٩٣)بِهَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ بَلْ فَصَّلَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ الرِّجْلَ اليُمْنى واليَدَ اليُسْرى، أوِ الرِّجْلَ اليُسْرى واليَدَ اليُمْنى، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ عَدُوُّ اللَّهِ بِهَذا، بَلْ جاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ فَقالَ: ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ: أيْ أجْعَلُكم عَلَيْها مَصْلُوبِينَ زِيادَةَ تَنْكِيلٍ بِهِمْ وإفْراطًا في تَعْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْناهُ: إنَّكَ وإنْ فَعَلْتَ بِنا هَذا الفِعْلَ فَتَعُدُّهُ يَوْمَ الجَزاءِ سَيُجازِيكَ اللَّهُ بِصُنْعِكَ ويُحْسِنُ إلَيْنا بِما أصابَنا في ذاتِهِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِعَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لَمّا تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بِالمَوْتِ: أيْ لا بُدَّ لَنا مِنَ المَوْتِ ولا يَضُرُّنا كَوْنُهُ بِسَبَبٍ مِنكَ.
قَوْلُهُ: وما تَنْقِمُ مِنّا.
قَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ الأخْفَشُ: هي لُغَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، يُقالُ: نَقِمْتُ الأمْرَ أنْكَرْتُهُ: أيْ لَسْتَ تَعِيبُ عَلَيْنا وتُنْكِرُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا مَعَ أنَّ هَذا هو الشَّرَفُ العَظِيمُ والخَيْرُ الكامِلُ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْعَيْبِ ومَكانًا لِلْإنْكارِ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِالثَّناءِ الحَسَنِ والِاسْتِحْسانِ البالِغِ، ثُمَّ تَرَكُوا خِطابَهُ وقَطَعُوا الكَلامَ مَعَهُ والتَفَتُوا إلى خِطابِ الجَنابِ العَلِيِّ مُفَوِّضِينَ الأمْرَ إلَيْهِ طالِبِينَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى هَذِهِ المِحْنَةِ بِالصَّبْرِ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الإفْراغُ: الصَّبُّ: أيِ اصْبُبْهُ عَلَيْنا حَتّى يَفِيضَ ويَغْمُرَنا: طَلَبُوا أبْلَغَ أنْواعِ الصَّبْرِ اسْتِعْدادًا مِنهم لِما سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِن عَدُوِّ اللَّهِ وتَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى التَّصَلُّبِ في الحَقِّ وثُبُوتِ القَدَمِ عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنا إلَيْكَ حالَ ثُبُوتِنا عَلى الإسْلامِ غَيْرَ مُحَرِّفِينَ ولا مُبَدِّلِينَ ولا مَفْتُونِينَ ولَقَدْ كانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والمَهارَةِ في عِلْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ شَرًّا مَحْضًا سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَوَصَلُوا بِالشَّرِّ إلى الخَيْرِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ هَذا العِلْمَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ ما حَصَلَ مِنهم مِنَ الإذْعانِ والِاعْتِرافِ والإيمانِ، وإذا كانَتِ المَهارَةُ في عِلْمِ الشَّرِّ قَدْ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ فَما بالُكَ بِالمَهارَةِ في عِلْمِ الخَيْرِ، اللَّهُمَّ انْفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وثَبِّتْ أقْدامَنا عَلى الحَقِّ، وأفْرِغْ عَلَيْنا سِجالَ الصَّبْرِ وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ عَلَيْهِ: أيْ أتَتْرُكُهُ وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ بِإيقاعِ الفُرْقَةِ وتَشْتِيتِ الشَّمْلِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ قَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ " ويَذَرُكَ " بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وهو يَذَرُكَ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى أتَذَرُ مُوسى: أيْ أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ " ويَذَرْكَ " بِالجَزْمِ: إمّا عَلى التَّخْفِيفِ بِالسُّكُونِ لِثِقْلِ الضَّمَّةِ، أوْ عَلى ما قِيلَ: في وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ( المُنافِقُونَ: ١٠ ) في تَوْجِيهِ الجَزْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ " ونَذَرَكَ " بِالنُّونِ والرَّفْعِ، ومَعْناهُ: أنَّهم أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم سَيَذَرُوَنَهُ وآلِهَتَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ ويَذَرَكَ بِالنَّصْبِ بِأنْ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ والواوُ نائِبَةٌ عَنِ الفاءِ أوْ عَطْفًا عَلى يُفْسِدُوا أيْ لِيُفْسِدُوا، ولِيَذَرَكَ لِأنَّهم عَلى الفَسادِ في زَعْمِهِمْ، وهو يُؤَدِّي إلى تَرْكِ فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وآلِهَتَكَ لِكَوْنِ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، وقَوْلِهِ: أنا رَبُّكُمُ فَقِيلَ: مَعْنى وآلِهَتَكَ: وطاعَتَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِبادَتَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، " وإلَهَتَكَ " وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ " وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ بَقَرَةً، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ النُّجُومَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ أصْنامٌ يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ ولِهَذا قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى.
قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم ومُثَبِّتًا لِقُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ " سَنَقْتُلُ " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ: أيْ سَنُقَتِّلُ الأبْناءَ ونَسْتَحْيِي النِّساءَ: أيْ نَتْرُكُهُنَّ في الحَياةِ، ولَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسى لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ أيْ مُسْتَعْلُونَ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ أوْ هم تَحْتَ قَهْرِنا وبَيْنَ أيْدِينا، ما شِئْنا أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ فَعَلْناهُ.
وجُمْلَةُ: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
لَمّا بَلَغَ مُوسى ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والصَّبْرِ عَلى المِحْنَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم إنَّ الأرْضَ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أوْ جِنْسَ الأرْضِ، وهو وعْدٌ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَيُوَرِّثُهم أرْضَهم ودِيارَهم.
ثُمَّ بَشَّرَهم أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: أيِ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ، وهم مُوسى ومَن مَعَهُ.
وعاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.
وقُرِئَ " والعاقِبَةَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا رَسُولًا وذَلِكَ بِقَتْلِ فِرْعَوْنَ أبْنُاءَنا عِنْدَ مَوْلِدِكَ لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ سَيُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ زَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا رَسُولًا بِقَتْلِ أبْنائِنا الآنَ، وقِيلَ: المَعْنى أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِاسْتِعْمالِنا في الأعْمالِ الشّاقَّةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِما صِرْنا فِيهِ الآنَ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا وأهْلِنا، وقِيلَ: إنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ واحِدٌ، وهو قَبْضُ الجِزْيَةِ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وعَدَهم بِإهْلاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّهِمْ، وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ هو تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ.
وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ ومَلَكُوا مِصْرَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وفَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بِالغَرَقِ وأنْجاهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِإهْلاكِ عَدُوِّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيُجازِيكم (p-٤٩٤)بِما عَمِلْتُمْ فِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ إذِ التَقَيْتُما لِتَظاهَرا فَتُخْرِجا مِنها أهْلَها لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمُ الآيَةَ، قالَ: فَقَتَلَهم وقَطَّعَهم كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ أوَّلُ مَن صَلَبَ فِرْعَوْنُ، وهو أوَّلُ مَن قَطَعَ الأيْدِي والأرْجُلَ مِن خِلافٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: مِن خِلافٍ قالَ: يَدًا مِن هاهُنا ورِجْلًا مِن هاهُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ: مِن قَبْلِ إرْسالِ اللَّهِ إيّاكَ ومِن بَعْدِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في الآيَةِ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى كانَ فِرْعَوْنُ يُكَلِّفُنا اللَّبِنَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنا، فَلَمّا جِئْتَ كَلَّفَنا اللَّبِنَ مَعَ التِّبْنِ أيْضًا، فَقالَ مُوسى: أيْ رَبِّ أهْلِكْ فِرْعَوْنَ، حَتّى مَتى تُبْقِيهِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا الذَّنْبَ الَّذِي أُهْلَكَهم بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: حَزا لِعَدُوِّ اللَّهِ حازٍ أنَّهُ يُولَدُ في العامِ غُلامٌ يَسْلِبُ مُلْكَكَ قالَ: فَتَتَبَّعَ أوْلادَهم في ذَلِكَ العامِ بِذَبْحِ الذَّكَرِ مِنهم، ثُمَّ ذَبَحَهم أيْضًا بَعْدَما جاءَهم مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ بِنا أهْلَ البَيْتِ يُفْتَحُ ويُخْتَمُ، ولا بُدَّ أنْ تَقَعَ دَوْلَةٌ لِبَنِي هاشِمٍ فانْظُرُوا فِيمَن تَكُونُ مِن بَنِي هاشِمٍ ؟ وفِيهِمْ نَزَلَتْ: عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ويَنْبَغِيَ أنْ يُنْظَرَ في صِحَّةِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالآيَةُ نازِلَةٌ في بَنِي إسْرائِيلَ لا في بَنِي هاشِمٍ واقِعَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ الحاكِيَةِ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
الأعراف 7:126
قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ قُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى الإخْبارِ وبِإثْباتِها.
أنْكَرَ عَلى السَّحَرَةِ فِرْعَوْنُ إيمانَهم بِمُوسى قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُبَيِّنًا لِما هو الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ في زَعْمِهِ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ أيْ حِيلَةً احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَكم سابِقَةٍ لِتُخْرِجُوا مِن مَدِينَةِ مِصْرَ أهْلَها مِنَ القِبْطِ وتَسْتَوْلُوا عَلَيْها وتَسْكُنُوا فِيها أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ.
ومَعْنى في المَدِينَةِ أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ والمُواطَأةَ كانَتْ بَيْنَكم وأنْتُمْ بِالمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَبْرُزُوا أنْتُمْ ومُوسى إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقِبَةَ صُنْعِكم هَذا وسُوءَ مَغَبَّتِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ (p-٤٩٣)بِهَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ بَلْ فَصَّلَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ الرِّجْلَ اليُمْنى واليَدَ اليُسْرى، أوِ الرِّجْلَ اليُسْرى واليَدَ اليُمْنى، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ عَدُوُّ اللَّهِ بِهَذا، بَلْ جاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ فَقالَ: ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ: أيْ أجْعَلُكم عَلَيْها مَصْلُوبِينَ زِيادَةَ تَنْكِيلٍ بِهِمْ وإفْراطًا في تَعْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْناهُ: إنَّكَ وإنْ فَعَلْتَ بِنا هَذا الفِعْلَ فَتَعُدُّهُ يَوْمَ الجَزاءِ سَيُجازِيكَ اللَّهُ بِصُنْعِكَ ويُحْسِنُ إلَيْنا بِما أصابَنا في ذاتِهِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِعَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لَمّا تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بِالمَوْتِ: أيْ لا بُدَّ لَنا مِنَ المَوْتِ ولا يَضُرُّنا كَوْنُهُ بِسَبَبٍ مِنكَ.
قَوْلُهُ: وما تَنْقِمُ مِنّا.
قَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ الأخْفَشُ: هي لُغَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، يُقالُ: نَقِمْتُ الأمْرَ أنْكَرْتُهُ: أيْ لَسْتَ تَعِيبُ عَلَيْنا وتُنْكِرُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا مَعَ أنَّ هَذا هو الشَّرَفُ العَظِيمُ والخَيْرُ الكامِلُ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْعَيْبِ ومَكانًا لِلْإنْكارِ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِالثَّناءِ الحَسَنِ والِاسْتِحْسانِ البالِغِ، ثُمَّ تَرَكُوا خِطابَهُ وقَطَعُوا الكَلامَ مَعَهُ والتَفَتُوا إلى خِطابِ الجَنابِ العَلِيِّ مُفَوِّضِينَ الأمْرَ إلَيْهِ طالِبِينَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى هَذِهِ المِحْنَةِ بِالصَّبْرِ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الإفْراغُ: الصَّبُّ: أيِ اصْبُبْهُ عَلَيْنا حَتّى يَفِيضَ ويَغْمُرَنا: طَلَبُوا أبْلَغَ أنْواعِ الصَّبْرِ اسْتِعْدادًا مِنهم لِما سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِن عَدُوِّ اللَّهِ وتَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى التَّصَلُّبِ في الحَقِّ وثُبُوتِ القَدَمِ عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنا إلَيْكَ حالَ ثُبُوتِنا عَلى الإسْلامِ غَيْرَ مُحَرِّفِينَ ولا مُبَدِّلِينَ ولا مَفْتُونِينَ ولَقَدْ كانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والمَهارَةِ في عِلْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ شَرًّا مَحْضًا سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَوَصَلُوا بِالشَّرِّ إلى الخَيْرِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ هَذا العِلْمَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ ما حَصَلَ مِنهم مِنَ الإذْعانِ والِاعْتِرافِ والإيمانِ، وإذا كانَتِ المَهارَةُ في عِلْمِ الشَّرِّ قَدْ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ فَما بالُكَ بِالمَهارَةِ في عِلْمِ الخَيْرِ، اللَّهُمَّ انْفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وثَبِّتْ أقْدامَنا عَلى الحَقِّ، وأفْرِغْ عَلَيْنا سِجالَ الصَّبْرِ وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ عَلَيْهِ: أيْ أتَتْرُكُهُ وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ بِإيقاعِ الفُرْقَةِ وتَشْتِيتِ الشَّمْلِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ قَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ " ويَذَرُكَ " بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وهو يَذَرُكَ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى أتَذَرُ مُوسى: أيْ أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ " ويَذَرْكَ " بِالجَزْمِ: إمّا عَلى التَّخْفِيفِ بِالسُّكُونِ لِثِقْلِ الضَّمَّةِ، أوْ عَلى ما قِيلَ: في وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ( المُنافِقُونَ: ١٠ ) في تَوْجِيهِ الجَزْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ " ونَذَرَكَ " بِالنُّونِ والرَّفْعِ، ومَعْناهُ: أنَّهم أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم سَيَذَرُوَنَهُ وآلِهَتَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ ويَذَرَكَ بِالنَّصْبِ بِأنْ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ والواوُ نائِبَةٌ عَنِ الفاءِ أوْ عَطْفًا عَلى يُفْسِدُوا أيْ لِيُفْسِدُوا، ولِيَذَرَكَ لِأنَّهم عَلى الفَسادِ في زَعْمِهِمْ، وهو يُؤَدِّي إلى تَرْكِ فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وآلِهَتَكَ لِكَوْنِ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، وقَوْلِهِ: أنا رَبُّكُمُ فَقِيلَ: مَعْنى وآلِهَتَكَ: وطاعَتَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِبادَتَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، " وإلَهَتَكَ " وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ " وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ بَقَرَةً، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ النُّجُومَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ أصْنامٌ يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ ولِهَذا قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى.
قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم ومُثَبِّتًا لِقُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ " سَنَقْتُلُ " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ: أيْ سَنُقَتِّلُ الأبْناءَ ونَسْتَحْيِي النِّساءَ: أيْ نَتْرُكُهُنَّ في الحَياةِ، ولَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسى لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ أيْ مُسْتَعْلُونَ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ أوْ هم تَحْتَ قَهْرِنا وبَيْنَ أيْدِينا، ما شِئْنا أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ فَعَلْناهُ.
وجُمْلَةُ: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
لَمّا بَلَغَ مُوسى ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والصَّبْرِ عَلى المِحْنَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم إنَّ الأرْضَ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أوْ جِنْسَ الأرْضِ، وهو وعْدٌ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَيُوَرِّثُهم أرْضَهم ودِيارَهم.
ثُمَّ بَشَّرَهم أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: أيِ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ، وهم مُوسى ومَن مَعَهُ.
وعاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.
وقُرِئَ " والعاقِبَةَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا رَسُولًا وذَلِكَ بِقَتْلِ فِرْعَوْنَ أبْنُاءَنا عِنْدَ مَوْلِدِكَ لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ سَيُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ زَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا رَسُولًا بِقَتْلِ أبْنائِنا الآنَ، وقِيلَ: المَعْنى أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِاسْتِعْمالِنا في الأعْمالِ الشّاقَّةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِما صِرْنا فِيهِ الآنَ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا وأهْلِنا، وقِيلَ: إنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ واحِدٌ، وهو قَبْضُ الجِزْيَةِ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وعَدَهم بِإهْلاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّهِمْ، وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ هو تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ.
وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ ومَلَكُوا مِصْرَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وفَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بِالغَرَقِ وأنْجاهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِإهْلاكِ عَدُوِّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيُجازِيكم (p-٤٩٤)بِما عَمِلْتُمْ فِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ إذِ التَقَيْتُما لِتَظاهَرا فَتُخْرِجا مِنها أهْلَها لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمُ الآيَةَ، قالَ: فَقَتَلَهم وقَطَّعَهم كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ أوَّلُ مَن صَلَبَ فِرْعَوْنُ، وهو أوَّلُ مَن قَطَعَ الأيْدِي والأرْجُلَ مِن خِلافٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: مِن خِلافٍ قالَ: يَدًا مِن هاهُنا ورِجْلًا مِن هاهُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ: مِن قَبْلِ إرْسالِ اللَّهِ إيّاكَ ومِن بَعْدِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في الآيَةِ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى كانَ فِرْعَوْنُ يُكَلِّفُنا اللَّبِنَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنا، فَلَمّا جِئْتَ كَلَّفَنا اللَّبِنَ مَعَ التِّبْنِ أيْضًا، فَقالَ مُوسى: أيْ رَبِّ أهْلِكْ فِرْعَوْنَ، حَتّى مَتى تُبْقِيهِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا الذَّنْبَ الَّذِي أُهْلَكَهم بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: حَزا لِعَدُوِّ اللَّهِ حازٍ أنَّهُ يُولَدُ في العامِ غُلامٌ يَسْلِبُ مُلْكَكَ قالَ: فَتَتَبَّعَ أوْلادَهم في ذَلِكَ العامِ بِذَبْحِ الذَّكَرِ مِنهم، ثُمَّ ذَبَحَهم أيْضًا بَعْدَما جاءَهم مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ بِنا أهْلَ البَيْتِ يُفْتَحُ ويُخْتَمُ، ولا بُدَّ أنْ تَقَعَ دَوْلَةٌ لِبَنِي هاشِمٍ فانْظُرُوا فِيمَن تَكُونُ مِن بَنِي هاشِمٍ ؟ وفِيهِمْ نَزَلَتْ: عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ويَنْبَغِيَ أنْ يُنْظَرَ في صِحَّةِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالآيَةُ نازِلَةٌ في بَنِي إسْرائِيلَ لا في بَنِي هاشِمٍ واقِعَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ الحاكِيَةِ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
الأعراف 7:127
قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ قُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى الإخْبارِ وبِإثْباتِها.
أنْكَرَ عَلى السَّحَرَةِ فِرْعَوْنُ إيمانَهم بِمُوسى قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُبَيِّنًا لِما هو الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ في زَعْمِهِ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ أيْ حِيلَةً احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَكم سابِقَةٍ لِتُخْرِجُوا مِن مَدِينَةِ مِصْرَ أهْلَها مِنَ القِبْطِ وتَسْتَوْلُوا عَلَيْها وتَسْكُنُوا فِيها أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ.
ومَعْنى في المَدِينَةِ أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ والمُواطَأةَ كانَتْ بَيْنَكم وأنْتُمْ بِالمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَبْرُزُوا أنْتُمْ ومُوسى إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقِبَةَ صُنْعِكم هَذا وسُوءَ مَغَبَّتِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ (p-٤٩٣)بِهَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ بَلْ فَصَّلَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ الرِّجْلَ اليُمْنى واليَدَ اليُسْرى، أوِ الرِّجْلَ اليُسْرى واليَدَ اليُمْنى، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ عَدُوُّ اللَّهِ بِهَذا، بَلْ جاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ فَقالَ: ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ: أيْ أجْعَلُكم عَلَيْها مَصْلُوبِينَ زِيادَةَ تَنْكِيلٍ بِهِمْ وإفْراطًا في تَعْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْناهُ: إنَّكَ وإنْ فَعَلْتَ بِنا هَذا الفِعْلَ فَتَعُدُّهُ يَوْمَ الجَزاءِ سَيُجازِيكَ اللَّهُ بِصُنْعِكَ ويُحْسِنُ إلَيْنا بِما أصابَنا في ذاتِهِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِعَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لَمّا تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بِالمَوْتِ: أيْ لا بُدَّ لَنا مِنَ المَوْتِ ولا يَضُرُّنا كَوْنُهُ بِسَبَبٍ مِنكَ.
قَوْلُهُ: وما تَنْقِمُ مِنّا.
قَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ الأخْفَشُ: هي لُغَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، يُقالُ: نَقِمْتُ الأمْرَ أنْكَرْتُهُ: أيْ لَسْتَ تَعِيبُ عَلَيْنا وتُنْكِرُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا مَعَ أنَّ هَذا هو الشَّرَفُ العَظِيمُ والخَيْرُ الكامِلُ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْعَيْبِ ومَكانًا لِلْإنْكارِ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِالثَّناءِ الحَسَنِ والِاسْتِحْسانِ البالِغِ، ثُمَّ تَرَكُوا خِطابَهُ وقَطَعُوا الكَلامَ مَعَهُ والتَفَتُوا إلى خِطابِ الجَنابِ العَلِيِّ مُفَوِّضِينَ الأمْرَ إلَيْهِ طالِبِينَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى هَذِهِ المِحْنَةِ بِالصَّبْرِ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الإفْراغُ: الصَّبُّ: أيِ اصْبُبْهُ عَلَيْنا حَتّى يَفِيضَ ويَغْمُرَنا: طَلَبُوا أبْلَغَ أنْواعِ الصَّبْرِ اسْتِعْدادًا مِنهم لِما سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِن عَدُوِّ اللَّهِ وتَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى التَّصَلُّبِ في الحَقِّ وثُبُوتِ القَدَمِ عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنا إلَيْكَ حالَ ثُبُوتِنا عَلى الإسْلامِ غَيْرَ مُحَرِّفِينَ ولا مُبَدِّلِينَ ولا مَفْتُونِينَ ولَقَدْ كانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والمَهارَةِ في عِلْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ شَرًّا مَحْضًا سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَوَصَلُوا بِالشَّرِّ إلى الخَيْرِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ هَذا العِلْمَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ ما حَصَلَ مِنهم مِنَ الإذْعانِ والِاعْتِرافِ والإيمانِ، وإذا كانَتِ المَهارَةُ في عِلْمِ الشَّرِّ قَدْ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ فَما بالُكَ بِالمَهارَةِ في عِلْمِ الخَيْرِ، اللَّهُمَّ انْفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وثَبِّتْ أقْدامَنا عَلى الحَقِّ، وأفْرِغْ عَلَيْنا سِجالَ الصَّبْرِ وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ عَلَيْهِ: أيْ أتَتْرُكُهُ وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ بِإيقاعِ الفُرْقَةِ وتَشْتِيتِ الشَّمْلِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ قَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ " ويَذَرُكَ " بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وهو يَذَرُكَ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى أتَذَرُ مُوسى: أيْ أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ " ويَذَرْكَ " بِالجَزْمِ: إمّا عَلى التَّخْفِيفِ بِالسُّكُونِ لِثِقْلِ الضَّمَّةِ، أوْ عَلى ما قِيلَ: في وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ( المُنافِقُونَ: ١٠ ) في تَوْجِيهِ الجَزْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ " ونَذَرَكَ " بِالنُّونِ والرَّفْعِ، ومَعْناهُ: أنَّهم أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم سَيَذَرُوَنَهُ وآلِهَتَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ ويَذَرَكَ بِالنَّصْبِ بِأنْ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ والواوُ نائِبَةٌ عَنِ الفاءِ أوْ عَطْفًا عَلى يُفْسِدُوا أيْ لِيُفْسِدُوا، ولِيَذَرَكَ لِأنَّهم عَلى الفَسادِ في زَعْمِهِمْ، وهو يُؤَدِّي إلى تَرْكِ فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وآلِهَتَكَ لِكَوْنِ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، وقَوْلِهِ: أنا رَبُّكُمُ فَقِيلَ: مَعْنى وآلِهَتَكَ: وطاعَتَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِبادَتَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، " وإلَهَتَكَ " وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ " وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ بَقَرَةً، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ النُّجُومَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ أصْنامٌ يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ ولِهَذا قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى.
قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم ومُثَبِّتًا لِقُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ " سَنَقْتُلُ " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ: أيْ سَنُقَتِّلُ الأبْناءَ ونَسْتَحْيِي النِّساءَ: أيْ نَتْرُكُهُنَّ في الحَياةِ، ولَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسى لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ أيْ مُسْتَعْلُونَ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ أوْ هم تَحْتَ قَهْرِنا وبَيْنَ أيْدِينا، ما شِئْنا أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ فَعَلْناهُ.
وجُمْلَةُ: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
لَمّا بَلَغَ مُوسى ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والصَّبْرِ عَلى المِحْنَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم إنَّ الأرْضَ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أوْ جِنْسَ الأرْضِ، وهو وعْدٌ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَيُوَرِّثُهم أرْضَهم ودِيارَهم.
ثُمَّ بَشَّرَهم أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: أيِ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ، وهم مُوسى ومَن مَعَهُ.
وعاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.
وقُرِئَ " والعاقِبَةَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا رَسُولًا وذَلِكَ بِقَتْلِ فِرْعَوْنَ أبْنُاءَنا عِنْدَ مَوْلِدِكَ لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ سَيُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ زَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا رَسُولًا بِقَتْلِ أبْنائِنا الآنَ، وقِيلَ: المَعْنى أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِاسْتِعْمالِنا في الأعْمالِ الشّاقَّةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِما صِرْنا فِيهِ الآنَ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا وأهْلِنا، وقِيلَ: إنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ واحِدٌ، وهو قَبْضُ الجِزْيَةِ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وعَدَهم بِإهْلاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّهِمْ، وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ هو تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ.
وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ ومَلَكُوا مِصْرَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وفَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بِالغَرَقِ وأنْجاهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِإهْلاكِ عَدُوِّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيُجازِيكم (p-٤٩٤)بِما عَمِلْتُمْ فِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ إذِ التَقَيْتُما لِتَظاهَرا فَتُخْرِجا مِنها أهْلَها لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمُ الآيَةَ، قالَ: فَقَتَلَهم وقَطَّعَهم كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ أوَّلُ مَن صَلَبَ فِرْعَوْنُ، وهو أوَّلُ مَن قَطَعَ الأيْدِي والأرْجُلَ مِن خِلافٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: مِن خِلافٍ قالَ: يَدًا مِن هاهُنا ورِجْلًا مِن هاهُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ: مِن قَبْلِ إرْسالِ اللَّهِ إيّاكَ ومِن بَعْدِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في الآيَةِ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى كانَ فِرْعَوْنُ يُكَلِّفُنا اللَّبِنَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنا، فَلَمّا جِئْتَ كَلَّفَنا اللَّبِنَ مَعَ التِّبْنِ أيْضًا، فَقالَ مُوسى: أيْ رَبِّ أهْلِكْ فِرْعَوْنَ، حَتّى مَتى تُبْقِيهِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا الذَّنْبَ الَّذِي أُهْلَكَهم بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: حَزا لِعَدُوِّ اللَّهِ حازٍ أنَّهُ يُولَدُ في العامِ غُلامٌ يَسْلِبُ مُلْكَكَ قالَ: فَتَتَبَّعَ أوْلادَهم في ذَلِكَ العامِ بِذَبْحِ الذَّكَرِ مِنهم، ثُمَّ ذَبَحَهم أيْضًا بَعْدَما جاءَهم مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ بِنا أهْلَ البَيْتِ يُفْتَحُ ويُخْتَمُ، ولا بُدَّ أنْ تَقَعَ دَوْلَةٌ لِبَنِي هاشِمٍ فانْظُرُوا فِيمَن تَكُونُ مِن بَنِي هاشِمٍ ؟ وفِيهِمْ نَزَلَتْ: عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ويَنْبَغِيَ أنْ يُنْظَرَ في صِحَّةِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالآيَةُ نازِلَةٌ في بَنِي إسْرائِيلَ لا في بَنِي هاشِمٍ واقِعَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ الحاكِيَةِ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
الأعراف 7:128
قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ قُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى الإخْبارِ وبِإثْباتِها.
أنْكَرَ عَلى السَّحَرَةِ فِرْعَوْنُ إيمانَهم بِمُوسى قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُبَيِّنًا لِما هو الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ في زَعْمِهِ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ أيْ حِيلَةً احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَكم سابِقَةٍ لِتُخْرِجُوا مِن مَدِينَةِ مِصْرَ أهْلَها مِنَ القِبْطِ وتَسْتَوْلُوا عَلَيْها وتَسْكُنُوا فِيها أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ.
ومَعْنى في المَدِينَةِ أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ والمُواطَأةَ كانَتْ بَيْنَكم وأنْتُمْ بِالمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَبْرُزُوا أنْتُمْ ومُوسى إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقِبَةَ صُنْعِكم هَذا وسُوءَ مَغَبَّتِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ (p-٤٩٣)بِهَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ بَلْ فَصَّلَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ الرِّجْلَ اليُمْنى واليَدَ اليُسْرى، أوِ الرِّجْلَ اليُسْرى واليَدَ اليُمْنى، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ عَدُوُّ اللَّهِ بِهَذا، بَلْ جاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ فَقالَ: ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ: أيْ أجْعَلُكم عَلَيْها مَصْلُوبِينَ زِيادَةَ تَنْكِيلٍ بِهِمْ وإفْراطًا في تَعْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْناهُ: إنَّكَ وإنْ فَعَلْتَ بِنا هَذا الفِعْلَ فَتَعُدُّهُ يَوْمَ الجَزاءِ سَيُجازِيكَ اللَّهُ بِصُنْعِكَ ويُحْسِنُ إلَيْنا بِما أصابَنا في ذاتِهِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِعَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لَمّا تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بِالمَوْتِ: أيْ لا بُدَّ لَنا مِنَ المَوْتِ ولا يَضُرُّنا كَوْنُهُ بِسَبَبٍ مِنكَ.
