Fath Al-Qadir Al-Shawkani — يونس 10:78 – يونس 10:105
المحتويات
يونس 10:78
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:79
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:80
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:81
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:82
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:83
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:84
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:85
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:86
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:87
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:88
لَمّا بالَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ، وإقامَةِ الحُجَجِ البَيِّناتِ، ولَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِيمَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ سَبَبَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمَسُّكِهِمْ بِالجُحُودِ والعِنادِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلسَّبَبِ أوَّلًا: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَلَأ هُمُ الأشْرافُ، والزِّينَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِن مَلْبُوسٍ ومَرْكُوبٍ وحَلْيَةٍ وفِراشٍ وسِلاحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ .
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ اللّامِ الدّاخِلَةِ عَلى الفِعْلِ، فَقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّها لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الضَّلالَ صارَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهم ما أعْطاهم مِنَ النِّعَمِ لِيُضِلُّوا، فَتَكُونُ اللّامُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةً بِآتَيْتَ، وقِيلَ: إنَّها لامُ كَيْ أيْ: أعْطَيْتَهم لِكَيْ يُضِلُّوا.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ المَعْنى أعْطَيْتَهم ذَلِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا، فَحُذِفَتْ لا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] .
قالَ النَّحّاسُ: ظاهِرُ هَذا الجَوابِ حَسَنٌ إلّا أنَّ العَرَبَ لا تَحْذِفُ لا إلّا مَعَ أنْ، فَمَوَّهَ صاحِبُ هَذا التَّأْوِيلِ بِالِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وقِيلَ: اللّامُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
والمَعْنى: ابْتَلِهِمْ بِالهَلاكِ عَنْ سَبِيلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا: اطْمِسْ واشْدُدْ.
وقَدْ أطالَ صاحِبُ الكَشّافِ في تَقْرِيرِ هَذا بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الأوْلى.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ: أيْ يُوقِعُوا الإضْلالَ عَلى غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ أيْ: يَضِلُّونَ في أنْفُسِهِمْ.
﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: طَمْسُ الشَّيْءِ إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ، والمَعْنى: الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَمْحَقَ اللَّهُ أمْوالَهم ويُهْلِكَها، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ مِنِ ( اطْمُسْ ) ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً مَطْبُوعَةً لا تَقْبَلُ الحَقَّ ولا تَنْشَرِحُ لِلْإيمانِ.
قَوْلُهُ: فَلا يُؤْمِنُوا.
قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى لِيُضِلُّوا، والمَعْنى: آتَيْتَهُمُ النِّعَمَ لِيُضِلُّوا ولا يُؤْمِنُوا، ويَكُونُ ما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ اعْتِراضًا.
وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: هو دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ جَوابُ الأمْرِ: أيِ اطْمِسْ واشْدُدْ فَلا يُؤْمِنُوا، فَيَكُونُ مَنصُوبًا.
ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا، ومِنهُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ لا يَحْصُلُ مِنهُمُ الإيمانُ إلّا مَعَ المُعايَنَةِ لِما يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ إيمانُهم.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدُّعاءِ عَلى هَؤُلاءِ، وقالَ: إنَّ الرُّسُلَ إنَّما تَطْلُبُ هِدايَةَ قَوْمِهِمْ وإيمانَهم.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أنْ يَدْعُوَ عَلى قَوْمِهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما يَأْذَنُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ، ولِهَذا لَمّا أعْلَمَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِن قَوْمِهِ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] .
﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ جَعَلَ الدَّعْوَةَ هاهُنا مُضافَةً إلى مُوسى وهارُونَ، وفِيما تَقَدَّمَ أضافَها إلى مُوسى وحْدَهُ، فَقِيلَ: إنَّ هارُونَ كانَ يُؤَمِّنُ عَلى دُعاءِ مُوسى فَسُمِّيَ هاهُنا داعِيًا، وإنْ كانَ الدّاعِي مُوسى وحْدَهُ، فَفي أوَّلِ الكَلامِ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى لِكَوْنِهِ الدّاعِيَ، وهاهُنا أضافَهُ إلَيْهِما تَنْزِيلًا لِلْمُؤَمِّنِ مَنزِلَةَ الدّاعِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا جَمِيعًا داعِيَيْنِ، ولَكِنْ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى في أوَّلِ الكَلامِ لِأصالَتِهِ في الرِّسالَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ لَهُما قَوْلُ مُوسى رَبَّنا ولَمْ يَقُلْ رَبِّ.
وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ " دُعاؤُكُما " وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " دَعْواكُما " والِاسْتِقامَةُ: الثَّباتُ عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: أُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ عَلى أمْرِهِما والثَّباتِ عَلَيْهِ، عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى الإيمانِ إلى أنْ يَأْتِيَهُما تَأْوِيلُ الإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أُهْلِكُوا؛ وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِقامَةِ: تَرْكُ الِاسْتِعْجالِ ولُزُومُ السَّكِينَةِ والرِّضا والتَّسْلِيمُ لِما يَقْضِي بِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ، وحُرِّكَتْ بِالكَسْرِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ، ولِكَوْنِها أشْبَهَتْ نُونَ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ عَلى النَّفْيِ لا عَلى النَّهْيِ.
وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مِن تَتَّبِعانِّ.
والمَعْنى: النَّهْيُ لَهُما عَنْ سُلُوكِ طَرِيقَةِ مَن لا يَعْلَمُ بِعادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إجْراءِ الأُمُورِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ (p-٦٤٠)المَصالِحُ تَعْجِيلًا وتَأْجِيلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ هو مِن جاوَزَ المَكانَ: إذا خَلَّفَهُ وتَخَطّاهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ: جَعَلْناهم مُجاوَزِينَ البَحْرَ حَتّى بَلَغُوا الشَّطَّ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا فَمَرُّوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ إلى البَرِّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] .
وقَرَأ الحَسَنُ " وجَوَّزْنا " وهُما لُغَتانِ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ يُقالُ: تَبِعَ وأتْبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ: إذا لَحِقَهُ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ أتْبَعَهُ بِقَطْعِ الألِفِ: إذا لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ، واتَّبَعَهُ بِوَصْلِ الألِفِ: إذا اتَّبَعَ أثَرَهُ أدْرَكَهُ أوْ لَمْ يُدْرِكْهُ.
وكَذا قالَ أبُو زَيْدٍ وقالَ أبُو عَمْرٍو: إنَّ ( اتَّبَعَهُ ) بِالوَصْلِ: اقْتَدى بِهِ، وانْتِصابُ بَغْيًا وعَدْوًا عَلى الحالِ، والبَغْيُ: الظُّلْمُ، والعَدْوُ: الِاعْتِداءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ: أيْ لِلْبَغِيِّ والعَدْوِ.
وقَرَأ الحَسَنُ " وعُدُوًّا " بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ مِثْلَ عَلا يَعْلُو عُلُوًّا، وقِيلَ: إنَّ البَغْيَ: طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ في القَوْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والعَدْوُ في الفِعْلِ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ نالَهُ ووَصَلَهُ وألْجَمَهُ.
وذَلِكَ أنَّ مُوسى خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ لَحِقَهم بِجُنُودِهِ، فَفَرَقَ اللَّهُ البَحْرَ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَشَوْا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ والبَحْرُ باقٍ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها عِنْدَ مُضِيِّ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَلَمّا تَكامَلَ دُخُولُ جُنُودِ فِرْعَوْنَ وكادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، انْطَبَقَ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا كَما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ.
﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ أيْ صَدَّقْتُ أنَّهُ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ بِأنَّهُ، فَحُذِفَتِ الباءُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ، أنَّ القَوْلَ مَحْذُوفٌ: أيْ آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ، ولَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الإيمانُ أنَّهُ وقَعَ مِنهُ بَعْدَ إدْراكِ الغَرَقِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ، ولَمْ يَقُلِ اللَّعِينُ آمَنتُ بِاللَّهِ أوْ بِرَبِّ العالَمِينَ، بَلْ قالَ: آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، لِأنَّهُ بَقِيَ فِيهِ عِرْقٌ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُنْقادِينَ لَهُ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَهُ ويَنْفُونَ ما سِواهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى آمَنتُ.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ هو مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قالَ آمَنتُ: أيْ فَقِيلَ لَهُ: أتُؤْمِنُ الآنَ ؟ .
وقَدِ اخْتُلِفَ مَنِ القائِلُ لِفِرْعَوْنَ بِهَذِهِ المَقالَةِ ؟ فَقِيلَ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ مِيكائِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، قالَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ القَوْلِ المُقَدَّرِ، وهو أتُؤْمِنُ الآنَ، والمَعْنى: إنْكارُ الإيمانِ مِنهُ عِنْدَ أنْ ألْجَمَهُ الغَرَقُ والحالُ أنَّهُ قَدْ عَصى اللَّهَ مِن قَبْلُ، والمَقْصُودُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عَصَيْتَ داخِلَةٌ في الحالِ: أيْ كُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِضَلالِكَ عَنِ الحَقِّ وإضْلالِكَ لِغَيْرِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قُرِئَ " نُنْجِيكَ " بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ عَلى التَّثْقِيلِ.
وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: " نُنَحِّيكَ " بِالحاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، وحَكاها عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَعْنى نُنَجِّيكَ بِالجِيمِ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يُصَدِّقُوا أنَّ فِرْعَوْنَ غَرِقَ، وقالُوا: هو أعْظَمُ شَأْنًا مِن ذاكَ، فَألْقاهُ اللَّهُ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى شاهَدُوهُ، وقِيلَ: المَعْنى: نُخْرِجُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِنَ الرُّسُوبِ في قَعْرِ البَحْرِ ونَجْعَلُكَ طافِيًا لِيُشاهِدُوكَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، ومَعْنى نُنَحِّيكَ بِالمُهْمَلَةِ: نَطْرَحُكَ عَلى ناحِيَةٍ مِنَ الأرْضِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ " بِأبْدانِكَ " .
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى بِبَدَنِكَ، فَقِيلَ: مَعْناهُ: بِجَسَدِكَ بَعْدَ سَلْبِ الرُّوحِ مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِدِرْعِكَ، والدِّرْعُ يُسَمّى بَدَنًا، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:
؎تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبَغاتٍ ∗∗∗ عَلى الأبْطالِ واليَلَبَ الحَصِينا
أرادَ بِالأبْدانِ الدُّرُوعَ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ:
؎ومَضى نِساؤُهُمُ بِكُلِّ مَفاضَةٍ ∗∗∗ جَدْلاءَ سابِغَةٍ وبِالأبْدانِ
أيْ بِدُرُوعٍ سابِغَةٍ ودُرُوعٍ قَصِيرَةٍ: وهي الَّتِي يُقالُ لَها أبْدانُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ الأخْفَشُ: وأمّا قَوْلُ مَن قالَ بِدِرْعِكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ورَجَّحَ أنَّ البَدَنَ المُرادُ بِهِ هُنا الجَسَدُ.
قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ هَذا تَعْلِيلٌ لِتَنْجِيَتِهِ بِبَدَنِهِ، وفي ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ جَسَدَهُ دُونَ قَوْمِهِ إلّا لِهَذِهِ العِلَّةِ لا سِوى، والمُرادُ بِالآيَةِ العَلامَةُ أيْ: لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ مِنَ النّاسِ عَلامَةً يَعْرِفُونَ بِها هَلاكَكَ، وأنَّكَ لَسْتَ كَما تَدَّعِي، ويَنْدَفِعَ عَنْهُمُ الشَّكُّ في كَوْنِكَ قَدْ صِرْتَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، وقِيلَ: المُرادُ لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلى السّاحِلِ وحْدَكَ دُونَ المُغْرَقِينَ مَن قَوْمِكَ آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ، يَعْتَبِرُ بِها النّاسُ، أوْ يَعْتَبِرُ بِها مَن سَيَأْتِي مِنَ الأُمَمِ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ؛ حَتّى يَحْذَرُوا مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ والتَّمَرُّدِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا الَّذِي بَلَغَ ما بَلَغَ إلَيْهِ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ، واسْتَمَرَّ عَلى ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا كانَتْ لَهُ هَذِهِ العاقِبَةُ القَبِيحَةُ.
وقُرِئَ " لِمَن خَلَفَكَ " عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي أيْ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ أوْ مَن خَلَفَكَ في الرِّياسَةِ أوْ في السُّكُونِ في المَسْكَنِ الَّذِي كُنْتَ تَسْكُنُهُ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا﴾ الَّتِي تُوجِبُ الِاعْتِبارَ والتَّفَكُّرَ وتُوقِظُ مِن سَنَةِ الغَفْلَةِ لَغافِلُونَ عَمّا تُوجِبُهُ الآياتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ يَقُولُ: دَمِّرْ عَلى أمْوالِهِمْ وأهْلِكْها ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: اطْبَعْ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وهو الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ فَأخْبَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أمْوالِ فِرْعَوْنَ وآلِ فِرْعَوْنَ، حَتّى صارَتْ حِجارَةً، فَقالَ عُمَرُ: كَما أنْتَ حَتّى آتِيَكَ، فَدَعا بِكِيسٍ مَخْتُومٍ فَفَكَّهُ، فَإذا (p-٦٤١)فِيهِ الفِضَّةُ مَقْطُوعَةً كَأنَّها الحِجارَةُ والدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِنَ الأمْوالِ حِجارَةٌ كُلُّها.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ أمْوالَهم تَحَوَّلَتْ حِجارَةً مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما، قالَ: فاسْتَجابَ لَهُ وحالَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وبَيْنَ الإيمانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ مُوسى إذا دَعا أمَّنَ هارُونُ عَلى دُعائِهِ يَقُولُ: آمِينَ.
قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فاسْتَقِيما فامْضِيا لِأمْرِي، وهي الِاسْتِقامَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: العَدْوُ والعُتُوُّ والعُلُوُّ في كِتابِ اللَّهِ: التَّجَبُّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا خَرَجَ آخِرُ أصْحابِ مُوسى، ودَخَلَ آخِرُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ، أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ انْطَبِقْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ أُصْبُعُ فِرْعَوْنَ بِلا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، قالَ جِبْرِيلُ: فَعَرَفْتُ أنَّ الرَّبَّ رَحِيمٌ وخِفْتُ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ، فَرَمَسْتُهُ بِجَناحِي وقُلْتُ: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ؟ فَلَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ قالَ مَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما غَرِقَ فِرْعَوْنُ ولا أصْحابُهُ، ولَكِنَّهم في جَزائِرِ البَحْرِ يَتَصَيَّدُونَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَلَفَظَهُ عُرْيانًا أصْلَعَ أُخَيْنِسَ قَصِيرًا فَهو قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ لِمَن قالَ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَغْرَقْ، وكَأنَّ نَجاةَ غَيْرِهِ لَمْ تَكُنْ نَجاةَ عافِيَةٍ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ ما فِيكَ فَلَفَظَهم عَلى السّاحِلِ، وكانَ البَحْرُ لا يَلْفِظُ غَرِيقًا في بَطْنِهِ حَتّى يَأْكُلَهُ السَّمَكُ، فَلَيْسَ يَقْبَلُ البَحْرُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رَأيْتَنِي وأنا آخُذُ مِن حالِ البَحْرِ فَأدُسُّهُ في فِيهِ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ مِن غَيْرِ وجْهٍ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وصَحَّحَهُ أيْضًا الحاكِمُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: ما كانَ عَلى الأرْضِ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا آمَنَ جَعَلْتُ أحْشُو فاهُ حَمَأةً، وأنا أغُطُّهُ خَشْيَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي إسْنادِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وباقِي رِجالِهِ ثِقاتٌ.
والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ بِفَنِّ الرِّوايَةِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولا يَكادُ يُمَيِّزُ بَيْنَ أصَحِّ الصَّحِيحِ مِنَ الحَدِيثِ وأكْذَبِ الكَذِبِ مِنهُ، كَيْفَ يَتَجارى عَلى الكَلامِ في أحادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبُطْلانِ ما صَحَّ مِنها، ويُرْسِلُ لِسانَهُ وقَلَمَهُ بِالجَهْلِ البَحْتِ، والقُصُورِ الفاضِحِ الَّذِي يَضْحَكُ مِنهُ كُلُّ مَن لَهُ أدْنى مُمارَسَةٍ لِفَنِّ الحَدِيثِ، فَيا مِسْكِينُ ما لَكَ ولِهَذا الشَّأْنِ الَّذِي لَسْتَ مِنهُ في شَيْءٍ ؟ ألا تَسْتُرُ نَفْسَكَ وتَرْبَعُ عَلى ضِلَعِكَ، وتَعْرِفُ بِأنَّكَ بِهَذا العِلْمِ مِن أجْهَلِ الجاهِلِينَ، وتَشْتَغِلُ بِما هو عِلْمُكَ الَّذِي لا تُجاوِزُهُ، وحاصِلُكَ الَّذِي لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ، وهو عِلْمُ اللُّغَةِ وتَوابِعُهُ مِنَ العُلُومِ الآلِيَّةِ، ولَقَدْ صارَ صاحِبُ الكَشّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِسَبَبِ ما يَتَعَرَّضُ لَهُ في تَفْسِيرِهِ مِن عِلْمِ الحَدِيثِ الَّذِي لَيْسَ هو مِنهُ في وِرْدٍ، ولا صَدْرٍ، سُخْرَةً لِلسّاخِرِينَ وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، فَتارَةً يَرْوِي في كِتابِهِ المَوْضُوعاتِ وهو لا يَدْرِي أنَّها مَوْضُوعاتٌ، وتارَةً يَتَعَرَّضُ لِرَدِّ ما صَحَّ، ويَجْزِمُ بِأنَّهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والبُهْتِ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِمّا يَلْتَحِقُ بِهِما مِن رِوايَةِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِأسانِيدَ كُلُّها أئِمَّةٌ ثِقاتٌ أثْباتٌ حُجَجٌ، وأدْنى نَصِيبٍ مِن عَقْلٍ يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ في عِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ ولا يَدْرِي بِهِ أقَلَّ دِرايَةٍ، وإنْ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ مِن عُلُومِ الِاصْطِلاحِ الَّتِي يَتَواضَعُ عَلَيْها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، ويَصْطَلِحُونَ عَلى أُمُورٍ فِيما بَيْنَهم، فَما بالُكَ بِعِلْمِ السُّنَّةِ الَّذِي هو قَسِيمُ كِتابِ اللَّهِ، وقائِلُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وراوِيهِ عَنْهُ خَيْرُ القُرُونِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، وكُلُّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ، وكَلِمَةٍ مِن كَلِماتِهِ، يَثْبُتُ بِها شَرْعٌ عامٌّ لِجَمِيعِ أهْلِ الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: أنْجى اللَّهُ فِرْعَوْنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ البَحْرِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ بَعْدَما غَرِقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِجَسَدِكَ، قالَ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَوْتِ فِرْعَوْنَ، فَأُلْقِيَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى يَراهُ بَنُو إسْرائِيلَ أحْمَرَ قَصِيرًا كَأنَّهُ ثَوْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: بِدِرْعِكَ، وكانَ دِرْعُهُ مِن لُؤْلُؤَةٍ يُلاقِي فِيها الحُرُوبَ.
يونس 10:89
لَمّا بالَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ، وإقامَةِ الحُجَجِ البَيِّناتِ، ولَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِيمَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ سَبَبَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمَسُّكِهِمْ بِالجُحُودِ والعِنادِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلسَّبَبِ أوَّلًا: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَلَأ هُمُ الأشْرافُ، والزِّينَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِن مَلْبُوسٍ ومَرْكُوبٍ وحَلْيَةٍ وفِراشٍ وسِلاحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ .
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ اللّامِ الدّاخِلَةِ عَلى الفِعْلِ، فَقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّها لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الضَّلالَ صارَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهم ما أعْطاهم مِنَ النِّعَمِ لِيُضِلُّوا، فَتَكُونُ اللّامُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةً بِآتَيْتَ، وقِيلَ: إنَّها لامُ كَيْ أيْ: أعْطَيْتَهم لِكَيْ يُضِلُّوا.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ المَعْنى أعْطَيْتَهم ذَلِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا، فَحُذِفَتْ لا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] .
قالَ النَّحّاسُ: ظاهِرُ هَذا الجَوابِ حَسَنٌ إلّا أنَّ العَرَبَ لا تَحْذِفُ لا إلّا مَعَ أنْ، فَمَوَّهَ صاحِبُ هَذا التَّأْوِيلِ بِالِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وقِيلَ: اللّامُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
والمَعْنى: ابْتَلِهِمْ بِالهَلاكِ عَنْ سَبِيلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا: اطْمِسْ واشْدُدْ.
وقَدْ أطالَ صاحِبُ الكَشّافِ في تَقْرِيرِ هَذا بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الأوْلى.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ: أيْ يُوقِعُوا الإضْلالَ عَلى غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ أيْ: يَضِلُّونَ في أنْفُسِهِمْ.
﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: طَمْسُ الشَّيْءِ إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ، والمَعْنى: الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَمْحَقَ اللَّهُ أمْوالَهم ويُهْلِكَها، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ مِنِ ( اطْمُسْ ) ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً مَطْبُوعَةً لا تَقْبَلُ الحَقَّ ولا تَنْشَرِحُ لِلْإيمانِ.
قَوْلُهُ: فَلا يُؤْمِنُوا.
قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى لِيُضِلُّوا، والمَعْنى: آتَيْتَهُمُ النِّعَمَ لِيُضِلُّوا ولا يُؤْمِنُوا، ويَكُونُ ما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ اعْتِراضًا.
وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: هو دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ جَوابُ الأمْرِ: أيِ اطْمِسْ واشْدُدْ فَلا يُؤْمِنُوا، فَيَكُونُ مَنصُوبًا.
ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا، ومِنهُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ لا يَحْصُلُ مِنهُمُ الإيمانُ إلّا مَعَ المُعايَنَةِ لِما يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ إيمانُهم.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدُّعاءِ عَلى هَؤُلاءِ، وقالَ: إنَّ الرُّسُلَ إنَّما تَطْلُبُ هِدايَةَ قَوْمِهِمْ وإيمانَهم.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أنْ يَدْعُوَ عَلى قَوْمِهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما يَأْذَنُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ، ولِهَذا لَمّا أعْلَمَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِن قَوْمِهِ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] .
﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ جَعَلَ الدَّعْوَةَ هاهُنا مُضافَةً إلى مُوسى وهارُونَ، وفِيما تَقَدَّمَ أضافَها إلى مُوسى وحْدَهُ، فَقِيلَ: إنَّ هارُونَ كانَ يُؤَمِّنُ عَلى دُعاءِ مُوسى فَسُمِّيَ هاهُنا داعِيًا، وإنْ كانَ الدّاعِي مُوسى وحْدَهُ، فَفي أوَّلِ الكَلامِ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى لِكَوْنِهِ الدّاعِيَ، وهاهُنا أضافَهُ إلَيْهِما تَنْزِيلًا لِلْمُؤَمِّنِ مَنزِلَةَ الدّاعِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا جَمِيعًا داعِيَيْنِ، ولَكِنْ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى في أوَّلِ الكَلامِ لِأصالَتِهِ في الرِّسالَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ لَهُما قَوْلُ مُوسى رَبَّنا ولَمْ يَقُلْ رَبِّ.
وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ " دُعاؤُكُما " وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " دَعْواكُما " والِاسْتِقامَةُ: الثَّباتُ عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: أُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ عَلى أمْرِهِما والثَّباتِ عَلَيْهِ، عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى الإيمانِ إلى أنْ يَأْتِيَهُما تَأْوِيلُ الإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أُهْلِكُوا؛ وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِقامَةِ: تَرْكُ الِاسْتِعْجالِ ولُزُومُ السَّكِينَةِ والرِّضا والتَّسْلِيمُ لِما يَقْضِي بِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ، وحُرِّكَتْ بِالكَسْرِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ، ولِكَوْنِها أشْبَهَتْ نُونَ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ عَلى النَّفْيِ لا عَلى النَّهْيِ.
وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مِن تَتَّبِعانِّ.
والمَعْنى: النَّهْيُ لَهُما عَنْ سُلُوكِ طَرِيقَةِ مَن لا يَعْلَمُ بِعادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إجْراءِ الأُمُورِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ (p-٦٤٠)المَصالِحُ تَعْجِيلًا وتَأْجِيلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ هو مِن جاوَزَ المَكانَ: إذا خَلَّفَهُ وتَخَطّاهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ: جَعَلْناهم مُجاوَزِينَ البَحْرَ حَتّى بَلَغُوا الشَّطَّ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا فَمَرُّوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ إلى البَرِّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] .
وقَرَأ الحَسَنُ " وجَوَّزْنا " وهُما لُغَتانِ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ يُقالُ: تَبِعَ وأتْبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ: إذا لَحِقَهُ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ أتْبَعَهُ بِقَطْعِ الألِفِ: إذا لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ، واتَّبَعَهُ بِوَصْلِ الألِفِ: إذا اتَّبَعَ أثَرَهُ أدْرَكَهُ أوْ لَمْ يُدْرِكْهُ.
وكَذا قالَ أبُو زَيْدٍ وقالَ أبُو عَمْرٍو: إنَّ ( اتَّبَعَهُ ) بِالوَصْلِ: اقْتَدى بِهِ، وانْتِصابُ بَغْيًا وعَدْوًا عَلى الحالِ، والبَغْيُ: الظُّلْمُ، والعَدْوُ: الِاعْتِداءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ: أيْ لِلْبَغِيِّ والعَدْوِ.
وقَرَأ الحَسَنُ " وعُدُوًّا " بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ مِثْلَ عَلا يَعْلُو عُلُوًّا، وقِيلَ: إنَّ البَغْيَ: طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ في القَوْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والعَدْوُ في الفِعْلِ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ نالَهُ ووَصَلَهُ وألْجَمَهُ.
وذَلِكَ أنَّ مُوسى خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ لَحِقَهم بِجُنُودِهِ، فَفَرَقَ اللَّهُ البَحْرَ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَشَوْا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ والبَحْرُ باقٍ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها عِنْدَ مُضِيِّ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَلَمّا تَكامَلَ دُخُولُ جُنُودِ فِرْعَوْنَ وكادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، انْطَبَقَ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا كَما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ.
﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ أيْ صَدَّقْتُ أنَّهُ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ بِأنَّهُ، فَحُذِفَتِ الباءُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ، أنَّ القَوْلَ مَحْذُوفٌ: أيْ آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ، ولَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الإيمانُ أنَّهُ وقَعَ مِنهُ بَعْدَ إدْراكِ الغَرَقِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ، ولَمْ يَقُلِ اللَّعِينُ آمَنتُ بِاللَّهِ أوْ بِرَبِّ العالَمِينَ، بَلْ قالَ: آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، لِأنَّهُ بَقِيَ فِيهِ عِرْقٌ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُنْقادِينَ لَهُ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَهُ ويَنْفُونَ ما سِواهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى آمَنتُ.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ هو مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قالَ آمَنتُ: أيْ فَقِيلَ لَهُ: أتُؤْمِنُ الآنَ ؟ .
