Fath Al-Qadir Al-Shawkani — يونس 10:50 – يونس 10:77
المحتويات
يونس 10:50
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ هَذا مِنهُ سُبْحانَهُ تَزْيِيفٌ لِرَأْيِ الكُفّارِ في اسْتِعْجالِ العَذابِ بَعْدَ التَّزْيِيفِ الأوَّلِ: أيْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَياتًا أيْ وقْتَ بَياتٍ، والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُونَ فِيهِ ويَنامُونَ ويَغْفُلُونَ عَنِ التَّحَرُّزِ، والبَياتُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ اسْمُ مَصْدَرٍ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وكَذَلِكَ ( نَهارًا ) أيْ: وقْتَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ، والضَّمِيرُ في ( مِنهُ ) راجِعٌ إلى العَذابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ لِلْإنْكارِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ووَجْهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمْ أنَّ العَذابَ مَكْرُوهٌ تَنْفِرُ مِنهُ القُلُوبُ وتَأْباهُ الطَّبائِعُ فَما المُقْتَضى لِاسْتِعْجالِهِمْ لَهُ ؟ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ جَوابُ الشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ مِنكم فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ ( يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ )، ولَمْ يَقُلْ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إجْرامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ كَما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْخِمُ أمْرًا إذا طَلَبَهُ: ماذا تَجْنِي عَلى نَفْسِكَ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الزَّجّاجُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنهُ إنْ عادَ إلى العَذابِ كانَ لَكَ في ماذا تَقْدِيرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
والتَّقْدِيرُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، وإنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ في مِنهُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ ماذا شَيْئًا واحِدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَعْجِلُ )، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ: أيْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ودُخُولُ الهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ عَلى " ثُمَّ " كَدُخُولِها عَلى الواوِ والفاءِ، وهي لِإنْكارِ إيمانِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ، وهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ وتَفْظِيعِ ما فَعَلُوهُ في غَيْرِ وقْتِهِ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ في وقْتِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ والدَّفْعُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وجِيءَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، وجِيءَ بِإذا مَعَ زِيادَةِ " ما " لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الإيمانِ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ زِيادَةَ اسْتِجْهالٍ لَهم.
والمَعْنى: أبَعْدَ ما وقَعَ عَذابُ اللَّهِ عَلَيْكم، وحَلَّ بِكم سَخَطُهُ وانْتِقامُهُ آمَنتُمْ حِينَ لا يَنْفَعُكم هَذا الإيمانُ شَيْئًا، ولا يَدْفَعُ عَنْكم ضَرًّا، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وأنَّها مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإزْراءً عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: إنَّ ( ثَمَّ ) هاهُنا هي بِفَتْحِ الثّاءِ فَتَكُونُ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى هُناكَ، والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم: أيْ قِيلَ: لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ أيْ: بِالعَذابِ تَكْذِيبًا مِنكم واسْتِهْزاءً، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ: التَّوْبِيخُ لَهم والِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ والإزْراءُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقُرِئَ " آلانَ " بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، قِيلَ: آلْآنَ، والمُرادُ مِنهُ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم أيْ قِيلَ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ: إنَّ هَذا (p-٦٢٩)الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، عارٍ عَنِ النَّفْعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ.
ويُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ والَّتِي قَبْلَها قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلى الخُصُوصِ، أوِ المُؤْمِنُونَ عَلى العُمُومِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الحَياةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَأنَّهُ يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وحُلُولِ النِّقْمَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ البالِغَةِ، والجَواباتِ عَنْ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ: أنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا تارَةً أُخْرى عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم والإنْكارِ، أحَقٌّ ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ والآجِلِ، وهَذا السُّؤالُ مِنهم جَهْلٌ مَحْضٌ، وظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم مَعَ الجَوابِ عَلَيْهِ، فَصَنِيعُهم في هَذا التَّكْرِيرِ صَنِيعُ مَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْبارِ مِنهم هو عَنْ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وارْتِفاعُ ( حَقٌّ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ هو الضَّمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَنْبِئُونَكَ )، وقُرِئَ " آلْحَقُّ هو " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمُ الخارِجِ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ: أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما هو مَقْصُودُهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾: أيْ نَعَمْ ورَبِّي إنَّ ما أعِدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ لَحَقٌّ ثابِتٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: القَسَمُ مَعَ دُخُولِ الحِرَفِ الخاصِّ بِالقَسَمِ الواقِعِ مَوْقِعَ نَعَمْ، الثّانِي: دُخُولُ إنَّ المُؤَكِّدَةِ، الثّالِثُ: اللّامُ في ( لَحَقٌّ )، الرّابِعُ: اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإنْكارِ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأشَدِّ تَوَعُّدٍ، ورَهَّبَهم بِأعْظَمِ تَرْهِيبٍ، فَقالَ:﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ والتَّحَيُّلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والمُكابَرَةِ الَّتِي لا تَدْفَعُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ خُلُوصِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ المُتَّصِفَةِ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ، ما في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ الأمْوالِ النَّفِيسَةِ، والذَّخائِرِ الفائِقَةِ، لافْتَدَتْ بِهِ: أيْ جَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبأ: ٣٣] الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأنْفُسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
ومَعْنى أسَرُّوا: أخْفَوْا أيْ: لَمْ يُظْهِرُوا النَّدامَةَ بَلْ أخْفَوْها لِما قَدْ شاهَدُوهُ في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِمّا سَلَبَ عُقُولَهم، وذَهَبَ بِتَجَلُّدِهِمْ، ويُمْكِنُ أنَّهُ بَقِيَ فِيهِمْ وهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ عِرْقٌ يَنْزِعُهم إلى العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، فَأسَرُّوا النَّدامَةَ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أسَرَّها الرُّؤَساءُ فِيما بَيْنَهم دُونَ أتْباعِهِمْ خَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ لَهم لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الإسْلامِ، ووُقُوعُ هَذا مِنهم كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وأمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا: أظْهَرُوا، وقِيلَ: وجَدُوا ألَمَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ النَّدامَةَ لا يُمْكِنُ إظْهارُها، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيْرٍ:
؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي
وذَكَرَ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها بَدَتْ في وُجُوهِهِمْ أسِرَّةُ النَّدامَةِ، وهي الِانْكِسارُ، واحِدُها سِرارٌ، وجَمْعُها أسارِيرُ، والثّانِي: ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها، لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، ولَمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِـ ( أسَرُّوا )، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، أوْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، أوْ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ الكُفّارِ والمَظْلُومِينَ، وقِيلَ: مَعْنى القَضاءِ بَيْنَهم: إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ مَن مَلَكَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَصَرَّفَ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِداءَ الكُفّارِ بِما في الأرْضِ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِافْتِداءِ بِهِ، وقِيلَ: لَمّا أقْسَمَ عَلى حَقِّيَةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أرادَ أنْ يَصْحَبَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البُرْهانِ البَيِّنِ بِأنَّ ما في العالَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مَلِكُهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، وإيقاظٌ لِلذّاهِلِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ العَذابِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحِرَفِ التَّنْبِيهِ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ صَلاحُهم فَيَعْمَلُونَ بِهِ، وما فِيهِ فَسادُهم فَيَجْتَنِبُونَهُ.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَهَبُ الحَياةَ ويَسْلُبُها ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فِيهِ ما يَتَّعِظُ بِهِ مَن قَرَأهُ وعَرَفَ مَعْناهُ، والوَعْظُ في الأصْلِ: هو التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ سَواءٌ كانَ (p-٦٣٠)بِالتَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، والواعِظُ هو كالطَّبِيبِ يَنْهى المَرِيضَ عَمّا يَضُرُّهُ، و( مِن ) في مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهو ( جاءَتْكم )، فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ تَبْعِيضِيَّةً ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الشُّكُوكِ الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ المُرْتابِينَ لِوُجُودِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، واشْتِمالِهِ عَلى تَزْيِيفِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والهُدى: الإرْشادُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وتَفَكَّرَ فِيهِ، وتَدَبَّرَ مَعانِيَهُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ، والرَّحْمَةُ: هي ما يُوجَدُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، فَيَطْلُبُها مَن أرادَ ذَلِكَ حَتّى يَنالَها، فالقُرْآنُ العَظِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الخِطابَ مَعَهُ بَعْدَ خِطابِهِ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ، فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ المُرادُ بِالفَضْلِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو تَفَضُّلُهُ عَلى عِبادِهِ في الآجِلِ والعاجِلِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، والرَّحْمَةُ: رَحْمَتُهُ لَهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: الإسْلامُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإيمانُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ.
والأوْلى حَمْلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما في القُرْآنِ مِنهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الكَلامِ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ حُذِفَ هَذا الفِعْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عَلَيْهِ، قِيلَ: والفاءُ في هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِالفَرَحِ.
وتَكْرِيرُ الباءِ في ( بِرَحْمَتِهِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في الفَرَحِ، والفَرَحُ: هو اللَّذَّةُ في القَلْبِ بِسَبَبِ إدْراكِ المَطْلُوبِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الفَرَحَ في مُواطِنَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وكَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: جاءَتْكُمُ، والتَّقْدِيرُ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ أيْ: فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ويَعْقُوبُ " فَلْتَفْرَحُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ في هو خَيْرٌ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، أوْ إلى المَجِيءِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ والمَعْنى: أنَّ هَذا خَيْرٌ لَهم مِمّا يَجْمَعُونَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وقَدْ قُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ " مُطابَقَةً لِلْقِراءَةِ بِها في " فَلْتَفْرَحُوا " .
وقَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ لامَ الأمْرِ تُحْذَفُ مَعَ الخِطابِ إلّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، جاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في يَجْمَعُونَ كَما قَرَءُوا في " فَلْيَفْرَحُوا " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ "، والتَّحْتِيَّةِ في " فَلْيَفْرَحُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَوَصَفَ لَهُ الخَمْرَ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما جَعَلَ اللَّهُ في رِجْسٍ شِفاءً، إنَّما الشِّفاءُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ والعَسَلِ، فَهُما شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وشِفاءٌ لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي، فَقالَ: اقْرَأِ القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ: شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَ حَلْقِهِ قالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ والعَسَلِ، فالقُرْآنُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، والعَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ قالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ البَراءِ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ وبِالإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ حِينَ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ.
يونس 10:51
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ هَذا مِنهُ سُبْحانَهُ تَزْيِيفٌ لِرَأْيِ الكُفّارِ في اسْتِعْجالِ العَذابِ بَعْدَ التَّزْيِيفِ الأوَّلِ: أيْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَياتًا أيْ وقْتَ بَياتٍ، والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُونَ فِيهِ ويَنامُونَ ويَغْفُلُونَ عَنِ التَّحَرُّزِ، والبَياتُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ اسْمُ مَصْدَرٍ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وكَذَلِكَ ( نَهارًا ) أيْ: وقْتَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ، والضَّمِيرُ في ( مِنهُ ) راجِعٌ إلى العَذابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ لِلْإنْكارِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ووَجْهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمْ أنَّ العَذابَ مَكْرُوهٌ تَنْفِرُ مِنهُ القُلُوبُ وتَأْباهُ الطَّبائِعُ فَما المُقْتَضى لِاسْتِعْجالِهِمْ لَهُ ؟ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ جَوابُ الشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ مِنكم فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ ( يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ )، ولَمْ يَقُلْ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إجْرامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ كَما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْخِمُ أمْرًا إذا طَلَبَهُ: ماذا تَجْنِي عَلى نَفْسِكَ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الزَّجّاجُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنهُ إنْ عادَ إلى العَذابِ كانَ لَكَ في ماذا تَقْدِيرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
والتَّقْدِيرُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، وإنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ في مِنهُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ ماذا شَيْئًا واحِدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَعْجِلُ )، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ: أيْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ودُخُولُ الهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ عَلى " ثُمَّ " كَدُخُولِها عَلى الواوِ والفاءِ، وهي لِإنْكارِ إيمانِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ، وهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ وتَفْظِيعِ ما فَعَلُوهُ في غَيْرِ وقْتِهِ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ في وقْتِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ والدَّفْعُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وجِيءَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، وجِيءَ بِإذا مَعَ زِيادَةِ " ما " لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الإيمانِ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ زِيادَةَ اسْتِجْهالٍ لَهم.
والمَعْنى: أبَعْدَ ما وقَعَ عَذابُ اللَّهِ عَلَيْكم، وحَلَّ بِكم سَخَطُهُ وانْتِقامُهُ آمَنتُمْ حِينَ لا يَنْفَعُكم هَذا الإيمانُ شَيْئًا، ولا يَدْفَعُ عَنْكم ضَرًّا، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وأنَّها مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإزْراءً عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: إنَّ ( ثَمَّ ) هاهُنا هي بِفَتْحِ الثّاءِ فَتَكُونُ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى هُناكَ، والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم: أيْ قِيلَ: لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ أيْ: بِالعَذابِ تَكْذِيبًا مِنكم واسْتِهْزاءً، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ: التَّوْبِيخُ لَهم والِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ والإزْراءُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقُرِئَ " آلانَ " بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، قِيلَ: آلْآنَ، والمُرادُ مِنهُ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم أيْ قِيلَ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ: إنَّ هَذا (p-٦٢٩)الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، عارٍ عَنِ النَّفْعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ.
ويُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ والَّتِي قَبْلَها قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلى الخُصُوصِ، أوِ المُؤْمِنُونَ عَلى العُمُومِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الحَياةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَأنَّهُ يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وحُلُولِ النِّقْمَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ البالِغَةِ، والجَواباتِ عَنْ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ: أنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا تارَةً أُخْرى عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم والإنْكارِ، أحَقٌّ ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ والآجِلِ، وهَذا السُّؤالُ مِنهم جَهْلٌ مَحْضٌ، وظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم مَعَ الجَوابِ عَلَيْهِ، فَصَنِيعُهم في هَذا التَّكْرِيرِ صَنِيعُ مَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْبارِ مِنهم هو عَنْ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وارْتِفاعُ ( حَقٌّ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ هو الضَّمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَنْبِئُونَكَ )، وقُرِئَ " آلْحَقُّ هو " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمُ الخارِجِ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ: أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما هو مَقْصُودُهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾: أيْ نَعَمْ ورَبِّي إنَّ ما أعِدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ لَحَقٌّ ثابِتٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: القَسَمُ مَعَ دُخُولِ الحِرَفِ الخاصِّ بِالقَسَمِ الواقِعِ مَوْقِعَ نَعَمْ، الثّانِي: دُخُولُ إنَّ المُؤَكِّدَةِ، الثّالِثُ: اللّامُ في ( لَحَقٌّ )، الرّابِعُ: اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإنْكارِ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأشَدِّ تَوَعُّدٍ، ورَهَّبَهم بِأعْظَمِ تَرْهِيبٍ، فَقالَ:﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ والتَّحَيُّلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والمُكابَرَةِ الَّتِي لا تَدْفَعُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ خُلُوصِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ المُتَّصِفَةِ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ، ما في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ الأمْوالِ النَّفِيسَةِ، والذَّخائِرِ الفائِقَةِ، لافْتَدَتْ بِهِ: أيْ جَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبأ: ٣٣] الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأنْفُسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
ومَعْنى أسَرُّوا: أخْفَوْا أيْ: لَمْ يُظْهِرُوا النَّدامَةَ بَلْ أخْفَوْها لِما قَدْ شاهَدُوهُ في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِمّا سَلَبَ عُقُولَهم، وذَهَبَ بِتَجَلُّدِهِمْ، ويُمْكِنُ أنَّهُ بَقِيَ فِيهِمْ وهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ عِرْقٌ يَنْزِعُهم إلى العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، فَأسَرُّوا النَّدامَةَ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أسَرَّها الرُّؤَساءُ فِيما بَيْنَهم دُونَ أتْباعِهِمْ خَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ لَهم لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الإسْلامِ، ووُقُوعُ هَذا مِنهم كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وأمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا: أظْهَرُوا، وقِيلَ: وجَدُوا ألَمَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ النَّدامَةَ لا يُمْكِنُ إظْهارُها، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيْرٍ:
؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي
وذَكَرَ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها بَدَتْ في وُجُوهِهِمْ أسِرَّةُ النَّدامَةِ، وهي الِانْكِسارُ، واحِدُها سِرارٌ، وجَمْعُها أسارِيرُ، والثّانِي: ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها، لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، ولَمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِـ ( أسَرُّوا )، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، أوْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، أوْ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ الكُفّارِ والمَظْلُومِينَ، وقِيلَ: مَعْنى القَضاءِ بَيْنَهم: إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ مَن مَلَكَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَصَرَّفَ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِداءَ الكُفّارِ بِما في الأرْضِ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِافْتِداءِ بِهِ، وقِيلَ: لَمّا أقْسَمَ عَلى حَقِّيَةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أرادَ أنْ يَصْحَبَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البُرْهانِ البَيِّنِ بِأنَّ ما في العالَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مَلِكُهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، وإيقاظٌ لِلذّاهِلِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ العَذابِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحِرَفِ التَّنْبِيهِ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ صَلاحُهم فَيَعْمَلُونَ بِهِ، وما فِيهِ فَسادُهم فَيَجْتَنِبُونَهُ.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَهَبُ الحَياةَ ويَسْلُبُها ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فِيهِ ما يَتَّعِظُ بِهِ مَن قَرَأهُ وعَرَفَ مَعْناهُ، والوَعْظُ في الأصْلِ: هو التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ سَواءٌ كانَ (p-٦٣٠)بِالتَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، والواعِظُ هو كالطَّبِيبِ يَنْهى المَرِيضَ عَمّا يَضُرُّهُ، و( مِن ) في مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهو ( جاءَتْكم )، فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ تَبْعِيضِيَّةً ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الشُّكُوكِ الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ المُرْتابِينَ لِوُجُودِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، واشْتِمالِهِ عَلى تَزْيِيفِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والهُدى: الإرْشادُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وتَفَكَّرَ فِيهِ، وتَدَبَّرَ مَعانِيَهُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ، والرَّحْمَةُ: هي ما يُوجَدُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، فَيَطْلُبُها مَن أرادَ ذَلِكَ حَتّى يَنالَها، فالقُرْآنُ العَظِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الخِطابَ مَعَهُ بَعْدَ خِطابِهِ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ، فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ المُرادُ بِالفَضْلِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو تَفَضُّلُهُ عَلى عِبادِهِ في الآجِلِ والعاجِلِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، والرَّحْمَةُ: رَحْمَتُهُ لَهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: الإسْلامُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإيمانُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ.
والأوْلى حَمْلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما في القُرْآنِ مِنهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الكَلامِ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ حُذِفَ هَذا الفِعْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عَلَيْهِ، قِيلَ: والفاءُ في هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِالفَرَحِ.
وتَكْرِيرُ الباءِ في ( بِرَحْمَتِهِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في الفَرَحِ، والفَرَحُ: هو اللَّذَّةُ في القَلْبِ بِسَبَبِ إدْراكِ المَطْلُوبِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الفَرَحَ في مُواطِنَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وكَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: جاءَتْكُمُ، والتَّقْدِيرُ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ أيْ: فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ويَعْقُوبُ " فَلْتَفْرَحُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ في هو خَيْرٌ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، أوْ إلى المَجِيءِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ والمَعْنى: أنَّ هَذا خَيْرٌ لَهم مِمّا يَجْمَعُونَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وقَدْ قُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ " مُطابَقَةً لِلْقِراءَةِ بِها في " فَلْتَفْرَحُوا " .
وقَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ لامَ الأمْرِ تُحْذَفُ مَعَ الخِطابِ إلّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، جاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في يَجْمَعُونَ كَما قَرَءُوا في " فَلْيَفْرَحُوا " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ "، والتَّحْتِيَّةِ في " فَلْيَفْرَحُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَوَصَفَ لَهُ الخَمْرَ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما جَعَلَ اللَّهُ في رِجْسٍ شِفاءً، إنَّما الشِّفاءُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ والعَسَلِ، فَهُما شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وشِفاءٌ لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي، فَقالَ: اقْرَأِ القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ: شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَ حَلْقِهِ قالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ والعَسَلِ، فالقُرْآنُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، والعَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ قالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ البَراءِ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ وبِالإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ حِينَ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ.
يونس 10:52
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ هَذا مِنهُ سُبْحانَهُ تَزْيِيفٌ لِرَأْيِ الكُفّارِ في اسْتِعْجالِ العَذابِ بَعْدَ التَّزْيِيفِ الأوَّلِ: أيْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَياتًا أيْ وقْتَ بَياتٍ، والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُونَ فِيهِ ويَنامُونَ ويَغْفُلُونَ عَنِ التَّحَرُّزِ، والبَياتُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ اسْمُ مَصْدَرٍ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وكَذَلِكَ ( نَهارًا ) أيْ: وقْتَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ، والضَّمِيرُ في ( مِنهُ ) راجِعٌ إلى العَذابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ لِلْإنْكارِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ووَجْهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمْ أنَّ العَذابَ مَكْرُوهٌ تَنْفِرُ مِنهُ القُلُوبُ وتَأْباهُ الطَّبائِعُ فَما المُقْتَضى لِاسْتِعْجالِهِمْ لَهُ ؟ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ جَوابُ الشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ مِنكم فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ ( يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ )، ولَمْ يَقُلْ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إجْرامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ كَما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْخِمُ أمْرًا إذا طَلَبَهُ: ماذا تَجْنِي عَلى نَفْسِكَ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الزَّجّاجُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنهُ إنْ عادَ إلى العَذابِ كانَ لَكَ في ماذا تَقْدِيرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
والتَّقْدِيرُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، وإنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ في مِنهُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ ماذا شَيْئًا واحِدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَعْجِلُ )، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ: أيْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ودُخُولُ الهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ عَلى " ثُمَّ " كَدُخُولِها عَلى الواوِ والفاءِ، وهي لِإنْكارِ إيمانِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ، وهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ وتَفْظِيعِ ما فَعَلُوهُ في غَيْرِ وقْتِهِ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ في وقْتِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ والدَّفْعُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وجِيءَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، وجِيءَ بِإذا مَعَ زِيادَةِ " ما " لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الإيمانِ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ زِيادَةَ اسْتِجْهالٍ لَهم.
والمَعْنى: أبَعْدَ ما وقَعَ عَذابُ اللَّهِ عَلَيْكم، وحَلَّ بِكم سَخَطُهُ وانْتِقامُهُ آمَنتُمْ حِينَ لا يَنْفَعُكم هَذا الإيمانُ شَيْئًا، ولا يَدْفَعُ عَنْكم ضَرًّا، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وأنَّها مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإزْراءً عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: إنَّ ( ثَمَّ ) هاهُنا هي بِفَتْحِ الثّاءِ فَتَكُونُ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى هُناكَ، والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم: أيْ قِيلَ: لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ أيْ: بِالعَذابِ تَكْذِيبًا مِنكم واسْتِهْزاءً، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ: التَّوْبِيخُ لَهم والِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ والإزْراءُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقُرِئَ " آلانَ " بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، قِيلَ: آلْآنَ، والمُرادُ مِنهُ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم أيْ قِيلَ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ: إنَّ هَذا (p-٦٢٩)الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، عارٍ عَنِ النَّفْعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ.
ويُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ والَّتِي قَبْلَها قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلى الخُصُوصِ، أوِ المُؤْمِنُونَ عَلى العُمُومِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الحَياةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَأنَّهُ يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وحُلُولِ النِّقْمَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ البالِغَةِ، والجَواباتِ عَنْ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ: أنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا تارَةً أُخْرى عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم والإنْكارِ، أحَقٌّ ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ والآجِلِ، وهَذا السُّؤالُ مِنهم جَهْلٌ مَحْضٌ، وظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم مَعَ الجَوابِ عَلَيْهِ، فَصَنِيعُهم في هَذا التَّكْرِيرِ صَنِيعُ مَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْبارِ مِنهم هو عَنْ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وارْتِفاعُ ( حَقٌّ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ هو الضَّمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَنْبِئُونَكَ )، وقُرِئَ " آلْحَقُّ هو " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمُ الخارِجِ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ: أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما هو مَقْصُودُهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾: أيْ نَعَمْ ورَبِّي إنَّ ما أعِدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ لَحَقٌّ ثابِتٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: القَسَمُ مَعَ دُخُولِ الحِرَفِ الخاصِّ بِالقَسَمِ الواقِعِ مَوْقِعَ نَعَمْ، الثّانِي: دُخُولُ إنَّ المُؤَكِّدَةِ، الثّالِثُ: اللّامُ في ( لَحَقٌّ )، الرّابِعُ: اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإنْكارِ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأشَدِّ تَوَعُّدٍ، ورَهَّبَهم بِأعْظَمِ تَرْهِيبٍ، فَقالَ:﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ والتَّحَيُّلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والمُكابَرَةِ الَّتِي لا تَدْفَعُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ خُلُوصِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ المُتَّصِفَةِ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ، ما في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ الأمْوالِ النَّفِيسَةِ، والذَّخائِرِ الفائِقَةِ، لافْتَدَتْ بِهِ: أيْ جَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبأ: ٣٣] الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأنْفُسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
ومَعْنى أسَرُّوا: أخْفَوْا أيْ: لَمْ يُظْهِرُوا النَّدامَةَ بَلْ أخْفَوْها لِما قَدْ شاهَدُوهُ في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِمّا سَلَبَ عُقُولَهم، وذَهَبَ بِتَجَلُّدِهِمْ، ويُمْكِنُ أنَّهُ بَقِيَ فِيهِمْ وهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ عِرْقٌ يَنْزِعُهم إلى العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، فَأسَرُّوا النَّدامَةَ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أسَرَّها الرُّؤَساءُ فِيما بَيْنَهم دُونَ أتْباعِهِمْ خَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ لَهم لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الإسْلامِ، ووُقُوعُ هَذا مِنهم كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وأمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا: أظْهَرُوا، وقِيلَ: وجَدُوا ألَمَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ النَّدامَةَ لا يُمْكِنُ إظْهارُها، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيْرٍ:
؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي
وذَكَرَ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها بَدَتْ في وُجُوهِهِمْ أسِرَّةُ النَّدامَةِ، وهي الِانْكِسارُ، واحِدُها سِرارٌ، وجَمْعُها أسارِيرُ، والثّانِي: ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها، لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، ولَمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِـ ( أسَرُّوا )، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، أوْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، أوْ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ الكُفّارِ والمَظْلُومِينَ، وقِيلَ: مَعْنى القَضاءِ بَيْنَهم: إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ مَن مَلَكَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَصَرَّفَ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِداءَ الكُفّارِ بِما في الأرْضِ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِافْتِداءِ بِهِ، وقِيلَ: لَمّا أقْسَمَ عَلى حَقِّيَةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أرادَ أنْ يَصْحَبَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البُرْهانِ البَيِّنِ بِأنَّ ما في العالَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مَلِكُهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، وإيقاظٌ لِلذّاهِلِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ العَذابِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحِرَفِ التَّنْبِيهِ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ صَلاحُهم فَيَعْمَلُونَ بِهِ، وما فِيهِ فَسادُهم فَيَجْتَنِبُونَهُ.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَهَبُ الحَياةَ ويَسْلُبُها ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فِيهِ ما يَتَّعِظُ بِهِ مَن قَرَأهُ وعَرَفَ مَعْناهُ، والوَعْظُ في الأصْلِ: هو التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ سَواءٌ كانَ (p-٦٣٠)بِالتَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، والواعِظُ هو كالطَّبِيبِ يَنْهى المَرِيضَ عَمّا يَضُرُّهُ، و( مِن ) في مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهو ( جاءَتْكم )، فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ تَبْعِيضِيَّةً ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الشُّكُوكِ الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ المُرْتابِينَ لِوُجُودِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، واشْتِمالِهِ عَلى تَزْيِيفِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والهُدى: الإرْشادُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وتَفَكَّرَ فِيهِ، وتَدَبَّرَ مَعانِيَهُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ، والرَّحْمَةُ: هي ما يُوجَدُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، فَيَطْلُبُها مَن أرادَ ذَلِكَ حَتّى يَنالَها، فالقُرْآنُ العَظِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الخِطابَ مَعَهُ بَعْدَ خِطابِهِ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ، فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ المُرادُ بِالفَضْلِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو تَفَضُّلُهُ عَلى عِبادِهِ في الآجِلِ والعاجِلِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، والرَّحْمَةُ: رَحْمَتُهُ لَهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: الإسْلامُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإيمانُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ.
والأوْلى حَمْلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما في القُرْآنِ مِنهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الكَلامِ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ حُذِفَ هَذا الفِعْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عَلَيْهِ، قِيلَ: والفاءُ في هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِالفَرَحِ.
وتَكْرِيرُ الباءِ في ( بِرَحْمَتِهِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في الفَرَحِ، والفَرَحُ: هو اللَّذَّةُ في القَلْبِ بِسَبَبِ إدْراكِ المَطْلُوبِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الفَرَحَ في مُواطِنَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وكَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: جاءَتْكُمُ، والتَّقْدِيرُ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ أيْ: فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ويَعْقُوبُ " فَلْتَفْرَحُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ في هو خَيْرٌ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، أوْ إلى المَجِيءِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ والمَعْنى: أنَّ هَذا خَيْرٌ لَهم مِمّا يَجْمَعُونَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وقَدْ قُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ " مُطابَقَةً لِلْقِراءَةِ بِها في " فَلْتَفْرَحُوا " .
وقَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ لامَ الأمْرِ تُحْذَفُ مَعَ الخِطابِ إلّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، جاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في يَجْمَعُونَ كَما قَرَءُوا في " فَلْيَفْرَحُوا " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ "، والتَّحْتِيَّةِ في " فَلْيَفْرَحُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَوَصَفَ لَهُ الخَمْرَ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما جَعَلَ اللَّهُ في رِجْسٍ شِفاءً، إنَّما الشِّفاءُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ والعَسَلِ، فَهُما شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وشِفاءٌ لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي، فَقالَ: اقْرَأِ القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ: شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَ حَلْقِهِ قالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ والعَسَلِ، فالقُرْآنُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، والعَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ قالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ البَراءِ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ وبِالإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ حِينَ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ.
يونس 10:53
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ هَذا مِنهُ سُبْحانَهُ تَزْيِيفٌ لِرَأْيِ الكُفّارِ في اسْتِعْجالِ العَذابِ بَعْدَ التَّزْيِيفِ الأوَّلِ: أيْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَياتًا أيْ وقْتَ بَياتٍ، والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُونَ فِيهِ ويَنامُونَ ويَغْفُلُونَ عَنِ التَّحَرُّزِ، والبَياتُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ اسْمُ مَصْدَرٍ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وكَذَلِكَ ( نَهارًا ) أيْ: وقْتَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ، والضَّمِيرُ في ( مِنهُ ) راجِعٌ إلى العَذابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ لِلْإنْكارِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ووَجْهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمْ أنَّ العَذابَ مَكْرُوهٌ تَنْفِرُ مِنهُ القُلُوبُ وتَأْباهُ الطَّبائِعُ فَما المُقْتَضى لِاسْتِعْجالِهِمْ لَهُ ؟ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ جَوابُ الشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ مِنكم فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ ( يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ )، ولَمْ يَقُلْ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إجْرامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ كَما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْخِمُ أمْرًا إذا طَلَبَهُ: ماذا تَجْنِي عَلى نَفْسِكَ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الزَّجّاجُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنهُ إنْ عادَ إلى العَذابِ كانَ لَكَ في ماذا تَقْدِيرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
والتَّقْدِيرُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، وإنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ في مِنهُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ ماذا شَيْئًا واحِدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَعْجِلُ )، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ: أيْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ودُخُولُ الهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ عَلى " ثُمَّ " كَدُخُولِها عَلى الواوِ والفاءِ، وهي لِإنْكارِ إيمانِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ، وهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ وتَفْظِيعِ ما فَعَلُوهُ في غَيْرِ وقْتِهِ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ في وقْتِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ والدَّفْعُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وجِيءَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، وجِيءَ بِإذا مَعَ زِيادَةِ " ما " لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الإيمانِ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ زِيادَةَ اسْتِجْهالٍ لَهم.
والمَعْنى: أبَعْدَ ما وقَعَ عَذابُ اللَّهِ عَلَيْكم، وحَلَّ بِكم سَخَطُهُ وانْتِقامُهُ آمَنتُمْ حِينَ لا يَنْفَعُكم هَذا الإيمانُ شَيْئًا، ولا يَدْفَعُ عَنْكم ضَرًّا، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وأنَّها مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإزْراءً عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: إنَّ ( ثَمَّ ) هاهُنا هي بِفَتْحِ الثّاءِ فَتَكُونُ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى هُناكَ، والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم: أيْ قِيلَ: لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ أيْ: بِالعَذابِ تَكْذِيبًا مِنكم واسْتِهْزاءً، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ: التَّوْبِيخُ لَهم والِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ والإزْراءُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقُرِئَ " آلانَ " بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، قِيلَ: آلْآنَ، والمُرادُ مِنهُ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم أيْ قِيلَ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ: إنَّ هَذا (p-٦٢٩)الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، عارٍ عَنِ النَّفْعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ.
ويُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ والَّتِي قَبْلَها قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلى الخُصُوصِ، أوِ المُؤْمِنُونَ عَلى العُمُومِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الحَياةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَأنَّهُ يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وحُلُولِ النِّقْمَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ البالِغَةِ، والجَواباتِ عَنْ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ: أنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا تارَةً أُخْرى عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم والإنْكارِ، أحَقٌّ ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ والآجِلِ، وهَذا السُّؤالُ مِنهم جَهْلٌ مَحْضٌ، وظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم مَعَ الجَوابِ عَلَيْهِ، فَصَنِيعُهم في هَذا التَّكْرِيرِ صَنِيعُ مَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْبارِ مِنهم هو عَنْ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وارْتِفاعُ ( حَقٌّ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ هو الضَّمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَنْبِئُونَكَ )، وقُرِئَ " آلْحَقُّ هو " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمُ الخارِجِ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ: أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما هو مَقْصُودُهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾: أيْ نَعَمْ ورَبِّي إنَّ ما أعِدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ لَحَقٌّ ثابِتٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: القَسَمُ مَعَ دُخُولِ الحِرَفِ الخاصِّ بِالقَسَمِ الواقِعِ مَوْقِعَ نَعَمْ، الثّانِي: دُخُولُ إنَّ المُؤَكِّدَةِ، الثّالِثُ: اللّامُ في ( لَحَقٌّ )، الرّابِعُ: اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإنْكارِ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأشَدِّ تَوَعُّدٍ، ورَهَّبَهم بِأعْظَمِ تَرْهِيبٍ، فَقالَ:﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ والتَّحَيُّلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والمُكابَرَةِ الَّتِي لا تَدْفَعُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ خُلُوصِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ المُتَّصِفَةِ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ، ما في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ الأمْوالِ النَّفِيسَةِ، والذَّخائِرِ الفائِقَةِ، لافْتَدَتْ بِهِ: أيْ جَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبأ: ٣٣] الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأنْفُسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
ومَعْنى أسَرُّوا: أخْفَوْا أيْ: لَمْ يُظْهِرُوا النَّدامَةَ بَلْ أخْفَوْها لِما قَدْ شاهَدُوهُ في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِمّا سَلَبَ عُقُولَهم، وذَهَبَ بِتَجَلُّدِهِمْ، ويُمْكِنُ أنَّهُ بَقِيَ فِيهِمْ وهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ عِرْقٌ يَنْزِعُهم إلى العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، فَأسَرُّوا النَّدامَةَ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أسَرَّها الرُّؤَساءُ فِيما بَيْنَهم دُونَ أتْباعِهِمْ خَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ لَهم لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الإسْلامِ، ووُقُوعُ هَذا مِنهم كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وأمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا: أظْهَرُوا، وقِيلَ: وجَدُوا ألَمَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ النَّدامَةَ لا يُمْكِنُ إظْهارُها، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيْرٍ:
؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي
وذَكَرَ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها بَدَتْ في وُجُوهِهِمْ أسِرَّةُ النَّدامَةِ، وهي الِانْكِسارُ، واحِدُها سِرارٌ، وجَمْعُها أسارِيرُ، والثّانِي: ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها، لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، ولَمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِـ ( أسَرُّوا )، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، أوْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، أوْ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ الكُفّارِ والمَظْلُومِينَ، وقِيلَ: مَعْنى القَضاءِ بَيْنَهم: إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ مَن مَلَكَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَصَرَّفَ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِداءَ الكُفّارِ بِما في الأرْضِ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِافْتِداءِ بِهِ، وقِيلَ: لَمّا أقْسَمَ عَلى حَقِّيَةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أرادَ أنْ يَصْحَبَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البُرْهانِ البَيِّنِ بِأنَّ ما في العالَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مَلِكُهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، وإيقاظٌ لِلذّاهِلِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ العَذابِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحِرَفِ التَّنْبِيهِ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ صَلاحُهم فَيَعْمَلُونَ بِهِ، وما فِيهِ فَسادُهم فَيَجْتَنِبُونَهُ.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَهَبُ الحَياةَ ويَسْلُبُها ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فِيهِ ما يَتَّعِظُ بِهِ مَن قَرَأهُ وعَرَفَ مَعْناهُ، والوَعْظُ في الأصْلِ: هو التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ سَواءٌ كانَ (p-٦٣٠)بِالتَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، والواعِظُ هو كالطَّبِيبِ يَنْهى المَرِيضَ عَمّا يَضُرُّهُ، و( مِن ) في مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهو ( جاءَتْكم )، فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ تَبْعِيضِيَّةً ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الشُّكُوكِ الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ المُرْتابِينَ لِوُجُودِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، واشْتِمالِهِ عَلى تَزْيِيفِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والهُدى: الإرْشادُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وتَفَكَّرَ فِيهِ، وتَدَبَّرَ مَعانِيَهُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ، والرَّحْمَةُ: هي ما يُوجَدُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، فَيَطْلُبُها مَن أرادَ ذَلِكَ حَتّى يَنالَها، فالقُرْآنُ العَظِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الخِطابَ مَعَهُ بَعْدَ خِطابِهِ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ، فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ المُرادُ بِالفَضْلِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو تَفَضُّلُهُ عَلى عِبادِهِ في الآجِلِ والعاجِلِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، والرَّحْمَةُ: رَحْمَتُهُ لَهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: الإسْلامُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإيمانُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ.
والأوْلى حَمْلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما في القُرْآنِ مِنهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الكَلامِ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ حُذِفَ هَذا الفِعْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عَلَيْهِ، قِيلَ: والفاءُ في هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِالفَرَحِ.
وتَكْرِيرُ الباءِ في ( بِرَحْمَتِهِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في الفَرَحِ، والفَرَحُ: هو اللَّذَّةُ في القَلْبِ بِسَبَبِ إدْراكِ المَطْلُوبِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الفَرَحَ في مُواطِنَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وكَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: جاءَتْكُمُ، والتَّقْدِيرُ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ أيْ: فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ويَعْقُوبُ " فَلْتَفْرَحُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ في هو خَيْرٌ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، أوْ إلى المَجِيءِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ والمَعْنى: أنَّ هَذا خَيْرٌ لَهم مِمّا يَجْمَعُونَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وقَدْ قُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ " مُطابَقَةً لِلْقِراءَةِ بِها في " فَلْتَفْرَحُوا " .
وقَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ لامَ الأمْرِ تُحْذَفُ مَعَ الخِطابِ إلّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، جاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في يَجْمَعُونَ كَما قَرَءُوا في " فَلْيَفْرَحُوا " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ "، والتَّحْتِيَّةِ في " فَلْيَفْرَحُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَوَصَفَ لَهُ الخَمْرَ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما جَعَلَ اللَّهُ في رِجْسٍ شِفاءً، إنَّما الشِّفاءُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ والعَسَلِ، فَهُما شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وشِفاءٌ لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي، فَقالَ: اقْرَأِ القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ: شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَ حَلْقِهِ قالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ والعَسَلِ، فالقُرْآنُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، والعَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ قالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ البَراءِ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ وبِالإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ حِينَ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ.
يونس 10:54
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ هَذا مِنهُ سُبْحانَهُ تَزْيِيفٌ لِرَأْيِ الكُفّارِ في اسْتِعْجالِ العَذابِ بَعْدَ التَّزْيِيفِ الأوَّلِ: أيْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَياتًا أيْ وقْتَ بَياتٍ، والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُونَ فِيهِ ويَنامُونَ ويَغْفُلُونَ عَنِ التَّحَرُّزِ، والبَياتُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ اسْمُ مَصْدَرٍ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وكَذَلِكَ ( نَهارًا ) أيْ: وقْتَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ، والضَّمِيرُ في ( مِنهُ ) راجِعٌ إلى العَذابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ لِلْإنْكارِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ووَجْهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمْ أنَّ العَذابَ مَكْرُوهٌ تَنْفِرُ مِنهُ القُلُوبُ وتَأْباهُ الطَّبائِعُ فَما المُقْتَضى لِاسْتِعْجالِهِمْ لَهُ ؟ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ جَوابُ الشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ مِنكم فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ ( يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ )، ولَمْ يَقُلْ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إجْرامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ كَما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْخِمُ أمْرًا إذا طَلَبَهُ: ماذا تَجْنِي عَلى نَفْسِكَ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الزَّجّاجُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنهُ إنْ عادَ إلى العَذابِ كانَ لَكَ في ماذا تَقْدِيرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
والتَّقْدِيرُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، وإنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ في مِنهُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ ماذا شَيْئًا واحِدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَعْجِلُ )، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ: أيْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ودُخُولُ الهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ عَلى " ثُمَّ " كَدُخُولِها عَلى الواوِ والفاءِ، وهي لِإنْكارِ إيمانِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ، وهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ وتَفْظِيعِ ما فَعَلُوهُ في غَيْرِ وقْتِهِ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ في وقْتِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ والدَّفْعُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وجِيءَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، وجِيءَ بِإذا مَعَ زِيادَةِ " ما " لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الإيمانِ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ زِيادَةَ اسْتِجْهالٍ لَهم.
والمَعْنى: أبَعْدَ ما وقَعَ عَذابُ اللَّهِ عَلَيْكم، وحَلَّ بِكم سَخَطُهُ وانْتِقامُهُ آمَنتُمْ حِينَ لا يَنْفَعُكم هَذا الإيمانُ شَيْئًا، ولا يَدْفَعُ عَنْكم ضَرًّا، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وأنَّها مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإزْراءً عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: إنَّ ( ثَمَّ ) هاهُنا هي بِفَتْحِ الثّاءِ فَتَكُونُ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى هُناكَ، والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم: أيْ قِيلَ: لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ أيْ: بِالعَذابِ تَكْذِيبًا مِنكم واسْتِهْزاءً، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ: التَّوْبِيخُ لَهم والِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ والإزْراءُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقُرِئَ " آلانَ " بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، قِيلَ: آلْآنَ، والمُرادُ مِنهُ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم أيْ قِيلَ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ: إنَّ هَذا (p-٦٢٩)الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، عارٍ عَنِ النَّفْعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ.
ويُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ والَّتِي قَبْلَها قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلى الخُصُوصِ، أوِ المُؤْمِنُونَ عَلى العُمُومِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الحَياةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَأنَّهُ يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وحُلُولِ النِّقْمَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ البالِغَةِ، والجَواباتِ عَنْ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ: أنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا تارَةً أُخْرى عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم والإنْكارِ، أحَقٌّ ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ والآجِلِ، وهَذا السُّؤالُ مِنهم جَهْلٌ مَحْضٌ، وظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم مَعَ الجَوابِ عَلَيْهِ، فَصَنِيعُهم في هَذا التَّكْرِيرِ صَنِيعُ مَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْبارِ مِنهم هو عَنْ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وارْتِفاعُ ( حَقٌّ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ هو الضَّمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَنْبِئُونَكَ )، وقُرِئَ " آلْحَقُّ هو " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمُ الخارِجِ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ: أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما هو مَقْصُودُهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾: أيْ نَعَمْ ورَبِّي إنَّ ما أعِدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ لَحَقٌّ ثابِتٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: القَسَمُ مَعَ دُخُولِ الحِرَفِ الخاصِّ بِالقَسَمِ الواقِعِ مَوْقِعَ نَعَمْ، الثّانِي: دُخُولُ إنَّ المُؤَكِّدَةِ، الثّالِثُ: اللّامُ في ( لَحَقٌّ )، الرّابِعُ: اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإنْكارِ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأشَدِّ تَوَعُّدٍ، ورَهَّبَهم بِأعْظَمِ تَرْهِيبٍ، فَقالَ:﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ والتَّحَيُّلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والمُكابَرَةِ الَّتِي لا تَدْفَعُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ خُلُوصِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ المُتَّصِفَةِ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ، ما في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ الأمْوالِ النَّفِيسَةِ، والذَّخائِرِ الفائِقَةِ، لافْتَدَتْ بِهِ: أيْ جَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبأ: ٣٣] الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأنْفُسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
ومَعْنى أسَرُّوا: أخْفَوْا أيْ: لَمْ يُظْهِرُوا النَّدامَةَ بَلْ أخْفَوْها لِما قَدْ شاهَدُوهُ في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِمّا سَلَبَ عُقُولَهم، وذَهَبَ بِتَجَلُّدِهِمْ، ويُمْكِنُ أنَّهُ بَقِيَ فِيهِمْ وهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ عِرْقٌ يَنْزِعُهم إلى العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، فَأسَرُّوا النَّدامَةَ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أسَرَّها الرُّؤَساءُ فِيما بَيْنَهم دُونَ أتْباعِهِمْ خَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ لَهم لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الإسْلامِ، ووُقُوعُ هَذا مِنهم كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وأمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا: أظْهَرُوا، وقِيلَ: وجَدُوا ألَمَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ النَّدامَةَ لا يُمْكِنُ إظْهارُها، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيْرٍ:
؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي
وذَكَرَ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها بَدَتْ في وُجُوهِهِمْ أسِرَّةُ النَّدامَةِ، وهي الِانْكِسارُ، واحِدُها سِرارٌ، وجَمْعُها أسارِيرُ، والثّانِي: ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها، لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، ولَمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِـ ( أسَرُّوا )، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، أوْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، أوْ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ الكُفّارِ والمَظْلُومِينَ، وقِيلَ: مَعْنى القَضاءِ بَيْنَهم: إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ مَن مَلَكَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَصَرَّفَ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِداءَ الكُفّارِ بِما في الأرْضِ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِافْتِداءِ بِهِ، وقِيلَ: لَمّا أقْسَمَ عَلى حَقِّيَةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أرادَ أنْ يَصْحَبَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البُرْهانِ البَيِّنِ بِأنَّ ما في العالَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مَلِكُهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، وإيقاظٌ لِلذّاهِلِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ العَذابِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحِرَفِ التَّنْبِيهِ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ صَلاحُهم فَيَعْمَلُونَ بِهِ، وما فِيهِ فَسادُهم فَيَجْتَنِبُونَهُ.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَهَبُ الحَياةَ ويَسْلُبُها ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فِيهِ ما يَتَّعِظُ بِهِ مَن قَرَأهُ وعَرَفَ مَعْناهُ، والوَعْظُ في الأصْلِ: هو التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ سَواءٌ كانَ (p-٦٣٠)بِالتَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، والواعِظُ هو كالطَّبِيبِ يَنْهى المَرِيضَ عَمّا يَضُرُّهُ، و( مِن ) في مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهو ( جاءَتْكم )، فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ تَبْعِيضِيَّةً ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الشُّكُوكِ الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ المُرْتابِينَ لِوُجُودِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، واشْتِمالِهِ عَلى تَزْيِيفِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والهُدى: الإرْشادُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وتَفَكَّرَ فِيهِ، وتَدَبَّرَ مَعانِيَهُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ، والرَّحْمَةُ: هي ما يُوجَدُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، فَيَطْلُبُها مَن أرادَ ذَلِكَ حَتّى يَنالَها، فالقُرْآنُ العَظِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الخِطابَ مَعَهُ بَعْدَ خِطابِهِ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ، فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ المُرادُ بِالفَضْلِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو تَفَضُّلُهُ عَلى عِبادِهِ في الآجِلِ والعاجِلِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، والرَّحْمَةُ: رَحْمَتُهُ لَهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: الإسْلامُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإيمانُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ.
والأوْلى حَمْلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما في القُرْآنِ مِنهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الكَلامِ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ حُذِفَ هَذا الفِعْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عَلَيْهِ، قِيلَ: والفاءُ في هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِالفَرَحِ.
وتَكْرِيرُ الباءِ في ( بِرَحْمَتِهِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في الفَرَحِ، والفَرَحُ: هو اللَّذَّةُ في القَلْبِ بِسَبَبِ إدْراكِ المَطْلُوبِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الفَرَحَ في مُواطِنَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وكَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: جاءَتْكُمُ، والتَّقْدِيرُ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ أيْ: فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ويَعْقُوبُ " فَلْتَفْرَحُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ في هو خَيْرٌ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، أوْ إلى المَجِيءِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ والمَعْنى: أنَّ هَذا خَيْرٌ لَهم مِمّا يَجْمَعُونَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وقَدْ قُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ " مُطابَقَةً لِلْقِراءَةِ بِها في " فَلْتَفْرَحُوا " .
وقَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ لامَ الأمْرِ تُحْذَفُ مَعَ الخِطابِ إلّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، جاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في يَجْمَعُونَ كَما قَرَءُوا في " فَلْيَفْرَحُوا " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ "، والتَّحْتِيَّةِ في " فَلْيَفْرَحُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَوَصَفَ لَهُ الخَمْرَ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما جَعَلَ اللَّهُ في رِجْسٍ شِفاءً، إنَّما الشِّفاءُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ والعَسَلِ، فَهُما شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وشِفاءٌ لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي، فَقالَ: اقْرَأِ القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ: شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَ حَلْقِهِ قالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ والعَسَلِ، فالقُرْآنُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، والعَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ قالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ البَراءِ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ وبِالإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ حِينَ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ.
يونس 10:55
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ هَذا مِنهُ سُبْحانَهُ تَزْيِيفٌ لِرَأْيِ الكُفّارِ في اسْتِعْجالِ العَذابِ بَعْدَ التَّزْيِيفِ الأوَّلِ: أيْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَياتًا أيْ وقْتَ بَياتٍ، والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُونَ فِيهِ ويَنامُونَ ويَغْفُلُونَ عَنِ التَّحَرُّزِ، والبَياتُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ اسْمُ مَصْدَرٍ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وكَذَلِكَ ( نَهارًا ) أيْ: وقْتَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ، والضَّمِيرُ في ( مِنهُ ) راجِعٌ إلى العَذابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ لِلْإنْكارِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ووَجْهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمْ أنَّ العَذابَ مَكْرُوهٌ تَنْفِرُ مِنهُ القُلُوبُ وتَأْباهُ الطَّبائِعُ فَما المُقْتَضى لِاسْتِعْجالِهِمْ لَهُ ؟ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ جَوابُ الشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ مِنكم فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ ( يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ )، ولَمْ يَقُلْ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إجْرامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ كَما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْخِمُ أمْرًا إذا طَلَبَهُ: ماذا تَجْنِي عَلى نَفْسِكَ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الزَّجّاجُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنهُ إنْ عادَ إلى العَذابِ كانَ لَكَ في ماذا تَقْدِيرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
والتَّقْدِيرُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، وإنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ في مِنهُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ ماذا شَيْئًا واحِدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَعْجِلُ )، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ: أيْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ودُخُولُ الهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ عَلى " ثُمَّ " كَدُخُولِها عَلى الواوِ والفاءِ، وهي لِإنْكارِ إيمانِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ، وهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ وتَفْظِيعِ ما فَعَلُوهُ في غَيْرِ وقْتِهِ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ في وقْتِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ والدَّفْعُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وجِيءَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، وجِيءَ بِإذا مَعَ زِيادَةِ " ما " لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الإيمانِ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ زِيادَةَ اسْتِجْهالٍ لَهم.
والمَعْنى: أبَعْدَ ما وقَعَ عَذابُ اللَّهِ عَلَيْكم، وحَلَّ بِكم سَخَطُهُ وانْتِقامُهُ آمَنتُمْ حِينَ لا يَنْفَعُكم هَذا الإيمانُ شَيْئًا، ولا يَدْفَعُ عَنْكم ضَرًّا، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وأنَّها مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإزْراءً عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: إنَّ ( ثَمَّ ) هاهُنا هي بِفَتْحِ الثّاءِ فَتَكُونُ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى هُناكَ، والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم: أيْ قِيلَ: لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ أيْ: بِالعَذابِ تَكْذِيبًا مِنكم واسْتِهْزاءً، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ: التَّوْبِيخُ لَهم والِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ والإزْراءُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقُرِئَ " آلانَ " بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، قِيلَ: آلْآنَ، والمُرادُ مِنهُ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم أيْ قِيلَ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ: إنَّ هَذا (p-٦٢٩)الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، عارٍ عَنِ النَّفْعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ.
ويُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ والَّتِي قَبْلَها قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلى الخُصُوصِ، أوِ المُؤْمِنُونَ عَلى العُمُومِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الحَياةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَأنَّهُ يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وحُلُولِ النِّقْمَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ البالِغَةِ، والجَواباتِ عَنْ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ: أنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا تارَةً أُخْرى عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم والإنْكارِ، أحَقٌّ ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ والآجِلِ، وهَذا السُّؤالُ مِنهم جَهْلٌ مَحْضٌ، وظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم مَعَ الجَوابِ عَلَيْهِ، فَصَنِيعُهم في هَذا التَّكْرِيرِ صَنِيعُ مَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْبارِ مِنهم هو عَنْ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وارْتِفاعُ ( حَقٌّ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ هو الضَّمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَنْبِئُونَكَ )، وقُرِئَ " آلْحَقُّ هو " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمُ الخارِجِ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ: أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما هو مَقْصُودُهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾: أيْ نَعَمْ ورَبِّي إنَّ ما أعِدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ لَحَقٌّ ثابِتٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: القَسَمُ مَعَ دُخُولِ الحِرَفِ الخاصِّ بِالقَسَمِ الواقِعِ مَوْقِعَ نَعَمْ، الثّانِي: دُخُولُ إنَّ المُؤَكِّدَةِ، الثّالِثُ: اللّامُ في ( لَحَقٌّ )، الرّابِعُ: اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإنْكارِ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأشَدِّ تَوَعُّدٍ، ورَهَّبَهم بِأعْظَمِ تَرْهِيبٍ، فَقالَ:﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ والتَّحَيُّلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والمُكابَرَةِ الَّتِي لا تَدْفَعُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ خُلُوصِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ المُتَّصِفَةِ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ، ما في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ الأمْوالِ النَّفِيسَةِ، والذَّخائِرِ الفائِقَةِ، لافْتَدَتْ بِهِ: أيْ جَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبأ: ٣٣] الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأنْفُسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
ومَعْنى أسَرُّوا: أخْفَوْا أيْ: لَمْ يُظْهِرُوا النَّدامَةَ بَلْ أخْفَوْها لِما قَدْ شاهَدُوهُ في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِمّا سَلَبَ عُقُولَهم، وذَهَبَ بِتَجَلُّدِهِمْ، ويُمْكِنُ أنَّهُ بَقِيَ فِيهِمْ وهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ عِرْقٌ يَنْزِعُهم إلى العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، فَأسَرُّوا النَّدامَةَ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أسَرَّها الرُّؤَساءُ فِيما بَيْنَهم دُونَ أتْباعِهِمْ خَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ لَهم لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الإسْلامِ، ووُقُوعُ هَذا مِنهم كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وأمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا: أظْهَرُوا، وقِيلَ: وجَدُوا ألَمَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ النَّدامَةَ لا يُمْكِنُ إظْهارُها، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيْرٍ:
؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي
وذَكَرَ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها بَدَتْ في وُجُوهِهِمْ أسِرَّةُ النَّدامَةِ، وهي الِانْكِسارُ، واحِدُها سِرارٌ، وجَمْعُها أسارِيرُ، والثّانِي: ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها، لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، ولَمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِـ ( أسَرُّوا )، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، أوْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، أوْ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ الكُفّارِ والمَظْلُومِينَ، وقِيلَ: مَعْنى القَضاءِ بَيْنَهم: إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ مَن مَلَكَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَصَرَّفَ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِداءَ الكُفّارِ بِما في الأرْضِ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِافْتِداءِ بِهِ، وقِيلَ: لَمّا أقْسَمَ عَلى حَقِّيَةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أرادَ أنْ يَصْحَبَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البُرْهانِ البَيِّنِ بِأنَّ ما في العالَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مَلِكُهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، وإيقاظٌ لِلذّاهِلِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ العَذابِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحِرَفِ التَّنْبِيهِ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ صَلاحُهم فَيَعْمَلُونَ بِهِ، وما فِيهِ فَسادُهم فَيَجْتَنِبُونَهُ.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَهَبُ الحَياةَ ويَسْلُبُها ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فِيهِ ما يَتَّعِظُ بِهِ مَن قَرَأهُ وعَرَفَ مَعْناهُ، والوَعْظُ في الأصْلِ: هو التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ سَواءٌ كانَ (p-٦٣٠)بِالتَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، والواعِظُ هو كالطَّبِيبِ يَنْهى المَرِيضَ عَمّا يَضُرُّهُ، و( مِن ) في مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهو ( جاءَتْكم )، فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ تَبْعِيضِيَّةً ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الشُّكُوكِ الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ المُرْتابِينَ لِوُجُودِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، واشْتِمالِهِ عَلى تَزْيِيفِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والهُدى: الإرْشادُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وتَفَكَّرَ فِيهِ، وتَدَبَّرَ مَعانِيَهُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ، والرَّحْمَةُ: هي ما يُوجَدُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، فَيَطْلُبُها مَن أرادَ ذَلِكَ حَتّى يَنالَها، فالقُرْآنُ العَظِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الخِطابَ مَعَهُ بَعْدَ خِطابِهِ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ، فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ المُرادُ بِالفَضْلِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو تَفَضُّلُهُ عَلى عِبادِهِ في الآجِلِ والعاجِلِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، والرَّحْمَةُ: رَحْمَتُهُ لَهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: الإسْلامُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإيمانُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ.
والأوْلى حَمْلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما في القُرْآنِ مِنهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الكَلامِ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ حُذِفَ هَذا الفِعْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عَلَيْهِ، قِيلَ: والفاءُ في هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِالفَرَحِ.
وتَكْرِيرُ الباءِ في ( بِرَحْمَتِهِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في الفَرَحِ، والفَرَحُ: هو اللَّذَّةُ في القَلْبِ بِسَبَبِ إدْراكِ المَطْلُوبِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الفَرَحَ في مُواطِنَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وكَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: جاءَتْكُمُ، والتَّقْدِيرُ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ أيْ: فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ويَعْقُوبُ " فَلْتَفْرَحُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ في هو خَيْرٌ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، أوْ إلى المَجِيءِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ والمَعْنى: أنَّ هَذا خَيْرٌ لَهم مِمّا يَجْمَعُونَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وقَدْ قُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ " مُطابَقَةً لِلْقِراءَةِ بِها في " فَلْتَفْرَحُوا " .
وقَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ لامَ الأمْرِ تُحْذَفُ مَعَ الخِطابِ إلّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، جاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في يَجْمَعُونَ كَما قَرَءُوا في " فَلْيَفْرَحُوا " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ "، والتَّحْتِيَّةِ في " فَلْيَفْرَحُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَوَصَفَ لَهُ الخَمْرَ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما جَعَلَ اللَّهُ في رِجْسٍ شِفاءً، إنَّما الشِّفاءُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ والعَسَلِ، فَهُما شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وشِفاءٌ لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي، فَقالَ: اقْرَأِ القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ: شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَ حَلْقِهِ قالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ والعَسَلِ، فالقُرْآنُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، والعَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ قالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ البَراءِ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ وبِالإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ حِينَ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ.
يونس 10:56
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ هَذا مِنهُ سُبْحانَهُ تَزْيِيفٌ لِرَأْيِ الكُفّارِ في اسْتِعْجالِ العَذابِ بَعْدَ التَّزْيِيفِ الأوَّلِ: أيْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَياتًا أيْ وقْتَ بَياتٍ، والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُونَ فِيهِ ويَنامُونَ ويَغْفُلُونَ عَنِ التَّحَرُّزِ، والبَياتُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ اسْمُ مَصْدَرٍ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وكَذَلِكَ ( نَهارًا ) أيْ: وقْتَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ، والضَّمِيرُ في ( مِنهُ ) راجِعٌ إلى العَذابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ لِلْإنْكارِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ووَجْهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمْ أنَّ العَذابَ مَكْرُوهٌ تَنْفِرُ مِنهُ القُلُوبُ وتَأْباهُ الطَّبائِعُ فَما المُقْتَضى لِاسْتِعْجالِهِمْ لَهُ ؟ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ جَوابُ الشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ مِنكم فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ ( يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ )، ولَمْ يَقُلْ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إجْرامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ كَما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْخِمُ أمْرًا إذا طَلَبَهُ: ماذا تَجْنِي عَلى نَفْسِكَ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الزَّجّاجُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنهُ إنْ عادَ إلى العَذابِ كانَ لَكَ في ماذا تَقْدِيرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
والتَّقْدِيرُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، وإنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ في مِنهُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ ماذا شَيْئًا واحِدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَعْجِلُ )، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ: أيْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ودُخُولُ الهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ عَلى " ثُمَّ " كَدُخُولِها عَلى الواوِ والفاءِ، وهي لِإنْكارِ إيمانِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ، وهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ وتَفْظِيعِ ما فَعَلُوهُ في غَيْرِ وقْتِهِ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ في وقْتِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ والدَّفْعُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وجِيءَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، وجِيءَ بِإذا مَعَ زِيادَةِ " ما " لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الإيمانِ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ زِيادَةَ اسْتِجْهالٍ لَهم.
والمَعْنى: أبَعْدَ ما وقَعَ عَذابُ اللَّهِ عَلَيْكم، وحَلَّ بِكم سَخَطُهُ وانْتِقامُهُ آمَنتُمْ حِينَ لا يَنْفَعُكم هَذا الإيمانُ شَيْئًا، ولا يَدْفَعُ عَنْكم ضَرًّا، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وأنَّها مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإزْراءً عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: إنَّ ( ثَمَّ ) هاهُنا هي بِفَتْحِ الثّاءِ فَتَكُونُ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى هُناكَ، والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم: أيْ قِيلَ: لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ أيْ: بِالعَذابِ تَكْذِيبًا مِنكم واسْتِهْزاءً، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ: التَّوْبِيخُ لَهم والِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ والإزْراءُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقُرِئَ " آلانَ " بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، قِيلَ: آلْآنَ، والمُرادُ مِنهُ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم أيْ قِيلَ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ: إنَّ هَذا (p-٦٢٩)الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، عارٍ عَنِ النَّفْعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ.
ويُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ والَّتِي قَبْلَها قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلى الخُصُوصِ، أوِ المُؤْمِنُونَ عَلى العُمُومِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الحَياةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَأنَّهُ يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وحُلُولِ النِّقْمَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ البالِغَةِ، والجَواباتِ عَنْ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ: أنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا تارَةً أُخْرى عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم والإنْكارِ، أحَقٌّ ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ والآجِلِ، وهَذا السُّؤالُ مِنهم جَهْلٌ مَحْضٌ، وظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم مَعَ الجَوابِ عَلَيْهِ، فَصَنِيعُهم في هَذا التَّكْرِيرِ صَنِيعُ مَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْبارِ مِنهم هو عَنْ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وارْتِفاعُ ( حَقٌّ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ هو الضَّمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَنْبِئُونَكَ )، وقُرِئَ " آلْحَقُّ هو " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمُ الخارِجِ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ: أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما هو مَقْصُودُهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾: أيْ نَعَمْ ورَبِّي إنَّ ما أعِدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ لَحَقٌّ ثابِتٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: القَسَمُ مَعَ دُخُولِ الحِرَفِ الخاصِّ بِالقَسَمِ الواقِعِ مَوْقِعَ نَعَمْ، الثّانِي: دُخُولُ إنَّ المُؤَكِّدَةِ، الثّالِثُ: اللّامُ في ( لَحَقٌّ )، الرّابِعُ: اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإنْكارِ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأشَدِّ تَوَعُّدٍ، ورَهَّبَهم بِأعْظَمِ تَرْهِيبٍ، فَقالَ:﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ والتَّحَيُّلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والمُكابَرَةِ الَّتِي لا تَدْفَعُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ خُلُوصِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ المُتَّصِفَةِ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ، ما في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ الأمْوالِ النَّفِيسَةِ، والذَّخائِرِ الفائِقَةِ، لافْتَدَتْ بِهِ: أيْ جَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبأ: ٣٣] الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأنْفُسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
ومَعْنى أسَرُّوا: أخْفَوْا أيْ: لَمْ يُظْهِرُوا النَّدامَةَ بَلْ أخْفَوْها لِما قَدْ شاهَدُوهُ في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِمّا سَلَبَ عُقُولَهم، وذَهَبَ بِتَجَلُّدِهِمْ، ويُمْكِنُ أنَّهُ بَقِيَ فِيهِمْ وهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ عِرْقٌ يَنْزِعُهم إلى العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، فَأسَرُّوا النَّدامَةَ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أسَرَّها الرُّؤَساءُ فِيما بَيْنَهم دُونَ أتْباعِهِمْ خَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ لَهم لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الإسْلامِ، ووُقُوعُ هَذا مِنهم كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وأمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا: أظْهَرُوا، وقِيلَ: وجَدُوا ألَمَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ النَّدامَةَ لا يُمْكِنُ إظْهارُها، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيْرٍ:
؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي
وذَكَرَ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها بَدَتْ في وُجُوهِهِمْ أسِرَّةُ النَّدامَةِ، وهي الِانْكِسارُ، واحِدُها سِرارٌ، وجَمْعُها أسارِيرُ، والثّانِي: ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها، لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، ولَمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِـ ( أسَرُّوا )، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، أوْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، أوْ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ الكُفّارِ والمَظْلُومِينَ، وقِيلَ: مَعْنى القَضاءِ بَيْنَهم: إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ مَن مَلَكَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَصَرَّفَ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِداءَ الكُفّارِ بِما في الأرْضِ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِافْتِداءِ بِهِ، وقِيلَ: لَمّا أقْسَمَ عَلى حَقِّيَةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أرادَ أنْ يَصْحَبَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البُرْهانِ البَيِّنِ بِأنَّ ما في العالَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مَلِكُهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، وإيقاظٌ لِلذّاهِلِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ العَذابِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحِرَفِ التَّنْبِيهِ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ صَلاحُهم فَيَعْمَلُونَ بِهِ، وما فِيهِ فَسادُهم فَيَجْتَنِبُونَهُ.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَهَبُ الحَياةَ ويَسْلُبُها ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فِيهِ ما يَتَّعِظُ بِهِ مَن قَرَأهُ وعَرَفَ مَعْناهُ، والوَعْظُ في الأصْلِ: هو التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ سَواءٌ كانَ (p-٦٣٠)بِالتَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، والواعِظُ هو كالطَّبِيبِ يَنْهى المَرِيضَ عَمّا يَضُرُّهُ، و( مِن ) في مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهو ( جاءَتْكم )، فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ تَبْعِيضِيَّةً ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الشُّكُوكِ الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ المُرْتابِينَ لِوُجُودِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، واشْتِمالِهِ عَلى تَزْيِيفِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والهُدى: الإرْشادُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وتَفَكَّرَ فِيهِ، وتَدَبَّرَ مَعانِيَهُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ، والرَّحْمَةُ: هي ما يُوجَدُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، فَيَطْلُبُها مَن أرادَ ذَلِكَ حَتّى يَنالَها، فالقُرْآنُ العَظِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الخِطابَ مَعَهُ بَعْدَ خِطابِهِ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ، فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ المُرادُ بِالفَضْلِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو تَفَضُّلُهُ عَلى عِبادِهِ في الآجِلِ والعاجِلِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، والرَّحْمَةُ: رَحْمَتُهُ لَهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: الإسْلامُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإيمانُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ.
والأوْلى حَمْلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما في القُرْآنِ مِنهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الكَلامِ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ حُذِفَ هَذا الفِعْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عَلَيْهِ، قِيلَ: والفاءُ في هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِالفَرَحِ.
وتَكْرِيرُ الباءِ في ( بِرَحْمَتِهِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في الفَرَحِ، والفَرَحُ: هو اللَّذَّةُ في القَلْبِ بِسَبَبِ إدْراكِ المَطْلُوبِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الفَرَحَ في مُواطِنَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وكَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: جاءَتْكُمُ، والتَّقْدِيرُ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ أيْ: فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ويَعْقُوبُ " فَلْتَفْرَحُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ في هو خَيْرٌ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، أوْ إلى المَجِيءِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ والمَعْنى: أنَّ هَذا خَيْرٌ لَهم مِمّا يَجْمَعُونَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وقَدْ قُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ " مُطابَقَةً لِلْقِراءَةِ بِها في " فَلْتَفْرَحُوا " .
وقَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ لامَ الأمْرِ تُحْذَفُ مَعَ الخِطابِ إلّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، جاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في يَجْمَعُونَ كَما قَرَءُوا في " فَلْيَفْرَحُوا " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ "، والتَّحْتِيَّةِ في " فَلْيَفْرَحُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَوَصَفَ لَهُ الخَمْرَ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما جَعَلَ اللَّهُ في رِجْسٍ شِفاءً، إنَّما الشِّفاءُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ والعَسَلِ، فَهُما شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وشِفاءٌ لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي، فَقالَ: اقْرَأِ القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ: شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَ حَلْقِهِ قالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ والعَسَلِ، فالقُرْآنُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، والعَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ قالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ البَراءِ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ وبِالإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ حِينَ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ.
يونس 10:57
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ هَذا مِنهُ سُبْحانَهُ تَزْيِيفٌ لِرَأْيِ الكُفّارِ في اسْتِعْجالِ العَذابِ بَعْدَ التَّزْيِيفِ الأوَّلِ: أيْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَياتًا أيْ وقْتَ بَياتٍ، والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُونَ فِيهِ ويَنامُونَ ويَغْفُلُونَ عَنِ التَّحَرُّزِ، والبَياتُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ اسْمُ مَصْدَرٍ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وكَذَلِكَ ( نَهارًا ) أيْ: وقْتَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ، والضَّمِيرُ في ( مِنهُ ) راجِعٌ إلى العَذابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ لِلْإنْكارِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ووَجْهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمْ أنَّ العَذابَ مَكْرُوهٌ تَنْفِرُ مِنهُ القُلُوبُ وتَأْباهُ الطَّبائِعُ فَما المُقْتَضى لِاسْتِعْجالِهِمْ لَهُ ؟ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ جَوابُ الشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ مِنكم فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ ( يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ )، ولَمْ يَقُلْ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إجْرامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ كَما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْخِمُ أمْرًا إذا طَلَبَهُ: ماذا تَجْنِي عَلى نَفْسِكَ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الزَّجّاجُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنهُ إنْ عادَ إلى العَذابِ كانَ لَكَ في ماذا تَقْدِيرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
والتَّقْدِيرُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، وإنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ في مِنهُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ ماذا شَيْئًا واحِدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَعْجِلُ )، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ: أيْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ودُخُولُ الهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ عَلى " ثُمَّ " كَدُخُولِها عَلى الواوِ والفاءِ، وهي لِإنْكارِ إيمانِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ، وهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ وتَفْظِيعِ ما فَعَلُوهُ في غَيْرِ وقْتِهِ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ في وقْتِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ والدَّفْعُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وجِيءَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، وجِيءَ بِإذا مَعَ زِيادَةِ " ما " لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الإيمانِ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ زِيادَةَ اسْتِجْهالٍ لَهم.