قَوْلُهُ: وما تَنْقِمُ مِنّا.
قَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ الأخْفَشُ: هي لُغَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، يُقالُ: نَقِمْتُ الأمْرَ أنْكَرْتُهُ: أيْ لَسْتَ تَعِيبُ عَلَيْنا وتُنْكِرُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا مَعَ أنَّ هَذا هو الشَّرَفُ العَظِيمُ والخَيْرُ الكامِلُ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْعَيْبِ ومَكانًا لِلْإنْكارِ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِالثَّناءِ الحَسَنِ والِاسْتِحْسانِ البالِغِ، ثُمَّ تَرَكُوا خِطابَهُ وقَطَعُوا الكَلامَ مَعَهُ والتَفَتُوا إلى خِطابِ الجَنابِ العَلِيِّ مُفَوِّضِينَ الأمْرَ إلَيْهِ طالِبِينَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى هَذِهِ المِحْنَةِ بِالصَّبْرِ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الإفْراغُ: الصَّبُّ: أيِ اصْبُبْهُ عَلَيْنا حَتّى يَفِيضَ ويَغْمُرَنا: طَلَبُوا أبْلَغَ أنْواعِ الصَّبْرِ اسْتِعْدادًا مِنهم لِما سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِن عَدُوِّ اللَّهِ وتَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى التَّصَلُّبِ في الحَقِّ وثُبُوتِ القَدَمِ عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنا إلَيْكَ حالَ ثُبُوتِنا عَلى الإسْلامِ غَيْرَ مُحَرِّفِينَ ولا مُبَدِّلِينَ ولا مَفْتُونِينَ ولَقَدْ كانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والمَهارَةِ في عِلْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ شَرًّا مَحْضًا سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَوَصَلُوا بِالشَّرِّ إلى الخَيْرِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ هَذا العِلْمَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ ما حَصَلَ مِنهم مِنَ الإذْعانِ والِاعْتِرافِ والإيمانِ، وإذا كانَتِ المَهارَةُ في عِلْمِ الشَّرِّ قَدْ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ فَما بالُكَ بِالمَهارَةِ في عِلْمِ الخَيْرِ، اللَّهُمَّ انْفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وثَبِّتْ أقْدامَنا عَلى الحَقِّ، وأفْرِغْ عَلَيْنا سِجالَ الصَّبْرِ وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ عَلَيْهِ: أيْ أتَتْرُكُهُ وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ بِإيقاعِ الفُرْقَةِ وتَشْتِيتِ الشَّمْلِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ قَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ " ويَذَرُكَ " بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وهو يَذَرُكَ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى أتَذَرُ مُوسى: أيْ أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ " ويَذَرْكَ " بِالجَزْمِ: إمّا عَلى التَّخْفِيفِ بِالسُّكُونِ لِثِقْلِ الضَّمَّةِ، أوْ عَلى ما قِيلَ: في وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ( المُنافِقُونَ: ١٠ ) في تَوْجِيهِ الجَزْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ " ونَذَرَكَ " بِالنُّونِ والرَّفْعِ، ومَعْناهُ: أنَّهم أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم سَيَذَرُوَنَهُ وآلِهَتَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ ويَذَرَكَ بِالنَّصْبِ بِأنْ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ والواوُ نائِبَةٌ عَنِ الفاءِ أوْ عَطْفًا عَلى يُفْسِدُوا أيْ لِيُفْسِدُوا، ولِيَذَرَكَ لِأنَّهم عَلى الفَسادِ في زَعْمِهِمْ، وهو يُؤَدِّي إلى تَرْكِ فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وآلِهَتَكَ لِكَوْنِ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، وقَوْلِهِ: أنا رَبُّكُمُ فَقِيلَ: مَعْنى وآلِهَتَكَ: وطاعَتَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِبادَتَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، " وإلَهَتَكَ " وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ " وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ بَقَرَةً، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ النُّجُومَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ أصْنامٌ يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ ولِهَذا قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى.
قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم ومُثَبِّتًا لِقُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ " سَنَقْتُلُ " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ: أيْ سَنُقَتِّلُ الأبْناءَ ونَسْتَحْيِي النِّساءَ: أيْ نَتْرُكُهُنَّ في الحَياةِ، ولَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسى لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ أيْ مُسْتَعْلُونَ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ أوْ هم تَحْتَ قَهْرِنا وبَيْنَ أيْدِينا، ما شِئْنا أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ فَعَلْناهُ.
وجُمْلَةُ: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
لَمّا بَلَغَ مُوسى ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والصَّبْرِ عَلى المِحْنَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم إنَّ الأرْضَ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أوْ جِنْسَ الأرْضِ، وهو وعْدٌ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَيُوَرِّثُهم أرْضَهم ودِيارَهم.
ثُمَّ بَشَّرَهم أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: أيِ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ، وهم مُوسى ومَن مَعَهُ.
وعاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.
وقُرِئَ " والعاقِبَةَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا رَسُولًا وذَلِكَ بِقَتْلِ فِرْعَوْنَ أبْنُاءَنا عِنْدَ مَوْلِدِكَ لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ سَيُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ زَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا رَسُولًا بِقَتْلِ أبْنائِنا الآنَ، وقِيلَ: المَعْنى أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِاسْتِعْمالِنا في الأعْمالِ الشّاقَّةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِما صِرْنا فِيهِ الآنَ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا وأهْلِنا، وقِيلَ: إنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ واحِدٌ، وهو قَبْضُ الجِزْيَةِ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وعَدَهم بِإهْلاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّهِمْ، وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ هو تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ.
وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ ومَلَكُوا مِصْرَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وفَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بِالغَرَقِ وأنْجاهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِإهْلاكِ عَدُوِّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيُجازِيكم (p-٤٩٤)بِما عَمِلْتُمْ فِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ إذِ التَقَيْتُما لِتَظاهَرا فَتُخْرِجا مِنها أهْلَها لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمُ الآيَةَ، قالَ: فَقَتَلَهم وقَطَّعَهم كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ أوَّلُ مَن صَلَبَ فِرْعَوْنُ، وهو أوَّلُ مَن قَطَعَ الأيْدِي والأرْجُلَ مِن خِلافٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: مِن خِلافٍ قالَ: يَدًا مِن هاهُنا ورِجْلًا مِن هاهُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ: مِن قَبْلِ إرْسالِ اللَّهِ إيّاكَ ومِن بَعْدِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في الآيَةِ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى كانَ فِرْعَوْنُ يُكَلِّفُنا اللَّبِنَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنا، فَلَمّا جِئْتَ كَلَّفَنا اللَّبِنَ مَعَ التِّبْنِ أيْضًا، فَقالَ مُوسى: أيْ رَبِّ أهْلِكْ فِرْعَوْنَ، حَتّى مَتى تُبْقِيهِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا الذَّنْبَ الَّذِي أُهْلَكَهم بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: حَزا لِعَدُوِّ اللَّهِ حازٍ أنَّهُ يُولَدُ في العامِ غُلامٌ يَسْلِبُ مُلْكَكَ قالَ: فَتَتَبَّعَ أوْلادَهم في ذَلِكَ العامِ بِذَبْحِ الذَّكَرِ مِنهم، ثُمَّ ذَبَحَهم أيْضًا بَعْدَما جاءَهم مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ بِنا أهْلَ البَيْتِ يُفْتَحُ ويُخْتَمُ، ولا بُدَّ أنْ تَقَعَ دَوْلَةٌ لِبَنِي هاشِمٍ فانْظُرُوا فِيمَن تَكُونُ مِن بَنِي هاشِمٍ ؟ وفِيهِمْ نَزَلَتْ: عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ويَنْبَغِيَ أنْ يُنْظَرَ في صِحَّةِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالآيَةُ نازِلَةٌ في بَنِي إسْرائِيلَ لا في بَنِي هاشِمٍ واقِعَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ الحاكِيَةِ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
الأعراف 7:129
قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ قُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى الإخْبارِ وبِإثْباتِها.
أنْكَرَ عَلى السَّحَرَةِ فِرْعَوْنُ إيمانَهم بِمُوسى قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُبَيِّنًا لِما هو الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ في زَعْمِهِ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ أيْ حِيلَةً احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَكم سابِقَةٍ لِتُخْرِجُوا مِن مَدِينَةِ مِصْرَ أهْلَها مِنَ القِبْطِ وتَسْتَوْلُوا عَلَيْها وتَسْكُنُوا فِيها أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ.
ومَعْنى في المَدِينَةِ أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ والمُواطَأةَ كانَتْ بَيْنَكم وأنْتُمْ بِالمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَبْرُزُوا أنْتُمْ ومُوسى إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقِبَةَ صُنْعِكم هَذا وسُوءَ مَغَبَّتِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ (p-٤٩٣)بِهَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ بَلْ فَصَّلَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ الرِّجْلَ اليُمْنى واليَدَ اليُسْرى، أوِ الرِّجْلَ اليُسْرى واليَدَ اليُمْنى، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ عَدُوُّ اللَّهِ بِهَذا، بَلْ جاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ فَقالَ: ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ: أيْ أجْعَلُكم عَلَيْها مَصْلُوبِينَ زِيادَةَ تَنْكِيلٍ بِهِمْ وإفْراطًا في تَعْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْناهُ: إنَّكَ وإنْ فَعَلْتَ بِنا هَذا الفِعْلَ فَتَعُدُّهُ يَوْمَ الجَزاءِ سَيُجازِيكَ اللَّهُ بِصُنْعِكَ ويُحْسِنُ إلَيْنا بِما أصابَنا في ذاتِهِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِعَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لَمّا تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بِالمَوْتِ: أيْ لا بُدَّ لَنا مِنَ المَوْتِ ولا يَضُرُّنا كَوْنُهُ بِسَبَبٍ مِنكَ.
قَوْلُهُ: وما تَنْقِمُ مِنّا.
قَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ الأخْفَشُ: هي لُغَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، يُقالُ: نَقِمْتُ الأمْرَ أنْكَرْتُهُ: أيْ لَسْتَ تَعِيبُ عَلَيْنا وتُنْكِرُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا مَعَ أنَّ هَذا هو الشَّرَفُ العَظِيمُ والخَيْرُ الكامِلُ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْعَيْبِ ومَكانًا لِلْإنْكارِ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِالثَّناءِ الحَسَنِ والِاسْتِحْسانِ البالِغِ، ثُمَّ تَرَكُوا خِطابَهُ وقَطَعُوا الكَلامَ مَعَهُ والتَفَتُوا إلى خِطابِ الجَنابِ العَلِيِّ مُفَوِّضِينَ الأمْرَ إلَيْهِ طالِبِينَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى هَذِهِ المِحْنَةِ بِالصَّبْرِ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الإفْراغُ: الصَّبُّ: أيِ اصْبُبْهُ عَلَيْنا حَتّى يَفِيضَ ويَغْمُرَنا: طَلَبُوا أبْلَغَ أنْواعِ الصَّبْرِ اسْتِعْدادًا مِنهم لِما سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِن عَدُوِّ اللَّهِ وتَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى التَّصَلُّبِ في الحَقِّ وثُبُوتِ القَدَمِ عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنا إلَيْكَ حالَ ثُبُوتِنا عَلى الإسْلامِ غَيْرَ مُحَرِّفِينَ ولا مُبَدِّلِينَ ولا مَفْتُونِينَ ولَقَدْ كانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والمَهارَةِ في عِلْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ شَرًّا مَحْضًا سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَوَصَلُوا بِالشَّرِّ إلى الخَيْرِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ هَذا العِلْمَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ ما حَصَلَ مِنهم مِنَ الإذْعانِ والِاعْتِرافِ والإيمانِ، وإذا كانَتِ المَهارَةُ في عِلْمِ الشَّرِّ قَدْ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ فَما بالُكَ بِالمَهارَةِ في عِلْمِ الخَيْرِ، اللَّهُمَّ انْفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وثَبِّتْ أقْدامَنا عَلى الحَقِّ، وأفْرِغْ عَلَيْنا سِجالَ الصَّبْرِ وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ عَلَيْهِ: أيْ أتَتْرُكُهُ وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ بِإيقاعِ الفُرْقَةِ وتَشْتِيتِ الشَّمْلِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ قَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ " ويَذَرُكَ " بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وهو يَذَرُكَ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى أتَذَرُ مُوسى: أيْ أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ " ويَذَرْكَ " بِالجَزْمِ: إمّا عَلى التَّخْفِيفِ بِالسُّكُونِ لِثِقْلِ الضَّمَّةِ، أوْ عَلى ما قِيلَ: في وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ( المُنافِقُونَ: ١٠ ) في تَوْجِيهِ الجَزْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ " ونَذَرَكَ " بِالنُّونِ والرَّفْعِ، ومَعْناهُ: أنَّهم أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم سَيَذَرُوَنَهُ وآلِهَتَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ ويَذَرَكَ بِالنَّصْبِ بِأنْ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ والواوُ نائِبَةٌ عَنِ الفاءِ أوْ عَطْفًا عَلى يُفْسِدُوا أيْ لِيُفْسِدُوا، ولِيَذَرَكَ لِأنَّهم عَلى الفَسادِ في زَعْمِهِمْ، وهو يُؤَدِّي إلى تَرْكِ فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وآلِهَتَكَ لِكَوْنِ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، وقَوْلِهِ: أنا رَبُّكُمُ فَقِيلَ: مَعْنى وآلِهَتَكَ: وطاعَتَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِبادَتَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، " وإلَهَتَكَ " وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ " وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ بَقَرَةً، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ النُّجُومَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ أصْنامٌ يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ ولِهَذا قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى.
قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم ومُثَبِّتًا لِقُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ " سَنَقْتُلُ " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ: أيْ سَنُقَتِّلُ الأبْناءَ ونَسْتَحْيِي النِّساءَ: أيْ نَتْرُكُهُنَّ في الحَياةِ، ولَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسى لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ أيْ مُسْتَعْلُونَ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ أوْ هم تَحْتَ قَهْرِنا وبَيْنَ أيْدِينا، ما شِئْنا أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ فَعَلْناهُ.
وجُمْلَةُ: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
لَمّا بَلَغَ مُوسى ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والصَّبْرِ عَلى المِحْنَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم إنَّ الأرْضَ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أوْ جِنْسَ الأرْضِ، وهو وعْدٌ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَيُوَرِّثُهم أرْضَهم ودِيارَهم.
ثُمَّ بَشَّرَهم أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: أيِ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ، وهم مُوسى ومَن مَعَهُ.
وعاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.
وقُرِئَ " والعاقِبَةَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا رَسُولًا وذَلِكَ بِقَتْلِ فِرْعَوْنَ أبْنُاءَنا عِنْدَ مَوْلِدِكَ لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ سَيُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ زَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا رَسُولًا بِقَتْلِ أبْنائِنا الآنَ، وقِيلَ: المَعْنى أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِاسْتِعْمالِنا في الأعْمالِ الشّاقَّةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِما صِرْنا فِيهِ الآنَ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا وأهْلِنا، وقِيلَ: إنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ واحِدٌ، وهو قَبْضُ الجِزْيَةِ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وعَدَهم بِإهْلاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّهِمْ، وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ هو تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ.
وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ ومَلَكُوا مِصْرَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وفَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بِالغَرَقِ وأنْجاهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِإهْلاكِ عَدُوِّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيُجازِيكم (p-٤٩٤)بِما عَمِلْتُمْ فِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ إذِ التَقَيْتُما لِتَظاهَرا فَتُخْرِجا مِنها أهْلَها لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمُ الآيَةَ، قالَ: فَقَتَلَهم وقَطَّعَهم كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ أوَّلُ مَن صَلَبَ فِرْعَوْنُ، وهو أوَّلُ مَن قَطَعَ الأيْدِي والأرْجُلَ مِن خِلافٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: مِن خِلافٍ قالَ: يَدًا مِن هاهُنا ورِجْلًا مِن هاهُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ: مِن قَبْلِ إرْسالِ اللَّهِ إيّاكَ ومِن بَعْدِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في الآيَةِ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى كانَ فِرْعَوْنُ يُكَلِّفُنا اللَّبِنَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنا، فَلَمّا جِئْتَ كَلَّفَنا اللَّبِنَ مَعَ التِّبْنِ أيْضًا، فَقالَ مُوسى: أيْ رَبِّ أهْلِكْ فِرْعَوْنَ، حَتّى مَتى تُبْقِيهِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا الذَّنْبَ الَّذِي أُهْلَكَهم بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: حَزا لِعَدُوِّ اللَّهِ حازٍ أنَّهُ يُولَدُ في العامِ غُلامٌ يَسْلِبُ مُلْكَكَ قالَ: فَتَتَبَّعَ أوْلادَهم في ذَلِكَ العامِ بِذَبْحِ الذَّكَرِ مِنهم، ثُمَّ ذَبَحَهم أيْضًا بَعْدَما جاءَهم مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ بِنا أهْلَ البَيْتِ يُفْتَحُ ويُخْتَمُ، ولا بُدَّ أنْ تَقَعَ دَوْلَةٌ لِبَنِي هاشِمٍ فانْظُرُوا فِيمَن تَكُونُ مِن بَنِي هاشِمٍ ؟ وفِيهِمْ نَزَلَتْ: عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ويَنْبَغِيَ أنْ يُنْظَرَ في صِحَّةِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالآيَةُ نازِلَةٌ في بَنِي إسْرائِيلَ لا في بَنِي هاشِمٍ واقِعَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ الحاكِيَةِ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
الأعراف 7:130
قَوْلُهُ: ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ قُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ عَلى الإخْبارِ وبِإثْباتِها.
أنْكَرَ عَلى السَّحَرَةِ فِرْعَوْنُ إيمانَهم بِمُوسى قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهم بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُبَيِّنًا لِما هو الحامِلُ لَهم عَلى ذَلِكَ في زَعْمِهِ ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ﴾ أيْ حِيلَةً احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى عَنْ مُواطَأةٍ بَيْنَكم سابِقَةٍ لِتُخْرِجُوا مِن مَدِينَةِ مِصْرَ أهْلَها مِنَ القِبْطِ وتَسْتَوْلُوا عَلَيْها وتَسْكُنُوا فِيها أنْتُمْ وبَنُو إسْرائِيلَ.
ومَعْنى في المَدِينَةِ أنَّ هَذِهِ الحِيلَةَ والمُواطَأةَ كانَتْ بَيْنَكم وأنْتُمْ بِالمَدِينَةِ مَدِينَةِ مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَبْرُزُوا أنْتُمْ ومُوسى إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقِبَةَ صُنْعِكم هَذا وسُوءَ مَغَبَّتِهِ.
ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ (p-٤٩٣)بِهَذا الوَعِيدِ المُجْمَلِ بَلْ فَصَّلَهُ فَقالَ: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ أيِ الرِّجْلَ اليُمْنى واليَدَ اليُسْرى، أوِ الرِّجْلَ اليُسْرى واليَدَ اليُمْنى، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ عَدُوُّ اللَّهِ بِهَذا، بَلْ جاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ فَقالَ: ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ: أيْ أجْعَلُكم عَلَيْها مَصْلُوبِينَ زِيادَةَ تَنْكِيلٍ بِهِمْ وإفْراطًا في تَعْذِيبِهِمْ.
وجُمْلَةُ: ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَما تَقَدَّمَ، ومَعْناهُ: إنَّكَ وإنْ فَعَلْتَ بِنا هَذا الفِعْلَ فَتَعُدُّهُ يَوْمَ الجَزاءِ سَيُجازِيكَ اللَّهُ بِصُنْعِكَ ويُحْسِنُ إلَيْنا بِما أصابَنا في ذاتِهِ، فَتَوَعَّدُوهُ بِعَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ لَمّا تَوَعَّدَهم بِعَذابِ الدُّنْيا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بِالمَوْتِ: أيْ لا بُدَّ لَنا مِنَ المَوْتِ ولا يَضُرُّنا كَوْنُهُ بِسَبَبٍ مِنكَ.
قَوْلُهُ: وما تَنْقِمُ مِنّا.
قَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِ القافِ.
قالَ الأخْفَشُ: هي لُغَةٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِها، يُقالُ: نَقِمْتُ الأمْرَ أنْكَرْتُهُ: أيْ لَسْتَ تَعِيبُ عَلَيْنا وتُنْكِرُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا مَعَ أنَّ هَذا هو الشَّرَفُ العَظِيمُ والخَيْرُ الكامِلُ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْعَيْبِ ومَكانًا لِلْإنْكارِ، بَلْ هو حَقِيقٌ بِالثَّناءِ الحَسَنِ والِاسْتِحْسانِ البالِغِ، ثُمَّ تَرَكُوا خِطابَهُ وقَطَعُوا الكَلامَ مَعَهُ والتَفَتُوا إلى خِطابِ الجَنابِ العَلِيِّ مُفَوِّضِينَ الأمْرَ إلَيْهِ طالِبِينَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى هَذِهِ المِحْنَةِ بِالصَّبْرِ قائِلِينَ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ الإفْراغُ: الصَّبُّ: أيِ اصْبُبْهُ عَلَيْنا حَتّى يَفِيضَ ويَغْمُرَنا: طَلَبُوا أبْلَغَ أنْواعِ الصَّبْرِ اسْتِعْدادًا مِنهم لِما سَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِن عَدُوِّ اللَّهِ وتَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى التَّصَلُّبِ في الحَقِّ وثُبُوتِ القَدَمِ عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنا إلَيْكَ حالَ ثُبُوتِنا عَلى الإسْلامِ غَيْرَ مُحَرِّفِينَ ولا مُبَدِّلِينَ ولا مَفْتُونِينَ ولَقَدْ كانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ والمَهارَةِ في عِلْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ شَرًّا مَحْضًا سَبَبًا لِلْفَوْزِ بِالسَّعادَةِ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وأنَّهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَوَصَلُوا بِالشَّرِّ إلى الخَيْرِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ هَذا العِلْمَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ ما حَصَلَ مِنهم مِنَ الإذْعانِ والِاعْتِرافِ والإيمانِ، وإذا كانَتِ المَهارَةُ في عِلْمِ الشَّرِّ قَدْ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ فَما بالُكَ بِالمَهارَةِ في عِلْمِ الخَيْرِ، اللَّهُمَّ انْفَعْنا بِما عَلَّمْتَنا، وثَبِّتْ أقْدامَنا عَلى الحَقِّ، وأفْرِغْ عَلَيْنا سِجالَ الصَّبْرِ وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ مِنهم لِلْإنْكارِ عَلَيْهِ: أيْ أتَتْرُكُهُ وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ بِإيقاعِ الفُرْقَةِ وتَشْتِيتِ الشَّمْلِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ قَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ " ويَذَرُكَ " بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ: أيْ وهو يَذَرُكَ أوْ عَلى العَطْفِ عَلى أتَذَرُ مُوسى: أيْ أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ " ويَذَرْكَ " بِالجَزْمِ: إمّا عَلى التَّخْفِيفِ بِالسُّكُونِ لِثِقْلِ الضَّمَّةِ، أوْ عَلى ما قِيلَ: في وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ( المُنافِقُونَ: ١٠ ) في تَوْجِيهِ الجَزْمِ.
وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ " ونَذَرَكَ " بِالنُّونِ والرَّفْعِ، ومَعْناهُ: أنَّهم أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم سَيَذَرُوَنَهُ وآلِهَتَهُ.
وقَرَأ الباقُونَ ويَذَرَكَ بِالنَّصْبِ بِأنْ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ والواوُ نائِبَةٌ عَنِ الفاءِ أوْ عَطْفًا عَلى يُفْسِدُوا أيْ لِيُفْسِدُوا، ولِيَذَرَكَ لِأنَّهم عَلى الفَسادِ في زَعْمِهِمْ، وهو يُؤَدِّي إلى تَرْكِ فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وآلِهَتَكَ لِكَوْنِ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ كَما في قَوْلِهِ: ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي، وقَوْلِهِ: أنا رَبُّكُمُ فَقِيلَ: مَعْنى وآلِهَتَكَ: وطاعَتَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: وعِبادَتَكَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، " وإلَهَتَكَ " وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ " وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ بَقَرَةً، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ النُّجُومَ، وقِيلَ: كانَ لَهُ أصْنامٌ يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ ولِهَذا قالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى.
قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم ومُثَبِّتًا لِقُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرِ ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ﴾ .
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ " سَنَقْتُلُ " بِالتَّخْفِيفِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ: أيْ سَنُقَتِّلُ الأبْناءَ ونَسْتَحْيِي النِّساءَ: أيْ نَتْرُكُهُنَّ في الحَياةِ، ولَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسى لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ أيْ مُسْتَعْلُونَ عَلَيْهِمْ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ أوْ هم تَحْتَ قَهْرِنا وبَيْنَ أيْدِينا، ما شِئْنا أنْ نَفْعَلَهُ بِهِمْ فَعَلْناهُ.
وجُمْلَةُ: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.
لَمّا بَلَغَ مُوسى ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أمَرَ قَوْمَهُ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والصَّبْرِ عَلى المِحْنَةِ، ثُمَّ أخْبَرَهم إنَّ الأرْضَ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ أوْ جِنْسَ الأرْضِ، وهو وعْدٌ مِن مُوسى لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ عَلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأنَّ اللَّهَ سَيُوَرِّثُهم أرْضَهم ودِيارَهم.
ثُمَّ بَشَّرَهم أنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: أيِ العاقِبَةَ المَحْمُودَةَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ مِن عِبادِهِ، وهم مُوسى ومَن مَعَهُ.
وعاقِبَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ.
وقُرِئَ " والعاقِبَةَ " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى الأرْضِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كالَّتِي قَبْلَها: أيْ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا رَسُولًا وذَلِكَ بِقَتْلِ فِرْعَوْنَ أبْنُاءَنا عِنْدَ مَوْلِدِكَ لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ سَيُولَدُ مَوْلُودٌ يَكُونُ زَوالُ مُلْكِهِ عَلى يَدِهِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا رَسُولًا بِقَتْلِ أبْنائِنا الآنَ، وقِيلَ: المَعْنى أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِاسْتِعْمالِنا في الأعْمالِ الشّاقَّةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِما صِرْنا فِيهِ الآنَ مِنَ الخَوْفِ عَلى أنْفُسِنا وأوْلادِنا وأهْلِنا، وقِيلَ: إنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ واحِدٌ، وهو قَبْضُ الجِزْيَةِ مِنهم، وجُمْلَةُ ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها، وعَدَهم بِإهْلاكِ اللَّهِ لِعَدُوِّهِمْ، وهو فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ هو تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ.
وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ ومَلَكُوا مِصْرَ في زَمانِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وفَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بِالغَرَقِ وأنْجاهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ مِنَ الأعْمالِ بَعْدَ أنْ يَمُنَّ عَلَيْكم بِإهْلاكِ عَدُوِّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيُجازِيكم (p-٤٩٤)بِما عَمِلْتُمْ فِيهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ إذِ التَقَيْتُما لِتَظاهَرا فَتُخْرِجا مِنها أهْلَها لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمُ الآيَةَ، قالَ: فَقَتَلَهم وقَطَّعَهم كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ أوَّلُ مَن صَلَبَ فِرْعَوْنُ، وهو أوَّلُ مَن قَطَعَ الأيْدِي والأرْجُلَ مِن خِلافٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: مِن خِلافٍ قالَ: يَدًا مِن هاهُنا ورِجْلًا مِن هاهُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ: مِن قَبْلِ إرْسالِ اللَّهِ إيّاكَ ومِن بَعْدِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في الآيَةِ قالَ: قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى كانَ فِرْعَوْنُ يُكَلِّفُنا اللَّبِنَ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنا، فَلَمّا جِئْتَ كَلَّفَنا اللَّبِنَ مَعَ التِّبْنِ أيْضًا، فَقالَ مُوسى: أيْ رَبِّ أهْلِكْ فِرْعَوْنَ، حَتّى مَتى تُبْقِيهِ ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا الذَّنْبَ الَّذِي أُهْلَكَهم بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: حَزا لِعَدُوِّ اللَّهِ حازٍ أنَّهُ يُولَدُ في العامِ غُلامٌ يَسْلِبُ مُلْكَكَ قالَ: فَتَتَبَّعَ أوْلادَهم في ذَلِكَ العامِ بِذَبْحِ الذَّكَرِ مِنهم، ثُمَّ ذَبَحَهم أيْضًا بَعْدَما جاءَهم مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إنَّ بِنا أهْلَ البَيْتِ يُفْتَحُ ويُخْتَمُ، ولا بُدَّ أنْ تَقَعَ دَوْلَةٌ لِبَنِي هاشِمٍ فانْظُرُوا فِيمَن تَكُونُ مِن بَنِي هاشِمٍ ؟ وفِيهِمْ نَزَلَتْ: عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ويَنْبَغِيَ أنْ يُنْظَرَ في صِحَّةِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالآيَةُ نازِلَةٌ في بَنِي إسْرائِيلَ لا في بَنِي هاشِمٍ واقِعَةٌ في هَذِهِ القِصَّةِ الحاكِيَةِ لِما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
الأعراف 7:131
المُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا قَوْمُهُ، والمُرادُ بِالسِّنِينَ الجَدْبُ، وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، يَقُولُونَ أصابَتْهم سَنَةٌ: أيْ جَدَبُ سَنَةٍ، وفي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وأكْثَرُ العَرَبِ يُعْرِبُونَ السِّنِينَ إعْرابَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعْرِبُهُ إعْرابَ المُفْرَدِ ويُجْرِي الحَرَكاتِ عَلى النُّونِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينِ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
بِكَسْرِ النُّونِ مِنَ السِّنِينَ.