وقَدِ اخْتُلِفَ مَنِ القائِلُ لِفِرْعَوْنَ بِهَذِهِ المَقالَةِ ؟ فَقِيلَ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ مِيكائِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، قالَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ القَوْلِ المُقَدَّرِ، وهو أتُؤْمِنُ الآنَ، والمَعْنى: إنْكارُ الإيمانِ مِنهُ عِنْدَ أنْ ألْجَمَهُ الغَرَقُ والحالُ أنَّهُ قَدْ عَصى اللَّهَ مِن قَبْلُ، والمَقْصُودُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عَصَيْتَ داخِلَةٌ في الحالِ: أيْ كُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِضَلالِكَ عَنِ الحَقِّ وإضْلالِكَ لِغَيْرِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قُرِئَ " نُنْجِيكَ " بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ عَلى التَّثْقِيلِ.
وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: " نُنَحِّيكَ " بِالحاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، وحَكاها عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَعْنى نُنَجِّيكَ بِالجِيمِ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يُصَدِّقُوا أنَّ فِرْعَوْنَ غَرِقَ، وقالُوا: هو أعْظَمُ شَأْنًا مِن ذاكَ، فَألْقاهُ اللَّهُ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى شاهَدُوهُ، وقِيلَ: المَعْنى: نُخْرِجُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِنَ الرُّسُوبِ في قَعْرِ البَحْرِ ونَجْعَلُكَ طافِيًا لِيُشاهِدُوكَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، ومَعْنى نُنَحِّيكَ بِالمُهْمَلَةِ: نَطْرَحُكَ عَلى ناحِيَةٍ مِنَ الأرْضِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ " بِأبْدانِكَ " .
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى بِبَدَنِكَ، فَقِيلَ: مَعْناهُ: بِجَسَدِكَ بَعْدَ سَلْبِ الرُّوحِ مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِدِرْعِكَ، والدِّرْعُ يُسَمّى بَدَنًا، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:
؎تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبَغاتٍ ∗∗∗ عَلى الأبْطالِ واليَلَبَ الحَصِينا
أرادَ بِالأبْدانِ الدُّرُوعَ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ:
؎ومَضى نِساؤُهُمُ بِكُلِّ مَفاضَةٍ ∗∗∗ جَدْلاءَ سابِغَةٍ وبِالأبْدانِ
أيْ بِدُرُوعٍ سابِغَةٍ ودُرُوعٍ قَصِيرَةٍ: وهي الَّتِي يُقالُ لَها أبْدانُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ الأخْفَشُ: وأمّا قَوْلُ مَن قالَ بِدِرْعِكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ورَجَّحَ أنَّ البَدَنَ المُرادُ بِهِ هُنا الجَسَدُ.
قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ هَذا تَعْلِيلٌ لِتَنْجِيَتِهِ بِبَدَنِهِ، وفي ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ جَسَدَهُ دُونَ قَوْمِهِ إلّا لِهَذِهِ العِلَّةِ لا سِوى، والمُرادُ بِالآيَةِ العَلامَةُ أيْ: لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ مِنَ النّاسِ عَلامَةً يَعْرِفُونَ بِها هَلاكَكَ، وأنَّكَ لَسْتَ كَما تَدَّعِي، ويَنْدَفِعَ عَنْهُمُ الشَّكُّ في كَوْنِكَ قَدْ صِرْتَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، وقِيلَ: المُرادُ لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلى السّاحِلِ وحْدَكَ دُونَ المُغْرَقِينَ مَن قَوْمِكَ آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ، يَعْتَبِرُ بِها النّاسُ، أوْ يَعْتَبِرُ بِها مَن سَيَأْتِي مِنَ الأُمَمِ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ؛ حَتّى يَحْذَرُوا مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ والتَّمَرُّدِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا الَّذِي بَلَغَ ما بَلَغَ إلَيْهِ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ، واسْتَمَرَّ عَلى ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا كانَتْ لَهُ هَذِهِ العاقِبَةُ القَبِيحَةُ.
وقُرِئَ " لِمَن خَلَفَكَ " عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي أيْ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ أوْ مَن خَلَفَكَ في الرِّياسَةِ أوْ في السُّكُونِ في المَسْكَنِ الَّذِي كُنْتَ تَسْكُنُهُ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا﴾ الَّتِي تُوجِبُ الِاعْتِبارَ والتَّفَكُّرَ وتُوقِظُ مِن سَنَةِ الغَفْلَةِ لَغافِلُونَ عَمّا تُوجِبُهُ الآياتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ يَقُولُ: دَمِّرْ عَلى أمْوالِهِمْ وأهْلِكْها ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: اطْبَعْ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وهو الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ فَأخْبَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أمْوالِ فِرْعَوْنَ وآلِ فِرْعَوْنَ، حَتّى صارَتْ حِجارَةً، فَقالَ عُمَرُ: كَما أنْتَ حَتّى آتِيَكَ، فَدَعا بِكِيسٍ مَخْتُومٍ فَفَكَّهُ، فَإذا (p-٦٤١)فِيهِ الفِضَّةُ مَقْطُوعَةً كَأنَّها الحِجارَةُ والدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِنَ الأمْوالِ حِجارَةٌ كُلُّها.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ أمْوالَهم تَحَوَّلَتْ حِجارَةً مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما، قالَ: فاسْتَجابَ لَهُ وحالَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وبَيْنَ الإيمانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ مُوسى إذا دَعا أمَّنَ هارُونُ عَلى دُعائِهِ يَقُولُ: آمِينَ.
قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فاسْتَقِيما فامْضِيا لِأمْرِي، وهي الِاسْتِقامَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: العَدْوُ والعُتُوُّ والعُلُوُّ في كِتابِ اللَّهِ: التَّجَبُّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا خَرَجَ آخِرُ أصْحابِ مُوسى، ودَخَلَ آخِرُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ، أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ انْطَبِقْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ أُصْبُعُ فِرْعَوْنَ بِلا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، قالَ جِبْرِيلُ: فَعَرَفْتُ أنَّ الرَّبَّ رَحِيمٌ وخِفْتُ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ، فَرَمَسْتُهُ بِجَناحِي وقُلْتُ: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ؟ فَلَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ قالَ مَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما غَرِقَ فِرْعَوْنُ ولا أصْحابُهُ، ولَكِنَّهم في جَزائِرِ البَحْرِ يَتَصَيَّدُونَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَلَفَظَهُ عُرْيانًا أصْلَعَ أُخَيْنِسَ قَصِيرًا فَهو قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ لِمَن قالَ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَغْرَقْ، وكَأنَّ نَجاةَ غَيْرِهِ لَمْ تَكُنْ نَجاةَ عافِيَةٍ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ ما فِيكَ فَلَفَظَهم عَلى السّاحِلِ، وكانَ البَحْرُ لا يَلْفِظُ غَرِيقًا في بَطْنِهِ حَتّى يَأْكُلَهُ السَّمَكُ، فَلَيْسَ يَقْبَلُ البَحْرُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رَأيْتَنِي وأنا آخُذُ مِن حالِ البَحْرِ فَأدُسُّهُ في فِيهِ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ مِن غَيْرِ وجْهٍ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وصَحَّحَهُ أيْضًا الحاكِمُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: ما كانَ عَلى الأرْضِ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا آمَنَ جَعَلْتُ أحْشُو فاهُ حَمَأةً، وأنا أغُطُّهُ خَشْيَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي إسْنادِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وباقِي رِجالِهِ ثِقاتٌ.
والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ بِفَنِّ الرِّوايَةِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولا يَكادُ يُمَيِّزُ بَيْنَ أصَحِّ الصَّحِيحِ مِنَ الحَدِيثِ وأكْذَبِ الكَذِبِ مِنهُ، كَيْفَ يَتَجارى عَلى الكَلامِ في أحادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبُطْلانِ ما صَحَّ مِنها، ويُرْسِلُ لِسانَهُ وقَلَمَهُ بِالجَهْلِ البَحْتِ، والقُصُورِ الفاضِحِ الَّذِي يَضْحَكُ مِنهُ كُلُّ مَن لَهُ أدْنى مُمارَسَةٍ لِفَنِّ الحَدِيثِ، فَيا مِسْكِينُ ما لَكَ ولِهَذا الشَّأْنِ الَّذِي لَسْتَ مِنهُ في شَيْءٍ ؟ ألا تَسْتُرُ نَفْسَكَ وتَرْبَعُ عَلى ضِلَعِكَ، وتَعْرِفُ بِأنَّكَ بِهَذا العِلْمِ مِن أجْهَلِ الجاهِلِينَ، وتَشْتَغِلُ بِما هو عِلْمُكَ الَّذِي لا تُجاوِزُهُ، وحاصِلُكَ الَّذِي لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ، وهو عِلْمُ اللُّغَةِ وتَوابِعُهُ مِنَ العُلُومِ الآلِيَّةِ، ولَقَدْ صارَ صاحِبُ الكَشّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِسَبَبِ ما يَتَعَرَّضُ لَهُ في تَفْسِيرِهِ مِن عِلْمِ الحَدِيثِ الَّذِي لَيْسَ هو مِنهُ في وِرْدٍ، ولا صَدْرٍ، سُخْرَةً لِلسّاخِرِينَ وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، فَتارَةً يَرْوِي في كِتابِهِ المَوْضُوعاتِ وهو لا يَدْرِي أنَّها مَوْضُوعاتٌ، وتارَةً يَتَعَرَّضُ لِرَدِّ ما صَحَّ، ويَجْزِمُ بِأنَّهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والبُهْتِ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِمّا يَلْتَحِقُ بِهِما مِن رِوايَةِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِأسانِيدَ كُلُّها أئِمَّةٌ ثِقاتٌ أثْباتٌ حُجَجٌ، وأدْنى نَصِيبٍ مِن عَقْلٍ يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ في عِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ ولا يَدْرِي بِهِ أقَلَّ دِرايَةٍ، وإنْ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ مِن عُلُومِ الِاصْطِلاحِ الَّتِي يَتَواضَعُ عَلَيْها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، ويَصْطَلِحُونَ عَلى أُمُورٍ فِيما بَيْنَهم، فَما بالُكَ بِعِلْمِ السُّنَّةِ الَّذِي هو قَسِيمُ كِتابِ اللَّهِ، وقائِلُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وراوِيهِ عَنْهُ خَيْرُ القُرُونِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، وكُلُّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ، وكَلِمَةٍ مِن كَلِماتِهِ، يَثْبُتُ بِها شَرْعٌ عامٌّ لِجَمِيعِ أهْلِ الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: أنْجى اللَّهُ فِرْعَوْنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ البَحْرِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ بَعْدَما غَرِقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِجَسَدِكَ، قالَ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَوْتِ فِرْعَوْنَ، فَأُلْقِيَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى يَراهُ بَنُو إسْرائِيلَ أحْمَرَ قَصِيرًا كَأنَّهُ ثَوْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: بِدِرْعِكَ، وكانَ دِرْعُهُ مِن لُؤْلُؤَةٍ يُلاقِي فِيها الحُرُوبَ.
يونس 10:90
لَمّا بالَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ، وإقامَةِ الحُجَجِ البَيِّناتِ، ولَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِيمَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ سَبَبَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمَسُّكِهِمْ بِالجُحُودِ والعِنادِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلسَّبَبِ أوَّلًا: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَلَأ هُمُ الأشْرافُ، والزِّينَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِن مَلْبُوسٍ ومَرْكُوبٍ وحَلْيَةٍ وفِراشٍ وسِلاحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ .
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ اللّامِ الدّاخِلَةِ عَلى الفِعْلِ، فَقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّها لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الضَّلالَ صارَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهم ما أعْطاهم مِنَ النِّعَمِ لِيُضِلُّوا، فَتَكُونُ اللّامُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةً بِآتَيْتَ، وقِيلَ: إنَّها لامُ كَيْ أيْ: أعْطَيْتَهم لِكَيْ يُضِلُّوا.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ المَعْنى أعْطَيْتَهم ذَلِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا، فَحُذِفَتْ لا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] .
قالَ النَّحّاسُ: ظاهِرُ هَذا الجَوابِ حَسَنٌ إلّا أنَّ العَرَبَ لا تَحْذِفُ لا إلّا مَعَ أنْ، فَمَوَّهَ صاحِبُ هَذا التَّأْوِيلِ بِالِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وقِيلَ: اللّامُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
والمَعْنى: ابْتَلِهِمْ بِالهَلاكِ عَنْ سَبِيلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا: اطْمِسْ واشْدُدْ.
وقَدْ أطالَ صاحِبُ الكَشّافِ في تَقْرِيرِ هَذا بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الأوْلى.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ: أيْ يُوقِعُوا الإضْلالَ عَلى غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ أيْ: يَضِلُّونَ في أنْفُسِهِمْ.
﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: طَمْسُ الشَّيْءِ إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ، والمَعْنى: الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَمْحَقَ اللَّهُ أمْوالَهم ويُهْلِكَها، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ مِنِ ( اطْمُسْ ) ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً مَطْبُوعَةً لا تَقْبَلُ الحَقَّ ولا تَنْشَرِحُ لِلْإيمانِ.
قَوْلُهُ: فَلا يُؤْمِنُوا.
قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى لِيُضِلُّوا، والمَعْنى: آتَيْتَهُمُ النِّعَمَ لِيُضِلُّوا ولا يُؤْمِنُوا، ويَكُونُ ما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ اعْتِراضًا.
وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: هو دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ جَوابُ الأمْرِ: أيِ اطْمِسْ واشْدُدْ فَلا يُؤْمِنُوا، فَيَكُونُ مَنصُوبًا.
ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا، ومِنهُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ لا يَحْصُلُ مِنهُمُ الإيمانُ إلّا مَعَ المُعايَنَةِ لِما يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ إيمانُهم.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدُّعاءِ عَلى هَؤُلاءِ، وقالَ: إنَّ الرُّسُلَ إنَّما تَطْلُبُ هِدايَةَ قَوْمِهِمْ وإيمانَهم.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أنْ يَدْعُوَ عَلى قَوْمِهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما يَأْذَنُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ، ولِهَذا لَمّا أعْلَمَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِن قَوْمِهِ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] .
﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ جَعَلَ الدَّعْوَةَ هاهُنا مُضافَةً إلى مُوسى وهارُونَ، وفِيما تَقَدَّمَ أضافَها إلى مُوسى وحْدَهُ، فَقِيلَ: إنَّ هارُونَ كانَ يُؤَمِّنُ عَلى دُعاءِ مُوسى فَسُمِّيَ هاهُنا داعِيًا، وإنْ كانَ الدّاعِي مُوسى وحْدَهُ، فَفي أوَّلِ الكَلامِ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى لِكَوْنِهِ الدّاعِيَ، وهاهُنا أضافَهُ إلَيْهِما تَنْزِيلًا لِلْمُؤَمِّنِ مَنزِلَةَ الدّاعِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا جَمِيعًا داعِيَيْنِ، ولَكِنْ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى في أوَّلِ الكَلامِ لِأصالَتِهِ في الرِّسالَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ لَهُما قَوْلُ مُوسى رَبَّنا ولَمْ يَقُلْ رَبِّ.
وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ " دُعاؤُكُما " وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " دَعْواكُما " والِاسْتِقامَةُ: الثَّباتُ عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: أُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ عَلى أمْرِهِما والثَّباتِ عَلَيْهِ، عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى الإيمانِ إلى أنْ يَأْتِيَهُما تَأْوِيلُ الإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أُهْلِكُوا؛ وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِقامَةِ: تَرْكُ الِاسْتِعْجالِ ولُزُومُ السَّكِينَةِ والرِّضا والتَّسْلِيمُ لِما يَقْضِي بِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ، وحُرِّكَتْ بِالكَسْرِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ، ولِكَوْنِها أشْبَهَتْ نُونَ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ عَلى النَّفْيِ لا عَلى النَّهْيِ.
وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مِن تَتَّبِعانِّ.
والمَعْنى: النَّهْيُ لَهُما عَنْ سُلُوكِ طَرِيقَةِ مَن لا يَعْلَمُ بِعادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إجْراءِ الأُمُورِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ (p-٦٤٠)المَصالِحُ تَعْجِيلًا وتَأْجِيلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ هو مِن جاوَزَ المَكانَ: إذا خَلَّفَهُ وتَخَطّاهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ: جَعَلْناهم مُجاوَزِينَ البَحْرَ حَتّى بَلَغُوا الشَّطَّ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا فَمَرُّوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ إلى البَرِّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] .
وقَرَأ الحَسَنُ " وجَوَّزْنا " وهُما لُغَتانِ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ يُقالُ: تَبِعَ وأتْبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ: إذا لَحِقَهُ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ أتْبَعَهُ بِقَطْعِ الألِفِ: إذا لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ، واتَّبَعَهُ بِوَصْلِ الألِفِ: إذا اتَّبَعَ أثَرَهُ أدْرَكَهُ أوْ لَمْ يُدْرِكْهُ.
وكَذا قالَ أبُو زَيْدٍ وقالَ أبُو عَمْرٍو: إنَّ ( اتَّبَعَهُ ) بِالوَصْلِ: اقْتَدى بِهِ، وانْتِصابُ بَغْيًا وعَدْوًا عَلى الحالِ، والبَغْيُ: الظُّلْمُ، والعَدْوُ: الِاعْتِداءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ: أيْ لِلْبَغِيِّ والعَدْوِ.
وقَرَأ الحَسَنُ " وعُدُوًّا " بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ مِثْلَ عَلا يَعْلُو عُلُوًّا، وقِيلَ: إنَّ البَغْيَ: طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ في القَوْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والعَدْوُ في الفِعْلِ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ نالَهُ ووَصَلَهُ وألْجَمَهُ.
وذَلِكَ أنَّ مُوسى خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ لَحِقَهم بِجُنُودِهِ، فَفَرَقَ اللَّهُ البَحْرَ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَشَوْا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ والبَحْرُ باقٍ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها عِنْدَ مُضِيِّ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَلَمّا تَكامَلَ دُخُولُ جُنُودِ فِرْعَوْنَ وكادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، انْطَبَقَ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا كَما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ.
﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ أيْ صَدَّقْتُ أنَّهُ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ بِأنَّهُ، فَحُذِفَتِ الباءُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ، أنَّ القَوْلَ مَحْذُوفٌ: أيْ آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ، ولَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الإيمانُ أنَّهُ وقَعَ مِنهُ بَعْدَ إدْراكِ الغَرَقِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ، ولَمْ يَقُلِ اللَّعِينُ آمَنتُ بِاللَّهِ أوْ بِرَبِّ العالَمِينَ، بَلْ قالَ: آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، لِأنَّهُ بَقِيَ فِيهِ عِرْقٌ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُنْقادِينَ لَهُ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَهُ ويَنْفُونَ ما سِواهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى آمَنتُ.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ هو مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قالَ آمَنتُ: أيْ فَقِيلَ لَهُ: أتُؤْمِنُ الآنَ ؟ .
وقَدِ اخْتُلِفَ مَنِ القائِلُ لِفِرْعَوْنَ بِهَذِهِ المَقالَةِ ؟ فَقِيلَ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ مِيكائِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، قالَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ القَوْلِ المُقَدَّرِ، وهو أتُؤْمِنُ الآنَ، والمَعْنى: إنْكارُ الإيمانِ مِنهُ عِنْدَ أنْ ألْجَمَهُ الغَرَقُ والحالُ أنَّهُ قَدْ عَصى اللَّهَ مِن قَبْلُ، والمَقْصُودُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عَصَيْتَ داخِلَةٌ في الحالِ: أيْ كُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِضَلالِكَ عَنِ الحَقِّ وإضْلالِكَ لِغَيْرِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قُرِئَ " نُنْجِيكَ " بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ عَلى التَّثْقِيلِ.
وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: " نُنَحِّيكَ " بِالحاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، وحَكاها عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَعْنى نُنَجِّيكَ بِالجِيمِ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يُصَدِّقُوا أنَّ فِرْعَوْنَ غَرِقَ، وقالُوا: هو أعْظَمُ شَأْنًا مِن ذاكَ، فَألْقاهُ اللَّهُ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى شاهَدُوهُ، وقِيلَ: المَعْنى: نُخْرِجُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِنَ الرُّسُوبِ في قَعْرِ البَحْرِ ونَجْعَلُكَ طافِيًا لِيُشاهِدُوكَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، ومَعْنى نُنَحِّيكَ بِالمُهْمَلَةِ: نَطْرَحُكَ عَلى ناحِيَةٍ مِنَ الأرْضِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ " بِأبْدانِكَ " .
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى بِبَدَنِكَ، فَقِيلَ: مَعْناهُ: بِجَسَدِكَ بَعْدَ سَلْبِ الرُّوحِ مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِدِرْعِكَ، والدِّرْعُ يُسَمّى بَدَنًا، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:
؎تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبَغاتٍ ∗∗∗ عَلى الأبْطالِ واليَلَبَ الحَصِينا
أرادَ بِالأبْدانِ الدُّرُوعَ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ:
؎ومَضى نِساؤُهُمُ بِكُلِّ مَفاضَةٍ ∗∗∗ جَدْلاءَ سابِغَةٍ وبِالأبْدانِ
أيْ بِدُرُوعٍ سابِغَةٍ ودُرُوعٍ قَصِيرَةٍ: وهي الَّتِي يُقالُ لَها أبْدانُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ الأخْفَشُ: وأمّا قَوْلُ مَن قالَ بِدِرْعِكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ورَجَّحَ أنَّ البَدَنَ المُرادُ بِهِ هُنا الجَسَدُ.
قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ هَذا تَعْلِيلٌ لِتَنْجِيَتِهِ بِبَدَنِهِ، وفي ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ جَسَدَهُ دُونَ قَوْمِهِ إلّا لِهَذِهِ العِلَّةِ لا سِوى، والمُرادُ بِالآيَةِ العَلامَةُ أيْ: لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ مِنَ النّاسِ عَلامَةً يَعْرِفُونَ بِها هَلاكَكَ، وأنَّكَ لَسْتَ كَما تَدَّعِي، ويَنْدَفِعَ عَنْهُمُ الشَّكُّ في كَوْنِكَ قَدْ صِرْتَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، وقِيلَ: المُرادُ لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلى السّاحِلِ وحْدَكَ دُونَ المُغْرَقِينَ مَن قَوْمِكَ آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ، يَعْتَبِرُ بِها النّاسُ، أوْ يَعْتَبِرُ بِها مَن سَيَأْتِي مِنَ الأُمَمِ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ؛ حَتّى يَحْذَرُوا مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ والتَّمَرُّدِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا الَّذِي بَلَغَ ما بَلَغَ إلَيْهِ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ، واسْتَمَرَّ عَلى ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا كانَتْ لَهُ هَذِهِ العاقِبَةُ القَبِيحَةُ.
وقُرِئَ " لِمَن خَلَفَكَ " عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي أيْ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ أوْ مَن خَلَفَكَ في الرِّياسَةِ أوْ في السُّكُونِ في المَسْكَنِ الَّذِي كُنْتَ تَسْكُنُهُ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا﴾ الَّتِي تُوجِبُ الِاعْتِبارَ والتَّفَكُّرَ وتُوقِظُ مِن سَنَةِ الغَفْلَةِ لَغافِلُونَ عَمّا تُوجِبُهُ الآياتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ يَقُولُ: دَمِّرْ عَلى أمْوالِهِمْ وأهْلِكْها ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: اطْبَعْ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وهو الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ فَأخْبَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أمْوالِ فِرْعَوْنَ وآلِ فِرْعَوْنَ، حَتّى صارَتْ حِجارَةً، فَقالَ عُمَرُ: كَما أنْتَ حَتّى آتِيَكَ، فَدَعا بِكِيسٍ مَخْتُومٍ فَفَكَّهُ، فَإذا (p-٦٤١)فِيهِ الفِضَّةُ مَقْطُوعَةً كَأنَّها الحِجارَةُ والدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِنَ الأمْوالِ حِجارَةٌ كُلُّها.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ أمْوالَهم تَحَوَّلَتْ حِجارَةً مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما، قالَ: فاسْتَجابَ لَهُ وحالَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وبَيْنَ الإيمانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ مُوسى إذا دَعا أمَّنَ هارُونُ عَلى دُعائِهِ يَقُولُ: آمِينَ.
قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فاسْتَقِيما فامْضِيا لِأمْرِي، وهي الِاسْتِقامَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: العَدْوُ والعُتُوُّ والعُلُوُّ في كِتابِ اللَّهِ: التَّجَبُّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا خَرَجَ آخِرُ أصْحابِ مُوسى، ودَخَلَ آخِرُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ، أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ انْطَبِقْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ أُصْبُعُ فِرْعَوْنَ بِلا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، قالَ جِبْرِيلُ: فَعَرَفْتُ أنَّ الرَّبَّ رَحِيمٌ وخِفْتُ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ، فَرَمَسْتُهُ بِجَناحِي وقُلْتُ: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ؟ فَلَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ قالَ مَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما غَرِقَ فِرْعَوْنُ ولا أصْحابُهُ، ولَكِنَّهم في جَزائِرِ البَحْرِ يَتَصَيَّدُونَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَلَفَظَهُ عُرْيانًا أصْلَعَ أُخَيْنِسَ قَصِيرًا فَهو قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ لِمَن قالَ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَغْرَقْ، وكَأنَّ نَجاةَ غَيْرِهِ لَمْ تَكُنْ نَجاةَ عافِيَةٍ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ ما فِيكَ فَلَفَظَهم عَلى السّاحِلِ، وكانَ البَحْرُ لا يَلْفِظُ غَرِيقًا في بَطْنِهِ حَتّى يَأْكُلَهُ السَّمَكُ، فَلَيْسَ يَقْبَلُ البَحْرُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رَأيْتَنِي وأنا آخُذُ مِن حالِ البَحْرِ فَأدُسُّهُ في فِيهِ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ مِن غَيْرِ وجْهٍ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وصَحَّحَهُ أيْضًا الحاكِمُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: ما كانَ عَلى الأرْضِ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا آمَنَ جَعَلْتُ أحْشُو فاهُ حَمَأةً، وأنا أغُطُّهُ خَشْيَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي إسْنادِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وباقِي رِجالِهِ ثِقاتٌ.
والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ بِفَنِّ الرِّوايَةِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولا يَكادُ يُمَيِّزُ بَيْنَ أصَحِّ الصَّحِيحِ مِنَ الحَدِيثِ وأكْذَبِ الكَذِبِ مِنهُ، كَيْفَ يَتَجارى عَلى الكَلامِ في أحادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبُطْلانِ ما صَحَّ مِنها، ويُرْسِلُ لِسانَهُ وقَلَمَهُ بِالجَهْلِ البَحْتِ، والقُصُورِ الفاضِحِ الَّذِي يَضْحَكُ مِنهُ كُلُّ مَن لَهُ أدْنى مُمارَسَةٍ لِفَنِّ الحَدِيثِ، فَيا مِسْكِينُ ما لَكَ ولِهَذا الشَّأْنِ الَّذِي لَسْتَ مِنهُ في شَيْءٍ ؟ ألا تَسْتُرُ نَفْسَكَ وتَرْبَعُ عَلى ضِلَعِكَ، وتَعْرِفُ بِأنَّكَ بِهَذا العِلْمِ مِن أجْهَلِ الجاهِلِينَ، وتَشْتَغِلُ بِما هو عِلْمُكَ الَّذِي لا تُجاوِزُهُ، وحاصِلُكَ الَّذِي لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ، وهو عِلْمُ اللُّغَةِ وتَوابِعُهُ مِنَ العُلُومِ الآلِيَّةِ، ولَقَدْ صارَ صاحِبُ الكَشّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِسَبَبِ ما يَتَعَرَّضُ لَهُ في تَفْسِيرِهِ مِن عِلْمِ الحَدِيثِ الَّذِي لَيْسَ هو مِنهُ في وِرْدٍ، ولا صَدْرٍ، سُخْرَةً لِلسّاخِرِينَ وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، فَتارَةً يَرْوِي في كِتابِهِ المَوْضُوعاتِ وهو لا يَدْرِي أنَّها مَوْضُوعاتٌ، وتارَةً يَتَعَرَّضُ لِرَدِّ ما صَحَّ، ويَجْزِمُ بِأنَّهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والبُهْتِ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِمّا يَلْتَحِقُ بِهِما مِن رِوايَةِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِأسانِيدَ كُلُّها أئِمَّةٌ ثِقاتٌ أثْباتٌ حُجَجٌ، وأدْنى نَصِيبٍ مِن عَقْلٍ يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ في عِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ ولا يَدْرِي بِهِ أقَلَّ دِرايَةٍ، وإنْ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ مِن عُلُومِ الِاصْطِلاحِ الَّتِي يَتَواضَعُ عَلَيْها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، ويَصْطَلِحُونَ عَلى أُمُورٍ فِيما بَيْنَهم، فَما بالُكَ بِعِلْمِ السُّنَّةِ الَّذِي هو قَسِيمُ كِتابِ اللَّهِ، وقائِلُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وراوِيهِ عَنْهُ خَيْرُ القُرُونِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، وكُلُّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ، وكَلِمَةٍ مِن كَلِماتِهِ، يَثْبُتُ بِها شَرْعٌ عامٌّ لِجَمِيعِ أهْلِ الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: أنْجى اللَّهُ فِرْعَوْنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ البَحْرِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ بَعْدَما غَرِقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِجَسَدِكَ، قالَ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَوْتِ فِرْعَوْنَ، فَأُلْقِيَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى يَراهُ بَنُو إسْرائِيلَ أحْمَرَ قَصِيرًا كَأنَّهُ ثَوْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: بِدِرْعِكَ، وكانَ دِرْعُهُ مِن لُؤْلُؤَةٍ يُلاقِي فِيها الحُرُوبَ.
يونس 10:91
لَمّا بالَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ، وإقامَةِ الحُجَجِ البَيِّناتِ، ولَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِيمَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ سَبَبَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمَسُّكِهِمْ بِالجُحُودِ والعِنادِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلسَّبَبِ أوَّلًا: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَلَأ هُمُ الأشْرافُ، والزِّينَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِن مَلْبُوسٍ ومَرْكُوبٍ وحَلْيَةٍ وفِراشٍ وسِلاحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ .
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ اللّامِ الدّاخِلَةِ عَلى الفِعْلِ، فَقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّها لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الضَّلالَ صارَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهم ما أعْطاهم مِنَ النِّعَمِ لِيُضِلُّوا، فَتَكُونُ اللّامُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةً بِآتَيْتَ، وقِيلَ: إنَّها لامُ كَيْ أيْ: أعْطَيْتَهم لِكَيْ يُضِلُّوا.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ المَعْنى أعْطَيْتَهم ذَلِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا، فَحُذِفَتْ لا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] .
قالَ النَّحّاسُ: ظاهِرُ هَذا الجَوابِ حَسَنٌ إلّا أنَّ العَرَبَ لا تَحْذِفُ لا إلّا مَعَ أنْ، فَمَوَّهَ صاحِبُ هَذا التَّأْوِيلِ بِالِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وقِيلَ: اللّامُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
والمَعْنى: ابْتَلِهِمْ بِالهَلاكِ عَنْ سَبِيلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا: اطْمِسْ واشْدُدْ.
وقَدْ أطالَ صاحِبُ الكَشّافِ في تَقْرِيرِ هَذا بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الأوْلى.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ: أيْ يُوقِعُوا الإضْلالَ عَلى غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ أيْ: يَضِلُّونَ في أنْفُسِهِمْ.
﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: طَمْسُ الشَّيْءِ إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ، والمَعْنى: الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَمْحَقَ اللَّهُ أمْوالَهم ويُهْلِكَها، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ مِنِ ( اطْمُسْ ) ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً مَطْبُوعَةً لا تَقْبَلُ الحَقَّ ولا تَنْشَرِحُ لِلْإيمانِ.
قَوْلُهُ: فَلا يُؤْمِنُوا.
قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى لِيُضِلُّوا، والمَعْنى: آتَيْتَهُمُ النِّعَمَ لِيُضِلُّوا ولا يُؤْمِنُوا، ويَكُونُ ما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ اعْتِراضًا.
وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: هو دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ جَوابُ الأمْرِ: أيِ اطْمِسْ واشْدُدْ فَلا يُؤْمِنُوا، فَيَكُونُ مَنصُوبًا.
ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا، ومِنهُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ لا يَحْصُلُ مِنهُمُ الإيمانُ إلّا مَعَ المُعايَنَةِ لِما يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ إيمانُهم.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدُّعاءِ عَلى هَؤُلاءِ، وقالَ: إنَّ الرُّسُلَ إنَّما تَطْلُبُ هِدايَةَ قَوْمِهِمْ وإيمانَهم.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أنْ يَدْعُوَ عَلى قَوْمِهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما يَأْذَنُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ، ولِهَذا لَمّا أعْلَمَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِن قَوْمِهِ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] .
﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ جَعَلَ الدَّعْوَةَ هاهُنا مُضافَةً إلى مُوسى وهارُونَ، وفِيما تَقَدَّمَ أضافَها إلى مُوسى وحْدَهُ، فَقِيلَ: إنَّ هارُونَ كانَ يُؤَمِّنُ عَلى دُعاءِ مُوسى فَسُمِّيَ هاهُنا داعِيًا، وإنْ كانَ الدّاعِي مُوسى وحْدَهُ، فَفي أوَّلِ الكَلامِ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى لِكَوْنِهِ الدّاعِيَ، وهاهُنا أضافَهُ إلَيْهِما تَنْزِيلًا لِلْمُؤَمِّنِ مَنزِلَةَ الدّاعِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا جَمِيعًا داعِيَيْنِ، ولَكِنْ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى في أوَّلِ الكَلامِ لِأصالَتِهِ في الرِّسالَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ لَهُما قَوْلُ مُوسى رَبَّنا ولَمْ يَقُلْ رَبِّ.
وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ " دُعاؤُكُما " وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " دَعْواكُما " والِاسْتِقامَةُ: الثَّباتُ عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: أُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ عَلى أمْرِهِما والثَّباتِ عَلَيْهِ، عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى الإيمانِ إلى أنْ يَأْتِيَهُما تَأْوِيلُ الإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أُهْلِكُوا؛ وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِقامَةِ: تَرْكُ الِاسْتِعْجالِ ولُزُومُ السَّكِينَةِ والرِّضا والتَّسْلِيمُ لِما يَقْضِي بِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ، وحُرِّكَتْ بِالكَسْرِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ، ولِكَوْنِها أشْبَهَتْ نُونَ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ عَلى النَّفْيِ لا عَلى النَّهْيِ.
وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مِن تَتَّبِعانِّ.
والمَعْنى: النَّهْيُ لَهُما عَنْ سُلُوكِ طَرِيقَةِ مَن لا يَعْلَمُ بِعادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إجْراءِ الأُمُورِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ (p-٦٤٠)المَصالِحُ تَعْجِيلًا وتَأْجِيلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ هو مِن جاوَزَ المَكانَ: إذا خَلَّفَهُ وتَخَطّاهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ: جَعَلْناهم مُجاوَزِينَ البَحْرَ حَتّى بَلَغُوا الشَّطَّ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا فَمَرُّوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ إلى البَرِّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] .
وقَرَأ الحَسَنُ " وجَوَّزْنا " وهُما لُغَتانِ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ يُقالُ: تَبِعَ وأتْبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ: إذا لَحِقَهُ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ أتْبَعَهُ بِقَطْعِ الألِفِ: إذا لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ، واتَّبَعَهُ بِوَصْلِ الألِفِ: إذا اتَّبَعَ أثَرَهُ أدْرَكَهُ أوْ لَمْ يُدْرِكْهُ.
وكَذا قالَ أبُو زَيْدٍ وقالَ أبُو عَمْرٍو: إنَّ ( اتَّبَعَهُ ) بِالوَصْلِ: اقْتَدى بِهِ، وانْتِصابُ بَغْيًا وعَدْوًا عَلى الحالِ، والبَغْيُ: الظُّلْمُ، والعَدْوُ: الِاعْتِداءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ: أيْ لِلْبَغِيِّ والعَدْوِ.
وقَرَأ الحَسَنُ " وعُدُوًّا " بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ مِثْلَ عَلا يَعْلُو عُلُوًّا، وقِيلَ: إنَّ البَغْيَ: طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ في القَوْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والعَدْوُ في الفِعْلِ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ نالَهُ ووَصَلَهُ وألْجَمَهُ.
وذَلِكَ أنَّ مُوسى خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ لَحِقَهم بِجُنُودِهِ، فَفَرَقَ اللَّهُ البَحْرَ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَشَوْا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ والبَحْرُ باقٍ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها عِنْدَ مُضِيِّ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَلَمّا تَكامَلَ دُخُولُ جُنُودِ فِرْعَوْنَ وكادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، انْطَبَقَ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا كَما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ.
﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ أيْ صَدَّقْتُ أنَّهُ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ بِأنَّهُ، فَحُذِفَتِ الباءُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ، أنَّ القَوْلَ مَحْذُوفٌ: أيْ آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ، ولَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الإيمانُ أنَّهُ وقَعَ مِنهُ بَعْدَ إدْراكِ الغَرَقِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ، ولَمْ يَقُلِ اللَّعِينُ آمَنتُ بِاللَّهِ أوْ بِرَبِّ العالَمِينَ، بَلْ قالَ: آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، لِأنَّهُ بَقِيَ فِيهِ عِرْقٌ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُنْقادِينَ لَهُ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَهُ ويَنْفُونَ ما سِواهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى آمَنتُ.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ هو مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قالَ آمَنتُ: أيْ فَقِيلَ لَهُ: أتُؤْمِنُ الآنَ ؟ .
وقَدِ اخْتُلِفَ مَنِ القائِلُ لِفِرْعَوْنَ بِهَذِهِ المَقالَةِ ؟ فَقِيلَ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ مِيكائِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، قالَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ القَوْلِ المُقَدَّرِ، وهو أتُؤْمِنُ الآنَ، والمَعْنى: إنْكارُ الإيمانِ مِنهُ عِنْدَ أنْ ألْجَمَهُ الغَرَقُ والحالُ أنَّهُ قَدْ عَصى اللَّهَ مِن قَبْلُ، والمَقْصُودُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عَصَيْتَ داخِلَةٌ في الحالِ: أيْ كُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِضَلالِكَ عَنِ الحَقِّ وإضْلالِكَ لِغَيْرِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قُرِئَ " نُنْجِيكَ " بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ عَلى التَّثْقِيلِ.
وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: " نُنَحِّيكَ " بِالحاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، وحَكاها عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَعْنى نُنَجِّيكَ بِالجِيمِ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يُصَدِّقُوا أنَّ فِرْعَوْنَ غَرِقَ، وقالُوا: هو أعْظَمُ شَأْنًا مِن ذاكَ، فَألْقاهُ اللَّهُ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى شاهَدُوهُ، وقِيلَ: المَعْنى: نُخْرِجُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِنَ الرُّسُوبِ في قَعْرِ البَحْرِ ونَجْعَلُكَ طافِيًا لِيُشاهِدُوكَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، ومَعْنى نُنَحِّيكَ بِالمُهْمَلَةِ: نَطْرَحُكَ عَلى ناحِيَةٍ مِنَ الأرْضِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ " بِأبْدانِكَ " .
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى بِبَدَنِكَ، فَقِيلَ: مَعْناهُ: بِجَسَدِكَ بَعْدَ سَلْبِ الرُّوحِ مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِدِرْعِكَ، والدِّرْعُ يُسَمّى بَدَنًا، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:
؎تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبَغاتٍ ∗∗∗ عَلى الأبْطالِ واليَلَبَ الحَصِينا
أرادَ بِالأبْدانِ الدُّرُوعَ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ:
؎ومَضى نِساؤُهُمُ بِكُلِّ مَفاضَةٍ ∗∗∗ جَدْلاءَ سابِغَةٍ وبِالأبْدانِ
أيْ بِدُرُوعٍ سابِغَةٍ ودُرُوعٍ قَصِيرَةٍ: وهي الَّتِي يُقالُ لَها أبْدانُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ الأخْفَشُ: وأمّا قَوْلُ مَن قالَ بِدِرْعِكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ورَجَّحَ أنَّ البَدَنَ المُرادُ بِهِ هُنا الجَسَدُ.
قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ هَذا تَعْلِيلٌ لِتَنْجِيَتِهِ بِبَدَنِهِ، وفي ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ جَسَدَهُ دُونَ قَوْمِهِ إلّا لِهَذِهِ العِلَّةِ لا سِوى، والمُرادُ بِالآيَةِ العَلامَةُ أيْ: لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ مِنَ النّاسِ عَلامَةً يَعْرِفُونَ بِها هَلاكَكَ، وأنَّكَ لَسْتَ كَما تَدَّعِي، ويَنْدَفِعَ عَنْهُمُ الشَّكُّ في كَوْنِكَ قَدْ صِرْتَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، وقِيلَ: المُرادُ لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلى السّاحِلِ وحْدَكَ دُونَ المُغْرَقِينَ مَن قَوْمِكَ آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ، يَعْتَبِرُ بِها النّاسُ، أوْ يَعْتَبِرُ بِها مَن سَيَأْتِي مِنَ الأُمَمِ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ؛ حَتّى يَحْذَرُوا مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ والتَّمَرُّدِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا الَّذِي بَلَغَ ما بَلَغَ إلَيْهِ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ، واسْتَمَرَّ عَلى ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا كانَتْ لَهُ هَذِهِ العاقِبَةُ القَبِيحَةُ.
وقُرِئَ " لِمَن خَلَفَكَ " عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي أيْ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ أوْ مَن خَلَفَكَ في الرِّياسَةِ أوْ في السُّكُونِ في المَسْكَنِ الَّذِي كُنْتَ تَسْكُنُهُ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا﴾ الَّتِي تُوجِبُ الِاعْتِبارَ والتَّفَكُّرَ وتُوقِظُ مِن سَنَةِ الغَفْلَةِ لَغافِلُونَ عَمّا تُوجِبُهُ الآياتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ يَقُولُ: دَمِّرْ عَلى أمْوالِهِمْ وأهْلِكْها ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: اطْبَعْ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وهو الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ فَأخْبَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أمْوالِ فِرْعَوْنَ وآلِ فِرْعَوْنَ، حَتّى صارَتْ حِجارَةً، فَقالَ عُمَرُ: كَما أنْتَ حَتّى آتِيَكَ، فَدَعا بِكِيسٍ مَخْتُومٍ فَفَكَّهُ، فَإذا (p-٦٤١)فِيهِ الفِضَّةُ مَقْطُوعَةً كَأنَّها الحِجارَةُ والدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِنَ الأمْوالِ حِجارَةٌ كُلُّها.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ أمْوالَهم تَحَوَّلَتْ حِجارَةً مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما، قالَ: فاسْتَجابَ لَهُ وحالَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وبَيْنَ الإيمانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ مُوسى إذا دَعا أمَّنَ هارُونُ عَلى دُعائِهِ يَقُولُ: آمِينَ.
قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فاسْتَقِيما فامْضِيا لِأمْرِي، وهي الِاسْتِقامَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: العَدْوُ والعُتُوُّ والعُلُوُّ في كِتابِ اللَّهِ: التَّجَبُّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا خَرَجَ آخِرُ أصْحابِ مُوسى، ودَخَلَ آخِرُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ، أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ انْطَبِقْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ أُصْبُعُ فِرْعَوْنَ بِلا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، قالَ جِبْرِيلُ: فَعَرَفْتُ أنَّ الرَّبَّ رَحِيمٌ وخِفْتُ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ، فَرَمَسْتُهُ بِجَناحِي وقُلْتُ: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ؟ فَلَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ قالَ مَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما غَرِقَ فِرْعَوْنُ ولا أصْحابُهُ، ولَكِنَّهم في جَزائِرِ البَحْرِ يَتَصَيَّدُونَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَلَفَظَهُ عُرْيانًا أصْلَعَ أُخَيْنِسَ قَصِيرًا فَهو قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ لِمَن قالَ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَغْرَقْ، وكَأنَّ نَجاةَ غَيْرِهِ لَمْ تَكُنْ نَجاةَ عافِيَةٍ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ ما فِيكَ فَلَفَظَهم عَلى السّاحِلِ، وكانَ البَحْرُ لا يَلْفِظُ غَرِيقًا في بَطْنِهِ حَتّى يَأْكُلَهُ السَّمَكُ، فَلَيْسَ يَقْبَلُ البَحْرُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رَأيْتَنِي وأنا آخُذُ مِن حالِ البَحْرِ فَأدُسُّهُ في فِيهِ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ مِن غَيْرِ وجْهٍ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وصَحَّحَهُ أيْضًا الحاكِمُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: ما كانَ عَلى الأرْضِ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا آمَنَ جَعَلْتُ أحْشُو فاهُ حَمَأةً، وأنا أغُطُّهُ خَشْيَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي إسْنادِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وباقِي رِجالِهِ ثِقاتٌ.
والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ بِفَنِّ الرِّوايَةِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولا يَكادُ يُمَيِّزُ بَيْنَ أصَحِّ الصَّحِيحِ مِنَ الحَدِيثِ وأكْذَبِ الكَذِبِ مِنهُ، كَيْفَ يَتَجارى عَلى الكَلامِ في أحادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبُطْلانِ ما صَحَّ مِنها، ويُرْسِلُ لِسانَهُ وقَلَمَهُ بِالجَهْلِ البَحْتِ، والقُصُورِ الفاضِحِ الَّذِي يَضْحَكُ مِنهُ كُلُّ مَن لَهُ أدْنى مُمارَسَةٍ لِفَنِّ الحَدِيثِ، فَيا مِسْكِينُ ما لَكَ ولِهَذا الشَّأْنِ الَّذِي لَسْتَ مِنهُ في شَيْءٍ ؟ ألا تَسْتُرُ نَفْسَكَ وتَرْبَعُ عَلى ضِلَعِكَ، وتَعْرِفُ بِأنَّكَ بِهَذا العِلْمِ مِن أجْهَلِ الجاهِلِينَ، وتَشْتَغِلُ بِما هو عِلْمُكَ الَّذِي لا تُجاوِزُهُ، وحاصِلُكَ الَّذِي لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ، وهو عِلْمُ اللُّغَةِ وتَوابِعُهُ مِنَ العُلُومِ الآلِيَّةِ، ولَقَدْ صارَ صاحِبُ الكَشّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِسَبَبِ ما يَتَعَرَّضُ لَهُ في تَفْسِيرِهِ مِن عِلْمِ الحَدِيثِ الَّذِي لَيْسَ هو مِنهُ في وِرْدٍ، ولا صَدْرٍ، سُخْرَةً لِلسّاخِرِينَ وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، فَتارَةً يَرْوِي في كِتابِهِ المَوْضُوعاتِ وهو لا يَدْرِي أنَّها مَوْضُوعاتٌ، وتارَةً يَتَعَرَّضُ لِرَدِّ ما صَحَّ، ويَجْزِمُ بِأنَّهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والبُهْتِ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِمّا يَلْتَحِقُ بِهِما مِن رِوايَةِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِأسانِيدَ كُلُّها أئِمَّةٌ ثِقاتٌ أثْباتٌ حُجَجٌ، وأدْنى نَصِيبٍ مِن عَقْلٍ يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ في عِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ ولا يَدْرِي بِهِ أقَلَّ دِرايَةٍ، وإنْ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ مِن عُلُومِ الِاصْطِلاحِ الَّتِي يَتَواضَعُ عَلَيْها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، ويَصْطَلِحُونَ عَلى أُمُورٍ فِيما بَيْنَهم، فَما بالُكَ بِعِلْمِ السُّنَّةِ الَّذِي هو قَسِيمُ كِتابِ اللَّهِ، وقائِلُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وراوِيهِ عَنْهُ خَيْرُ القُرُونِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، وكُلُّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ، وكَلِمَةٍ مِن كَلِماتِهِ، يَثْبُتُ بِها شَرْعٌ عامٌّ لِجَمِيعِ أهْلِ الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: أنْجى اللَّهُ فِرْعَوْنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ البَحْرِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ بَعْدَما غَرِقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِجَسَدِكَ، قالَ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَوْتِ فِرْعَوْنَ، فَأُلْقِيَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى يَراهُ بَنُو إسْرائِيلَ أحْمَرَ قَصِيرًا كَأنَّهُ ثَوْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: بِدِرْعِكَ، وكانَ دِرْعُهُ مِن لُؤْلُؤَةٍ يُلاقِي فِيها الحُرُوبَ.
يونس 10:92
لَمّا بالَغَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ المُعْجِزاتِ، وإقامَةِ الحُجَجِ البَيِّناتِ، ولَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ تَأْثِيرٌ فِيمَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ دَعا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ سَبَبَ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَمَسُّكِهِمْ بِالجُحُودِ والعِنادِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلسَّبَبِ أوَّلًا: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المَلَأ هُمُ الأشْرافُ، والزِّينَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِن مَلْبُوسٍ ومَرْكُوبٍ وحَلْيَةٍ وفِراشٍ وسِلاحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ كَرَّرَ النِّداءَ لِلتَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ .
وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ اللّامِ الدّاخِلَةِ عَلى الفِعْلِ، فَقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: إنَّها لامُ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ.
والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا كانَ عاقِبَةُ أمْرِهِمُ الضَّلالَ صارَ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهم ما أعْطاهم مِنَ النِّعَمِ لِيُضِلُّوا، فَتَكُونُ اللّامُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةً بِآتَيْتَ، وقِيلَ: إنَّها لامُ كَيْ أيْ: أعْطَيْتَهم لِكَيْ يُضِلُّوا.
وقالَ قَوْمٌ: إنَّ المَعْنى أعْطَيْتَهم ذَلِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا، فَحُذِفَتْ لا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] .
قالَ النَّحّاسُ: ظاهِرُ هَذا الجَوابِ حَسَنٌ إلّا أنَّ العَرَبَ لا تَحْذِفُ لا إلّا مَعَ أنْ، فَمَوَّهَ صاحِبُ هَذا التَّأْوِيلِ بِالِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وقِيلَ: اللّامُ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ.
والمَعْنى: ابْتَلِهِمْ بِالهَلاكِ عَنْ سَبِيلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا: اطْمِسْ واشْدُدْ.
وقَدْ أطالَ صاحِبُ الكَشّافِ في تَقْرِيرِ هَذا بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الأوْلى.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ: أيْ يُوقِعُوا الإضْلالَ عَلى غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ أيْ: يَضِلُّونَ في أنْفُسِهِمْ.
﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: طَمْسُ الشَّيْءِ إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ، والمَعْنى: الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَمْحَقَ اللَّهُ أمْوالَهم ويُهْلِكَها، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ مِنِ ( اطْمُسْ ) ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ اجْعَلْها قاسِيَةً مَطْبُوعَةً لا تَقْبَلُ الحَقَّ ولا تَنْشَرِحُ لِلْإيمانِ.
قَوْلُهُ: فَلا يُؤْمِنُوا.
قالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى لِيُضِلُّوا، والمَعْنى: آتَيْتَهُمُ النِّعَمَ لِيُضِلُّوا ولا يُؤْمِنُوا، ويَكُونُ ما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ اعْتِراضًا.
وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: هو دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، والتَّقْدِيرُ: اللَّهُمَّ فَلا يُؤْمِنُوا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَلا يَنْبَسِطْ مِن بَيْنِ عَيْنَيْكَ ما انْزَوى ولا تَلْقَنِي إلّا وأنْفُكَ راغِمُ
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ جَوابُ الأمْرِ: أيِ اطْمِسْ واشْدُدْ فَلا يُؤْمِنُوا، فَيَكُونُ مَنصُوبًا.
ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا، ومِنهُ:
؎يا ناقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحا ∗∗∗ إلى سُلَيْمانَ فَنَسْتَرِيحا
﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ لا يَحْصُلُ مِنهُمُ الإيمانُ إلّا مَعَ المُعايَنَةِ لِما يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِهِ، وعِنْدَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ إيمانُهم.
وقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الدُّعاءِ عَلى هَؤُلاءِ، وقالَ: إنَّ الرُّسُلَ إنَّما تَطْلُبُ هِدايَةَ قَوْمِهِمْ وإيمانَهم.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِنَبِيٍّ أنْ يَدْعُوَ عَلى قَوْمِهِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنَّما يَأْذَنُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ، ولِهَذا لَمّا أعْلَمَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِن قَوْمِهِ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] .
﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما﴾ جَعَلَ الدَّعْوَةَ هاهُنا مُضافَةً إلى مُوسى وهارُونَ، وفِيما تَقَدَّمَ أضافَها إلى مُوسى وحْدَهُ، فَقِيلَ: إنَّ هارُونَ كانَ يُؤَمِّنُ عَلى دُعاءِ مُوسى فَسُمِّيَ هاهُنا داعِيًا، وإنْ كانَ الدّاعِي مُوسى وحْدَهُ، فَفي أوَّلِ الكَلامِ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى لِكَوْنِهِ الدّاعِيَ، وهاهُنا أضافَهُ إلَيْهِما تَنْزِيلًا لِلْمُؤَمِّنِ مَنزِلَةَ الدّاعِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا جَمِيعًا داعِيَيْنِ، ولَكِنْ أضافَ الدُّعاءَ إلى مُوسى في أوَّلِ الكَلامِ لِأصالَتِهِ في الرِّسالَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ لَهُما قَوْلُ مُوسى رَبَّنا ولَمْ يَقُلْ رَبِّ.
وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ " دُعاؤُكُما " وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ " دَعْواكُما " والِاسْتِقامَةُ: الثَّباتُ عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ.
قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: أُمِرا بِالِاسْتِقامَةِ عَلى أمْرِهِما والثَّباتِ عَلَيْهِ، عَلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إلى الإيمانِ إلى أنْ يَأْتِيَهُما تَأْوِيلُ الإجابَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أُهْلِكُوا؛ وقِيلَ: مَعْنى الِاسْتِقامَةِ: تَرْكُ الِاسْتِعْجالِ ولُزُومُ السَّكِينَةِ والرِّضا والتَّسْلِيمُ لِما يَقْضِي بِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ، وحُرِّكَتْ بِالكَسْرِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ، ولِكَوْنِها أشْبَهَتْ نُونَ التَّثْنِيَةِ.
وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ بِتَخْفِيفِ النُّونِ عَلى النَّفْيِ لا عَلى النَّهْيِ.
وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الفَوْقِيَّةِ الثّانِيَةِ مِن تَتَّبِعانِّ.
والمَعْنى: النَّهْيُ لَهُما عَنْ سُلُوكِ طَرِيقَةِ مَن لا يَعْلَمُ بِعادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إجْراءِ الأُمُورِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ (p-٦٤٠)المَصالِحُ تَعْجِيلًا وتَأْجِيلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ هو مِن جاوَزَ المَكانَ: إذا خَلَّفَهُ وتَخَطّاهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ: جَعَلْناهم مُجاوَزِينَ البَحْرَ حَتّى بَلَغُوا الشَّطَّ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ البَحْرَ يَبَسًا فَمَرُّوا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنهُ إلى البَرِّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] .
وقَرَأ الحَسَنُ " وجَوَّزْنا " وهُما لُغَتانِ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ يُقالُ: تَبِعَ وأتْبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ: إذا لَحِقَهُ.
وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ أتْبَعَهُ بِقَطْعِ الألِفِ: إذا لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ، واتَّبَعَهُ بِوَصْلِ الألِفِ: إذا اتَّبَعَ أثَرَهُ أدْرَكَهُ أوْ لَمْ يُدْرِكْهُ.
وكَذا قالَ أبُو زَيْدٍ وقالَ أبُو عَمْرٍو: إنَّ ( اتَّبَعَهُ ) بِالوَصْلِ: اقْتَدى بِهِ، وانْتِصابُ بَغْيًا وعَدْوًا عَلى الحالِ، والبَغْيُ: الظُّلْمُ، والعَدْوُ: الِاعْتِداءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما عَلى العِلَّةِ: أيْ لِلْبَغِيِّ والعَدْوِ.
وقَرَأ الحَسَنُ " وعُدُوًّا " بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ مِثْلَ عَلا يَعْلُو عُلُوًّا، وقِيلَ: إنَّ البَغْيَ: طَلَبُ الِاسْتِعْلاءِ في القَوْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والعَدْوُ في الفِعْلِ ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ نالَهُ ووَصَلَهُ وألْجَمَهُ.
وذَلِكَ أنَّ مُوسى خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ لَحِقَهم بِجُنُودِهِ، فَفَرَقَ اللَّهُ البَحْرَ لِمُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ، فَمَشَوْا فِيهِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ والبَحْرُ باقٍ عَلى الحالَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها عِنْدَ مُضِيِّ مُوسى ومَن مَعَهُ، فَلَمّا تَكامَلَ دُخُولُ جُنُودِ فِرْعَوْنَ وكادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، انْطَبَقَ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا كَما حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ.
﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ أيْ صَدَّقْتُ أنَّهُ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ بِأنَّهُ، فَحُذِفَتِ الباءُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ.
وقُرِئَ بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ، أنَّ القَوْلَ مَحْذُوفٌ: أيْ آمَنتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ، ولَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الإيمانُ أنَّهُ وقَعَ مِنهُ بَعْدَ إدْراكِ الغَرَقِ كُلِّهِ كَما تَقَدَّمَ في النِّساءِ، ولَمْ يَقُلِ اللَّعِينُ آمَنتُ بِاللَّهِ أوْ بِرَبِّ العالَمِينَ، بَلْ قالَ: آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، لِأنَّهُ بَقِيَ فِيهِ عِرْقٌ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ المُنْقادِينَ لَهُ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَهُ ويَنْفُونَ ما سِواهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى آمَنتُ.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ هو مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قالَ آمَنتُ: أيْ فَقِيلَ لَهُ: أتُؤْمِنُ الآنَ ؟ .
وقَدِ اخْتُلِفَ مَنِ القائِلُ لِفِرْعَوْنَ بِهَذِهِ المَقالَةِ ؟ فَقِيلَ: هي مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ جِبْرِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ مِيكائِيلَ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، قالَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ القَوْلِ المُقَدَّرِ، وهو أتُؤْمِنُ الآنَ، والمَعْنى: إنْكارُ الإيمانِ مِنهُ عِنْدَ أنْ ألْجَمَهُ الغَرَقُ والحالُ أنَّهُ قَدْ عَصى اللَّهَ مِن قَبْلُ، والمَقْصُودُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى عَصَيْتَ داخِلَةٌ في الحالِ: أيْ كُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِضَلالِكَ عَنِ الحَقِّ وإضْلالِكَ لِغَيْرِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قُرِئَ " نُنْجِيكَ " بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ عَلى التَّثْقِيلِ.
وقَرَأ اليَزِيدِيُّ: " نُنَحِّيكَ " بِالحاءِ المُهْمَلَةِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، وحَكاها عَلْقَمَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَعْنى نُنَجِّيكَ بِالجِيمِ: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يُصَدِّقُوا أنَّ فِرْعَوْنَ غَرِقَ، وقالُوا: هو أعْظَمُ شَأْنًا مِن ذاكَ، فَألْقاهُ اللَّهُ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، أيْ مَكانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ حَتّى شاهَدُوهُ، وقِيلَ: المَعْنى: نُخْرِجُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِنَ الرُّسُوبِ في قَعْرِ البَحْرِ ونَجْعَلُكَ طافِيًا لِيُشاهِدُوكَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، ومَعْنى نُنَحِّيكَ بِالمُهْمَلَةِ: نَطْرَحُكَ عَلى ناحِيَةٍ مِنَ الأرْضِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ " بِأبْدانِكَ " .
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى بِبَدَنِكَ، فَقِيلَ: مَعْناهُ: بِجَسَدِكَ بَعْدَ سَلْبِ الرُّوحِ مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِدِرْعِكَ، والدِّرْعُ يُسَمّى بَدَنًا، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:
؎تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبَغاتٍ ∗∗∗ عَلى الأبْطالِ واليَلَبَ الحَصِينا
أرادَ بِالأبْدانِ الدُّرُوعَ، وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ:
؎ومَضى نِساؤُهُمُ بِكُلِّ مَفاضَةٍ ∗∗∗ جَدْلاءَ سابِغَةٍ وبِالأبْدانِ
أيْ بِدُرُوعٍ سابِغَةٍ ودُرُوعٍ قَصِيرَةٍ: وهي الَّتِي يُقالُ لَها أبْدانُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقالَ الأخْفَشُ: وأمّا قَوْلُ مَن قالَ بِدِرْعِكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ورَجَّحَ أنَّ البَدَنَ المُرادُ بِهِ هُنا الجَسَدُ.
قَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ هَذا تَعْلِيلٌ لِتَنْجِيَتِهِ بِبَدَنِهِ، وفي ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ جَسَدَهُ دُونَ قَوْمِهِ إلّا لِهَذِهِ العِلَّةِ لا سِوى، والمُرادُ بِالآيَةِ العَلامَةُ أيْ: لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ مِنَ النّاسِ عَلامَةً يَعْرِفُونَ بِها هَلاكَكَ، وأنَّكَ لَسْتَ كَما تَدَّعِي، ويَنْدَفِعَ عَنْهُمُ الشَّكُّ في كَوْنِكَ قَدْ صِرْتَ مَيِّتًا بِالغَرَقِ، وقِيلَ: المُرادُ لِيَكُونَ طَرْحُكَ عَلى السّاحِلِ وحْدَكَ دُونَ المُغْرَقِينَ مَن قَوْمِكَ آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ، يَعْتَبِرُ بِها النّاسُ، أوْ يَعْتَبِرُ بِها مَن سَيَأْتِي مِنَ الأُمَمِ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ؛ حَتّى يَحْذَرُوا مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ والتَّمَرُّدِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا الَّذِي بَلَغَ ما بَلَغَ إلَيْهِ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ، واسْتَمَرَّ عَلى ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا كانَتْ لَهُ هَذِهِ العاقِبَةُ القَبِيحَةُ.
وقُرِئَ " لِمَن خَلَفَكَ " عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي أيْ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ القُرُونِ أوْ مَن خَلَفَكَ في الرِّياسَةِ أوْ في السُّكُونِ في المَسْكَنِ الَّذِي كُنْتَ تَسْكُنُهُ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا﴾ الَّتِي تُوجِبُ الِاعْتِبارَ والتَّفَكُّرَ وتُوقِظُ مِن سَنَةِ الغَفْلَةِ لَغافِلُونَ عَمّا تُوجِبُهُ الآياتُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ يَقُولُ: دَمِّرْ عَلى أمْوالِهِمْ وأهْلِكْها ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: اطْبَعْ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وهو الغَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَألَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ فَأخْبَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ طَمَسَ عَلى أمْوالِ فِرْعَوْنَ وآلِ فِرْعَوْنَ، حَتّى صارَتْ حِجارَةً، فَقالَ عُمَرُ: كَما أنْتَ حَتّى آتِيَكَ، فَدَعا بِكِيسٍ مَخْتُومٍ فَفَكَّهُ، فَإذا (p-٦٤١)فِيهِ الفِضَّةُ مَقْطُوعَةً كَأنَّها الحِجارَةُ والدَّنانِيرُ والدَّراهِمُ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِنَ الأمْوالِ حِجارَةٌ كُلُّها.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ أمْوالَهم تَحَوَّلَتْ حِجارَةً مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما، قالَ: فاسْتَجابَ لَهُ وحالَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وبَيْنَ الإيمانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ مُوسى إذا دَعا أمَّنَ هارُونُ عَلى دُعائِهِ يَقُولُ: آمِينَ.
قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فاسْتَقِيما فامْضِيا لِأمْرِي، وهي الِاسْتِقامَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: العَدْوُ والعُتُوُّ والعُلُوُّ في كِتابِ اللَّهِ: التَّجَبُّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «لَمّا خَرَجَ آخِرُ أصْحابِ مُوسى، ودَخَلَ آخِرُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ، أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ انْطَبِقْ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ أُصْبُعُ فِرْعَوْنَ بِلا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، قالَ جِبْرِيلُ: فَعَرَفْتُ أنَّ الرَّبَّ رَحِيمٌ وخِفْتُ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ، فَرَمَسْتُهُ بِجَناحِي وقُلْتُ: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ؟ فَلَمّا خَرَجَ مُوسى وأصْحابُهُ قالَ مَن تَخَلَّفَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ما غَرِقَ فِرْعَوْنُ ولا أصْحابُهُ، ولَكِنَّهم في جَزائِرِ البَحْرِ يَتَصَيَّدُونَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ فِرْعَوْنَ عُرْيانًا، فَلَفَظَهُ عُرْيانًا أصْلَعَ أُخَيْنِسَ قَصِيرًا فَهو قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ لِمَن قالَ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَغْرَقْ، وكَأنَّ نَجاةَ غَيْرِهِ لَمْ تَكُنْ نَجاةَ عافِيَةٍ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ أنِ الفِظْ ما فِيكَ فَلَفَظَهم عَلى السّاحِلِ، وكانَ البَحْرُ لا يَلْفِظُ غَرِيقًا في بَطْنِهِ حَتّى يَأْكُلَهُ السَّمَكُ، فَلَيْسَ يَقْبَلُ البَحْرُ غَرِيقًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «أغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ لَوْ رَأيْتَنِي وأنا آخُذُ مِن حالِ البَحْرِ فَأدُسُّهُ في فِيهِ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وقَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ مِن غَيْرِ وجْهٍ، وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وصَحَّحَهُ أيْضًا الحاكِمُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا مِن طُرُقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: ما كانَ عَلى الأرْضِ شَيْءٌ أبْغَضَ إلَيَّ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا آمَنَ جَعَلْتُ أحْشُو فاهُ حَمَأةً، وأنا أغُطُّهُ خَشْيَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي إسْنادِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وباقِي رِجالِهِ ثِقاتٌ.
والعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ بِفَنِّ الرِّوايَةِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولا يَكادُ يُمَيِّزُ بَيْنَ أصَحِّ الصَّحِيحِ مِنَ الحَدِيثِ وأكْذَبِ الكَذِبِ مِنهُ، كَيْفَ يَتَجارى عَلى الكَلامِ في أحادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِبُطْلانِ ما صَحَّ مِنها، ويُرْسِلُ لِسانَهُ وقَلَمَهُ بِالجَهْلِ البَحْتِ، والقُصُورِ الفاضِحِ الَّذِي يَضْحَكُ مِنهُ كُلُّ مَن لَهُ أدْنى مُمارَسَةٍ لِفَنِّ الحَدِيثِ، فَيا مِسْكِينُ ما لَكَ ولِهَذا الشَّأْنِ الَّذِي لَسْتَ مِنهُ في شَيْءٍ ؟ ألا تَسْتُرُ نَفْسَكَ وتَرْبَعُ عَلى ضِلَعِكَ، وتَعْرِفُ بِأنَّكَ بِهَذا العِلْمِ مِن أجْهَلِ الجاهِلِينَ، وتَشْتَغِلُ بِما هو عِلْمُكَ الَّذِي لا تُجاوِزُهُ، وحاصِلُكَ الَّذِي لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ، وهو عِلْمُ اللُّغَةِ وتَوابِعُهُ مِنَ العُلُومِ الآلِيَّةِ، ولَقَدْ صارَ صاحِبُ الكَشّافِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِسَبَبِ ما يَتَعَرَّضُ لَهُ في تَفْسِيرِهِ مِن عِلْمِ الحَدِيثِ الَّذِي لَيْسَ هو مِنهُ في وِرْدٍ، ولا صَدْرٍ، سُخْرَةً لِلسّاخِرِينَ وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، فَتارَةً يَرْوِي في كِتابِهِ المَوْضُوعاتِ وهو لا يَدْرِي أنَّها مَوْضُوعاتٌ، وتارَةً يَتَعَرَّضُ لِرَدِّ ما صَحَّ، ويَجْزِمُ بِأنَّهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والبُهْتِ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، مِمّا يَلْتَحِقُ بِهِما مِن رِوايَةِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِأسانِيدَ كُلُّها أئِمَّةٌ ثِقاتٌ أثْباتٌ حُجَجٌ، وأدْنى نَصِيبٍ مِن عَقْلٍ يَحْجُرُ صاحِبَهُ عَنِ التَّكَلُّمِ في عِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ ولا يَدْرِي بِهِ أقَلَّ دِرايَةٍ، وإنْ كانَ ذَلِكَ العِلْمُ مِن عُلُومِ الِاصْطِلاحِ الَّتِي يَتَواضَعُ عَلَيْها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، ويَصْطَلِحُونَ عَلى أُمُورٍ فِيما بَيْنَهم، فَما بالُكَ بِعِلْمِ السُّنَّةِ الَّذِي هو قَسِيمُ كِتابِ اللَّهِ، وقائِلُهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وراوِيهِ عَنْهُ خَيْرُ القُرُونِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم، وكُلُّ حَرْفٍ مِن حُرُوفِهِ، وكَلِمَةٍ مِن كَلِماتِهِ، يَثْبُتُ بِها شَرْعٌ عامٌّ لِجَمِيعِ أهْلِ الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: أنْجى اللَّهُ فِرْعَوْنَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِنَ البَحْرِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ بَعْدَما غَرِقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: بِجَسَدِكَ، قالَ: كَذَّبَ بَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَوْتِ فِرْعَوْنَ، فَأُلْقِيَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ حَتّى يَراهُ بَنُو إسْرائِيلَ أحْمَرَ قَصِيرًا كَأنَّهُ ثَوْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ قالَ: بِدِرْعِكَ، وكانَ دِرْعُهُ مِن لُؤْلُؤَةٍ يُلاقِي فِيها الحُرُوبَ.
يونس 10:93
(p-٦٤٢)قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: أسْكَنّا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَنزِلًا: أسْكَنْتُهُ فِيهِ، والمُبَوَّأُ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ عَلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ قاعِدَةُ العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المَنزِلُ المَحْمُودُ المُخْتارُ، قِيلَ: هو أرْضُ مِصْرَ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، وقِيلَ: الشّامُ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ وتَشَعَّبُوا فِيهِ شُعَبًا بَعْدَما كانُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهُمُ الِاخْتِلافُ في الدِّينِ إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ النّازِلُ عَلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا في نَعْتِهِ وصِفَتِهِ، وآمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم وكَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ.
فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ وعَلِمُوا بِها، وعَلى القَوْلِ الثّانِي هُمُ اليَهُودُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحِقَّ بِعَمَلِهِ بِالحَقِّ، والمُبْطِلَ بِعَمَلِهِ بِالباطِلِ.
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الشَّكُّ في أصْلِ اللُّغَةِ: ضَمُّ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ شَكُّ الجَوْهَرِ في العُقْدِ، والشّاكُّ كَأنَّهُ يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ فَيَتَرَدَّدُ ويَتَحَيَّرُ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ غَيْرُهُ كَما ورَدَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قالَ أبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الزّاهِدُ: سَمِعْتُ الإمامَيْنِ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ يَقُولانِ: مَعْنى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكافِرِ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ، وقَدْ كانَ عَبَدَةُ الأوْثانِ يَعْتَرِفُونَ لِلْيَهُودِ بِالعِلْمِ ويُقِرُّونَ بِأنَّهم أعْلَمُ مِنهم، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ أنْ يُرْشِدَ الشّاكِّينَ فِيما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ أنْ يَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ قَدْ أسْلَمُوا، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ هَذا رَسُولُهُ، وأنَّ التَّوْراةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ ناطِقَةٌ بِهِ، وفي هَذا الوَجْهِ مَعَ حُسْنِهِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرَ قاطِعٍ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا بِتَصْدِيقِهِ، بَلْ كانَ في شَكٍّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالخِطابِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا غَيْرُهُ.
والمَعْنى: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَلْحَقُهُ الشَّكُّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ فَسَألْتَ أهْلَ الكِتابِ لَأزالُوا عَنْكَ الشَّكَّ.
وقِيلَ: الشَّكُّ هو ضِيقُ الصَّدْرِ أيْ: إنْ ضاقَ صَدْرُكَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ فاصْبِرْ واسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يُخْبِرُوكَ بِصَبْرِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى أذى قَوْمِهِمْ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ عَنْ نُبُوَّتِكَ وما نَزَلَ عَلَيْكَ، ويَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم، وقَدْ زالَ فِيمَن أسْلَمَ مِنهم ما كانَ مُقْتَضِيًا لِكَتْمِ ما عِنْدَهم.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في هَذا بَيانُ ما يَقْلَعُ الشَّكَّ مِن أصْلِهِ ويَذْهَبُ بِهِ بِجُمْلَتِهِ، وهو شَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ الشَّكُّ فِيهِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ في الشّاكِّ هو الحَقُّ الَّذِي لا يُخالِطُهُ باطِلٌ ولا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الِامْتِراءِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ لَهُ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ كَما في مَواطِنَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وهَكَذا القَوْلُ في نَهْيِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ فِيهِ التَّعْرِيضُ ولا سِيَّما بَعْدَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفي هَذا التَّعْرِيضِ مِنَ الزَّجْرِ لِلْمُمْتَرِينَ والمُكَذِّبِينَ ما هو أبْلَغُ وأوْقَعُ مِنَ النَّهْيِ لَهم أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ مِنهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ بِأنَّهم يُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ ويَمُوتُونَ عَلَيْهِ، لا يَقَعُ مِنهُمُ الإيمانُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ وقَعَ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ كَمَن يُؤْمِنُ مِنهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَهو في حُكْمِ العَدَمِ.
﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وحَقَّ مِنهُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ فَيَقَعُ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ ولَيْسَ بِإيمانٍ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " فَهَلّا قَرْيَةٌ " والمَعْنى: فَهَلّا قَرْيَةٌ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ عَذابِهِ ولَمْ تُؤَخِّرْهُ كَما أخَّرَهُ فِرْعَوْنُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ مُنْقَطِعٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ القُرى لِأنَّ المُرادَ أهْلُها، والمَعْنى: لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ المُعايَنَةِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ وقَدْ قالَ بِأنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ مِنهُمُ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، والفَرّاءُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، وانْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ: يَكُونُ المَعْنى غَيْرَ قَوْمِ يُونُسَ، ولَكِنْ حُمِلَتْ إلّا عَلَيْها وتَعَذَّرَ جَعْلُ الإعْرابِ عَلَيْها، فَأُعْرِبَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها بِإعْرابِ غَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خُصَّ قَوْمُ يُونُسَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن (p-٦٤٣)بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَمْ يَقَعِ العَذابُ، وإنَّما رَأوُا العَلامَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى العَذابِ، ولَوْ رَأوْا عَيْنَ العَذابِ لَما نَفَعَهُمُ الإيمانُ، وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.
والمُرادُ بِعَذابِ الخِزْيِ الَّذِي كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهو العَذابُ الَّذِي كانَ قَدْ وعَدَهم يُونُسُ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوْهُ، أوِ الَّذِي قَدْ رَأوْا عَلاماتِهِ دُونَ عَيْنِهِ.
﴿ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم مَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ لَهم.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الإيمانَ وضِدَّهُ كِلاهُما بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم﴾ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ ويَخْتَلِفُونَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: جاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلُّهم " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ( النَّحْلِ: ٥١ ) ولَمّا كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلى إيمانِ جَمِيعِ النّاسِ، أخْبَرَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ الجارِيَةَ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والمَصالِحِ الرّاجِحَةِ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِكَ يا مُحَمَّدُ ولا داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِكَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعٌ لِما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ مِن طَلَبِ صَلاحِ الكُلِّ، الَّذِي لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ صَلاحًا مُحَقَّقًا بَلْ يَكُونُ إلى الفَسادِ أقْرَبَ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ: أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ لِذَلِكَ فَلا يَقَعُ غَيْرُ ما يَشاؤُهُ كائِنًا ما كانَ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الكُفْرَ أوِ الخِذْلانَ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " ونَجْعَلُ " بِالنُّونِ.
وفِي الرِّجْسِ لُغَتانِ ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها، والمُرادُ بِالَّذِينِ لا يَعْقِلُونَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يَتَعَقَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في آياتِهِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ فِيما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ قالَ: بَوَّأهُمُ اللَّهُ الشّامَ وبَيْتَ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَنازِلَ صِدْقٍ مِصْرَ والشّامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ قالَ: العِلْمُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ وأمْرُهُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ.
وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النَّصارى اخْتَلَفُوا عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وهو في السُّنَنِ والمَسانِيدِ، والكَلامُ فِيهِ يَطُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمْ يَشُكَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَسْألْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ - قالَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ - الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا مِن أهْلِ الكِتابِ وآمَنُوا بِهِ، يَقُولُ: سَلْهم إنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِأنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: حَقَّ عَلَيْهِمْ سَخَطُ اللَّهِ بِما عَصَوْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ يَقُولُ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ هَذا في الأُمَمِ قَبْلَ قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ عايَنَتِ العَذابَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فاسْتَثْنى اللَّهُ قَوْمَ يُونُسَ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِنِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَلَمّا فَقَدُوا نَبِيَّهم قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وأخْرَجُوا المَواشِيَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ ووَلَدِها، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَرَفَ اللَّهُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهم، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَما تَدَلّى عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يُونُسَ دَعا قَوْمَهُ، فَلَمّا أبَوْا أنْ يُجِيبُوهُ وعَدَهُمُ العَذابَ، فَقالَ: إنَّهُ يَأْتِيكم يَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهم، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا وعَدَتْ قَوْمَها العَذابَ خَرَجَتْ، فَلَمّا أظَلَّهُمُ العَذابُ خَرَجُوا فَفَرَّقُوا بَيْنَ المَرْأةِ ووَلَدِها، وبَيْنَ السَّخْلَةِ ووَلَدِها، وخَرَجُوا يَعُجُّونَ إلى اللَّهِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَتابَ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَعَدَ يُونُسُ في الطَّرِيقِ يَسْألُ عَنِ الخَبَرِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقالَ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا، فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِّبْتُهم، وانْطَلَقَ مُغاضِبًا: يَعْنِي مُراغِمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ كَما يُغْشى القَبْرُ بِالثَّوْبِ إذا دَخَلَ فِيهِ صاحِبُهُ ومَطَرَتِ السَّماءُ دَمًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ العَذابَ كانَ هَبَطَ عَلى قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، فَلَمّا دَعَوْا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الجَلْدِ قالَ: لَمّا غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟ قالَ: قُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوا فَكُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قالَ: السُّخْطَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الرِّجْسُ: الشَّيْطانُ، والرِّجْسُ العَذابُ.
يونس 10:94
(p-٦٤٢)قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: أسْكَنّا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَنزِلًا: أسْكَنْتُهُ فِيهِ، والمُبَوَّأُ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ عَلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ قاعِدَةُ العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المَنزِلُ المَحْمُودُ المُخْتارُ، قِيلَ: هو أرْضُ مِصْرَ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، وقِيلَ: الشّامُ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ وتَشَعَّبُوا فِيهِ شُعَبًا بَعْدَما كانُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهُمُ الِاخْتِلافُ في الدِّينِ إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ النّازِلُ عَلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا في نَعْتِهِ وصِفَتِهِ، وآمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم وكَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ.
فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ وعَلِمُوا بِها، وعَلى القَوْلِ الثّانِي هُمُ اليَهُودُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحِقَّ بِعَمَلِهِ بِالحَقِّ، والمُبْطِلَ بِعَمَلِهِ بِالباطِلِ.
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الشَّكُّ في أصْلِ اللُّغَةِ: ضَمُّ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ شَكُّ الجَوْهَرِ في العُقْدِ، والشّاكُّ كَأنَّهُ يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ فَيَتَرَدَّدُ ويَتَحَيَّرُ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ غَيْرُهُ كَما ورَدَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قالَ أبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الزّاهِدُ: سَمِعْتُ الإمامَيْنِ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ يَقُولانِ: مَعْنى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكافِرِ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ، وقَدْ كانَ عَبَدَةُ الأوْثانِ يَعْتَرِفُونَ لِلْيَهُودِ بِالعِلْمِ ويُقِرُّونَ بِأنَّهم أعْلَمُ مِنهم، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ أنْ يُرْشِدَ الشّاكِّينَ فِيما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ أنْ يَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ قَدْ أسْلَمُوا، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ هَذا رَسُولُهُ، وأنَّ التَّوْراةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ ناطِقَةٌ بِهِ، وفي هَذا الوَجْهِ مَعَ حُسْنِهِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرَ قاطِعٍ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا بِتَصْدِيقِهِ، بَلْ كانَ في شَكٍّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالخِطابِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا غَيْرُهُ.
والمَعْنى: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَلْحَقُهُ الشَّكُّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ فَسَألْتَ أهْلَ الكِتابِ لَأزالُوا عَنْكَ الشَّكَّ.