والمَعْنى: أبَعْدَ ما وقَعَ عَذابُ اللَّهِ عَلَيْكم، وحَلَّ بِكم سَخَطُهُ وانْتِقامُهُ آمَنتُمْ حِينَ لا يَنْفَعُكم هَذا الإيمانُ شَيْئًا، ولا يَدْفَعُ عَنْكم ضَرًّا، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وأنَّها مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإزْراءً عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: إنَّ ( ثَمَّ ) هاهُنا هي بِفَتْحِ الثّاءِ فَتَكُونُ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى هُناكَ، والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم: أيْ قِيلَ: لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ أيْ: بِالعَذابِ تَكْذِيبًا مِنكم واسْتِهْزاءً، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ: التَّوْبِيخُ لَهم والِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ والإزْراءُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقُرِئَ " آلانَ " بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، قِيلَ: آلْآنَ، والمُرادُ مِنهُ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم أيْ قِيلَ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ: إنَّ هَذا (p-٦٢٩)الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، عارٍ عَنِ النَّفْعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ.
ويُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ والَّتِي قَبْلَها قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلى الخُصُوصِ، أوِ المُؤْمِنُونَ عَلى العُمُومِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الحَياةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَأنَّهُ يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وحُلُولِ النِّقْمَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ البالِغَةِ، والجَواباتِ عَنْ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ: أنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا تارَةً أُخْرى عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم والإنْكارِ، أحَقٌّ ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ والآجِلِ، وهَذا السُّؤالُ مِنهم جَهْلٌ مَحْضٌ، وظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم مَعَ الجَوابِ عَلَيْهِ، فَصَنِيعُهم في هَذا التَّكْرِيرِ صَنِيعُ مَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْبارِ مِنهم هو عَنْ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وارْتِفاعُ ( حَقٌّ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ هو الضَّمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَنْبِئُونَكَ )، وقُرِئَ " آلْحَقُّ هو " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمُ الخارِجِ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ: أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما هو مَقْصُودُهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾: أيْ نَعَمْ ورَبِّي إنَّ ما أعِدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ لَحَقٌّ ثابِتٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: القَسَمُ مَعَ دُخُولِ الحِرَفِ الخاصِّ بِالقَسَمِ الواقِعِ مَوْقِعَ نَعَمْ، الثّانِي: دُخُولُ إنَّ المُؤَكِّدَةِ، الثّالِثُ: اللّامُ في ( لَحَقٌّ )، الرّابِعُ: اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإنْكارِ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأشَدِّ تَوَعُّدٍ، ورَهَّبَهم بِأعْظَمِ تَرْهِيبٍ، فَقالَ:﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ والتَّحَيُّلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والمُكابَرَةِ الَّتِي لا تَدْفَعُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ خُلُوصِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ المُتَّصِفَةِ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ، ما في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ الأمْوالِ النَّفِيسَةِ، والذَّخائِرِ الفائِقَةِ، لافْتَدَتْ بِهِ: أيْ جَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبأ: ٣٣] الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأنْفُسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
ومَعْنى أسَرُّوا: أخْفَوْا أيْ: لَمْ يُظْهِرُوا النَّدامَةَ بَلْ أخْفَوْها لِما قَدْ شاهَدُوهُ في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِمّا سَلَبَ عُقُولَهم، وذَهَبَ بِتَجَلُّدِهِمْ، ويُمْكِنُ أنَّهُ بَقِيَ فِيهِمْ وهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ عِرْقٌ يَنْزِعُهم إلى العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، فَأسَرُّوا النَّدامَةَ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أسَرَّها الرُّؤَساءُ فِيما بَيْنَهم دُونَ أتْباعِهِمْ خَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ لَهم لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الإسْلامِ، ووُقُوعُ هَذا مِنهم كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وأمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا: أظْهَرُوا، وقِيلَ: وجَدُوا ألَمَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ النَّدامَةَ لا يُمْكِنُ إظْهارُها، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيْرٍ:
؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي
وذَكَرَ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها بَدَتْ في وُجُوهِهِمْ أسِرَّةُ النَّدامَةِ، وهي الِانْكِسارُ، واحِدُها سِرارٌ، وجَمْعُها أسارِيرُ، والثّانِي: ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها، لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، ولَمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِـ ( أسَرُّوا )، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، أوْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، أوْ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ الكُفّارِ والمَظْلُومِينَ، وقِيلَ: مَعْنى القَضاءِ بَيْنَهم: إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ مَن مَلَكَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَصَرَّفَ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِداءَ الكُفّارِ بِما في الأرْضِ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِافْتِداءِ بِهِ، وقِيلَ: لَمّا أقْسَمَ عَلى حَقِّيَةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أرادَ أنْ يَصْحَبَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البُرْهانِ البَيِّنِ بِأنَّ ما في العالَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مَلِكُهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، وإيقاظٌ لِلذّاهِلِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ العَذابِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحِرَفِ التَّنْبِيهِ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ صَلاحُهم فَيَعْمَلُونَ بِهِ، وما فِيهِ فَسادُهم فَيَجْتَنِبُونَهُ.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَهَبُ الحَياةَ ويَسْلُبُها ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فِيهِ ما يَتَّعِظُ بِهِ مَن قَرَأهُ وعَرَفَ مَعْناهُ، والوَعْظُ في الأصْلِ: هو التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ سَواءٌ كانَ (p-٦٣٠)بِالتَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، والواعِظُ هو كالطَّبِيبِ يَنْهى المَرِيضَ عَمّا يَضُرُّهُ، و( مِن ) في مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهو ( جاءَتْكم )، فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ تَبْعِيضِيَّةً ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الشُّكُوكِ الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ المُرْتابِينَ لِوُجُودِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، واشْتِمالِهِ عَلى تَزْيِيفِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والهُدى: الإرْشادُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وتَفَكَّرَ فِيهِ، وتَدَبَّرَ مَعانِيَهُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ، والرَّحْمَةُ: هي ما يُوجَدُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، فَيَطْلُبُها مَن أرادَ ذَلِكَ حَتّى يَنالَها، فالقُرْآنُ العَظِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الخِطابَ مَعَهُ بَعْدَ خِطابِهِ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ، فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ المُرادُ بِالفَضْلِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو تَفَضُّلُهُ عَلى عِبادِهِ في الآجِلِ والعاجِلِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، والرَّحْمَةُ: رَحْمَتُهُ لَهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: الإسْلامُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإيمانُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ.
والأوْلى حَمْلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما في القُرْآنِ مِنهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الكَلامِ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ حُذِفَ هَذا الفِعْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عَلَيْهِ، قِيلَ: والفاءُ في هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِالفَرَحِ.
وتَكْرِيرُ الباءِ في ( بِرَحْمَتِهِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في الفَرَحِ، والفَرَحُ: هو اللَّذَّةُ في القَلْبِ بِسَبَبِ إدْراكِ المَطْلُوبِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الفَرَحَ في مُواطِنَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وكَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: جاءَتْكُمُ، والتَّقْدِيرُ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ أيْ: فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ويَعْقُوبُ " فَلْتَفْرَحُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ في هو خَيْرٌ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، أوْ إلى المَجِيءِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ والمَعْنى: أنَّ هَذا خَيْرٌ لَهم مِمّا يَجْمَعُونَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وقَدْ قُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ " مُطابَقَةً لِلْقِراءَةِ بِها في " فَلْتَفْرَحُوا " .
وقَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ لامَ الأمْرِ تُحْذَفُ مَعَ الخِطابِ إلّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، جاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في يَجْمَعُونَ كَما قَرَءُوا في " فَلْيَفْرَحُوا " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ "، والتَّحْتِيَّةِ في " فَلْيَفْرَحُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَوَصَفَ لَهُ الخَمْرَ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما جَعَلَ اللَّهُ في رِجْسٍ شِفاءً، إنَّما الشِّفاءُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ والعَسَلِ، فَهُما شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وشِفاءٌ لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي، فَقالَ: اقْرَأِ القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ: شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَ حَلْقِهِ قالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ والعَسَلِ، فالقُرْآنُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، والعَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ قالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ البَراءِ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ وبِالإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ حِينَ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ.
يونس 10:58
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ هَذا مِنهُ سُبْحانَهُ تَزْيِيفٌ لِرَأْيِ الكُفّارِ في اسْتِعْجالِ العَذابِ بَعْدَ التَّزْيِيفِ الأوَّلِ: أيْ أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَياتًا أيْ وقْتَ بَياتٍ، والمُرادُ بِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُونَ فِيهِ ويَنامُونَ ويَغْفُلُونَ عَنِ التَّحَرُّزِ، والبَياتُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ اسْمُ مَصْدَرٍ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وكَذَلِكَ ( نَهارًا ) أيْ: وقْتَ الِاشْتِغالِ بِطَلَبِ المَعاشِ والكَسْبِ، والضَّمِيرُ في ( مِنهُ ) راجِعٌ إلى العَذابِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى اللَّهِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ لِلْإنْكارِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ووَجْهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اسْتِعْجالِهِمْ أنَّ العَذابَ مَكْرُوهٌ تَنْفِرُ مِنهُ القُلُوبُ وتَأْباهُ الطَّبائِعُ فَما المُقْتَضى لِاسْتِعْجالِهِمْ لَهُ ؟ والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالِاسْتِفْهامِ جَوابُ الشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا الخَطَأ مِنكم فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، والأوَّلُ أوْلى.
وإنَّما قالَ ( يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ )، ولَمْ يَقُلْ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ تَرْكَ الِاسْتِعْجالِ، وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إجْرامِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ كَما يُقالُ لِمَن يَسْتَوْخِمُ أمْرًا إذا طَلَبَهُ: ماذا تَجْنِي عَلى نَفْسِكَ.
وحَكى النَّحّاسُ عَنِ الزَّجّاجُ أنَّ الضَّمِيرَ في مِنهُ إنْ عادَ إلى العَذابِ كانَ لَكَ في ماذا تَقْدِيرانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وذا بِمَعْنى الَّذِي، وهو خَبَرُ ما، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.
والتَّقْدِيرُ الآخَرُ: أنْ يَكُونَ ماذا اسْمًا واحِدًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، وإنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ في مِنهُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى كانَ ماذا شَيْئًا واحِدًا في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَعْجِلُ )، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ: أيْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ودُخُولُ الهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ في ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ عَلى " ثُمَّ " كَدُخُولِها عَلى الواوِ والفاءِ، وهي لِإنْكارِ إيمانِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ العَذابِ، وهو يَتَضَمَّنُ مَعْنى التَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ وتَفْظِيعِ ما فَعَلُوهُ في غَيْرِ وقْتِهِ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ في وقْتِهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ والدَّفْعُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ داخِلَةٌ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ وجِيءَ بِكَلِمَةِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، وجِيءَ بِإذا مَعَ زِيادَةِ " ما " لِلتَّأْكِيدِ دَلالَةً عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الإيمانِ مِنهم في غَيْرِ وقْتِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ زِيادَةَ اسْتِجْهالٍ لَهم.
والمَعْنى: أبَعْدَ ما وقَعَ عَذابُ اللَّهِ عَلَيْكم، وحَلَّ بِكم سَخَطُهُ وانْتِقامُهُ آمَنتُمْ حِينَ لا يَنْفَعُكم هَذا الإيمانُ شَيْئًا، ولا يَدْفَعُ عَنْكم ضَرًّا، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ داخِلَةً تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وأنَّها مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، وإزْراءً عَلَيْهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.
وقِيلَ: إنَّ ( ثَمَّ ) هاهُنا هي بِفَتْحِ الثّاءِ فَتَكُونُ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى هُناكَ، والأوَّلُ أوْلى.
قَوْلُهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ قِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم: أيْ قِيلَ: لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ؟ أيْ: بِالعَذابِ تَكْذِيبًا مِنكم واسْتِهْزاءً، لِأنَّ اسْتِعْجالَهم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَكُونُ المَقْصُودُ بِأمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ: التَّوْبِيخُ لَهم والِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ والإزْراءُ عَلَيْهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقُرِئَ " آلانَ " بِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ اللّامِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ، قِيلَ: آلْآنَ، والمُرادُ مِنهُ: التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ لَهم أيْ قِيلَ: لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وعَدَمِ الإيمانِ: إنَّ هَذا (p-٦٢٩)الَّذِي تَطْلُبُونَهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ، عارٍ عَنِ النَّفْعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، والعاقِلُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ.
ويُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ أيِ: العَذابَ الدّائِمَ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، والقائِلُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ والَّتِي قَبْلَها قِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ هم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الأنْبِياءُ عَلى الخُصُوصِ، أوِ المُؤْمِنُونَ عَلى العُمُومِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الحَياةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وكَأنَّهُ يُقالُ لَهم هَذا القَوْلُ عَنِ اسْتِغاثَتِهِمْ مِنَ العَذابِ وحُلُولِ النِّقْمَةِ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْهم بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ البالِغَةِ، والجَواباتِ عَنْ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ: أنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا تارَةً أُخْرى عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هُوَ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ عَنْ جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ مِنهم والإنْكارِ، أحَقٌّ ما تَعِدُنا بِهِ مِنَ العَذابِ في العاجِلِ والآجِلِ، وهَذا السُّؤالُ مِنهم جَهْلٌ مَحْضٌ، وظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم مَعَ الجَوابِ عَلَيْهِ، فَصَنِيعُهم في هَذا التَّكْرِيرِ صَنِيعُ مَن لا يَعْقِلُ ما يَقُولُ ولا ما يُقالُ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الِاسْتِخْبارِ مِنهم هو عَنْ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وارْتِفاعُ ( حَقٌّ ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ هو الضَّمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( يَسْتَنْبِئُونَكَ )، وقُرِئَ " آلْحَقُّ هو " عَلى أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ الحَقُّ لا الباطِلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمُ الخارِجِ مُخْرَجَ الِاسْتِهْزاءِ: أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما هو مَقْصُودُهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ: ﴿إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾: أيْ نَعَمْ ورَبِّي إنَّ ما أعِدُكم بِهِ مِنَ العَذابِ لَحَقٌّ ثابِتٌ كائِنٌ لا مَحالَةَ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَأْكِيدٌ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: القَسَمُ مَعَ دُخُولِ الحِرَفِ الخاصِّ بِالقَسَمِ الواقِعِ مَوْقِعَ نَعَمْ، الثّانِي: دُخُولُ إنَّ المُؤَكِّدَةِ، الثّالِثُ: اللّامُ في ( لَحَقٌّ )، الرّابِعُ: اسْمِيَّةُ الجُمْلَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ بَلَغُوا في الإنْكارِ والتَّمَرُّدِ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأشَدِّ تَوَعُّدٍ، ورَهَّبَهم بِأعْظَمِ تَرْهِيبٍ، فَقالَ:﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ والتَّحَيُّلِ الَّذِي لا يَنْفَعُ والمُكابَرَةِ الَّتِي لا تَدْفَعُ مِن قَضاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ خُلُوصِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
ثُمَّ زادَ في التَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ المُتَّصِفَةِ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها بِالكُفْرِ بِاللَّهِ وعَدَمِ الإيمانِ بِهِ، ما في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ الأمْوالِ النَّفِيسَةِ، والذَّخائِرِ الفائِقَةِ، لافْتَدَتْ بِهِ: أيْ جَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبأ: ٣٣] الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأنْفُسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
ومَعْنى أسَرُّوا: أخْفَوْا أيْ: لَمْ يُظْهِرُوا النَّدامَةَ بَلْ أخْفَوْها لِما قَدْ شاهَدُوهُ في ذَلِكَ المَوْطِنِ مِمّا سَلَبَ عُقُولَهم، وذَهَبَ بِتَجَلُّدِهِمْ، ويُمْكِنُ أنَّهُ بَقِيَ فِيهِمْ وهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ عِرْقٌ يَنْزِعُهم إلى العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الدُّنْيا، فَأسَرُّوا النَّدامَةَ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: أسَرَّها الرُّؤَساءُ فِيما بَيْنَهم دُونَ أتْباعِهِمْ خَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ لَهم لِكَوْنِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم وحالُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الإسْلامِ، ووُقُوعُ هَذا مِنهم كانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، وأمّا بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون: ١٠٦] وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا: أظْهَرُوا، وقِيلَ: وجَدُوا ألَمَ الحَسْرَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِأنَّ النَّدامَةَ لا يُمْكِنُ إظْهارُها، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيْرٍ:
؎فَأسْرَرْتُ النَّدامَةَ يَوْمَ نادى بِرَدِّ جِمالِ غاضِرَةَ المُنادِي
وذَكَرَ المُبَرِّدُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّها بَدَتْ في وُجُوهِهِمْ أسِرَّةُ النَّدامَةِ، وهي الِانْكِسارُ، واحِدُها سِرارٌ، وجَمْعُها أسارِيرُ، والثّانِي: ما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: مَعْنى أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها، لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، ولَمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِـ ( أسَرُّوا )، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ قَضى اللَّهُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ الكافِرِينَ، أوْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ، أوْ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ الكُفّارِ والمَظْلُومِينَ، وقِيلَ: مَعْنى القَضاءِ بَيْنَهم: إنْزالُ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، والقِسْطُ: العَدْلُ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَظْلِمُهُمُ اللَّهُ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ فَإنَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ كَمالِ قُدْرَتِهِ، لِأنَّ مَن مَلَكَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ تَصَرَّفَ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ لِكَوْنِهِمْ أكْثَرَ المَخْلُوقاتِ.
قِيلَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِداءَ الكُفّارِ بِما في الأرْضِ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ، بَيَّنَ أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ، ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِافْتِداءِ بِهِ، وقِيلَ: لَمّا أقْسَمَ عَلى حَقِّيَةِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أرادَ أنْ يَصْحَبَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البُرْهانِ البَيِّنِ بِأنَّ ما في العالَمِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مَلِكُهُ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ يَشاءُ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْغافِلِينَ، وإيقاظٌ لِلذّاهِلِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ما سَبَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيْ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وهو عامٌّ يَنْدَرِجُ فِيهِ ما اسْتَعْجَلُوهُ مِنَ العَذابِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحِرَفِ التَّنْبِيهِ كَما قُلْنا في الَّتِي قَبْلَها مَعَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الكُفّارَ لا يَعْلَمُونَ ما فِيهِ صَلاحُهم فَيَعْمَلُونَ بِهِ، وما فِيهِ فَسادُهم فَيَجْتَنِبُونَهُ.
﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ يَهَبُ الحَياةَ ويَسْلُبُها ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الدّارِ الآخِرَةِ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّهُ، ويَتَفَضَّلُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي القُرْآنَ فِيهِ ما يَتَّعِظُ بِهِ مَن قَرَأهُ وعَرَفَ مَعْناهُ، والوَعْظُ في الأصْلِ: هو التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ سَواءٌ كانَ (p-٦٣٠)بِالتَّرْغِيبِ أوِ التَّرْهِيبِ، والواعِظُ هو كالطَّبِيبِ يَنْهى المَرِيضَ عَمّا يَضُرُّهُ، و( مِن ) في مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ، وهو ( جاءَتْكم )، فَتَكُونُ ابْتِدائِيَّةً، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، فَتَكُونُ تَبْعِيضِيَّةً ﴿وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الشُّكُوكِ الَّتِي تَعْتَرِي بَعْضَ المُرْتابِينَ لِوُجُودِ ما يُسْتَفادُ مِنهُ فِيهِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، واشْتِمالِهِ عَلى تَزْيِيفِ العَقائِدِ الباطِلَةِ، والهُدى: الإرْشادُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ وتَفَكَّرَ فِيهِ، وتَدَبَّرَ مَعانِيَهُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى الجَنَّةِ، والرَّحْمَةُ: هي ما يُوجَدُ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ، فَيَطْلُبُها مَن أرادَ ذَلِكَ حَتّى يَنالَها، فالقُرْآنُ العَظِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَ الخِطابَ مَعَهُ بَعْدَ خِطابِهِ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ، فَقالَ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ المُرادُ بِالفَضْلِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: هو تَفَضُّلُهُ عَلى عِبادِهِ في الآجِلِ والعاجِلِ بِما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، والرَّحْمَةُ: رَحْمَتُهُ لَهم.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ فَضْلُ اللَّهِ: القُرْآنُ، ورَحْمَتُهُ: الإسْلامُ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، أنَّ فَضْلَ اللَّهِ: الإيمانُ، ورَحْمَتَهُ: القُرْآنُ.
والأوْلى حَمْلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى العُمُومِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما في القُرْآنِ مِنهُما دُخُولًا أوَّلِيًّا، وأصْلُ الكَلامِ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ حُذِفَ هَذا الفِعْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عَلَيْهِ، قِيلَ: والفاءُ في هَذا الفِعْلِ المَحْذُوفِ داخِلَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَلْيَخُصُّوا فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ بِالفَرَحِ.
وتَكْرِيرُ الباءِ في ( بِرَحْمَتِهِ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ في الفَرَحِ، والفَرَحُ: هو اللَّذَّةُ في القَلْبِ بِسَبَبِ إدْراكِ المَطْلُوبِ، وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الفَرَحَ في مُواطِنَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وجَوَّزَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وكَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ الباءُ في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ بِقَوْلِهِ: جاءَتْكُمُ، والتَّقْدِيرُ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ أيْ: فَبِمَجِيئِها فَلْيَفْرَحُوا، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ ويَعْقُوبُ " فَلْتَفْرَحُوا " بِالفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، والضَّمِيرُ في هو خَيْرٌ راجِعٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، أوْ إلى المَجِيءِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، أوْ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ والمَعْنى: أنَّ هَذا خَيْرٌ لَهم مِمّا يَجْمَعُونَهُ مِن حُطامِ الدُّنْيا.
وقَدْ قُرِئَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ " مُطابَقَةً لِلْقِراءَةِ بِها في " فَلْتَفْرَحُوا " .
وقَدْ تَقَرَّرَ في العَرَبِيَّةِ أنَّ لامَ الأمْرِ تُحْذَفُ مَعَ الخِطابِ إلّا في لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، جاءَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلَيْها، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ في يَجْمَعُونَ كَما قَرَءُوا في " فَلْيَفْرَحُوا " .
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ في " يَجْمَعُونَ "، والتَّحْتِيَّةِ في " فَلْيَفْرَحُوا " .
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنَّ أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فَوَصَفَ لَهُ الخَمْرَ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! ما جَعَلَ اللَّهُ في رِجْسٍ شِفاءً، إنَّما الشِّفاءُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ والعَسَلِ، فَهُما شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وشِفاءٌ لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: " إنَّ اللَّهَ جَعَلَ القُرْآنَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ شِفاءً لِأمْراضِكم " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: إنِّي أشْتَكِي صَدْرِي، فَقالَ: اقْرَأِ القُرْآنَ، يَقُولُ اللَّهُ: شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وجَعَ حَلْقِهِ قالَ: عَلَيْكَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ والعَسَلِ، فالقُرْآنُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، والعَسَلُ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ قالَ: «بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنِ البَراءِ مِثْلَهُ مِن قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ وبِالإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أيْضًا قالَ: بِفَضْلِ اللَّهِ القُرْآنُ، وبِرَحْمَتِهِ حِينَ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ نَحْوُ هَذِهِ الرِّواياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الأمْوالِ والحَرْثِ والأنْعامِ.
يونس 10:59
أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ إلى طَرِيقٍ أُخْرى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّكم تَحْكُمُونَ بِتَحْلِيلِ البَعْضِ وتَحْرِيمِ البَعْضِ، فَإنْ كانَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى فَهو مَهْجُورٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ، وإنْ كانَ لِاعْتِقادِكم أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيكم وفِيما رَزَقَكم فَلا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقٍ مُوَصِّلَةٍ إلى اللَّهِ، ولا طَرِيقَ يَتَبَيَّنُ بِها الحَلالُ مِنَ الحَرامِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ (p-٦٣١)الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ، ومَعْنى أرَأيْتُمْ: أخْبِرُونِي وما في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ ) المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى أخْبِرُونِي.
وقِيلَ: إنَّ ( ما ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ و" قُلْ " في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومَجْمُوعُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ )، والمَعْنى: أخْبِرُونِي الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا، آللَّهُ أذِنَ لَكم في تَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَ " مِن " في " مِنهُ حَرامًا " لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَرامًا، وجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَلالًا، وذَلِكَ كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الأنْعامِ حَسْبَما سَبَقَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في الكِتابِ العَزِيزِ، ومَعْنى إنْزالِ الرِّزْقِ: كَوْنُ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، وكَذَلِكَ يُقْضى الأمْرُ في أرْزاقِ العِبادِ في السَّماءِ عَلى ما قَدْ ثَبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِن ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ.
ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ " ما " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " أنْزَلَ "، وأنْزَلَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما قالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفًا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ في ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ لِلْإنْكارِ، و" أمْ " مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ما يَصُكُّ مَسامِعَ المُتَصَدِّرِينَ لِلْإفْتاءِ لِعِبادِ اللَّهِ في شَرِيعَتِهِ، بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والجَوازِ وعَدَمِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يُفْهَمُونَها ولا يَدْرُونَ ما هي، ومَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ الحِكايَةُ لِقَوْلِ قائِلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ قَلَّدُوهُ في دِينِهِمْ، وجَعَلُوهُ شارِعًا مُسْتَقِلًّا، ما عَمِلَ بِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَهو المَعْمُولُ بِهِ عِنْدَهم، وما لَمْ يَبْلُغْهُ أوْ بَلَغَهُ ولَمْ يَفْهَمْهُ حَقَّ فَهْمِهِ، أوْ فَهِمَهُ وأخْطَأ الصَّوابَ في اجْتِهادِهِ وتَرْجِيحِهِ، فَهو في حُكْمِ المَنسُوخِ عِنْدَهُمُ المَرْفُوعِ حُكْمُهُ عَنِ العِبادِ، مَعَ كَوْنِ مَن قَلَّدُوهُ مُتَعَبَّدًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَما هم مُتَعَبَّدُونَ بِها ومَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأحْكامِها كَما هو مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِها، وقَدِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ، وفازَ بِأجْرَيْنِ مَعَ الإصابَةِ وأجْرٍ مَعَ الخَطَأِ، إنَّما الشَّأْنُ في جَعْلِهِمْ لِرَأْيِهِ الَّذِي أخْطَأ فِيهِ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً، ودَلِيلًا مَعْمُولًا بِهِ، وقَدْ أخْطَئُوا في هَذا خَطَأً بَيِّنًا، وغَلَطُوا غَلَطًا فاحِشًا، فَإنَّ التَّرْخِيصَ لِلْمُجْتَهِدِ في اجْتِهادِ رَأْيِهِ يَخُصُّهُ وحْدَهُ، ولا قائِلَ مِن أهْلِ الإسْلامِ المُعْتَدِّ بِأقْوالِهِمْ أنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أنْ يَعْمَلَ بِهِ تَقْلِيدًا لَهُ واقْتِداءً بِهِ، وما جاءَ بِهِ المُقَلِّدَةُ في تَقَوُّمِ هَذا الباطِلِ، فَهو مِنَ الجَهْلِ العاطِلِ، اللَّهُمَّ كَما رَزَقَتْنا مِنَ العِلْمِ ما نُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فارْزُقْنا مِنَ الإنْصافِ ما نَظْفَرُ عِنْدَهُ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ يا واهِبَ الخَيْرِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في هَذا اليَوْمِ، وما يُصْنَعُ بِهِمْ فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ المُتَضَمِّنَةُ لِتَعْظِيمِ الوَعِيدِ لَهم غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، بَلْ مُبْتَدَأةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، و( يَوْمَ القِيامَةِ ) مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ، وذِكْرُ الكَذِبِ بَعْدَ الِافْتِراءِ، مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " وما ظَنَّ " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ النِّعَمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ عَلى نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وطَرْفَةٍ مِنَ الطَّرَفاتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وما نافِيَةٌ.
والشَّأْنُ: الأمْرُ بِمَعْنى القَصْدِ، وأصْلُهُ الهَمْزُ، وجَمْعُهُ شُئُونٌ.
قالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ العَرَبُ: ما شَأنْتُ شَأْنَهُ: أيْ ما عَمِلْتُ عَمَلَهُ.
﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ عَلى الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تِلاوَةً كائِنَةً مِنهُ، إذِ التِّلاوَةُ لِلْقُرْآنِ مِن أعْظَمِ شُئُونِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: أنَّهُ يَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ الَّذِي حَدَثَ القُرْآنُ فَيَعْلَمُ كَيْفَ حُكْمُهُ، أوْ يَتْلُو القُرْآنَ الَّذِي يَنْزِلُ في ذَلِكَ الشَّأْنِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الضَّمِيرُ عائِدٌ في مِنهُ إلى الكِتابِ: أيْ ما يَكُونُ مِن كِتابِ اللَّهِ مِن قُرْآنٍ، وأعادَهُ تَفْخِيمًا لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] والخِطابُ في ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ ولِلْأُمَّةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ لِلْمُخاطَبِينَ: أيْ شُهُودًا عَلَيْكم بِعَمَلِهِ مِنكم، والضَّمِيرُ في " فِيهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى العَمَلِ، يُقالُ: أفاضَ فُلانٌ في الحَدِيثِ والعَمَلِ: إذا انْدَفَعَ فِيهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: الضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى: إذْ تُشِيعُونَ في القُرْآنِ الكَذِبَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ الكِسائِيُّ " يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، ومَعْنى يَعْزُبُ: يَغِيبُ، وقِيلَ: يَبْعُدُ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَذْهَبُ، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، و" مِن " في مِن مِثْقالِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ وما يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ وزْنُ ذَرَّةٍ: أيْ نَمْلَةٍ حَمْراءَ، وعَبَّرَ بِالأرْضِ والسَّماءِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ لا فِيهِما ولا فِيما هو خارِجٌ عَنْهُما، لِأنَّ النّاسَ لا يُشاهِدُونَ سِواهُما وسِوى ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ، وقَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ لِأنَّها مَحَلُّ اسْتِقْرارِ العالَمِ فَهم يُشاهِدُونَ ما فِيها مِن قُرْبٍ، والواوُ في ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى لَفْظِ " مِثْقالِ "، وانْتَصَبا لِكَوْنِهِما مُمْتَنِعَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ذَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُما بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، ولَيْسَ مِن مُتَعَلَّقاتِ " وما يَعْزُبُ "، وخَبَرُ لا ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ والمَعْنى: ولا أصْغَرَ مِن مِثْقالِ الذَّرَّةِ ولا أكْبَرَ مِنهُ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ فَكَيْفَ يَغِيبُ عَنْهُ ؟ وقَرَأ يَعْقُوبُ، وحَمْزَةُ، بِرَفْعِ أصْغَرَ وأكْبَرَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( مِن مِثْقالِ )، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ، وقَدْ أُورِدَ عَلى تَوْجِيهِ النَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى لَفْظِ مِثْقالٍ ومَحَلِّهِ، أوْ عَلى لَفْظِ ذَرَّةٍ إشْكالٌ، وهو أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا في كِتابٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي في (p-٦٣٢)الكِتابِ خارِجًا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وهو مُحالٌ.
وقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الإشْكالِ بِأنَّ الأشْياءَ المَخْلُوقَةَ قِسْمانِ: قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، كَخَلْقِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ آخَرُ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ مِن حَوادِثِ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ مُتَباعِدٌ في سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ الأوَّلِ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، أثْبَتَ فِيهِ صُورَةَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ، والغَرَضُ الرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ.
وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ هو في كِتابٍ مُبِينٍ.
وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ أنَّ إلّا بِمَعْنى الواوِ، عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا أكْبَرَ﴾ ثُمَّ وقَعَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وهو أيْضًا في كِتابٍ مُبِينٍ.
والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ إلّا مَوْضِعَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] يَعْنِي ومَن ظَلَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا، وقُدِّرَ " هو " بَعْدَ الواوِ الَّتِي جاءَتْ إلّا بِمَعْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] أيْ هي حِطَّةٌ، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وخَبَرُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، واخْتارَ في قِراءَةِ النَّصْبِ الَّتِي قَرَأ بِها الجُمْهُورُ أنَّهُما مَنصُوبانِ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، واسْتَشْكَلَ العَطْفَ بِنَحْوِ ما قَدَّمْنا.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ إحاطَتَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، وكانَ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُطِيعِينَ، وكَسْرٌ لِقُلُوبِ العاصِينَ ذَكَرَ حالَ المُطِيعِينَ، فَقالَ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ الوَلِيُّ في اللُّغَةِ: القَرِيبُ.
والمُرادُ بِأوْلِياءِ اللَّهِ: خُلَّصُ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهم قُرِّبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الأوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ويَتَّقُونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم أنَّهم لا يَخافُونَ أبَدًا كَما يَخافُ غَيْرُهم، لِأنَّهم قَدْ قامُوا بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَنِ المَعاصِي الَّتِي نَهاهم عَنْها، فَهم عَلى ثِقَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ وحُسْنِ ظَنٍّ بِرَبِّهِمْ، وكَذَلِكَ لا يَحْزَنُونَ عَلى فَوْتِ مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَيُسَلِّمُونَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ويُرِيحُونَ قُلُوبَهم عَنِ الهَمِّ والكَدَرِ، فَصُدُورُهم مُنْشَرِحَةٌ، وجَوارِحُهم نَشِطَةٌ، وقُلُوبُهم مَسْرُورَةٌ؛ ومَحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( أوْلِياءَ ) أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ " لَهُمُ البُشْرى "، فَيَكُونُ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، أوِ النَّصْبُ أيْضًا عَلى المَدْحِ أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِ ( أوْلِياءَ ) .
قَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ اللَّهِ: أيْ لَهُمُ البُشْرى مِنَ اللَّهِ ما دامُوا في الحَياةِ بِما يُوحِيهِ إلى أنْبِيائِهِ، ويُنْزِلُهُ في كُتُبِهِ، مِن كَوْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ هو إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ ورِضْوانُهُ عَنْهم، كَما وقَعَ كَثِيرٌ مِنَ البِشاراتِ لِلْمُؤْمِنِينَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وكَذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ، وما يَتَفَضَّلُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ، وما يُشاهِدُونَهُ مِنَ التَّبْشِيرِ لَهم عِنْدَ حُضُورِ آجالِهِمْ، بِتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قائِلِينَ لَهم: لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ، وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَتَلَقِّي المَلائِكَةِ لَهم مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ بِالنَّعِيمِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ.
والبُشْرى مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ، والظَّرْفانِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وحالَ كَوْنِهِمْ في الآخِرَةِ، ومَعْنى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيها ما وعَدَ بِهِ عِبادَهُ الصّالِحِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ بِالبِشارَتَيْنِ في الدّارَيْنِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدَرُهُ ولا يُماثِلُهُ غَيْرُهُ، والجُمْلَتانِ: أعْنِي ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ و﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وفائِدَتُهُما تَحْقِيقُ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، أوِ الأُولى اعْتِراضِيَّةٌ، والثّانِيَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ قالَ: هم أهْلُ الشِّرْكِ كانُوا يُحِلُّونَ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ ما شاءُوا ويُحَرِّمُونَ ما شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ قالَ: إذْ تَفْعَلُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ قالَ: لا يَغِيبُ عَنْهُ وزْنُ ذَرَّةٍ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ: هو الكِتابُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ قِيلَ: مَن هم يا رَبِّ ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا يُذْكَرُ اللَّهُ لِرُؤْيَتِهِمْ» .