قالَ النَّحّاسُ: وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ بِفَتْحِ النُّونِ.
أقُولُ:
قَدْ ورَدَ ما لا احْتِمالَ فِيهِ وهو قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا تَزْدَرِي الأقْوامُ مِنِّي ∗∗∗ وقَدْ جاوَزْتُ حَدَّ الأرْبَعِينَ
وبَعْدَهُ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ وتَجْذِبُنِي مُداوَرَةُ السِّنِينِ
فَإنَّ الأبْياتَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مَكْسُورَةٌ.
وأوَّلُ هَذِهِ الأبْياتِ:
؎أنا ابْنُ جَلا وطُلّاعِ الثَّنايا ∗∗∗ مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ أنَّهم يَقُولُونَ: أقَمْتُ عِنْدَهُ سِنِينًا مَصْرُوفًا، قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ لا يَصْرِفُونَهُ، ويُقالُ أسْنَتَ القَوْمُ: أيْ أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى:
؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ المَطَرِ وكَثْرَةِ العاهاتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ فَيَتَّعِظُونَ ويَرْجِعُونَ عَنْ غِوايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ مِنَ الخِصْبِ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وصَلاحِ الثَّمَراتِ ورَخاءِ الأسْعارِ قالُوا لَنا هَذِهِ أيْ أعْطَيْناها بِاسْتِحْقاقٍ، وهي مُخْتَصَّةٌ بِنا وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أيْ خَصْلَةٌ سَيِّئَةٌ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ وكَثْرَةِ الأمْراضِ ونَحْوِها مِنَ البَلاءِ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ أيْ يَتَشاءَمُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، والأصْلُ يَتَطَيَّرُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ " تَطَيَّرْنا " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِأشْياءَ مِنَ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَشاءَمَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ( النِّساءِ: ٧٨ ) قِيلَ: ووَجْهُ تَعْرِيفِ الحَسَنَةِ أنَّها كَثِيرَةُ الوُقُوعِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ نُدْرَةُ وُقُوعِها.
قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ بِجَمِيعِ ما يَنالُهم مِن خِصْبٍ وقَحْطٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِسَبَبِ مُوسى ومَن مَعَهُ، وكانَ هَذا الجَوابُ عَلى نَمَطِ ما يَعْتَقِدُونَهُ وبِما يَفْهَمُونَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالطّائِرِ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ الَّذِي يَجْرِي بِقَدَرِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ومَشِيئَتِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ بِهَذا بَلْ يَنْسِبُونَ الخَيْرَ والشَّرَّ إلى غَيْرِ اللَّهِ جَهْلًا مِنهم.
وقَرَأ الحَسَنُ " طَيْرُهم " .
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ مَهْما ما الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهِ ما الَّتِي لِلتَّوْكِيدِ كَما تُزادُ في سائِرِ الحُرُوفِ مِثْلَ: حَيْثُما وأيْنَما وكَيْفَما ومَتى ما، ولَكِنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ المِثْلَيْنِ فَأبْدَلُوا ألِفَ الأُولى هاءً.
وقالَ الكِسائِيُّ: أصْلُهُ مَهْ: أيِ اكْفُفْ ما تَأْتِينا بِهِ مِن آيَةٍ، وزِيدَتْ عَلَيْها ما الشَّرْطِيَّةُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ يُجازِي بِها، ومَحَلُّ مَهْما الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَها، و مِن آيَةٍ لِبَيانِ مَهْما، وسَمَّوْها آيَةَ اسْتِهْزاءٍ بِمُوسى كَما يُفِيدُهُ ما بَعْدَهُ، وهو لِتَسْحَرَنا بِها أيْ لِتَصْرِفَنا عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ كَما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ بِسِحْرِهِمْ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى مَهْما، والضَّمِيرُ (p-٤٩٥)فِي بِها عائِدٌ إلى آيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي بِاعْتِبارِ المَعْنى فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُصَدِّقِينَ: أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَجِيءُ بِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ مِنَ السِّحْرِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ بِهِمُ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المُبَيَّنَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ وهو المَطَرُ الشَّدِيدُ.
قالَ الأخْفَشُ: واحِدُهُ طُوفانَةٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ والنُّقْصانِ فَلا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: الطُّوفانُ: المَوْتُ.
وقالَ النَّحّاسُ: الطُّوفانُ في اللُّغَةِ ما كانَ مُهْلِكًا مِن مَوْتٍ أوْ سَيْلٍ: أيْ ما يُطِيفُ بِهِمْ فَيُهْلِكُهم والجَرادَ هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ أرْسَلَهُ اللَّهُ لِأكْلِ زُرُوعِهِمْ فَأكَلَها والقُمَّلَ قِيلَ: هي الدَّبّاءُ، والدَّبّاءُ الجَرادُ قَبْلَ أنْ تَطِيرَ، وقِيلَ: هي السُّوسُ، وقِيلَ: البَراغِيثُ، وقِيلَ: دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، وقِيلَ: ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وقِيلَ: الجُعْلانِ.
قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ " القَمْلَ " بِفَتْحِ القافِ وإسْكانِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً.
وقَدْ فَسَّرَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ القُمَّلَ بِالقَمْلِ والضَّفادِعَ جَمْعُ ضُفْدَعٍ وهو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ في الماءِ والدَّمَ رُوِيَ أنَّهُ سالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا، وقِيلَ: هو الرُّعافُ.
قَوْلُهُ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ مُبَيَّناتٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأشْياءَ حالَ كَوْنِها آياتٍ بَيِّناتٍ ظاهِراتٍ فاسْتَكْبَرُوا أيْ تَرَفَّعُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى حَقٍّ ولا يَنْزِعُونَ عَنْ باطِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيِ العَذابُ بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا الرِّجْزُ طاعُونًا ماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا ﴿قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، أوْ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، أوْ بِما عَهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ فَيُجِيبُكَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِادْعُ عَلى مَعْنى أسْعِفْنا إلى ما نَطْلُبُ مِنَ الدُّعاءِ بِحَقِّ ما عِنْدَكَ مِن عَهْدِ اللَّهِ، أوِ ادْعُ لَنا مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ لَنُؤْمِنَنَّ: أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ، وعَلى أنَّ الباءَ لَيْسَتْ لِلْقَسَمِ تَكُونُ اللّامُ في لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولَنُؤْمِنَنَّ جَوابُ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى لَنُؤْمِنَنَّ.
وقَدْ كانُوا حابِسِينَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَهم يَمْتَهِنُونَهم في الأعْمالِ فَوَعَدُوهُ بِإرْسالِهِمْ مَعَهُ.
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ عِنْدَ أنْ رَجَعُوا إلى مُوسى وسَألُوهُ بِما سَألُوهُ، لَكِنْ لا رَفْعًا مُطْلَقًا، بَلْ رَفْعًا مُقَيَّدًا بِغايَةٍ هي الأجَلُ المَضْرُوبُ لِإهْلاكِهِمْ بِالغَرَقِ، وجَوابُ لَمّا ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ يَنْقُضُونَ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.
وإذا هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ أرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم لَمّا نَكَثُوا بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الذُّنُوبِ المُتَعَدِّدَةِ ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ أيْ في البَحْرِ، قِيلَ: هو الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّتُهُ وأوْسَطُهُ، وجُمْلَةُ ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا: أيْ كانُوا غافِلِينَ عَنِ النِّقْمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِانْتَقَمْنا، أوْ عَنِ الآياتِ الَّتِي لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ كَذَّبُوا بِها وكانُوا في تَكْذِيبِهِمْ بِمَنزِلَةِ الغافِلِينَ عَنْها.
والثّانِي أوْلى لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قالَ: السِّنِينُ الجُوعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السِّنِينُ الجَوائِحُ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ دُونَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أخَذَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ يَبِسَ كُلُّ شَيْءٍ لَهم، وذَهَبَتْ مَواشِيهِمْ حَتّى يَبِسَ نِيلُ مِصْرَ، واجْتَمَعُوا إلى فِرْعَوْنَ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فائْتِنا في نِيلِ مِصْرَ بِماءٍ، قالَ: غُدْوَةً يُصَبِّحُكُمُ الماءُ فَلَمّا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالَ: أيُّ شَيْءٍ صَنَعْتُ إنْ لَمْ أقْدِرْ عَلى أنْ أُجْرِيَ في نِيلِ مِصْرَ ماءً غُدْوَةً كَذَّبُونِي ؟ فَلَمّا كانَ جَوْفُ اللَّيْلِ قامَ فاغْتَسَلَ ولَبِسَ مَدْرَعَةَ صُوفٍ ثُمَّ خَرَجَ حافِيًا حَتّى أتى نِيلَ مِصْرَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي أعْلَمُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَمْلَأ نِيلَ مِصْرَ ماءً فامْلَأْهُ ماءً، فَما عَلِمَ إلّا بِجَزْرِ الماءِ يُقْبِلُ، فَخَرَجَ وأقْبَلَ النِّيلُ يَزُخُّ بِالماءِ لِما أرادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الهَلَكَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالَ: العافِيَةُ والرَّخاءُ قالُوا لَنا هَذِهِ نَحْنُ أحَقُّ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قالَ: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى قالَ: يَتَشاءَمُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ قالَ: الأمْرُ مِن قِبَلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الطُّوفانُ المَوْتُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ الغَرَقُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ المَوْتُ عَلى كُلِّ حالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ: مُطِرُوا دائِمًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، والقُمَّلُ: الجَرادُ الَّذِي لَهُ أجْنِحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: الطُّوفانُ أمْرٌ مِن أمْرِ رَبِّكَ، ثُمَّ قَرَأ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ( القَلَمِ: ١٩ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ: الماءُ والطّاعُونُ والجَرادُ.
قالَ: يَأْكُلُ مَسامِيرَ أرْتُجِهِمْ: يَعْنِي أبْوابَهم وثِيابَهم، والقُمَّلُ الدَّبّاءُ (p-٤٩٦)والضَّفادِعُ تَسْقُطُ عَلى فُرُشِهِمْ وفي أطْعِمَتِهِمْ، والدَّمُ يَكُونُ في ثِيابِهِمْ ومائِهِمْ وطَعامِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: القُمَّلُ الدَّبّاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ الضَّفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أرْسَلَها اللَّهُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ نَفْسَها في القِدْرِ وهي تَغْلِي، وفي التَّنانِيرِ وهي تَفُورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سالَ النِّيلُ دَمًا فَكانَ الإسْرائِيلِيُّ يَسْتَقِي ماءً طَيِّبًا، ويَسْتَقِي الفِرْعَوْنِيُّ دَمًا، ويَشْتَرِكانِ في إناءٍ واحِدٍ فَيَكُونُ ما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً طَيِّبًا وما يَلِي الفِرْعَوْنِيَّ دَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: والدَّمَ قالَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَكَثَ مُوسى في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ والجَرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادِعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ قالَ: كانَتْ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا لِيَكُونَ لِلَّهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا تَمْكُثُ فِيهِمْ سَبْتًا إلى سَبْتٍ ثُمَّ تُرْفَعَ عَنْهم شَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الرِّجْزُ: العَذابُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الرِّجْزُ: الطّاعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ قالَ: الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: اليَمُّ البَحْرُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:132
المُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا قَوْمُهُ، والمُرادُ بِالسِّنِينَ الجَدْبُ، وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، يَقُولُونَ أصابَتْهم سَنَةٌ: أيْ جَدَبُ سَنَةٍ، وفي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وأكْثَرُ العَرَبِ يُعْرِبُونَ السِّنِينَ إعْرابَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعْرِبُهُ إعْرابَ المُفْرَدِ ويُجْرِي الحَرَكاتِ عَلى النُّونِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينِ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
بِكَسْرِ النُّونِ مِنَ السِّنِينَ.
قالَ النَّحّاسُ: وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ بِفَتْحِ النُّونِ.
أقُولُ:
قَدْ ورَدَ ما لا احْتِمالَ فِيهِ وهو قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا تَزْدَرِي الأقْوامُ مِنِّي ∗∗∗ وقَدْ جاوَزْتُ حَدَّ الأرْبَعِينَ
وبَعْدَهُ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ وتَجْذِبُنِي مُداوَرَةُ السِّنِينِ
فَإنَّ الأبْياتَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مَكْسُورَةٌ.
وأوَّلُ هَذِهِ الأبْياتِ:
؎أنا ابْنُ جَلا وطُلّاعِ الثَّنايا ∗∗∗ مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ أنَّهم يَقُولُونَ: أقَمْتُ عِنْدَهُ سِنِينًا مَصْرُوفًا، قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ لا يَصْرِفُونَهُ، ويُقالُ أسْنَتَ القَوْمُ: أيْ أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى:
؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ المَطَرِ وكَثْرَةِ العاهاتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ فَيَتَّعِظُونَ ويَرْجِعُونَ عَنْ غِوايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ مِنَ الخِصْبِ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وصَلاحِ الثَّمَراتِ ورَخاءِ الأسْعارِ قالُوا لَنا هَذِهِ أيْ أعْطَيْناها بِاسْتِحْقاقٍ، وهي مُخْتَصَّةٌ بِنا وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أيْ خَصْلَةٌ سَيِّئَةٌ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ وكَثْرَةِ الأمْراضِ ونَحْوِها مِنَ البَلاءِ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ أيْ يَتَشاءَمُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، والأصْلُ يَتَطَيَّرُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ " تَطَيَّرْنا " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِأشْياءَ مِنَ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَشاءَمَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ( النِّساءِ: ٧٨ ) قِيلَ: ووَجْهُ تَعْرِيفِ الحَسَنَةِ أنَّها كَثِيرَةُ الوُقُوعِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ نُدْرَةُ وُقُوعِها.
قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ بِجَمِيعِ ما يَنالُهم مِن خِصْبٍ وقَحْطٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِسَبَبِ مُوسى ومَن مَعَهُ، وكانَ هَذا الجَوابُ عَلى نَمَطِ ما يَعْتَقِدُونَهُ وبِما يَفْهَمُونَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالطّائِرِ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ الَّذِي يَجْرِي بِقَدَرِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ومَشِيئَتِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ بِهَذا بَلْ يَنْسِبُونَ الخَيْرَ والشَّرَّ إلى غَيْرِ اللَّهِ جَهْلًا مِنهم.
وقَرَأ الحَسَنُ " طَيْرُهم " .
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ مَهْما ما الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهِ ما الَّتِي لِلتَّوْكِيدِ كَما تُزادُ في سائِرِ الحُرُوفِ مِثْلَ: حَيْثُما وأيْنَما وكَيْفَما ومَتى ما، ولَكِنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ المِثْلَيْنِ فَأبْدَلُوا ألِفَ الأُولى هاءً.
وقالَ الكِسائِيُّ: أصْلُهُ مَهْ: أيِ اكْفُفْ ما تَأْتِينا بِهِ مِن آيَةٍ، وزِيدَتْ عَلَيْها ما الشَّرْطِيَّةُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ يُجازِي بِها، ومَحَلُّ مَهْما الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَها، و مِن آيَةٍ لِبَيانِ مَهْما، وسَمَّوْها آيَةَ اسْتِهْزاءٍ بِمُوسى كَما يُفِيدُهُ ما بَعْدَهُ، وهو لِتَسْحَرَنا بِها أيْ لِتَصْرِفَنا عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ كَما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ بِسِحْرِهِمْ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى مَهْما، والضَّمِيرُ (p-٤٩٥)فِي بِها عائِدٌ إلى آيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي بِاعْتِبارِ المَعْنى فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُصَدِّقِينَ: أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَجِيءُ بِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ مِنَ السِّحْرِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ بِهِمُ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المُبَيَّنَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ وهو المَطَرُ الشَّدِيدُ.
قالَ الأخْفَشُ: واحِدُهُ طُوفانَةٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ والنُّقْصانِ فَلا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: الطُّوفانُ: المَوْتُ.
وقالَ النَّحّاسُ: الطُّوفانُ في اللُّغَةِ ما كانَ مُهْلِكًا مِن مَوْتٍ أوْ سَيْلٍ: أيْ ما يُطِيفُ بِهِمْ فَيُهْلِكُهم والجَرادَ هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ أرْسَلَهُ اللَّهُ لِأكْلِ زُرُوعِهِمْ فَأكَلَها والقُمَّلَ قِيلَ: هي الدَّبّاءُ، والدَّبّاءُ الجَرادُ قَبْلَ أنْ تَطِيرَ، وقِيلَ: هي السُّوسُ، وقِيلَ: البَراغِيثُ، وقِيلَ: دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، وقِيلَ: ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وقِيلَ: الجُعْلانِ.
قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ " القَمْلَ " بِفَتْحِ القافِ وإسْكانِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً.
وقَدْ فَسَّرَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ القُمَّلَ بِالقَمْلِ والضَّفادِعَ جَمْعُ ضُفْدَعٍ وهو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ في الماءِ والدَّمَ رُوِيَ أنَّهُ سالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا، وقِيلَ: هو الرُّعافُ.
قَوْلُهُ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ مُبَيَّناتٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأشْياءَ حالَ كَوْنِها آياتٍ بَيِّناتٍ ظاهِراتٍ فاسْتَكْبَرُوا أيْ تَرَفَّعُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى حَقٍّ ولا يَنْزِعُونَ عَنْ باطِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيِ العَذابُ بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا الرِّجْزُ طاعُونًا ماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا ﴿قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، أوْ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، أوْ بِما عَهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ فَيُجِيبُكَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِادْعُ عَلى مَعْنى أسْعِفْنا إلى ما نَطْلُبُ مِنَ الدُّعاءِ بِحَقِّ ما عِنْدَكَ مِن عَهْدِ اللَّهِ، أوِ ادْعُ لَنا مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ لَنُؤْمِنَنَّ: أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ، وعَلى أنَّ الباءَ لَيْسَتْ لِلْقَسَمِ تَكُونُ اللّامُ في لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولَنُؤْمِنَنَّ جَوابُ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى لَنُؤْمِنَنَّ.
وقَدْ كانُوا حابِسِينَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَهم يَمْتَهِنُونَهم في الأعْمالِ فَوَعَدُوهُ بِإرْسالِهِمْ مَعَهُ.
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ عِنْدَ أنْ رَجَعُوا إلى مُوسى وسَألُوهُ بِما سَألُوهُ، لَكِنْ لا رَفْعًا مُطْلَقًا، بَلْ رَفْعًا مُقَيَّدًا بِغايَةٍ هي الأجَلُ المَضْرُوبُ لِإهْلاكِهِمْ بِالغَرَقِ، وجَوابُ لَمّا ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ يَنْقُضُونَ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.
وإذا هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ أرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم لَمّا نَكَثُوا بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الذُّنُوبِ المُتَعَدِّدَةِ ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ أيْ في البَحْرِ، قِيلَ: هو الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّتُهُ وأوْسَطُهُ، وجُمْلَةُ ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا: أيْ كانُوا غافِلِينَ عَنِ النِّقْمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِانْتَقَمْنا، أوْ عَنِ الآياتِ الَّتِي لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ كَذَّبُوا بِها وكانُوا في تَكْذِيبِهِمْ بِمَنزِلَةِ الغافِلِينَ عَنْها.
والثّانِي أوْلى لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قالَ: السِّنِينُ الجُوعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السِّنِينُ الجَوائِحُ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ دُونَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أخَذَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ يَبِسَ كُلُّ شَيْءٍ لَهم، وذَهَبَتْ مَواشِيهِمْ حَتّى يَبِسَ نِيلُ مِصْرَ، واجْتَمَعُوا إلى فِرْعَوْنَ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فائْتِنا في نِيلِ مِصْرَ بِماءٍ، قالَ: غُدْوَةً يُصَبِّحُكُمُ الماءُ فَلَمّا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالَ: أيُّ شَيْءٍ صَنَعْتُ إنْ لَمْ أقْدِرْ عَلى أنْ أُجْرِيَ في نِيلِ مِصْرَ ماءً غُدْوَةً كَذَّبُونِي ؟ فَلَمّا كانَ جَوْفُ اللَّيْلِ قامَ فاغْتَسَلَ ولَبِسَ مَدْرَعَةَ صُوفٍ ثُمَّ خَرَجَ حافِيًا حَتّى أتى نِيلَ مِصْرَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي أعْلَمُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَمْلَأ نِيلَ مِصْرَ ماءً فامْلَأْهُ ماءً، فَما عَلِمَ إلّا بِجَزْرِ الماءِ يُقْبِلُ، فَخَرَجَ وأقْبَلَ النِّيلُ يَزُخُّ بِالماءِ لِما أرادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الهَلَكَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالَ: العافِيَةُ والرَّخاءُ قالُوا لَنا هَذِهِ نَحْنُ أحَقُّ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قالَ: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى قالَ: يَتَشاءَمُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ قالَ: الأمْرُ مِن قِبَلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الطُّوفانُ المَوْتُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ الغَرَقُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ المَوْتُ عَلى كُلِّ حالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ: مُطِرُوا دائِمًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، والقُمَّلُ: الجَرادُ الَّذِي لَهُ أجْنِحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: الطُّوفانُ أمْرٌ مِن أمْرِ رَبِّكَ، ثُمَّ قَرَأ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ( القَلَمِ: ١٩ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ: الماءُ والطّاعُونُ والجَرادُ.
قالَ: يَأْكُلُ مَسامِيرَ أرْتُجِهِمْ: يَعْنِي أبْوابَهم وثِيابَهم، والقُمَّلُ الدَّبّاءُ (p-٤٩٦)والضَّفادِعُ تَسْقُطُ عَلى فُرُشِهِمْ وفي أطْعِمَتِهِمْ، والدَّمُ يَكُونُ في ثِيابِهِمْ ومائِهِمْ وطَعامِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: القُمَّلُ الدَّبّاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ الضَّفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أرْسَلَها اللَّهُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ نَفْسَها في القِدْرِ وهي تَغْلِي، وفي التَّنانِيرِ وهي تَفُورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سالَ النِّيلُ دَمًا فَكانَ الإسْرائِيلِيُّ يَسْتَقِي ماءً طَيِّبًا، ويَسْتَقِي الفِرْعَوْنِيُّ دَمًا، ويَشْتَرِكانِ في إناءٍ واحِدٍ فَيَكُونُ ما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً طَيِّبًا وما يَلِي الفِرْعَوْنِيَّ دَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: والدَّمَ قالَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَكَثَ مُوسى في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ والجَرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادِعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ قالَ: كانَتْ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا لِيَكُونَ لِلَّهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا تَمْكُثُ فِيهِمْ سَبْتًا إلى سَبْتٍ ثُمَّ تُرْفَعَ عَنْهم شَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الرِّجْزُ: العَذابُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الرِّجْزُ: الطّاعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ قالَ: الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: اليَمُّ البَحْرُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:133
المُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا قَوْمُهُ، والمُرادُ بِالسِّنِينَ الجَدْبُ، وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، يَقُولُونَ أصابَتْهم سَنَةٌ: أيْ جَدَبُ سَنَةٍ، وفي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وأكْثَرُ العَرَبِ يُعْرِبُونَ السِّنِينَ إعْرابَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعْرِبُهُ إعْرابَ المُفْرَدِ ويُجْرِي الحَرَكاتِ عَلى النُّونِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينِ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
بِكَسْرِ النُّونِ مِنَ السِّنِينَ.
قالَ النَّحّاسُ: وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ بِفَتْحِ النُّونِ.
أقُولُ:
قَدْ ورَدَ ما لا احْتِمالَ فِيهِ وهو قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا تَزْدَرِي الأقْوامُ مِنِّي ∗∗∗ وقَدْ جاوَزْتُ حَدَّ الأرْبَعِينَ
وبَعْدَهُ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ وتَجْذِبُنِي مُداوَرَةُ السِّنِينِ
فَإنَّ الأبْياتَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مَكْسُورَةٌ.
وأوَّلُ هَذِهِ الأبْياتِ:
؎أنا ابْنُ جَلا وطُلّاعِ الثَّنايا ∗∗∗ مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ أنَّهم يَقُولُونَ: أقَمْتُ عِنْدَهُ سِنِينًا مَصْرُوفًا، قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ لا يَصْرِفُونَهُ، ويُقالُ أسْنَتَ القَوْمُ: أيْ أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى:
؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ المَطَرِ وكَثْرَةِ العاهاتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ فَيَتَّعِظُونَ ويَرْجِعُونَ عَنْ غِوايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ مِنَ الخِصْبِ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وصَلاحِ الثَّمَراتِ ورَخاءِ الأسْعارِ قالُوا لَنا هَذِهِ أيْ أعْطَيْناها بِاسْتِحْقاقٍ، وهي مُخْتَصَّةٌ بِنا وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أيْ خَصْلَةٌ سَيِّئَةٌ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ وكَثْرَةِ الأمْراضِ ونَحْوِها مِنَ البَلاءِ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ أيْ يَتَشاءَمُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، والأصْلُ يَتَطَيَّرُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ " تَطَيَّرْنا " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِأشْياءَ مِنَ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَشاءَمَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ( النِّساءِ: ٧٨ ) قِيلَ: ووَجْهُ تَعْرِيفِ الحَسَنَةِ أنَّها كَثِيرَةُ الوُقُوعِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ نُدْرَةُ وُقُوعِها.
قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ بِجَمِيعِ ما يَنالُهم مِن خِصْبٍ وقَحْطٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِسَبَبِ مُوسى ومَن مَعَهُ، وكانَ هَذا الجَوابُ عَلى نَمَطِ ما يَعْتَقِدُونَهُ وبِما يَفْهَمُونَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالطّائِرِ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ الَّذِي يَجْرِي بِقَدَرِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ومَشِيئَتِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ بِهَذا بَلْ يَنْسِبُونَ الخَيْرَ والشَّرَّ إلى غَيْرِ اللَّهِ جَهْلًا مِنهم.
وقَرَأ الحَسَنُ " طَيْرُهم " .
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ مَهْما ما الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهِ ما الَّتِي لِلتَّوْكِيدِ كَما تُزادُ في سائِرِ الحُرُوفِ مِثْلَ: حَيْثُما وأيْنَما وكَيْفَما ومَتى ما، ولَكِنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ المِثْلَيْنِ فَأبْدَلُوا ألِفَ الأُولى هاءً.
وقالَ الكِسائِيُّ: أصْلُهُ مَهْ: أيِ اكْفُفْ ما تَأْتِينا بِهِ مِن آيَةٍ، وزِيدَتْ عَلَيْها ما الشَّرْطِيَّةُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ يُجازِي بِها، ومَحَلُّ مَهْما الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَها، و مِن آيَةٍ لِبَيانِ مَهْما، وسَمَّوْها آيَةَ اسْتِهْزاءٍ بِمُوسى كَما يُفِيدُهُ ما بَعْدَهُ، وهو لِتَسْحَرَنا بِها أيْ لِتَصْرِفَنا عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ كَما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ بِسِحْرِهِمْ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى مَهْما، والضَّمِيرُ (p-٤٩٥)فِي بِها عائِدٌ إلى آيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي بِاعْتِبارِ المَعْنى فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُصَدِّقِينَ: أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَجِيءُ بِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ مِنَ السِّحْرِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ بِهِمُ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المُبَيَّنَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ وهو المَطَرُ الشَّدِيدُ.
قالَ الأخْفَشُ: واحِدُهُ طُوفانَةٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ والنُّقْصانِ فَلا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: الطُّوفانُ: المَوْتُ.
وقالَ النَّحّاسُ: الطُّوفانُ في اللُّغَةِ ما كانَ مُهْلِكًا مِن مَوْتٍ أوْ سَيْلٍ: أيْ ما يُطِيفُ بِهِمْ فَيُهْلِكُهم والجَرادَ هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ أرْسَلَهُ اللَّهُ لِأكْلِ زُرُوعِهِمْ فَأكَلَها والقُمَّلَ قِيلَ: هي الدَّبّاءُ، والدَّبّاءُ الجَرادُ قَبْلَ أنْ تَطِيرَ، وقِيلَ: هي السُّوسُ، وقِيلَ: البَراغِيثُ، وقِيلَ: دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، وقِيلَ: ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وقِيلَ: الجُعْلانِ.
قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ " القَمْلَ " بِفَتْحِ القافِ وإسْكانِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً.
وقَدْ فَسَّرَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ القُمَّلَ بِالقَمْلِ والضَّفادِعَ جَمْعُ ضُفْدَعٍ وهو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ في الماءِ والدَّمَ رُوِيَ أنَّهُ سالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا، وقِيلَ: هو الرُّعافُ.