وقِيلَ: الشَّكُّ هو ضِيقُ الصَّدْرِ أيْ: إنْ ضاقَ صَدْرُكَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ فاصْبِرْ واسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يُخْبِرُوكَ بِصَبْرِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى أذى قَوْمِهِمْ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ عَنْ نُبُوَّتِكَ وما نَزَلَ عَلَيْكَ، ويَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم، وقَدْ زالَ فِيمَن أسْلَمَ مِنهم ما كانَ مُقْتَضِيًا لِكَتْمِ ما عِنْدَهم.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في هَذا بَيانُ ما يَقْلَعُ الشَّكَّ مِن أصْلِهِ ويَذْهَبُ بِهِ بِجُمْلَتِهِ، وهو شَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ الشَّكُّ فِيهِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ في الشّاكِّ هو الحَقُّ الَّذِي لا يُخالِطُهُ باطِلٌ ولا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الِامْتِراءِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ لَهُ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ كَما في مَواطِنَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وهَكَذا القَوْلُ في نَهْيِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ فِيهِ التَّعْرِيضُ ولا سِيَّما بَعْدَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفي هَذا التَّعْرِيضِ مِنَ الزَّجْرِ لِلْمُمْتَرِينَ والمُكَذِّبِينَ ما هو أبْلَغُ وأوْقَعُ مِنَ النَّهْيِ لَهم أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ مِنهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ بِأنَّهم يُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ ويَمُوتُونَ عَلَيْهِ، لا يَقَعُ مِنهُمُ الإيمانُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ وقَعَ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ كَمَن يُؤْمِنُ مِنهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَهو في حُكْمِ العَدَمِ.
﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وحَقَّ مِنهُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ فَيَقَعُ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ ولَيْسَ بِإيمانٍ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " فَهَلّا قَرْيَةٌ " والمَعْنى: فَهَلّا قَرْيَةٌ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ عَذابِهِ ولَمْ تُؤَخِّرْهُ كَما أخَّرَهُ فِرْعَوْنُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ مُنْقَطِعٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ القُرى لِأنَّ المُرادَ أهْلُها، والمَعْنى: لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ المُعايَنَةِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ وقَدْ قالَ بِأنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ مِنهُمُ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، والفَرّاءُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، وانْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ: يَكُونُ المَعْنى غَيْرَ قَوْمِ يُونُسَ، ولَكِنْ حُمِلَتْ إلّا عَلَيْها وتَعَذَّرَ جَعْلُ الإعْرابِ عَلَيْها، فَأُعْرِبَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها بِإعْرابِ غَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خُصَّ قَوْمُ يُونُسَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن (p-٦٤٣)بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَمْ يَقَعِ العَذابُ، وإنَّما رَأوُا العَلامَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى العَذابِ، ولَوْ رَأوْا عَيْنَ العَذابِ لَما نَفَعَهُمُ الإيمانُ، وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.
والمُرادُ بِعَذابِ الخِزْيِ الَّذِي كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهو العَذابُ الَّذِي كانَ قَدْ وعَدَهم يُونُسُ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوْهُ، أوِ الَّذِي قَدْ رَأوْا عَلاماتِهِ دُونَ عَيْنِهِ.
﴿ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم مَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ لَهم.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الإيمانَ وضِدَّهُ كِلاهُما بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم﴾ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ ويَخْتَلِفُونَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: جاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلُّهم " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ( النَّحْلِ: ٥١ ) ولَمّا كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلى إيمانِ جَمِيعِ النّاسِ، أخْبَرَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ الجارِيَةَ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والمَصالِحِ الرّاجِحَةِ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِكَ يا مُحَمَّدُ ولا داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِكَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعٌ لِما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ مِن طَلَبِ صَلاحِ الكُلِّ، الَّذِي لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ صَلاحًا مُحَقَّقًا بَلْ يَكُونُ إلى الفَسادِ أقْرَبَ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ: أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ لِذَلِكَ فَلا يَقَعُ غَيْرُ ما يَشاؤُهُ كائِنًا ما كانَ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الكُفْرَ أوِ الخِذْلانَ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " ونَجْعَلُ " بِالنُّونِ.
وفِي الرِّجْسِ لُغَتانِ ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها، والمُرادُ بِالَّذِينِ لا يَعْقِلُونَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يَتَعَقَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في آياتِهِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ فِيما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ قالَ: بَوَّأهُمُ اللَّهُ الشّامَ وبَيْتَ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَنازِلَ صِدْقٍ مِصْرَ والشّامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ قالَ: العِلْمُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ وأمْرُهُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ.
وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النَّصارى اخْتَلَفُوا عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وهو في السُّنَنِ والمَسانِيدِ، والكَلامُ فِيهِ يَطُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمْ يَشُكَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَسْألْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ - قالَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ - الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا مِن أهْلِ الكِتابِ وآمَنُوا بِهِ، يَقُولُ: سَلْهم إنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِأنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: حَقَّ عَلَيْهِمْ سَخَطُ اللَّهِ بِما عَصَوْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ يَقُولُ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ هَذا في الأُمَمِ قَبْلَ قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ عايَنَتِ العَذابَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فاسْتَثْنى اللَّهُ قَوْمَ يُونُسَ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِنِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَلَمّا فَقَدُوا نَبِيَّهم قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وأخْرَجُوا المَواشِيَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ ووَلَدِها، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَرَفَ اللَّهُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهم، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَما تَدَلّى عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يُونُسَ دَعا قَوْمَهُ، فَلَمّا أبَوْا أنْ يُجِيبُوهُ وعَدَهُمُ العَذابَ، فَقالَ: إنَّهُ يَأْتِيكم يَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهم، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا وعَدَتْ قَوْمَها العَذابَ خَرَجَتْ، فَلَمّا أظَلَّهُمُ العَذابُ خَرَجُوا فَفَرَّقُوا بَيْنَ المَرْأةِ ووَلَدِها، وبَيْنَ السَّخْلَةِ ووَلَدِها، وخَرَجُوا يَعُجُّونَ إلى اللَّهِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَتابَ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَعَدَ يُونُسُ في الطَّرِيقِ يَسْألُ عَنِ الخَبَرِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقالَ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا، فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِّبْتُهم، وانْطَلَقَ مُغاضِبًا: يَعْنِي مُراغِمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ كَما يُغْشى القَبْرُ بِالثَّوْبِ إذا دَخَلَ فِيهِ صاحِبُهُ ومَطَرَتِ السَّماءُ دَمًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ العَذابَ كانَ هَبَطَ عَلى قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، فَلَمّا دَعَوْا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الجَلْدِ قالَ: لَمّا غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟ قالَ: قُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوا فَكُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قالَ: السُّخْطَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الرِّجْسُ: الشَّيْطانُ، والرِّجْسُ العَذابُ.
يونس 10:95
(p-٦٤٢)قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: أسْكَنّا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَنزِلًا: أسْكَنْتُهُ فِيهِ، والمُبَوَّأُ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ عَلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ قاعِدَةُ العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المَنزِلُ المَحْمُودُ المُخْتارُ، قِيلَ: هو أرْضُ مِصْرَ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، وقِيلَ: الشّامُ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ وتَشَعَّبُوا فِيهِ شُعَبًا بَعْدَما كانُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهُمُ الِاخْتِلافُ في الدِّينِ إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ النّازِلُ عَلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا في نَعْتِهِ وصِفَتِهِ، وآمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم وكَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ.
فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ وعَلِمُوا بِها، وعَلى القَوْلِ الثّانِي هُمُ اليَهُودُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحِقَّ بِعَمَلِهِ بِالحَقِّ، والمُبْطِلَ بِعَمَلِهِ بِالباطِلِ.
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الشَّكُّ في أصْلِ اللُّغَةِ: ضَمُّ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ شَكُّ الجَوْهَرِ في العُقْدِ، والشّاكُّ كَأنَّهُ يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ فَيَتَرَدَّدُ ويَتَحَيَّرُ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ غَيْرُهُ كَما ورَدَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قالَ أبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الزّاهِدُ: سَمِعْتُ الإمامَيْنِ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ يَقُولانِ: مَعْنى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكافِرِ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ، وقَدْ كانَ عَبَدَةُ الأوْثانِ يَعْتَرِفُونَ لِلْيَهُودِ بِالعِلْمِ ويُقِرُّونَ بِأنَّهم أعْلَمُ مِنهم، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ أنْ يُرْشِدَ الشّاكِّينَ فِيما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ أنْ يَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ قَدْ أسْلَمُوا، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ هَذا رَسُولُهُ، وأنَّ التَّوْراةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ ناطِقَةٌ بِهِ، وفي هَذا الوَجْهِ مَعَ حُسْنِهِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرَ قاطِعٍ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا بِتَصْدِيقِهِ، بَلْ كانَ في شَكٍّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالخِطابِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا غَيْرُهُ.
والمَعْنى: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَلْحَقُهُ الشَّكُّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ فَسَألْتَ أهْلَ الكِتابِ لَأزالُوا عَنْكَ الشَّكَّ.
وقِيلَ: الشَّكُّ هو ضِيقُ الصَّدْرِ أيْ: إنْ ضاقَ صَدْرُكَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ فاصْبِرْ واسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يُخْبِرُوكَ بِصَبْرِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى أذى قَوْمِهِمْ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ عَنْ نُبُوَّتِكَ وما نَزَلَ عَلَيْكَ، ويَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم، وقَدْ زالَ فِيمَن أسْلَمَ مِنهم ما كانَ مُقْتَضِيًا لِكَتْمِ ما عِنْدَهم.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في هَذا بَيانُ ما يَقْلَعُ الشَّكَّ مِن أصْلِهِ ويَذْهَبُ بِهِ بِجُمْلَتِهِ، وهو شَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ الشَّكُّ فِيهِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ في الشّاكِّ هو الحَقُّ الَّذِي لا يُخالِطُهُ باطِلٌ ولا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الِامْتِراءِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ لَهُ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ كَما في مَواطِنَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وهَكَذا القَوْلُ في نَهْيِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ فِيهِ التَّعْرِيضُ ولا سِيَّما بَعْدَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفي هَذا التَّعْرِيضِ مِنَ الزَّجْرِ لِلْمُمْتَرِينَ والمُكَذِّبِينَ ما هو أبْلَغُ وأوْقَعُ مِنَ النَّهْيِ لَهم أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ مِنهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ بِأنَّهم يُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ ويَمُوتُونَ عَلَيْهِ، لا يَقَعُ مِنهُمُ الإيمانُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ وقَعَ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ كَمَن يُؤْمِنُ مِنهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَهو في حُكْمِ العَدَمِ.
﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وحَقَّ مِنهُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ فَيَقَعُ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ ولَيْسَ بِإيمانٍ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " فَهَلّا قَرْيَةٌ " والمَعْنى: فَهَلّا قَرْيَةٌ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ عَذابِهِ ولَمْ تُؤَخِّرْهُ كَما أخَّرَهُ فِرْعَوْنُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ مُنْقَطِعٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ القُرى لِأنَّ المُرادَ أهْلُها، والمَعْنى: لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ المُعايَنَةِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ وقَدْ قالَ بِأنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ مِنهُمُ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، والفَرّاءُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، وانْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ: يَكُونُ المَعْنى غَيْرَ قَوْمِ يُونُسَ، ولَكِنْ حُمِلَتْ إلّا عَلَيْها وتَعَذَّرَ جَعْلُ الإعْرابِ عَلَيْها، فَأُعْرِبَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها بِإعْرابِ غَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خُصَّ قَوْمُ يُونُسَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن (p-٦٤٣)بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَمْ يَقَعِ العَذابُ، وإنَّما رَأوُا العَلامَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى العَذابِ، ولَوْ رَأوْا عَيْنَ العَذابِ لَما نَفَعَهُمُ الإيمانُ، وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.
والمُرادُ بِعَذابِ الخِزْيِ الَّذِي كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهو العَذابُ الَّذِي كانَ قَدْ وعَدَهم يُونُسُ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوْهُ، أوِ الَّذِي قَدْ رَأوْا عَلاماتِهِ دُونَ عَيْنِهِ.
﴿ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم مَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ لَهم.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الإيمانَ وضِدَّهُ كِلاهُما بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم﴾ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ ويَخْتَلِفُونَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: جاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلُّهم " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ( النَّحْلِ: ٥١ ) ولَمّا كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلى إيمانِ جَمِيعِ النّاسِ، أخْبَرَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ الجارِيَةَ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والمَصالِحِ الرّاجِحَةِ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِكَ يا مُحَمَّدُ ولا داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِكَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعٌ لِما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ مِن طَلَبِ صَلاحِ الكُلِّ، الَّذِي لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ صَلاحًا مُحَقَّقًا بَلْ يَكُونُ إلى الفَسادِ أقْرَبَ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ: أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ لِذَلِكَ فَلا يَقَعُ غَيْرُ ما يَشاؤُهُ كائِنًا ما كانَ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الكُفْرَ أوِ الخِذْلانَ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " ونَجْعَلُ " بِالنُّونِ.
وفِي الرِّجْسِ لُغَتانِ ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها، والمُرادُ بِالَّذِينِ لا يَعْقِلُونَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يَتَعَقَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في آياتِهِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ فِيما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ قالَ: بَوَّأهُمُ اللَّهُ الشّامَ وبَيْتَ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَنازِلَ صِدْقٍ مِصْرَ والشّامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ قالَ: العِلْمُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ وأمْرُهُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ.
وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النَّصارى اخْتَلَفُوا عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وهو في السُّنَنِ والمَسانِيدِ، والكَلامُ فِيهِ يَطُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمْ يَشُكَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَسْألْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ - قالَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ - الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا مِن أهْلِ الكِتابِ وآمَنُوا بِهِ، يَقُولُ: سَلْهم إنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِأنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: حَقَّ عَلَيْهِمْ سَخَطُ اللَّهِ بِما عَصَوْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ يَقُولُ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ هَذا في الأُمَمِ قَبْلَ قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ عايَنَتِ العَذابَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فاسْتَثْنى اللَّهُ قَوْمَ يُونُسَ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِنِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَلَمّا فَقَدُوا نَبِيَّهم قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وأخْرَجُوا المَواشِيَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ ووَلَدِها، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَرَفَ اللَّهُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهم، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَما تَدَلّى عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يُونُسَ دَعا قَوْمَهُ، فَلَمّا أبَوْا أنْ يُجِيبُوهُ وعَدَهُمُ العَذابَ، فَقالَ: إنَّهُ يَأْتِيكم يَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهم، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا وعَدَتْ قَوْمَها العَذابَ خَرَجَتْ، فَلَمّا أظَلَّهُمُ العَذابُ خَرَجُوا فَفَرَّقُوا بَيْنَ المَرْأةِ ووَلَدِها، وبَيْنَ السَّخْلَةِ ووَلَدِها، وخَرَجُوا يَعُجُّونَ إلى اللَّهِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَتابَ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَعَدَ يُونُسُ في الطَّرِيقِ يَسْألُ عَنِ الخَبَرِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقالَ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا، فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِّبْتُهم، وانْطَلَقَ مُغاضِبًا: يَعْنِي مُراغِمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ كَما يُغْشى القَبْرُ بِالثَّوْبِ إذا دَخَلَ فِيهِ صاحِبُهُ ومَطَرَتِ السَّماءُ دَمًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ العَذابَ كانَ هَبَطَ عَلى قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، فَلَمّا دَعَوْا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الجَلْدِ قالَ: لَمّا غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟ قالَ: قُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوا فَكُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قالَ: السُّخْطَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الرِّجْسُ: الشَّيْطانُ، والرِّجْسُ العَذابُ.
يونس 10:96
(p-٦٤٢)قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: أسْكَنّا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَنزِلًا: أسْكَنْتُهُ فِيهِ، والمُبَوَّأُ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ عَلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ قاعِدَةُ العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المَنزِلُ المَحْمُودُ المُخْتارُ، قِيلَ: هو أرْضُ مِصْرَ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، وقِيلَ: الشّامُ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ وتَشَعَّبُوا فِيهِ شُعَبًا بَعْدَما كانُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهُمُ الِاخْتِلافُ في الدِّينِ إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ النّازِلُ عَلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا في نَعْتِهِ وصِفَتِهِ، وآمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم وكَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ.
فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ وعَلِمُوا بِها، وعَلى القَوْلِ الثّانِي هُمُ اليَهُودُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحِقَّ بِعَمَلِهِ بِالحَقِّ، والمُبْطِلَ بِعَمَلِهِ بِالباطِلِ.
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الشَّكُّ في أصْلِ اللُّغَةِ: ضَمُّ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ شَكُّ الجَوْهَرِ في العُقْدِ، والشّاكُّ كَأنَّهُ يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ فَيَتَرَدَّدُ ويَتَحَيَّرُ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ غَيْرُهُ كَما ورَدَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قالَ أبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الزّاهِدُ: سَمِعْتُ الإمامَيْنِ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ يَقُولانِ: مَعْنى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكافِرِ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ، وقَدْ كانَ عَبَدَةُ الأوْثانِ يَعْتَرِفُونَ لِلْيَهُودِ بِالعِلْمِ ويُقِرُّونَ بِأنَّهم أعْلَمُ مِنهم، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ أنْ يُرْشِدَ الشّاكِّينَ فِيما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ أنْ يَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ قَدْ أسْلَمُوا، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ هَذا رَسُولُهُ، وأنَّ التَّوْراةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ ناطِقَةٌ بِهِ، وفي هَذا الوَجْهِ مَعَ حُسْنِهِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرَ قاطِعٍ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا بِتَصْدِيقِهِ، بَلْ كانَ في شَكٍّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالخِطابِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا غَيْرُهُ.
والمَعْنى: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَلْحَقُهُ الشَّكُّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ فَسَألْتَ أهْلَ الكِتابِ لَأزالُوا عَنْكَ الشَّكَّ.
وقِيلَ: الشَّكُّ هو ضِيقُ الصَّدْرِ أيْ: إنْ ضاقَ صَدْرُكَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ فاصْبِرْ واسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يُخْبِرُوكَ بِصَبْرِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى أذى قَوْمِهِمْ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ عَنْ نُبُوَّتِكَ وما نَزَلَ عَلَيْكَ، ويَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم، وقَدْ زالَ فِيمَن أسْلَمَ مِنهم ما كانَ مُقْتَضِيًا لِكَتْمِ ما عِنْدَهم.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في هَذا بَيانُ ما يَقْلَعُ الشَّكَّ مِن أصْلِهِ ويَذْهَبُ بِهِ بِجُمْلَتِهِ، وهو شَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ الشَّكُّ فِيهِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ في الشّاكِّ هو الحَقُّ الَّذِي لا يُخالِطُهُ باطِلٌ ولا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الِامْتِراءِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ لَهُ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ كَما في مَواطِنَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وهَكَذا القَوْلُ في نَهْيِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ فِيهِ التَّعْرِيضُ ولا سِيَّما بَعْدَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفي هَذا التَّعْرِيضِ مِنَ الزَّجْرِ لِلْمُمْتَرِينَ والمُكَذِّبِينَ ما هو أبْلَغُ وأوْقَعُ مِنَ النَّهْيِ لَهم أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ مِنهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ بِأنَّهم يُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ ويَمُوتُونَ عَلَيْهِ، لا يَقَعُ مِنهُمُ الإيمانُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ وقَعَ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ كَمَن يُؤْمِنُ مِنهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَهو في حُكْمِ العَدَمِ.
﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وحَقَّ مِنهُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ فَيَقَعُ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ ولَيْسَ بِإيمانٍ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " فَهَلّا قَرْيَةٌ " والمَعْنى: فَهَلّا قَرْيَةٌ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ عَذابِهِ ولَمْ تُؤَخِّرْهُ كَما أخَّرَهُ فِرْعَوْنُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ مُنْقَطِعٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ القُرى لِأنَّ المُرادَ أهْلُها، والمَعْنى: لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ المُعايَنَةِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ وقَدْ قالَ بِأنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ مِنهُمُ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، والفَرّاءُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، وانْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ: يَكُونُ المَعْنى غَيْرَ قَوْمِ يُونُسَ، ولَكِنْ حُمِلَتْ إلّا عَلَيْها وتَعَذَّرَ جَعْلُ الإعْرابِ عَلَيْها، فَأُعْرِبَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها بِإعْرابِ غَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خُصَّ قَوْمُ يُونُسَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن (p-٦٤٣)بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَمْ يَقَعِ العَذابُ، وإنَّما رَأوُا العَلامَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى العَذابِ، ولَوْ رَأوْا عَيْنَ العَذابِ لَما نَفَعَهُمُ الإيمانُ، وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.
والمُرادُ بِعَذابِ الخِزْيِ الَّذِي كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهو العَذابُ الَّذِي كانَ قَدْ وعَدَهم يُونُسُ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوْهُ، أوِ الَّذِي قَدْ رَأوْا عَلاماتِهِ دُونَ عَيْنِهِ.
﴿ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم مَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ لَهم.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الإيمانَ وضِدَّهُ كِلاهُما بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم﴾ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ ويَخْتَلِفُونَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: جاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلُّهم " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ( النَّحْلِ: ٥١ ) ولَمّا كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلى إيمانِ جَمِيعِ النّاسِ، أخْبَرَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ الجارِيَةَ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والمَصالِحِ الرّاجِحَةِ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِكَ يا مُحَمَّدُ ولا داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِكَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعٌ لِما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ مِن طَلَبِ صَلاحِ الكُلِّ، الَّذِي لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ صَلاحًا مُحَقَّقًا بَلْ يَكُونُ إلى الفَسادِ أقْرَبَ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ: أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ لِذَلِكَ فَلا يَقَعُ غَيْرُ ما يَشاؤُهُ كائِنًا ما كانَ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الكُفْرَ أوِ الخِذْلانَ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " ونَجْعَلُ " بِالنُّونِ.
وفِي الرِّجْسِ لُغَتانِ ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها، والمُرادُ بِالَّذِينِ لا يَعْقِلُونَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يَتَعَقَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في آياتِهِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ فِيما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ قالَ: بَوَّأهُمُ اللَّهُ الشّامَ وبَيْتَ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَنازِلَ صِدْقٍ مِصْرَ والشّامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ قالَ: العِلْمُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ وأمْرُهُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ.
وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النَّصارى اخْتَلَفُوا عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وهو في السُّنَنِ والمَسانِيدِ، والكَلامُ فِيهِ يَطُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمْ يَشُكَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَسْألْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ - قالَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ - الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا مِن أهْلِ الكِتابِ وآمَنُوا بِهِ، يَقُولُ: سَلْهم إنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِأنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: حَقَّ عَلَيْهِمْ سَخَطُ اللَّهِ بِما عَصَوْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ يَقُولُ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ هَذا في الأُمَمِ قَبْلَ قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ عايَنَتِ العَذابَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فاسْتَثْنى اللَّهُ قَوْمَ يُونُسَ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِنِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَلَمّا فَقَدُوا نَبِيَّهم قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وأخْرَجُوا المَواشِيَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ ووَلَدِها، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَرَفَ اللَّهُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهم، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَما تَدَلّى عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يُونُسَ دَعا قَوْمَهُ، فَلَمّا أبَوْا أنْ يُجِيبُوهُ وعَدَهُمُ العَذابَ، فَقالَ: إنَّهُ يَأْتِيكم يَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهم، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا وعَدَتْ قَوْمَها العَذابَ خَرَجَتْ، فَلَمّا أظَلَّهُمُ العَذابُ خَرَجُوا فَفَرَّقُوا بَيْنَ المَرْأةِ ووَلَدِها، وبَيْنَ السَّخْلَةِ ووَلَدِها، وخَرَجُوا يَعُجُّونَ إلى اللَّهِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَتابَ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَعَدَ يُونُسُ في الطَّرِيقِ يَسْألُ عَنِ الخَبَرِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقالَ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا، فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِّبْتُهم، وانْطَلَقَ مُغاضِبًا: يَعْنِي مُراغِمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ كَما يُغْشى القَبْرُ بِالثَّوْبِ إذا دَخَلَ فِيهِ صاحِبُهُ ومَطَرَتِ السَّماءُ دَمًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ العَذابَ كانَ هَبَطَ عَلى قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، فَلَمّا دَعَوْا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الجَلْدِ قالَ: لَمّا غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟ قالَ: قُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوا فَكُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قالَ: السُّخْطَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الرِّجْسُ: الشَّيْطانُ، والرِّجْسُ العَذابُ.
يونس 10:97
(p-٦٤٢)قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: أسْكَنّا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَنزِلًا: أسْكَنْتُهُ فِيهِ، والمُبَوَّأُ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ عَلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ قاعِدَةُ العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المَنزِلُ المَحْمُودُ المُخْتارُ، قِيلَ: هو أرْضُ مِصْرَ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، وقِيلَ: الشّامُ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ وتَشَعَّبُوا فِيهِ شُعَبًا بَعْدَما كانُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهُمُ الِاخْتِلافُ في الدِّينِ إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ النّازِلُ عَلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا في نَعْتِهِ وصِفَتِهِ، وآمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم وكَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ.
فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ وعَلِمُوا بِها، وعَلى القَوْلِ الثّانِي هُمُ اليَهُودُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحِقَّ بِعَمَلِهِ بِالحَقِّ، والمُبْطِلَ بِعَمَلِهِ بِالباطِلِ.
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الشَّكُّ في أصْلِ اللُّغَةِ: ضَمُّ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ شَكُّ الجَوْهَرِ في العُقْدِ، والشّاكُّ كَأنَّهُ يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ فَيَتَرَدَّدُ ويَتَحَيَّرُ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ غَيْرُهُ كَما ورَدَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قالَ أبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الزّاهِدُ: سَمِعْتُ الإمامَيْنِ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ يَقُولانِ: مَعْنى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكافِرِ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ، وقَدْ كانَ عَبَدَةُ الأوْثانِ يَعْتَرِفُونَ لِلْيَهُودِ بِالعِلْمِ ويُقِرُّونَ بِأنَّهم أعْلَمُ مِنهم، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ أنْ يُرْشِدَ الشّاكِّينَ فِيما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ أنْ يَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ قَدْ أسْلَمُوا، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ هَذا رَسُولُهُ، وأنَّ التَّوْراةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ ناطِقَةٌ بِهِ، وفي هَذا الوَجْهِ مَعَ حُسْنِهِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرَ قاطِعٍ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا بِتَصْدِيقِهِ، بَلْ كانَ في شَكٍّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالخِطابِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا غَيْرُهُ.
والمَعْنى: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَلْحَقُهُ الشَّكُّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ فَسَألْتَ أهْلَ الكِتابِ لَأزالُوا عَنْكَ الشَّكَّ.