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُبارَكِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ مِن طُرُقٍ أُخْرى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الجُمُوحِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «لا يَحِقُّ العَبْدُ حَقَّ صَرِيحِ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ لِلَّهِ ويُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإذا أحَبَّ لِلَّهِ وأبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الوَلاءَ مِنَ اللَّهِ، وإنَّ أوْلِيائِي مِن عِبادِي وأحِبّائِي مِن خَلْقِي الَّذِينَ يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي وأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، (p-٦٣٣)عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُ عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وشَرارُ عِبادِهِ المَشّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ الباغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُكم مَن ذَكَّرَكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وزادَ في عِلْمِكم مَنطِقُهُ، ورَغَّبَكم في الآخِرَةِ عَمَلُهُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِالأنْبِياءِ ولا شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرْبِهِمْ ومَجْلِسِهِمْ مِنهُ، فَجَثا أعْرابِيٌّ عَلى رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهم لَنا جَلِّهِمْ لَنا ؟ قالَ: قَوْمٌ مِن أفْناءِ النّاسِ مِن نُزّاعِ القَبائِلِ، تَصافَوْا في اللَّهِ وتَحابُّوا في اللَّهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِن نُورٍ فَيُجْلِسُهم، يَخافُ النّاسُ ولا يَخافُونَ، هم أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ جَيِّدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: الَّذِينَ يَتَحابُّونَ في اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ المُتَحابِّينَ في اللَّهِ أحادِيثُ لَيْسَ فِيها أنَّهُمُ المُرادُونَ بِالآيَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ مِصْرَ قالَ: سَألْتُ أبا الدَّرْداءِ عَنْ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيَّ هي: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ، أوْ تُرى لَهُ، فَهي بُشْراهُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وبُشْراهُ في الآخِرَةِ الجَنَّةُ»، وفي إسْنادِهِ هَذا الرَّجُلُ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والدّارِمَيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يُبَشَّرُ بِها المُؤْمِنُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَن رَأى ذَلِكَ فَلْيُخْبِرْ بِها» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ قالَ: «هِيَ في الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها العَبْدُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ مَندَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَّرَ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا بِالرُّؤْيا الحَبِيبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِ عِنْدَ المَوْتِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولِمَن حَمَلَكَ إلى قَبْرِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ مَرْفُوعًا مِثْلَ حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا الشَّطْرَ الأوَّلَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ بِأنَّ الرُّؤْيا الصّالِحَةَ مِنَ المُبَشِّراتِ وأنَّها جُزْءٌ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ، ولَكِنَّها لَمْ تُقَيَّدْ لِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى في الآيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] .
أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ أنَّها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: خَطَبَ الحَجّاجُ فَقالَ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتابَ اللَّهِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُّبَيْرِ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ.
يونس 10:60
أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ إلى طَرِيقٍ أُخْرى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّكم تَحْكُمُونَ بِتَحْلِيلِ البَعْضِ وتَحْرِيمِ البَعْضِ، فَإنْ كانَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى فَهو مَهْجُورٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ، وإنْ كانَ لِاعْتِقادِكم أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيكم وفِيما رَزَقَكم فَلا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقٍ مُوَصِّلَةٍ إلى اللَّهِ، ولا طَرِيقَ يَتَبَيَّنُ بِها الحَلالُ مِنَ الحَرامِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ (p-٦٣١)الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ، ومَعْنى أرَأيْتُمْ: أخْبِرُونِي وما في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ ) المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى أخْبِرُونِي.
وقِيلَ: إنَّ ( ما ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ و" قُلْ " في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومَجْمُوعُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ )، والمَعْنى: أخْبِرُونِي الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا، آللَّهُ أذِنَ لَكم في تَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَ " مِن " في " مِنهُ حَرامًا " لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَرامًا، وجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَلالًا، وذَلِكَ كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الأنْعامِ حَسْبَما سَبَقَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في الكِتابِ العَزِيزِ، ومَعْنى إنْزالِ الرِّزْقِ: كَوْنُ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، وكَذَلِكَ يُقْضى الأمْرُ في أرْزاقِ العِبادِ في السَّماءِ عَلى ما قَدْ ثَبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِن ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ.
ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ " ما " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " أنْزَلَ "، وأنْزَلَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما قالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفًا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ في ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ لِلْإنْكارِ، و" أمْ " مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ما يَصُكُّ مَسامِعَ المُتَصَدِّرِينَ لِلْإفْتاءِ لِعِبادِ اللَّهِ في شَرِيعَتِهِ، بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والجَوازِ وعَدَمِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يُفْهَمُونَها ولا يَدْرُونَ ما هي، ومَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ الحِكايَةُ لِقَوْلِ قائِلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ قَلَّدُوهُ في دِينِهِمْ، وجَعَلُوهُ شارِعًا مُسْتَقِلًّا، ما عَمِلَ بِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَهو المَعْمُولُ بِهِ عِنْدَهم، وما لَمْ يَبْلُغْهُ أوْ بَلَغَهُ ولَمْ يَفْهَمْهُ حَقَّ فَهْمِهِ، أوْ فَهِمَهُ وأخْطَأ الصَّوابَ في اجْتِهادِهِ وتَرْجِيحِهِ، فَهو في حُكْمِ المَنسُوخِ عِنْدَهُمُ المَرْفُوعِ حُكْمُهُ عَنِ العِبادِ، مَعَ كَوْنِ مَن قَلَّدُوهُ مُتَعَبَّدًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَما هم مُتَعَبَّدُونَ بِها ومَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأحْكامِها كَما هو مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِها، وقَدِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ، وفازَ بِأجْرَيْنِ مَعَ الإصابَةِ وأجْرٍ مَعَ الخَطَأِ، إنَّما الشَّأْنُ في جَعْلِهِمْ لِرَأْيِهِ الَّذِي أخْطَأ فِيهِ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً، ودَلِيلًا مَعْمُولًا بِهِ، وقَدْ أخْطَئُوا في هَذا خَطَأً بَيِّنًا، وغَلَطُوا غَلَطًا فاحِشًا، فَإنَّ التَّرْخِيصَ لِلْمُجْتَهِدِ في اجْتِهادِ رَأْيِهِ يَخُصُّهُ وحْدَهُ، ولا قائِلَ مِن أهْلِ الإسْلامِ المُعْتَدِّ بِأقْوالِهِمْ أنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أنْ يَعْمَلَ بِهِ تَقْلِيدًا لَهُ واقْتِداءً بِهِ، وما جاءَ بِهِ المُقَلِّدَةُ في تَقَوُّمِ هَذا الباطِلِ، فَهو مِنَ الجَهْلِ العاطِلِ، اللَّهُمَّ كَما رَزَقَتْنا مِنَ العِلْمِ ما نُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فارْزُقْنا مِنَ الإنْصافِ ما نَظْفَرُ عِنْدَهُ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ يا واهِبَ الخَيْرِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في هَذا اليَوْمِ، وما يُصْنَعُ بِهِمْ فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ المُتَضَمِّنَةُ لِتَعْظِيمِ الوَعِيدِ لَهم غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، بَلْ مُبْتَدَأةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، و( يَوْمَ القِيامَةِ ) مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ، وذِكْرُ الكَذِبِ بَعْدَ الِافْتِراءِ، مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " وما ظَنَّ " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ النِّعَمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ عَلى نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وطَرْفَةٍ مِنَ الطَّرَفاتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وما نافِيَةٌ.
والشَّأْنُ: الأمْرُ بِمَعْنى القَصْدِ، وأصْلُهُ الهَمْزُ، وجَمْعُهُ شُئُونٌ.
قالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ العَرَبُ: ما شَأنْتُ شَأْنَهُ: أيْ ما عَمِلْتُ عَمَلَهُ.
﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ عَلى الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تِلاوَةً كائِنَةً مِنهُ، إذِ التِّلاوَةُ لِلْقُرْآنِ مِن أعْظَمِ شُئُونِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: أنَّهُ يَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ الَّذِي حَدَثَ القُرْآنُ فَيَعْلَمُ كَيْفَ حُكْمُهُ، أوْ يَتْلُو القُرْآنَ الَّذِي يَنْزِلُ في ذَلِكَ الشَّأْنِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الضَّمِيرُ عائِدٌ في مِنهُ إلى الكِتابِ: أيْ ما يَكُونُ مِن كِتابِ اللَّهِ مِن قُرْآنٍ، وأعادَهُ تَفْخِيمًا لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] والخِطابُ في ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ ولِلْأُمَّةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ لِلْمُخاطَبِينَ: أيْ شُهُودًا عَلَيْكم بِعَمَلِهِ مِنكم، والضَّمِيرُ في " فِيهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى العَمَلِ، يُقالُ: أفاضَ فُلانٌ في الحَدِيثِ والعَمَلِ: إذا انْدَفَعَ فِيهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: الضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى: إذْ تُشِيعُونَ في القُرْآنِ الكَذِبَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ الكِسائِيُّ " يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، ومَعْنى يَعْزُبُ: يَغِيبُ، وقِيلَ: يَبْعُدُ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَذْهَبُ، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، و" مِن " في مِن مِثْقالِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ وما يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ وزْنُ ذَرَّةٍ: أيْ نَمْلَةٍ حَمْراءَ، وعَبَّرَ بِالأرْضِ والسَّماءِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ لا فِيهِما ولا فِيما هو خارِجٌ عَنْهُما، لِأنَّ النّاسَ لا يُشاهِدُونَ سِواهُما وسِوى ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ، وقَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ لِأنَّها مَحَلُّ اسْتِقْرارِ العالَمِ فَهم يُشاهِدُونَ ما فِيها مِن قُرْبٍ، والواوُ في ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى لَفْظِ " مِثْقالِ "، وانْتَصَبا لِكَوْنِهِما مُمْتَنِعَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ذَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُما بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، ولَيْسَ مِن مُتَعَلَّقاتِ " وما يَعْزُبُ "، وخَبَرُ لا ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ والمَعْنى: ولا أصْغَرَ مِن مِثْقالِ الذَّرَّةِ ولا أكْبَرَ مِنهُ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ فَكَيْفَ يَغِيبُ عَنْهُ ؟ وقَرَأ يَعْقُوبُ، وحَمْزَةُ، بِرَفْعِ أصْغَرَ وأكْبَرَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( مِن مِثْقالِ )، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ، وقَدْ أُورِدَ عَلى تَوْجِيهِ النَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى لَفْظِ مِثْقالٍ ومَحَلِّهِ، أوْ عَلى لَفْظِ ذَرَّةٍ إشْكالٌ، وهو أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا في كِتابٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي في (p-٦٣٢)الكِتابِ خارِجًا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وهو مُحالٌ.
وقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الإشْكالِ بِأنَّ الأشْياءَ المَخْلُوقَةَ قِسْمانِ: قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، كَخَلْقِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ آخَرُ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ مِن حَوادِثِ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ مُتَباعِدٌ في سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ الأوَّلِ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، أثْبَتَ فِيهِ صُورَةَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ، والغَرَضُ الرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ.
وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ هو في كِتابٍ مُبِينٍ.
وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ أنَّ إلّا بِمَعْنى الواوِ، عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا أكْبَرَ﴾ ثُمَّ وقَعَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وهو أيْضًا في كِتابٍ مُبِينٍ.
والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ إلّا مَوْضِعَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] يَعْنِي ومَن ظَلَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا، وقُدِّرَ " هو " بَعْدَ الواوِ الَّتِي جاءَتْ إلّا بِمَعْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] أيْ هي حِطَّةٌ، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وخَبَرُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، واخْتارَ في قِراءَةِ النَّصْبِ الَّتِي قَرَأ بِها الجُمْهُورُ أنَّهُما مَنصُوبانِ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، واسْتَشْكَلَ العَطْفَ بِنَحْوِ ما قَدَّمْنا.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ إحاطَتَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، وكانَ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُطِيعِينَ، وكَسْرٌ لِقُلُوبِ العاصِينَ ذَكَرَ حالَ المُطِيعِينَ، فَقالَ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ الوَلِيُّ في اللُّغَةِ: القَرِيبُ.
والمُرادُ بِأوْلِياءِ اللَّهِ: خُلَّصُ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهم قُرِّبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الأوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ويَتَّقُونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم أنَّهم لا يَخافُونَ أبَدًا كَما يَخافُ غَيْرُهم، لِأنَّهم قَدْ قامُوا بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَنِ المَعاصِي الَّتِي نَهاهم عَنْها، فَهم عَلى ثِقَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ وحُسْنِ ظَنٍّ بِرَبِّهِمْ، وكَذَلِكَ لا يَحْزَنُونَ عَلى فَوْتِ مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَيُسَلِّمُونَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ويُرِيحُونَ قُلُوبَهم عَنِ الهَمِّ والكَدَرِ، فَصُدُورُهم مُنْشَرِحَةٌ، وجَوارِحُهم نَشِطَةٌ، وقُلُوبُهم مَسْرُورَةٌ؛ ومَحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( أوْلِياءَ ) أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ " لَهُمُ البُشْرى "، فَيَكُونُ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، أوِ النَّصْبُ أيْضًا عَلى المَدْحِ أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِ ( أوْلِياءَ ) .
قَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ اللَّهِ: أيْ لَهُمُ البُشْرى مِنَ اللَّهِ ما دامُوا في الحَياةِ بِما يُوحِيهِ إلى أنْبِيائِهِ، ويُنْزِلُهُ في كُتُبِهِ، مِن كَوْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ هو إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ ورِضْوانُهُ عَنْهم، كَما وقَعَ كَثِيرٌ مِنَ البِشاراتِ لِلْمُؤْمِنِينَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وكَذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ، وما يَتَفَضَّلُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ، وما يُشاهِدُونَهُ مِنَ التَّبْشِيرِ لَهم عِنْدَ حُضُورِ آجالِهِمْ، بِتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قائِلِينَ لَهم: لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ، وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَتَلَقِّي المَلائِكَةِ لَهم مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ بِالنَّعِيمِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ.
والبُشْرى مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ، والظَّرْفانِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وحالَ كَوْنِهِمْ في الآخِرَةِ، ومَعْنى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيها ما وعَدَ بِهِ عِبادَهُ الصّالِحِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ بِالبِشارَتَيْنِ في الدّارَيْنِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدَرُهُ ولا يُماثِلُهُ غَيْرُهُ، والجُمْلَتانِ: أعْنِي ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ و﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وفائِدَتُهُما تَحْقِيقُ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، أوِ الأُولى اعْتِراضِيَّةٌ، والثّانِيَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ قالَ: هم أهْلُ الشِّرْكِ كانُوا يُحِلُّونَ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ ما شاءُوا ويُحَرِّمُونَ ما شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ قالَ: إذْ تَفْعَلُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ قالَ: لا يَغِيبُ عَنْهُ وزْنُ ذَرَّةٍ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ: هو الكِتابُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ قِيلَ: مَن هم يا رَبِّ ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا يُذْكَرُ اللَّهُ لِرُؤْيَتِهِمْ» .
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُبارَكِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ مِن طُرُقٍ أُخْرى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الجُمُوحِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «لا يَحِقُّ العَبْدُ حَقَّ صَرِيحِ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ لِلَّهِ ويُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإذا أحَبَّ لِلَّهِ وأبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الوَلاءَ مِنَ اللَّهِ، وإنَّ أوْلِيائِي مِن عِبادِي وأحِبّائِي مِن خَلْقِي الَّذِينَ يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي وأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، (p-٦٣٣)عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُ عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وشَرارُ عِبادِهِ المَشّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ الباغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُكم مَن ذَكَّرَكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وزادَ في عِلْمِكم مَنطِقُهُ، ورَغَّبَكم في الآخِرَةِ عَمَلُهُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِالأنْبِياءِ ولا شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرْبِهِمْ ومَجْلِسِهِمْ مِنهُ، فَجَثا أعْرابِيٌّ عَلى رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهم لَنا جَلِّهِمْ لَنا ؟ قالَ: قَوْمٌ مِن أفْناءِ النّاسِ مِن نُزّاعِ القَبائِلِ، تَصافَوْا في اللَّهِ وتَحابُّوا في اللَّهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِن نُورٍ فَيُجْلِسُهم، يَخافُ النّاسُ ولا يَخافُونَ، هم أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ جَيِّدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: الَّذِينَ يَتَحابُّونَ في اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ المُتَحابِّينَ في اللَّهِ أحادِيثُ لَيْسَ فِيها أنَّهُمُ المُرادُونَ بِالآيَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ مِصْرَ قالَ: سَألْتُ أبا الدَّرْداءِ عَنْ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيَّ هي: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ، أوْ تُرى لَهُ، فَهي بُشْراهُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وبُشْراهُ في الآخِرَةِ الجَنَّةُ»، وفي إسْنادِهِ هَذا الرَّجُلُ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والدّارِمَيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يُبَشَّرُ بِها المُؤْمِنُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَن رَأى ذَلِكَ فَلْيُخْبِرْ بِها» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ قالَ: «هِيَ في الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها العَبْدُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ مَندَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَّرَ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا بِالرُّؤْيا الحَبِيبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِ عِنْدَ المَوْتِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولِمَن حَمَلَكَ إلى قَبْرِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ مَرْفُوعًا مِثْلَ حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا الشَّطْرَ الأوَّلَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ بِأنَّ الرُّؤْيا الصّالِحَةَ مِنَ المُبَشِّراتِ وأنَّها جُزْءٌ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ، ولَكِنَّها لَمْ تُقَيَّدْ لِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى في الآيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] .
أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ أنَّها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: خَطَبَ الحَجّاجُ فَقالَ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتابَ اللَّهِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُّبَيْرِ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ.
يونس 10:61
أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ إلى طَرِيقٍ أُخْرى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّكم تَحْكُمُونَ بِتَحْلِيلِ البَعْضِ وتَحْرِيمِ البَعْضِ، فَإنْ كانَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى فَهو مَهْجُورٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ، وإنْ كانَ لِاعْتِقادِكم أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيكم وفِيما رَزَقَكم فَلا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقٍ مُوَصِّلَةٍ إلى اللَّهِ، ولا طَرِيقَ يَتَبَيَّنُ بِها الحَلالُ مِنَ الحَرامِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ (p-٦٣١)الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ، ومَعْنى أرَأيْتُمْ: أخْبِرُونِي وما في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ ) المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى أخْبِرُونِي.
وقِيلَ: إنَّ ( ما ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ و" قُلْ " في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومَجْمُوعُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ )، والمَعْنى: أخْبِرُونِي الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا، آللَّهُ أذِنَ لَكم في تَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَ " مِن " في " مِنهُ حَرامًا " لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَرامًا، وجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَلالًا، وذَلِكَ كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الأنْعامِ حَسْبَما سَبَقَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في الكِتابِ العَزِيزِ، ومَعْنى إنْزالِ الرِّزْقِ: كَوْنُ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، وكَذَلِكَ يُقْضى الأمْرُ في أرْزاقِ العِبادِ في السَّماءِ عَلى ما قَدْ ثَبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِن ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ.
ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ " ما " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " أنْزَلَ "، وأنْزَلَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما قالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفًا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ في ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ لِلْإنْكارِ، و" أمْ " مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ما يَصُكُّ مَسامِعَ المُتَصَدِّرِينَ لِلْإفْتاءِ لِعِبادِ اللَّهِ في شَرِيعَتِهِ، بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والجَوازِ وعَدَمِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يُفْهَمُونَها ولا يَدْرُونَ ما هي، ومَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ الحِكايَةُ لِقَوْلِ قائِلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ قَلَّدُوهُ في دِينِهِمْ، وجَعَلُوهُ شارِعًا مُسْتَقِلًّا، ما عَمِلَ بِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَهو المَعْمُولُ بِهِ عِنْدَهم، وما لَمْ يَبْلُغْهُ أوْ بَلَغَهُ ولَمْ يَفْهَمْهُ حَقَّ فَهْمِهِ، أوْ فَهِمَهُ وأخْطَأ الصَّوابَ في اجْتِهادِهِ وتَرْجِيحِهِ، فَهو في حُكْمِ المَنسُوخِ عِنْدَهُمُ المَرْفُوعِ حُكْمُهُ عَنِ العِبادِ، مَعَ كَوْنِ مَن قَلَّدُوهُ مُتَعَبَّدًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَما هم مُتَعَبَّدُونَ بِها ومَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأحْكامِها كَما هو مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِها، وقَدِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ، وفازَ بِأجْرَيْنِ مَعَ الإصابَةِ وأجْرٍ مَعَ الخَطَأِ، إنَّما الشَّأْنُ في جَعْلِهِمْ لِرَأْيِهِ الَّذِي أخْطَأ فِيهِ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً، ودَلِيلًا مَعْمُولًا بِهِ، وقَدْ أخْطَئُوا في هَذا خَطَأً بَيِّنًا، وغَلَطُوا غَلَطًا فاحِشًا، فَإنَّ التَّرْخِيصَ لِلْمُجْتَهِدِ في اجْتِهادِ رَأْيِهِ يَخُصُّهُ وحْدَهُ، ولا قائِلَ مِن أهْلِ الإسْلامِ المُعْتَدِّ بِأقْوالِهِمْ أنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أنْ يَعْمَلَ بِهِ تَقْلِيدًا لَهُ واقْتِداءً بِهِ، وما جاءَ بِهِ المُقَلِّدَةُ في تَقَوُّمِ هَذا الباطِلِ، فَهو مِنَ الجَهْلِ العاطِلِ، اللَّهُمَّ كَما رَزَقَتْنا مِنَ العِلْمِ ما نُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فارْزُقْنا مِنَ الإنْصافِ ما نَظْفَرُ عِنْدَهُ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ يا واهِبَ الخَيْرِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في هَذا اليَوْمِ، وما يُصْنَعُ بِهِمْ فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ المُتَضَمِّنَةُ لِتَعْظِيمِ الوَعِيدِ لَهم غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، بَلْ مُبْتَدَأةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، و( يَوْمَ القِيامَةِ ) مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ، وذِكْرُ الكَذِبِ بَعْدَ الِافْتِراءِ، مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " وما ظَنَّ " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ النِّعَمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ عَلى نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وطَرْفَةٍ مِنَ الطَّرَفاتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وما نافِيَةٌ.
والشَّأْنُ: الأمْرُ بِمَعْنى القَصْدِ، وأصْلُهُ الهَمْزُ، وجَمْعُهُ شُئُونٌ.
قالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ العَرَبُ: ما شَأنْتُ شَأْنَهُ: أيْ ما عَمِلْتُ عَمَلَهُ.
﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ عَلى الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تِلاوَةً كائِنَةً مِنهُ، إذِ التِّلاوَةُ لِلْقُرْآنِ مِن أعْظَمِ شُئُونِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: أنَّهُ يَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ الَّذِي حَدَثَ القُرْآنُ فَيَعْلَمُ كَيْفَ حُكْمُهُ، أوْ يَتْلُو القُرْآنَ الَّذِي يَنْزِلُ في ذَلِكَ الشَّأْنِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الضَّمِيرُ عائِدٌ في مِنهُ إلى الكِتابِ: أيْ ما يَكُونُ مِن كِتابِ اللَّهِ مِن قُرْآنٍ، وأعادَهُ تَفْخِيمًا لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] والخِطابُ في ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ ولِلْأُمَّةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ لِلْمُخاطَبِينَ: أيْ شُهُودًا عَلَيْكم بِعَمَلِهِ مِنكم، والضَّمِيرُ في " فِيهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى العَمَلِ، يُقالُ: أفاضَ فُلانٌ في الحَدِيثِ والعَمَلِ: إذا انْدَفَعَ فِيهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: الضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى: إذْ تُشِيعُونَ في القُرْآنِ الكَذِبَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ الكِسائِيُّ " يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، ومَعْنى يَعْزُبُ: يَغِيبُ، وقِيلَ: يَبْعُدُ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَذْهَبُ، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، و" مِن " في مِن مِثْقالِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ وما يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ وزْنُ ذَرَّةٍ: أيْ نَمْلَةٍ حَمْراءَ، وعَبَّرَ بِالأرْضِ والسَّماءِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ لا فِيهِما ولا فِيما هو خارِجٌ عَنْهُما، لِأنَّ النّاسَ لا يُشاهِدُونَ سِواهُما وسِوى ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ، وقَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ لِأنَّها مَحَلُّ اسْتِقْرارِ العالَمِ فَهم يُشاهِدُونَ ما فِيها مِن قُرْبٍ، والواوُ في ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى لَفْظِ " مِثْقالِ "، وانْتَصَبا لِكَوْنِهِما مُمْتَنِعَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ذَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُما بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، ولَيْسَ مِن مُتَعَلَّقاتِ " وما يَعْزُبُ "، وخَبَرُ لا ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ والمَعْنى: ولا أصْغَرَ مِن مِثْقالِ الذَّرَّةِ ولا أكْبَرَ مِنهُ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ فَكَيْفَ يَغِيبُ عَنْهُ ؟ وقَرَأ يَعْقُوبُ، وحَمْزَةُ، بِرَفْعِ أصْغَرَ وأكْبَرَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( مِن مِثْقالِ )، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ، وقَدْ أُورِدَ عَلى تَوْجِيهِ النَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى لَفْظِ مِثْقالٍ ومَحَلِّهِ، أوْ عَلى لَفْظِ ذَرَّةٍ إشْكالٌ، وهو أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا في كِتابٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي في (p-٦٣٢)الكِتابِ خارِجًا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وهو مُحالٌ.
وقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الإشْكالِ بِأنَّ الأشْياءَ المَخْلُوقَةَ قِسْمانِ: قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، كَخَلْقِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ آخَرُ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ مِن حَوادِثِ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ مُتَباعِدٌ في سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ الأوَّلِ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، أثْبَتَ فِيهِ صُورَةَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ، والغَرَضُ الرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ.
وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ هو في كِتابٍ مُبِينٍ.
وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ أنَّ إلّا بِمَعْنى الواوِ، عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا أكْبَرَ﴾ ثُمَّ وقَعَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وهو أيْضًا في كِتابٍ مُبِينٍ.
والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ إلّا مَوْضِعَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] يَعْنِي ومَن ظَلَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا، وقُدِّرَ " هو " بَعْدَ الواوِ الَّتِي جاءَتْ إلّا بِمَعْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] أيْ هي حِطَّةٌ، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وخَبَرُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، واخْتارَ في قِراءَةِ النَّصْبِ الَّتِي قَرَأ بِها الجُمْهُورُ أنَّهُما مَنصُوبانِ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، واسْتَشْكَلَ العَطْفَ بِنَحْوِ ما قَدَّمْنا.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ إحاطَتَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، وكانَ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُطِيعِينَ، وكَسْرٌ لِقُلُوبِ العاصِينَ ذَكَرَ حالَ المُطِيعِينَ، فَقالَ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ الوَلِيُّ في اللُّغَةِ: القَرِيبُ.
والمُرادُ بِأوْلِياءِ اللَّهِ: خُلَّصُ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهم قُرِّبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الأوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ويَتَّقُونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم أنَّهم لا يَخافُونَ أبَدًا كَما يَخافُ غَيْرُهم، لِأنَّهم قَدْ قامُوا بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَنِ المَعاصِي الَّتِي نَهاهم عَنْها، فَهم عَلى ثِقَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ وحُسْنِ ظَنٍّ بِرَبِّهِمْ، وكَذَلِكَ لا يَحْزَنُونَ عَلى فَوْتِ مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَيُسَلِّمُونَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ويُرِيحُونَ قُلُوبَهم عَنِ الهَمِّ والكَدَرِ، فَصُدُورُهم مُنْشَرِحَةٌ، وجَوارِحُهم نَشِطَةٌ، وقُلُوبُهم مَسْرُورَةٌ؛ ومَحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( أوْلِياءَ ) أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ " لَهُمُ البُشْرى "، فَيَكُونُ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، أوِ النَّصْبُ أيْضًا عَلى المَدْحِ أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِ ( أوْلِياءَ ) .
قَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ اللَّهِ: أيْ لَهُمُ البُشْرى مِنَ اللَّهِ ما دامُوا في الحَياةِ بِما يُوحِيهِ إلى أنْبِيائِهِ، ويُنْزِلُهُ في كُتُبِهِ، مِن كَوْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ هو إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ ورِضْوانُهُ عَنْهم، كَما وقَعَ كَثِيرٌ مِنَ البِشاراتِ لِلْمُؤْمِنِينَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وكَذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ، وما يَتَفَضَّلُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ، وما يُشاهِدُونَهُ مِنَ التَّبْشِيرِ لَهم عِنْدَ حُضُورِ آجالِهِمْ، بِتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قائِلِينَ لَهم: لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ، وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَتَلَقِّي المَلائِكَةِ لَهم مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ بِالنَّعِيمِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ.
والبُشْرى مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ، والظَّرْفانِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وحالَ كَوْنِهِمْ في الآخِرَةِ، ومَعْنى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيها ما وعَدَ بِهِ عِبادَهُ الصّالِحِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ بِالبِشارَتَيْنِ في الدّارَيْنِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدَرُهُ ولا يُماثِلُهُ غَيْرُهُ، والجُمْلَتانِ: أعْنِي ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ و﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وفائِدَتُهُما تَحْقِيقُ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، أوِ الأُولى اعْتِراضِيَّةٌ، والثّانِيَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ قالَ: هم أهْلُ الشِّرْكِ كانُوا يُحِلُّونَ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ ما شاءُوا ويُحَرِّمُونَ ما شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ قالَ: إذْ تَفْعَلُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ قالَ: لا يَغِيبُ عَنْهُ وزْنُ ذَرَّةٍ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ: هو الكِتابُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ قِيلَ: مَن هم يا رَبِّ ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا يُذْكَرُ اللَّهُ لِرُؤْيَتِهِمْ» .
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُبارَكِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ مِن طُرُقٍ أُخْرى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الجُمُوحِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «لا يَحِقُّ العَبْدُ حَقَّ صَرِيحِ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ لِلَّهِ ويُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإذا أحَبَّ لِلَّهِ وأبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الوَلاءَ مِنَ اللَّهِ، وإنَّ أوْلِيائِي مِن عِبادِي وأحِبّائِي مِن خَلْقِي الَّذِينَ يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي وأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، (p-٦٣٣)عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُ عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وشَرارُ عِبادِهِ المَشّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ الباغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُكم مَن ذَكَّرَكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وزادَ في عِلْمِكم مَنطِقُهُ، ورَغَّبَكم في الآخِرَةِ عَمَلُهُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِالأنْبِياءِ ولا شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرْبِهِمْ ومَجْلِسِهِمْ مِنهُ، فَجَثا أعْرابِيٌّ عَلى رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهم لَنا جَلِّهِمْ لَنا ؟ قالَ: قَوْمٌ مِن أفْناءِ النّاسِ مِن نُزّاعِ القَبائِلِ، تَصافَوْا في اللَّهِ وتَحابُّوا في اللَّهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِن نُورٍ فَيُجْلِسُهم، يَخافُ النّاسُ ولا يَخافُونَ، هم أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ جَيِّدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: الَّذِينَ يَتَحابُّونَ في اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ المُتَحابِّينَ في اللَّهِ أحادِيثُ لَيْسَ فِيها أنَّهُمُ المُرادُونَ بِالآيَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ مِصْرَ قالَ: سَألْتُ أبا الدَّرْداءِ عَنْ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيَّ هي: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ، أوْ تُرى لَهُ، فَهي بُشْراهُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وبُشْراهُ في الآخِرَةِ الجَنَّةُ»، وفي إسْنادِهِ هَذا الرَّجُلُ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والدّارِمَيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يُبَشَّرُ بِها المُؤْمِنُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَن رَأى ذَلِكَ فَلْيُخْبِرْ بِها» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ قالَ: «هِيَ في الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها العَبْدُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ مَندَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَّرَ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا بِالرُّؤْيا الحَبِيبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِ عِنْدَ المَوْتِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولِمَن حَمَلَكَ إلى قَبْرِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ مَرْفُوعًا مِثْلَ حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا الشَّطْرَ الأوَّلَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ بِأنَّ الرُّؤْيا الصّالِحَةَ مِنَ المُبَشِّراتِ وأنَّها جُزْءٌ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ، ولَكِنَّها لَمْ تُقَيَّدْ لِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى في الآيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] .
أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ أنَّها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: خَطَبَ الحَجّاجُ فَقالَ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتابَ اللَّهِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُّبَيْرِ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ.
يونس 10:62
أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ إلى طَرِيقٍ أُخْرى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّكم تَحْكُمُونَ بِتَحْلِيلِ البَعْضِ وتَحْرِيمِ البَعْضِ، فَإنْ كانَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى فَهو مَهْجُورٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ، وإنْ كانَ لِاعْتِقادِكم أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيكم وفِيما رَزَقَكم فَلا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقٍ مُوَصِّلَةٍ إلى اللَّهِ، ولا طَرِيقَ يَتَبَيَّنُ بِها الحَلالُ مِنَ الحَرامِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ (p-٦٣١)الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ، ومَعْنى أرَأيْتُمْ: أخْبِرُونِي وما في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ ) المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى أخْبِرُونِي.
وقِيلَ: إنَّ ( ما ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ و" قُلْ " في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومَجْمُوعُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ )، والمَعْنى: أخْبِرُونِي الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا، آللَّهُ أذِنَ لَكم في تَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَ " مِن " في " مِنهُ حَرامًا " لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَرامًا، وجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَلالًا، وذَلِكَ كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الأنْعامِ حَسْبَما سَبَقَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في الكِتابِ العَزِيزِ، ومَعْنى إنْزالِ الرِّزْقِ: كَوْنُ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، وكَذَلِكَ يُقْضى الأمْرُ في أرْزاقِ العِبادِ في السَّماءِ عَلى ما قَدْ ثَبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِن ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ.
ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ " ما " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " أنْزَلَ "، وأنْزَلَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما قالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفًا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ في ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ لِلْإنْكارِ، و" أمْ " مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ما يَصُكُّ مَسامِعَ المُتَصَدِّرِينَ لِلْإفْتاءِ لِعِبادِ اللَّهِ في شَرِيعَتِهِ، بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والجَوازِ وعَدَمِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يُفْهَمُونَها ولا يَدْرُونَ ما هي، ومَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ الحِكايَةُ لِقَوْلِ قائِلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ قَلَّدُوهُ في دِينِهِمْ، وجَعَلُوهُ شارِعًا مُسْتَقِلًّا، ما عَمِلَ بِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَهو المَعْمُولُ بِهِ عِنْدَهم، وما لَمْ يَبْلُغْهُ أوْ بَلَغَهُ ولَمْ يَفْهَمْهُ حَقَّ فَهْمِهِ، أوْ فَهِمَهُ وأخْطَأ الصَّوابَ في اجْتِهادِهِ وتَرْجِيحِهِ، فَهو في حُكْمِ المَنسُوخِ عِنْدَهُمُ المَرْفُوعِ حُكْمُهُ عَنِ العِبادِ، مَعَ كَوْنِ مَن قَلَّدُوهُ مُتَعَبَّدًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَما هم مُتَعَبَّدُونَ بِها ومَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأحْكامِها كَما هو مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِها، وقَدِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ، وفازَ بِأجْرَيْنِ مَعَ الإصابَةِ وأجْرٍ مَعَ الخَطَأِ، إنَّما الشَّأْنُ في جَعْلِهِمْ لِرَأْيِهِ الَّذِي أخْطَأ فِيهِ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً، ودَلِيلًا مَعْمُولًا بِهِ، وقَدْ أخْطَئُوا في هَذا خَطَأً بَيِّنًا، وغَلَطُوا غَلَطًا فاحِشًا، فَإنَّ التَّرْخِيصَ لِلْمُجْتَهِدِ في اجْتِهادِ رَأْيِهِ يَخُصُّهُ وحْدَهُ، ولا قائِلَ مِن أهْلِ الإسْلامِ المُعْتَدِّ بِأقْوالِهِمْ أنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أنْ يَعْمَلَ بِهِ تَقْلِيدًا لَهُ واقْتِداءً بِهِ، وما جاءَ بِهِ المُقَلِّدَةُ في تَقَوُّمِ هَذا الباطِلِ، فَهو مِنَ الجَهْلِ العاطِلِ، اللَّهُمَّ كَما رَزَقَتْنا مِنَ العِلْمِ ما نُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فارْزُقْنا مِنَ الإنْصافِ ما نَظْفَرُ عِنْدَهُ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ يا واهِبَ الخَيْرِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في هَذا اليَوْمِ، وما يُصْنَعُ بِهِمْ فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ المُتَضَمِّنَةُ لِتَعْظِيمِ الوَعِيدِ لَهم غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، بَلْ مُبْتَدَأةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، و( يَوْمَ القِيامَةِ ) مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ، وذِكْرُ الكَذِبِ بَعْدَ الِافْتِراءِ، مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " وما ظَنَّ " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ النِّعَمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ عَلى نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وطَرْفَةٍ مِنَ الطَّرَفاتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وما نافِيَةٌ.
والشَّأْنُ: الأمْرُ بِمَعْنى القَصْدِ، وأصْلُهُ الهَمْزُ، وجَمْعُهُ شُئُونٌ.
قالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ العَرَبُ: ما شَأنْتُ شَأْنَهُ: أيْ ما عَمِلْتُ عَمَلَهُ.
﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ عَلى الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تِلاوَةً كائِنَةً مِنهُ، إذِ التِّلاوَةُ لِلْقُرْآنِ مِن أعْظَمِ شُئُونِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: أنَّهُ يَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ الَّذِي حَدَثَ القُرْآنُ فَيَعْلَمُ كَيْفَ حُكْمُهُ، أوْ يَتْلُو القُرْآنَ الَّذِي يَنْزِلُ في ذَلِكَ الشَّأْنِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الضَّمِيرُ عائِدٌ في مِنهُ إلى الكِتابِ: أيْ ما يَكُونُ مِن كِتابِ اللَّهِ مِن قُرْآنٍ، وأعادَهُ تَفْخِيمًا لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] والخِطابُ في ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ ولِلْأُمَّةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ لِلْمُخاطَبِينَ: أيْ شُهُودًا عَلَيْكم بِعَمَلِهِ مِنكم، والضَّمِيرُ في " فِيهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى العَمَلِ، يُقالُ: أفاضَ فُلانٌ في الحَدِيثِ والعَمَلِ: إذا انْدَفَعَ فِيهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: الضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى: إذْ تُشِيعُونَ في القُرْآنِ الكَذِبَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ الكِسائِيُّ " يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، ومَعْنى يَعْزُبُ: يَغِيبُ، وقِيلَ: يَبْعُدُ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَذْهَبُ، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، و" مِن " في مِن مِثْقالِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ وما يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ وزْنُ ذَرَّةٍ: أيْ نَمْلَةٍ حَمْراءَ، وعَبَّرَ بِالأرْضِ والسَّماءِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ لا فِيهِما ولا فِيما هو خارِجٌ عَنْهُما، لِأنَّ النّاسَ لا يُشاهِدُونَ سِواهُما وسِوى ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ، وقَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ لِأنَّها مَحَلُّ اسْتِقْرارِ العالَمِ فَهم يُشاهِدُونَ ما فِيها مِن قُرْبٍ، والواوُ في ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى لَفْظِ " مِثْقالِ "، وانْتَصَبا لِكَوْنِهِما مُمْتَنِعَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ذَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُما بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، ولَيْسَ مِن مُتَعَلَّقاتِ " وما يَعْزُبُ "، وخَبَرُ لا ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ والمَعْنى: ولا أصْغَرَ مِن مِثْقالِ الذَّرَّةِ ولا أكْبَرَ مِنهُ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ فَكَيْفَ يَغِيبُ عَنْهُ ؟ وقَرَأ يَعْقُوبُ، وحَمْزَةُ، بِرَفْعِ أصْغَرَ وأكْبَرَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( مِن مِثْقالِ )، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ، وقَدْ أُورِدَ عَلى تَوْجِيهِ النَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى لَفْظِ مِثْقالٍ ومَحَلِّهِ، أوْ عَلى لَفْظِ ذَرَّةٍ إشْكالٌ، وهو أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا في كِتابٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي في (p-٦٣٢)الكِتابِ خارِجًا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وهو مُحالٌ.
وقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الإشْكالِ بِأنَّ الأشْياءَ المَخْلُوقَةَ قِسْمانِ: قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، كَخَلْقِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ آخَرُ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ مِن حَوادِثِ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ مُتَباعِدٌ في سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ الأوَّلِ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، أثْبَتَ فِيهِ صُورَةَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ، والغَرَضُ الرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ.
وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ هو في كِتابٍ مُبِينٍ.
وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ أنَّ إلّا بِمَعْنى الواوِ، عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا أكْبَرَ﴾ ثُمَّ وقَعَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وهو أيْضًا في كِتابٍ مُبِينٍ.
والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ إلّا مَوْضِعَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] يَعْنِي ومَن ظَلَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا، وقُدِّرَ " هو " بَعْدَ الواوِ الَّتِي جاءَتْ إلّا بِمَعْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] أيْ هي حِطَّةٌ، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وخَبَرُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، واخْتارَ في قِراءَةِ النَّصْبِ الَّتِي قَرَأ بِها الجُمْهُورُ أنَّهُما مَنصُوبانِ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، واسْتَشْكَلَ العَطْفَ بِنَحْوِ ما قَدَّمْنا.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ إحاطَتَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، وكانَ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُطِيعِينَ، وكَسْرٌ لِقُلُوبِ العاصِينَ ذَكَرَ حالَ المُطِيعِينَ، فَقالَ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ الوَلِيُّ في اللُّغَةِ: القَرِيبُ.
والمُرادُ بِأوْلِياءِ اللَّهِ: خُلَّصُ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهم قُرِّبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الأوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ويَتَّقُونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم أنَّهم لا يَخافُونَ أبَدًا كَما يَخافُ غَيْرُهم، لِأنَّهم قَدْ قامُوا بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَنِ المَعاصِي الَّتِي نَهاهم عَنْها، فَهم عَلى ثِقَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ وحُسْنِ ظَنٍّ بِرَبِّهِمْ، وكَذَلِكَ لا يَحْزَنُونَ عَلى فَوْتِ مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَيُسَلِّمُونَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ويُرِيحُونَ قُلُوبَهم عَنِ الهَمِّ والكَدَرِ، فَصُدُورُهم مُنْشَرِحَةٌ، وجَوارِحُهم نَشِطَةٌ، وقُلُوبُهم مَسْرُورَةٌ؛ ومَحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( أوْلِياءَ ) أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ " لَهُمُ البُشْرى "، فَيَكُونُ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، أوِ النَّصْبُ أيْضًا عَلى المَدْحِ أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِ ( أوْلِياءَ ) .
قَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ اللَّهِ: أيْ لَهُمُ البُشْرى مِنَ اللَّهِ ما دامُوا في الحَياةِ بِما يُوحِيهِ إلى أنْبِيائِهِ، ويُنْزِلُهُ في كُتُبِهِ، مِن كَوْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ هو إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ ورِضْوانُهُ عَنْهم، كَما وقَعَ كَثِيرٌ مِنَ البِشاراتِ لِلْمُؤْمِنِينَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وكَذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ، وما يَتَفَضَّلُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ، وما يُشاهِدُونَهُ مِنَ التَّبْشِيرِ لَهم عِنْدَ حُضُورِ آجالِهِمْ، بِتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قائِلِينَ لَهم: لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ، وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَتَلَقِّي المَلائِكَةِ لَهم مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ بِالنَّعِيمِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ.
والبُشْرى مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ، والظَّرْفانِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وحالَ كَوْنِهِمْ في الآخِرَةِ، ومَعْنى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيها ما وعَدَ بِهِ عِبادَهُ الصّالِحِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ بِالبِشارَتَيْنِ في الدّارَيْنِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدَرُهُ ولا يُماثِلُهُ غَيْرُهُ، والجُمْلَتانِ: أعْنِي ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ و﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وفائِدَتُهُما تَحْقِيقُ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، أوِ الأُولى اعْتِراضِيَّةٌ، والثّانِيَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ قالَ: هم أهْلُ الشِّرْكِ كانُوا يُحِلُّونَ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ ما شاءُوا ويُحَرِّمُونَ ما شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ قالَ: إذْ تَفْعَلُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ قالَ: لا يَغِيبُ عَنْهُ وزْنُ ذَرَّةٍ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ: هو الكِتابُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ قِيلَ: مَن هم يا رَبِّ ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا يُذْكَرُ اللَّهُ لِرُؤْيَتِهِمْ» .
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُبارَكِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ مِن طُرُقٍ أُخْرى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الجُمُوحِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «لا يَحِقُّ العَبْدُ حَقَّ صَرِيحِ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ لِلَّهِ ويُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإذا أحَبَّ لِلَّهِ وأبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الوَلاءَ مِنَ اللَّهِ، وإنَّ أوْلِيائِي مِن عِبادِي وأحِبّائِي مِن خَلْقِي الَّذِينَ يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي وأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، (p-٦٣٣)عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُ عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وشَرارُ عِبادِهِ المَشّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ الباغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُكم مَن ذَكَّرَكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وزادَ في عِلْمِكم مَنطِقُهُ، ورَغَّبَكم في الآخِرَةِ عَمَلُهُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِالأنْبِياءِ ولا شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرْبِهِمْ ومَجْلِسِهِمْ مِنهُ، فَجَثا أعْرابِيٌّ عَلى رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهم لَنا جَلِّهِمْ لَنا ؟ قالَ: قَوْمٌ مِن أفْناءِ النّاسِ مِن نُزّاعِ القَبائِلِ، تَصافَوْا في اللَّهِ وتَحابُّوا في اللَّهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِن نُورٍ فَيُجْلِسُهم، يَخافُ النّاسُ ولا يَخافُونَ، هم أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ جَيِّدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: الَّذِينَ يَتَحابُّونَ في اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ المُتَحابِّينَ في اللَّهِ أحادِيثُ لَيْسَ فِيها أنَّهُمُ المُرادُونَ بِالآيَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ مِصْرَ قالَ: سَألْتُ أبا الدَّرْداءِ عَنْ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيَّ هي: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ، أوْ تُرى لَهُ، فَهي بُشْراهُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وبُشْراهُ في الآخِرَةِ الجَنَّةُ»، وفي إسْنادِهِ هَذا الرَّجُلُ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والدّارِمَيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يُبَشَّرُ بِها المُؤْمِنُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَن رَأى ذَلِكَ فَلْيُخْبِرْ بِها» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ قالَ: «هِيَ في الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها العَبْدُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ مَندَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَّرَ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا بِالرُّؤْيا الحَبِيبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِ عِنْدَ المَوْتِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولِمَن حَمَلَكَ إلى قَبْرِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ مَرْفُوعًا مِثْلَ حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا الشَّطْرَ الأوَّلَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ بِأنَّ الرُّؤْيا الصّالِحَةَ مِنَ المُبَشِّراتِ وأنَّها جُزْءٌ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ، ولَكِنَّها لَمْ تُقَيَّدْ لِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى في الآيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] .
أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ أنَّها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: خَطَبَ الحَجّاجُ فَقالَ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتابَ اللَّهِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُّبَيْرِ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ.
يونس 10:63
أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ إلى طَرِيقٍ أُخْرى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّكم تَحْكُمُونَ بِتَحْلِيلِ البَعْضِ وتَحْرِيمِ البَعْضِ، فَإنْ كانَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى فَهو مَهْجُورٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ، وإنْ كانَ لِاعْتِقادِكم أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيكم وفِيما رَزَقَكم فَلا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقٍ مُوَصِّلَةٍ إلى اللَّهِ، ولا طَرِيقَ يَتَبَيَّنُ بِها الحَلالُ مِنَ الحَرامِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ (p-٦٣١)الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ، ومَعْنى أرَأيْتُمْ: أخْبِرُونِي وما في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ ) المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى أخْبِرُونِي.
وقِيلَ: إنَّ ( ما ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ و" قُلْ " في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومَجْمُوعُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ )، والمَعْنى: أخْبِرُونِي الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا، آللَّهُ أذِنَ لَكم في تَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَ " مِن " في " مِنهُ حَرامًا " لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَرامًا، وجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَلالًا، وذَلِكَ كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الأنْعامِ حَسْبَما سَبَقَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في الكِتابِ العَزِيزِ، ومَعْنى إنْزالِ الرِّزْقِ: كَوْنُ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، وكَذَلِكَ يُقْضى الأمْرُ في أرْزاقِ العِبادِ في السَّماءِ عَلى ما قَدْ ثَبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِن ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ.
ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ " ما " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " أنْزَلَ "، وأنْزَلَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما قالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفًا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ في ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ لِلْإنْكارِ، و" أمْ " مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ما يَصُكُّ مَسامِعَ المُتَصَدِّرِينَ لِلْإفْتاءِ لِعِبادِ اللَّهِ في شَرِيعَتِهِ، بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والجَوازِ وعَدَمِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يُفْهَمُونَها ولا يَدْرُونَ ما هي، ومَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ الحِكايَةُ لِقَوْلِ قائِلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ قَلَّدُوهُ في دِينِهِمْ، وجَعَلُوهُ شارِعًا مُسْتَقِلًّا، ما عَمِلَ بِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَهو المَعْمُولُ بِهِ عِنْدَهم، وما لَمْ يَبْلُغْهُ أوْ بَلَغَهُ ولَمْ يَفْهَمْهُ حَقَّ فَهْمِهِ، أوْ فَهِمَهُ وأخْطَأ الصَّوابَ في اجْتِهادِهِ وتَرْجِيحِهِ، فَهو في حُكْمِ المَنسُوخِ عِنْدَهُمُ المَرْفُوعِ حُكْمُهُ عَنِ العِبادِ، مَعَ كَوْنِ مَن قَلَّدُوهُ مُتَعَبَّدًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَما هم مُتَعَبَّدُونَ بِها ومَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأحْكامِها كَما هو مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِها، وقَدِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ، وفازَ بِأجْرَيْنِ مَعَ الإصابَةِ وأجْرٍ مَعَ الخَطَأِ، إنَّما الشَّأْنُ في جَعْلِهِمْ لِرَأْيِهِ الَّذِي أخْطَأ فِيهِ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً، ودَلِيلًا مَعْمُولًا بِهِ، وقَدْ أخْطَئُوا في هَذا خَطَأً بَيِّنًا، وغَلَطُوا غَلَطًا فاحِشًا، فَإنَّ التَّرْخِيصَ لِلْمُجْتَهِدِ في اجْتِهادِ رَأْيِهِ يَخُصُّهُ وحْدَهُ، ولا قائِلَ مِن أهْلِ الإسْلامِ المُعْتَدِّ بِأقْوالِهِمْ أنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أنْ يَعْمَلَ بِهِ تَقْلِيدًا لَهُ واقْتِداءً بِهِ، وما جاءَ بِهِ المُقَلِّدَةُ في تَقَوُّمِ هَذا الباطِلِ، فَهو مِنَ الجَهْلِ العاطِلِ، اللَّهُمَّ كَما رَزَقَتْنا مِنَ العِلْمِ ما نُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فارْزُقْنا مِنَ الإنْصافِ ما نَظْفَرُ عِنْدَهُ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ يا واهِبَ الخَيْرِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في هَذا اليَوْمِ، وما يُصْنَعُ بِهِمْ فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ المُتَضَمِّنَةُ لِتَعْظِيمِ الوَعِيدِ لَهم غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، بَلْ مُبْتَدَأةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، و( يَوْمَ القِيامَةِ ) مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ، وذِكْرُ الكَذِبِ بَعْدَ الِافْتِراءِ، مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " وما ظَنَّ " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ النِّعَمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ عَلى نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وطَرْفَةٍ مِنَ الطَّرَفاتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وما نافِيَةٌ.
والشَّأْنُ: الأمْرُ بِمَعْنى القَصْدِ، وأصْلُهُ الهَمْزُ، وجَمْعُهُ شُئُونٌ.
قالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ العَرَبُ: ما شَأنْتُ شَأْنَهُ: أيْ ما عَمِلْتُ عَمَلَهُ.
﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ عَلى الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تِلاوَةً كائِنَةً مِنهُ، إذِ التِّلاوَةُ لِلْقُرْآنِ مِن أعْظَمِ شُئُونِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: أنَّهُ يَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ الَّذِي حَدَثَ القُرْآنُ فَيَعْلَمُ كَيْفَ حُكْمُهُ، أوْ يَتْلُو القُرْآنَ الَّذِي يَنْزِلُ في ذَلِكَ الشَّأْنِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الضَّمِيرُ عائِدٌ في مِنهُ إلى الكِتابِ: أيْ ما يَكُونُ مِن كِتابِ اللَّهِ مِن قُرْآنٍ، وأعادَهُ تَفْخِيمًا لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] والخِطابُ في ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ ولِلْأُمَّةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ لِلْمُخاطَبِينَ: أيْ شُهُودًا عَلَيْكم بِعَمَلِهِ مِنكم، والضَّمِيرُ في " فِيهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى العَمَلِ، يُقالُ: أفاضَ فُلانٌ في الحَدِيثِ والعَمَلِ: إذا انْدَفَعَ فِيهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: الضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى: إذْ تُشِيعُونَ في القُرْآنِ الكَذِبَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ الكِسائِيُّ " يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، ومَعْنى يَعْزُبُ: يَغِيبُ، وقِيلَ: يَبْعُدُ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَذْهَبُ، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، و" مِن " في مِن مِثْقالِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ وما يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ وزْنُ ذَرَّةٍ: أيْ نَمْلَةٍ حَمْراءَ، وعَبَّرَ بِالأرْضِ والسَّماءِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ لا فِيهِما ولا فِيما هو خارِجٌ عَنْهُما، لِأنَّ النّاسَ لا يُشاهِدُونَ سِواهُما وسِوى ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ، وقَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ لِأنَّها مَحَلُّ اسْتِقْرارِ العالَمِ فَهم يُشاهِدُونَ ما فِيها مِن قُرْبٍ، والواوُ في ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى لَفْظِ " مِثْقالِ "، وانْتَصَبا لِكَوْنِهِما مُمْتَنِعَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ذَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُما بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، ولَيْسَ مِن مُتَعَلَّقاتِ " وما يَعْزُبُ "، وخَبَرُ لا ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ والمَعْنى: ولا أصْغَرَ مِن مِثْقالِ الذَّرَّةِ ولا أكْبَرَ مِنهُ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ فَكَيْفَ يَغِيبُ عَنْهُ ؟ وقَرَأ يَعْقُوبُ، وحَمْزَةُ، بِرَفْعِ أصْغَرَ وأكْبَرَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( مِن مِثْقالِ )، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ، وقَدْ أُورِدَ عَلى تَوْجِيهِ النَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى لَفْظِ مِثْقالٍ ومَحَلِّهِ، أوْ عَلى لَفْظِ ذَرَّةٍ إشْكالٌ، وهو أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا في كِتابٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي في (p-٦٣٢)الكِتابِ خارِجًا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وهو مُحالٌ.
وقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الإشْكالِ بِأنَّ الأشْياءَ المَخْلُوقَةَ قِسْمانِ: قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، كَخَلْقِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ آخَرُ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ مِن حَوادِثِ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ مُتَباعِدٌ في سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ الأوَّلِ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، أثْبَتَ فِيهِ صُورَةَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ، والغَرَضُ الرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ.
وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ هو في كِتابٍ مُبِينٍ.
وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ أنَّ إلّا بِمَعْنى الواوِ، عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا أكْبَرَ﴾ ثُمَّ وقَعَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وهو أيْضًا في كِتابٍ مُبِينٍ.
والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ إلّا مَوْضِعَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] يَعْنِي ومَن ظَلَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا، وقُدِّرَ " هو " بَعْدَ الواوِ الَّتِي جاءَتْ إلّا بِمَعْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] أيْ هي حِطَّةٌ، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وخَبَرُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، واخْتارَ في قِراءَةِ النَّصْبِ الَّتِي قَرَأ بِها الجُمْهُورُ أنَّهُما مَنصُوبانِ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، واسْتَشْكَلَ العَطْفَ بِنَحْوِ ما قَدَّمْنا.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ إحاطَتَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، وكانَ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُطِيعِينَ، وكَسْرٌ لِقُلُوبِ العاصِينَ ذَكَرَ حالَ المُطِيعِينَ، فَقالَ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ الوَلِيُّ في اللُّغَةِ: القَرِيبُ.
والمُرادُ بِأوْلِياءِ اللَّهِ: خُلَّصُ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهم قُرِّبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الأوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ويَتَّقُونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم أنَّهم لا يَخافُونَ أبَدًا كَما يَخافُ غَيْرُهم، لِأنَّهم قَدْ قامُوا بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَنِ المَعاصِي الَّتِي نَهاهم عَنْها، فَهم عَلى ثِقَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ وحُسْنِ ظَنٍّ بِرَبِّهِمْ، وكَذَلِكَ لا يَحْزَنُونَ عَلى فَوْتِ مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَيُسَلِّمُونَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ويُرِيحُونَ قُلُوبَهم عَنِ الهَمِّ والكَدَرِ، فَصُدُورُهم مُنْشَرِحَةٌ، وجَوارِحُهم نَشِطَةٌ، وقُلُوبُهم مَسْرُورَةٌ؛ ومَحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( أوْلِياءَ ) أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ " لَهُمُ البُشْرى "، فَيَكُونُ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، أوِ النَّصْبُ أيْضًا عَلى المَدْحِ أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِ ( أوْلِياءَ ) .
قَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ اللَّهِ: أيْ لَهُمُ البُشْرى مِنَ اللَّهِ ما دامُوا في الحَياةِ بِما يُوحِيهِ إلى أنْبِيائِهِ، ويُنْزِلُهُ في كُتُبِهِ، مِن كَوْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ هو إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ ورِضْوانُهُ عَنْهم، كَما وقَعَ كَثِيرٌ مِنَ البِشاراتِ لِلْمُؤْمِنِينَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وكَذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ، وما يَتَفَضَّلُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ، وما يُشاهِدُونَهُ مِنَ التَّبْشِيرِ لَهم عِنْدَ حُضُورِ آجالِهِمْ، بِتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قائِلِينَ لَهم: لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ، وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَتَلَقِّي المَلائِكَةِ لَهم مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ بِالنَّعِيمِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ.
والبُشْرى مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ، والظَّرْفانِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وحالَ كَوْنِهِمْ في الآخِرَةِ، ومَعْنى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيها ما وعَدَ بِهِ عِبادَهُ الصّالِحِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ بِالبِشارَتَيْنِ في الدّارَيْنِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدَرُهُ ولا يُماثِلُهُ غَيْرُهُ، والجُمْلَتانِ: أعْنِي ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ و﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وفائِدَتُهُما تَحْقِيقُ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، أوِ الأُولى اعْتِراضِيَّةٌ، والثّانِيَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ قالَ: هم أهْلُ الشِّرْكِ كانُوا يُحِلُّونَ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ ما شاءُوا ويُحَرِّمُونَ ما شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ قالَ: إذْ تَفْعَلُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ قالَ: لا يَغِيبُ عَنْهُ وزْنُ ذَرَّةٍ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ: هو الكِتابُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ قِيلَ: مَن هم يا رَبِّ ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا يُذْكَرُ اللَّهُ لِرُؤْيَتِهِمْ» .
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُبارَكِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ مِن طُرُقٍ أُخْرى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الجُمُوحِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «لا يَحِقُّ العَبْدُ حَقَّ صَرِيحِ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ لِلَّهِ ويُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإذا أحَبَّ لِلَّهِ وأبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الوَلاءَ مِنَ اللَّهِ، وإنَّ أوْلِيائِي مِن عِبادِي وأحِبّائِي مِن خَلْقِي الَّذِينَ يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي وأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، (p-٦٣٣)عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُ عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وشَرارُ عِبادِهِ المَشّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ الباغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُكم مَن ذَكَّرَكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وزادَ في عِلْمِكم مَنطِقُهُ، ورَغَّبَكم في الآخِرَةِ عَمَلُهُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِالأنْبِياءِ ولا شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرْبِهِمْ ومَجْلِسِهِمْ مِنهُ، فَجَثا أعْرابِيٌّ عَلى رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهم لَنا جَلِّهِمْ لَنا ؟ قالَ: قَوْمٌ مِن أفْناءِ النّاسِ مِن نُزّاعِ القَبائِلِ، تَصافَوْا في اللَّهِ وتَحابُّوا في اللَّهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِن نُورٍ فَيُجْلِسُهم، يَخافُ النّاسُ ولا يَخافُونَ، هم أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ جَيِّدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: الَّذِينَ يَتَحابُّونَ في اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ المُتَحابِّينَ في اللَّهِ أحادِيثُ لَيْسَ فِيها أنَّهُمُ المُرادُونَ بِالآيَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ مِصْرَ قالَ: سَألْتُ أبا الدَّرْداءِ عَنْ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيَّ هي: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ، أوْ تُرى لَهُ، فَهي بُشْراهُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وبُشْراهُ في الآخِرَةِ الجَنَّةُ»، وفي إسْنادِهِ هَذا الرَّجُلُ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والدّارِمَيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يُبَشَّرُ بِها المُؤْمِنُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَن رَأى ذَلِكَ فَلْيُخْبِرْ بِها» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ قالَ: «هِيَ في الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها العَبْدُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ مَندَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَّرَ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا بِالرُّؤْيا الحَبِيبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِ عِنْدَ المَوْتِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولِمَن حَمَلَكَ إلى قَبْرِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ مَرْفُوعًا مِثْلَ حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا الشَّطْرَ الأوَّلَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ بِأنَّ الرُّؤْيا الصّالِحَةَ مِنَ المُبَشِّراتِ وأنَّها جُزْءٌ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ، ولَكِنَّها لَمْ تُقَيَّدْ لِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى في الآيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] .
أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ أنَّها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: خَطَبَ الحَجّاجُ فَقالَ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتابَ اللَّهِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُّبَيْرِ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ.
يونس 10:64
أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ إلى طَرِيقٍ أُخْرى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّكم تَحْكُمُونَ بِتَحْلِيلِ البَعْضِ وتَحْرِيمِ البَعْضِ، فَإنْ كانَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى فَهو مَهْجُورٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ، وإنْ كانَ لِاعْتِقادِكم أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيكم وفِيما رَزَقَكم فَلا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقٍ مُوَصِّلَةٍ إلى اللَّهِ، ولا طَرِيقَ يَتَبَيَّنُ بِها الحَلالُ مِنَ الحَرامِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ (p-٦٣١)الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ، ومَعْنى أرَأيْتُمْ: أخْبِرُونِي وما في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ ) المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى أخْبِرُونِي.
وقِيلَ: إنَّ ( ما ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ و" قُلْ " في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومَجْمُوعُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ )، والمَعْنى: أخْبِرُونِي الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا، آللَّهُ أذِنَ لَكم في تَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَ " مِن " في " مِنهُ حَرامًا " لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَرامًا، وجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَلالًا، وذَلِكَ كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الأنْعامِ حَسْبَما سَبَقَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في الكِتابِ العَزِيزِ، ومَعْنى إنْزالِ الرِّزْقِ: كَوْنُ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، وكَذَلِكَ يُقْضى الأمْرُ في أرْزاقِ العِبادِ في السَّماءِ عَلى ما قَدْ ثَبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِن ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ.
ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ " ما " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " أنْزَلَ "، وأنْزَلَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما قالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفًا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ في ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ لِلْإنْكارِ، و" أمْ " مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ما يَصُكُّ مَسامِعَ المُتَصَدِّرِينَ لِلْإفْتاءِ لِعِبادِ اللَّهِ في شَرِيعَتِهِ، بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والجَوازِ وعَدَمِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يُفْهَمُونَها ولا يَدْرُونَ ما هي، ومَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ الحِكايَةُ لِقَوْلِ قائِلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ قَلَّدُوهُ في دِينِهِمْ، وجَعَلُوهُ شارِعًا مُسْتَقِلًّا، ما عَمِلَ بِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَهو المَعْمُولُ بِهِ عِنْدَهم، وما لَمْ يَبْلُغْهُ أوْ بَلَغَهُ ولَمْ يَفْهَمْهُ حَقَّ فَهْمِهِ، أوْ فَهِمَهُ وأخْطَأ الصَّوابَ في اجْتِهادِهِ وتَرْجِيحِهِ، فَهو في حُكْمِ المَنسُوخِ عِنْدَهُمُ المَرْفُوعِ حُكْمُهُ عَنِ العِبادِ، مَعَ كَوْنِ مَن قَلَّدُوهُ مُتَعَبَّدًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَما هم مُتَعَبَّدُونَ بِها ومَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأحْكامِها كَما هو مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِها، وقَدِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ، وفازَ بِأجْرَيْنِ مَعَ الإصابَةِ وأجْرٍ مَعَ الخَطَأِ، إنَّما الشَّأْنُ في جَعْلِهِمْ لِرَأْيِهِ الَّذِي أخْطَأ فِيهِ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً، ودَلِيلًا مَعْمُولًا بِهِ، وقَدْ أخْطَئُوا في هَذا خَطَأً بَيِّنًا، وغَلَطُوا غَلَطًا فاحِشًا، فَإنَّ التَّرْخِيصَ لِلْمُجْتَهِدِ في اجْتِهادِ رَأْيِهِ يَخُصُّهُ وحْدَهُ، ولا قائِلَ مِن أهْلِ الإسْلامِ المُعْتَدِّ بِأقْوالِهِمْ أنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أنْ يَعْمَلَ بِهِ تَقْلِيدًا لَهُ واقْتِداءً بِهِ، وما جاءَ بِهِ المُقَلِّدَةُ في تَقَوُّمِ هَذا الباطِلِ، فَهو مِنَ الجَهْلِ العاطِلِ، اللَّهُمَّ كَما رَزَقَتْنا مِنَ العِلْمِ ما نُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فارْزُقْنا مِنَ الإنْصافِ ما نَظْفَرُ عِنْدَهُ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ يا واهِبَ الخَيْرِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في هَذا اليَوْمِ، وما يُصْنَعُ بِهِمْ فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ المُتَضَمِّنَةُ لِتَعْظِيمِ الوَعِيدِ لَهم غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم، بَلْ مُبْتَدَأةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، و( يَوْمَ القِيامَةِ ) مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ، وذِكْرُ الكَذِبِ بَعْدَ الِافْتِراءِ، مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " وما ظَنَّ " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِأنْواعِ النِّعَمِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ عَلى نِعَمِهِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وطَرْفَةٍ مِنَ الطَّرَفاتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وما نافِيَةٌ.
والشَّأْنُ: الأمْرُ بِمَعْنى القَصْدِ، وأصْلُهُ الهَمْزُ، وجَمْعُهُ شُئُونٌ.
قالَ الأخْفَشُ: تَقُولُ العَرَبُ: ما شَأنْتُ شَأْنَهُ: أيْ ما عَمِلْتُ عَمَلَهُ.
﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: الضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ عَلى الشَّأْنِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: تِلاوَةً كائِنَةً مِنهُ، إذِ التِّلاوَةُ لِلْقُرْآنِ مِن أعْظَمِ شُئُونِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والمَعْنى: أنَّهُ يَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ الَّذِي حَدَثَ القُرْآنُ فَيَعْلَمُ كَيْفَ حُكْمُهُ، أوْ يَتْلُو القُرْآنَ الَّذِي يَنْزِلُ في ذَلِكَ الشَّأْنِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الضَّمِيرُ عائِدٌ في مِنهُ إلى الكِتابِ: أيْ ما يَكُونُ مِن كِتابِ اللَّهِ مِن قُرْآنٍ، وأعادَهُ تَفْخِيمًا لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] والخِطابُ في ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ لِرَسُولِ اللَّهِ ولِلْأُمَّةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ لِلْمُخاطَبِينَ: أيْ شُهُودًا عَلَيْكم بِعَمَلِهِ مِنكم، والضَّمِيرُ في " فِيهِ " مِن قَوْلِهِ: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ عائِدٌ عَلى العَمَلِ، يُقالُ: أفاضَ فُلانٌ في الحَدِيثِ والعَمَلِ: إذا انْدَفَعَ فِيهِ.
وقالَ الضَّحّاكُ،: الضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، والمَعْنى: إذْ تُشِيعُونَ في القُرْآنِ الكَذِبَ.
قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ .
قَرَأ الكِسائِيُّ " يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ، ومَعْنى يَعْزُبُ: يَغِيبُ، وقِيلَ: يَبْعُدُ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يَذْهَبُ، وهَذِهِ المَعانِي مُتَقارِبَةٌ، و" مِن " في مِن مِثْقالِ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ: أيْ وما يَغِيبُ عَنْ رَبِّكَ وزْنُ ذَرَّةٍ: أيْ نَمْلَةٍ حَمْراءَ، وعَبَّرَ بِالأرْضِ والسَّماءِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ لا فِيهِما ولا فِيما هو خارِجٌ عَنْهُما، لِأنَّ النّاسَ لا يُشاهِدُونَ سِواهُما وسِوى ما فِيهِما مِنَ المَخْلُوقاتِ، وقَدَّمَ الأرْضَ عَلى السَّماءِ لِأنَّها مَحَلُّ اسْتِقْرارِ العالَمِ فَهم يُشاهِدُونَ ما فِيها مِن قُرْبٍ، والواوُ في ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى لَفْظِ " مِثْقالِ "، وانْتَصَبا لِكَوْنِهِما مُمْتَنِعَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ذَرَّةٍ، وقِيلَ: انْتِصابُهُما بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، ولَيْسَ مِن مُتَعَلَّقاتِ " وما يَعْزُبُ "، وخَبَرُ لا ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ والمَعْنى: ولا أصْغَرَ مِن مِثْقالِ الذَّرَّةِ ولا أكْبَرَ مِنهُ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ فَكَيْفَ يَغِيبُ عَنْهُ ؟ وقَرَأ يَعْقُوبُ، وحَمْزَةُ، بِرَفْعِ أصْغَرَ وأكْبَرَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ( مِن مِثْقالِ )، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ، وقَدْ أُورِدَ عَلى تَوْجِيهِ النَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى العَطْفِ عَلى لَفْظِ مِثْقالٍ ومَحَلِّهِ، أوْ عَلى لَفْظِ ذَرَّةٍ إشْكالٌ، وهو أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا في كِتابٍ، ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي في (p-٦٣٢)الكِتابِ خارِجًا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وهو مُحالٌ.
وقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الإشْكالِ بِأنَّ الأشْياءَ المَخْلُوقَةَ قِسْمانِ: قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ ابْتِداءً مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، كَخَلْقِ المَلائِكَةِ والسَّماواتِ والأرْضِ، وقِسْمٌ آخَرُ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ مِن حَوادِثِ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ الثّانِيَ مُتَباعِدٌ في سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ الأوَّلِ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، أثْبَتَ فِيهِ صُورَةَ تِلْكَ المَعْلُوماتِ، والغَرَضُ الرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ.
وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ هو في كِتابٍ مُبِينٍ.
وذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ الجُرْجانِيُّ أنَّ إلّا بِمَعْنى الواوِ، عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا أكْبَرَ﴾ ثُمَّ وقَعَ الِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ وهو أيْضًا في كِتابٍ مُبِينٍ.
والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ إلّا مَوْضِعَ الواوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إلّا مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١] يَعْنِي ومَن ظَلَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ١٥٠] أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا، وقُدِّرَ " هو " بَعْدَ الواوِ الَّتِي جاءَتْ إلّا بِمَعْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] أيْ هي حِطَّةٌ، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى الِابْتِداءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وخَبَرُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ﴾ واخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، واخْتارَ في قِراءَةِ النَّصْبِ الَّتِي قَرَأ بِها الجُمْهُورُ أنَّهُما مَنصُوبانِ بِلا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ، واسْتَشْكَلَ العَطْفَ بِنَحْوِ ما قَدَّمْنا.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ إحاطَتَهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ، وكانَ في ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُطِيعِينَ، وكَسْرٌ لِقُلُوبِ العاصِينَ ذَكَرَ حالَ المُطِيعِينَ، فَقالَ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ الوَلِيُّ في اللُّغَةِ: القَرِيبُ.
والمُرادُ بِأوْلِياءِ اللَّهِ: خُلَّصُ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهم قُرِّبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِطاعَتِهِ واجْتِنابِ مَعْصِيَتِهِ.
وقَدْ فَسَّرَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الأوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ يُؤْمِنُونَ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، ويَتَّقُونَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ مِن مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم أنَّهم لا يَخافُونَ أبَدًا كَما يَخافُ غَيْرُهم، لِأنَّهم قَدْ قامُوا بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وانْتَهَوْا عَنِ المَعاصِي الَّتِي نَهاهم عَنْها، فَهم عَلى ثِقَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ وحُسْنِ ظَنٍّ بِرَبِّهِمْ، وكَذَلِكَ لا يَحْزَنُونَ عَلى فَوْتِ مَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَيُسَلِّمُونَ لِلْقَضاءِ والقَدَرِ، ويُرِيحُونَ قُلُوبَهم عَنِ الهَمِّ والكَدَرِ، فَصُدُورُهم مُنْشَرِحَةٌ، وجَوارِحُهم نَشِطَةٌ، وقُلُوبُهم مَسْرُورَةٌ؛ ومَحَلُّ المَوْصُولِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( أوْلِياءَ ) أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ " لَهُمُ البُشْرى "، فَيَكُونُ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِما قَبْلَهُ، أوِ النَّصْبُ أيْضًا عَلى المَدْحِ أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِ ( أوْلِياءَ ) .
قَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ اللَّهِ: أيْ لَهُمُ البُشْرى مِنَ اللَّهِ ما دامُوا في الحَياةِ بِما يُوحِيهِ إلى أنْبِيائِهِ، ويُنْزِلُهُ في كُتُبِهِ، مِن كَوْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَهُ هو إدْخالُهُمُ الجَنَّةَ ورِضْوانُهُ عَنْهم، كَما وقَعَ كَثِيرٌ مِنَ البِشاراتِ لِلْمُؤْمِنِينَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ، وكَذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَهم مِنَ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ، وما يَتَفَضَّلُ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن إجابَةِ دُعائِهِمْ، وما يُشاهِدُونَهُ مِنَ التَّبْشِيرِ لَهم عِنْدَ حُضُورِ آجالِهِمْ، بِتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ قائِلِينَ لَهم: لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ، وأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ فَتَلَقِّي المَلائِكَةِ لَهم مُبَشِّرِينَ بِالفَوْزِ بِالنَّعِيمِ والسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ.
والبُشْرى مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ، والظَّرْفانِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا وحالَ كَوْنِهِمْ في الآخِرَةِ، ومَعْنى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيها ما وعَدَ بِهِ عِبادَهُ الصّالِحِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِمْ مُبَشَّرِينَ بِالبِشارَتَيْنِ في الدّارَيْنِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدَرُهُ ولا يُماثِلُهُ غَيْرُهُ، والجُمْلَتانِ: أعْنِي ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ و﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وفائِدَتُهُما تَحْقِيقُ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمُ شَأْنِهِ، أوِ الأُولى اعْتِراضِيَّةٌ، والثّانِيَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ قالَ: هم أهْلُ الشِّرْكِ كانُوا يُحِلُّونَ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ ما شاءُوا ويُحَرِّمُونَ ما شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ قالَ: إذْ تَفْعَلُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ قالَ: لا يَغِيبُ عَنْهُ وزْنُ ذَرَّةٍ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ: هو الكِتابُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ قِيلَ: مَن هم يا رَبِّ ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا قالَ: هُمُ الَّذِينَ إذا رُءُوا يُذْكَرُ اللَّهُ لِرُؤْيَتِهِمْ» .
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُبارَكِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَرْفُوعًا وهو مُرْسَلٌ.
ورُوِيَ نَحْوُهُ مِن طُرُقٍ أُخْرى مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الجُمُوحِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «لا يَحِقُّ العَبْدُ حَقَّ صَرِيحِ الإيمانِ حَتّى يُحِبَّ لِلَّهِ ويُبْغِضَ لِلَّهِ، فَإذا أحَبَّ لِلَّهِ وأبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الوَلاءَ مِنَ اللَّهِ، وإنَّ أوْلِيائِي مِن عِبادِي وأحِبّائِي مِن خَلْقِي الَّذِينَ يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي وأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، (p-٦٣٣)عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُ عِبادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وشَرارُ عِبادِهِ المَشّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ الباغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «خِيارُكم مَن ذَكَّرَكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وزادَ في عِلْمِكم مَنطِقُهُ، ورَغَّبَكم في الآخِرَةِ عَمَلُهُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِالأنْبِياءِ ولا شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرْبِهِمْ ومَجْلِسِهِمْ مِنهُ، فَجَثا أعْرابِيٌّ عَلى رُكْبَتَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهم لَنا جَلِّهِمْ لَنا ؟ قالَ: قَوْمٌ مِن أفْناءِ النّاسِ مِن نُزّاعِ القَبائِلِ، تَصافَوْا في اللَّهِ وتَحابُّوا في اللَّهِ، يَضَعُ اللَّهُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرَ مِن نُورٍ فَيُجْلِسُهم، يَخافُ النّاسُ ولا يَخافُونَ، هم أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وإسْنادُهُ جَيِّدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: الَّذِينَ يَتَحابُّونَ في اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ المُتَحابِّينَ في اللَّهِ أحادِيثُ لَيْسَ فِيها أنَّهُمُ المُرادُونَ بِالآيَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ مِصْرَ قالَ: سَألْتُ أبا الدَّرْداءِ عَنْ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ مُنْذُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ غَيْرُكَ مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيَّ هي: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُسْلِمُ، أوْ تُرى لَهُ، فَهي بُشْراهُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وبُشْراهُ في الآخِرَةِ الجَنَّةُ»، وفي إسْنادِهِ هَذا الرَّجُلُ المَجْهُولُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والدّارِمَيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: هي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قالَ: الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يُبَشَّرُ بِها المُؤْمِنُ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، فَمَن رَأى ذَلِكَ فَلْيُخْبِرْ بِها» الحَدِيثَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الآيَةِ قالَ: «هِيَ في الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها العَبْدُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ مَندَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَسَّرَ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا بِالرُّؤْيا الحَبِيبَةِ، وفي الآخِرَةِ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِ عِنْدَ المَوْتِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ولِمَن حَمَلَكَ إلى قَبْرِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْهُ مَرْفُوعًا مِثْلَ حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا الشَّطْرَ الأوَّلَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ بِأنَّ الرُّؤْيا الصّالِحَةَ مِنَ المُبَشِّراتِ وأنَّها جُزْءٌ مِن أجْزاءِ النُّبُوَّةِ، ولَكِنَّها لَمْ تُقَيَّدْ لِتَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ المُرادَ بِالبُشْرى في الآيَةِ هي قَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] .
أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ أنَّها قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ نافِعٍ قالَ: خَطَبَ الحَجّاجُ فَقالَ: إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كِتابَ اللَّهِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُّبَيْرِ، لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ.
يونس 10:65
قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ نَهْيٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الحُزْنِ مِن قَوْلِ الكُفّارِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ عَلَيْهِ وتَكْذِيبِهِ والقَدْحِ في دِينِهِ، والمَقْصُودِ التَّسْلِيَةُ لَهُ والتَّبْشِيرُ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الكَلامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُعَلِّلًا لِما ذَكَرَهُ مِنَ النَّهْيِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ لَهُ في مَمْلَكَتِهِ وسُلْطانِهِ لَيْسَتْ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ حَتّى تَحْزَنَ لِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ وهم لا يَمْلِكُونَ مِنَ الغَلَبَةِ شَيْئًا.
وقُرِئَ " يُحْزِنْكَ " مِن أحْزَنَهُ.
وقُرِئَ " أنَّ العِزَّةَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ، ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن جَعْلِ العِزَّةِ جَمِيعِها لِلَّهِ تَعالى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِأنَّ كُلَّ عِزَّةٍ بِاللَّهِ فَهي كُلُّها لِلَّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ (p-٦٣٤)[غافر: ٥١] .
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ ومَن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ المُعاصِرُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وإذا كانُوا في مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما لا يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ، وغَلَّبَ العُقَلاءَ عَلى غَيْرِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أشْرَفَ.
وفِي الآيَةِ نَعْيٌ عَلى عُبّادِ البَشَرِ والمَلائِكَةِ والجَماداتِ، لِأنَّهم عَبَدُوا المَمْلُوكَ وتَرَكُوا المالِكَ، وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما يُوجِبُهُ العَقْلُ، ولِهَذا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم وإنْ سَمَّوْا مَعْبُوداتِهِمْ شُرَكاءَ لِلَّهِ فَلَيْسَتْ شُرَكاءَ لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و" ما " في ( وما يَتَّبِعُ ) نافِيَةٌ، و" شُرَكاءَ " مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، وعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ ( يَدْعُونَ ) مَحْذُوفًا، والأصْلُ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هي أسْماءٌ لا مُسَمَّياتِ لَها، فَحُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ مَفْعُولَ ( يَدْعُونَ )، وحُذِفَ مَفْعُولُ ( يَتَّبِعُ ) لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ؟ !، ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ ( شُرَكاءَ ) مَنصُوبًا بِـ ( يَدْعُونَ )، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى ( مَن في السَّماواتِ ): أيْ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكٌ لِمَعْبُوداتِهِمْ لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ والدَّفْعِ لِأقْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا إنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنًّا، والظَّنُّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ يُقَدِّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا وكَذِبًا بَحْتًا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن آثارِ قُدْرَتِهِ مَعَ الِامْتِنانِ عَلى عِبادِهِ بِبَعْضِ نِعَمِهِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ جَعَلَ لِعِبادِهِ الزَّمانَ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: مُظْلِمٌ وهو اللَّيْلُ لِأجْلِ يَسْكُنُ العِبادُ فِيهِ عَنِ الحَرَكَةِ والتَّعَبِ ويُرِيحُونَ أنْفُسَهم عَنِ الكَدِّ والكَسْبِ، والآخَرُ: مُبْصِرٌ لِأجْلِ يَسْعَوْنَ فِيهِ بِما يَعُودُ عَلى نَفْعِهِمْ وتَوْفِيرِ مَعايِشِهِمْ، ويُحَصِّلُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ مُضِيءٍ مُنِيرٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَبِيرٌ ولا حَقِيرٌ، وجَعْلُهُ سُبْحانَهُ لِلنَّهارِ مُبْصِرًا مَجازٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُبْصِرٌ صاحِبُهُ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ لَآياتٍ عَجِيبَةً كَثِيرَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ يَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ التِّنْزِيلِيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا مِنها ومِن غَيْرِها مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَعِنْدَ السَّماعِ مِنهم لِذَلِكَ يَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الإيمانِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، وهو زَعْمُهم بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اتَّخَذَ ولَدًا، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ فَتَنَزَّهَ جَلَّ وعَلا عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا الباطِلِ البَيِّنِ، وبَيَّنَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ وأنَّ الوَلَدَ إنَّما يُطْلَبُ لِلْحاجَةِ، والغَنِيُّ المُطْلَقُ لا حاجَةَ لَهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ ولَدٌ يَقْضِيها، وإذا انْتَفَتِ الحاجَةُ انْتَفى الوَلَدُ، وأيْضًا إنَّما يَحْتاجُ إلى الوَلَدِ مَن يَكُونُ بِصَدَدِ الِانْقِراضِ لِيَقُومَ الوَلَدُ مَقامَهُ، والأزَلِيُّ القَدِيمُ لا يَفْتَقِرُ إلى ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في البَقَرَةِ.
ثُمَّ بالَغَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِما هو كالبُرْهانِ، فَقالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وإذا كانَ الكُلُّ لَهُ وفي مُلْكِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِما ولَدًا لَهُ لِلْمُنافاةِ بَيْنَ المُلْكِ والبُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ.
ثُمَّ زَيَّفَ دَعْواهُمُ الباطِلَةَ وبَيَّنَ أنَّها بِلا دَلِيلٍ فَقالَ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ أيْ أعِنْدَكم مِن حُجَّةٍ وبُرْهانٍ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي تُمْلُونُهُ، و( مِن ) في ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في بِهَذا مُتَعَلِّقٌ إمّا بِسُلْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ والبُرْهانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَكم لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.
ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَذا القَوْلِ العاطِلِ عَنِ الدَّلِيلِ الباطِلِ عِنْدَ العُقَلاءِ فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ويُسْتَفادُ مِن هَذا أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَيْسَ هو مِنَ العِلْمِ في شَيْءٍ، بَلْ مِنَ الجَهْلِ المَحْضِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: قَوْلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما قالُوهُ كَذِبٌ، وأنَّ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ لا يُفْلِحُ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ كُلُّ مُفْتَرٍ هَذا شَأْنُهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وذِكْرُ الكَذِبِ مَعَ الِافْتِراءِ لِلتَّأْكِيدِ كَما سَبَقَ في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ.
والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلى رَبِّهِمْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ.
﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الِافْتِراءَ وإنْ فازَ صاحِبُهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ فَهو مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَتَعَقَّبُهُ المَوْتُ والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ، فَيُعَذِّبُ المُفْتَرِي عَذابًا مُؤَبَّدًا.
فَيَكُونُ مَتاعٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ ما يَحْصُلُ لِلْمُفْتَرِي بِافْتِرائِهِ لَيْسَ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، بَلْ هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا يَتَعَقَّبُهُ العَذابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ الكُفْرِ الحاصِلِ بِأسْبابٍ مِن جُمْلَتِها الكَذِبُ عَلى اللَّهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ التَّقْدِيرَ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو الخَبَرُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ مَتاعٌ أوْ هو مَتاعٌ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو المُبْتَدَأ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجاءَهُ مِنَ اللَّهِ فِيما يُعاتِبُهُ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُهُ، فَلَوْ شاءَ بِعِزَّتِهِ لانْتَصَرَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ قالَ: مُنِيرًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ يَقُولُ: ما عِنْدَكم سُلْطانٌ بِهَذا.
يونس 10:66
قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ نَهْيٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الحُزْنِ مِن قَوْلِ الكُفّارِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ عَلَيْهِ وتَكْذِيبِهِ والقَدْحِ في دِينِهِ، والمَقْصُودِ التَّسْلِيَةُ لَهُ والتَّبْشِيرُ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الكَلامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُعَلِّلًا لِما ذَكَرَهُ مِنَ النَّهْيِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ لَهُ في مَمْلَكَتِهِ وسُلْطانِهِ لَيْسَتْ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ حَتّى تَحْزَنَ لِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ وهم لا يَمْلِكُونَ مِنَ الغَلَبَةِ شَيْئًا.
وقُرِئَ " يُحْزِنْكَ " مِن أحْزَنَهُ.
وقُرِئَ " أنَّ العِزَّةَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ، ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن جَعْلِ العِزَّةِ جَمِيعِها لِلَّهِ تَعالى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِأنَّ كُلَّ عِزَّةٍ بِاللَّهِ فَهي كُلُّها لِلَّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ (p-٦٣٤)[غافر: ٥١] .
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ ومَن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ المُعاصِرُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وإذا كانُوا في مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما لا يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ، وغَلَّبَ العُقَلاءَ عَلى غَيْرِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أشْرَفَ.
وفِي الآيَةِ نَعْيٌ عَلى عُبّادِ البَشَرِ والمَلائِكَةِ والجَماداتِ، لِأنَّهم عَبَدُوا المَمْلُوكَ وتَرَكُوا المالِكَ، وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما يُوجِبُهُ العَقْلُ، ولِهَذا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم وإنْ سَمَّوْا مَعْبُوداتِهِمْ شُرَكاءَ لِلَّهِ فَلَيْسَتْ شُرَكاءَ لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و" ما " في ( وما يَتَّبِعُ ) نافِيَةٌ، و" شُرَكاءَ " مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، وعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ ( يَدْعُونَ ) مَحْذُوفًا، والأصْلُ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هي أسْماءٌ لا مُسَمَّياتِ لَها، فَحُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ مَفْعُولَ ( يَدْعُونَ )، وحُذِفَ مَفْعُولُ ( يَتَّبِعُ ) لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ؟ !، ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ ( شُرَكاءَ ) مَنصُوبًا بِـ ( يَدْعُونَ )، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى ( مَن في السَّماواتِ ): أيْ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكٌ لِمَعْبُوداتِهِمْ لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ والدَّفْعِ لِأقْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا إنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنًّا، والظَّنُّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ يُقَدِّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا وكَذِبًا بَحْتًا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن آثارِ قُدْرَتِهِ مَعَ الِامْتِنانِ عَلى عِبادِهِ بِبَعْضِ نِعَمِهِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ جَعَلَ لِعِبادِهِ الزَّمانَ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: مُظْلِمٌ وهو اللَّيْلُ لِأجْلِ يَسْكُنُ العِبادُ فِيهِ عَنِ الحَرَكَةِ والتَّعَبِ ويُرِيحُونَ أنْفُسَهم عَنِ الكَدِّ والكَسْبِ، والآخَرُ: مُبْصِرٌ لِأجْلِ يَسْعَوْنَ فِيهِ بِما يَعُودُ عَلى نَفْعِهِمْ وتَوْفِيرِ مَعايِشِهِمْ، ويُحَصِّلُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ مُضِيءٍ مُنِيرٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَبِيرٌ ولا حَقِيرٌ، وجَعْلُهُ سُبْحانَهُ لِلنَّهارِ مُبْصِرًا مَجازٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُبْصِرٌ صاحِبُهُ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ لَآياتٍ عَجِيبَةً كَثِيرَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ يَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ التِّنْزِيلِيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا مِنها ومِن غَيْرِها مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَعِنْدَ السَّماعِ مِنهم لِذَلِكَ يَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الإيمانِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، وهو زَعْمُهم بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اتَّخَذَ ولَدًا، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ فَتَنَزَّهَ جَلَّ وعَلا عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا الباطِلِ البَيِّنِ، وبَيَّنَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ وأنَّ الوَلَدَ إنَّما يُطْلَبُ لِلْحاجَةِ، والغَنِيُّ المُطْلَقُ لا حاجَةَ لَهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ ولَدٌ يَقْضِيها، وإذا انْتَفَتِ الحاجَةُ انْتَفى الوَلَدُ، وأيْضًا إنَّما يَحْتاجُ إلى الوَلَدِ مَن يَكُونُ بِصَدَدِ الِانْقِراضِ لِيَقُومَ الوَلَدُ مَقامَهُ، والأزَلِيُّ القَدِيمُ لا يَفْتَقِرُ إلى ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في البَقَرَةِ.
ثُمَّ بالَغَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِما هو كالبُرْهانِ، فَقالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وإذا كانَ الكُلُّ لَهُ وفي مُلْكِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِما ولَدًا لَهُ لِلْمُنافاةِ بَيْنَ المُلْكِ والبُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ.
ثُمَّ زَيَّفَ دَعْواهُمُ الباطِلَةَ وبَيَّنَ أنَّها بِلا دَلِيلٍ فَقالَ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ أيْ أعِنْدَكم مِن حُجَّةٍ وبُرْهانٍ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي تُمْلُونُهُ، و( مِن ) في ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في بِهَذا مُتَعَلِّقٌ إمّا بِسُلْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ والبُرْهانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَكم لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.
ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَذا القَوْلِ العاطِلِ عَنِ الدَّلِيلِ الباطِلِ عِنْدَ العُقَلاءِ فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ويُسْتَفادُ مِن هَذا أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَيْسَ هو مِنَ العِلْمِ في شَيْءٍ، بَلْ مِنَ الجَهْلِ المَحْضِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: قَوْلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما قالُوهُ كَذِبٌ، وأنَّ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ لا يُفْلِحُ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ كُلُّ مُفْتَرٍ هَذا شَأْنُهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وذِكْرُ الكَذِبِ مَعَ الِافْتِراءِ لِلتَّأْكِيدِ كَما سَبَقَ في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ.
والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلى رَبِّهِمْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ.
﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الِافْتِراءَ وإنْ فازَ صاحِبُهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ فَهو مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَتَعَقَّبُهُ المَوْتُ والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ، فَيُعَذِّبُ المُفْتَرِي عَذابًا مُؤَبَّدًا.
فَيَكُونُ مَتاعٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ ما يَحْصُلُ لِلْمُفْتَرِي بِافْتِرائِهِ لَيْسَ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، بَلْ هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا يَتَعَقَّبُهُ العَذابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ الكُفْرِ الحاصِلِ بِأسْبابٍ مِن جُمْلَتِها الكَذِبُ عَلى اللَّهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ التَّقْدِيرَ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو الخَبَرُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ مَتاعٌ أوْ هو مَتاعٌ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو المُبْتَدَأ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجاءَهُ مِنَ اللَّهِ فِيما يُعاتِبُهُ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُهُ، فَلَوْ شاءَ بِعِزَّتِهِ لانْتَصَرَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ قالَ: مُنِيرًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ يَقُولُ: ما عِنْدَكم سُلْطانٌ بِهَذا.
يونس 10:67
قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ نَهْيٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الحُزْنِ مِن قَوْلِ الكُفّارِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ عَلَيْهِ وتَكْذِيبِهِ والقَدْحِ في دِينِهِ، والمَقْصُودِ التَّسْلِيَةُ لَهُ والتَّبْشِيرُ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الكَلامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُعَلِّلًا لِما ذَكَرَهُ مِنَ النَّهْيِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ لَهُ في مَمْلَكَتِهِ وسُلْطانِهِ لَيْسَتْ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ حَتّى تَحْزَنَ لِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ وهم لا يَمْلِكُونَ مِنَ الغَلَبَةِ شَيْئًا.
وقُرِئَ " يُحْزِنْكَ " مِن أحْزَنَهُ.
وقُرِئَ " أنَّ العِزَّةَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ، ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن جَعْلِ العِزَّةِ جَمِيعِها لِلَّهِ تَعالى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِأنَّ كُلَّ عِزَّةٍ بِاللَّهِ فَهي كُلُّها لِلَّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ (p-٦٣٤)[غافر: ٥١] .
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ ومَن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ المُعاصِرُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وإذا كانُوا في مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما لا يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ، وغَلَّبَ العُقَلاءَ عَلى غَيْرِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أشْرَفَ.
وفِي الآيَةِ نَعْيٌ عَلى عُبّادِ البَشَرِ والمَلائِكَةِ والجَماداتِ، لِأنَّهم عَبَدُوا المَمْلُوكَ وتَرَكُوا المالِكَ، وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما يُوجِبُهُ العَقْلُ، ولِهَذا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم وإنْ سَمَّوْا مَعْبُوداتِهِمْ شُرَكاءَ لِلَّهِ فَلَيْسَتْ شُرَكاءَ لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و" ما " في ( وما يَتَّبِعُ ) نافِيَةٌ، و" شُرَكاءَ " مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، وعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ ( يَدْعُونَ ) مَحْذُوفًا، والأصْلُ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هي أسْماءٌ لا مُسَمَّياتِ لَها، فَحُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ مَفْعُولَ ( يَدْعُونَ )، وحُذِفَ مَفْعُولُ ( يَتَّبِعُ ) لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ؟ !، ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ ( شُرَكاءَ ) مَنصُوبًا بِـ ( يَدْعُونَ )، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى ( مَن في السَّماواتِ ): أيْ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكٌ لِمَعْبُوداتِهِمْ لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ والدَّفْعِ لِأقْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا إنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنًّا، والظَّنُّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ يُقَدِّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا وكَذِبًا بَحْتًا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن آثارِ قُدْرَتِهِ مَعَ الِامْتِنانِ عَلى عِبادِهِ بِبَعْضِ نِعَمِهِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ جَعَلَ لِعِبادِهِ الزَّمانَ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: مُظْلِمٌ وهو اللَّيْلُ لِأجْلِ يَسْكُنُ العِبادُ فِيهِ عَنِ الحَرَكَةِ والتَّعَبِ ويُرِيحُونَ أنْفُسَهم عَنِ الكَدِّ والكَسْبِ، والآخَرُ: مُبْصِرٌ لِأجْلِ يَسْعَوْنَ فِيهِ بِما يَعُودُ عَلى نَفْعِهِمْ وتَوْفِيرِ مَعايِشِهِمْ، ويُحَصِّلُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ مُضِيءٍ مُنِيرٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَبِيرٌ ولا حَقِيرٌ، وجَعْلُهُ سُبْحانَهُ لِلنَّهارِ مُبْصِرًا مَجازٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُبْصِرٌ صاحِبُهُ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ لَآياتٍ عَجِيبَةً كَثِيرَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ يَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ التِّنْزِيلِيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا مِنها ومِن غَيْرِها مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَعِنْدَ السَّماعِ مِنهم لِذَلِكَ يَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الإيمانِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، وهو زَعْمُهم بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اتَّخَذَ ولَدًا، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ فَتَنَزَّهَ جَلَّ وعَلا عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا الباطِلِ البَيِّنِ، وبَيَّنَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ وأنَّ الوَلَدَ إنَّما يُطْلَبُ لِلْحاجَةِ، والغَنِيُّ المُطْلَقُ لا حاجَةَ لَهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ ولَدٌ يَقْضِيها، وإذا انْتَفَتِ الحاجَةُ انْتَفى الوَلَدُ، وأيْضًا إنَّما يَحْتاجُ إلى الوَلَدِ مَن يَكُونُ بِصَدَدِ الِانْقِراضِ لِيَقُومَ الوَلَدُ مَقامَهُ، والأزَلِيُّ القَدِيمُ لا يَفْتَقِرُ إلى ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في البَقَرَةِ.
ثُمَّ بالَغَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِما هو كالبُرْهانِ، فَقالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وإذا كانَ الكُلُّ لَهُ وفي مُلْكِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِما ولَدًا لَهُ لِلْمُنافاةِ بَيْنَ المُلْكِ والبُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ.
ثُمَّ زَيَّفَ دَعْواهُمُ الباطِلَةَ وبَيَّنَ أنَّها بِلا دَلِيلٍ فَقالَ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ أيْ أعِنْدَكم مِن حُجَّةٍ وبُرْهانٍ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي تُمْلُونُهُ، و( مِن ) في ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في بِهَذا مُتَعَلِّقٌ إمّا بِسُلْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ والبُرْهانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَكم لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.
ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَذا القَوْلِ العاطِلِ عَنِ الدَّلِيلِ الباطِلِ عِنْدَ العُقَلاءِ فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ويُسْتَفادُ مِن هَذا أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَيْسَ هو مِنَ العِلْمِ في شَيْءٍ، بَلْ مِنَ الجَهْلِ المَحْضِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: قَوْلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما قالُوهُ كَذِبٌ، وأنَّ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ لا يُفْلِحُ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ كُلُّ مُفْتَرٍ هَذا شَأْنُهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وذِكْرُ الكَذِبِ مَعَ الِافْتِراءِ لِلتَّأْكِيدِ كَما سَبَقَ في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ.
والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلى رَبِّهِمْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ.
﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الِافْتِراءَ وإنْ فازَ صاحِبُهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ فَهو مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَتَعَقَّبُهُ المَوْتُ والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ، فَيُعَذِّبُ المُفْتَرِي عَذابًا مُؤَبَّدًا.
فَيَكُونُ مَتاعٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ ما يَحْصُلُ لِلْمُفْتَرِي بِافْتِرائِهِ لَيْسَ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، بَلْ هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا يَتَعَقَّبُهُ العَذابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ الكُفْرِ الحاصِلِ بِأسْبابٍ مِن جُمْلَتِها الكَذِبُ عَلى اللَّهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ التَّقْدِيرَ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو الخَبَرُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ مَتاعٌ أوْ هو مَتاعٌ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو المُبْتَدَأ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجاءَهُ مِنَ اللَّهِ فِيما يُعاتِبُهُ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُهُ، فَلَوْ شاءَ بِعِزَّتِهِ لانْتَصَرَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ قالَ: مُنِيرًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ يَقُولُ: ما عِنْدَكم سُلْطانٌ بِهَذا.
يونس 10:68
قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ نَهْيٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الحُزْنِ مِن قَوْلِ الكُفّارِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ عَلَيْهِ وتَكْذِيبِهِ والقَدْحِ في دِينِهِ، والمَقْصُودِ التَّسْلِيَةُ لَهُ والتَّبْشِيرُ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الكَلامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُعَلِّلًا لِما ذَكَرَهُ مِنَ النَّهْيِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ لَهُ في مَمْلَكَتِهِ وسُلْطانِهِ لَيْسَتْ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ حَتّى تَحْزَنَ لِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ وهم لا يَمْلِكُونَ مِنَ الغَلَبَةِ شَيْئًا.
وقُرِئَ " يُحْزِنْكَ " مِن أحْزَنَهُ.
وقُرِئَ " أنَّ العِزَّةَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ، ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن جَعْلِ العِزَّةِ جَمِيعِها لِلَّهِ تَعالى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِأنَّ كُلَّ عِزَّةٍ بِاللَّهِ فَهي كُلُّها لِلَّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ (p-٦٣٤)[غافر: ٥١] .
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ ومَن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ المُعاصِرُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وإذا كانُوا في مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما لا يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ، وغَلَّبَ العُقَلاءَ عَلى غَيْرِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أشْرَفَ.
وفِي الآيَةِ نَعْيٌ عَلى عُبّادِ البَشَرِ والمَلائِكَةِ والجَماداتِ، لِأنَّهم عَبَدُوا المَمْلُوكَ وتَرَكُوا المالِكَ، وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما يُوجِبُهُ العَقْلُ، ولِهَذا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم وإنْ سَمَّوْا مَعْبُوداتِهِمْ شُرَكاءَ لِلَّهِ فَلَيْسَتْ شُرَكاءَ لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و" ما " في ( وما يَتَّبِعُ ) نافِيَةٌ، و" شُرَكاءَ " مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، وعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ ( يَدْعُونَ ) مَحْذُوفًا، والأصْلُ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هي أسْماءٌ لا مُسَمَّياتِ لَها، فَحُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ مَفْعُولَ ( يَدْعُونَ )، وحُذِفَ مَفْعُولُ ( يَتَّبِعُ ) لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ؟ !، ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ ( شُرَكاءَ ) مَنصُوبًا بِـ ( يَدْعُونَ )، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى ( مَن في السَّماواتِ ): أيْ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكٌ لِمَعْبُوداتِهِمْ لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ والدَّفْعِ لِأقْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا إنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنًّا، والظَّنُّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ يُقَدِّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا وكَذِبًا بَحْتًا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن آثارِ قُدْرَتِهِ مَعَ الِامْتِنانِ عَلى عِبادِهِ بِبَعْضِ نِعَمِهِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ جَعَلَ لِعِبادِهِ الزَّمانَ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: مُظْلِمٌ وهو اللَّيْلُ لِأجْلِ يَسْكُنُ العِبادُ فِيهِ عَنِ الحَرَكَةِ والتَّعَبِ ويُرِيحُونَ أنْفُسَهم عَنِ الكَدِّ والكَسْبِ، والآخَرُ: مُبْصِرٌ لِأجْلِ يَسْعَوْنَ فِيهِ بِما يَعُودُ عَلى نَفْعِهِمْ وتَوْفِيرِ مَعايِشِهِمْ، ويُحَصِّلُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ مُضِيءٍ مُنِيرٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَبِيرٌ ولا حَقِيرٌ، وجَعْلُهُ سُبْحانَهُ لِلنَّهارِ مُبْصِرًا مَجازٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُبْصِرٌ صاحِبُهُ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ لَآياتٍ عَجِيبَةً كَثِيرَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ يَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ التِّنْزِيلِيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا مِنها ومِن غَيْرِها مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَعِنْدَ السَّماعِ مِنهم لِذَلِكَ يَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الإيمانِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، وهو زَعْمُهم بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اتَّخَذَ ولَدًا، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ فَتَنَزَّهَ جَلَّ وعَلا عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا الباطِلِ البَيِّنِ، وبَيَّنَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ وأنَّ الوَلَدَ إنَّما يُطْلَبُ لِلْحاجَةِ، والغَنِيُّ المُطْلَقُ لا حاجَةَ لَهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ ولَدٌ يَقْضِيها، وإذا انْتَفَتِ الحاجَةُ انْتَفى الوَلَدُ، وأيْضًا إنَّما يَحْتاجُ إلى الوَلَدِ مَن يَكُونُ بِصَدَدِ الِانْقِراضِ لِيَقُومَ الوَلَدُ مَقامَهُ، والأزَلِيُّ القَدِيمُ لا يَفْتَقِرُ إلى ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في البَقَرَةِ.
ثُمَّ بالَغَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِما هو كالبُرْهانِ، فَقالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وإذا كانَ الكُلُّ لَهُ وفي مُلْكِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِما ولَدًا لَهُ لِلْمُنافاةِ بَيْنَ المُلْكِ والبُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ.
ثُمَّ زَيَّفَ دَعْواهُمُ الباطِلَةَ وبَيَّنَ أنَّها بِلا دَلِيلٍ فَقالَ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ أيْ أعِنْدَكم مِن حُجَّةٍ وبُرْهانٍ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي تُمْلُونُهُ، و( مِن ) في ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في بِهَذا مُتَعَلِّقٌ إمّا بِسُلْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ والبُرْهانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَكم لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.
ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَذا القَوْلِ العاطِلِ عَنِ الدَّلِيلِ الباطِلِ عِنْدَ العُقَلاءِ فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ويُسْتَفادُ مِن هَذا أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَيْسَ هو مِنَ العِلْمِ في شَيْءٍ، بَلْ مِنَ الجَهْلِ المَحْضِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: قَوْلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما قالُوهُ كَذِبٌ، وأنَّ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ لا يُفْلِحُ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ كُلُّ مُفْتَرٍ هَذا شَأْنُهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وذِكْرُ الكَذِبِ مَعَ الِافْتِراءِ لِلتَّأْكِيدِ كَما سَبَقَ في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ.
والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلى رَبِّهِمْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ.
﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الِافْتِراءَ وإنْ فازَ صاحِبُهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ فَهو مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَتَعَقَّبُهُ المَوْتُ والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ، فَيُعَذِّبُ المُفْتَرِي عَذابًا مُؤَبَّدًا.