قَوْلُهُ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ مُبَيَّناتٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأشْياءَ حالَ كَوْنِها آياتٍ بَيِّناتٍ ظاهِراتٍ فاسْتَكْبَرُوا أيْ تَرَفَّعُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى حَقٍّ ولا يَنْزِعُونَ عَنْ باطِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيِ العَذابُ بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا الرِّجْزُ طاعُونًا ماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا ﴿قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، أوْ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، أوْ بِما عَهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ فَيُجِيبُكَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِادْعُ عَلى مَعْنى أسْعِفْنا إلى ما نَطْلُبُ مِنَ الدُّعاءِ بِحَقِّ ما عِنْدَكَ مِن عَهْدِ اللَّهِ، أوِ ادْعُ لَنا مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ لَنُؤْمِنَنَّ: أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ، وعَلى أنَّ الباءَ لَيْسَتْ لِلْقَسَمِ تَكُونُ اللّامُ في لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولَنُؤْمِنَنَّ جَوابُ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى لَنُؤْمِنَنَّ.
وقَدْ كانُوا حابِسِينَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَهم يَمْتَهِنُونَهم في الأعْمالِ فَوَعَدُوهُ بِإرْسالِهِمْ مَعَهُ.
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ عِنْدَ أنْ رَجَعُوا إلى مُوسى وسَألُوهُ بِما سَألُوهُ، لَكِنْ لا رَفْعًا مُطْلَقًا، بَلْ رَفْعًا مُقَيَّدًا بِغايَةٍ هي الأجَلُ المَضْرُوبُ لِإهْلاكِهِمْ بِالغَرَقِ، وجَوابُ لَمّا ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ يَنْقُضُونَ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.
وإذا هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ أرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم لَمّا نَكَثُوا بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الذُّنُوبِ المُتَعَدِّدَةِ ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ أيْ في البَحْرِ، قِيلَ: هو الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّتُهُ وأوْسَطُهُ، وجُمْلَةُ ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا: أيْ كانُوا غافِلِينَ عَنِ النِّقْمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِانْتَقَمْنا، أوْ عَنِ الآياتِ الَّتِي لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ كَذَّبُوا بِها وكانُوا في تَكْذِيبِهِمْ بِمَنزِلَةِ الغافِلِينَ عَنْها.
والثّانِي أوْلى لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قالَ: السِّنِينُ الجُوعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السِّنِينُ الجَوائِحُ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ دُونَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أخَذَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ يَبِسَ كُلُّ شَيْءٍ لَهم، وذَهَبَتْ مَواشِيهِمْ حَتّى يَبِسَ نِيلُ مِصْرَ، واجْتَمَعُوا إلى فِرْعَوْنَ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فائْتِنا في نِيلِ مِصْرَ بِماءٍ، قالَ: غُدْوَةً يُصَبِّحُكُمُ الماءُ فَلَمّا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالَ: أيُّ شَيْءٍ صَنَعْتُ إنْ لَمْ أقْدِرْ عَلى أنْ أُجْرِيَ في نِيلِ مِصْرَ ماءً غُدْوَةً كَذَّبُونِي ؟ فَلَمّا كانَ جَوْفُ اللَّيْلِ قامَ فاغْتَسَلَ ولَبِسَ مَدْرَعَةَ صُوفٍ ثُمَّ خَرَجَ حافِيًا حَتّى أتى نِيلَ مِصْرَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي أعْلَمُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَمْلَأ نِيلَ مِصْرَ ماءً فامْلَأْهُ ماءً، فَما عَلِمَ إلّا بِجَزْرِ الماءِ يُقْبِلُ، فَخَرَجَ وأقْبَلَ النِّيلُ يَزُخُّ بِالماءِ لِما أرادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الهَلَكَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالَ: العافِيَةُ والرَّخاءُ قالُوا لَنا هَذِهِ نَحْنُ أحَقُّ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قالَ: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى قالَ: يَتَشاءَمُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ قالَ: الأمْرُ مِن قِبَلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الطُّوفانُ المَوْتُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ الغَرَقُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ المَوْتُ عَلى كُلِّ حالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ: مُطِرُوا دائِمًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، والقُمَّلُ: الجَرادُ الَّذِي لَهُ أجْنِحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: الطُّوفانُ أمْرٌ مِن أمْرِ رَبِّكَ، ثُمَّ قَرَأ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ( القَلَمِ: ١٩ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ: الماءُ والطّاعُونُ والجَرادُ.
قالَ: يَأْكُلُ مَسامِيرَ أرْتُجِهِمْ: يَعْنِي أبْوابَهم وثِيابَهم، والقُمَّلُ الدَّبّاءُ (p-٤٩٦)والضَّفادِعُ تَسْقُطُ عَلى فُرُشِهِمْ وفي أطْعِمَتِهِمْ، والدَّمُ يَكُونُ في ثِيابِهِمْ ومائِهِمْ وطَعامِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: القُمَّلُ الدَّبّاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ الضَّفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أرْسَلَها اللَّهُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ نَفْسَها في القِدْرِ وهي تَغْلِي، وفي التَّنانِيرِ وهي تَفُورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سالَ النِّيلُ دَمًا فَكانَ الإسْرائِيلِيُّ يَسْتَقِي ماءً طَيِّبًا، ويَسْتَقِي الفِرْعَوْنِيُّ دَمًا، ويَشْتَرِكانِ في إناءٍ واحِدٍ فَيَكُونُ ما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً طَيِّبًا وما يَلِي الفِرْعَوْنِيَّ دَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: والدَّمَ قالَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَكَثَ مُوسى في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ والجَرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادِعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ قالَ: كانَتْ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا لِيَكُونَ لِلَّهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا تَمْكُثُ فِيهِمْ سَبْتًا إلى سَبْتٍ ثُمَّ تُرْفَعَ عَنْهم شَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الرِّجْزُ: العَذابُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الرِّجْزُ: الطّاعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ قالَ: الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: اليَمُّ البَحْرُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:134
المُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا قَوْمُهُ، والمُرادُ بِالسِّنِينَ الجَدْبُ، وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، يَقُولُونَ أصابَتْهم سَنَةٌ: أيْ جَدَبُ سَنَةٍ، وفي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وأكْثَرُ العَرَبِ يُعْرِبُونَ السِّنِينَ إعْرابَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعْرِبُهُ إعْرابَ المُفْرَدِ ويُجْرِي الحَرَكاتِ عَلى النُّونِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينِ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
بِكَسْرِ النُّونِ مِنَ السِّنِينَ.
قالَ النَّحّاسُ: وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ بِفَتْحِ النُّونِ.
أقُولُ:
قَدْ ورَدَ ما لا احْتِمالَ فِيهِ وهو قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا تَزْدَرِي الأقْوامُ مِنِّي ∗∗∗ وقَدْ جاوَزْتُ حَدَّ الأرْبَعِينَ
وبَعْدَهُ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ وتَجْذِبُنِي مُداوَرَةُ السِّنِينِ
فَإنَّ الأبْياتَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مَكْسُورَةٌ.
وأوَّلُ هَذِهِ الأبْياتِ:
؎أنا ابْنُ جَلا وطُلّاعِ الثَّنايا ∗∗∗ مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ أنَّهم يَقُولُونَ: أقَمْتُ عِنْدَهُ سِنِينًا مَصْرُوفًا، قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ لا يَصْرِفُونَهُ، ويُقالُ أسْنَتَ القَوْمُ: أيْ أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى:
؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ المَطَرِ وكَثْرَةِ العاهاتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ فَيَتَّعِظُونَ ويَرْجِعُونَ عَنْ غِوايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ مِنَ الخِصْبِ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وصَلاحِ الثَّمَراتِ ورَخاءِ الأسْعارِ قالُوا لَنا هَذِهِ أيْ أعْطَيْناها بِاسْتِحْقاقٍ، وهي مُخْتَصَّةٌ بِنا وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أيْ خَصْلَةٌ سَيِّئَةٌ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ وكَثْرَةِ الأمْراضِ ونَحْوِها مِنَ البَلاءِ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ أيْ يَتَشاءَمُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، والأصْلُ يَتَطَيَّرُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ " تَطَيَّرْنا " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِأشْياءَ مِنَ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَشاءَمَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ( النِّساءِ: ٧٨ ) قِيلَ: ووَجْهُ تَعْرِيفِ الحَسَنَةِ أنَّها كَثِيرَةُ الوُقُوعِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ نُدْرَةُ وُقُوعِها.
قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ بِجَمِيعِ ما يَنالُهم مِن خِصْبٍ وقَحْطٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِسَبَبِ مُوسى ومَن مَعَهُ، وكانَ هَذا الجَوابُ عَلى نَمَطِ ما يَعْتَقِدُونَهُ وبِما يَفْهَمُونَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالطّائِرِ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ الَّذِي يَجْرِي بِقَدَرِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ومَشِيئَتِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ بِهَذا بَلْ يَنْسِبُونَ الخَيْرَ والشَّرَّ إلى غَيْرِ اللَّهِ جَهْلًا مِنهم.
وقَرَأ الحَسَنُ " طَيْرُهم " .
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ مَهْما ما الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهِ ما الَّتِي لِلتَّوْكِيدِ كَما تُزادُ في سائِرِ الحُرُوفِ مِثْلَ: حَيْثُما وأيْنَما وكَيْفَما ومَتى ما، ولَكِنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ المِثْلَيْنِ فَأبْدَلُوا ألِفَ الأُولى هاءً.
وقالَ الكِسائِيُّ: أصْلُهُ مَهْ: أيِ اكْفُفْ ما تَأْتِينا بِهِ مِن آيَةٍ، وزِيدَتْ عَلَيْها ما الشَّرْطِيَّةُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ يُجازِي بِها، ومَحَلُّ مَهْما الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَها، و مِن آيَةٍ لِبَيانِ مَهْما، وسَمَّوْها آيَةَ اسْتِهْزاءٍ بِمُوسى كَما يُفِيدُهُ ما بَعْدَهُ، وهو لِتَسْحَرَنا بِها أيْ لِتَصْرِفَنا عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ كَما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ بِسِحْرِهِمْ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى مَهْما، والضَّمِيرُ (p-٤٩٥)فِي بِها عائِدٌ إلى آيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي بِاعْتِبارِ المَعْنى فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُصَدِّقِينَ: أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَجِيءُ بِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ مِنَ السِّحْرِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ بِهِمُ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المُبَيَّنَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ وهو المَطَرُ الشَّدِيدُ.
قالَ الأخْفَشُ: واحِدُهُ طُوفانَةٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ والنُّقْصانِ فَلا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: الطُّوفانُ: المَوْتُ.
وقالَ النَّحّاسُ: الطُّوفانُ في اللُّغَةِ ما كانَ مُهْلِكًا مِن مَوْتٍ أوْ سَيْلٍ: أيْ ما يُطِيفُ بِهِمْ فَيُهْلِكُهم والجَرادَ هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ أرْسَلَهُ اللَّهُ لِأكْلِ زُرُوعِهِمْ فَأكَلَها والقُمَّلَ قِيلَ: هي الدَّبّاءُ، والدَّبّاءُ الجَرادُ قَبْلَ أنْ تَطِيرَ، وقِيلَ: هي السُّوسُ، وقِيلَ: البَراغِيثُ، وقِيلَ: دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، وقِيلَ: ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وقِيلَ: الجُعْلانِ.
قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ " القَمْلَ " بِفَتْحِ القافِ وإسْكانِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً.
وقَدْ فَسَّرَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ القُمَّلَ بِالقَمْلِ والضَّفادِعَ جَمْعُ ضُفْدَعٍ وهو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ في الماءِ والدَّمَ رُوِيَ أنَّهُ سالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا، وقِيلَ: هو الرُّعافُ.
قَوْلُهُ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ مُبَيَّناتٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأشْياءَ حالَ كَوْنِها آياتٍ بَيِّناتٍ ظاهِراتٍ فاسْتَكْبَرُوا أيْ تَرَفَّعُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى حَقٍّ ولا يَنْزِعُونَ عَنْ باطِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيِ العَذابُ بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا الرِّجْزُ طاعُونًا ماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا ﴿قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، أوْ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، أوْ بِما عَهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ فَيُجِيبُكَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِادْعُ عَلى مَعْنى أسْعِفْنا إلى ما نَطْلُبُ مِنَ الدُّعاءِ بِحَقِّ ما عِنْدَكَ مِن عَهْدِ اللَّهِ، أوِ ادْعُ لَنا مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ لَنُؤْمِنَنَّ: أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ، وعَلى أنَّ الباءَ لَيْسَتْ لِلْقَسَمِ تَكُونُ اللّامُ في لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولَنُؤْمِنَنَّ جَوابُ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى لَنُؤْمِنَنَّ.
وقَدْ كانُوا حابِسِينَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَهم يَمْتَهِنُونَهم في الأعْمالِ فَوَعَدُوهُ بِإرْسالِهِمْ مَعَهُ.
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ عِنْدَ أنْ رَجَعُوا إلى مُوسى وسَألُوهُ بِما سَألُوهُ، لَكِنْ لا رَفْعًا مُطْلَقًا، بَلْ رَفْعًا مُقَيَّدًا بِغايَةٍ هي الأجَلُ المَضْرُوبُ لِإهْلاكِهِمْ بِالغَرَقِ، وجَوابُ لَمّا ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ يَنْقُضُونَ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.
وإذا هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ أرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم لَمّا نَكَثُوا بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الذُّنُوبِ المُتَعَدِّدَةِ ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ أيْ في البَحْرِ، قِيلَ: هو الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّتُهُ وأوْسَطُهُ، وجُمْلَةُ ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا: أيْ كانُوا غافِلِينَ عَنِ النِّقْمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِانْتَقَمْنا، أوْ عَنِ الآياتِ الَّتِي لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ كَذَّبُوا بِها وكانُوا في تَكْذِيبِهِمْ بِمَنزِلَةِ الغافِلِينَ عَنْها.
والثّانِي أوْلى لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قالَ: السِّنِينُ الجُوعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السِّنِينُ الجَوائِحُ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ دُونَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أخَذَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ يَبِسَ كُلُّ شَيْءٍ لَهم، وذَهَبَتْ مَواشِيهِمْ حَتّى يَبِسَ نِيلُ مِصْرَ، واجْتَمَعُوا إلى فِرْعَوْنَ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فائْتِنا في نِيلِ مِصْرَ بِماءٍ، قالَ: غُدْوَةً يُصَبِّحُكُمُ الماءُ فَلَمّا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالَ: أيُّ شَيْءٍ صَنَعْتُ إنْ لَمْ أقْدِرْ عَلى أنْ أُجْرِيَ في نِيلِ مِصْرَ ماءً غُدْوَةً كَذَّبُونِي ؟ فَلَمّا كانَ جَوْفُ اللَّيْلِ قامَ فاغْتَسَلَ ولَبِسَ مَدْرَعَةَ صُوفٍ ثُمَّ خَرَجَ حافِيًا حَتّى أتى نِيلَ مِصْرَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي أعْلَمُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَمْلَأ نِيلَ مِصْرَ ماءً فامْلَأْهُ ماءً، فَما عَلِمَ إلّا بِجَزْرِ الماءِ يُقْبِلُ، فَخَرَجَ وأقْبَلَ النِّيلُ يَزُخُّ بِالماءِ لِما أرادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الهَلَكَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالَ: العافِيَةُ والرَّخاءُ قالُوا لَنا هَذِهِ نَحْنُ أحَقُّ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قالَ: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى قالَ: يَتَشاءَمُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ قالَ: الأمْرُ مِن قِبَلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الطُّوفانُ المَوْتُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ الغَرَقُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ المَوْتُ عَلى كُلِّ حالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ: مُطِرُوا دائِمًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، والقُمَّلُ: الجَرادُ الَّذِي لَهُ أجْنِحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: الطُّوفانُ أمْرٌ مِن أمْرِ رَبِّكَ، ثُمَّ قَرَأ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ( القَلَمِ: ١٩ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ: الماءُ والطّاعُونُ والجَرادُ.
قالَ: يَأْكُلُ مَسامِيرَ أرْتُجِهِمْ: يَعْنِي أبْوابَهم وثِيابَهم، والقُمَّلُ الدَّبّاءُ (p-٤٩٦)والضَّفادِعُ تَسْقُطُ عَلى فُرُشِهِمْ وفي أطْعِمَتِهِمْ، والدَّمُ يَكُونُ في ثِيابِهِمْ ومائِهِمْ وطَعامِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: القُمَّلُ الدَّبّاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ الضَّفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أرْسَلَها اللَّهُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ نَفْسَها في القِدْرِ وهي تَغْلِي، وفي التَّنانِيرِ وهي تَفُورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سالَ النِّيلُ دَمًا فَكانَ الإسْرائِيلِيُّ يَسْتَقِي ماءً طَيِّبًا، ويَسْتَقِي الفِرْعَوْنِيُّ دَمًا، ويَشْتَرِكانِ في إناءٍ واحِدٍ فَيَكُونُ ما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً طَيِّبًا وما يَلِي الفِرْعَوْنِيَّ دَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: والدَّمَ قالَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَكَثَ مُوسى في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ والجَرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادِعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ قالَ: كانَتْ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا لِيَكُونَ لِلَّهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا تَمْكُثُ فِيهِمْ سَبْتًا إلى سَبْتٍ ثُمَّ تُرْفَعَ عَنْهم شَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الرِّجْزُ: العَذابُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الرِّجْزُ: الطّاعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ قالَ: الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: اليَمُّ البَحْرُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:135
المُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا قَوْمُهُ، والمُرادُ بِالسِّنِينَ الجَدْبُ، وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، يَقُولُونَ أصابَتْهم سَنَةٌ: أيْ جَدَبُ سَنَةٍ، وفي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وأكْثَرُ العَرَبِ يُعْرِبُونَ السِّنِينَ إعْرابَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعْرِبُهُ إعْرابَ المُفْرَدِ ويُجْرِي الحَرَكاتِ عَلى النُّونِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينِ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
بِكَسْرِ النُّونِ مِنَ السِّنِينَ.
قالَ النَّحّاسُ: وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ بِفَتْحِ النُّونِ.
أقُولُ:
قَدْ ورَدَ ما لا احْتِمالَ فِيهِ وهو قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا تَزْدَرِي الأقْوامُ مِنِّي ∗∗∗ وقَدْ جاوَزْتُ حَدَّ الأرْبَعِينَ
وبَعْدَهُ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ وتَجْذِبُنِي مُداوَرَةُ السِّنِينِ
فَإنَّ الأبْياتَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مَكْسُورَةٌ.
وأوَّلُ هَذِهِ الأبْياتِ:
؎أنا ابْنُ جَلا وطُلّاعِ الثَّنايا ∗∗∗ مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ أنَّهم يَقُولُونَ: أقَمْتُ عِنْدَهُ سِنِينًا مَصْرُوفًا، قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ لا يَصْرِفُونَهُ، ويُقالُ أسْنَتَ القَوْمُ: أيْ أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى:
؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ المَطَرِ وكَثْرَةِ العاهاتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ فَيَتَّعِظُونَ ويَرْجِعُونَ عَنْ غِوايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ مِنَ الخِصْبِ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وصَلاحِ الثَّمَراتِ ورَخاءِ الأسْعارِ قالُوا لَنا هَذِهِ أيْ أعْطَيْناها بِاسْتِحْقاقٍ، وهي مُخْتَصَّةٌ بِنا وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أيْ خَصْلَةٌ سَيِّئَةٌ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ وكَثْرَةِ الأمْراضِ ونَحْوِها مِنَ البَلاءِ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ أيْ يَتَشاءَمُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، والأصْلُ يَتَطَيَّرُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ " تَطَيَّرْنا " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِأشْياءَ مِنَ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَشاءَمَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ( النِّساءِ: ٧٨ ) قِيلَ: ووَجْهُ تَعْرِيفِ الحَسَنَةِ أنَّها كَثِيرَةُ الوُقُوعِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ نُدْرَةُ وُقُوعِها.
قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ بِجَمِيعِ ما يَنالُهم مِن خِصْبٍ وقَحْطٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِسَبَبِ مُوسى ومَن مَعَهُ، وكانَ هَذا الجَوابُ عَلى نَمَطِ ما يَعْتَقِدُونَهُ وبِما يَفْهَمُونَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالطّائِرِ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ الَّذِي يَجْرِي بِقَدَرِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ومَشِيئَتِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ بِهَذا بَلْ يَنْسِبُونَ الخَيْرَ والشَّرَّ إلى غَيْرِ اللَّهِ جَهْلًا مِنهم.
وقَرَأ الحَسَنُ " طَيْرُهم " .
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ مَهْما ما الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهِ ما الَّتِي لِلتَّوْكِيدِ كَما تُزادُ في سائِرِ الحُرُوفِ مِثْلَ: حَيْثُما وأيْنَما وكَيْفَما ومَتى ما، ولَكِنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ المِثْلَيْنِ فَأبْدَلُوا ألِفَ الأُولى هاءً.
وقالَ الكِسائِيُّ: أصْلُهُ مَهْ: أيِ اكْفُفْ ما تَأْتِينا بِهِ مِن آيَةٍ، وزِيدَتْ عَلَيْها ما الشَّرْطِيَّةُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ يُجازِي بِها، ومَحَلُّ مَهْما الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَها، و مِن آيَةٍ لِبَيانِ مَهْما، وسَمَّوْها آيَةَ اسْتِهْزاءٍ بِمُوسى كَما يُفِيدُهُ ما بَعْدَهُ، وهو لِتَسْحَرَنا بِها أيْ لِتَصْرِفَنا عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ كَما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ بِسِحْرِهِمْ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى مَهْما، والضَّمِيرُ (p-٤٩٥)فِي بِها عائِدٌ إلى آيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي بِاعْتِبارِ المَعْنى فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُصَدِّقِينَ: أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَجِيءُ بِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ مِنَ السِّحْرِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ بِهِمُ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المُبَيَّنَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ وهو المَطَرُ الشَّدِيدُ.
قالَ الأخْفَشُ: واحِدُهُ طُوفانَةٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ والنُّقْصانِ فَلا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: الطُّوفانُ: المَوْتُ.
وقالَ النَّحّاسُ: الطُّوفانُ في اللُّغَةِ ما كانَ مُهْلِكًا مِن مَوْتٍ أوْ سَيْلٍ: أيْ ما يُطِيفُ بِهِمْ فَيُهْلِكُهم والجَرادَ هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ أرْسَلَهُ اللَّهُ لِأكْلِ زُرُوعِهِمْ فَأكَلَها والقُمَّلَ قِيلَ: هي الدَّبّاءُ، والدَّبّاءُ الجَرادُ قَبْلَ أنْ تَطِيرَ، وقِيلَ: هي السُّوسُ، وقِيلَ: البَراغِيثُ، وقِيلَ: دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، وقِيلَ: ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وقِيلَ: الجُعْلانِ.
قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ " القَمْلَ " بِفَتْحِ القافِ وإسْكانِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً.
وقَدْ فَسَّرَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ القُمَّلَ بِالقَمْلِ والضَّفادِعَ جَمْعُ ضُفْدَعٍ وهو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ في الماءِ والدَّمَ رُوِيَ أنَّهُ سالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا، وقِيلَ: هو الرُّعافُ.
قَوْلُهُ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ مُبَيَّناتٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأشْياءَ حالَ كَوْنِها آياتٍ بَيِّناتٍ ظاهِراتٍ فاسْتَكْبَرُوا أيْ تَرَفَّعُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى حَقٍّ ولا يَنْزِعُونَ عَنْ باطِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيِ العَذابُ بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا الرِّجْزُ طاعُونًا ماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا ﴿قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، أوْ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، أوْ بِما عَهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ فَيُجِيبُكَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِادْعُ عَلى مَعْنى أسْعِفْنا إلى ما نَطْلُبُ مِنَ الدُّعاءِ بِحَقِّ ما عِنْدَكَ مِن عَهْدِ اللَّهِ، أوِ ادْعُ لَنا مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ لَنُؤْمِنَنَّ: أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ، وعَلى أنَّ الباءَ لَيْسَتْ لِلْقَسَمِ تَكُونُ اللّامُ في لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولَنُؤْمِنَنَّ جَوابُ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى لَنُؤْمِنَنَّ.
وقَدْ كانُوا حابِسِينَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَهم يَمْتَهِنُونَهم في الأعْمالِ فَوَعَدُوهُ بِإرْسالِهِمْ مَعَهُ.
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ عِنْدَ أنْ رَجَعُوا إلى مُوسى وسَألُوهُ بِما سَألُوهُ، لَكِنْ لا رَفْعًا مُطْلَقًا، بَلْ رَفْعًا مُقَيَّدًا بِغايَةٍ هي الأجَلُ المَضْرُوبُ لِإهْلاكِهِمْ بِالغَرَقِ، وجَوابُ لَمّا ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ يَنْقُضُونَ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.
وإذا هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ أرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم لَمّا نَكَثُوا بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الذُّنُوبِ المُتَعَدِّدَةِ ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ أيْ في البَحْرِ، قِيلَ: هو الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّتُهُ وأوْسَطُهُ، وجُمْلَةُ ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا: أيْ كانُوا غافِلِينَ عَنِ النِّقْمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِانْتَقَمْنا، أوْ عَنِ الآياتِ الَّتِي لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ كَذَّبُوا بِها وكانُوا في تَكْذِيبِهِمْ بِمَنزِلَةِ الغافِلِينَ عَنْها.
والثّانِي أوْلى لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قالَ: السِّنِينُ الجُوعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السِّنِينُ الجَوائِحُ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ دُونَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أخَذَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ يَبِسَ كُلُّ شَيْءٍ لَهم، وذَهَبَتْ مَواشِيهِمْ حَتّى يَبِسَ نِيلُ مِصْرَ، واجْتَمَعُوا إلى فِرْعَوْنَ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فائْتِنا في نِيلِ مِصْرَ بِماءٍ، قالَ: غُدْوَةً يُصَبِّحُكُمُ الماءُ فَلَمّا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالَ: أيُّ شَيْءٍ صَنَعْتُ إنْ لَمْ أقْدِرْ عَلى أنْ أُجْرِيَ في نِيلِ مِصْرَ ماءً غُدْوَةً كَذَّبُونِي ؟ فَلَمّا كانَ جَوْفُ اللَّيْلِ قامَ فاغْتَسَلَ ولَبِسَ مَدْرَعَةَ صُوفٍ ثُمَّ خَرَجَ حافِيًا حَتّى أتى نِيلَ مِصْرَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي أعْلَمُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَمْلَأ نِيلَ مِصْرَ ماءً فامْلَأْهُ ماءً، فَما عَلِمَ إلّا بِجَزْرِ الماءِ يُقْبِلُ، فَخَرَجَ وأقْبَلَ النِّيلُ يَزُخُّ بِالماءِ لِما أرادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الهَلَكَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالَ: العافِيَةُ والرَّخاءُ قالُوا لَنا هَذِهِ نَحْنُ أحَقُّ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قالَ: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى قالَ: يَتَشاءَمُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ قالَ: الأمْرُ مِن قِبَلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الطُّوفانُ المَوْتُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ الغَرَقُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ المَوْتُ عَلى كُلِّ حالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ: مُطِرُوا دائِمًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، والقُمَّلُ: الجَرادُ الَّذِي لَهُ أجْنِحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: الطُّوفانُ أمْرٌ مِن أمْرِ رَبِّكَ، ثُمَّ قَرَأ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ( القَلَمِ: ١٩ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ: الماءُ والطّاعُونُ والجَرادُ.
قالَ: يَأْكُلُ مَسامِيرَ أرْتُجِهِمْ: يَعْنِي أبْوابَهم وثِيابَهم، والقُمَّلُ الدَّبّاءُ (p-٤٩٦)والضَّفادِعُ تَسْقُطُ عَلى فُرُشِهِمْ وفي أطْعِمَتِهِمْ، والدَّمُ يَكُونُ في ثِيابِهِمْ ومائِهِمْ وطَعامِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: القُمَّلُ الدَّبّاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ الضَّفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أرْسَلَها اللَّهُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ نَفْسَها في القِدْرِ وهي تَغْلِي، وفي التَّنانِيرِ وهي تَفُورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سالَ النِّيلُ دَمًا فَكانَ الإسْرائِيلِيُّ يَسْتَقِي ماءً طَيِّبًا، ويَسْتَقِي الفِرْعَوْنِيُّ دَمًا، ويَشْتَرِكانِ في إناءٍ واحِدٍ فَيَكُونُ ما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً طَيِّبًا وما يَلِي الفِرْعَوْنِيَّ دَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: والدَّمَ قالَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَكَثَ مُوسى في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ والجَرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادِعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ قالَ: كانَتْ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا لِيَكُونَ لِلَّهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا تَمْكُثُ فِيهِمْ سَبْتًا إلى سَبْتٍ ثُمَّ تُرْفَعَ عَنْهم شَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الرِّجْزُ: العَذابُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الرِّجْزُ: الطّاعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ قالَ: الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: اليَمُّ البَحْرُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:136
المُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا قَوْمُهُ، والمُرادُ بِالسِّنِينَ الجَدْبُ، وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، يَقُولُونَ أصابَتْهم سَنَةٌ: أيْ جَدَبُ سَنَةٍ، وفي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وأكْثَرُ العَرَبِ يُعْرِبُونَ السِّنِينَ إعْرابَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعْرِبُهُ إعْرابَ المُفْرَدِ ويُجْرِي الحَرَكاتِ عَلى النُّونِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينِ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
بِكَسْرِ النُّونِ مِنَ السِّنِينَ.
قالَ النَّحّاسُ: وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ بِفَتْحِ النُّونِ.
أقُولُ:
قَدْ ورَدَ ما لا احْتِمالَ فِيهِ وهو قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا تَزْدَرِي الأقْوامُ مِنِّي ∗∗∗ وقَدْ جاوَزْتُ حَدَّ الأرْبَعِينَ
وبَعْدَهُ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ وتَجْذِبُنِي مُداوَرَةُ السِّنِينِ
فَإنَّ الأبْياتَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مَكْسُورَةٌ.
وأوَّلُ هَذِهِ الأبْياتِ:
؎أنا ابْنُ جَلا وطُلّاعِ الثَّنايا ∗∗∗ مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ أنَّهم يَقُولُونَ: أقَمْتُ عِنْدَهُ سِنِينًا مَصْرُوفًا، قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ لا يَصْرِفُونَهُ، ويُقالُ أسْنَتَ القَوْمُ: أيْ أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى:
؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ المَطَرِ وكَثْرَةِ العاهاتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ فَيَتَّعِظُونَ ويَرْجِعُونَ عَنْ غِوايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ مِنَ الخِصْبِ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وصَلاحِ الثَّمَراتِ ورَخاءِ الأسْعارِ قالُوا لَنا هَذِهِ أيْ أعْطَيْناها بِاسْتِحْقاقٍ، وهي مُخْتَصَّةٌ بِنا وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أيْ خَصْلَةٌ سَيِّئَةٌ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ وكَثْرَةِ الأمْراضِ ونَحْوِها مِنَ البَلاءِ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ أيْ يَتَشاءَمُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، والأصْلُ يَتَطَيَّرُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ " تَطَيَّرْنا " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِأشْياءَ مِنَ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَشاءَمَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ( النِّساءِ: ٧٨ ) قِيلَ: ووَجْهُ تَعْرِيفِ الحَسَنَةِ أنَّها كَثِيرَةُ الوُقُوعِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ نُدْرَةُ وُقُوعِها.
قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ بِجَمِيعِ ما يَنالُهم مِن خِصْبٍ وقَحْطٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِسَبَبِ مُوسى ومَن مَعَهُ، وكانَ هَذا الجَوابُ عَلى نَمَطِ ما يَعْتَقِدُونَهُ وبِما يَفْهَمُونَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالطّائِرِ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ الَّذِي يَجْرِي بِقَدَرِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ومَشِيئَتِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ بِهَذا بَلْ يَنْسِبُونَ الخَيْرَ والشَّرَّ إلى غَيْرِ اللَّهِ جَهْلًا مِنهم.
وقَرَأ الحَسَنُ " طَيْرُهم " .
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ مَهْما ما الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهِ ما الَّتِي لِلتَّوْكِيدِ كَما تُزادُ في سائِرِ الحُرُوفِ مِثْلَ: حَيْثُما وأيْنَما وكَيْفَما ومَتى ما، ولَكِنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ المِثْلَيْنِ فَأبْدَلُوا ألِفَ الأُولى هاءً.
وقالَ الكِسائِيُّ: أصْلُهُ مَهْ: أيِ اكْفُفْ ما تَأْتِينا بِهِ مِن آيَةٍ، وزِيدَتْ عَلَيْها ما الشَّرْطِيَّةُ، وقِيلَ: هي كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ يُجازِي بِها، ومَحَلُّ مَهْما الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَها، و مِن آيَةٍ لِبَيانِ مَهْما، وسَمَّوْها آيَةَ اسْتِهْزاءٍ بِمُوسى كَما يُفِيدُهُ ما بَعْدَهُ، وهو لِتَسْحَرَنا بِها أيْ لِتَصْرِفَنا عَمّا نَحْنُ عَلَيْهِ كَما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ بِسِحْرِهِمْ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ إلى مَهْما، والضَّمِيرُ (p-٤٩٥)فِي بِها عائِدٌ إلى آيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُما جَمِيعًا عائِدانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي بِاعْتِبارِ المَعْنى فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ فَما نَحْنُ لَكَ بِمُصَدِّقِينَ: أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِمّا يَجِيءُ بِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي في زَعْمِهِمْ مِنَ السِّحْرِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَتْ بِهِمُ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المُبَيَّنَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾ وهو المَطَرُ الشَّدِيدُ.
قالَ الأخْفَشُ: واحِدُهُ طُوفانَةٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ والنُّقْصانِ فَلا واحِدَ لَهُ، وقِيلَ: الطُّوفانُ: المَوْتُ.
وقالَ النَّحّاسُ: الطُّوفانُ في اللُّغَةِ ما كانَ مُهْلِكًا مِن مَوْتٍ أوْ سَيْلٍ: أيْ ما يُطِيفُ بِهِمْ فَيُهْلِكُهم والجَرادَ هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ أرْسَلَهُ اللَّهُ لِأكْلِ زُرُوعِهِمْ فَأكَلَها والقُمَّلَ قِيلَ: هي الدَّبّاءُ، والدَّبّاءُ الجَرادُ قَبْلَ أنْ تَطِيرَ، وقِيلَ: هي السُّوسُ، وقِيلَ: البَراغِيثُ، وقِيلَ: دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، وقِيلَ: ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وقِيلَ: الجُعْلانِ.
قالَ النَّحّاسُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ " القَمْلَ " بِفَتْحِ القافِ وإسْكانِ المِيمِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ القافِ وفَتْحِ المِيمِ مُشَدَّدَةً.
وقَدْ فَسَّرَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ القُمَّلَ بِالقَمْلِ والضَّفادِعَ جَمْعُ ضُفْدَعٍ وهو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ الَّذِي يَكُونُ في الماءِ والدَّمَ رُوِيَ أنَّهُ سالَ النِّيلُ عَلَيْهِمْ دَمًا، وقِيلَ: هو الرُّعافُ.
قَوْلُهُ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أيْ مُبَيَّناتٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
والمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأشْياءَ حالَ كَوْنِها آياتٍ بَيِّناتٍ ظاهِراتٍ فاسْتَكْبَرُوا أيْ تَرَفَّعُوا عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى حَقٍّ ولا يَنْزِعُونَ عَنْ باطِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيِ العَذابُ بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أرْسَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: كانَ هَذا الرِّجْزُ طاعُونًا ماتَ بِهِ مِنَ القِبْطِ في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا ﴿قالُوا يامُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، أوْ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، أوْ بِما عَهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ فَيُجِيبُكَ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِادْعُ عَلى مَعْنى أسْعِفْنا إلى ما نَطْلُبُ مِنَ الدُّعاءِ بِحَقِّ ما عِنْدَكَ مِن عَهْدِ اللَّهِ، أوِ ادْعُ لَنا مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ لِلْقَسَمِ، وجَوابُهُ لَنُؤْمِنَنَّ: أيْ أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ، وعَلى أنَّ الباءَ لَيْسَتْ لِلْقَسَمِ تَكُونُ اللّامُ في لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ جَوابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ولَنُؤْمِنَنَّ جَوابُ الشَّرْطِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْطُوفٌ عَلى لَنُؤْمِنَنَّ.
وقَدْ كانُوا حابِسِينَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَهم يَمْتَهِنُونَهم في الأعْمالِ فَوَعَدُوهُ بِإرْسالِهِمْ مَعَهُ.
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ عِنْدَ أنْ رَجَعُوا إلى مُوسى وسَألُوهُ بِما سَألُوهُ، لَكِنْ لا رَفْعًا مُطْلَقًا، بَلْ رَفْعًا مُقَيَّدًا بِغايَةٍ هي الأجَلُ المَضْرُوبُ لِإهْلاكِهِمْ بِالغَرَقِ، وجَوابُ لَمّا ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ يَنْقُضُونَ ما عَقَدُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ.
وإذا هي الفُجائِيَّةُ: أيْ فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ.
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ أرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم لَمّا نَكَثُوا بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الذُّنُوبِ المُتَعَدِّدَةِ ﴿فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ أيْ في البَحْرِ، قِيلَ: هو الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّتُهُ وأوْسَطُهُ، وجُمْلَةُ ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَذَّبُوا: أيْ كانُوا غافِلِينَ عَنِ النِّقْمَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِانْتَقَمْنا، أوْ عَنِ الآياتِ الَّتِي لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ كَذَّبُوا بِها وكانُوا في تَكْذِيبِهِمْ بِمَنزِلَةِ الغافِلِينَ عَنْها.
والثّانِي أوْلى لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قالَ: السِّنِينُ الجُوعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السِّنِينُ الجَوائِحُ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ دُونَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا أخَذَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ يَبِسَ كُلُّ شَيْءٍ لَهم، وذَهَبَتْ مَواشِيهِمْ حَتّى يَبِسَ نِيلُ مِصْرَ، واجْتَمَعُوا إلى فِرْعَوْنَ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ كَما تَزْعُمُ فائْتِنا في نِيلِ مِصْرَ بِماءٍ، قالَ: غُدْوَةً يُصَبِّحُكُمُ الماءُ فَلَمّا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ قالَ: أيُّ شَيْءٍ صَنَعْتُ إنْ لَمْ أقْدِرْ عَلى أنْ أُجْرِيَ في نِيلِ مِصْرَ ماءً غُدْوَةً كَذَّبُونِي ؟ فَلَمّا كانَ جَوْفُ اللَّيْلِ قامَ فاغْتَسَلَ ولَبِسَ مَدْرَعَةَ صُوفٍ ثُمَّ خَرَجَ حافِيًا حَتّى أتى نِيلَ مِصْرَ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي أعْلَمُ أنَّكَ تَقْدِرُ عَلى أنْ تَمْلَأ نِيلَ مِصْرَ ماءً فامْلَأْهُ ماءً، فَما عَلِمَ إلّا بِجَزْرِ الماءِ يُقْبِلُ، فَخَرَجَ وأقْبَلَ النِّيلُ يَزُخُّ بِالماءِ لِما أرادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الهَلَكَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالَ: العافِيَةُ والرَّخاءُ قالُوا لَنا هَذِهِ نَحْنُ أحَقُّ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قالَ: بَلاءٌ وعُقُوبَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى قالَ: يَتَشاءَمُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ قالَ: الأمْرُ مِن قِبَلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «الطُّوفانُ المَوْتُ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ الغَرَقُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ المَوْتُ عَلى كُلِّ حالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الطُّوفانُ: مُطِرُوا دائِمًا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، والقُمَّلُ: الجَرادُ الَّذِي لَهُ أجْنِحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: الطُّوفانُ أمْرٌ مِن أمْرِ رَبِّكَ، ثُمَّ قَرَأ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ ( القَلَمِ: ١٩ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّوفانُ: الماءُ والطّاعُونُ والجَرادُ.
قالَ: يَأْكُلُ مَسامِيرَ أرْتُجِهِمْ: يَعْنِي أبْوابَهم وثِيابَهم، والقُمَّلُ الدَّبّاءُ (p-٤٩٦)والضَّفادِعُ تَسْقُطُ عَلى فُرُشِهِمْ وفي أطْعِمَتِهِمْ، والدَّمُ يَكُونُ في ثِيابِهِمْ ومائِهِمْ وطَعامِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: القُمَّلُ الدَّبّاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتْ الضَّفادِعُ بَرِّيَّةً، فَلَمّا أرْسَلَها اللَّهُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ وأطاعَتْ فَجَعَلَتْ تَقْذِفُ نَفْسَها في القِدْرِ وهي تَغْلِي، وفي التَّنانِيرِ وهي تَفُورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سالَ النِّيلُ دَمًا فَكانَ الإسْرائِيلِيُّ يَسْتَقِي ماءً طَيِّبًا، ويَسْتَقِي الفِرْعَوْنِيُّ دَمًا، ويَشْتَرِكانِ في إناءٍ واحِدٍ فَيَكُونُ ما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً طَيِّبًا وما يَلِي الفِرْعَوْنِيَّ دَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: والدَّمَ قالَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: مَكَثَ مُوسى في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ ما غَلَبَ السَّحَرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ والجَرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادِعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: آياتٍ مُفَصَّلاتٍ قالَ: كانَتْ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا لِيَكُونَ لِلَّهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ قالَ: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا تَمْكُثُ فِيهِمْ سَبْتًا إلى سَبْتٍ ثُمَّ تُرْفَعَ عَنْهم شَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الرِّجْزُ: العَذابُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الرِّجْزُ: الطّاعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ قالَ: الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: اليَمُّ البَحْرُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
الأعراف 7:137
قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ أيْ يُذَلُّونَ ويُمْتَهَنُونَ بِالخِدْمَةِ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها مَنصُوبانِ بِأوْرَثْنا.
وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ الأصْلَ: في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها ثُمَّ حُذِفَتْ في فَنُصِبا، والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ يُقالُ: أوْرَثْتُهُ المالَ، والأرْضُ هي مِصْرُ والشّامُ، ومَشارِقُها جِهاتُ مَشْرِقِها ومَغارِبُها جِهاتُ مَغْرِبِها، وهي الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ الأرْضِ؛ لِأنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ مَلَكا الأرْضَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ صِفَةٌ لِلْمَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأرْضِ، والمُبارَكَةُ فِيها إخْراجُ الزَّرْعِ والثِّمارِ مِنها عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ وأنْفَعِ ما يُنْفَقُ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ أيْ مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ عَلى التَّمامِ والكَلِمَةُ هي ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ( القَصَصِ: ٥ ) .
وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى أمْلاكِهِمْ، والحُسْنى: صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وهي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وتَمامُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى ما أُصِيبُوا بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ: أيْ أهْلَكْنا بِالخَرابِ ما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِنَ العِماراتِ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرِشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ.
قالَ الكِسائِيُّ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ " يُعَرِّشُونَ " بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً: أيْ ما كانُوا يَعْرِشُونَهُ مِنَ الجَنّاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وقِيلَ: مَعْنى يَعْرِشُونَ يَبْنُونَ، يُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ: أيْ بَنى يَبْنِي.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ جُزْناهُ بِهِمْ وقَطَعْناهُ.
وقُرِئَ " جَوَّزْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " يَعْكُفُونَ " بِكَسْرِ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، يُقالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ: ويَعْكِفُ بِمَعْنى أقامَ عَلى الشَّيْءِ ولَزِمَهُ، والمَصْدَرُ مِنهُما عُكُوفٌ، قِيلَ: هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ أتاهم بَنُو إسْرائِيلَ هم مِن لَخْمٍ كانُوا نازِلِينَ بِالرَّقَّةِ، كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلُ بَقَرٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ قالُوا أيْ بَنُو إسْرائِيلَ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِتِلْكَ التَّماثِيلِ ﴿يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ أيْ صَنَمًا نَعْبُدُهُ كائِنًا كالَّذِي لِهَؤُلاءِ القَوْمِ فالكافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ إلَهًا، فَأجابَ عَلَيْهِمْ مُوسى، وقالَ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وصَفَهم بِالجَهْلِ لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِن آياتِ اللَّهِ ما يَزْجُرُ مَن لَهُ أدْنى عِلْمٍ عَنْ طَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ: أعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ أشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ عِنادًا وجَهْلًا وتَلَوُّنًا، وقَدْ سَلَفَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ ما جَرى مِنهم مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ قالَ لَهم مُوسى: إنَّ هَؤُلاءِ يَعْنِي القَوْمَ العاكِفِينَ عَلى الأصْنامِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ التَّبارُ الهَلاكُ، وكُلُّ إناءٍ مُنْكَسِرٍ فَهو مُتَبَّرٌ: أيْ أنَّ هَؤُلاءِ هالِكٌ ما هم فِيهِ مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ، والَّذِي هم فِيهِ عِبادَةُ الأصْنامِ أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا الدِّينَ الَّذِي هَؤُلاءِ القَوْمُ عَلَيْهِ هالِكٌ مُدَمَّرٌ لا يَتِمُّ مِنهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ جَمِيعُ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ مَعَ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ.
قالَ في الكَشّافِ: وفي إيقاعِ هَؤُلاءِ اسْمًا لِ إنَّ وتَقْدِيمُ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها، واسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ (p-٤٩٧)لا يَعْدُوهم ألْبَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا.
قَوْلُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ: أيْ كَيْفَ أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا تَعْبُدُونَهُ وقَدْ شاهَدْتُمْ مِن آياتِهِ العِظامِ ما يَكْفِي البَعْضُ مِنهُ ؟ والمَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي طَلَبْتُمْ لا يَكُونُ أبَدًا، وإدْخالُ الهَمْزَةِ عَلى غَيْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُنْكَرَ هو كَوْنُ المُبْتَغى غَيْرَهُ سُبْحانَهُ إلَهًا، وغَيْرُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وإلَهًا تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ، وجُمْلَةُ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ مِن أهْلِ عَصْرِكم بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن إهْلاكِ عَدُوِّكم واسْتِخْلافِكم في الأرْضِ وإخْراجِكم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ إلى العِزِّ والرِّفْعَةِ فَكَيْفَ تُقابِلُونَ هَذِهِ النِّعَمَ بِطَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا لَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ كانُوا مالِكِينَ لَكم يَسْتَعْبِدُونَكم فِيما يُرِيدُونَهُ مِنكم ويَمْتَهِنُونَكم بِأنْواعِ الِامْتِهاناتِ، هَذا عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مَحْكِيٌّ عَنْ مُوسى، وأمّا إذا كانَ في حُكْمِ الخِطابِ لِلْيَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ فَهو بِمَعْنى اذْكُرُوا إذْ أنْجَيْنا أسْلافَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجُمْلَةُ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ حالَ كَوْنِهِمْ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما كانُوا فِيهِ مِمّا أنْجاهم مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم﴾ مُفَسِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، أوْ بَدَلٌ مِنها، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ذَلِكَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وفي ذَلِكم إلى العَذابِ: أيْ في هَذا العَذابِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ بَلاءٌ عَلَيْكم مِن رَبِّكم عَظِيمٌ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الإنْجاءِ، والبَلاءُ النِّعْمَةُ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها قالَ: الشّامُ وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: هي فِلَسْطِينُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في فَضْلِ الشّامِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ قالَ: ظُهُورُ قَوْمِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وتَمْكِينُ اللَّهِ لَهم في الأرْضِ وما ورَّثَهم مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وما كانُوا يَعْرِشُونَ قالَ: يَبْنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قالَ: لَخْمٍ وجُذامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: تَماثِيلُ بَقَرٍ مِن نُحاسٍ، فَلَمّا كانَ عِجْلُ السّامِرِيِّ شُبِّهَ لَهم أنَّهُ مِن تِلْكَ البَقَرِ، فَذَلِكَ كانَ أوَّلَ شَأْنِ العِجْلِ لِيَكُونَ لِلَّهِ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ فَيَنْتَقِمُ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ حُنَيْنٍ فَمَرَرْنا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا هَذِهِ ذَواتَ أنْواطٍ كَما لِلْكَفّارِ ذَواتُ أنْواطٍ، وكانَ الكُفّارُ يَنُوطُونَ سِلاحَهم بِسِدْرَةٍ ويَعْكُفُونَ حَوْلَها، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُ أكْبَرُ هَذا كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، إنَّكم تَرْكَبُونَ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، وكَثِيرٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: مُتَبَّرٌ قالَ: خُسْرانٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: هَلاكٌ.
الأعراف 7:138
قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ أيْ يُذَلُّونَ ويُمْتَهَنُونَ بِالخِدْمَةِ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها مَنصُوبانِ بِأوْرَثْنا.
وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ الأصْلَ: في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها ثُمَّ حُذِفَتْ في فَنُصِبا، والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ يُقالُ: أوْرَثْتُهُ المالَ، والأرْضُ هي مِصْرُ والشّامُ، ومَشارِقُها جِهاتُ مَشْرِقِها ومَغارِبُها جِهاتُ مَغْرِبِها، وهي الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ الأرْضِ؛ لِأنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ مَلَكا الأرْضَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ صِفَةٌ لِلْمَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأرْضِ، والمُبارَكَةُ فِيها إخْراجُ الزَّرْعِ والثِّمارِ مِنها عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ وأنْفَعِ ما يُنْفَقُ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ أيْ مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ عَلى التَّمامِ والكَلِمَةُ هي ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ( القَصَصِ: ٥ ) .
وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى أمْلاكِهِمْ، والحُسْنى: صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وهي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وتَمامُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى ما أُصِيبُوا بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ: أيْ أهْلَكْنا بِالخَرابِ ما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِنَ العِماراتِ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرِشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ.
قالَ الكِسائِيُّ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ " يُعَرِّشُونَ " بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً: أيْ ما كانُوا يَعْرِشُونَهُ مِنَ الجَنّاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وقِيلَ: مَعْنى يَعْرِشُونَ يَبْنُونَ، يُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ: أيْ بَنى يَبْنِي.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ جُزْناهُ بِهِمْ وقَطَعْناهُ.
وقُرِئَ " جَوَّزْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " يَعْكُفُونَ " بِكَسْرِ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، يُقالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ: ويَعْكِفُ بِمَعْنى أقامَ عَلى الشَّيْءِ ولَزِمَهُ، والمَصْدَرُ مِنهُما عُكُوفٌ، قِيلَ: هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ أتاهم بَنُو إسْرائِيلَ هم مِن لَخْمٍ كانُوا نازِلِينَ بِالرَّقَّةِ، كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلُ بَقَرٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ قالُوا أيْ بَنُو إسْرائِيلَ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِتِلْكَ التَّماثِيلِ ﴿يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ أيْ صَنَمًا نَعْبُدُهُ كائِنًا كالَّذِي لِهَؤُلاءِ القَوْمِ فالكافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ إلَهًا، فَأجابَ عَلَيْهِمْ مُوسى، وقالَ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وصَفَهم بِالجَهْلِ لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِن آياتِ اللَّهِ ما يَزْجُرُ مَن لَهُ أدْنى عِلْمٍ عَنْ طَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ: أعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ أشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ عِنادًا وجَهْلًا وتَلَوُّنًا، وقَدْ سَلَفَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ ما جَرى مِنهم مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ قالَ لَهم مُوسى: إنَّ هَؤُلاءِ يَعْنِي القَوْمَ العاكِفِينَ عَلى الأصْنامِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ التَّبارُ الهَلاكُ، وكُلُّ إناءٍ مُنْكَسِرٍ فَهو مُتَبَّرٌ: أيْ أنَّ هَؤُلاءِ هالِكٌ ما هم فِيهِ مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ، والَّذِي هم فِيهِ عِبادَةُ الأصْنامِ أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا الدِّينَ الَّذِي هَؤُلاءِ القَوْمُ عَلَيْهِ هالِكٌ مُدَمَّرٌ لا يَتِمُّ مِنهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ جَمِيعُ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ مَعَ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ.
قالَ في الكَشّافِ: وفي إيقاعِ هَؤُلاءِ اسْمًا لِ إنَّ وتَقْدِيمُ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها، واسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ (p-٤٩٧)لا يَعْدُوهم ألْبَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا.
قَوْلُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ: أيْ كَيْفَ أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا تَعْبُدُونَهُ وقَدْ شاهَدْتُمْ مِن آياتِهِ العِظامِ ما يَكْفِي البَعْضُ مِنهُ ؟ والمَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي طَلَبْتُمْ لا يَكُونُ أبَدًا، وإدْخالُ الهَمْزَةِ عَلى غَيْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُنْكَرَ هو كَوْنُ المُبْتَغى غَيْرَهُ سُبْحانَهُ إلَهًا، وغَيْرُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وإلَهًا تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ، وجُمْلَةُ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ مِن أهْلِ عَصْرِكم بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن إهْلاكِ عَدُوِّكم واسْتِخْلافِكم في الأرْضِ وإخْراجِكم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ إلى العِزِّ والرِّفْعَةِ فَكَيْفَ تُقابِلُونَ هَذِهِ النِّعَمَ بِطَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا لَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ كانُوا مالِكِينَ لَكم يَسْتَعْبِدُونَكم فِيما يُرِيدُونَهُ مِنكم ويَمْتَهِنُونَكم بِأنْواعِ الِامْتِهاناتِ، هَذا عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مَحْكِيٌّ عَنْ مُوسى، وأمّا إذا كانَ في حُكْمِ الخِطابِ لِلْيَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ فَهو بِمَعْنى اذْكُرُوا إذْ أنْجَيْنا أسْلافَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجُمْلَةُ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ حالَ كَوْنِهِمْ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما كانُوا فِيهِ مِمّا أنْجاهم مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم﴾ مُفَسِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، أوْ بَدَلٌ مِنها، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ذَلِكَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وفي ذَلِكم إلى العَذابِ: أيْ في هَذا العَذابِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ بَلاءٌ عَلَيْكم مِن رَبِّكم عَظِيمٌ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الإنْجاءِ، والبَلاءُ النِّعْمَةُ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها قالَ: الشّامُ وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: هي فِلَسْطِينُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في فَضْلِ الشّامِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ قالَ: ظُهُورُ قَوْمِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وتَمْكِينُ اللَّهِ لَهم في الأرْضِ وما ورَّثَهم مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وما كانُوا يَعْرِشُونَ قالَ: يَبْنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قالَ: لَخْمٍ وجُذامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: تَماثِيلُ بَقَرٍ مِن نُحاسٍ، فَلَمّا كانَ عِجْلُ السّامِرِيِّ شُبِّهَ لَهم أنَّهُ مِن تِلْكَ البَقَرِ، فَذَلِكَ كانَ أوَّلَ شَأْنِ العِجْلِ لِيَكُونَ لِلَّهِ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ فَيَنْتَقِمُ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ حُنَيْنٍ فَمَرَرْنا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا هَذِهِ ذَواتَ أنْواطٍ كَما لِلْكَفّارِ ذَواتُ أنْواطٍ، وكانَ الكُفّارُ يَنُوطُونَ سِلاحَهم بِسِدْرَةٍ ويَعْكُفُونَ حَوْلَها، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُ أكْبَرُ هَذا كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، إنَّكم تَرْكَبُونَ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، وكَثِيرٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: مُتَبَّرٌ قالَ: خُسْرانٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: هَلاكٌ.
الأعراف 7:139
قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ أيْ يُذَلُّونَ ويُمْتَهَنُونَ بِالخِدْمَةِ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها مَنصُوبانِ بِأوْرَثْنا.
وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ الأصْلَ: في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها ثُمَّ حُذِفَتْ في فَنُصِبا، والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ يُقالُ: أوْرَثْتُهُ المالَ، والأرْضُ هي مِصْرُ والشّامُ، ومَشارِقُها جِهاتُ مَشْرِقِها ومَغارِبُها جِهاتُ مَغْرِبِها، وهي الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ الأرْضِ؛ لِأنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ مَلَكا الأرْضَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ صِفَةٌ لِلْمَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأرْضِ، والمُبارَكَةُ فِيها إخْراجُ الزَّرْعِ والثِّمارِ مِنها عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ وأنْفَعِ ما يُنْفَقُ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ أيْ مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ عَلى التَّمامِ والكَلِمَةُ هي ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ( القَصَصِ: ٥ ) .
وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى أمْلاكِهِمْ، والحُسْنى: صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وهي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وتَمامُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى ما أُصِيبُوا بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ: أيْ أهْلَكْنا بِالخَرابِ ما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِنَ العِماراتِ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرِشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ.
قالَ الكِسائِيُّ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ " يُعَرِّشُونَ " بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً: أيْ ما كانُوا يَعْرِشُونَهُ مِنَ الجَنّاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وقِيلَ: مَعْنى يَعْرِشُونَ يَبْنُونَ، يُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ: أيْ بَنى يَبْنِي.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ جُزْناهُ بِهِمْ وقَطَعْناهُ.
وقُرِئَ " جَوَّزْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " يَعْكُفُونَ " بِكَسْرِ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، يُقالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ: ويَعْكِفُ بِمَعْنى أقامَ عَلى الشَّيْءِ ولَزِمَهُ، والمَصْدَرُ مِنهُما عُكُوفٌ، قِيلَ: هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ أتاهم بَنُو إسْرائِيلَ هم مِن لَخْمٍ كانُوا نازِلِينَ بِالرَّقَّةِ، كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلُ بَقَرٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ قالُوا أيْ بَنُو إسْرائِيلَ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِتِلْكَ التَّماثِيلِ ﴿يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ أيْ صَنَمًا نَعْبُدُهُ كائِنًا كالَّذِي لِهَؤُلاءِ القَوْمِ فالكافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ إلَهًا، فَأجابَ عَلَيْهِمْ مُوسى، وقالَ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وصَفَهم بِالجَهْلِ لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِن آياتِ اللَّهِ ما يَزْجُرُ مَن لَهُ أدْنى عِلْمٍ عَنْ طَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ: أعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ أشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ عِنادًا وجَهْلًا وتَلَوُّنًا، وقَدْ سَلَفَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ ما جَرى مِنهم مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ قالَ لَهم مُوسى: إنَّ هَؤُلاءِ يَعْنِي القَوْمَ العاكِفِينَ عَلى الأصْنامِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ التَّبارُ الهَلاكُ، وكُلُّ إناءٍ مُنْكَسِرٍ فَهو مُتَبَّرٌ: أيْ أنَّ هَؤُلاءِ هالِكٌ ما هم فِيهِ مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ، والَّذِي هم فِيهِ عِبادَةُ الأصْنامِ أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا الدِّينَ الَّذِي هَؤُلاءِ القَوْمُ عَلَيْهِ هالِكٌ مُدَمَّرٌ لا يَتِمُّ مِنهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ جَمِيعُ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ مَعَ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ.
قالَ في الكَشّافِ: وفي إيقاعِ هَؤُلاءِ اسْمًا لِ إنَّ وتَقْدِيمُ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها، واسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ (p-٤٩٧)لا يَعْدُوهم ألْبَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا.
قَوْلُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ: أيْ كَيْفَ أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا تَعْبُدُونَهُ وقَدْ شاهَدْتُمْ مِن آياتِهِ العِظامِ ما يَكْفِي البَعْضُ مِنهُ ؟ والمَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي طَلَبْتُمْ لا يَكُونُ أبَدًا، وإدْخالُ الهَمْزَةِ عَلى غَيْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُنْكَرَ هو كَوْنُ المُبْتَغى غَيْرَهُ سُبْحانَهُ إلَهًا، وغَيْرُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وإلَهًا تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ، وجُمْلَةُ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ مِن أهْلِ عَصْرِكم بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن إهْلاكِ عَدُوِّكم واسْتِخْلافِكم في الأرْضِ وإخْراجِكم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ إلى العِزِّ والرِّفْعَةِ فَكَيْفَ تُقابِلُونَ هَذِهِ النِّعَمَ بِطَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا لَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ كانُوا مالِكِينَ لَكم يَسْتَعْبِدُونَكم فِيما يُرِيدُونَهُ مِنكم ويَمْتَهِنُونَكم بِأنْواعِ الِامْتِهاناتِ، هَذا عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مَحْكِيٌّ عَنْ مُوسى، وأمّا إذا كانَ في حُكْمِ الخِطابِ لِلْيَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ فَهو بِمَعْنى اذْكُرُوا إذْ أنْجَيْنا أسْلافَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجُمْلَةُ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ حالَ كَوْنِهِمْ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما كانُوا فِيهِ مِمّا أنْجاهم مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم﴾ مُفَسِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، أوْ بَدَلٌ مِنها، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ذَلِكَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وفي ذَلِكم إلى العَذابِ: أيْ في هَذا العَذابِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ بَلاءٌ عَلَيْكم مِن رَبِّكم عَظِيمٌ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الإنْجاءِ، والبَلاءُ النِّعْمَةُ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها قالَ: الشّامُ وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: هي فِلَسْطِينُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في فَضْلِ الشّامِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ قالَ: ظُهُورُ قَوْمِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وتَمْكِينُ اللَّهِ لَهم في الأرْضِ وما ورَّثَهم مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وما كانُوا يَعْرِشُونَ قالَ: يَبْنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قالَ: لَخْمٍ وجُذامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: تَماثِيلُ بَقَرٍ مِن نُحاسٍ، فَلَمّا كانَ عِجْلُ السّامِرِيِّ شُبِّهَ لَهم أنَّهُ مِن تِلْكَ البَقَرِ، فَذَلِكَ كانَ أوَّلَ شَأْنِ العِجْلِ لِيَكُونَ لِلَّهِ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ فَيَنْتَقِمُ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ حُنَيْنٍ فَمَرَرْنا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا هَذِهِ ذَواتَ أنْواطٍ كَما لِلْكَفّارِ ذَواتُ أنْواطٍ، وكانَ الكُفّارُ يَنُوطُونَ سِلاحَهم بِسِدْرَةٍ ويَعْكُفُونَ حَوْلَها، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُ أكْبَرُ هَذا كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، إنَّكم تَرْكَبُونَ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، وكَثِيرٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: مُتَبَّرٌ قالَ: خُسْرانٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: هَلاكٌ.
الأعراف 7:140
قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ أيْ يُذَلُّونَ ويُمْتَهَنُونَ بِالخِدْمَةِ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها مَنصُوبانِ بِأوْرَثْنا.
وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ الأصْلَ: في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها ثُمَّ حُذِفَتْ في فَنُصِبا، والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ يُقالُ: أوْرَثْتُهُ المالَ، والأرْضُ هي مِصْرُ والشّامُ، ومَشارِقُها جِهاتُ مَشْرِقِها ومَغارِبُها جِهاتُ مَغْرِبِها، وهي الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ الأرْضِ؛ لِأنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ مَلَكا الأرْضَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ صِفَةٌ لِلْمَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأرْضِ، والمُبارَكَةُ فِيها إخْراجُ الزَّرْعِ والثِّمارِ مِنها عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ وأنْفَعِ ما يُنْفَقُ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ أيْ مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ عَلى التَّمامِ والكَلِمَةُ هي ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ( القَصَصِ: ٥ ) .
وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى أمْلاكِهِمْ، والحُسْنى: صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وهي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وتَمامُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى ما أُصِيبُوا بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ: أيْ أهْلَكْنا بِالخَرابِ ما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِنَ العِماراتِ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرِشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ.
قالَ الكِسائِيُّ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ " يُعَرِّشُونَ " بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً: أيْ ما كانُوا يَعْرِشُونَهُ مِنَ الجَنّاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وقِيلَ: مَعْنى يَعْرِشُونَ يَبْنُونَ، يُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ: أيْ بَنى يَبْنِي.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ جُزْناهُ بِهِمْ وقَطَعْناهُ.
وقُرِئَ " جَوَّزْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " يَعْكُفُونَ " بِكَسْرِ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، يُقالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ: ويَعْكِفُ بِمَعْنى أقامَ عَلى الشَّيْءِ ولَزِمَهُ، والمَصْدَرُ مِنهُما عُكُوفٌ، قِيلَ: هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ أتاهم بَنُو إسْرائِيلَ هم مِن لَخْمٍ كانُوا نازِلِينَ بِالرَّقَّةِ، كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلُ بَقَرٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ قالُوا أيْ بَنُو إسْرائِيلَ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِتِلْكَ التَّماثِيلِ ﴿يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ أيْ صَنَمًا نَعْبُدُهُ كائِنًا كالَّذِي لِهَؤُلاءِ القَوْمِ فالكافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ إلَهًا، فَأجابَ عَلَيْهِمْ مُوسى، وقالَ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وصَفَهم بِالجَهْلِ لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِن آياتِ اللَّهِ ما يَزْجُرُ مَن لَهُ أدْنى عِلْمٍ عَنْ طَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ: أعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ أشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ عِنادًا وجَهْلًا وتَلَوُّنًا، وقَدْ سَلَفَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ ما جَرى مِنهم مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ قالَ لَهم مُوسى: إنَّ هَؤُلاءِ يَعْنِي القَوْمَ العاكِفِينَ عَلى الأصْنامِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ التَّبارُ الهَلاكُ، وكُلُّ إناءٍ مُنْكَسِرٍ فَهو مُتَبَّرٌ: أيْ أنَّ هَؤُلاءِ هالِكٌ ما هم فِيهِ مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ، والَّذِي هم فِيهِ عِبادَةُ الأصْنامِ أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا الدِّينَ الَّذِي هَؤُلاءِ القَوْمُ عَلَيْهِ هالِكٌ مُدَمَّرٌ لا يَتِمُّ مِنهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ جَمِيعُ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ مَعَ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ.
قالَ في الكَشّافِ: وفي إيقاعِ هَؤُلاءِ اسْمًا لِ إنَّ وتَقْدِيمُ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها، واسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ (p-٤٩٧)لا يَعْدُوهم ألْبَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا.
قَوْلُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ: أيْ كَيْفَ أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا تَعْبُدُونَهُ وقَدْ شاهَدْتُمْ مِن آياتِهِ العِظامِ ما يَكْفِي البَعْضُ مِنهُ ؟ والمَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي طَلَبْتُمْ لا يَكُونُ أبَدًا، وإدْخالُ الهَمْزَةِ عَلى غَيْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُنْكَرَ هو كَوْنُ المُبْتَغى غَيْرَهُ سُبْحانَهُ إلَهًا، وغَيْرُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وإلَهًا تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ، وجُمْلَةُ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ مِن أهْلِ عَصْرِكم بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن إهْلاكِ عَدُوِّكم واسْتِخْلافِكم في الأرْضِ وإخْراجِكم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ إلى العِزِّ والرِّفْعَةِ فَكَيْفَ تُقابِلُونَ هَذِهِ النِّعَمَ بِطَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا لَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ كانُوا مالِكِينَ لَكم يَسْتَعْبِدُونَكم فِيما يُرِيدُونَهُ مِنكم ويَمْتَهِنُونَكم بِأنْواعِ الِامْتِهاناتِ، هَذا عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مَحْكِيٌّ عَنْ مُوسى، وأمّا إذا كانَ في حُكْمِ الخِطابِ لِلْيَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ فَهو بِمَعْنى اذْكُرُوا إذْ أنْجَيْنا أسْلافَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجُمْلَةُ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ حالَ كَوْنِهِمْ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما كانُوا فِيهِ مِمّا أنْجاهم مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم﴾ مُفَسِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، أوْ بَدَلٌ مِنها، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ذَلِكَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وفي ذَلِكم إلى العَذابِ: أيْ في هَذا العَذابِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ بَلاءٌ عَلَيْكم مِن رَبِّكم عَظِيمٌ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الإنْجاءِ، والبَلاءُ النِّعْمَةُ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها قالَ: الشّامُ وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: هي فِلَسْطِينُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في فَضْلِ الشّامِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ قالَ: ظُهُورُ قَوْمِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وتَمْكِينُ اللَّهِ لَهم في الأرْضِ وما ورَّثَهم مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وما كانُوا يَعْرِشُونَ قالَ: يَبْنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قالَ: لَخْمٍ وجُذامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: تَماثِيلُ بَقَرٍ مِن نُحاسٍ، فَلَمّا كانَ عِجْلُ السّامِرِيِّ شُبِّهَ لَهم أنَّهُ مِن تِلْكَ البَقَرِ، فَذَلِكَ كانَ أوَّلَ شَأْنِ العِجْلِ لِيَكُونَ لِلَّهِ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ فَيَنْتَقِمُ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ حُنَيْنٍ فَمَرَرْنا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا هَذِهِ ذَواتَ أنْواطٍ كَما لِلْكَفّارِ ذَواتُ أنْواطٍ، وكانَ الكُفّارُ يَنُوطُونَ سِلاحَهم بِسِدْرَةٍ ويَعْكُفُونَ حَوْلَها، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُ أكْبَرُ هَذا كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، إنَّكم تَرْكَبُونَ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، وكَثِيرٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: مُتَبَّرٌ قالَ: خُسْرانٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: هَلاكٌ.
الأعراف 7:141
قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ أيْ يُذَلُّونَ ويُمْتَهَنُونَ بِالخِدْمَةِ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها مَنصُوبانِ بِأوْرَثْنا.
وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ الأصْلَ: في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها ثُمَّ حُذِفَتْ في فَنُصِبا، والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ يُقالُ: أوْرَثْتُهُ المالَ، والأرْضُ هي مِصْرُ والشّامُ، ومَشارِقُها جِهاتُ مَشْرِقِها ومَغارِبُها جِهاتُ مَغْرِبِها، وهي الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ الأرْضِ؛ لِأنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ مَلَكا الأرْضَ.
قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ صِفَةٌ لِلْمَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأرْضِ، والمُبارَكَةُ فِيها إخْراجُ الزَّرْعِ والثِّمارِ مِنها عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ وأنْفَعِ ما يُنْفَقُ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ أيْ مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ عَلى التَّمامِ والكَلِمَةُ هي ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ( القَصَصِ: ٥ ) .
وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى أمْلاكِهِمْ، والحُسْنى: صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وهي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وتَمامُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى ما أُصِيبُوا بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ: أيْ أهْلَكْنا بِالخَرابِ ما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِنَ العِماراتِ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرِشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ.
قالَ الكِسائِيُّ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ " يُعَرِّشُونَ " بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً: أيْ ما كانُوا يَعْرِشُونَهُ مِنَ الجَنّاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وقِيلَ: مَعْنى يَعْرِشُونَ يَبْنُونَ، يُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ: أيْ بَنى يَبْنِي.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ جُزْناهُ بِهِمْ وقَطَعْناهُ.
وقُرِئَ " جَوَّزْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " يَعْكُفُونَ " بِكَسْرِ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، يُقالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ: ويَعْكِفُ بِمَعْنى أقامَ عَلى الشَّيْءِ ولَزِمَهُ، والمَصْدَرُ مِنهُما عُكُوفٌ، قِيلَ: هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ أتاهم بَنُو إسْرائِيلَ هم مِن لَخْمٍ كانُوا نازِلِينَ بِالرَّقَّةِ، كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلُ بَقَرٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ قالُوا أيْ بَنُو إسْرائِيلَ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِتِلْكَ التَّماثِيلِ ﴿يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ أيْ صَنَمًا نَعْبُدُهُ كائِنًا كالَّذِي لِهَؤُلاءِ القَوْمِ فالكافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ إلَهًا، فَأجابَ عَلَيْهِمْ مُوسى، وقالَ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وصَفَهم بِالجَهْلِ لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِن آياتِ اللَّهِ ما يَزْجُرُ مَن لَهُ أدْنى عِلْمٍ عَنْ طَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ: أعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ أشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ عِنادًا وجَهْلًا وتَلَوُّنًا، وقَدْ سَلَفَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ ما جَرى مِنهم مِن ذَلِكَ.
ثُمَّ قالَ لَهم مُوسى: إنَّ هَؤُلاءِ يَعْنِي القَوْمَ العاكِفِينَ عَلى الأصْنامِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ التَّبارُ الهَلاكُ، وكُلُّ إناءٍ مُنْكَسِرٍ فَهو مُتَبَّرٌ: أيْ أنَّ هَؤُلاءِ هالِكٌ ما هم فِيهِ مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ، والَّذِي هم فِيهِ عِبادَةُ الأصْنامِ أخْبَرَهم بِأنَّ هَذا الدِّينَ الَّذِي هَؤُلاءِ القَوْمُ عَلَيْهِ هالِكٌ مُدَمَّرٌ لا يَتِمُّ مِنهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ ذاهِبٌ مُضْمَحِلٌّ جَمِيعُ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ مَعَ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ.
قالَ في الكَشّافِ: وفي إيقاعِ هَؤُلاءِ اسْمًا لِ إنَّ وتَقْدِيمُ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها، واسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ (p-٤٩٧)لا يَعْدُوهم ألْبَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا.
قَوْلُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ: أيْ كَيْفَ أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا تَعْبُدُونَهُ وقَدْ شاهَدْتُمْ مِن آياتِهِ العِظامِ ما يَكْفِي البَعْضُ مِنهُ ؟ والمَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي طَلَبْتُمْ لا يَكُونُ أبَدًا، وإدْخالُ الهَمْزَةِ عَلى غَيْرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُنْكَرَ هو كَوْنُ المُبْتَغى غَيْرَهُ سُبْحانَهُ إلَهًا، وغَيْرُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وإلَهًا تَمْيِيزٌ أوْ حالٌ، وجُمْلَةُ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ والحالُ أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ مِن أهْلِ عَصْرِكم بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن إهْلاكِ عَدُوِّكم واسْتِخْلافِكم في الأرْضِ وإخْراجِكم مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ إلى العِزِّ والرِّفْعَةِ فَكَيْفَ تُقابِلُونَ هَذِهِ النِّعَمَ بِطَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ واذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا لَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ كانُوا مالِكِينَ لَكم يَسْتَعْبِدُونَكم فِيما يُرِيدُونَهُ مِنكم ويَمْتَهِنُونَكم بِأنْواعِ الِامْتِهاناتِ، هَذا عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مَحْكِيٌّ عَنْ مُوسى، وأمّا إذا كانَ في حُكْمِ الخِطابِ لِلْيَهُودِ المَوْجُودِينَ في عَصْرِ مُحَمَّدٍ فَهو بِمَعْنى اذْكُرُوا إذْ أنْجَيْنا أسْلافَكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجُمْلَةُ ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ حالَ كَوْنِهِمْ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما كانُوا فِيهِ مِمّا أنْجاهم مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم﴾ مُفَسِّرَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، أوْ بَدَلٌ مِنها، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ذَلِكَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: وفي ذَلِكم إلى العَذابِ: أيْ في هَذا العَذابِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ بَلاءٌ عَلَيْكم مِن رَبِّكم عَظِيمٌ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الإنْجاءِ، والبَلاءُ النِّعْمَةُ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها قالَ: الشّامُ وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قالَ: هي فِلَسْطِينُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في فَضْلِ الشّامِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ قالَ: ظُهُورُ قَوْمِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ وتَمْكِينُ اللَّهِ لَهم في الأرْضِ وما ورَّثَهم مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وما كانُوا يَعْرِشُونَ قالَ: يَبْنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قالَ: لَخْمٍ وجُذامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: تَماثِيلُ بَقَرٍ مِن نُحاسٍ، فَلَمّا كانَ عِجْلُ السّامِرِيِّ شُبِّهَ لَهم أنَّهُ مِن تِلْكَ البَقَرِ، فَذَلِكَ كانَ أوَّلَ شَأْنِ العِجْلِ لِيَكُونَ لِلَّهِ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ فَيَنْتَقِمُ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ حُنَيْنٍ فَمَرَرْنا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا هَذِهِ ذَواتَ أنْواطٍ كَما لِلْكَفّارِ ذَواتُ أنْواطٍ، وكانَ الكُفّارُ يَنُوطُونَ سِلاحَهم بِسِدْرَةٍ ويَعْكُفُونَ حَوْلَها، فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اللَّهُ أكْبَرُ هَذا كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، إنَّكم تَرْكَبُونَ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا، وكَثِيرٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: مُتَبَّرٌ قالَ: خُسْرانٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ: هَلاكٌ.
الأعراف 7:142
هَذا مِن جُمْلَةِ ما كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرَّفَهُ.
والثَلاثِينَ هي ذُو القَعْدَةِ، والعَشْرُ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ المُدَّةَ مَوْعِدًا لِمُناجاةِ مُوسى ومُكالَمَتِهِ، قِيلَ: وكانَ التَّكْلِيمُ في يَوْمِ النَّحْرِ، والفائِدَةُ في فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الثَلاثِينَ والعَشْرَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ أتْمَمْنا الثَلاثِينَ بِعَشْرٍ مِنها فَبَيَّنَ أنَّ العَشْرَ غَيْرُ الثَّلاثِينَ، وأرْبَعِينَ لَيْلَةً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ: أيْ فَتَمَّ حالُ كَوْنِهِ بالِغًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ أيْ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ، قالَ مُوسى هَذا لَمّا أرادَ المُضِيَّ إلى المُناجاةِ وأصْلِحْ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِحُسْنِ سِياسَتِهِمْ والرِّفْقِ بِهِمْ وتَفَقُّدِ أحْوالِهِمْ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا تَسْلُكُ سَبِيلَ العاصِينَ ولا تَكُنْ عَوْنًا لِلظّالِمِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وواعَدْنا مُوسى الآيَةَ قالَ: ذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: إنَّ مُوسى قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّ رَبِّي وعَدَنِي ثَلاثِينَ لَيْلَةً أنْ ألْقاهُ وأخْلُفَ هارُونَ فِيكم، فَلَمّا فَصَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ زادَهُ اللَّهُ عَشْرًا، فَكانَتْ فِتْنَتُهم في العَشْرِ الَّتِي زادَهُ اللَّهُ، فَلَمّا مَضى ثَلاثُونَ لَيْلَةً كانَ السّامِرِيُّ قَدْ أبْصَرَ جِبْرِيلَ، فَأخَذَ مِن أثَرِ الفَرَسِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ السّامِرِيِّ.
الأعراف 7:143
هَذا مِن جُمْلَةِ ما كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرَّفَهُ.
والثَلاثِينَ هي ذُو القَعْدَةِ، والعَشْرُ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ المُدَّةَ مَوْعِدًا لِمُناجاةِ مُوسى ومُكالَمَتِهِ، قِيلَ: وكانَ التَّكْلِيمُ في يَوْمِ النَّحْرِ، والفائِدَةُ في فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الثَلاثِينَ والعَشْرَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ أتْمَمْنا الثَلاثِينَ بِعَشْرٍ مِنها فَبَيَّنَ أنَّ العَشْرَ غَيْرُ الثَّلاثِينَ، وأرْبَعِينَ لَيْلَةً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ: أيْ فَتَمَّ حالُ كَوْنِهِ بالِغًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ أيْ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ، قالَ مُوسى هَذا لَمّا أرادَ المُضِيَّ إلى المُناجاةِ وأصْلِحْ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِحُسْنِ سِياسَتِهِمْ والرِّفْقِ بِهِمْ وتَفَقُّدِ أحْوالِهِمْ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا تَسْلُكُ سَبِيلَ العاصِينَ ولا تَكُنْ عَوْنًا لِلظّالِمِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وواعَدْنا مُوسى الآيَةَ قالَ: ذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: إنَّ مُوسى قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّ رَبِّي وعَدَنِي ثَلاثِينَ لَيْلَةً أنْ ألْقاهُ وأخْلُفَ هارُونَ فِيكم، فَلَمّا فَصَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ زادَهُ اللَّهُ عَشْرًا، فَكانَتْ فِتْنَتُهم في العَشْرِ الَّتِي زادَهُ اللَّهُ، فَلَمّا مَضى ثَلاثُونَ لَيْلَةً كانَ السّامِرِيُّ قَدْ أبْصَرَ جِبْرِيلَ، فَأخَذَ مِن أثَرِ الفَرَسِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ السّامِرِيِّ.
الأعراف 7:144
هَذا مِن جُمْلَةِ ما كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرَّفَهُ.
والثَلاثِينَ هي ذُو القَعْدَةِ، والعَشْرُ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ المُدَّةَ مَوْعِدًا لِمُناجاةِ مُوسى ومُكالَمَتِهِ، قِيلَ: وكانَ التَّكْلِيمُ في يَوْمِ النَّحْرِ، والفائِدَةُ في فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الثَلاثِينَ والعَشْرَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ أتْمَمْنا الثَلاثِينَ بِعَشْرٍ مِنها فَبَيَّنَ أنَّ العَشْرَ غَيْرُ الثَّلاثِينَ، وأرْبَعِينَ لَيْلَةً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ: أيْ فَتَمَّ حالُ كَوْنِهِ بالِغًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ أيْ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ، قالَ مُوسى هَذا لَمّا أرادَ المُضِيَّ إلى المُناجاةِ وأصْلِحْ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِحُسْنِ سِياسَتِهِمْ والرِّفْقِ بِهِمْ وتَفَقُّدِ أحْوالِهِمْ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا تَسْلُكُ سَبِيلَ العاصِينَ ولا تَكُنْ عَوْنًا لِلظّالِمِينَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وواعَدْنا مُوسى الآيَةَ قالَ: ذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: إنَّ مُوسى قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّ رَبِّي وعَدَنِي ثَلاثِينَ لَيْلَةً أنْ ألْقاهُ وأخْلُفَ هارُونَ فِيكم، فَلَمّا فَصَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ زادَهُ اللَّهُ عَشْرًا، فَكانَتْ فِتْنَتُهم في العَشْرِ الَّتِي زادَهُ اللَّهُ، فَلَمّا مَضى ثَلاثُونَ لَيْلَةً كانَ السّامِرِيُّ قَدْ أبْصَرَ جِبْرِيلَ، فَأخَذَ مِن أثَرِ الفَرَسِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ السّامِرِيِّ.
الأعراف 7:145
(p-٤٩٨)اللّامُ في لِمِيقاتِنا لِلِاخْتِصاصِ: أيْ كانَ مَجِيئُهُ مُخْتَصًّا بِالمِيقاتِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أنَّهُ جاءَ في الوَقْتِ المَوْعُودِ وكَلَّمَهُ رَبُّهُ أيْ أسْمَعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أيْ أرِنِي نَفْسَكَ أنْظُرْ إلَيْكَ: أيْ سَألَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ اشْتِياقًا إلى رُؤْيَتِهِ لَمّا أسْمَعَهُ كَلامَهُ.
وسُؤالُ مُوسى لِلرُّؤْيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ عِنْدَهُ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً عِنْدَهُ لَما سَألَها، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي يُفِيدُ أنَّهُ لا يَراهُ هَذا الوَقْتَ الَّذِي طَلَبَ رُؤْيَتَهُ فِيهِ، أوْ أنَّهُ لا يُرى ما دامَ الرّائِي حَيًّا في دارِ الدُّنْيا.
وأمّا رُؤْيَتُهُ في الآخِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ، والجِدالُ في مِثْلِ هَذا والمُراوَغَةُ لا تَأْتِي بِفائِدَةٍ، ومَنهَجُ الحَقِّ واضِحٌ، ولَكِنَّ الِاعْتِقادَ لِمَذْهَبٍ نَشَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ وأدْرَكَ عَلَيْهِ آباءَهُ وأهْلَ بَلَدِهِ مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِما هو المَطْلُوبُ مِنَ العِبادِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ يُوقِعُ في التَّعَصُّبِ.
والمُتَعَصِّبُ وإنْ كانَ بَصَرُهُ صَحِيحًا فَبَصِيرَتُهُ عَمْياءُ وأُذُنُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ صَمّاءُ، يَدْفَعُ الحَقَّ وهو يَظُنُّ أنَّهُ ما دَفَعَ غَيْرَ الباطِلِ، ويَحْسَبُ أنَّ ما نَشَأ عَلَيْهِ هو الحَقُّ غَفْلَةً مِنهُ وجَهْلًا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وتَلَقِّي ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ بِالإذْعانِ والتَّسْلِيمِ.
وما أقَلَّ المُنْصِفِينَ بَعْدَ ظُهُورِهِ هَذِهِ المَذاهِبَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَإنَّهُ صارَ بِها بابُ الحَقِّ مُرْتَجًا، وطَرِيقُ الإنْصافِ مُسْتَوْعِرَةً، والأمْرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والهِدايَةُ مِنهُ:
؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ
وجُمْلَةُ قالَ لَنْ تَرانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لِكَوْنِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ اللَّهُ لَهُ ؟ والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ مَعْناهُ أنَّكَ لا تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِي ولا يَثْبُتُ لَها ما هو أعْظَمُ مِنكَ جِرْمًا وصَلابَةً وقُوَّةً، وهو الجَبَلُ فانْظُرْ إلَيْهِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ولَمْ يَتَزَلْزَلْ عِنْدَ رُؤْيَتِي لَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَ مِنهُ أضْعَفُ، فَهَذا الكَلامُ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَبَلِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، وعَلى تَسْلِيمِ هَذا فَهو في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا لِما قَدَّمْنا.
وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كِلا طائِفَتَيِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ: فالمُعْتَزِلَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي، وبِأمْرِهِ بِأنْ يَنْظُرَ إلى الجَبَلِ، والأشْعَرِيَّةُ قالُوا: إنَّ تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُخْرَوِيَّةَ هي بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا كُلِّهِ، والخِلافُ بَيْنَهم هو فِيها لا في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا فَقَدْ كانَ الخِلافُ فِيها في زَمَنِ الصَّحابَةِ وكَلامُهم فِيها مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ تَجَلّى مَعْناهُ: ظَهَرَ، مِن قَوْلِكَ جَلَوْتُ العَرُوسَ: أيْ أبْرَزْتُها، وجَلَوْتُ السَّيْفَ: أخْلَصْتُهُ مِنَ الصَّدَأِ، وتَجَلّى الشَّيْءُ: انْكَشَفَ.
والمَعْنى: فَلَمّا ظَهَرَ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وقِيلَ: المُتَجَلِّي هو أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، والدَّكُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا مَدْقُوقًا فَصارَ تُرابًا، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " دَكًّا " بِالمَصْدَرِ، وهم أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ أهْلِ الكُوفَةِ " جَعَلَهُ دَكّاءَ " عَلى التَّأْنِيثِ، والجَمْعُ دَكّاواتٌ كَحَمْراءَ وحَمْراواتٍ، وهي اسْمٌ لِلرّابِيَةِ النّاشِزِةِ مِنَ الأرْضِ أوْ لِلْأرْضِ المُسْتَوِيَةِ، فالمَعْنى: أنَّ الجَبَلَ صارَ صَغِيرًا كالرّابِيَةِ أوْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً.
قالَ الكِسائِيُّ: الدَّكُّ: الجِبالُ العِراضُ واحِدُها أدَكُ، والدَّكاواتُ جَمْعُ دَكّاءَ، وهي رَوابٍ مِن طِينٍ لَيْسَتْ بِالغِلاظِ، والدَّكادِكُ: ما التَبَدَ مِنَ الأرْضِ فَلَمْ يَرْتَفِعْ، وناقَةٌ دَكّاءُ: لا سَنامَ لَها وخَرَّ مُوسى صَعِقًا أيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مَأْخُوذًا مِنَ الصاعِقَةِ: والمَعْنى: أنَّهُ صارَ حالُهُ لَمّا غُشِيَ عَلَيْهِ كَحالِ مَن يُغْشى عَلَيْهِ عِنْدَ إصابَةِ الصّاعِقَةِ لَهُ.
يُقالُ: صَعَقَ الرَّجُلُ فَهو صَعِقٌ ومَصْعُوقٌ: إذا أصابَتْهُ الصّاعِقَةُ فَلَمّا أفاقَ مِن غَشْيَتِهِ قالَ سُبْحانَكَ أيْ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا مِن أنْ أسْألَ شَيْئًا لَمْ تَأْذَنْ لِي بِهِ تُبْتُ إلَيْكَ عَنِ العَوْدِ إلى مِثْلِ هَذا السُّؤالِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعْتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ ما كانَتْ عَنْ مَعْصِيَةٍ فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ، وقِيلَ: هي تَوْبَةٌ مِن قَتْلِهِ لِلْقِبْطِيِّ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ، ولا وجْهَ لَهُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِكَ قَبْلَ قَوْمِي المَوْجُودِينَ في هَذا العَصْرِ المُعْتَرِفِينَ بِعَظَمَتِكَ وجَلالِكَ.
وجُمْلَةُ قالَ يا مُوسى مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها مُتَضَمِّنَةٌ لِإكْرامِ مُوسى واخْتِصاصِهِ بِما اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ.
والِاصْطِفاءُ: الِاجْتِباءُ والِاخْتِيارُ: أيِ اخْتَرْتُكَ عَلى النّاسِ المُعاصِرِينَ لَكَ " بِرِسالَتِي " كَذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالإفْرادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ.
والرِّسالَةُ مَصْدَرٌ، والأصْلُ فِيهِ الإفْرادُ، ومَن جَمَعَ فَكَأنَّهُ نَظَرَ إلى أنَّ الرِّسالَةَ هي عَلى ضُرُوبٍ فَجُمِعَ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، والمُرادُ بِالكَلامِ هُنا: التَّكْلِيمُ.
امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ العَظِيمَيْنِ مِن أنْواعِ الإكْرامِ، وهُما الرِّسالَةُ والتَّكْلِيمُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يَأْخُذَ ما آتاهُ: أيْ أعْطاهُ مِن هَذا الشَّرَفِ الكَرِيمِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَكُونَ مِنَ الشّاكِرِينَ عَلى هَذا العَطاءِ العَظِيمِ والإكْرامِ الجَلِيلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن كُلِّ شَيْءٍ: أيْ مِن كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَنُو إسْرائِيلَ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، وهَذِهِ الألْواحُ: هي التَّوْراةُ، قِيلَ: كانَتْ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، وقِيلَ: مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وقِيلَ: مِن زَبَرْجَدٍ، وقِيلَ: (p-٤٩٩)مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي مِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها، والألْواحُ: جَمْعُ لَوْحٍ، وسُمِّيَ لَوْحًا لِكَوْنِهِ تَلُوحُ فِيهِ المَعانِي، وأسْنَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكِتابَةَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْمَكْتُوبِ في الألْواحِ، وهي مَكْتُوبَةٌ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: هي كِتابَةٌ خَلَقَها اللَّهُ في الألْواحِ، ومِن كُلِّ شَيْءٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ كَتَبْنا ومَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا بَدَلٌ مِن مَحَلِّ كُلِّ شَيْءٍ أيْ مَوْعِظَةً لِمَن يَتَّعِظُ بِها مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ وتَفْصِيلًا لِلْأحْكامِ المُحْتاجَةِ إلى التَّفْصِيلِ فَخُذْها بِقُوَّةٍ أيْ خُذِ الألْواحَ بِقُوَّةٍ: أيْ بِجِدٍّ ونَشاطٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الرِّسالاتِ، أوْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، أوْ إلى التَّوْراةِ، قِيلَ: وهَذا الأمْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقُلْنا لَهُ خُذْها، وقِيلَ: إنَّ فَخُذْها بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها أيْ بِأحْسَنِ ما فِيها بِما أجْرُهُ أكْثَرُ مِن غَيْرِهِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: اتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ( الزُّمَرِ: ٥٥ )، وقَوْلِهِ: فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ( الزُّمَرِ: ١٨ )، ومِنَ الأحْسَنِ الصَّبْرُ عَلى الغَيْرِ، والعَفْوُ عَنْهُ، والعَمَلُ بِالعَزِيمَةِ دُونَ الرُّخْصَةِ، وبِالفَرِيضَةِ دُونَ النّافِلَةِ، وفِعْلُ المَأْمُورِ بِهِ، وتَرْكُ المَنهِيِّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ قِيلَ: هي أرْضُ مِصْرَ الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقِيلَ: مَنازِلُ عادٍ وثَمُودَ، وقِيلَ: هي جَهَنَّمُ، وقِيلَ: مَنازِلُ الكُفّارِ مِنَ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ لِيَعْتَبِرُوا بِها، وقِيلَ: الدّارُ: الهَلاكُ.
والمَعْنى: سَأُورِيكم هَلاكَ الفاسِقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الفِسْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ قِيلَ: مَعْنى سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ سَأمْنَعُهم فَهْمَ كِتابِي، وقِيلَ: سَأصْرِفُهم عَنِ الإيمانِ بِها، وقِيلَ: سَأصْرِفُهم عَنْ نَفْعِها مُجازاةً عَلى تَكَبُّرِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم ( الصَّفِّ: ٥ )، وقِيلَ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى لا يَتَفَكَّرُوا فِيها ولا يَعْتَبِرُوا بِها.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الآياتِ فَقِيلَ: هي المُعْجِزاتُ، وقِيلَ: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وقِيلَ: هي خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وصَرْفُهم عَنْها: أنْ لا يَعْتَبِرُوا بِها، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآياتِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ حَمْلَ الصَّرْفِ عَلى جَمِيعِ المَعانِي المَذْكُورَةِ وبِغَيْرِ الحَقِّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَتَكَبَّرُونَ أيْ يَتَكَبَّرُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا: أيْ يَتَكَبَّرُونَ مُتَلَبِّسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَتَكَبَّرُونَ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ.
والمَعْنى سَأصْرِفُ عَنْ آياتِي المُتَكَبِّرِينَ التّارِكِينَ لِلْإيمانِ بِما يَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ كُلِّ آيَةٍ الآياتُ المُنَزَّلَةُ، والآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ، والمُعْجِزاتُ: أيْ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ كائِنَةً ما كانَتْ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ يَرَوْا بِضَمِّ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها داخِلَةٌ في حُكْمِها، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا والمَعْنى: أنَّهم إذا وجَدُوا سَبِيلًا مِن سُبُلِ الرُّشْدِ تَرَكُوهُ وتَجَنَّبُوهُ، وإنْ رَأوْا سَبِيلًا مِن سُبُلِ الغَيِّ سَلَكُوهُ واخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ " الرُّشْدِ " بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الشِّينِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الرَّشَدِ والرُّشْدِ فَقالَ: الرَّشَدُ الصَّلاحُ، والرُّشْدُ في الدِّينِ.
قالَ النَّحّاسُ: سِيبَوَيْهِ يَذْهَبُ إلى أنَّ الرُّشْدُ والرَّشَدُ كالسُّخْطِ والسَّخَطِ.
قالَ الكِسائِيُّ: والصَّحِيحُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وغَيْرِهِ ما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
وأصْلُ الرُّشْدِ في اللُّغَةِ: أنْ يَظْفَرَ الإنْسانُ بِما يُرِيدُ، وهو ضِدُّ الخَيْبَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الصَّرْفِ: أيْ ذَلِكَ الصَّرْفُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، أوِ الإشارَةُ إلى التَّكَبُّرِ وعَدَمِ الإيمانِ بِالآياتِ، وتَجَنُّبِ سَبِيلِ الرُّشْدِ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الغَيِّ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وغَفْلَتِهِمْ عَنْها.
والمَوْصُولُ في والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ حَبِطَتْ أعْمالُهم، والمُرادُ بِلِقاءِ الآخِرَةِ: لِقاءُ الدّارِ الآخِرَةِ: أيْ لِقائِهِمْ لَها أوْ لِقائِهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ فِيها عَلى أنَّ الإضافَةَ إلى الظَّرْفِ.
وحُباطُ الأعْمالِ بُطْلانُها: أيْ بُطْلانُ ما عَمِلُوهُ مِمّا صُورَتُهُ صُورَةُ الطّاعَةِ، كالصَّدَقَةِ والصِّلَةِ، وإنْ كانُوا في حالِ كُفْرِهِمْ لا طاعاتٍ لَهم، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ أنْ تَبْطُلَ بَعْدَما كانَتْ مَرْجُوَّةَ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ إسْلامِهِمْ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أسْلَمْتَ عَلى ما أسْلَفْتَ مِن خَيْرٍ» .
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والتَّكْذِيبِ بِآياتِهِ، وتَنَكُّبِ سَبِيلِ الحَقِّ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الغَيِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى قالَ: يا رَبِّ أهَكَذا كَلامُكَ ؟ قالَ: يا مُوسى إنَّما أُكَلِّمُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها، ولَوْ كَلَّمْتُكَ بِكُنْهِ كَلامِي لَمْ تَكُ شَيْئًا.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى يَوْمَ الطُّورِ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُ بِهِ يَوْمَ ناداهُ فَقالَ لَهُ مُوسى: يا رَبِّ أهَذا كَلامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ ؟ قالَ: يا مُوسى إنَّما كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها وأقْوى مِن ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى صِفْ لَنا كَلامَ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، ألَمْ تَرَوْا إلى أصْواتِ الصَّواعِقِ الَّتِي تَقْتُلُ، في أحْلى حَلاوَةٍ سَمِعْتُمُوهُ فَذاكَ قَرِيبٌ مِنهُ ولَيْسَ بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعاوِيَةَ قالَ: إنَّما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِقَدْرِ ما يُطِيقُ مِن كَلامِهِ ولَوْ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِ كُلِّهِ لَمْ يُطِقْهُ شَيْءٌ، فَمَكَثَ مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَراهُ أحَدٌ إلّا ماتَ مِن نُورِ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ يَقُولُ: أعْطِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمّا سَمِعَ الكَلامَ طَمِعَ في الرُّؤْيَةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حِينَ قالَ مُوسى لِرَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى: (p-٥٠٠)رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ اللَّهُ: يا مُوسى إنَّكَ لَنْ تَرانِي، قالَ: يَقُولُ: لَيْسَ تَرانِي ولا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا، يا مُوسى إنَّهُ لَنْ يَرانِي أحَدٌ فَيَحْيا، قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي أراكَ ثُمَّ أمُوتُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ لا أراكَ ثُمَّ أحْيا، فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى: يا مُوسى انْظُرْ إلى الجَبَلِ العَظِيمِ الطَّوِيلِ الشَّدِيدِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ يَقُولُ: فَإنْ ثَبَتَ مَكانَهُ لَمْ يَتَضَعْضَعْ ولَمْ يَنْهَدَّ لِبَعْضِ ما يَرى مِن عَظَمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي أنْتَ لِضَعْفِكَ وذِلَّتِكَ، وإنِ الجَبَلُ انْهَدَّ بِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ وعَظَمَتِهِ فَأنْتَ أضْعَفُ وأذَلُّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قالَ: هَكَذا، وأشارَ بِأُصْبُعَيْهِ ووَضَعَ إبْهامَيْهِ عَلى أُنْمُلَةِ الخِنْصَرِ»، وفي لَفْظٍ عَلى المَفْصِلِ الأعْلى مِنَ الخِنْصَرِ، فَساخَ الجَبَلُ وخَرَّ مُوسى صَعِقًا.
وفِي لَفْظٍ: فَساخَ الجَبَلُ في الأرْضِ فَهو يَهْوِي فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وهَذا الحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الجَبَلُ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ الطُّورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قالَ: ما تَجَلّى مِنهُ إلّا قَدْرُ الخِنْصَرِ جَعَلَهُ دَكًّا قالَ: تُرابًا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا قالَ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَمّا تَجَلّى اللَّهُ لِلْجَبَلِ طارَتْ لِعَظَمَتِهِ سِتَّةُ أجْبُلٍ، فَوَقَعَتْ ثَلاثَةٌ بِالمَدِينَةِ، وثَلاثَةٌ بِمَكَّةَ، بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ ووَرْقانُ ورَضْوى، وبِمَكَّةَ: حِراءٌ وثُبَيْرٌ وثَوْرٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَمّا تَجَلّى اللَّهُ لِمُوسى تَطايَرَتْ سَبْعَةُ أجْبُلٍ، فَفي الحِجازِ خَمْسَةٌ مِنها، وفي اليَمَنِ اثْنانِ، في الحِجازِ: أُحُدٌ وثُبَيْرٌ وحِراءٌ وثَوْرٌ ووَرْقانُ، وفي اليَمَنِ: حُضُورٌ وصَبْرٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ مُوسى لَمّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ فَسَألَهُ فَقالَ: لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ قالَ: فَحَفَّ حَوْلَ الجَبَلِ المَلائِكَةُ، وحَفَّ حَوْلَ المَلائِكَةِ بِنارٍ، وحَفَّ حَوْلَ النّارِ بِمَلائِكَةٍ، وحَفَّ حَوْلَهم بِنارٍ، ثُمَّ تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ تَجَلّى مِنهُ مِثْلُ الخِنْصَرِ، فَجَعَلَ الجَبَلَ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا، فَلَمْ يَزَلْ صَعِقًا ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أفاقَ فَقالَ: سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ الألْواحَ لِمُوسى، وهو يَسْمَعُ صَرِيفَ الأقْلامِ في لَوْحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الألْواحُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى كانَتْ مِن سِدْرِ الجَنَّةِ كانَ طُولُ اللَّوْحِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانُوا يَقُولُونَ كانَتِ الألْواحُ مِن ياقُوتَةٍ، وأنا أقُولُ: إنَّما كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ وكِتابُها الذَّهَبُ، كَتَبَها اللَّهُ بِيَدِهِ، فَسَمِعَ أهْلُ السَّماواتِ صَرِيفَ الأقْلامِ.
أقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ سَعِيدًا ما كانَ أغْناهُ عَنْ هَذا الَّذِي قالَهُ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، فَمِثْلُهُ لا يُقالُ بِالرَّأْيِ ولا بِالحَدْسِ، والَّذِي يَغْلِبُ بِهِ الظَّنُّ أنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ كانُوا يَسْألُونَ اليَهُودَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ، فَلِهَذا اخْتَلَفَتْ واضْطَرَبَتْ، فَهَذا يَقُولُ مِن خَشَبٍ، وهَذا يَقُولُ مِن ياقُوتٍ، وهَذا يَقُولُ مِن زُمُرُّدٍ، وهَذا يَقُولُ مِن زَبَرْجَدٍ، وهَذا يَقُولُ مَن بُرْدٍ، وهَذا يَقُولُ مَن حَجَرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ كُلِّ شَيْءٍ أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في المَكْتُوبِ في الألْواحِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ المَكْتُوبِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّنافِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَخُذْها بِقُوَّةٍ قالَ: بِجِدٍّ وحَزْمٍ سَأُورِيكم دارَ الفاسِقِينَ قالَ: دارَ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها قالَ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَأْخُذَها بِأشَدَّ مِمّا أُمِرَ بِهِ قَوْمُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ قالَ: بِطاعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: فَخُذْها بِقُوَّةٍ يَعْنِي بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها قالَ: بِأحْسَنِ ما يَجِدُونَ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ سَأُورِيكم دارَ الفاسِقِينَ قالَ: مَصِيرُهم في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مَنازِلُهم في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: جَهَنَّمُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مِصْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ قالَ: عَنْ أنْ يَتَفَكَّرُوا في آياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ آياتِيَ قالَ: عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والآياتِ الَّتِي فِيها سَأصْرِفُهم عَنْ أنْ يَتَفَكَّرُوا فِيها أوْ يَعْتَبِرُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في الآيَةِ قالَ: أنْزِعُ عَنْهم فَهْمَ القُرْآنِ.
الأعراف 7:146
(p-٤٩٨)اللّامُ في لِمِيقاتِنا لِلِاخْتِصاصِ: أيْ كانَ مَجِيئُهُ مُخْتَصًّا بِالمِيقاتِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أنَّهُ جاءَ في الوَقْتِ المَوْعُودِ وكَلَّمَهُ رَبُّهُ أيْ أسْمَعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أيْ أرِنِي نَفْسَكَ أنْظُرْ إلَيْكَ: أيْ سَألَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ اشْتِياقًا إلى رُؤْيَتِهِ لَمّا أسْمَعَهُ كَلامَهُ.
وسُؤالُ مُوسى لِلرُّؤْيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ عِنْدَهُ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً عِنْدَهُ لَما سَألَها، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي يُفِيدُ أنَّهُ لا يَراهُ هَذا الوَقْتَ الَّذِي طَلَبَ رُؤْيَتَهُ فِيهِ، أوْ أنَّهُ لا يُرى ما دامَ الرّائِي حَيًّا في دارِ الدُّنْيا.
وأمّا رُؤْيَتُهُ في الآخِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ، والجِدالُ في مِثْلِ هَذا والمُراوَغَةُ لا تَأْتِي بِفائِدَةٍ، ومَنهَجُ الحَقِّ واضِحٌ، ولَكِنَّ الِاعْتِقادَ لِمَذْهَبٍ نَشَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ وأدْرَكَ عَلَيْهِ آباءَهُ وأهْلَ بَلَدِهِ مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِما هو المَطْلُوبُ مِنَ العِبادِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ يُوقِعُ في التَّعَصُّبِ.
والمُتَعَصِّبُ وإنْ كانَ بَصَرُهُ صَحِيحًا فَبَصِيرَتُهُ عَمْياءُ وأُذُنُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ صَمّاءُ، يَدْفَعُ الحَقَّ وهو يَظُنُّ أنَّهُ ما دَفَعَ غَيْرَ الباطِلِ، ويَحْسَبُ أنَّ ما نَشَأ عَلَيْهِ هو الحَقُّ غَفْلَةً مِنهُ وجَهْلًا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وتَلَقِّي ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ بِالإذْعانِ والتَّسْلِيمِ.
وما أقَلَّ المُنْصِفِينَ بَعْدَ ظُهُورِهِ هَذِهِ المَذاهِبَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَإنَّهُ صارَ بِها بابُ الحَقِّ مُرْتَجًا، وطَرِيقُ الإنْصافِ مُسْتَوْعِرَةً، والأمْرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والهِدايَةُ مِنهُ:
؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ
وجُمْلَةُ قالَ لَنْ تَرانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لِكَوْنِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ اللَّهُ لَهُ ؟ والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ مَعْناهُ أنَّكَ لا تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِي ولا يَثْبُتُ لَها ما هو أعْظَمُ مِنكَ جِرْمًا وصَلابَةً وقُوَّةً، وهو الجَبَلُ فانْظُرْ إلَيْهِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ولَمْ يَتَزَلْزَلْ عِنْدَ رُؤْيَتِي لَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَ مِنهُ أضْعَفُ، فَهَذا الكَلامُ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَبَلِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، وعَلى تَسْلِيمِ هَذا فَهو في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا لِما قَدَّمْنا.
وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كِلا طائِفَتَيِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ: فالمُعْتَزِلَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي، وبِأمْرِهِ بِأنْ يَنْظُرَ إلى الجَبَلِ، والأشْعَرِيَّةُ قالُوا: إنَّ تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُخْرَوِيَّةَ هي بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا كُلِّهِ، والخِلافُ بَيْنَهم هو فِيها لا في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا فَقَدْ كانَ الخِلافُ فِيها في زَمَنِ الصَّحابَةِ وكَلامُهم فِيها مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ تَجَلّى مَعْناهُ: ظَهَرَ، مِن قَوْلِكَ جَلَوْتُ العَرُوسَ: أيْ أبْرَزْتُها، وجَلَوْتُ السَّيْفَ: أخْلَصْتُهُ مِنَ الصَّدَأِ، وتَجَلّى الشَّيْءُ: انْكَشَفَ.
والمَعْنى: فَلَمّا ظَهَرَ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وقِيلَ: المُتَجَلِّي هو أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، والدَّكُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا مَدْقُوقًا فَصارَ تُرابًا، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " دَكًّا " بِالمَصْدَرِ، وهم أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ أهْلِ الكُوفَةِ " جَعَلَهُ دَكّاءَ " عَلى التَّأْنِيثِ، والجَمْعُ دَكّاواتٌ كَحَمْراءَ وحَمْراواتٍ، وهي اسْمٌ لِلرّابِيَةِ النّاشِزِةِ مِنَ الأرْضِ أوْ لِلْأرْضِ المُسْتَوِيَةِ، فالمَعْنى: أنَّ الجَبَلَ صارَ صَغِيرًا كالرّابِيَةِ أوْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً.
قالَ الكِسائِيُّ: الدَّكُّ: الجِبالُ العِراضُ واحِدُها أدَكُ، والدَّكاواتُ جَمْعُ دَكّاءَ، وهي رَوابٍ مِن طِينٍ لَيْسَتْ بِالغِلاظِ، والدَّكادِكُ: ما التَبَدَ مِنَ الأرْضِ فَلَمْ يَرْتَفِعْ، وناقَةٌ دَكّاءُ: لا سَنامَ لَها وخَرَّ مُوسى صَعِقًا أيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مَأْخُوذًا مِنَ الصاعِقَةِ: والمَعْنى: أنَّهُ صارَ حالُهُ لَمّا غُشِيَ عَلَيْهِ كَحالِ مَن يُغْشى عَلَيْهِ عِنْدَ إصابَةِ الصّاعِقَةِ لَهُ.
يُقالُ: صَعَقَ الرَّجُلُ فَهو صَعِقٌ ومَصْعُوقٌ: إذا أصابَتْهُ الصّاعِقَةُ فَلَمّا أفاقَ مِن غَشْيَتِهِ قالَ سُبْحانَكَ أيْ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا مِن أنْ أسْألَ شَيْئًا لَمْ تَأْذَنْ لِي بِهِ تُبْتُ إلَيْكَ عَنِ العَوْدِ إلى مِثْلِ هَذا السُّؤالِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعْتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ ما كانَتْ عَنْ مَعْصِيَةٍ فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ، وقِيلَ: هي تَوْبَةٌ مِن قَتْلِهِ لِلْقِبْطِيِّ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ، ولا وجْهَ لَهُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِكَ قَبْلَ قَوْمِي المَوْجُودِينَ في هَذا العَصْرِ المُعْتَرِفِينَ بِعَظَمَتِكَ وجَلالِكَ.
وجُمْلَةُ قالَ يا مُوسى مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها مُتَضَمِّنَةٌ لِإكْرامِ مُوسى واخْتِصاصِهِ بِما اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ.
والِاصْطِفاءُ: الِاجْتِباءُ والِاخْتِيارُ: أيِ اخْتَرْتُكَ عَلى النّاسِ المُعاصِرِينَ لَكَ " بِرِسالَتِي " كَذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالإفْرادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ.
والرِّسالَةُ مَصْدَرٌ، والأصْلُ فِيهِ الإفْرادُ، ومَن جَمَعَ فَكَأنَّهُ نَظَرَ إلى أنَّ الرِّسالَةَ هي عَلى ضُرُوبٍ فَجُمِعَ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، والمُرادُ بِالكَلامِ هُنا: التَّكْلِيمُ.
امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ العَظِيمَيْنِ مِن أنْواعِ الإكْرامِ، وهُما الرِّسالَةُ والتَّكْلِيمُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يَأْخُذَ ما آتاهُ: أيْ أعْطاهُ مِن هَذا الشَّرَفِ الكَرِيمِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَكُونَ مِنَ الشّاكِرِينَ عَلى هَذا العَطاءِ العَظِيمِ والإكْرامِ الجَلِيلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن كُلِّ شَيْءٍ: أيْ مِن كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَنُو إسْرائِيلَ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، وهَذِهِ الألْواحُ: هي التَّوْراةُ، قِيلَ: كانَتْ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، وقِيلَ: مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وقِيلَ: مِن زَبَرْجَدٍ، وقِيلَ: (p-٤٩٩)مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي مِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها، والألْواحُ: جَمْعُ لَوْحٍ، وسُمِّيَ لَوْحًا لِكَوْنِهِ تَلُوحُ فِيهِ المَعانِي، وأسْنَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكِتابَةَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْمَكْتُوبِ في الألْواحِ، وهي مَكْتُوبَةٌ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: هي كِتابَةٌ خَلَقَها اللَّهُ في الألْواحِ، ومِن كُلِّ شَيْءٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ كَتَبْنا ومَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا بَدَلٌ مِن مَحَلِّ كُلِّ شَيْءٍ أيْ مَوْعِظَةً لِمَن يَتَّعِظُ بِها مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ وتَفْصِيلًا لِلْأحْكامِ المُحْتاجَةِ إلى التَّفْصِيلِ فَخُذْها بِقُوَّةٍ أيْ خُذِ الألْواحَ بِقُوَّةٍ: أيْ بِجِدٍّ ونَشاطٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الرِّسالاتِ، أوْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، أوْ إلى التَّوْراةِ، قِيلَ: وهَذا الأمْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقُلْنا لَهُ خُذْها، وقِيلَ: إنَّ فَخُذْها بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها أيْ بِأحْسَنِ ما فِيها بِما أجْرُهُ أكْثَرُ مِن غَيْرِهِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: اتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ( الزُّمَرِ: ٥٥ )، وقَوْلِهِ: فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ( الزُّمَرِ: ١٨ )، ومِنَ الأحْسَنِ الصَّبْرُ عَلى الغَيْرِ، والعَفْوُ عَنْهُ، والعَمَلُ بِالعَزِيمَةِ دُونَ الرُّخْصَةِ، وبِالفَرِيضَةِ دُونَ النّافِلَةِ، وفِعْلُ المَأْمُورِ بِهِ، وتَرْكُ المَنهِيِّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ قِيلَ: هي أرْضُ مِصْرَ الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقِيلَ: مَنازِلُ عادٍ وثَمُودَ، وقِيلَ: هي جَهَنَّمُ، وقِيلَ: مَنازِلُ الكُفّارِ مِنَ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ لِيَعْتَبِرُوا بِها، وقِيلَ: الدّارُ: الهَلاكُ.
والمَعْنى: سَأُورِيكم هَلاكَ الفاسِقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الفِسْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ قِيلَ: مَعْنى سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ سَأمْنَعُهم فَهْمَ كِتابِي، وقِيلَ: سَأصْرِفُهم عَنِ الإيمانِ بِها، وقِيلَ: سَأصْرِفُهم عَنْ نَفْعِها مُجازاةً عَلى تَكَبُّرِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم ( الصَّفِّ: ٥ )، وقِيلَ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى لا يَتَفَكَّرُوا فِيها ولا يَعْتَبِرُوا بِها.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الآياتِ فَقِيلَ: هي المُعْجِزاتُ، وقِيلَ: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وقِيلَ: هي خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وصَرْفُهم عَنْها: أنْ لا يَعْتَبِرُوا بِها، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآياتِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ حَمْلَ الصَّرْفِ عَلى جَمِيعِ المَعانِي المَذْكُورَةِ وبِغَيْرِ الحَقِّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَتَكَبَّرُونَ أيْ يَتَكَبَّرُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا: أيْ يَتَكَبَّرُونَ مُتَلَبِّسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَتَكَبَّرُونَ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ.
والمَعْنى سَأصْرِفُ عَنْ آياتِي المُتَكَبِّرِينَ التّارِكِينَ لِلْإيمانِ بِما يَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ كُلِّ آيَةٍ الآياتُ المُنَزَّلَةُ، والآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ، والمُعْجِزاتُ: أيْ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ كائِنَةً ما كانَتْ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ يَرَوْا بِضَمِّ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها داخِلَةٌ في حُكْمِها، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا والمَعْنى: أنَّهم إذا وجَدُوا سَبِيلًا مِن سُبُلِ الرُّشْدِ تَرَكُوهُ وتَجَنَّبُوهُ، وإنْ رَأوْا سَبِيلًا مِن سُبُلِ الغَيِّ سَلَكُوهُ واخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ " الرُّشْدِ " بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الشِّينِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الرَّشَدِ والرُّشْدِ فَقالَ: الرَّشَدُ الصَّلاحُ، والرُّشْدُ في الدِّينِ.
قالَ النَّحّاسُ: سِيبَوَيْهِ يَذْهَبُ إلى أنَّ الرُّشْدُ والرَّشَدُ كالسُّخْطِ والسَّخَطِ.
قالَ الكِسائِيُّ: والصَّحِيحُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وغَيْرِهِ ما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
وأصْلُ الرُّشْدِ في اللُّغَةِ: أنْ يَظْفَرَ الإنْسانُ بِما يُرِيدُ، وهو ضِدُّ الخَيْبَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الصَّرْفِ: أيْ ذَلِكَ الصَّرْفُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، أوِ الإشارَةُ إلى التَّكَبُّرِ وعَدَمِ الإيمانِ بِالآياتِ، وتَجَنُّبِ سَبِيلِ الرُّشْدِ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الغَيِّ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وغَفْلَتِهِمْ عَنْها.
والمَوْصُولُ في والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ حَبِطَتْ أعْمالُهم، والمُرادُ بِلِقاءِ الآخِرَةِ: لِقاءُ الدّارِ الآخِرَةِ: أيْ لِقائِهِمْ لَها أوْ لِقائِهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ فِيها عَلى أنَّ الإضافَةَ إلى الظَّرْفِ.
وحُباطُ الأعْمالِ بُطْلانُها: أيْ بُطْلانُ ما عَمِلُوهُ مِمّا صُورَتُهُ صُورَةُ الطّاعَةِ، كالصَّدَقَةِ والصِّلَةِ، وإنْ كانُوا في حالِ كُفْرِهِمْ لا طاعاتٍ لَهم، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ أنْ تَبْطُلَ بَعْدَما كانَتْ مَرْجُوَّةَ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ إسْلامِهِمْ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أسْلَمْتَ عَلى ما أسْلَفْتَ مِن خَيْرٍ» .
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والتَّكْذِيبِ بِآياتِهِ، وتَنَكُّبِ سَبِيلِ الحَقِّ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الغَيِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى قالَ: يا رَبِّ أهَكَذا كَلامُكَ ؟ قالَ: يا مُوسى إنَّما أُكَلِّمُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها، ولَوْ كَلَّمْتُكَ بِكُنْهِ كَلامِي لَمْ تَكُ شَيْئًا.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى يَوْمَ الطُّورِ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُ بِهِ يَوْمَ ناداهُ فَقالَ لَهُ مُوسى: يا رَبِّ أهَذا كَلامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ ؟ قالَ: يا مُوسى إنَّما كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها وأقْوى مِن ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى صِفْ لَنا كَلامَ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، ألَمْ تَرَوْا إلى أصْواتِ الصَّواعِقِ الَّتِي تَقْتُلُ، في أحْلى حَلاوَةٍ سَمِعْتُمُوهُ فَذاكَ قَرِيبٌ مِنهُ ولَيْسَ بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعاوِيَةَ قالَ: إنَّما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِقَدْرِ ما يُطِيقُ مِن كَلامِهِ ولَوْ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِ كُلِّهِ لَمْ يُطِقْهُ شَيْءٌ، فَمَكَثَ مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَراهُ أحَدٌ إلّا ماتَ مِن نُورِ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ يَقُولُ: أعْطِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمّا سَمِعَ الكَلامَ طَمِعَ في الرُّؤْيَةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حِينَ قالَ مُوسى لِرَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى: (p-٥٠٠)رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ اللَّهُ: يا مُوسى إنَّكَ لَنْ تَرانِي، قالَ: يَقُولُ: لَيْسَ تَرانِي ولا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا، يا مُوسى إنَّهُ لَنْ يَرانِي أحَدٌ فَيَحْيا، قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي أراكَ ثُمَّ أمُوتُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ لا أراكَ ثُمَّ أحْيا، فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى: يا مُوسى انْظُرْ إلى الجَبَلِ العَظِيمِ الطَّوِيلِ الشَّدِيدِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ يَقُولُ: فَإنْ ثَبَتَ مَكانَهُ لَمْ يَتَضَعْضَعْ ولَمْ يَنْهَدَّ لِبَعْضِ ما يَرى مِن عَظَمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي أنْتَ لِضَعْفِكَ وذِلَّتِكَ، وإنِ الجَبَلُ انْهَدَّ بِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ وعَظَمَتِهِ فَأنْتَ أضْعَفُ وأذَلُّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قالَ: هَكَذا، وأشارَ بِأُصْبُعَيْهِ ووَضَعَ إبْهامَيْهِ عَلى أُنْمُلَةِ الخِنْصَرِ»، وفي لَفْظٍ عَلى المَفْصِلِ الأعْلى مِنَ الخِنْصَرِ، فَساخَ الجَبَلُ وخَرَّ مُوسى صَعِقًا.
وفِي لَفْظٍ: فَساخَ الجَبَلُ في الأرْضِ فَهو يَهْوِي فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وهَذا الحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الجَبَلُ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ الطُّورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قالَ: ما تَجَلّى مِنهُ إلّا قَدْرُ الخِنْصَرِ جَعَلَهُ دَكًّا قالَ: تُرابًا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا قالَ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَمّا تَجَلّى اللَّهُ لِلْجَبَلِ طارَتْ لِعَظَمَتِهِ سِتَّةُ أجْبُلٍ، فَوَقَعَتْ ثَلاثَةٌ بِالمَدِينَةِ، وثَلاثَةٌ بِمَكَّةَ، بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ ووَرْقانُ ورَضْوى، وبِمَكَّةَ: حِراءٌ وثُبَيْرٌ وثَوْرٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَمّا تَجَلّى اللَّهُ لِمُوسى تَطايَرَتْ سَبْعَةُ أجْبُلٍ، فَفي الحِجازِ خَمْسَةٌ مِنها، وفي اليَمَنِ اثْنانِ، في الحِجازِ: أُحُدٌ وثُبَيْرٌ وحِراءٌ وثَوْرٌ ووَرْقانُ، وفي اليَمَنِ: حُضُورٌ وصَبْرٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ مُوسى لَمّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ فَسَألَهُ فَقالَ: لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ قالَ: فَحَفَّ حَوْلَ الجَبَلِ المَلائِكَةُ، وحَفَّ حَوْلَ المَلائِكَةِ بِنارٍ، وحَفَّ حَوْلَ النّارِ بِمَلائِكَةٍ، وحَفَّ حَوْلَهم بِنارٍ، ثُمَّ تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ تَجَلّى مِنهُ مِثْلُ الخِنْصَرِ، فَجَعَلَ الجَبَلَ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا، فَلَمْ يَزَلْ صَعِقًا ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أفاقَ فَقالَ: سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ الألْواحَ لِمُوسى، وهو يَسْمَعُ صَرِيفَ الأقْلامِ في لَوْحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الألْواحُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى كانَتْ مِن سِدْرِ الجَنَّةِ كانَ طُولُ اللَّوْحِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانُوا يَقُولُونَ كانَتِ الألْواحُ مِن ياقُوتَةٍ، وأنا أقُولُ: إنَّما كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ وكِتابُها الذَّهَبُ، كَتَبَها اللَّهُ بِيَدِهِ، فَسَمِعَ أهْلُ السَّماواتِ صَرِيفَ الأقْلامِ.
أقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ سَعِيدًا ما كانَ أغْناهُ عَنْ هَذا الَّذِي قالَهُ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، فَمِثْلُهُ لا يُقالُ بِالرَّأْيِ ولا بِالحَدْسِ، والَّذِي يَغْلِبُ بِهِ الظَّنُّ أنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ كانُوا يَسْألُونَ اليَهُودَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ، فَلِهَذا اخْتَلَفَتْ واضْطَرَبَتْ، فَهَذا يَقُولُ مِن خَشَبٍ، وهَذا يَقُولُ مِن ياقُوتٍ، وهَذا يَقُولُ مِن زُمُرُّدٍ، وهَذا يَقُولُ مِن زَبَرْجَدٍ، وهَذا يَقُولُ مَن بُرْدٍ، وهَذا يَقُولُ مَن حَجَرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ كُلِّ شَيْءٍ أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في المَكْتُوبِ في الألْواحِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ المَكْتُوبِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّنافِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَخُذْها بِقُوَّةٍ قالَ: بِجِدٍّ وحَزْمٍ سَأُورِيكم دارَ الفاسِقِينَ قالَ: دارَ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها قالَ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَأْخُذَها بِأشَدَّ مِمّا أُمِرَ بِهِ قَوْمُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ قالَ: بِطاعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: فَخُذْها بِقُوَّةٍ يَعْنِي بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها قالَ: بِأحْسَنِ ما يَجِدُونَ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ سَأُورِيكم دارَ الفاسِقِينَ قالَ: مَصِيرُهم في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مَنازِلُهم في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: جَهَنَّمُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مِصْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ قالَ: عَنْ أنْ يَتَفَكَّرُوا في آياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ آياتِيَ قالَ: عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والآياتِ الَّتِي فِيها سَأصْرِفُهم عَنْ أنْ يَتَفَكَّرُوا فِيها أوْ يَعْتَبِرُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في الآيَةِ قالَ: أنْزِعُ عَنْهم فَهْمَ القُرْآنِ.
الأعراف 7:147
(p-٤٩٨)اللّامُ في لِمِيقاتِنا لِلِاخْتِصاصِ: أيْ كانَ مَجِيئُهُ مُخْتَصًّا بِالمِيقاتِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أنَّهُ جاءَ في الوَقْتِ المَوْعُودِ وكَلَّمَهُ رَبُّهُ أيْ أسْمَعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أيْ أرِنِي نَفْسَكَ أنْظُرْ إلَيْكَ: أيْ سَألَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ اشْتِياقًا إلى رُؤْيَتِهِ لَمّا أسْمَعَهُ كَلامَهُ.
وسُؤالُ مُوسى لِلرُّؤْيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ عِنْدَهُ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً عِنْدَهُ لَما سَألَها، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي يُفِيدُ أنَّهُ لا يَراهُ هَذا الوَقْتَ الَّذِي طَلَبَ رُؤْيَتَهُ فِيهِ، أوْ أنَّهُ لا يُرى ما دامَ الرّائِي حَيًّا في دارِ الدُّنْيا.
وأمّا رُؤْيَتُهُ في الآخِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ، والجِدالُ في مِثْلِ هَذا والمُراوَغَةُ لا تَأْتِي بِفائِدَةٍ، ومَنهَجُ الحَقِّ واضِحٌ، ولَكِنَّ الِاعْتِقادَ لِمَذْهَبٍ نَشَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ وأدْرَكَ عَلَيْهِ آباءَهُ وأهْلَ بَلَدِهِ مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِما هو المَطْلُوبُ مِنَ العِبادِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ يُوقِعُ في التَّعَصُّبِ.
والمُتَعَصِّبُ وإنْ كانَ بَصَرُهُ صَحِيحًا فَبَصِيرَتُهُ عَمْياءُ وأُذُنُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ صَمّاءُ، يَدْفَعُ الحَقَّ وهو يَظُنُّ أنَّهُ ما دَفَعَ غَيْرَ الباطِلِ، ويَحْسَبُ أنَّ ما نَشَأ عَلَيْهِ هو الحَقُّ غَفْلَةً مِنهُ وجَهْلًا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وتَلَقِّي ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ بِالإذْعانِ والتَّسْلِيمِ.
وما أقَلَّ المُنْصِفِينَ بَعْدَ ظُهُورِهِ هَذِهِ المَذاهِبَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَإنَّهُ صارَ بِها بابُ الحَقِّ مُرْتَجًا، وطَرِيقُ الإنْصافِ مُسْتَوْعِرَةً، والأمْرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والهِدايَةُ مِنهُ:
؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ
وجُمْلَةُ قالَ لَنْ تَرانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لِكَوْنِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ اللَّهُ لَهُ ؟ والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ مَعْناهُ أنَّكَ لا تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِي ولا يَثْبُتُ لَها ما هو أعْظَمُ مِنكَ جِرْمًا وصَلابَةً وقُوَّةً، وهو الجَبَلُ فانْظُرْ إلَيْهِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ولَمْ يَتَزَلْزَلْ عِنْدَ رُؤْيَتِي لَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَ مِنهُ أضْعَفُ، فَهَذا الكَلامُ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَبَلِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، وعَلى تَسْلِيمِ هَذا فَهو في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا لِما قَدَّمْنا.
وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كِلا طائِفَتَيِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ: فالمُعْتَزِلَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي، وبِأمْرِهِ بِأنْ يَنْظُرَ إلى الجَبَلِ، والأشْعَرِيَّةُ قالُوا: إنَّ تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُخْرَوِيَّةَ هي بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا كُلِّهِ، والخِلافُ بَيْنَهم هو فِيها لا في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا فَقَدْ كانَ الخِلافُ فِيها في زَمَنِ الصَّحابَةِ وكَلامُهم فِيها مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ تَجَلّى مَعْناهُ: ظَهَرَ، مِن قَوْلِكَ جَلَوْتُ العَرُوسَ: أيْ أبْرَزْتُها، وجَلَوْتُ السَّيْفَ: أخْلَصْتُهُ مِنَ الصَّدَأِ، وتَجَلّى الشَّيْءُ: انْكَشَفَ.
والمَعْنى: فَلَمّا ظَهَرَ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وقِيلَ: المُتَجَلِّي هو أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، والدَّكُّ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا مَدْقُوقًا فَصارَ تُرابًا، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " دَكًّا " بِالمَصْدَرِ، وهم أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ أهْلِ الكُوفَةِ " جَعَلَهُ دَكّاءَ " عَلى التَّأْنِيثِ، والجَمْعُ دَكّاواتٌ كَحَمْراءَ وحَمْراواتٍ، وهي اسْمٌ لِلرّابِيَةِ النّاشِزِةِ مِنَ الأرْضِ أوْ لِلْأرْضِ المُسْتَوِيَةِ، فالمَعْنى: أنَّ الجَبَلَ صارَ صَغِيرًا كالرّابِيَةِ أوْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً.
قالَ الكِسائِيُّ: الدَّكُّ: الجِبالُ العِراضُ واحِدُها أدَكُ، والدَّكاواتُ جَمْعُ دَكّاءَ، وهي رَوابٍ مِن طِينٍ لَيْسَتْ بِالغِلاظِ، والدَّكادِكُ: ما التَبَدَ مِنَ الأرْضِ فَلَمْ يَرْتَفِعْ، وناقَةٌ دَكّاءُ: لا سَنامَ لَها وخَرَّ مُوسى صَعِقًا أيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مَأْخُوذًا مِنَ الصاعِقَةِ: والمَعْنى: أنَّهُ صارَ حالُهُ لَمّا غُشِيَ عَلَيْهِ كَحالِ مَن يُغْشى عَلَيْهِ عِنْدَ إصابَةِ الصّاعِقَةِ لَهُ.
يُقالُ: صَعَقَ الرَّجُلُ فَهو صَعِقٌ ومَصْعُوقٌ: إذا أصابَتْهُ الصّاعِقَةُ فَلَمّا أفاقَ مِن غَشْيَتِهِ قالَ سُبْحانَكَ أيْ أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا مِن أنْ أسْألَ شَيْئًا لَمْ تَأْذَنْ لِي بِهِ تُبْتُ إلَيْكَ عَنِ العَوْدِ إلى مِثْلِ هَذا السُّؤالِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعْتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ ما كانَتْ عَنْ مَعْصِيَةٍ فَإنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ، وقِيلَ: هي تَوْبَةٌ مِن قَتْلِهِ لِلْقِبْطِيِّ، ذَكَرَهُ القُشَيْرِيُّ، ولا وجْهَ لَهُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِكَ قَبْلَ قَوْمِي المَوْجُودِينَ في هَذا العَصْرِ المُعْتَرِفِينَ بِعَظَمَتِكَ وجَلالِكَ.
وجُمْلَةُ قالَ يا مُوسى مُسْتَأْنَفَةٌ كالَّتِي قَبْلَها مُتَضَمِّنَةٌ لِإكْرامِ مُوسى واخْتِصاصِهِ بِما اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ.
والِاصْطِفاءُ: الِاجْتِباءُ والِاخْتِيارُ: أيِ اخْتَرْتُكَ عَلى النّاسِ المُعاصِرِينَ لَكَ " بِرِسالَتِي " كَذا قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِالإفْرادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَمْعِ.
والرِّسالَةُ مَصْدَرٌ، والأصْلُ فِيهِ الإفْرادُ، ومَن جَمَعَ فَكَأنَّهُ نَظَرَ إلى أنَّ الرِّسالَةَ هي عَلى ضُرُوبٍ فَجُمِعَ لِاخْتِلافِ الأنْواعِ، والمُرادُ بِالكَلامِ هُنا: التَّكْلِيمُ.
امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ العَظِيمَيْنِ مِن أنْواعِ الإكْرامِ، وهُما الرِّسالَةُ والتَّكْلِيمُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يَأْخُذَ ما آتاهُ: أيْ أعْطاهُ مِن هَذا الشَّرَفِ الكَرِيمِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَكُونَ مِنَ الشّاكِرِينَ عَلى هَذا العَطاءِ العَظِيمِ والإكْرامِ الجَلِيلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن كُلِّ شَيْءٍ: أيْ مِن كُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَنُو إسْرائِيلَ في دِينِهِمْ ودُنْياهم، وهَذِهِ الألْواحُ: هي التَّوْراةُ، قِيلَ: كانَتْ مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ، وقِيلَ: مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وقِيلَ: مِن زَبَرْجَدٍ، وقِيلَ: (p-٤٩٩)مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي مِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها، والألْواحُ: جَمْعُ لَوْحٍ، وسُمِّيَ لَوْحًا لِكَوْنِهِ تَلُوحُ فِيهِ المَعانِي، وأسْنَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الكِتابَةَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْمَكْتُوبِ في الألْواحِ، وهي مَكْتُوبَةٌ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: هي كِتابَةٌ خَلَقَها اللَّهُ في الألْواحِ، ومِن كُلِّ شَيْءٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ كَتَبْنا ومَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا بَدَلٌ مِن مَحَلِّ كُلِّ شَيْءٍ أيْ مَوْعِظَةً لِمَن يَتَّعِظُ بِها مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ وتَفْصِيلًا لِلْأحْكامِ المُحْتاجَةِ إلى التَّفْصِيلِ فَخُذْها بِقُوَّةٍ أيْ خُذِ الألْواحَ بِقُوَّةٍ: أيْ بِجِدٍّ ونَشاطٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الرِّسالاتِ، أوْ إلى كُلِّ شَيْءٍ، أوْ إلى التَّوْراةِ، قِيلَ: وهَذا الأمْرُ عَلى إضْمارِ القَوْلِ: أيْ فَقُلْنا لَهُ خُذْها، وقِيلَ: إنَّ فَخُذْها بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها أيْ بِأحْسَنِ ما فِيها بِما أجْرُهُ أكْثَرُ مِن غَيْرِهِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: اتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ( الزُّمَرِ: ٥٥ )، وقَوْلِهِ: فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ( الزُّمَرِ: ١٨ )، ومِنَ الأحْسَنِ الصَّبْرُ عَلى الغَيْرِ، والعَفْوُ عَنْهُ، والعَمَلُ بِالعَزِيمَةِ دُونَ الرُّخْصَةِ، وبِالفَرِيضَةِ دُونَ النّافِلَةِ، وفِعْلُ المَأْمُورِ بِهِ، وتَرْكُ المَنهِيِّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ قِيلَ: هي أرْضُ مِصْرَ الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وقِيلَ: مَنازِلُ عادٍ وثَمُودَ، وقِيلَ: هي جَهَنَّمُ، وقِيلَ: مَنازِلُ الكُفّارِ مِنَ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ لِيَعْتَبِرُوا بِها، وقِيلَ: الدّارُ: الهَلاكُ.
والمَعْنى: سَأُورِيكم هَلاكَ الفاسِقِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الفِسْقِ.
قَوْلُهُ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ قِيلَ: مَعْنى سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ سَأمْنَعُهم فَهْمَ كِتابِي، وقِيلَ: سَأصْرِفُهم عَنِ الإيمانِ بِها، وقِيلَ: سَأصْرِفُهم عَنْ نَفْعِها مُجازاةً عَلى تَكَبُّرِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم ( الصَّفِّ: ٥ )، وقِيلَ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى لا يَتَفَكَّرُوا فِيها ولا يَعْتَبِرُوا بِها.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ الآياتِ فَقِيلَ: هي المُعْجِزاتُ، وقِيلَ: الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وقِيلَ: هي خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وصَرْفُهم عَنْها: أنْ لا يَعْتَبِرُوا بِها، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآياتِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ حَمْلَ الصَّرْفِ عَلى جَمِيعِ المَعانِي المَذْكُورَةِ وبِغَيْرِ الحَقِّ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَتَكَبَّرُونَ أيْ يَتَكَبَّرُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا: أيْ يَتَكَبَّرُونَ مُتَلَبِّسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ مَعْطُوفٌ عَلى يَتَكَبَّرُونَ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ.
والمَعْنى سَأصْرِفُ عَنْ آياتِي المُتَكَبِّرِينَ التّارِكِينَ لِلْإيمانِ بِما يَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ كُلِّ آيَةٍ الآياتُ المُنَزَّلَةُ، والآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ، والمُعْجِزاتُ: أيْ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ كائِنَةً ما كانَتْ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ يَرَوْا بِضَمِّ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ، وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها داخِلَةٌ في حُكْمِها، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا والمَعْنى: أنَّهم إذا وجَدُوا سَبِيلًا مِن سُبُلِ الرُّشْدِ تَرَكُوهُ وتَجَنَّبُوهُ، وإنْ رَأوْا سَبِيلًا مِن سُبُلِ الغَيِّ سَلَكُوهُ واخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ " الرُّشْدِ " بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الشِّينِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَرَّقَ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الرَّشَدِ والرُّشْدِ فَقالَ: الرَّشَدُ الصَّلاحُ، والرُّشْدُ في الدِّينِ.
قالَ النَّحّاسُ: سِيبَوَيْهِ يَذْهَبُ إلى أنَّ الرُّشْدُ والرَّشَدُ كالسُّخْطِ والسَّخَطِ.
قالَ الكِسائِيُّ: والصَّحِيحُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وغَيْرِهِ ما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
وأصْلُ الرُّشْدِ في اللُّغَةِ: أنْ يَظْفَرَ الإنْسانُ بِما يُرِيدُ، وهو ضِدُّ الخَيْبَةِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الصَّرْفِ: أيْ ذَلِكَ الصَّرْفُ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، أوِ الإشارَةُ إلى التَّكَبُّرِ وعَدَمِ الإيمانِ بِالآياتِ، وتَجَنُّبِ سَبِيلِ الرُّشْدِ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الغَيِّ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وغَفْلَتِهِمْ عَنْها.
والمَوْصُولُ في والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ حَبِطَتْ أعْمالُهم، والمُرادُ بِلِقاءِ الآخِرَةِ: لِقاءُ الدّارِ الآخِرَةِ: أيْ لِقائِهِمْ لَها أوْ لِقائِهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ فِيها عَلى أنَّ الإضافَةَ إلى الظَّرْفِ.
وحُباطُ الأعْمالِ بُطْلانُها: أيْ بُطْلانُ ما عَمِلُوهُ مِمّا صُورَتُهُ صُورَةُ الطّاعَةِ، كالصَّدَقَةِ والصِّلَةِ، وإنْ كانُوا في حالِ كُفْرِهِمْ لا طاعاتٍ لَهم، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ أنْ تَبْطُلَ بَعْدَما كانَتْ مَرْجُوَّةَ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ إسْلامِهِمْ لِما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أسْلَمْتَ عَلى ما أسْلَفْتَ مِن خَيْرٍ» .
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ، والتَّكْذِيبِ بِآياتِهِ، وتَنَكُّبِ سَبِيلِ الحَقِّ، وسُلُوكِ سَبِيلِ الغَيِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى قالَ: يا رَبِّ أهَكَذا كَلامُكَ ؟ قالَ: يا مُوسى إنَّما أُكَلِّمُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها، ولَوْ كَلَّمْتُكَ بِكُنْهِ كَلامِي لَمْ تَكُ شَيْئًا.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى يَوْمَ الطُّورِ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُ بِهِ يَوْمَ ناداهُ فَقالَ لَهُ مُوسى: يا رَبِّ أهَذا كَلامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ ؟ قالَ: يا مُوسى إنَّما كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها وأقْوى مِن ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى صِفْ لَنا كَلامَ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ، ألَمْ تَرَوْا إلى أصْواتِ الصَّواعِقِ الَّتِي تَقْتُلُ، في أحْلى حَلاوَةٍ سَمِعْتُمُوهُ فَذاكَ قَرِيبٌ مِنهُ ولَيْسَ بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعاوِيَةَ قالَ: إنَّما كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى بِقَدْرِ ما يُطِيقُ مِن كَلامِهِ ولَوْ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِ كُلِّهِ لَمْ يُطِقْهُ شَيْءٌ، فَمَكَثَ مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً لا يَراهُ أحَدٌ إلّا ماتَ مِن نُورِ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ يَقُولُ: أعْطِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمّا سَمِعَ الكَلامَ طَمِعَ في الرُّؤْيَةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حِينَ قالَ مُوسى لِرَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى: (p-٥٠٠)رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ اللَّهُ: يا مُوسى إنَّكَ لَنْ تَرانِي، قالَ: يَقُولُ: لَيْسَ تَرانِي ولا يَكُونُ ذَلِكَ أبَدًا، يا مُوسى إنَّهُ لَنْ يَرانِي أحَدٌ فَيَحْيا، قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي أراكَ ثُمَّ أمُوتُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ لا أراكَ ثُمَّ أحْيا، فَقالَ اللَّهُ لِمُوسى: يا مُوسى انْظُرْ إلى الجَبَلِ العَظِيمِ الطَّوِيلِ الشَّدِيدِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ يَقُولُ: فَإنْ ثَبَتَ مَكانَهُ لَمْ يَتَضَعْضَعْ ولَمْ يَنْهَدَّ لِبَعْضِ ما يَرى مِن عَظَمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي أنْتَ لِضَعْفِكَ وذِلَّتِكَ، وإنِ الجَبَلُ انْهَدَّ بِقُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ وعَظَمَتِهِ فَأنْتَ أضْعَفُ وأذَلُّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قالَ: هَكَذا، وأشارَ بِأُصْبُعَيْهِ ووَضَعَ إبْهامَيْهِ عَلى أُنْمُلَةِ الخِنْصَرِ»، وفي لَفْظٍ عَلى المَفْصِلِ الأعْلى مِنَ الخِنْصَرِ، فَساخَ الجَبَلُ وخَرَّ مُوسى صَعِقًا.
وفِي لَفْظٍ: فَساخَ الجَبَلُ في الأرْضِ فَهو يَهْوِي فِيها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وهَذا الحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الجَبَلُ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ الطُّورُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ الرُّؤْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ قالَ: ما تَجَلّى مِنهُ إلّا قَدْرُ الخِنْصَرِ جَعَلَهُ دَكًّا قالَ: تُرابًا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا قالَ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَمّا تَجَلّى اللَّهُ لِلْجَبَلِ طارَتْ لِعَظَمَتِهِ سِتَّةُ أجْبُلٍ، فَوَقَعَتْ ثَلاثَةٌ بِالمَدِينَةِ، وثَلاثَةٌ بِمَكَّةَ، بِالمَدِينَةِ: أُحُدٌ ووَرْقانُ ورَضْوى، وبِمَكَّةَ: حِراءٌ وثُبَيْرٌ وثَوْرٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَمّا تَجَلّى اللَّهُ لِمُوسى تَطايَرَتْ سَبْعَةُ أجْبُلٍ، فَفي الحِجازِ خَمْسَةٌ مِنها، وفي اليَمَنِ اثْنانِ، في الحِجازِ: أُحُدٌ وثُبَيْرٌ وحِراءٌ وثَوْرٌ ووَرْقانُ، وفي اليَمَنِ: حُضُورٌ وصَبْرٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ مُوسى لَمّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ فَسَألَهُ فَقالَ: لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ قالَ: فَحَفَّ حَوْلَ الجَبَلِ المَلائِكَةُ، وحَفَّ حَوْلَ المَلائِكَةِ بِنارٍ، وحَفَّ حَوْلَ النّارِ بِمَلائِكَةٍ، وحَفَّ حَوْلَهم بِنارٍ، ثُمَّ تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ تَجَلّى مِنهُ مِثْلُ الخِنْصَرِ، فَجَعَلَ الجَبَلَ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا، فَلَمْ يَزَلْ صَعِقًا ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أفاقَ فَقالَ: سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ الألْواحَ لِمُوسى، وهو يَسْمَعُ صَرِيفَ الأقْلامِ في لَوْحٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الألْواحُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى كانَتْ مِن سِدْرِ الجَنَّةِ كانَ طُولُ اللَّوْحِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانُوا يَقُولُونَ كانَتِ الألْواحُ مِن ياقُوتَةٍ، وأنا أقُولُ: إنَّما كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ وكِتابُها الذَّهَبُ، كَتَبَها اللَّهُ بِيَدِهِ، فَسَمِعَ أهْلُ السَّماواتِ صَرِيفَ الأقْلامِ.
أقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ سَعِيدًا ما كانَ أغْناهُ عَنْ هَذا الَّذِي قالَهُ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، فَمِثْلُهُ لا يُقالُ بِالرَّأْيِ ولا بِالحَدْسِ، والَّذِي يَغْلِبُ بِهِ الظَّنُّ أنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ كانُوا يَسْألُونَ اليَهُودَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ، فَلِهَذا اخْتَلَفَتْ واضْطَرَبَتْ، فَهَذا يَقُولُ مِن خَشَبٍ، وهَذا يَقُولُ مِن ياقُوتٍ، وهَذا يَقُولُ مِن زُمُرُّدٍ، وهَذا يَقُولُ مِن زَبَرْجَدٍ، وهَذا يَقُولُ مَن بُرْدٍ، وهَذا يَقُولُ مَن حَجَرٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ كُلِّ شَيْءٍ أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في المَكْتُوبِ في الألْواحِ اخْتِلافًا كَثِيرًا، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ المَكْتُوبِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّنافِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَخُذْها بِقُوَّةٍ قالَ: بِجِدٍّ وحَزْمٍ سَأُورِيكم دارَ الفاسِقِينَ قالَ: دارَ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْهُ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها قالَ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَأْخُذَها بِأشَدَّ مِمّا أُمِرَ بِهِ قَوْمُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ قالَ: بِطاعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: فَخُذْها بِقُوَّةٍ يَعْنِي بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها قالَ: بِأحْسَنِ ما يَجِدُونَ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ سَأُورِيكم دارَ الفاسِقِينَ قالَ: مَصِيرُهم في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مَنازِلُهم في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: جَهَنَّمُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مِصْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ قالَ: عَنْ أنْ يَتَفَكَّرُوا في آياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ آياتِيَ قالَ: عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والآياتِ الَّتِي فِيها سَأصْرِفُهم عَنْ أنْ يَتَفَكَّرُوا فِيها أوْ يَعْتَبِرُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في الآيَةِ قالَ: أنْزِعُ عَنْهم فَهْمَ القُرْآنِ.