وقِيلَ: الشَّكُّ هو ضِيقُ الصَّدْرِ أيْ: إنْ ضاقَ صَدْرُكَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ فاصْبِرْ واسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يُخْبِرُوكَ بِصَبْرِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى أذى قَوْمِهِمْ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ عَنْ نُبُوَّتِكَ وما نَزَلَ عَلَيْكَ، ويَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم، وقَدْ زالَ فِيمَن أسْلَمَ مِنهم ما كانَ مُقْتَضِيًا لِكَتْمِ ما عِنْدَهم.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في هَذا بَيانُ ما يَقْلَعُ الشَّكَّ مِن أصْلِهِ ويَذْهَبُ بِهِ بِجُمْلَتِهِ، وهو شَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ الشَّكُّ فِيهِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ في الشّاكِّ هو الحَقُّ الَّذِي لا يُخالِطُهُ باطِلٌ ولا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الِامْتِراءِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ لَهُ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ كَما في مَواطِنَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وهَكَذا القَوْلُ في نَهْيِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ فِيهِ التَّعْرِيضُ ولا سِيَّما بَعْدَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفي هَذا التَّعْرِيضِ مِنَ الزَّجْرِ لِلْمُمْتَرِينَ والمُكَذِّبِينَ ما هو أبْلَغُ وأوْقَعُ مِنَ النَّهْيِ لَهم أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ مِنهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ بِأنَّهم يُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ ويَمُوتُونَ عَلَيْهِ، لا يَقَعُ مِنهُمُ الإيمانُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ وقَعَ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ كَمَن يُؤْمِنُ مِنهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَهو في حُكْمِ العَدَمِ.
﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وحَقَّ مِنهُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ فَيَقَعُ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ ولَيْسَ بِإيمانٍ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " فَهَلّا قَرْيَةٌ " والمَعْنى: فَهَلّا قَرْيَةٌ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ عَذابِهِ ولَمْ تُؤَخِّرْهُ كَما أخَّرَهُ فِرْعَوْنُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ مُنْقَطِعٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ القُرى لِأنَّ المُرادَ أهْلُها، والمَعْنى: لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ المُعايَنَةِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ وقَدْ قالَ بِأنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ مِنهُمُ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، والفَرّاءُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، وانْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ: يَكُونُ المَعْنى غَيْرَ قَوْمِ يُونُسَ، ولَكِنْ حُمِلَتْ إلّا عَلَيْها وتَعَذَّرَ جَعْلُ الإعْرابِ عَلَيْها، فَأُعْرِبَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها بِإعْرابِ غَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خُصَّ قَوْمُ يُونُسَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن (p-٦٤٣)بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَمْ يَقَعِ العَذابُ، وإنَّما رَأوُا العَلامَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى العَذابِ، ولَوْ رَأوْا عَيْنَ العَذابِ لَما نَفَعَهُمُ الإيمانُ، وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.
والمُرادُ بِعَذابِ الخِزْيِ الَّذِي كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهو العَذابُ الَّذِي كانَ قَدْ وعَدَهم يُونُسُ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوْهُ، أوِ الَّذِي قَدْ رَأوْا عَلاماتِهِ دُونَ عَيْنِهِ.
﴿ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم مَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ لَهم.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الإيمانَ وضِدَّهُ كِلاهُما بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم﴾ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ ويَخْتَلِفُونَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: جاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلُّهم " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ( النَّحْلِ: ٥١ ) ولَمّا كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلى إيمانِ جَمِيعِ النّاسِ، أخْبَرَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ الجارِيَةَ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والمَصالِحِ الرّاجِحَةِ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِكَ يا مُحَمَّدُ ولا داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِكَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعٌ لِما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ مِن طَلَبِ صَلاحِ الكُلِّ، الَّذِي لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ صَلاحًا مُحَقَّقًا بَلْ يَكُونُ إلى الفَسادِ أقْرَبَ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ: أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ لِذَلِكَ فَلا يَقَعُ غَيْرُ ما يَشاؤُهُ كائِنًا ما كانَ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الكُفْرَ أوِ الخِذْلانَ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " ونَجْعَلُ " بِالنُّونِ.
وفِي الرِّجْسِ لُغَتانِ ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها، والمُرادُ بِالَّذِينِ لا يَعْقِلُونَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يَتَعَقَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في آياتِهِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ فِيما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ قالَ: بَوَّأهُمُ اللَّهُ الشّامَ وبَيْتَ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَنازِلَ صِدْقٍ مِصْرَ والشّامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ قالَ: العِلْمُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ وأمْرُهُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ.
وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النَّصارى اخْتَلَفُوا عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وهو في السُّنَنِ والمَسانِيدِ، والكَلامُ فِيهِ يَطُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمْ يَشُكَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَسْألْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ - قالَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ - الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا مِن أهْلِ الكِتابِ وآمَنُوا بِهِ، يَقُولُ: سَلْهم إنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِأنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: حَقَّ عَلَيْهِمْ سَخَطُ اللَّهِ بِما عَصَوْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ يَقُولُ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ هَذا في الأُمَمِ قَبْلَ قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ عايَنَتِ العَذابَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فاسْتَثْنى اللَّهُ قَوْمَ يُونُسَ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِنِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَلَمّا فَقَدُوا نَبِيَّهم قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وأخْرَجُوا المَواشِيَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ ووَلَدِها، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَرَفَ اللَّهُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهم، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَما تَدَلّى عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يُونُسَ دَعا قَوْمَهُ، فَلَمّا أبَوْا أنْ يُجِيبُوهُ وعَدَهُمُ العَذابَ، فَقالَ: إنَّهُ يَأْتِيكم يَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهم، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا وعَدَتْ قَوْمَها العَذابَ خَرَجَتْ، فَلَمّا أظَلَّهُمُ العَذابُ خَرَجُوا فَفَرَّقُوا بَيْنَ المَرْأةِ ووَلَدِها، وبَيْنَ السَّخْلَةِ ووَلَدِها، وخَرَجُوا يَعُجُّونَ إلى اللَّهِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَتابَ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَعَدَ يُونُسُ في الطَّرِيقِ يَسْألُ عَنِ الخَبَرِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقالَ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا، فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِّبْتُهم، وانْطَلَقَ مُغاضِبًا: يَعْنِي مُراغِمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ كَما يُغْشى القَبْرُ بِالثَّوْبِ إذا دَخَلَ فِيهِ صاحِبُهُ ومَطَرَتِ السَّماءُ دَمًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ العَذابَ كانَ هَبَطَ عَلى قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، فَلَمّا دَعَوْا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الجَلْدِ قالَ: لَمّا غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟ قالَ: قُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوا فَكُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قالَ: السُّخْطَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الرِّجْسُ: الشَّيْطانُ، والرِّجْسُ العَذابُ.
يونس 10:98
(p-٦٤٢)قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: أسْكَنّا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَنزِلًا: أسْكَنْتُهُ فِيهِ، والمُبَوَّأُ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ عَلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ قاعِدَةُ العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المَنزِلُ المَحْمُودُ المُخْتارُ، قِيلَ: هو أرْضُ مِصْرَ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، وقِيلَ: الشّامُ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ وتَشَعَّبُوا فِيهِ شُعَبًا بَعْدَما كانُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهُمُ الِاخْتِلافُ في الدِّينِ إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ النّازِلُ عَلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا في نَعْتِهِ وصِفَتِهِ، وآمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم وكَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ.
فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ وعَلِمُوا بِها، وعَلى القَوْلِ الثّانِي هُمُ اليَهُودُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحِقَّ بِعَمَلِهِ بِالحَقِّ، والمُبْطِلَ بِعَمَلِهِ بِالباطِلِ.
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الشَّكُّ في أصْلِ اللُّغَةِ: ضَمُّ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ شَكُّ الجَوْهَرِ في العُقْدِ، والشّاكُّ كَأنَّهُ يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ فَيَتَرَدَّدُ ويَتَحَيَّرُ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ غَيْرُهُ كَما ورَدَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قالَ أبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الزّاهِدُ: سَمِعْتُ الإمامَيْنِ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ يَقُولانِ: مَعْنى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكافِرِ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ، وقَدْ كانَ عَبَدَةُ الأوْثانِ يَعْتَرِفُونَ لِلْيَهُودِ بِالعِلْمِ ويُقِرُّونَ بِأنَّهم أعْلَمُ مِنهم، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ أنْ يُرْشِدَ الشّاكِّينَ فِيما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ أنْ يَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ قَدْ أسْلَمُوا، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ هَذا رَسُولُهُ، وأنَّ التَّوْراةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ ناطِقَةٌ بِهِ، وفي هَذا الوَجْهِ مَعَ حُسْنِهِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرَ قاطِعٍ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا بِتَصْدِيقِهِ، بَلْ كانَ في شَكٍّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالخِطابِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا غَيْرُهُ.
والمَعْنى: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَلْحَقُهُ الشَّكُّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ فَسَألْتَ أهْلَ الكِتابِ لَأزالُوا عَنْكَ الشَّكَّ.
وقِيلَ: الشَّكُّ هو ضِيقُ الصَّدْرِ أيْ: إنْ ضاقَ صَدْرُكَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ فاصْبِرْ واسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يُخْبِرُوكَ بِصَبْرِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى أذى قَوْمِهِمْ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ عَنْ نُبُوَّتِكَ وما نَزَلَ عَلَيْكَ، ويَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم، وقَدْ زالَ فِيمَن أسْلَمَ مِنهم ما كانَ مُقْتَضِيًا لِكَتْمِ ما عِنْدَهم.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في هَذا بَيانُ ما يَقْلَعُ الشَّكَّ مِن أصْلِهِ ويَذْهَبُ بِهِ بِجُمْلَتِهِ، وهو شَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ الشَّكُّ فِيهِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ في الشّاكِّ هو الحَقُّ الَّذِي لا يُخالِطُهُ باطِلٌ ولا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الِامْتِراءِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ لَهُ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ كَما في مَواطِنَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وهَكَذا القَوْلُ في نَهْيِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ فِيهِ التَّعْرِيضُ ولا سِيَّما بَعْدَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفي هَذا التَّعْرِيضِ مِنَ الزَّجْرِ لِلْمُمْتَرِينَ والمُكَذِّبِينَ ما هو أبْلَغُ وأوْقَعُ مِنَ النَّهْيِ لَهم أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ مِنهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ بِأنَّهم يُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ ويَمُوتُونَ عَلَيْهِ، لا يَقَعُ مِنهُمُ الإيمانُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ وقَعَ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ كَمَن يُؤْمِنُ مِنهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَهو في حُكْمِ العَدَمِ.
﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وحَقَّ مِنهُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ فَيَقَعُ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ ولَيْسَ بِإيمانٍ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " فَهَلّا قَرْيَةٌ " والمَعْنى: فَهَلّا قَرْيَةٌ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ عَذابِهِ ولَمْ تُؤَخِّرْهُ كَما أخَّرَهُ فِرْعَوْنُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ مُنْقَطِعٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ القُرى لِأنَّ المُرادَ أهْلُها، والمَعْنى: لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ المُعايَنَةِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ وقَدْ قالَ بِأنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ مِنهُمُ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، والفَرّاءُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، وانْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ: يَكُونُ المَعْنى غَيْرَ قَوْمِ يُونُسَ، ولَكِنْ حُمِلَتْ إلّا عَلَيْها وتَعَذَّرَ جَعْلُ الإعْرابِ عَلَيْها، فَأُعْرِبَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها بِإعْرابِ غَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خُصَّ قَوْمُ يُونُسَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن (p-٦٤٣)بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَمْ يَقَعِ العَذابُ، وإنَّما رَأوُا العَلامَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى العَذابِ، ولَوْ رَأوْا عَيْنَ العَذابِ لَما نَفَعَهُمُ الإيمانُ، وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.
والمُرادُ بِعَذابِ الخِزْيِ الَّذِي كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهو العَذابُ الَّذِي كانَ قَدْ وعَدَهم يُونُسُ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوْهُ، أوِ الَّذِي قَدْ رَأوْا عَلاماتِهِ دُونَ عَيْنِهِ.
﴿ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم مَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ لَهم.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الإيمانَ وضِدَّهُ كِلاهُما بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم﴾ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ ويَخْتَلِفُونَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: جاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلُّهم " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ( النَّحْلِ: ٥١ ) ولَمّا كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلى إيمانِ جَمِيعِ النّاسِ، أخْبَرَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ الجارِيَةَ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والمَصالِحِ الرّاجِحَةِ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِكَ يا مُحَمَّدُ ولا داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِكَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعٌ لِما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ مِن طَلَبِ صَلاحِ الكُلِّ، الَّذِي لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ صَلاحًا مُحَقَّقًا بَلْ يَكُونُ إلى الفَسادِ أقْرَبَ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ: أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ لِذَلِكَ فَلا يَقَعُ غَيْرُ ما يَشاؤُهُ كائِنًا ما كانَ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الكُفْرَ أوِ الخِذْلانَ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " ونَجْعَلُ " بِالنُّونِ.
وفِي الرِّجْسِ لُغَتانِ ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها، والمُرادُ بِالَّذِينِ لا يَعْقِلُونَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يَتَعَقَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في آياتِهِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ فِيما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ قالَ: بَوَّأهُمُ اللَّهُ الشّامَ وبَيْتَ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَنازِلَ صِدْقٍ مِصْرَ والشّامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ قالَ: العِلْمُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ وأمْرُهُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ.
وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النَّصارى اخْتَلَفُوا عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وهو في السُّنَنِ والمَسانِيدِ، والكَلامُ فِيهِ يَطُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمْ يَشُكَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَسْألْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ - قالَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ - الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا مِن أهْلِ الكِتابِ وآمَنُوا بِهِ، يَقُولُ: سَلْهم إنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِأنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: حَقَّ عَلَيْهِمْ سَخَطُ اللَّهِ بِما عَصَوْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ يَقُولُ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ هَذا في الأُمَمِ قَبْلَ قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ عايَنَتِ العَذابَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فاسْتَثْنى اللَّهُ قَوْمَ يُونُسَ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِنِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَلَمّا فَقَدُوا نَبِيَّهم قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وأخْرَجُوا المَواشِيَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ ووَلَدِها، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَرَفَ اللَّهُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهم، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَما تَدَلّى عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يُونُسَ دَعا قَوْمَهُ، فَلَمّا أبَوْا أنْ يُجِيبُوهُ وعَدَهُمُ العَذابَ، فَقالَ: إنَّهُ يَأْتِيكم يَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهم، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا وعَدَتْ قَوْمَها العَذابَ خَرَجَتْ، فَلَمّا أظَلَّهُمُ العَذابُ خَرَجُوا فَفَرَّقُوا بَيْنَ المَرْأةِ ووَلَدِها، وبَيْنَ السَّخْلَةِ ووَلَدِها، وخَرَجُوا يَعُجُّونَ إلى اللَّهِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَتابَ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَعَدَ يُونُسُ في الطَّرِيقِ يَسْألُ عَنِ الخَبَرِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقالَ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا، فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِّبْتُهم، وانْطَلَقَ مُغاضِبًا: يَعْنِي مُراغِمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ كَما يُغْشى القَبْرُ بِالثَّوْبِ إذا دَخَلَ فِيهِ صاحِبُهُ ومَطَرَتِ السَّماءُ دَمًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ العَذابَ كانَ هَبَطَ عَلى قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، فَلَمّا دَعَوْا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الجَلْدِ قالَ: لَمّا غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟ قالَ: قُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوا فَكُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قالَ: السُّخْطَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الرِّجْسُ: الشَّيْطانُ، والرِّجْسُ العَذابُ.
يونس 10:99
(p-٦٤٢)قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: أسْكَنّا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَنزِلًا: أسْكَنْتُهُ فِيهِ، والمُبَوَّأُ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ عَلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ قاعِدَةُ العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المَنزِلُ المَحْمُودُ المُخْتارُ، قِيلَ: هو أرْضُ مِصْرَ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، وقِيلَ: الشّامُ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ وتَشَعَّبُوا فِيهِ شُعَبًا بَعْدَما كانُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهُمُ الِاخْتِلافُ في الدِّينِ إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ النّازِلُ عَلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا في نَعْتِهِ وصِفَتِهِ، وآمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم وكَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ.
فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ وعَلِمُوا بِها، وعَلى القَوْلِ الثّانِي هُمُ اليَهُودُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحِقَّ بِعَمَلِهِ بِالحَقِّ، والمُبْطِلَ بِعَمَلِهِ بِالباطِلِ.
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الشَّكُّ في أصْلِ اللُّغَةِ: ضَمُّ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ شَكُّ الجَوْهَرِ في العُقْدِ، والشّاكُّ كَأنَّهُ يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ فَيَتَرَدَّدُ ويَتَحَيَّرُ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ غَيْرُهُ كَما ورَدَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قالَ أبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الزّاهِدُ: سَمِعْتُ الإمامَيْنِ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ يَقُولانِ: مَعْنى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكافِرِ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ، وقَدْ كانَ عَبَدَةُ الأوْثانِ يَعْتَرِفُونَ لِلْيَهُودِ بِالعِلْمِ ويُقِرُّونَ بِأنَّهم أعْلَمُ مِنهم، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ أنْ يُرْشِدَ الشّاكِّينَ فِيما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ أنْ يَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ قَدْ أسْلَمُوا، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ هَذا رَسُولُهُ، وأنَّ التَّوْراةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ ناطِقَةٌ بِهِ، وفي هَذا الوَجْهِ مَعَ حُسْنِهِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرَ قاطِعٍ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا بِتَصْدِيقِهِ، بَلْ كانَ في شَكٍّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالخِطابِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا غَيْرُهُ.
والمَعْنى: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَلْحَقُهُ الشَّكُّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ فَسَألْتَ أهْلَ الكِتابِ لَأزالُوا عَنْكَ الشَّكَّ.
وقِيلَ: الشَّكُّ هو ضِيقُ الصَّدْرِ أيْ: إنْ ضاقَ صَدْرُكَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ فاصْبِرْ واسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يُخْبِرُوكَ بِصَبْرِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى أذى قَوْمِهِمْ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ عَنْ نُبُوَّتِكَ وما نَزَلَ عَلَيْكَ، ويَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم، وقَدْ زالَ فِيمَن أسْلَمَ مِنهم ما كانَ مُقْتَضِيًا لِكَتْمِ ما عِنْدَهم.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في هَذا بَيانُ ما يَقْلَعُ الشَّكَّ مِن أصْلِهِ ويَذْهَبُ بِهِ بِجُمْلَتِهِ، وهو شَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ الشَّكُّ فِيهِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ في الشّاكِّ هو الحَقُّ الَّذِي لا يُخالِطُهُ باطِلٌ ولا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الِامْتِراءِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ لَهُ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ كَما في مَواطِنَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وهَكَذا القَوْلُ في نَهْيِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ فِيهِ التَّعْرِيضُ ولا سِيَّما بَعْدَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفي هَذا التَّعْرِيضِ مِنَ الزَّجْرِ لِلْمُمْتَرِينَ والمُكَذِّبِينَ ما هو أبْلَغُ وأوْقَعُ مِنَ النَّهْيِ لَهم أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ مِنهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ بِأنَّهم يُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ ويَمُوتُونَ عَلَيْهِ، لا يَقَعُ مِنهُمُ الإيمانُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ وقَعَ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ كَمَن يُؤْمِنُ مِنهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَهو في حُكْمِ العَدَمِ.
﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وحَقَّ مِنهُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ فَيَقَعُ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ ولَيْسَ بِإيمانٍ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " فَهَلّا قَرْيَةٌ " والمَعْنى: فَهَلّا قَرْيَةٌ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ عَذابِهِ ولَمْ تُؤَخِّرْهُ كَما أخَّرَهُ فِرْعَوْنُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ مُنْقَطِعٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ القُرى لِأنَّ المُرادَ أهْلُها، والمَعْنى: لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ المُعايَنَةِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ وقَدْ قالَ بِأنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ مِنهُمُ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، والفَرّاءُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، وانْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ: يَكُونُ المَعْنى غَيْرَ قَوْمِ يُونُسَ، ولَكِنْ حُمِلَتْ إلّا عَلَيْها وتَعَذَّرَ جَعْلُ الإعْرابِ عَلَيْها، فَأُعْرِبَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها بِإعْرابِ غَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خُصَّ قَوْمُ يُونُسَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن (p-٦٤٣)بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَمْ يَقَعِ العَذابُ، وإنَّما رَأوُا العَلامَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى العَذابِ، ولَوْ رَأوْا عَيْنَ العَذابِ لَما نَفَعَهُمُ الإيمانُ، وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.
والمُرادُ بِعَذابِ الخِزْيِ الَّذِي كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهو العَذابُ الَّذِي كانَ قَدْ وعَدَهم يُونُسُ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوْهُ، أوِ الَّذِي قَدْ رَأوْا عَلاماتِهِ دُونَ عَيْنِهِ.
﴿ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم مَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ لَهم.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الإيمانَ وضِدَّهُ كِلاهُما بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم﴾ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ ويَخْتَلِفُونَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: جاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلُّهم " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ( النَّحْلِ: ٥١ ) ولَمّا كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلى إيمانِ جَمِيعِ النّاسِ، أخْبَرَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ الجارِيَةَ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والمَصالِحِ الرّاجِحَةِ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِكَ يا مُحَمَّدُ ولا داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِكَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعٌ لِما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ مِن طَلَبِ صَلاحِ الكُلِّ، الَّذِي لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ صَلاحًا مُحَقَّقًا بَلْ يَكُونُ إلى الفَسادِ أقْرَبَ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ: أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ لِذَلِكَ فَلا يَقَعُ غَيْرُ ما يَشاؤُهُ كائِنًا ما كانَ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الكُفْرَ أوِ الخِذْلانَ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " ونَجْعَلُ " بِالنُّونِ.
وفِي الرِّجْسِ لُغَتانِ ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها، والمُرادُ بِالَّذِينِ لا يَعْقِلُونَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يَتَعَقَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في آياتِهِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ فِيما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ قالَ: بَوَّأهُمُ اللَّهُ الشّامَ وبَيْتَ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَنازِلَ صِدْقٍ مِصْرَ والشّامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ قالَ: العِلْمُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ وأمْرُهُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ.
وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النَّصارى اخْتَلَفُوا عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وهو في السُّنَنِ والمَسانِيدِ، والكَلامُ فِيهِ يَطُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمْ يَشُكَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَسْألْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ - قالَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ - الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا مِن أهْلِ الكِتابِ وآمَنُوا بِهِ، يَقُولُ: سَلْهم إنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِأنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: حَقَّ عَلَيْهِمْ سَخَطُ اللَّهِ بِما عَصَوْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ يَقُولُ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ هَذا في الأُمَمِ قَبْلَ قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ عايَنَتِ العَذابَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فاسْتَثْنى اللَّهُ قَوْمَ يُونُسَ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِنِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَلَمّا فَقَدُوا نَبِيَّهم قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وأخْرَجُوا المَواشِيَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ ووَلَدِها، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَرَفَ اللَّهُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهم، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَما تَدَلّى عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يُونُسَ دَعا قَوْمَهُ، فَلَمّا أبَوْا أنْ يُجِيبُوهُ وعَدَهُمُ العَذابَ، فَقالَ: إنَّهُ يَأْتِيكم يَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهم، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا وعَدَتْ قَوْمَها العَذابَ خَرَجَتْ، فَلَمّا أظَلَّهُمُ العَذابُ خَرَجُوا فَفَرَّقُوا بَيْنَ المَرْأةِ ووَلَدِها، وبَيْنَ السَّخْلَةِ ووَلَدِها، وخَرَجُوا يَعُجُّونَ إلى اللَّهِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَتابَ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَعَدَ يُونُسُ في الطَّرِيقِ يَسْألُ عَنِ الخَبَرِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقالَ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا، فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِّبْتُهم، وانْطَلَقَ مُغاضِبًا: يَعْنِي مُراغِمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ كَما يُغْشى القَبْرُ بِالثَّوْبِ إذا دَخَلَ فِيهِ صاحِبُهُ ومَطَرَتِ السَّماءُ دَمًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ العَذابَ كانَ هَبَطَ عَلى قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، فَلَمّا دَعَوْا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الجَلْدِ قالَ: لَمّا غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟ قالَ: قُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوا فَكُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قالَ: السُّخْطَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الرِّجْسُ: الشَّيْطانُ، والرِّجْسُ العَذابُ.
يونس 10:100
(p-٦٤٢)قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ ما عَدَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: أسْكَنّا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَنزِلًا: أسْكَنْتُهُ فِيهِ، والمُبَوَّأُ اسْمُ مَكانٍ أوْ مَصْدَرٌ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ عَلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ قاعِدَةُ العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا إذا مَدَحُوا شَيْئًا أضافُوهُ إلى الصِّدْقِ، والمُرادُ بِهِ هُنا المَنزِلُ المَحْمُودُ المُخْتارُ، قِيلَ: هو أرْضُ مِصْرَ، وقِيلَ: الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ، وقِيلَ: الشّامُ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ المُسْتَلَذّاتِ مِنَ الرِّزْقِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ وتَشَعَّبُوا فِيهِ شُعَبًا بَعْدَما كانُوا عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُخْتَلِفَةٍ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ لَمْ يَقَعْ مِنهُمُ الِاخْتِلافُ في الدِّينِ إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
وقِيلَ: المَعْنى: أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ النّازِلُ عَلى نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فاخْتَلَفُوا في نَعْتِهِ وصِفَتِهِ، وآمَنَ بِهِ مَن آمَنَ مِنهم وكَفَرَ بِهِ مَن كَفَرَ.
فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هُمُ اليَهُودُ بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ وعَلِمُوا بِها، وعَلى القَوْلِ الثّانِي هُمُ اليَهُودُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، والمُحِقَّ بِعَمَلِهِ بِالحَقِّ، والمُبْطِلَ بِعَمَلِهِ بِالباطِلِ.
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الشَّكُّ في أصْلِ اللُّغَةِ: ضَمُّ الشَّيْءِ بَعْضِهِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ شَكُّ الجَوْهَرِ في العُقْدِ، والشّاكُّ كَأنَّهُ يَضُمُّ إلى ما يَتَوَهَّمُهُ شَيْئًا آخَرَ خِلافَهُ فَيَتَرَدَّدُ ويَتَحَيَّرُ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والمُرادُ غَيْرُهُ كَما ورَدَ في القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
قالَ أبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الواحِدِ الزّاهِدُ: سَمِعْتُ الإمامَيْنِ ثَعْلَبًا والمُبَرِّدَ يَقُولانِ: مَعْنى ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكافِرِ فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ، وقَدْ كانَ عَبَدَةُ الأوْثانِ يَعْتَرِفُونَ لِلْيَهُودِ بِالعِلْمِ ويُقِرُّونَ بِأنَّهم أعْلَمُ مِنهم، فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ أنْ يُرْشِدَ الشّاكِّينَ فِيما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ أنْ يَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ قَدْ أسْلَمُوا، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ هَذا رَسُولُهُ، وأنَّ التَّوْراةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ ناطِقَةٌ بِهِ، وفي هَذا الوَجْهِ مَعَ حُسْنِهِ مُخالَفَةٌ لِلظّاهِرِ.
وقالَ القُتَيْبِيُّ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن كانَ مِنَ الكُفّارِ غَيْرَ قاطِعٍ بِتَكْذِيبِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولا بِتَصْدِيقِهِ، بَلْ كانَ في شَكٍّ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالخِطابِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - لا غَيْرُهُ.