فَيَكُونُ مَتاعٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ ما يَحْصُلُ لِلْمُفْتَرِي بِافْتِرائِهِ لَيْسَ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، بَلْ هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا يَتَعَقَّبُهُ العَذابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ الكُفْرِ الحاصِلِ بِأسْبابٍ مِن جُمْلَتِها الكَذِبُ عَلى اللَّهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ التَّقْدِيرَ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو الخَبَرُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ مَتاعٌ أوْ هو مَتاعٌ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو المُبْتَدَأ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجاءَهُ مِنَ اللَّهِ فِيما يُعاتِبُهُ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُهُ، فَلَوْ شاءَ بِعِزَّتِهِ لانْتَصَرَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ قالَ: مُنِيرًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ يَقُولُ: ما عِنْدَكم سُلْطانٌ بِهَذا.
يونس 10:69
قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ نَهْيٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الحُزْنِ مِن قَوْلِ الكُفّارِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ عَلَيْهِ وتَكْذِيبِهِ والقَدْحِ في دِينِهِ، والمَقْصُودِ التَّسْلِيَةُ لَهُ والتَّبْشِيرُ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الكَلامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُعَلِّلًا لِما ذَكَرَهُ مِنَ النَّهْيِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ لَهُ في مَمْلَكَتِهِ وسُلْطانِهِ لَيْسَتْ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ حَتّى تَحْزَنَ لِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ وهم لا يَمْلِكُونَ مِنَ الغَلَبَةِ شَيْئًا.
وقُرِئَ " يُحْزِنْكَ " مِن أحْزَنَهُ.
وقُرِئَ " أنَّ العِزَّةَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ، ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن جَعْلِ العِزَّةِ جَمِيعِها لِلَّهِ تَعالى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِأنَّ كُلَّ عِزَّةٍ بِاللَّهِ فَهي كُلُّها لِلَّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ (p-٦٣٤)[غافر: ٥١] .
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ ومَن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ المُعاصِرُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وإذا كانُوا في مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما لا يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ، وغَلَّبَ العُقَلاءَ عَلى غَيْرِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أشْرَفَ.
وفِي الآيَةِ نَعْيٌ عَلى عُبّادِ البَشَرِ والمَلائِكَةِ والجَماداتِ، لِأنَّهم عَبَدُوا المَمْلُوكَ وتَرَكُوا المالِكَ، وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما يُوجِبُهُ العَقْلُ، ولِهَذا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم وإنْ سَمَّوْا مَعْبُوداتِهِمْ شُرَكاءَ لِلَّهِ فَلَيْسَتْ شُرَكاءَ لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و" ما " في ( وما يَتَّبِعُ ) نافِيَةٌ، و" شُرَكاءَ " مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، وعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ ( يَدْعُونَ ) مَحْذُوفًا، والأصْلُ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هي أسْماءٌ لا مُسَمَّياتِ لَها، فَحُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ مَفْعُولَ ( يَدْعُونَ )، وحُذِفَ مَفْعُولُ ( يَتَّبِعُ ) لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ؟ !، ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ ( شُرَكاءَ ) مَنصُوبًا بِـ ( يَدْعُونَ )، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى ( مَن في السَّماواتِ ): أيْ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكٌ لِمَعْبُوداتِهِمْ لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ والدَّفْعِ لِأقْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا إنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنًّا، والظَّنُّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ يُقَدِّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا وكَذِبًا بَحْتًا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن آثارِ قُدْرَتِهِ مَعَ الِامْتِنانِ عَلى عِبادِهِ بِبَعْضِ نِعَمِهِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ جَعَلَ لِعِبادِهِ الزَّمانَ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: مُظْلِمٌ وهو اللَّيْلُ لِأجْلِ يَسْكُنُ العِبادُ فِيهِ عَنِ الحَرَكَةِ والتَّعَبِ ويُرِيحُونَ أنْفُسَهم عَنِ الكَدِّ والكَسْبِ، والآخَرُ: مُبْصِرٌ لِأجْلِ يَسْعَوْنَ فِيهِ بِما يَعُودُ عَلى نَفْعِهِمْ وتَوْفِيرِ مَعايِشِهِمْ، ويُحَصِّلُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ مُضِيءٍ مُنِيرٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَبِيرٌ ولا حَقِيرٌ، وجَعْلُهُ سُبْحانَهُ لِلنَّهارِ مُبْصِرًا مَجازٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُبْصِرٌ صاحِبُهُ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ لَآياتٍ عَجِيبَةً كَثِيرَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ يَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ التِّنْزِيلِيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا مِنها ومِن غَيْرِها مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَعِنْدَ السَّماعِ مِنهم لِذَلِكَ يَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الإيمانِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، وهو زَعْمُهم بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اتَّخَذَ ولَدًا، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ فَتَنَزَّهَ جَلَّ وعَلا عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا الباطِلِ البَيِّنِ، وبَيَّنَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ وأنَّ الوَلَدَ إنَّما يُطْلَبُ لِلْحاجَةِ، والغَنِيُّ المُطْلَقُ لا حاجَةَ لَهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ ولَدٌ يَقْضِيها، وإذا انْتَفَتِ الحاجَةُ انْتَفى الوَلَدُ، وأيْضًا إنَّما يَحْتاجُ إلى الوَلَدِ مَن يَكُونُ بِصَدَدِ الِانْقِراضِ لِيَقُومَ الوَلَدُ مَقامَهُ، والأزَلِيُّ القَدِيمُ لا يَفْتَقِرُ إلى ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في البَقَرَةِ.
ثُمَّ بالَغَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِما هو كالبُرْهانِ، فَقالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وإذا كانَ الكُلُّ لَهُ وفي مُلْكِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِما ولَدًا لَهُ لِلْمُنافاةِ بَيْنَ المُلْكِ والبُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ.
ثُمَّ زَيَّفَ دَعْواهُمُ الباطِلَةَ وبَيَّنَ أنَّها بِلا دَلِيلٍ فَقالَ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ أيْ أعِنْدَكم مِن حُجَّةٍ وبُرْهانٍ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي تُمْلُونُهُ، و( مِن ) في ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في بِهَذا مُتَعَلِّقٌ إمّا بِسُلْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ والبُرْهانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَكم لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.
ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَذا القَوْلِ العاطِلِ عَنِ الدَّلِيلِ الباطِلِ عِنْدَ العُقَلاءِ فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ويُسْتَفادُ مِن هَذا أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَيْسَ هو مِنَ العِلْمِ في شَيْءٍ، بَلْ مِنَ الجَهْلِ المَحْضِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: قَوْلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما قالُوهُ كَذِبٌ، وأنَّ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ لا يُفْلِحُ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ كُلُّ مُفْتَرٍ هَذا شَأْنُهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وذِكْرُ الكَذِبِ مَعَ الِافْتِراءِ لِلتَّأْكِيدِ كَما سَبَقَ في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ.
والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلى رَبِّهِمْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ.
﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الِافْتِراءَ وإنْ فازَ صاحِبُهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ فَهو مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَتَعَقَّبُهُ المَوْتُ والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ، فَيُعَذِّبُ المُفْتَرِي عَذابًا مُؤَبَّدًا.
فَيَكُونُ مَتاعٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ ما يَحْصُلُ لِلْمُفْتَرِي بِافْتِرائِهِ لَيْسَ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، بَلْ هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا يَتَعَقَّبُهُ العَذابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ الكُفْرِ الحاصِلِ بِأسْبابٍ مِن جُمْلَتِها الكَذِبُ عَلى اللَّهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ التَّقْدِيرَ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو الخَبَرُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ مَتاعٌ أوْ هو مَتاعٌ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو المُبْتَدَأ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجاءَهُ مِنَ اللَّهِ فِيما يُعاتِبُهُ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُهُ، فَلَوْ شاءَ بِعِزَّتِهِ لانْتَصَرَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ قالَ: مُنِيرًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ يَقُولُ: ما عِنْدَكم سُلْطانٌ بِهَذا.
يونس 10:70
قَوْلُهُ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ نَهْيٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ الحُزْنِ مِن قَوْلِ الكُفّارِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ عَلَيْهِ وتَكْذِيبِهِ والقَدْحِ في دِينِهِ، والمَقْصُودِ التَّسْلِيَةُ لَهُ والتَّبْشِيرُ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الكَلامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مُعَلِّلًا لِما ذَكَرَهُ مِنَ النَّهْيِ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيِ الغَلَبَةُ والقَهْرُ لَهُ في مَمْلَكَتِهِ وسُلْطانِهِ لَيْسَتْ لِأحَدٍ مِن عِبادِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُ فَكَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلَيْكَ حَتّى تَحْزَنَ لِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ وهم لا يَمْلِكُونَ مِنَ الغَلَبَةِ شَيْئًا.
وقُرِئَ " يُحْزِنْكَ " مِن أحْزَنَهُ.
وقُرِئَ " أنَّ العِزَّةَ " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ، ولا يُنافِي ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن جَعْلِ العِزَّةِ جَمِيعِها لِلَّهِ تَعالى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لِأنَّ كُلَّ عِزَّةٍ بِاللَّهِ فَهي كُلُّها لِلَّهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ (p-٦٣٤)[غافر: ٥١] .
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ ومَن جُمْلَتِهِمْ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ المُعاصِرُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وإذا كانُوا في مُلْكِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِما لا يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ، وغَلَّبَ العُقَلاءَ عَلى غَيْرِهِمْ لِكَوْنِهِمْ أشْرَفَ.
وفِي الآيَةِ نَعْيٌ عَلى عُبّادِ البَشَرِ والمَلائِكَةِ والجَماداتِ، لِأنَّهم عَبَدُوا المَمْلُوكَ وتَرَكُوا المالِكَ، وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما يُوجِبُهُ العَقْلُ، ولِهَذا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ والمَعْنى: أنَّهم وإنْ سَمَّوْا مَعْبُوداتِهِمْ شُرَكاءَ لِلَّهِ فَلَيْسَتْ شُرَكاءَ لَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ مُحالٌ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و" ما " في ( وما يَتَّبِعُ ) نافِيَةٌ، و" شُرَكاءَ " مَفْعُولُ يَتَّبِعُ، وعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ ( يَدْعُونَ ) مَحْذُوفًا، والأصْلُ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ، إنَّما هي أسْماءٌ لا مُسَمَّياتِ لَها، فَحُذِفَ أحَدُهُما لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ مَفْعُولَ ( يَدْعُونَ )، وحُذِفَ مَفْعُولُ ( يَتَّبِعُ ) لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ ؟ !، ويَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ ( شُرَكاءَ ) مَنصُوبًا بِـ ( يَدْعُونَ )، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ لَهم والإزْراءِ عَلَيْهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " ما " مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى ( مَن في السَّماواتِ ): أيْ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ مالِكٌ لِمَعْبُوداتِهِمْ لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ.
ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ في تَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ والدَّفْعِ لِأقْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا إنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنًّا، والظَّنُّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ يُقَدِّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا وكَذِبًا بَحْتًا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْعامِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن آثارِ قُدْرَتِهِ مَعَ الِامْتِنانِ عَلى عِبادِهِ بِبَعْضِ نِعَمِهِ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ أيْ جَعَلَ لِعِبادِهِ الزَّمانَ مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: مُظْلِمٌ وهو اللَّيْلُ لِأجْلِ يَسْكُنُ العِبادُ فِيهِ عَنِ الحَرَكَةِ والتَّعَبِ ويُرِيحُونَ أنْفُسَهم عَنِ الكَدِّ والكَسْبِ، والآخَرُ: مُبْصِرٌ لِأجْلِ يَسْعَوْنَ فِيهِ بِما يَعُودُ عَلى نَفْعِهِمْ وتَوْفِيرِ مَعايِشِهِمْ، ويُحَصِّلُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ مُضِيءٍ مُنِيرٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِمْ فِيهِ كَبِيرٌ ولا حَقِيرٌ، وجَعْلُهُ سُبْحانَهُ لِلنَّهارِ مُبْصِرًا مَجازٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُبْصِرٌ صاحِبُهُ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في ذَلِكَ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ لَآياتٍ عَجِيبَةً كَثِيرَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أيْ يَسْمَعُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ التِّنْزِيلِيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ مِمّا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا مِنها ومِن غَيْرِها مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ، فَعِنْدَ السَّماعِ مِنهم لِذَلِكَ يَتَفَكَّرُونَ ويَعْتَبِرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الإيمانِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها، وهو زَعْمُهم بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اتَّخَذَ ولَدًا، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ فَتَنَزَّهَ جَلَّ وعَلا عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن هَذا الباطِلِ البَيِّنِ، وبَيَّنَ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ وأنَّ الوَلَدَ إنَّما يُطْلَبُ لِلْحاجَةِ، والغَنِيُّ المُطْلَقُ لا حاجَةَ لَهُ حَتّى يَكُونَ لَهُ ولَدٌ يَقْضِيها، وإذا انْتَفَتِ الحاجَةُ انْتَفى الوَلَدُ، وأيْضًا إنَّما يَحْتاجُ إلى الوَلَدِ مَن يَكُونُ بِصَدَدِ الِانْقِراضِ لِيَقُومَ الوَلَدُ مَقامَهُ، والأزَلِيُّ القَدِيمُ لا يَفْتَقِرُ إلى ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في البَقَرَةِ.
ثُمَّ بالَغَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِما هو كالبُرْهانِ، فَقالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، وإذا كانَ الكُلُّ لَهُ وفي مُلْكِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِما ولَدًا لَهُ لِلْمُنافاةِ بَيْنَ المُلْكِ والبُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ.
ثُمَّ زَيَّفَ دَعْواهُمُ الباطِلَةَ وبَيَّنَ أنَّها بِلا دَلِيلٍ فَقالَ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ أيْ أعِنْدَكم مِن حُجَّةٍ وبُرْهانٍ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي تُمْلُونُهُ، و( مِن ) في ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في بِهَذا مُتَعَلِّقٌ إمّا بِسُلْطانٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ والبُرْهانِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَكم لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ.
ثُمَّ وبَّخَهم عَلى هَذا القَوْلِ العاطِلِ عَنِ الدَّلِيلِ الباطِلِ عِنْدَ العُقَلاءِ فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، ويُسْتَفادُ مِن هَذا أنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لَيْسَ هو مِنَ العِلْمِ في شَيْءٍ، بَلْ مِنَ الجَهْلِ المَحْضِ.
ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَ لَهم: قَوْلًا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما قالُوهُ كَذِبٌ، وأنَّ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ لا يُفْلِحُ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ كُلُّ مُفْتَرٍ هَذا شَأْنُهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وذِكْرُ الكَذِبِ مَعَ الِافْتِراءِ لِلتَّأْكِيدِ كَما سَبَقَ في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ.
والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلى رَبِّهِمْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ.
﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا الِافْتِراءَ وإنْ فازَ صاحِبُهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ العاجِلَةِ فَهو مَتاعٌ قَلِيلٌ في الدُّنْيا، ثُمَّ يَتَعَقَّبُهُ المَوْتُ والرُّجُوعُ إلى اللَّهِ، فَيُعَذِّبُ المُفْتَرِي عَذابًا مُؤَبَّدًا.
فَيَكُونُ مَتاعٌ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ ما يَحْصُلُ لِلْمُفْتَرِي بِافْتِرائِهِ لَيْسَ بِفائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها، بَلْ هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا يَتَعَقَّبُهُ العَذابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ الكُفْرِ الحاصِلِ بِأسْبابٍ مِن جُمْلَتِها الكَذِبُ عَلى اللَّهِ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ التَّقْدِيرَ لَهم مَتاعٌ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو الخَبَرُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: التَّقْدِيرُ ذَلِكَ مَتاعٌ أوْ هو مَتاعٌ، فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى هَذا هو المُبْتَدَأ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ﴾ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَجاءَهُ مِنَ اللَّهِ فِيما يُعاتِبُهُ ﴿ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُهُ، فَلَوْ شاءَ بِعِزَّتِهِ لانْتَصَرَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ قالَ: مُنِيرًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ يَقُولُ: ما عِنْدَكم سُلْطانٌ بِهَذا.
يونس 10:71
(p-٦٣٥)لَمّا بالَغَ سُبْحانَهُ في تَقْرِيرِ البَراهِينِ الواضِحَةِ ودَفْعِ الشُّبْهَةِ المُنْهارَةِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَكَ المُعارِضِينَ لِما جِئْتَ بِهِ بِأقْوالِهِمُ الباطِلَةِ نَبَأ نُوحٍ أيْ خَبَرَهُ، والنَّبَأُ هو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ خَطَرٌ وشَأْنٌ، والمُرادُ: ما جَرى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ كَما فَعَلَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ وأمْثالُهم ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أيْ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، والظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِـ ( نَبَأ ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ، واللّامُ في لِقَوْمِهِ لامُ التَّبْلِيغِ ﴿ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ أيْ عَظُمَ وثَقُلَ، والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: المَوْضِعُ الَّذِي يُقامُ فِيهِ، وبِالضَّمِّ الإقامَةُ.
وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى الفَتْحِ، وكَنّى بِالمَقامِ عَلى نَفْسِهِ كَما يُقالُ فَعَلْتُهُ لِمَكانِ فُلانٍ أيْ: لِأجْلِهِ، ومِنهُ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أيْ خافَ رَبَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَقامِ المُكْثُ أيْ: شَقَّ عَلَيْكم مُكْثِي بَيْنَ أظْهُرِكم، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَقامِ القِيامُ، لِأنَّ الواعِظَ يَقُومُ حالَ وعْظِهِ، والمَعْنى: إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم قِيامِي بِالوَعْظِ في مَواطِنِ اجْتِماعِكم، وكَبُرَ عَلَيْكم تَذْكِيرِي لَكم بِآياتِ اللَّهِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنِّي لا أُقابِلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ دَأْبِي الَّذِي أنا عَلَيْهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إحْداثَ مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَنْ مَراتِبِ التَّوَكُّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ فَأجْمِعُوا وجُمْلَةُ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعْتِراضًا كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ أنْكَرْتَ عَلِيَّ شَيْئًا فاللَّهُ حَسْبِي.
ومَعْنى ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ اعْتَزِمُوا عَلَيْهِ، مِن أجْمَعَ الأمْرَ: إذا نَواهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ.
ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: أجْمَعَ الشَّيْءَ: أعَدَّهُ.
وقالَ مُؤَرَّجٌ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعَ الأمْرَ أفْصَحُ مِن أجْمَعَ عَلَيْهِ، وأنْشَدَ:
؎يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ
وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ: جَعَلَهُ جَمِيعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، وتَفَرُّقُهُ أنْ تَقُولَ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَلَمّا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ فَقَدْ جَمَعَهُ: أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ.
وقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى نَصْبِ ( شُرَكاءَكم ) وقَطْعِ الهَمْزَةِ مِن أجْمَعُوا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، بِهَمْزَةِ وصْلٍ في أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مِن جَمَعَ يَجْمَعُ جَمْعًا.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، " وشُرَكاؤُكم " بِالرَّفْعِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي نَصْبِ الشُّرَكاءِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: بِمَعْنى وادْعُوا شُرَكاءَكم، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيِ ادْعُوهم لِنُصْرَتِكم، فَهو عَلى هَذا مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى قالَ الشّاعِرُ:
؎يا لَيْتَ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا
والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ بِهِ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ كالسَّيْفِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى مَعَ شُرَكائِكم، فالواوُ عَلى هَذا واوُ مَعَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ " اجْمَعُوا " بِهَمْزَةِ وصْلٍ فالعَطْفُ ظاهِرٌ: أيِ اجْمَعُوا أمْرَكم واجْمَعُوا شُرَكاءَكم.
وأمّا تَوْجِيهُ قِراءَةِ الرَّفْعِ، فَعَلى عَطْفِ الشُّرَكاءِ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ( أجْمِعُوا )، وحَسُنَ هَذا العَطْفُ مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ بِمُنْفَصِلٍ كَما هو المُعْتَبَرُ في ذَلِكَ، أنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ.
قالَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ( شُرَكاءَكم ) مَرْفُوعًا لَرُسِمَ في المُصْحَفِ بِالواوِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِيهِ.
قالَهُ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ الشُّرَكاءُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: وشُرَكاؤُكم لِيَجْمَعُوا أمْرَهم، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الشُّرَكاءِ مَعَ كَوْنِ الأصْنامِ لا تَعْقِلُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لِمَن عَبْدَها.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ: " وادْعُوا شُرَكاءَكم " بِإظْهارِ الفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ الغُمَّةُ: التَّغْطِيَةُ مِن قَوْلِهِمْ، غُمَّ الهِلالُ: إذا اسْتَتَرَ أيْ: لِيَكُنْ أمْرُكم ظاهِرًا مُنْكَشِفًا.
قالَ طَرَفَةُ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الهَيْثَمُ: مَعْناهُ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم مُبْهَمًا.
وقِيلَ: إنَّ الغُمَّةَ: ضِيقُ الأمْرِ. كَذا رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ.
والمَعْنى: لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم بِمُصاحَبَتِي والمُجامَلَةِ لِي ضِيقًا شَدِيدًا، بَلِ ادْفَعُوا هَذا الضِّيقَ والشِّدَّةَ بِما شِئْتُمْ وقَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ بِالأمْرِ الثّانِي هو الأمْرُ الأوَّلُ، وعَلى الثّالِثِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَهُ بِي، وأصْلُ اقْضُوا مِنَ القَضاءِ، وهو الإحْكامُ.
والمَعْنى: أحْكِمُوا ذَلِكَ الأمْرَ.
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: هو مِثْلُ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] أيْ أنْهَيْناهُ إلَيْهِ وأبْلَغْناهُ إيّاهُ، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ: أيْ لا تُمْهِلُونِ، بَلْ عَجِّلُوا أمْرَكم واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: ثُمَّ امْضُوا إلَيَّ ولا تُؤَخِّرُونَ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذا قَوْلٌ صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَضى المَيِّتُ: مَضى.
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ أنَّهُ قَرَأ " ثُمَّ أفْضُوا " بِالفاءِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ: أيْ تَوَجَّهُوا، وفي هَذا الكَلامِ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى وُثُوقِهِ بِنَصْرِ رَبِّهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِما يَتَوَعَّدُهُ بِهِ قَوْمُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ إلَيْهِمْ مِنَ الإعْذارِ والإنْذارِ وتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ هو لِطَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ، ولا لِغَرَضٍ خَسِيسٍ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ العَمَلِ بِنُصْحِي لَكم وتَذْكِيرِي إيّاكم، فَما سَألْتُكم في مُقابَلَةِ ذَلِكَ مِن أجْرٍ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ حَتّى تَتَّهِمُونِي فِيما جِئْتُ بِهِ، والفاءُ في فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والفاءُ في فَما سَألْتُكم جَزائِيَّةٌ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ ما ثَوابِي في النُّصْحِ والتَّذْكِيرِ إلّا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهو يُثِيبُنِي آمَنتُمْ أوْ (p-٦٣٦)تَوَلَّيْتُمْ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وأبُو عُمَرَ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، بِتَحْرِيكِ الياءِ مِن ( أجْرِيَ )، وقَرَأ الباقُونَ بِالسُّكُونِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أعْمالَهم خالِصَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا يَأْخُذُونَ عَلَيْها أجْرًا ولا يَطْمَعُونَ في عاجِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم أحْدَثُوا تَكْذِيبَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، والمُرادُ بِمَن مَعَهُ مَن قَدْ أجابَهُ وصارَ عَلى دِينِهِ، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَهم خُلَفاءَ يَسْكُنُونَ الأرْضَ الَّتِي كانَتْ لِلْمُهْلَكِينَ بِالغَرَقِ ويَخْلُفُونَهم فِيها ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِنَ الكُفّارِ المُعانِدِينَ لِنُوحٍ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِالطُّوفانِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهْوِيلٌ عَلَيْهِمْ.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا كَهُودٍ وصالِحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ وبِما أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لِقَوْمِ كُلِّ نَبِيٍّ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ فَما أحْدَثُوا الإيمانَ بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِقَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ أنْ يُؤْمِنُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِهِمُ الواقِعِ مِنهم عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.
والمَعْنى: أنَّ كُلَّ قَوْمٍ مِنَ العالَمِ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ أنْ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ عَلى الخُصُوصِ بِما كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بَلْ مُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ، ولَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ وفي بِما كَذَّبُوا راجِعٌ إلى القَوْمِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: إلى قَوْمِهِمْ وقِيلَ: ضَمِيرُ " كَذَّبُوا " راجِعٌ إلى قَوْمِ نُوحٍ: أيْ فَما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِسَبَبِ ما اعْتادُوهُ مِن تَكْذِيبِ الحَقِّ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ، وفِيهِ نَظَرٌ.
وقِيلَ: المَعْنى ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾: أيْ في عالَمِ الذَّرِّ فَإنَّ فِيهِمْ مَن كَذَّبَ بِقَلْبِهِ، وإنْ آمَنُوا ظاهِرًا.
قالَ النَّحّاسُ: ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ: إنَّهُ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ العَظِيمِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُتَجاوِزِينَ لِلْحَدِّ المَعْهُودِ في الكُفْرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْرَجِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم﴾ يَقُولُ: فَأحْكِمُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكم.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ أيْ: فَلْيَجْمَعُوا أمْرَهم مَعَكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ قالَ: لا يَكْبُرُ عَلَيْكم أمْرُكم ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ ما أنْتُمْ قاضُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ قالَ: انْهَضُوا ﴿إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ يَقُولُ: ولا تُؤَخِّرُونِ.
يونس 10:72
(p-٦٣٥)لَمّا بالَغَ سُبْحانَهُ في تَقْرِيرِ البَراهِينِ الواضِحَةِ ودَفْعِ الشُّبْهَةِ المُنْهارَةِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَكَ المُعارِضِينَ لِما جِئْتَ بِهِ بِأقْوالِهِمُ الباطِلَةِ نَبَأ نُوحٍ أيْ خَبَرَهُ، والنَّبَأُ هو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ خَطَرٌ وشَأْنٌ، والمُرادُ: ما جَرى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ كَما فَعَلَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ وأمْثالُهم ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أيْ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، والظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِـ ( نَبَأ ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ، واللّامُ في لِقَوْمِهِ لامُ التَّبْلِيغِ ﴿ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ أيْ عَظُمَ وثَقُلَ، والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: المَوْضِعُ الَّذِي يُقامُ فِيهِ، وبِالضَّمِّ الإقامَةُ.
وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى الفَتْحِ، وكَنّى بِالمَقامِ عَلى نَفْسِهِ كَما يُقالُ فَعَلْتُهُ لِمَكانِ فُلانٍ أيْ: لِأجْلِهِ، ومِنهُ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أيْ خافَ رَبَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَقامِ المُكْثُ أيْ: شَقَّ عَلَيْكم مُكْثِي بَيْنَ أظْهُرِكم، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَقامِ القِيامُ، لِأنَّ الواعِظَ يَقُومُ حالَ وعْظِهِ، والمَعْنى: إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم قِيامِي بِالوَعْظِ في مَواطِنِ اجْتِماعِكم، وكَبُرَ عَلَيْكم تَذْكِيرِي لَكم بِآياتِ اللَّهِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنِّي لا أُقابِلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ دَأْبِي الَّذِي أنا عَلَيْهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إحْداثَ مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَنْ مَراتِبِ التَّوَكُّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ فَأجْمِعُوا وجُمْلَةُ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعْتِراضًا كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ أنْكَرْتَ عَلِيَّ شَيْئًا فاللَّهُ حَسْبِي.
ومَعْنى ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ اعْتَزِمُوا عَلَيْهِ، مِن أجْمَعَ الأمْرَ: إذا نَواهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ.
ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: أجْمَعَ الشَّيْءَ: أعَدَّهُ.
وقالَ مُؤَرَّجٌ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعَ الأمْرَ أفْصَحُ مِن أجْمَعَ عَلَيْهِ، وأنْشَدَ:
؎يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ
وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ: جَعَلَهُ جَمِيعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، وتَفَرُّقُهُ أنْ تَقُولَ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَلَمّا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ فَقَدْ جَمَعَهُ: أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ.
وقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى نَصْبِ ( شُرَكاءَكم ) وقَطْعِ الهَمْزَةِ مِن أجْمَعُوا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، بِهَمْزَةِ وصْلٍ في أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مِن جَمَعَ يَجْمَعُ جَمْعًا.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، " وشُرَكاؤُكم " بِالرَّفْعِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي نَصْبِ الشُّرَكاءِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: بِمَعْنى وادْعُوا شُرَكاءَكم، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيِ ادْعُوهم لِنُصْرَتِكم، فَهو عَلى هَذا مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى قالَ الشّاعِرُ:
؎يا لَيْتَ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا
والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ بِهِ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ كالسَّيْفِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى مَعَ شُرَكائِكم، فالواوُ عَلى هَذا واوُ مَعَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ " اجْمَعُوا " بِهَمْزَةِ وصْلٍ فالعَطْفُ ظاهِرٌ: أيِ اجْمَعُوا أمْرَكم واجْمَعُوا شُرَكاءَكم.
وأمّا تَوْجِيهُ قِراءَةِ الرَّفْعِ، فَعَلى عَطْفِ الشُّرَكاءِ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ( أجْمِعُوا )، وحَسُنَ هَذا العَطْفُ مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ بِمُنْفَصِلٍ كَما هو المُعْتَبَرُ في ذَلِكَ، أنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ.
قالَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ( شُرَكاءَكم ) مَرْفُوعًا لَرُسِمَ في المُصْحَفِ بِالواوِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِيهِ.
قالَهُ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ الشُّرَكاءُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: وشُرَكاؤُكم لِيَجْمَعُوا أمْرَهم، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الشُّرَكاءِ مَعَ كَوْنِ الأصْنامِ لا تَعْقِلُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لِمَن عَبْدَها.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ: " وادْعُوا شُرَكاءَكم " بِإظْهارِ الفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ الغُمَّةُ: التَّغْطِيَةُ مِن قَوْلِهِمْ، غُمَّ الهِلالُ: إذا اسْتَتَرَ أيْ: لِيَكُنْ أمْرُكم ظاهِرًا مُنْكَشِفًا.
قالَ طَرَفَةُ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الهَيْثَمُ: مَعْناهُ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم مُبْهَمًا.
وقِيلَ: إنَّ الغُمَّةَ: ضِيقُ الأمْرِ. كَذا رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ.
والمَعْنى: لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم بِمُصاحَبَتِي والمُجامَلَةِ لِي ضِيقًا شَدِيدًا، بَلِ ادْفَعُوا هَذا الضِّيقَ والشِّدَّةَ بِما شِئْتُمْ وقَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ بِالأمْرِ الثّانِي هو الأمْرُ الأوَّلُ، وعَلى الثّالِثِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَهُ بِي، وأصْلُ اقْضُوا مِنَ القَضاءِ، وهو الإحْكامُ.
والمَعْنى: أحْكِمُوا ذَلِكَ الأمْرَ.
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: هو مِثْلُ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] أيْ أنْهَيْناهُ إلَيْهِ وأبْلَغْناهُ إيّاهُ، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ: أيْ لا تُمْهِلُونِ، بَلْ عَجِّلُوا أمْرَكم واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: ثُمَّ امْضُوا إلَيَّ ولا تُؤَخِّرُونَ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذا قَوْلٌ صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَضى المَيِّتُ: مَضى.
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ أنَّهُ قَرَأ " ثُمَّ أفْضُوا " بِالفاءِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ: أيْ تَوَجَّهُوا، وفي هَذا الكَلامِ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى وُثُوقِهِ بِنَصْرِ رَبِّهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِما يَتَوَعَّدُهُ بِهِ قَوْمُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ إلَيْهِمْ مِنَ الإعْذارِ والإنْذارِ وتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ هو لِطَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ، ولا لِغَرَضٍ خَسِيسٍ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ العَمَلِ بِنُصْحِي لَكم وتَذْكِيرِي إيّاكم، فَما سَألْتُكم في مُقابَلَةِ ذَلِكَ مِن أجْرٍ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ حَتّى تَتَّهِمُونِي فِيما جِئْتُ بِهِ، والفاءُ في فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والفاءُ في فَما سَألْتُكم جَزائِيَّةٌ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ ما ثَوابِي في النُّصْحِ والتَّذْكِيرِ إلّا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهو يُثِيبُنِي آمَنتُمْ أوْ (p-٦٣٦)تَوَلَّيْتُمْ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وأبُو عُمَرَ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، بِتَحْرِيكِ الياءِ مِن ( أجْرِيَ )، وقَرَأ الباقُونَ بِالسُّكُونِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أعْمالَهم خالِصَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا يَأْخُذُونَ عَلَيْها أجْرًا ولا يَطْمَعُونَ في عاجِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم أحْدَثُوا تَكْذِيبَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، والمُرادُ بِمَن مَعَهُ مَن قَدْ أجابَهُ وصارَ عَلى دِينِهِ، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَهم خُلَفاءَ يَسْكُنُونَ الأرْضَ الَّتِي كانَتْ لِلْمُهْلَكِينَ بِالغَرَقِ ويَخْلُفُونَهم فِيها ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِنَ الكُفّارِ المُعانِدِينَ لِنُوحٍ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِالطُّوفانِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهْوِيلٌ عَلَيْهِمْ.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا كَهُودٍ وصالِحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ وبِما أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لِقَوْمِ كُلِّ نَبِيٍّ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ فَما أحْدَثُوا الإيمانَ بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِقَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ أنْ يُؤْمِنُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِهِمُ الواقِعِ مِنهم عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.
والمَعْنى: أنَّ كُلَّ قَوْمٍ مِنَ العالَمِ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ أنْ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ عَلى الخُصُوصِ بِما كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بَلْ مُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ، ولَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ وفي بِما كَذَّبُوا راجِعٌ إلى القَوْمِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: إلى قَوْمِهِمْ وقِيلَ: ضَمِيرُ " كَذَّبُوا " راجِعٌ إلى قَوْمِ نُوحٍ: أيْ فَما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِسَبَبِ ما اعْتادُوهُ مِن تَكْذِيبِ الحَقِّ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ، وفِيهِ نَظَرٌ.
وقِيلَ: المَعْنى ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾: أيْ في عالَمِ الذَّرِّ فَإنَّ فِيهِمْ مَن كَذَّبَ بِقَلْبِهِ، وإنْ آمَنُوا ظاهِرًا.
قالَ النَّحّاسُ: ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ: إنَّهُ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ العَظِيمِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُتَجاوِزِينَ لِلْحَدِّ المَعْهُودِ في الكُفْرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْرَجِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم﴾ يَقُولُ: فَأحْكِمُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكم.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ أيْ: فَلْيَجْمَعُوا أمْرَهم مَعَكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ قالَ: لا يَكْبُرُ عَلَيْكم أمْرُكم ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ ما أنْتُمْ قاضُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ قالَ: انْهَضُوا ﴿إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ يَقُولُ: ولا تُؤَخِّرُونِ.
يونس 10:73
(p-٦٣٥)لَمّا بالَغَ سُبْحانَهُ في تَقْرِيرِ البَراهِينِ الواضِحَةِ ودَفْعِ الشُّبْهَةِ المُنْهارَةِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَكَ المُعارِضِينَ لِما جِئْتَ بِهِ بِأقْوالِهِمُ الباطِلَةِ نَبَأ نُوحٍ أيْ خَبَرَهُ، والنَّبَأُ هو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ خَطَرٌ وشَأْنٌ، والمُرادُ: ما جَرى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ كَما فَعَلَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ وأمْثالُهم ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أيْ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، والظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِـ ( نَبَأ ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ، واللّامُ في لِقَوْمِهِ لامُ التَّبْلِيغِ ﴿ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ أيْ عَظُمَ وثَقُلَ، والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: المَوْضِعُ الَّذِي يُقامُ فِيهِ، وبِالضَّمِّ الإقامَةُ.
وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى الفَتْحِ، وكَنّى بِالمَقامِ عَلى نَفْسِهِ كَما يُقالُ فَعَلْتُهُ لِمَكانِ فُلانٍ أيْ: لِأجْلِهِ، ومِنهُ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أيْ خافَ رَبَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَقامِ المُكْثُ أيْ: شَقَّ عَلَيْكم مُكْثِي بَيْنَ أظْهُرِكم، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَقامِ القِيامُ، لِأنَّ الواعِظَ يَقُومُ حالَ وعْظِهِ، والمَعْنى: إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم قِيامِي بِالوَعْظِ في مَواطِنِ اجْتِماعِكم، وكَبُرَ عَلَيْكم تَذْكِيرِي لَكم بِآياتِ اللَّهِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنِّي لا أُقابِلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ دَأْبِي الَّذِي أنا عَلَيْهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إحْداثَ مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَنْ مَراتِبِ التَّوَكُّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ فَأجْمِعُوا وجُمْلَةُ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعْتِراضًا كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ أنْكَرْتَ عَلِيَّ شَيْئًا فاللَّهُ حَسْبِي.
ومَعْنى ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ اعْتَزِمُوا عَلَيْهِ، مِن أجْمَعَ الأمْرَ: إذا نَواهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ.
ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: أجْمَعَ الشَّيْءَ: أعَدَّهُ.
وقالَ مُؤَرَّجٌ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعَ الأمْرَ أفْصَحُ مِن أجْمَعَ عَلَيْهِ، وأنْشَدَ:
؎يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ
وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ: جَعَلَهُ جَمِيعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، وتَفَرُّقُهُ أنْ تَقُولَ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَلَمّا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ فَقَدْ جَمَعَهُ: أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ.
وقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى نَصْبِ ( شُرَكاءَكم ) وقَطْعِ الهَمْزَةِ مِن أجْمَعُوا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، بِهَمْزَةِ وصْلٍ في أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مِن جَمَعَ يَجْمَعُ جَمْعًا.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، " وشُرَكاؤُكم " بِالرَّفْعِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي نَصْبِ الشُّرَكاءِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: بِمَعْنى وادْعُوا شُرَكاءَكم، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيِ ادْعُوهم لِنُصْرَتِكم، فَهو عَلى هَذا مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى قالَ الشّاعِرُ:
؎يا لَيْتَ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا
والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ بِهِ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ كالسَّيْفِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى مَعَ شُرَكائِكم، فالواوُ عَلى هَذا واوُ مَعَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ " اجْمَعُوا " بِهَمْزَةِ وصْلٍ فالعَطْفُ ظاهِرٌ: أيِ اجْمَعُوا أمْرَكم واجْمَعُوا شُرَكاءَكم.
وأمّا تَوْجِيهُ قِراءَةِ الرَّفْعِ، فَعَلى عَطْفِ الشُّرَكاءِ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ( أجْمِعُوا )، وحَسُنَ هَذا العَطْفُ مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ بِمُنْفَصِلٍ كَما هو المُعْتَبَرُ في ذَلِكَ، أنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ.
قالَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ( شُرَكاءَكم ) مَرْفُوعًا لَرُسِمَ في المُصْحَفِ بِالواوِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِيهِ.
قالَهُ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ الشُّرَكاءُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: وشُرَكاؤُكم لِيَجْمَعُوا أمْرَهم، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الشُّرَكاءِ مَعَ كَوْنِ الأصْنامِ لا تَعْقِلُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لِمَن عَبْدَها.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ: " وادْعُوا شُرَكاءَكم " بِإظْهارِ الفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ الغُمَّةُ: التَّغْطِيَةُ مِن قَوْلِهِمْ، غُمَّ الهِلالُ: إذا اسْتَتَرَ أيْ: لِيَكُنْ أمْرُكم ظاهِرًا مُنْكَشِفًا.
قالَ طَرَفَةُ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الهَيْثَمُ: مَعْناهُ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم مُبْهَمًا.
وقِيلَ: إنَّ الغُمَّةَ: ضِيقُ الأمْرِ. كَذا رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ.
والمَعْنى: لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم بِمُصاحَبَتِي والمُجامَلَةِ لِي ضِيقًا شَدِيدًا، بَلِ ادْفَعُوا هَذا الضِّيقَ والشِّدَّةَ بِما شِئْتُمْ وقَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ بِالأمْرِ الثّانِي هو الأمْرُ الأوَّلُ، وعَلى الثّالِثِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَهُ بِي، وأصْلُ اقْضُوا مِنَ القَضاءِ، وهو الإحْكامُ.
والمَعْنى: أحْكِمُوا ذَلِكَ الأمْرَ.
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: هو مِثْلُ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] أيْ أنْهَيْناهُ إلَيْهِ وأبْلَغْناهُ إيّاهُ، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ: أيْ لا تُمْهِلُونِ، بَلْ عَجِّلُوا أمْرَكم واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: ثُمَّ امْضُوا إلَيَّ ولا تُؤَخِّرُونَ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذا قَوْلٌ صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَضى المَيِّتُ: مَضى.
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ أنَّهُ قَرَأ " ثُمَّ أفْضُوا " بِالفاءِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ: أيْ تَوَجَّهُوا، وفي هَذا الكَلامِ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى وُثُوقِهِ بِنَصْرِ رَبِّهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِما يَتَوَعَّدُهُ بِهِ قَوْمُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ إلَيْهِمْ مِنَ الإعْذارِ والإنْذارِ وتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ هو لِطَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ، ولا لِغَرَضٍ خَسِيسٍ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ العَمَلِ بِنُصْحِي لَكم وتَذْكِيرِي إيّاكم، فَما سَألْتُكم في مُقابَلَةِ ذَلِكَ مِن أجْرٍ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ حَتّى تَتَّهِمُونِي فِيما جِئْتُ بِهِ، والفاءُ في فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والفاءُ في فَما سَألْتُكم جَزائِيَّةٌ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ ما ثَوابِي في النُّصْحِ والتَّذْكِيرِ إلّا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهو يُثِيبُنِي آمَنتُمْ أوْ (p-٦٣٦)تَوَلَّيْتُمْ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وأبُو عُمَرَ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، بِتَحْرِيكِ الياءِ مِن ( أجْرِيَ )، وقَرَأ الباقُونَ بِالسُّكُونِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أعْمالَهم خالِصَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا يَأْخُذُونَ عَلَيْها أجْرًا ولا يَطْمَعُونَ في عاجِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم أحْدَثُوا تَكْذِيبَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، والمُرادُ بِمَن مَعَهُ مَن قَدْ أجابَهُ وصارَ عَلى دِينِهِ، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَهم خُلَفاءَ يَسْكُنُونَ الأرْضَ الَّتِي كانَتْ لِلْمُهْلَكِينَ بِالغَرَقِ ويَخْلُفُونَهم فِيها ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِنَ الكُفّارِ المُعانِدِينَ لِنُوحٍ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِالطُّوفانِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهْوِيلٌ عَلَيْهِمْ.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا كَهُودٍ وصالِحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ وبِما أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لِقَوْمِ كُلِّ نَبِيٍّ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ فَما أحْدَثُوا الإيمانَ بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِقَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ أنْ يُؤْمِنُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِهِمُ الواقِعِ مِنهم عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.
والمَعْنى: أنَّ كُلَّ قَوْمٍ مِنَ العالَمِ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ أنْ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ عَلى الخُصُوصِ بِما كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بَلْ مُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ، ولَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ وفي بِما كَذَّبُوا راجِعٌ إلى القَوْمِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: إلى قَوْمِهِمْ وقِيلَ: ضَمِيرُ " كَذَّبُوا " راجِعٌ إلى قَوْمِ نُوحٍ: أيْ فَما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِسَبَبِ ما اعْتادُوهُ مِن تَكْذِيبِ الحَقِّ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ، وفِيهِ نَظَرٌ.
وقِيلَ: المَعْنى ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾: أيْ في عالَمِ الذَّرِّ فَإنَّ فِيهِمْ مَن كَذَّبَ بِقَلْبِهِ، وإنْ آمَنُوا ظاهِرًا.
قالَ النَّحّاسُ: ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ: إنَّهُ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ العَظِيمِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُتَجاوِزِينَ لِلْحَدِّ المَعْهُودِ في الكُفْرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْرَجِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم﴾ يَقُولُ: فَأحْكِمُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكم.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ أيْ: فَلْيَجْمَعُوا أمْرَهم مَعَكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ قالَ: لا يَكْبُرُ عَلَيْكم أمْرُكم ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ ما أنْتُمْ قاضُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ قالَ: انْهَضُوا ﴿إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ يَقُولُ: ولا تُؤَخِّرُونِ.
يونس 10:74
(p-٦٣٥)لَمّا بالَغَ سُبْحانَهُ في تَقْرِيرِ البَراهِينِ الواضِحَةِ ودَفْعِ الشُّبْهَةِ المُنْهارَةِ؛ شَرَعَ في ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى الكُفّارِ المُعاصِرِينَ لَكَ المُعارِضِينَ لِما جِئْتَ بِهِ بِأقْوالِهِمُ الباطِلَةِ نَبَأ نُوحٍ أيْ خَبَرَهُ، والنَّبَأُ هو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ خَطَرٌ وشَأْنٌ، والمُرادُ: ما جَرى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما جاءَ بِهِ كَما فَعَلَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ وأمْثالُهم ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ أيْ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، والظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِـ ( نَبَأ ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ، واللّامُ في لِقَوْمِهِ لامُ التَّبْلِيغِ ﴿ياقَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ أيْ عَظُمَ وثَقُلَ، والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: المَوْضِعُ الَّذِي يُقامُ فِيهِ، وبِالضَّمِّ الإقامَةُ.
وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى الفَتْحِ، وكَنّى بِالمَقامِ عَلى نَفْسِهِ كَما يُقالُ فَعَلْتُهُ لِمَكانِ فُلانٍ أيْ: لِأجْلِهِ، ومِنهُ ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أيْ خافَ رَبَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَقامِ المُكْثُ أيْ: شَقَّ عَلَيْكم مُكْثِي بَيْنَ أظْهُرِكم، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَقامِ القِيامُ، لِأنَّ الواعِظَ يَقُومُ حالَ وعْظِهِ، والمَعْنى: إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم قِيامِي بِالوَعْظِ في مَواطِنِ اجْتِماعِكم، وكَبُرَ عَلَيْكم تَذْكِيرِي لَكم بِآياتِ اللَّهِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنِّي لا أُقابِلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ دَأْبِي الَّذِي أنا عَلَيْهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ إحْداثَ مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَنْ مَراتِبِ التَّوَكُّلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ فَأجْمِعُوا وجُمْلَةُ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعْتِراضًا كَقَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ أنْكَرْتَ عَلِيَّ شَيْئًا فاللَّهُ حَسْبِي.
ومَعْنى ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ اعْتَزِمُوا عَلَيْهِ، مِن أجْمَعَ الأمْرَ: إذا نَواهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ.
ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: أجْمَعَ الشَّيْءَ: أعَدَّهُ.
وقالَ مُؤَرَّجٌ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعَ الأمْرَ أفْصَحُ مِن أجْمَعَ عَلَيْهِ، وأنْشَدَ:
؎يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنى لا تَنْفَعُ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ
وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ: جَعَلَهُ جَمِيعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، وتَفَرُّقُهُ أنْ تَقُولَ مَرَّةً أفْعَلُ كَذا، ومَرَّةً أفْعَلُ كَذا، فَلَمّا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ فَقَدْ جَمَعَهُ: أيْ جَعَلَهُ جَمِيعًا، فَهَذا هو الأصْلُ في الإجْماعِ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى العَزْمِ.
وقَدِ اتَّفَقَ جُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى نَصْبِ ( شُرَكاءَكم ) وقَطْعِ الهَمْزَةِ مِن أجْمَعُوا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، بِهَمْزَةِ وصْلٍ في أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ مِن جَمَعَ يَجْمَعُ جَمْعًا.
وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ويَعْقُوبُ، " وشُرَكاؤُكم " بِالرَّفْعِ.
قالَ النَّحّاسُ: وفي نَصْبِ الشُّرَكاءِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: بِمَعْنى وادْعُوا شُرَكاءَكم، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: أيِ ادْعُوهم لِنُصْرَتِكم، فَهو عَلى هَذا مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى قالَ الشّاعِرُ:
؎يا لَيْتَ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا
والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ بِهِ، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ كالسَّيْفِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى مَعَ شُرَكائِكم، فالواوُ عَلى هَذا واوُ مَعَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ " اجْمَعُوا " بِهَمْزَةِ وصْلٍ فالعَطْفُ ظاهِرٌ: أيِ اجْمَعُوا أمْرَكم واجْمَعُوا شُرَكاءَكم.
وأمّا تَوْجِيهُ قِراءَةِ الرَّفْعِ، فَعَلى عَطْفِ الشُّرَكاءِ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ( أجْمِعُوا )، وحَسُنَ هَذا العَطْفُ مَعَ عَدَمِ التَّأْكِيدِ بِمُنْفَصِلٍ كَما هو المُعْتَبَرُ في ذَلِكَ، أنَّ الكَلامَ قَدْ طالَ.
قالَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ( شُرَكاءَكم ) مَرْفُوعًا لَرُسِمَ في المُصْحَفِ بِالواوِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِيهِ.
قالَهُ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ الشُّرَكاءُ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ: وشُرَكاؤُكم لِيَجْمَعُوا أمْرَهم، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى الشُّرَكاءِ مَعَ كَوْنِ الأصْنامِ لا تَعْقِلُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لِمَن عَبْدَها.
ورُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ: " وادْعُوا شُرَكاءَكم " بِإظْهارِ الفِعْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ الغُمَّةُ: التَّغْطِيَةُ مِن قَوْلِهِمْ، غُمَّ الهِلالُ: إذا اسْتَتَرَ أيْ: لِيَكُنْ أمْرُكم ظاهِرًا مُنْكَشِفًا.
قالَ طَرَفَةُ:
؎لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقالَ الهَيْثَمُ: مَعْناهُ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم مُبْهَمًا.
وقِيلَ: إنَّ الغُمَّةَ: ضِيقُ الأمْرِ. كَذا رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ.
والمَعْنى: لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم بِمُصاحَبَتِي والمُجامَلَةِ لِي ضِيقًا شَدِيدًا، بَلِ ادْفَعُوا هَذا الضِّيقَ والشِّدَّةَ بِما شِئْتُمْ وقَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ بِالأمْرِ الثّانِي هو الأمْرُ الأوَّلُ، وعَلى الثّالِثِ يَكُونُ المُرادُ بِهِ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ أيْ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي تُرِيدُونَهُ بِي، وأصْلُ اقْضُوا مِنَ القَضاءِ، وهو الإحْكامُ.
والمَعْنى: أحْكِمُوا ذَلِكَ الأمْرَ.
قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ: هو مِثْلُ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] أيْ أنْهَيْناهُ إلَيْهِ وأبْلَغْناهُ إيّاهُ، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ: أيْ لا تُمْهِلُونِ، بَلْ عَجِّلُوا أمْرَكم واصْنَعُوا ما بَدا لَكم، وقِيلَ: مَعْناهُ: ثُمَّ امْضُوا إلَيَّ ولا تُؤَخِّرُونَ.
قالَ النَّحّاسُ: هَذا قَوْلٌ صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، ومِنهُ قَضى المَيِّتُ: مَضى.
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ أنَّهُ قَرَأ " ثُمَّ أفْضُوا " بِالفاءِ وقَطْعِ الهَمْزَةِ: أيْ تَوَجَّهُوا، وفي هَذا الكَلامِ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى وُثُوقِهِ بِنَصْرِ رَبِّهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِما يَتَوَعَّدُهُ بِهِ قَوْمُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ كُلَّ ما أتى بِهِ إلَيْهِمْ مِنَ الإعْذارِ والإنْذارِ وتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ عَنِ اللَّهِ لَيْسَ هو لِطَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ، ولا لِغَرَضٍ خَسِيسٍ، فَقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ العَمَلِ بِنُصْحِي لَكم وتَذْكِيرِي إيّاكم، فَما سَألْتُكم في مُقابَلَةِ ذَلِكَ مِن أجْرٍ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ حَتّى تَتَّهِمُونِي فِيما جِئْتُ بِهِ، والفاءُ في فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والفاءُ في فَما سَألْتُكم جَزائِيَّةٌ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ ما ثَوابِي في النُّصْحِ والتَّذْكِيرِ إلّا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهو يُثِيبُنِي آمَنتُمْ أوْ (p-٦٣٦)تَوَلَّيْتُمْ.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وأبُو عُمَرَ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، بِتَحْرِيكِ الياءِ مِن ( أجْرِيَ )، وقَرَأ الباقُونَ بِالسُّكُونِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أعْمالَهم خالِصَةً لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا يَأْخُذُونَ عَلَيْها أجْرًا ولا يَطْمَعُونَ في عاجِلٍ.
قَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم أحْدَثُوا تَكْذِيبَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، والمُرادُ بِمَن مَعَهُ مَن قَدْ أجابَهُ وصارَ عَلى دِينِهِ، والخَلائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَهم خُلَفاءَ يَسْكُنُونَ الأرْضَ الَّتِي كانَتْ لِلْمُهْلَكِينَ بِالغَرَقِ ويَخْلُفُونَهم فِيها ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِنَ الكُفّارِ المُعانِدِينَ لِنُوحٍ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، أغْرَقَهُمُ اللَّهُ بِالطُّوفانِ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ وتَهْوِيلٌ عَلَيْهِمْ.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ رُسُلًا كَهُودٍ وصالِحٍ وإبْراهِيمَ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ وبِما أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لِقَوْمِ كُلِّ نَبِيٍّ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ فَما أحْدَثُوا الإيمانَ بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِقَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ الَّذِينَ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ أنْ يُؤْمِنُوا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِهِمُ الواقِعِ مِنهم عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ.
والمَعْنى: أنَّ كُلَّ قَوْمٍ مِنَ العالَمِ لَمْ يُؤْمِنُوا عِنْدَ أنْ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ المَبْعُوثَ إلَيْهِمْ عَلى الخُصُوصِ بِما كانُوا مُكَذِّبِينَ بِهِ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ، لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بَلْ مُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ، ولَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ وفي بِما كَذَّبُوا راجِعٌ إلى القَوْمِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: إلى قَوْمِهِمْ وقِيلَ: ضَمِيرُ " كَذَّبُوا " راجِعٌ إلى قَوْمِ نُوحٍ: أيْ فَما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ هَؤُلاءِ الأقْوامُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عِنْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ بِسَبَبِ ما اعْتادُوهُ مِن تَكْذِيبِ الحَقِّ مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ، وفِيهِ نَظَرٌ.
وقِيلَ: المَعْنى ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾: أيْ في عالَمِ الذَّرِّ فَإنَّ فِيهِمْ مَن كَذَّبَ بِقَلْبِهِ، وإنْ آمَنُوا ظاهِرًا.
قالَ النَّحّاسُ: ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ: إنَّهُ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ العَظِيمِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُتَجاوِزِينَ لِلْحَدِّ المَعْهُودِ في الكُفْرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْرَجِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم﴾ يَقُولُ: فَأحْكِمُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكم.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ أيْ: فَلْيَجْمَعُوا أمْرَهم مَعَكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ قالَ: لا يَكْبُرُ عَلَيْكم أمْرُكم ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ ما أنْتُمْ قاضُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ قالَ: انْهَضُوا ﴿إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ يَقُولُ: ولا تُؤَخِّرُونِ.
يونس 10:75
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:76
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.
يونس 10:77
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا﴾ [يونس: ٧٤] والضَّمِيرُ في ( مِن بَعْدِهِمْ )، راجِعٌ إلى الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وخَصَّ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِما تَحْتَ الرُّسُلِ لِمَزِيدٍ شَرَفِهِما وخَطَرِ شَأْنِ ما جَرى بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ، والمُرادُ بِالمَلَأِ: الأشْرافُ، والمُرادُ بِالآياتِ: المُعْجِزاتُ، وهي التِّسْعُ المَذْكُورَةُ في الكِتابِ العَزِيزِ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها ولَمْ يَتَواضَعُوا لَها ويُذْعِنُوا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِ ما جاءَ بِها ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ كانُوا ذَوِي إجْرامٍ عِظامٍ وآثامٍ كَبِيرَةٍ، فَبِسَبَبٍ ذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى رَدِّها، لِأنَّ الذُّنُوبَ تَحُولُ بَيْنَ صاحِبِها وبَيْنَ إدْراكِ الحَقِّ وإبْصارِ الصَّوابِ، قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ فَلَمّا جاءَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ الحَقُّ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهو المُعْجِزاتُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها بَلْ حَمَلُوها عَلى السِّحْرِ مُكابَرَةً مِنهم.
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مُوسى قائِلًا: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾ قِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ سِحْرٌ فَلا تَقُولُوا ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ إنْكارًا آخَرَ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَحَذَفَ قَوْلَهُمُ الأوَّلَ اكْتِفاءً بِالثّانِي، والمُلْجِئُ إلى هَذا أنَّهم لَمْ يَسْتَفْهِمُوهُ عَنِ السِّحْرِ حَتّى يَحْكِيَ ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ بَلْ هم قاطِعُونَ بِأنَّهُ سِحْرٌ، لِأنَّهم قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مِن قَوْلِهِمْ، وقالَ الأخْفَشُ: هو مِن قَوْلِهِمْ. وفِيهِ نَظَرٌ لِما قَدَّمْنا، وقِيلَ: مَعْنى أتَقُولُونَ أتَعِيبُونَ الحَقَّ وتَطْعَنُونَ فِيهِ وكانَ عَلَيْكم أنْ (p-٦٣٧)تُذْعِنُوا لَهُ، ثُمَّ قالَ: أسِحْرٌ هَذا ؟ ! مُنْكِرًا لِما قالُوهُ، وقِيلَ: إنَّ مَفْعُولَ أتَقُولُونَ مَحْذُوفٌ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ ما تَقُولُونَ، يَعْنِي قَوْلَهم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ قِيلَ: أسِحْرٌ هَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ والتَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى المُسْتَأْنَفَةِ الواقِعَةِ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهم مُوسى لَمّا قالُوا ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَقِيلَ: قالَ ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم﴾، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، والمَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السِّحْرِ.
ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وقَرَّعَهم ووَبَّخَهم فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَجاءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإنْكارٍ بَعْدَ إنْكارٍ، وتَوْبِيخٍ بَعْدَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٍ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، وجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَلا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ ولا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يَقَعُ في هَذا مَن هو مُرْسَلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ والبَراهِينِ الواضِحَةِ ؟ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم مُوسى ما قالَ ؟ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ انْقَطَعُوا عَنِ الدَّلِيلِ وعَجَزُوا عَنْ إبْرازِ الحُجَّةِ، ولَمْ يَجْحَدُوا ما يُجِيبُونَ بِهِ عَمّا أوْرَدَهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَجَئُوا إلى ما يَلْجَأُ إلَيْهِ أهْلُ الجَهْلِ والبَلادَةِ، وهو الِاحْتِجاجُ بِما كانَ عَلَيْهِمْ آباؤُهم مِنَ الكُفْرِ، وضَمُّوا إلى ذَلِكَ ما هو غَرَضُهم وغايَةُ مَطْلَبِهِمْ وسَبَبُ مُكابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، وجُحُودِهِمْ لِلْآياتِ البَيِّنَةِ، وهو الرِّياسَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الَّتِي خافُوا عَلَيْها وظَنُّوا أنَّها سَتَذْهَبُ عَنْهم إنْ آمَنُوا، وكَمْ بَقِيَ عَلى الباطِلِ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ باطِلٌ بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ مِن طَوائِفِ هَذا العالَمِ في سابِقِ الدَّهْرِ ولاحِقِهِ، فَمِنهم مَن حَبَسَهُ ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومِنهم مَن حَبَسَهُ عَنِ الخُرُوجِ إلى السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وإلى الرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ مِنَ الرَّأْيِ البَحْتِ، يُقالُ لَفَتَهُ لَفْتًا: إذا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ ولَواهُ عَنْهُ، ومِنهُ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا
أيْ تُرِيدُ أنْ تَصْرِفَنا عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ، والمُرادُ بِالكِبْرِياءِ المُلْكُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ المُلْكُ كِبْرِياءً؛ لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ يَتَكَبَّرُ.
والحاصِلُ أنَّهم عَلَّلُوا عَدَمَ قَبُولِهِمْ دَعْوَةَ مُوسى بِأمْرَيْنِ: التَّمَسُّكِ بِالتَّقْلِيدِ لِلْآباءِ، والحِرْصِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم إذا أجابُوا النَّبِيَّ وصَدَّقُوهُ صارَتْ مَقالِيدُ أمْرِ أُمَّتِهِ إلَيْهِ ولَمْ يَبْقَ لِلْمَلِكِ رِئاسَةٌ تامَّةٌ، لِأنَّ التَّدْبِيرَ لِلنّاسِ بِالدِّينِ يَرْفَعُ تَدْبِيرَ المُلُوكُ لَهم بِالسِّياساتِ والعاداتِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ تَصْرِيحًا مِنهم بِالتَّكْذِيبِ وقَطْعًا لِلطَّمَعِ في إيمانِهِمْ، وقَدْ أُفْرِدَ الخِطابُ لِمُوسى في قَوْلِهِمْ: أجِئْتِنا لِتَلْفِتَنا، ثُمَّ جَمَعُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ هارُونَ في الخِطابِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم أسْنَدُوا المَجِيءَ والصَّرْفَ عَنْ طَرِيقِ آبائِهِمْ إلى مُوسى، لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالرِّسالَةِ، المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ ما شَرَعَهُ لَهم، وجَمَعُوا بَيْنَهُما في الضَّمِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ، لِأنَّ الكِبْرِياءَ شامِلٌ لَهُما في زَعْمِهِمْ، ولِكَوْنِ تَرْكِ الإيمانِ بِمُوسى يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الإيمانِ بِهارُونَ، وقَدْ مَرَّتِ القِصَّةُ في الأعْرافِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قالَ: هَكَذا لَمّا رَأى اليَدَ البَيْضاءَ والعَصا، لِأنَّهُ اعْتَقَدَ أنَّهُما مِنَ السِّحْرِ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَأْتُوهُ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ، هَكَذا قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ " سَحّارٍ " .
وقَرَأ الباقُونَ ساحِرٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا في الأعْرافِ.
والسَّحّارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ: أيْ كَثِيرُ السِّحْرِ كَثِيرُ العِلْمِ بِعَمَلِهِ وأنْواعِهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ هَكَذا: وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ فَأتَوْا بِهِمْ إلَيْهِ، فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى المُقَدَّرِ المَحْذُوفِ.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: إمّا أنْ تُلْقِيَ، وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ: أيِ اطْرَحُوا عَلى الأرْضِ ما مَعَكم مِن حِبالِكم وعِصِيِّكم.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْهُ مِن ذَلِكَ قالَ لَهم مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ السِّحْرُ، والمَعْنى أنَّهُ سِحْرٌ، لا أنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ.
وأجازَ الفَرّاءُ نَصْبَ السِّحْرِ بِـ ( جِئْتُمْ )، وتَكُونُ ( ما ) شَرْطِيَّةً، والشَّرْطُ ( جِئْتُمْ )، والجَزاءُ ( إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ) عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ: أيْ فَإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ، وقِيلَ: إنَّ السِّحْرَ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ: أيْ ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرًا، ثُمَّ دَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ فَلا يَحْتاجُ عَلى هَذا إلى حَذْفِ الفاءِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ.
وقالَ: حَذْفُ الفاءِ في المُجازاةِ لا يُجِيزُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ " آلسِّحْرُ " عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، والتَّقْدِيرُ: أهْوَ السِّحْرُ فَتَكُونُ ما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ اسْتِفْهامِيَّةً.
وقَرَأ أُبَيٌّ " ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ " أيْ سَيَمْحَقُهُ فَيَصِيرُ باطِلًا بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ الآياتِ المُعْجِزَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ عَمَلَ هَذا الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُفْسِدٌ ويَدْخُلُ فِيهِ السِّحْرُ والسَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والواوُ في ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى سَيُبْطِلُهُ: أيْ يُبَيِّنُهُ ويُوَضِّحُهُ بِكَلِماتِهِ الَّتِي أنْزَلَها في كُتُبِهِ عَلى أنْبِيائِهِ لِاشْتِمالِها عَلى الحُجَجِ والبَراهِينِ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوِ المُجْرِمُونَ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ تَحْتَهم آلُ فِرْعَوْنَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والإجْرامُ الآثامُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى مُوسى أيْ: مِن قَوْمِ مُوسى، وهم طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن ذَرارِيِّ فِرْعَوْنَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ومِنهم مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ وماشِطَةُ ابْنَتِهِ وامْرَأةُ خازِنِهِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ آباؤُهم (p-٦٣٨)مِنَ القِبْطِ وأُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، رُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، وجُمِعَ لِأنَّهُ لَمّا كانَ جَبّارًا جَمَعُوا ضَمِيرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ سُمُّوا بِفِرْعَوْنَ مِثْلَ ثَمُودَ، فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: عَلى خَوْفٍ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الفَرّاءِ.
ومَنعَ ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُما قامَتْ هِنْدٌ وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَها.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، وقَوّاهُ النَّحّاسُ أنْ يَفْتِنَهم أيْ يَصْرِفَهم عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يُنْزِلُهُ بِهِمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ أيْ عاتٍ مُتَكَبِّرٍ مُتَغَلِّبٍ عَلى أرْضِ مِصْرَ ﴿وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ المُجاوَزِينَ لِلْحَدِّ في الكُفْرِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ القَتْلِ والصَّلْبِ وتَنْوِيعِ العُقُوباتِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذا مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلشَّرْطِ، فَشَرَطَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ الإيمانَ بِهِ والإسْلامَ أيِ: الِاسْتِسْلامَ لِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلِ المُعَلَّقُ بِالإيمانِ هو وُجُوبُ التَّوَكُّلِ، والمَشْرُوطُ بِالإسْلامِ وجُودُهُ، والمَعْنى: أنْ يُسْلِمُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ أيْ: يَجْعَلُوها لَهُ سالِمَةً خالِصَةً لا حَظَّ لِلشَّيْطانِ فِيها لِأنَّ التَّوَكُّلَ لا يَكُونُ مَعَ التَّخْلِيطِ.
قالَ في الكَشّافِ: ونَظِيرُهُ في الكَلامِ: إنْ ضَرَبَكَ زَيْدٌ فاضْرِبْهُ إنْ كانَتْ لَكَ بِهِ قُوَّةٌ.
فَقالُوا أيْ قَوْمُ مُوسى مُجِيبِينَ لَهُ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ ثُمَّ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ والمَعْنى: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا حَتّى يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، ولا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لَهم يَفْتِنُونَ بِنا غَيْرَنا فَيَقُولُونَ لَهم: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى حَقٍّ لَما سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ وعَذَّبْناهم، وعَلى المَعْنى الأوَّلِ تَكُونُ الفِتْنَةُ بِمَعْنى المَفْتُونِ.
ولَمّا قَدَّمُوا التَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في أنْ يَصُونَ دِينَهم عَنِ الفَسادِ أتْبَعُوهُ بِسُؤالِ عِصْمَةِ أنْفُسِهِمْ فَقالُوا: ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ لَهُمُ اهْتِمامٌ بِأمْرِ الدِّينِ فَوْقَ اهْتِمامِهِمْ بِسَلامَةِ أنْفُسِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ ( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ لِأنَّ في الإيحاءِ مَعْنى أنْ تَبَوَّآ أيِ: اتَّخِذا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا، يُقالُ: بَوَّأْتُ زَيْدًا مَكانًا وبَوَّأْتُ لِزَيْدٍ مَكانًا، والمُبَوَّأُ: المَنزِلُ المَلْزُومُ، ومِنهُ بَوَّأهُ اللَّهُ مَنزِلًا أيْ: ألْزَمَهُ إيّاهُ وأسْكَنَهُ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎نَحْنُ بَنُو عَدْنانَ لَيْسَ شَكٌّ ∗∗∗ تَبَوَّأ المَجْدُ بِنا والمُلْكُ
قِيلَ: ومِصْرُ في هَذِهِ الآيَةِ هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وقِيلَ: هي مِصْرُ المَعْرُوفَةُ لا الإسْكَنْدَرِيَّةُ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ مُتَوَجِّهَةً إلى جِهَةِ القِبْلَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالبُيُوتِ هُنا المَساجِدُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُيُوتِ الَّتِي يَسْكُنُونَ فِيها، أُمِرُوا بِأنْ يَجْعَلُوها مِنّا قِبْلَةً، والمُرادُ بِالقِبْلَةِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي جِهَةُبَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قِبْلَةُ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ، وقِيلَ: جِهَةُ الكَعْبَةِ، وأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ مُوسى ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَ بُيُوتَهم مُسْتَقْبِلَةً لِلْقِبْلَةِ لِيُصَلُّوا فِيها سِرًّا لِئَلّا يُصِيبَهم مِنَ الكُفّارِ مَعَرَّةٌ بِسَبَبِ الصَّلاةِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَكم بِإقامَتِها فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ القِبْلَةَ هي قِبْلَةُ الصَّلاةِ، إمّا في المَساجِدِ أوْ في البُيُوتِ لا جَعْلَ البُيُوتِ مُتَقابِلَةً، وإنَّما جَعَلَ الخِطابَ في أوَّلِ الكَلامِ مَعَ مُوسى وهارُونَ، ثُمَّ جَعَلَهُ لَهُما ولِقَوْمِهِما في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ثُمَّ أفْرَدَ مُوسى بِالخِطابِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ اخْتِيارَ المَكانِ مُفَوَّضٌ إلى الأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ عامًّا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، لِأنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلى الجَمِيعِ لا يَخْتَصُّ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ جُعِلَ خاصًّا بِمُوسى لِأنَّهُ الأصْلُ في الرِّسالَةِ وهارُونُ تابِعٌ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْبِشارَةِ ولِلْمُبَشَّرِ بِها، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ في ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ والِاعْتِراضِ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ قالَ: لِتَلْوِيَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ، قالَ: لِتَصُدَّنا عَنْ آلِهَتِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾ قالَ: العَظْمَةُ والمُلْكُ والسُّلْطانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ﴾ قالَ: الذَّرِّيَّةُ القَلِيلُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ قالَ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم أوْلادُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن طُولِ الزَّمانِ وماتَ آباؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَتِ الذُّرِّيَّةُ الَّتِي آمَنَتْ لِمُوسى مِن أُناسٍ غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، مِنهُمُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وخازِنُ فِرْعَوْنَ وامْرَأةُ خازِنِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا تُعَذِّبْنا بِأيْدِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولا بِعَذابٍ مِن عِنْدِكَ، فَيَقُولُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ: لَوْ كانُوا عَلى الحَقِّ ما عُذِّبُوا ولا سُلِّطْنا عَلَيْهِمْ فَيُفْتَنُونَ بِنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: سَألَ رَبَّهُ أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْنا عَدُوَّنا، فَيَحْسَبُونَ أنَّهم أوْلى بِالعَدْلِ فَيُفْتَنُونَ بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ﴾ الآيَةَ، قالَ ذَلِكَ حِينَ مَنَعَهَمْ فِرْعَوْنُ الصَّلاةَ، فَأُمِرُوا أنْ يَجْعَلُوا مَساجِدَهم (p-٦٣٩)فِي بُيُوتِهِمْ وأنْ يُوَجَّهُوها نَحْوَ القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ﴾ قالَ: مِصْرُ الإسْكَنْدَرِيَّةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في البِيَعِ حَتّى خافُوا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَأُمِرُوا أنْ يُصَلُّوا في بُيُوتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَتَّخِذُوا في بُيُوتِهِمْ مَساجِدَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سِنانٍ قالَ: القِبْلَةُ: الكَعْبَةُ، وذُكِرَ أنَّ آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ كانُوا يُصَلُّونَ قِبَلَ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ قالَ: يُقابِلُ بَعْضُها بَعْضًا.