والمَعْنى: لَوْ كُنْتَ مِمَّنْ يَلْحَقُهُ الشَّكُّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ فَسَألْتَ أهْلَ الكِتابِ لَأزالُوا عَنْكَ الشَّكَّ.
وقِيلَ: الشَّكُّ هو ضِيقُ الصَّدْرِ أيْ: إنْ ضاقَ صَدْرُكَ بِكُفْرِ هَؤُلاءِ فاصْبِرْ واسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ يُخْبِرُوكَ بِصَبْرِ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى أذى قَوْمِهِمْ.
وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، فَإنَّهم سَيُخْبِرُونَكَ عَنْ نُبُوَّتِكَ وما نَزَلَ عَلَيْكَ، ويَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم، وقَدْ زالَ فِيمَن أسْلَمَ مِنهم ما كانَ مُقْتَضِيًا لِكَتْمِ ما عِنْدَهم.
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في هَذا بَيانُ ما يَقْلَعُ الشَّكَّ مِن أصْلِهِ ويَذْهَبُ بِهِ بِجُمْلَتِهِ، وهو شَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ هَذا الَّذِي وقَعَ الشَّكُّ فِيهِ عَلى اخْتِلافِ التَّفاسِيرِ في الشّاكِّ هو الحَقُّ الَّذِي لا يُخالِطُهُ باطِلٌ ولا تَشُوبُهُ شُبْهَةٌ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الِامْتِراءِ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ.
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّهْيُ لَهُ تَعْرِيضًا لِغَيْرِهِ كَما في مَواطِنَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ، وهَكَذا القَوْلُ في نَهْيِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ فِيهِ التَّعْرِيضُ ولا سِيَّما بَعْدَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وفي هَذا التَّعْرِيضِ مِنَ الزَّجْرِ لِلْمُمْتَرِينَ والمُكَذِّبِينَ ما هو أبْلَغُ وأوْقَعُ مِنَ النَّهْيِ لَهم أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ إذا كانَ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ مِنهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ قَضاءُ اللَّهِ وقَدَرُهُ بِأنَّهم يُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ ويَمُوتُونَ عَلَيْهِ، لا يَقَعُ مِنهُمُ الإيمانُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنْ وقَعَ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ كَمَن يُؤْمِنُ مِنهم عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ فَهو في حُكْمِ العَدَمِ.
﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وحَقَّ مِنهُ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ فَيَقَعُ مِنهم ما صُورَتُهُ صُورَةُ الإيمانِ ولَيْسَ بِإيمانٍ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾ لَوْلا هَذِهِ هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ وغَيْرُهُما، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " فَهَلّا قَرْيَةٌ " والمَعْنى: فَهَلّا قَرْيَةٌ واحِدَةٌ مِن هَذِهِ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ خالِصًا لِلَّهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ عَذابِهِ ولَمْ تُؤَخِّرْهُ كَما أخَّرَهُ فِرْعَوْنُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ مُنْقَطِعٌ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ القُرى لِأنَّ المُرادَ أهْلُها، والمَعْنى: لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا إيمانًا مُعْتَدًّا بِهِ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ أوْ عِنْدَ أوَّلِ المُعايَنَةِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ﴾ وقَدْ قالَ بِأنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ مِنهُمُ الكِسائِيُّ، والأخْفَشُ، والفَرّاءُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، وانْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ في تَوْجِيهِ الرَّفْعِ: يَكُونُ المَعْنى غَيْرَ قَوْمِ يُونُسَ، ولَكِنْ حُمِلَتْ إلّا عَلَيْها وتَعَذَّرَ جَعْلُ الإعْرابِ عَلَيْها، فَأُعْرِبَ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها بِإعْرابِ غَيْرِهِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: خُصَّ قَوْمُ يُونُسَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن (p-٦٤٣)بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ لَمْ يَقَعِ العَذابُ، وإنَّما رَأوُا العَلامَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى العَذابِ، ولَوْ رَأوْا عَيْنَ العَذابِ لَما نَفَعَهُمُ الإيمانُ، وهَذا أوْلى مِن قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.
والمُرادُ بِعَذابِ الخِزْيِ الَّذِي كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم، وهو العَذابُ الَّذِي كانَ قَدْ وعَدَهم يُونُسُ أنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوْهُ، أوِ الَّذِي قَدْ رَأوْا عَلاماتِهِ دُونَ عَيْنِهِ.
﴿ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ أيْ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم مَتَّعَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا إلى حِينٍ مَعْلُومٍ قَدَّرَهُ لَهم.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ الإيمانَ وضِدَّهُ كِلاهُما بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم﴾ بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْهم أحَدٌ جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَتَفَرَّقُونَ فِيهِ ويَخْتَلِفُونَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي أرادَها اللَّهُ سُبْحانَهُ، وانْتِصابُ جَمِيعًا عَلى الحالِ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ.
قالَ الأخْفَشُ: جاءَ بِقَوْلِهِ " جَمِيعًا " بَعْدَ " كُلُّهم " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ( النَّحْلِ: ٥١ ) ولَمّا كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَرِيصًا عَلى إيمانِ جَمِيعِ النّاسِ، أخْبَرَهُ اللَّهُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ الجارِيَةَ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ والمَصالِحِ الرّاجِحَةِ لا تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِكَ يا مُحَمَّدُ ولا داخِلًا تَحْتَ قُدْرَتِكَ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ودَفْعٌ لِما يَضِيقُ بِهِ صَدْرُهُ مِن طَلَبِ صَلاحِ الكُلِّ، الَّذِي لَوْ كانَ لَمْ يَكُنْ صَلاحًا مُحَقَّقًا بَلْ يَكُونُ إلى الفَسادِ أقْرَبَ، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ إلّا بِإذْنِهِ: أيْ بِتَسْهِيلِهِ وتَيْسِيرِهِ ومَشِيئَتِهِ لِذَلِكَ فَلا يَقَعُ غَيْرُ ما يَشاؤُهُ كائِنًا ما كانَ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيِ العَذابَ أوِ الكُفْرَ أوِ الخِذْلانَ الَّذِي هو سَبَبُ العَذابِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ " ونَجْعَلُ " بِالنُّونِ.
وفِي الرِّجْسِ لُغَتانِ ضَمُّ الرّاءِ وكَسْرُها، والمُرادُ بِالَّذِينِ لا يَعْقِلُونَ: هُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ لا يَتَعَقَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في آياتِهِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ فِيما نَصَبَهُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ قالَ: بَوَّأهُمُ اللَّهُ الشّامَ وبَيْتَ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: مَنازِلَ صِدْقٍ مِصْرَ والشّامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ قالَ: العِلْمُ كِتابُ اللَّهِ الَّذِي أنْزَلَهُ وأمْرُهُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ.
وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النَّصارى اخْتَلَفُوا عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً»، وهو في السُّنَنِ والمَسانِيدِ، والكَلامُ فِيهِ يَطُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمْ يَشُكَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يَسْألْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: لا أشُكُّ ولا أسْألُ» . وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ - قالَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ - الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا مِن أهْلِ الكِتابِ وآمَنُوا بِهِ، يَقُولُ: سَلْهم إنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِأنَّكَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: حَقَّ عَلَيْهِمْ سَخَطُ اللَّهِ بِما عَصَوْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ يَقُولُ: فَما كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَكُنْ هَذا في الأُمَمِ قَبْلَ قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ عايَنَتِ العَذابَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فاسْتَثْنى اللَّهُ قَوْمَ يُونُسَ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِنِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَلَمّا فَقَدُوا نَبِيَّهم قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وأخْرَجُوا المَواشِيَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ ووَلَدِها، فَعَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَرَفَ اللَّهُ الصِّدْقَ مِن قُلُوبِهِمْ والتَّوْبَةَ والنَّدامَةَ عَلى ما مَضى مِنهم، كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَما تَدَلّى عَلَيْهِمْ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ يُونُسَ دَعا قَوْمَهُ، فَلَمّا أبَوْا أنْ يُجِيبُوهُ وعَدَهُمُ العَذابَ، فَقالَ: إنَّهُ يَأْتِيكم يَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهم، وكانَتِ الأنْبِياءُ إذا وعَدَتْ قَوْمَها العَذابَ خَرَجَتْ، فَلَمّا أظَلَّهُمُ العَذابُ خَرَجُوا فَفَرَّقُوا بَيْنَ المَرْأةِ ووَلَدِها، وبَيْنَ السَّخْلَةِ ووَلَدِها، وخَرَجُوا يَعُجُّونَ إلى اللَّهِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ فَتابَ عَلَيْهِمْ وصَرَفَ عَنْهُمُ العَذابَ، وقَعَدَ يُونُسُ في الطَّرِيقِ يَسْألُ عَنِ الخَبَرِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقالَ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟ فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا، فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِّبْتُهم، وانْطَلَقَ مُغاضِبًا: يَعْنِي مُراغِمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ كَما يُغْشى القَبْرُ بِالثَّوْبِ إذا دَخَلَ فِيهِ صاحِبُهُ ومَطَرَتِ السَّماءُ دَمًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ العَذابَ كانَ هَبَطَ عَلى قَوْمِ يُونُسَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، فَلَمّا دَعَوْا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الجَلْدِ قالَ: لَمّا غَشِيَ قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا لَهُ: ما تَرى ؟ قالَ: قُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوا فَكُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ قالَ: السُّخْطَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: الرِّجْسُ: الشَّيْطانُ، والرِّجْسُ العَذابُ.
يونس 10:101
(p-٦٤٤)قَوْلُهُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهَ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، والمُرادُ بِالنَّظَرِ: التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ تَفَكَّرُوا واعْتَبِرُوا بِما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
وماذا مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، أوِ المُبْتَدَأُ ما، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وفي السَّماواتِ والأرْضِ صِلَتُهُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي في السَّماواتِ والأرْضِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ التَّفَكُّرَ والتَّدَبُّرَ في هَذِهِ الدَّلائِلِ لا يَنْفَعُ في حَقِّ مَنِ اسْتَحْكَمَتْ شَقاوَتُهُ فَقالَ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ أيْ ما تَنْفَعُ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ، والآياتُ هي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ، وهُمُ الرُّسُلُ أوْ جَمْعُ إنْذارٍ وهو المَصْدَرُ ﴿عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ هَكَذا لا يُجْدِي فِيهِ شَيْءٌ ولا يَدْفَعُهُ عَنِ الكُفْرِ دافِعٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ فَهَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ المُعاصِرُونَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا مِثْلَ وقائِعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالكُفّارِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، فَقَدْ كانَ الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ يَتَوَعَّدُونَ كُفّارَ زَمانِهِمْ بِأيّامٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أنْواعِ العَذابِ، وهم يُكَذِّبُونَهم ويُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ حَتّى يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَذابَهُ ويُحِلَّ بِهِمُ انْتِقامَهُ، ثُمَّ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَكَ فانْتَظِرُوا أيْ تَرَبَّصُوا لِوَعْدِ رَبِّكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِوَعْدِ رَبِّي، وفي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ بالِغٌ بِأنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ مِنَ الإهْلاكِ.
وثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أهْلَكْنا الأُمَمَ ثُمَّ نَجَّيْنا رُسُلَنا المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ثُمَّ " نُنْجِي " مُخَفَّفًا، وقَرَأ كَذَلِكَ أيْضًا في " حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ " .
ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ وحَفْصٍ في الثّانِيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ: أنْجى يُنْجِي إنْجاءً، ونَجّى يُنَجِّي تَنْجِيَةً بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى رُسُلِنا: أيْ نَجَّيْناهم ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ الحالِ الماضِيَةِ تَهْوِيلًا لِأمْرِها ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا﴾ أيْ حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا، أوْ إنْجاءً مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ حَقًّا ﴿نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ مِن عَذابِنا لِلْكُفّارِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: الجِنْسُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الرُّسُلُ وأتْباعُهم، أوْ يَكُونُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ وهم أتْباعُ الرُّسُلِ، لِأنَّ الرُّسُلَ داخِلُونَ في ذَلِكَ بِالأوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُظْهِرَ التَّبايُنَ بَيْنَ طَرِيقَتِهِ وطَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ، أوْ لِلْكُفّارِ مِنهم، أوْ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينَيِ الَّذِي أنا عَلَيْهِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولَمْ تَعْلَمُوا بِحَقِيقَتِهِ ولا عَرَفْتُمْ صِحَّتَهُ، وأنَّهُ الدِّينُ الحَقُّ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ، فاعْلَمُوا أنِّي بَرِيءٌ مِن أدْيانِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم﴾ أيْ أخُصُّهُ بِالعِبادَةِ لا أعْبُدُ غَيْرَهُ مِن مَعْبُوداتِكم مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، وخَصَّ صِفَةَ المُتَوَفِّي مِن بَيْنِ الصِّفاتِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ لَهم أيْ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم فَيَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، ولِكَوْنِهِ يَدُلُّ عَلى الخَلْقِ أوَّلًا، وعَلى الإعادَةِ ثانِيًا، ولِكَوْنِهِ أشَدَّ الأحْوالِ مَهابَةً في القُلُوبِ، ولِكَوْنِهِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإهْلاكِ والوَقائِعِ النّازِلَةِ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي وعَدَنِي بِإهْلاكِكم.
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ بَيَّنَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالإيمانِ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِأنْ أكُونَ مِن جِنْسِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وأخْلَصَ لَهُ الدِّينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ المَعْطُوفِ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن " أنَّ " الدَّلالَةُ عَلى المَصْدَرِ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، أوْ يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في مَعْنى الإنْشاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْ مُؤْمِنًا ثُمَّ أقِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والثَّباتِ فِيهِ، وعَدَمِ التَّزَلْزُلِ عَنْهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وخَصَّ الوَجْهَ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، أوْ أمَرَهُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ وعَدَمِ التَّحَوُّلِ عَنْها.
وحَنِيفًا حالٌ مِنَ الدِّينِ، أوْ مِنَ الوَجْهِ: أيْ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ إلى دِينِ الإسْلامِ.
ثُمَّ أُكِّدَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى أقِمْ، وهو مِن بابِ التَّعْرِيضِ لِغَيْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ﴾ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ولا تَكُونَنَّ أيْ لا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ بِشَيْءٍ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ إنْ دَعَوْتَهُ، ودُعاءُ مَن كانَ هَكَذا لا يَجْلِبُ نَفْعًا، ولا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ضائِعٍ لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لا يُوجَدُ مَن يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ (p-٦٤٥)إذا كانَ مَوْجُودًا ؟ فَإنَّ العُدُولَ عَنْ دُعاءِ القادِرِ إلى دُعاءِ غَيْرِ القادِرِ أقْبَحُ وأقْبَحُ فَإنْ فَعَلْتَ أيْ فَإنْ دَعَوْتَ، ولَكِنَّهُ كَنّى عَنِ القَوْلِ بِالفِعْلِ ﴿فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ هَذا جَزاءُ الشَّرْطِ أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنَّكَ في عِدادِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الخِطابِ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ إلى آخِرِها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ، فَإنْ أنْزَلَ بِعَبْدِهِ ضَرًّا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَكْشِفَهُ كائِنًا مَن كانَ، بَلْ هو المُخْتَصُّ بِكَشْفِهِ كَما اخْتَصَّ بِإنْزالِهِ ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أيِّ خَيْرٍ كانَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْكَ ويَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ كائِنًا مَن كانَ، وعَبَّرَ بِالفَضْلِ مَكانَ الخَيْرِ لِلْإرْشادِ إلى أنَّهُ يَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ بِما لا يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ هو مِنَ القَلْبِ، وأصْلُهُ وإنْ يُرِدْ بِكَ الخَيْرَ، ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ جازَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وفي تَخْصِيصِ الإرادَةِ بِجانِبِ الخَيْرِ، والمَسِّ بِجانِبِ الشَّرِّ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَيْرَ يَصْدُرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِالذّاتِ، والشَّرَّ بِالعَرَضِ.
قُلْتُ: وفي هَذا نَظَرٌ، فَإنَّ المَسَّ هو أمْرٌ وراءَ الإرادَةِ فَهو مُسْتَلْزِمٌ لَها، والضَّمِيرُ في يُصِيبُ بِهِ راجِعٌ إلى فَضْلِهِ أيْ: يُصِيبُ بِفَضْلِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْيِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وضَرَرُ كُفْرِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّاهُ، ولَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا غَرَضٌ يَعُودُ إلَيْهِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ بِحَفِيظٍ يَحْفَظُ أُمُورَكم وتُوكَلُ إلَيْهِ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَّبِعَ ما أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي يُشَرِّعُها اللَّهُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذى الكُفّارِ، وما يُلاقِيهِ مِن مَشاقِّ التَّبْلِيغِ، وما يُعانِيهِ مِن تَلَوُّنِ أخْلاقِ المُشْرِكِينَ وتَعَجْرُفِهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ الصَّبْرَ مُمْتَدًّا إلى غايَةٍ هي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ أيْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ لَهُ عَلَيْهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِعَذابِهِمْ بِالنّارِ، وهم يُشاهِدُونَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هو وأُمَّتُهُ، المُتَّبِعُونَ لَهُ المُؤْمِنُونَ بِهِ، العامِلُونَ بِما يَأْمُرُهم بِهِ، المُنْتَهُونَ عَمّا يَنْهاهم عَنْهُ، يَتَقَلَّبُونَ في نَعِيمِ الجَنَّةِ الَّذِي لا يَنْفَدُ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُوقَفُ عَلى أدْنى مَزاياهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ﴾ يَقُولُ: عِنْدَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ نَسَخَتْ قَوْلَهُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: وقائِعُ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ، قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ ونِقْمَتَهُ وعُقُوبَتَهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ إذا وقَعَ مِن ذَلِكَ أمْرٌ نَجّى اللَّهُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَقُولُ: بِعافِيَةٍ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ في كِتابِ اللَّهِ اكْتَفَيْتُ بِهِنَّ عَنْ جَمِيعِ الخَلائِقِ: أوَّلُهُنَّ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾، والثّانِيَةُ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر: ٢]، والثّالِثَةُ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ قالَ: هو الحَقُّ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ، أمَرَهُ بِجِهادِهِمْ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ.
يونس 10:102
(p-٦٤٤)قَوْلُهُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهَ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، والمُرادُ بِالنَّظَرِ: التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ تَفَكَّرُوا واعْتَبِرُوا بِما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
وماذا مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، أوِ المُبْتَدَأُ ما، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وفي السَّماواتِ والأرْضِ صِلَتُهُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي في السَّماواتِ والأرْضِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ التَّفَكُّرَ والتَّدَبُّرَ في هَذِهِ الدَّلائِلِ لا يَنْفَعُ في حَقِّ مَنِ اسْتَحْكَمَتْ شَقاوَتُهُ فَقالَ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ أيْ ما تَنْفَعُ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ، والآياتُ هي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ، وهُمُ الرُّسُلُ أوْ جَمْعُ إنْذارٍ وهو المَصْدَرُ ﴿عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ هَكَذا لا يُجْدِي فِيهِ شَيْءٌ ولا يَدْفَعُهُ عَنِ الكُفْرِ دافِعٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ فَهَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ المُعاصِرُونَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا مِثْلَ وقائِعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالكُفّارِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، فَقَدْ كانَ الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ يَتَوَعَّدُونَ كُفّارَ زَمانِهِمْ بِأيّامٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أنْواعِ العَذابِ، وهم يُكَذِّبُونَهم ويُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ حَتّى يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَذابَهُ ويُحِلَّ بِهِمُ انْتِقامَهُ، ثُمَّ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَكَ فانْتَظِرُوا أيْ تَرَبَّصُوا لِوَعْدِ رَبِّكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِوَعْدِ رَبِّي، وفي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ بالِغٌ بِأنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ مِنَ الإهْلاكِ.
وثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أهْلَكْنا الأُمَمَ ثُمَّ نَجَّيْنا رُسُلَنا المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ثُمَّ " نُنْجِي " مُخَفَّفًا، وقَرَأ كَذَلِكَ أيْضًا في " حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ " .
ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ وحَفْصٍ في الثّانِيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ: أنْجى يُنْجِي إنْجاءً، ونَجّى يُنَجِّي تَنْجِيَةً بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى رُسُلِنا: أيْ نَجَّيْناهم ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ الحالِ الماضِيَةِ تَهْوِيلًا لِأمْرِها ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا﴾ أيْ حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا، أوْ إنْجاءً مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ حَقًّا ﴿نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ مِن عَذابِنا لِلْكُفّارِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: الجِنْسُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الرُّسُلُ وأتْباعُهم، أوْ يَكُونُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ وهم أتْباعُ الرُّسُلِ، لِأنَّ الرُّسُلَ داخِلُونَ في ذَلِكَ بِالأوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُظْهِرَ التَّبايُنَ بَيْنَ طَرِيقَتِهِ وطَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ، أوْ لِلْكُفّارِ مِنهم، أوْ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينَيِ الَّذِي أنا عَلَيْهِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولَمْ تَعْلَمُوا بِحَقِيقَتِهِ ولا عَرَفْتُمْ صِحَّتَهُ، وأنَّهُ الدِّينُ الحَقُّ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ، فاعْلَمُوا أنِّي بَرِيءٌ مِن أدْيانِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم﴾ أيْ أخُصُّهُ بِالعِبادَةِ لا أعْبُدُ غَيْرَهُ مِن مَعْبُوداتِكم مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، وخَصَّ صِفَةَ المُتَوَفِّي مِن بَيْنِ الصِّفاتِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ لَهم أيْ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم فَيَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، ولِكَوْنِهِ يَدُلُّ عَلى الخَلْقِ أوَّلًا، وعَلى الإعادَةِ ثانِيًا، ولِكَوْنِهِ أشَدَّ الأحْوالِ مَهابَةً في القُلُوبِ، ولِكَوْنِهِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإهْلاكِ والوَقائِعِ النّازِلَةِ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي وعَدَنِي بِإهْلاكِكم.
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ بَيَّنَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالإيمانِ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِأنْ أكُونَ مِن جِنْسِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وأخْلَصَ لَهُ الدِّينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ المَعْطُوفِ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن " أنَّ " الدَّلالَةُ عَلى المَصْدَرِ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، أوْ يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في مَعْنى الإنْشاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْ مُؤْمِنًا ثُمَّ أقِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والثَّباتِ فِيهِ، وعَدَمِ التَّزَلْزُلِ عَنْهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وخَصَّ الوَجْهَ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، أوْ أمَرَهُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ وعَدَمِ التَّحَوُّلِ عَنْها.
وحَنِيفًا حالٌ مِنَ الدِّينِ، أوْ مِنَ الوَجْهِ: أيْ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ إلى دِينِ الإسْلامِ.
ثُمَّ أُكِّدَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى أقِمْ، وهو مِن بابِ التَّعْرِيضِ لِغَيْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ﴾ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ولا تَكُونَنَّ أيْ لا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ بِشَيْءٍ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ إنْ دَعَوْتَهُ، ودُعاءُ مَن كانَ هَكَذا لا يَجْلِبُ نَفْعًا، ولا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ضائِعٍ لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لا يُوجَدُ مَن يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ (p-٦٤٥)إذا كانَ مَوْجُودًا ؟ فَإنَّ العُدُولَ عَنْ دُعاءِ القادِرِ إلى دُعاءِ غَيْرِ القادِرِ أقْبَحُ وأقْبَحُ فَإنْ فَعَلْتَ أيْ فَإنْ دَعَوْتَ، ولَكِنَّهُ كَنّى عَنِ القَوْلِ بِالفِعْلِ ﴿فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ هَذا جَزاءُ الشَّرْطِ أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنَّكَ في عِدادِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الخِطابِ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ إلى آخِرِها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ، فَإنْ أنْزَلَ بِعَبْدِهِ ضَرًّا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَكْشِفَهُ كائِنًا مَن كانَ، بَلْ هو المُخْتَصُّ بِكَشْفِهِ كَما اخْتَصَّ بِإنْزالِهِ ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أيِّ خَيْرٍ كانَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْكَ ويَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ كائِنًا مَن كانَ، وعَبَّرَ بِالفَضْلِ مَكانَ الخَيْرِ لِلْإرْشادِ إلى أنَّهُ يَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ بِما لا يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ هو مِنَ القَلْبِ، وأصْلُهُ وإنْ يُرِدْ بِكَ الخَيْرَ، ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ جازَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وفي تَخْصِيصِ الإرادَةِ بِجانِبِ الخَيْرِ، والمَسِّ بِجانِبِ الشَّرِّ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَيْرَ يَصْدُرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِالذّاتِ، والشَّرَّ بِالعَرَضِ.
قُلْتُ: وفي هَذا نَظَرٌ، فَإنَّ المَسَّ هو أمْرٌ وراءَ الإرادَةِ فَهو مُسْتَلْزِمٌ لَها، والضَّمِيرُ في يُصِيبُ بِهِ راجِعٌ إلى فَضْلِهِ أيْ: يُصِيبُ بِفَضْلِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْيِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وضَرَرُ كُفْرِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّاهُ، ولَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا غَرَضٌ يَعُودُ إلَيْهِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ بِحَفِيظٍ يَحْفَظُ أُمُورَكم وتُوكَلُ إلَيْهِ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَّبِعَ ما أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي يُشَرِّعُها اللَّهُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذى الكُفّارِ، وما يُلاقِيهِ مِن مَشاقِّ التَّبْلِيغِ، وما يُعانِيهِ مِن تَلَوُّنِ أخْلاقِ المُشْرِكِينَ وتَعَجْرُفِهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ الصَّبْرَ مُمْتَدًّا إلى غايَةٍ هي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ أيْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ لَهُ عَلَيْهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِعَذابِهِمْ بِالنّارِ، وهم يُشاهِدُونَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هو وأُمَّتُهُ، المُتَّبِعُونَ لَهُ المُؤْمِنُونَ بِهِ، العامِلُونَ بِما يَأْمُرُهم بِهِ، المُنْتَهُونَ عَمّا يَنْهاهم عَنْهُ، يَتَقَلَّبُونَ في نَعِيمِ الجَنَّةِ الَّذِي لا يَنْفَدُ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُوقَفُ عَلى أدْنى مَزاياهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ﴾ يَقُولُ: عِنْدَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ نَسَخَتْ قَوْلَهُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: وقائِعُ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ، قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ ونِقْمَتَهُ وعُقُوبَتَهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ إذا وقَعَ مِن ذَلِكَ أمْرٌ نَجّى اللَّهُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَقُولُ: بِعافِيَةٍ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ في كِتابِ اللَّهِ اكْتَفَيْتُ بِهِنَّ عَنْ جَمِيعِ الخَلائِقِ: أوَّلُهُنَّ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾، والثّانِيَةُ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر: ٢]، والثّالِثَةُ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ قالَ: هو الحَقُّ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ، أمَرَهُ بِجِهادِهِمْ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ.
يونس 10:103
(p-٦٤٤)قَوْلُهُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهَ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، والمُرادُ بِالنَّظَرِ: التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ تَفَكَّرُوا واعْتَبِرُوا بِما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
وماذا مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، أوِ المُبْتَدَأُ ما، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وفي السَّماواتِ والأرْضِ صِلَتُهُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي في السَّماواتِ والأرْضِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ التَّفَكُّرَ والتَّدَبُّرَ في هَذِهِ الدَّلائِلِ لا يَنْفَعُ في حَقِّ مَنِ اسْتَحْكَمَتْ شَقاوَتُهُ فَقالَ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ أيْ ما تَنْفَعُ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ، والآياتُ هي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ، وهُمُ الرُّسُلُ أوْ جَمْعُ إنْذارٍ وهو المَصْدَرُ ﴿عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ هَكَذا لا يُجْدِي فِيهِ شَيْءٌ ولا يَدْفَعُهُ عَنِ الكُفْرِ دافِعٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ فَهَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ المُعاصِرُونَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا مِثْلَ وقائِعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالكُفّارِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، فَقَدْ كانَ الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ يَتَوَعَّدُونَ كُفّارَ زَمانِهِمْ بِأيّامٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أنْواعِ العَذابِ، وهم يُكَذِّبُونَهم ويُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ حَتّى يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَذابَهُ ويُحِلَّ بِهِمُ انْتِقامَهُ، ثُمَّ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَكَ فانْتَظِرُوا أيْ تَرَبَّصُوا لِوَعْدِ رَبِّكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِوَعْدِ رَبِّي، وفي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ بالِغٌ بِأنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ مِنَ الإهْلاكِ.
وثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أهْلَكْنا الأُمَمَ ثُمَّ نَجَّيْنا رُسُلَنا المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ثُمَّ " نُنْجِي " مُخَفَّفًا، وقَرَأ كَذَلِكَ أيْضًا في " حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ " .
ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ وحَفْصٍ في الثّانِيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ: أنْجى يُنْجِي إنْجاءً، ونَجّى يُنَجِّي تَنْجِيَةً بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى رُسُلِنا: أيْ نَجَّيْناهم ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ الحالِ الماضِيَةِ تَهْوِيلًا لِأمْرِها ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا﴾ أيْ حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا، أوْ إنْجاءً مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ حَقًّا ﴿نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ مِن عَذابِنا لِلْكُفّارِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: الجِنْسُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الرُّسُلُ وأتْباعُهم، أوْ يَكُونُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ وهم أتْباعُ الرُّسُلِ، لِأنَّ الرُّسُلَ داخِلُونَ في ذَلِكَ بِالأوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُظْهِرَ التَّبايُنَ بَيْنَ طَرِيقَتِهِ وطَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ، أوْ لِلْكُفّارِ مِنهم، أوْ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينَيِ الَّذِي أنا عَلَيْهِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولَمْ تَعْلَمُوا بِحَقِيقَتِهِ ولا عَرَفْتُمْ صِحَّتَهُ، وأنَّهُ الدِّينُ الحَقُّ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ، فاعْلَمُوا أنِّي بَرِيءٌ مِن أدْيانِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم﴾ أيْ أخُصُّهُ بِالعِبادَةِ لا أعْبُدُ غَيْرَهُ مِن مَعْبُوداتِكم مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، وخَصَّ صِفَةَ المُتَوَفِّي مِن بَيْنِ الصِّفاتِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ لَهم أيْ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم فَيَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، ولِكَوْنِهِ يَدُلُّ عَلى الخَلْقِ أوَّلًا، وعَلى الإعادَةِ ثانِيًا، ولِكَوْنِهِ أشَدَّ الأحْوالِ مَهابَةً في القُلُوبِ، ولِكَوْنِهِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإهْلاكِ والوَقائِعِ النّازِلَةِ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي وعَدَنِي بِإهْلاكِكم.
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ بَيَّنَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالإيمانِ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِأنْ أكُونَ مِن جِنْسِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وأخْلَصَ لَهُ الدِّينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ المَعْطُوفِ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن " أنَّ " الدَّلالَةُ عَلى المَصْدَرِ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، أوْ يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في مَعْنى الإنْشاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْ مُؤْمِنًا ثُمَّ أقِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والثَّباتِ فِيهِ، وعَدَمِ التَّزَلْزُلِ عَنْهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وخَصَّ الوَجْهَ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، أوْ أمَرَهُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ وعَدَمِ التَّحَوُّلِ عَنْها.
وحَنِيفًا حالٌ مِنَ الدِّينِ، أوْ مِنَ الوَجْهِ: أيْ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ إلى دِينِ الإسْلامِ.
ثُمَّ أُكِّدَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى أقِمْ، وهو مِن بابِ التَّعْرِيضِ لِغَيْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ﴾ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ولا تَكُونَنَّ أيْ لا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ بِشَيْءٍ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ إنْ دَعَوْتَهُ، ودُعاءُ مَن كانَ هَكَذا لا يَجْلِبُ نَفْعًا، ولا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ضائِعٍ لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لا يُوجَدُ مَن يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ (p-٦٤٥)إذا كانَ مَوْجُودًا ؟ فَإنَّ العُدُولَ عَنْ دُعاءِ القادِرِ إلى دُعاءِ غَيْرِ القادِرِ أقْبَحُ وأقْبَحُ فَإنْ فَعَلْتَ أيْ فَإنْ دَعَوْتَ، ولَكِنَّهُ كَنّى عَنِ القَوْلِ بِالفِعْلِ ﴿فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ هَذا جَزاءُ الشَّرْطِ أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنَّكَ في عِدادِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الخِطابِ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ إلى آخِرِها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ، فَإنْ أنْزَلَ بِعَبْدِهِ ضَرًّا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَكْشِفَهُ كائِنًا مَن كانَ، بَلْ هو المُخْتَصُّ بِكَشْفِهِ كَما اخْتَصَّ بِإنْزالِهِ ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أيِّ خَيْرٍ كانَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْكَ ويَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ كائِنًا مَن كانَ، وعَبَّرَ بِالفَضْلِ مَكانَ الخَيْرِ لِلْإرْشادِ إلى أنَّهُ يَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ بِما لا يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ هو مِنَ القَلْبِ، وأصْلُهُ وإنْ يُرِدْ بِكَ الخَيْرَ، ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ جازَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وفي تَخْصِيصِ الإرادَةِ بِجانِبِ الخَيْرِ، والمَسِّ بِجانِبِ الشَّرِّ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَيْرَ يَصْدُرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِالذّاتِ، والشَّرَّ بِالعَرَضِ.
قُلْتُ: وفي هَذا نَظَرٌ، فَإنَّ المَسَّ هو أمْرٌ وراءَ الإرادَةِ فَهو مُسْتَلْزِمٌ لَها، والضَّمِيرُ في يُصِيبُ بِهِ راجِعٌ إلى فَضْلِهِ أيْ: يُصِيبُ بِفَضْلِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْيِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وضَرَرُ كُفْرِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّاهُ، ولَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا غَرَضٌ يَعُودُ إلَيْهِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ بِحَفِيظٍ يَحْفَظُ أُمُورَكم وتُوكَلُ إلَيْهِ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَّبِعَ ما أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي يُشَرِّعُها اللَّهُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذى الكُفّارِ، وما يُلاقِيهِ مِن مَشاقِّ التَّبْلِيغِ، وما يُعانِيهِ مِن تَلَوُّنِ أخْلاقِ المُشْرِكِينَ وتَعَجْرُفِهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ الصَّبْرَ مُمْتَدًّا إلى غايَةٍ هي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ أيْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ لَهُ عَلَيْهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِعَذابِهِمْ بِالنّارِ، وهم يُشاهِدُونَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هو وأُمَّتُهُ، المُتَّبِعُونَ لَهُ المُؤْمِنُونَ بِهِ، العامِلُونَ بِما يَأْمُرُهم بِهِ، المُنْتَهُونَ عَمّا يَنْهاهم عَنْهُ، يَتَقَلَّبُونَ في نَعِيمِ الجَنَّةِ الَّذِي لا يَنْفَدُ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُوقَفُ عَلى أدْنى مَزاياهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ﴾ يَقُولُ: عِنْدَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ نَسَخَتْ قَوْلَهُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: وقائِعُ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ، قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ ونِقْمَتَهُ وعُقُوبَتَهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ إذا وقَعَ مِن ذَلِكَ أمْرٌ نَجّى اللَّهُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَقُولُ: بِعافِيَةٍ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ في كِتابِ اللَّهِ اكْتَفَيْتُ بِهِنَّ عَنْ جَمِيعِ الخَلائِقِ: أوَّلُهُنَّ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾، والثّانِيَةُ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر: ٢]، والثّالِثَةُ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ قالَ: هو الحَقُّ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ، أمَرَهُ بِجِهادِهِمْ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ.
يونس 10:104
(p-٦٤٤)قَوْلُهُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهَ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، والمُرادُ بِالنَّظَرِ: التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ تَفَكَّرُوا واعْتَبِرُوا بِما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
وماذا مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، أوِ المُبْتَدَأُ ما، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وفي السَّماواتِ والأرْضِ صِلَتُهُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي في السَّماواتِ والأرْضِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ التَّفَكُّرَ والتَّدَبُّرَ في هَذِهِ الدَّلائِلِ لا يَنْفَعُ في حَقِّ مَنِ اسْتَحْكَمَتْ شَقاوَتُهُ فَقالَ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ أيْ ما تَنْفَعُ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ، والآياتُ هي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ، وهُمُ الرُّسُلُ أوْ جَمْعُ إنْذارٍ وهو المَصْدَرُ ﴿عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ هَكَذا لا يُجْدِي فِيهِ شَيْءٌ ولا يَدْفَعُهُ عَنِ الكُفْرِ دافِعٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ فَهَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ المُعاصِرُونَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا مِثْلَ وقائِعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالكُفّارِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، فَقَدْ كانَ الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ يَتَوَعَّدُونَ كُفّارَ زَمانِهِمْ بِأيّامٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أنْواعِ العَذابِ، وهم يُكَذِّبُونَهم ويُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ حَتّى يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَذابَهُ ويُحِلَّ بِهِمُ انْتِقامَهُ، ثُمَّ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَكَ فانْتَظِرُوا أيْ تَرَبَّصُوا لِوَعْدِ رَبِّكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِوَعْدِ رَبِّي، وفي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ بالِغٌ بِأنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ مِنَ الإهْلاكِ.
وثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أهْلَكْنا الأُمَمَ ثُمَّ نَجَّيْنا رُسُلَنا المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ثُمَّ " نُنْجِي " مُخَفَّفًا، وقَرَأ كَذَلِكَ أيْضًا في " حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ " .
ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ وحَفْصٍ في الثّانِيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ: أنْجى يُنْجِي إنْجاءً، ونَجّى يُنَجِّي تَنْجِيَةً بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى رُسُلِنا: أيْ نَجَّيْناهم ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ الحالِ الماضِيَةِ تَهْوِيلًا لِأمْرِها ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا﴾ أيْ حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا، أوْ إنْجاءً مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ حَقًّا ﴿نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ مِن عَذابِنا لِلْكُفّارِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: الجِنْسُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الرُّسُلُ وأتْباعُهم، أوْ يَكُونُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ وهم أتْباعُ الرُّسُلِ، لِأنَّ الرُّسُلَ داخِلُونَ في ذَلِكَ بِالأوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُظْهِرَ التَّبايُنَ بَيْنَ طَرِيقَتِهِ وطَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ، أوْ لِلْكُفّارِ مِنهم، أوْ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينَيِ الَّذِي أنا عَلَيْهِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولَمْ تَعْلَمُوا بِحَقِيقَتِهِ ولا عَرَفْتُمْ صِحَّتَهُ، وأنَّهُ الدِّينُ الحَقُّ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ، فاعْلَمُوا أنِّي بَرِيءٌ مِن أدْيانِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم﴾ أيْ أخُصُّهُ بِالعِبادَةِ لا أعْبُدُ غَيْرَهُ مِن مَعْبُوداتِكم مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، وخَصَّ صِفَةَ المُتَوَفِّي مِن بَيْنِ الصِّفاتِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ لَهم أيْ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم فَيَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، ولِكَوْنِهِ يَدُلُّ عَلى الخَلْقِ أوَّلًا، وعَلى الإعادَةِ ثانِيًا، ولِكَوْنِهِ أشَدَّ الأحْوالِ مَهابَةً في القُلُوبِ، ولِكَوْنِهِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإهْلاكِ والوَقائِعِ النّازِلَةِ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي وعَدَنِي بِإهْلاكِكم.
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ بَيَّنَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالإيمانِ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِأنْ أكُونَ مِن جِنْسِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وأخْلَصَ لَهُ الدِّينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ المَعْطُوفِ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن " أنَّ " الدَّلالَةُ عَلى المَصْدَرِ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، أوْ يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في مَعْنى الإنْشاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْ مُؤْمِنًا ثُمَّ أقِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والثَّباتِ فِيهِ، وعَدَمِ التَّزَلْزُلِ عَنْهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وخَصَّ الوَجْهَ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، أوْ أمَرَهُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ وعَدَمِ التَّحَوُّلِ عَنْها.
وحَنِيفًا حالٌ مِنَ الدِّينِ، أوْ مِنَ الوَجْهِ: أيْ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ إلى دِينِ الإسْلامِ.
ثُمَّ أُكِّدَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى أقِمْ، وهو مِن بابِ التَّعْرِيضِ لِغَيْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ﴾ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ولا تَكُونَنَّ أيْ لا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ بِشَيْءٍ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ إنْ دَعَوْتَهُ، ودُعاءُ مَن كانَ هَكَذا لا يَجْلِبُ نَفْعًا، ولا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ضائِعٍ لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لا يُوجَدُ مَن يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ (p-٦٤٥)إذا كانَ مَوْجُودًا ؟ فَإنَّ العُدُولَ عَنْ دُعاءِ القادِرِ إلى دُعاءِ غَيْرِ القادِرِ أقْبَحُ وأقْبَحُ فَإنْ فَعَلْتَ أيْ فَإنْ دَعَوْتَ، ولَكِنَّهُ كَنّى عَنِ القَوْلِ بِالفِعْلِ ﴿فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ هَذا جَزاءُ الشَّرْطِ أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنَّكَ في عِدادِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الخِطابِ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ إلى آخِرِها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ، فَإنْ أنْزَلَ بِعَبْدِهِ ضَرًّا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَكْشِفَهُ كائِنًا مَن كانَ، بَلْ هو المُخْتَصُّ بِكَشْفِهِ كَما اخْتَصَّ بِإنْزالِهِ ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أيِّ خَيْرٍ كانَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْكَ ويَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ كائِنًا مَن كانَ، وعَبَّرَ بِالفَضْلِ مَكانَ الخَيْرِ لِلْإرْشادِ إلى أنَّهُ يَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ بِما لا يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ هو مِنَ القَلْبِ، وأصْلُهُ وإنْ يُرِدْ بِكَ الخَيْرَ، ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ جازَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وفي تَخْصِيصِ الإرادَةِ بِجانِبِ الخَيْرِ، والمَسِّ بِجانِبِ الشَّرِّ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَيْرَ يَصْدُرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِالذّاتِ، والشَّرَّ بِالعَرَضِ.
قُلْتُ: وفي هَذا نَظَرٌ، فَإنَّ المَسَّ هو أمْرٌ وراءَ الإرادَةِ فَهو مُسْتَلْزِمٌ لَها، والضَّمِيرُ في يُصِيبُ بِهِ راجِعٌ إلى فَضْلِهِ أيْ: يُصِيبُ بِفَضْلِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْيِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وضَرَرُ كُفْرِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّاهُ، ولَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا غَرَضٌ يَعُودُ إلَيْهِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ بِحَفِيظٍ يَحْفَظُ أُمُورَكم وتُوكَلُ إلَيْهِ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَّبِعَ ما أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي يُشَرِّعُها اللَّهُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذى الكُفّارِ، وما يُلاقِيهِ مِن مَشاقِّ التَّبْلِيغِ، وما يُعانِيهِ مِن تَلَوُّنِ أخْلاقِ المُشْرِكِينَ وتَعَجْرُفِهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ الصَّبْرَ مُمْتَدًّا إلى غايَةٍ هي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ أيْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ لَهُ عَلَيْهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِعَذابِهِمْ بِالنّارِ، وهم يُشاهِدُونَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هو وأُمَّتُهُ، المُتَّبِعُونَ لَهُ المُؤْمِنُونَ بِهِ، العامِلُونَ بِما يَأْمُرُهم بِهِ، المُنْتَهُونَ عَمّا يَنْهاهم عَنْهُ، يَتَقَلَّبُونَ في نَعِيمِ الجَنَّةِ الَّذِي لا يَنْفَدُ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُوقَفُ عَلى أدْنى مَزاياهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ﴾ يَقُولُ: عِنْدَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ نَسَخَتْ قَوْلَهُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: وقائِعُ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ، قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ ونِقْمَتَهُ وعُقُوبَتَهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ إذا وقَعَ مِن ذَلِكَ أمْرٌ نَجّى اللَّهُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَقُولُ: بِعافِيَةٍ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ في كِتابِ اللَّهِ اكْتَفَيْتُ بِهِنَّ عَنْ جَمِيعِ الخَلائِقِ: أوَّلُهُنَّ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾، والثّانِيَةُ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر: ٢]، والثّالِثَةُ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ قالَ: هو الحَقُّ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ، أمَرَهُ بِجِهادِهِمْ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ.
يونس 10:105
(p-٦٤٤)قَوْلُهُ: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهَ أنَّ الإيمانَ لا يَحْصُلُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أمَرَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، والمُرادُ بِالنَّظَرِ: التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ تَفَكَّرُوا واعْتَبِرُوا بِما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ.
وماذا مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، أوِ المُبْتَدَأُ ما، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وفي السَّماواتِ والأرْضِ صِلَتُهُ، والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ: أيْ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي في السَّماواتِ والأرْضِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ التَّفَكُّرَ والتَّدَبُّرَ في هَذِهِ الدَّلائِلِ لا يَنْفَعُ في حَقِّ مَنِ اسْتَحْكَمَتْ شَقاوَتُهُ فَقالَ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ أيْ ما تَنْفَعُ عَلى أنَّ ما نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ، والآياتُ هي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والنُّذُرُ جَمْعُ نَذِيرٍ، وهُمُ الرُّسُلُ أوْ جَمْعُ إنْذارٍ وهو المَصْدَرُ ﴿عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ هَكَذا لا يُجْدِي فِيهِ شَيْءٌ ولا يَدْفَعُهُ عَنِ الكُفْرِ دافِعٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ فَهَلْ يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ المُعاصِرُونَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلّا مِثْلَ وقائِعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالكُفّارِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ، فَقَدْ كانَ الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ يَتَوَعَّدُونَ كُفّارَ زَمانِهِمْ بِأيّامٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أنْواعِ العَذابِ، وهم يُكَذِّبُونَهم ويُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ حَتّى يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَذابَهُ ويُحِلَّ بِهِمُ انْتِقامَهُ، ثُمَّ قالَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَكَ فانْتَظِرُوا أيْ تَرَبَّصُوا لِوَعْدِ رَبِّكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ لِوَعْدِ رَبِّي، وفي هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ووَعِيدٌ بالِغٌ بِأنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ مِنَ الإهْلاكِ.
وثُمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أهْلَكْنا الأُمَمَ ثُمَّ نَجَّيْنا رُسُلَنا المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ثُمَّ " نُنْجِي " مُخَفَّفًا، وقَرَأ كَذَلِكَ أيْضًا في " حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ " .
ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ وحَفْصٍ في الثّانِيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ: أنْجى يُنْجِي إنْجاءً، ونَجّى يُنَجِّي تَنْجِيَةً بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى رُسُلِنا: أيْ نَجَّيْناهم ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ الحالِ الماضِيَةِ تَهْوِيلًا لِأمْرِها ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا﴾ أيْ حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا، أوْ إنْجاءً مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ حَقًّا ﴿نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾ مِن عَذابِنا لِلْكُفّارِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: الجِنْسُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الرُّسُلُ وأتْباعُهم، أوْ يَكُونُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ وهم أتْباعُ الرُّسُلِ، لِأنَّ الرُّسُلَ داخِلُونَ في ذَلِكَ بِالأوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ أمَرَ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُظْهِرَ التَّبايُنَ بَيْنَ طَرِيقَتِهِ وطَرِيقَةِ المُشْرِكِينَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ النّاسِ، أوْ لِلْكُفّارِ مِنهم، أوْ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى الخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينَيِ الَّذِي أنا عَلَيْهِ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولَمْ تَعْلَمُوا بِحَقِيقَتِهِ ولا عَرَفْتُمْ صِحَّتَهُ، وأنَّهُ الدِّينُ الحَقُّ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ، فاعْلَمُوا أنِّي بَرِيءٌ مِن أدْيانِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم﴾ أيْ أخُصُّهُ بِالعِبادَةِ لا أعْبُدُ غَيْرَهُ مِن مَعْبُوداتِكم مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، وخَصَّ صِفَةَ المُتَوَفِّي مِن بَيْنِ الصِّفاتِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ لَهم أيْ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم فَيَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ، ولِكَوْنِهِ يَدُلُّ عَلى الخَلْقِ أوَّلًا، وعَلى الإعادَةِ ثانِيًا، ولِكَوْنِهِ أشَدَّ الأحْوالِ مَهابَةً في القُلُوبِ، ولِكَوْنِهِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الإهْلاكِ والوَقائِعِ النّازِلَةِ بِالكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي وعَدَنِي بِإهْلاكِكم.
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ بَيَّنَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالإيمانِ فَقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِأنْ أكُونَ مِن جِنْسِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وأخْلَصَ لَهُ الدِّينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ المَعْطُوفِ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن " أنَّ " الدَّلالَةُ عَلى المَصْدَرِ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، أوْ يَكُونُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ في مَعْنى الإنْشاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُنْ مُؤْمِنًا ثُمَّ أقِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمَرَهُ بِالِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والثَّباتِ فِيهِ، وعَدَمِ التَّزَلْزُلِ عَنْهُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وخَصَّ الوَجْهَ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، أوْ أمَرَهُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ وعَدَمِ التَّحَوُّلِ عَنْها.
وحَنِيفًا حالٌ مِنَ الدِّينِ، أوْ مِنَ الوَجْهِ: أيْ مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ إلى دِينِ الإسْلامِ.
ثُمَّ أُكِّدَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى أقِمْ، وهو مِن بابِ التَّعْرِيضِ لِغَيْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - .
قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ﴾ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى ولا تَكُونَنَّ أيْ لا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ بِشَيْءٍ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ إنْ دَعَوْتَهُ، ودُعاءُ مَن كانَ هَكَذا لا يَجْلِبُ نَفْعًا، ولا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ضائِعٍ لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لا يُوجَدُ مَن يَقْدِرُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ (p-٦٤٥)إذا كانَ مَوْجُودًا ؟ فَإنَّ العُدُولَ عَنْ دُعاءِ القادِرِ إلى دُعاءِ غَيْرِ القادِرِ أقْبَحُ وأقْبَحُ فَإنْ فَعَلْتَ أيْ فَإنْ دَعَوْتَ، ولَكِنَّهُ كَنّى عَنِ القَوْلِ بِالفِعْلِ ﴿فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ هَذا جَزاءُ الشَّرْطِ أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنَّكَ في عِدادِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الخِطابِ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ إلى آخِرِها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الضّارُّ النّافِعُ، فَإنْ أنْزَلَ بِعَبْدِهِ ضَرًّا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَكْشِفَهُ كائِنًا مَن كانَ، بَلْ هو المُخْتَصُّ بِكَشْفِهِ كَما اخْتَصَّ بِإنْزالِهِ ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ أيِّ خَيْرٍ كانَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْكَ ويَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ كائِنًا مَن كانَ، وعَبَّرَ بِالفَضْلِ مَكانَ الخَيْرِ لِلْإرْشادِ إلى أنَّهُ يَتَفَضَّلُ عَلى عِبادِهِ بِما لا يَسْتَحِقُّونَهُ بِأعْمالِهِمْ.
قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ هو مِنَ القَلْبِ، وأصْلُهُ وإنْ يُرِدْ بِكَ الخَيْرَ، ولَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ جازَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وفي تَخْصِيصِ الإرادَةِ بِجانِبِ الخَيْرِ، والمَسِّ بِجانِبِ الشَّرِّ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَيْرَ يَصْدُرُ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِالذّاتِ، والشَّرَّ بِالعَرَضِ.
قُلْتُ: وفي هَذا نَظَرٌ، فَإنَّ المَسَّ هو أمْرٌ وراءَ الإرادَةِ فَهو مُسْتَلْزِمٌ لَها، والضَّمِيرُ في يُصِيبُ بِهِ راجِعٌ إلى فَضْلِهِ أيْ: يُصِيبُ بِفَضْلِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْيِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ خَتَمَ هَذِهِ السُّورَةَ بِما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ، فَقالَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، وضَرَرُ كُفْرِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ لا يَتَعَدّاهُ، ولَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا غَرَضٌ يَعُودُ إلَيْهِ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ بِحَفِيظٍ يَحْفَظُ أُمُورَكم وتُوكَلُ إلَيْهِ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ.
ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يَتَّبِعَ ما أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي يُشَرِّعُها اللَّهُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلى أذى الكُفّارِ، وما يُلاقِيهِ مِن مَشاقِّ التَّبْلِيغِ، وما يُعانِيهِ مِن تَلَوُّنِ أخْلاقِ المُشْرِكِينَ وتَعَجْرُفِهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ الصَّبْرَ مُمْتَدًّا إلى غايَةٍ هي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ أيْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ لَهُ عَلَيْهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِعَذابِهِمْ بِالنّارِ، وهم يُشاهِدُونَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - هو وأُمَّتُهُ، المُتَّبِعُونَ لَهُ المُؤْمِنُونَ بِهِ، العامِلُونَ بِما يَأْمُرُهم بِهِ، المُنْتَهُونَ عَمّا يَنْهاهم عَنْهُ، يَتَقَلَّبُونَ في نَعِيمِ الجَنَّةِ الَّذِي لا يَنْفَدُ، ولا يُمْكِنُ وصْفُهُ، ولا يُوقَفُ عَلى أدْنى مَزاياهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ﴾ يَقُولُ: عِنْدَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ نَسَخَتْ قَوْلَهُ: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: وقائِعُ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ، قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: خَوَّفَهم عَذابَهُ ونِقْمَتَهُ وعُقُوبَتَهُ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّهُ إذا وقَعَ مِن ذَلِكَ أمْرٌ نَجّى اللَّهُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يَقُولُ: بِعافِيَةٍ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: ثَلاثُ آياتٍ في كِتابِ اللَّهِ اكْتَفَيْتُ بِهِنَّ عَنْ جَمِيعِ الخَلائِقِ: أوَّلُهُنَّ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾، والثّانِيَةُ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر: ٢]، والثّالِثَةُ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ قالَ: هو الحَقُّ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ قالَ: هَذا مَنسُوخٌ، أمَرَهُ بِجِهادِهِمْ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ.