Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — يوسف 12:30 – يوسف 12:61

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. يوسف 12:30
  2. يوسف 12:31
  3. يوسف 12:32
  4. يوسف 12:33
  5. يوسف 12:34
  6. يوسف 12:35
  7. يوسف 12:36
  8. يوسف 12:37
  9. يوسف 12:38
  10. يوسف 12:39
  11. يوسف 12:40
  12. يوسف 12:41
  13. يوسف 12:42
  14. يوسف 12:43
  15. يوسف 12:44
  16. يوسف 12:45
  17. يوسف 12:46
  18. يوسف 12:47
  19. يوسف 12:48
  20. يوسف 12:49
  21. يوسف 12:50
  22. يوسف 12:51
  23. يوسف 12:52
  24. يوسف 12:53
  25. يوسف 12:54
  26. يوسف 12:55
  27. يوسف 12:56
  28. يوسف 12:57
  29. يوسف 12:58
  30. يوسف 12:59
  31. يوسف 12:60
  32. يوسف 12:61

يوسف 12:30

. المُراوَدَةُ الإرادَةُ والطَّلَبُ بِرِفْقٍ ولِينٍ - وقِيلَ هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَّوْدِ: أيِ الرِّفْقِ والتَّأنِّي، يُقالُ أرْوِدْنِي: أمْهِلْنِي، وقِيلَ المُراوَدَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن رادَ يَرُودُ: إذا جاءَ وذَهَبَ، كَأنَّ المَعْنى: أنَّها فَعَلَتْ في مُراوَدَتِها لَهُ فِعْلَ المُخادِعِ، ومِنهُ الرّائِدُ لِمَن يَطْلُبُ الماءَ والكَلَأ، وقَدْ يُخَصُّ بِمُحاوَلَةِ الوِقاعِ فَيُقالُ: راوَدَ فُلانٌ جارِيَتَهُ عَنْ نَفْسِها وراوَدَتْهُ هي عَنْ نَفْسِهِ: إذا حاوَلَ كُلٌّ مِنهُما الوَطْءَ والجِماعَ، وهي مُفاعَلَةٌ، وأصْلُها أنْ تَكُونَ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَجُعِلَ السَّبَبُ هُنا في أحَدِ الجانِبَيْنِ قائِمًا مَقامَ المُسَبَّبِ، فَكَأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ ما أُعْطِيَهُ مِن كَمالِ الخَلْقِ والزِّيادَةِ في الحُسْنِ سَبَبًا لِمُراوَدَةِ امْرَأةِ العَزِيزِ لَهُ - مُراوِدٌ. وإنَّما قالَ ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ ولَمْ يَقُلِ امْرَأةُ العَزِيزِ، وزُلَيْخا قَصْدًا إلى زِيادَةِ التَّقْرِيرِ مَعَ اسْتِهْجانِ التَّصْرِيحِ بِاسْمِ المَرْأةِ والمُحافَظَةِ عَلى السَّتْرِ عَلَيْها ﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ قِيلَ في هَذِهِ الصِّيغَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ، فَيُقالُ غَلَّقَ الأبْوابَ، ولا يُقالُ غَلَقَ البابَ، بَلْ يُقالُ أغْلَقَ البابَ، وقَدْ يُقالُ أغْلَقَ الأبْوابَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ في أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: ؎ما زِلْتُ أغْلِقُ أبْوابًا وأفْتَحُها حَتّى أتَيْتَ أبا عَمْرِو بْنِ عَمّارِ قِيلَ وكانَتِ الأبْوابُ سَبْعَةً. قَوْلُهُ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ . قَرَأ أبُو (p-٦٩٠)عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وحَمْزَةُ والأعْمَشُ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ التّاءِ، وبِها قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لا تَنَطَّعُوا في القِراءَةِ، فَإنَّما هو مِثْلُ قَوْلِ أحَدِكم هَلُمَّ وتَعالَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ النَّحْوِيُّ بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ هَيْتَ بِفَتْحِ الهاءِ وضَمِّ التّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: ؎لَيْسَ قَوْمِي بِالأبْعَدِينَ إذا ما ∗∗∗ قالَ داعٍ مِنَ العَشِيرَةِ هَيْتَ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِكَسْرِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ وهِشامٌ بِكَسْرِ الهاءِ وبَعْدَها هَمْزَةٌ ساكِنَةٌ وضَمِّ التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهِلُ الشّامِ بِكَسْرِ الهاءِ وبِالهَمْزَةِ وفَتْحِ التّاءِ. ومَعْنى هَيْتَ عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ مَعْنى هَلُمَّ وتَعالَ، لِأنَّها مِن أسْماءِ الأفْعالِ إلّا في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها هَمْزَةٌ وتاءٌ مَضْمُومَةٌ، فَإنَّها بِمَعْنى: تَهَيَّأْتُ لَكَ. وأنْكَرَ أبُو عَمْرٍو هَذِهِ القِراءَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُئِلَ أبُو عَمْرٍو عَنْ قِراءَةِ مَن قَرَأ بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزَةِ وضَمِّ التّاءِ فَقالَ: باطِلٌ جَعْلُها بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ، اذْهَبْ فاسْتَعْرِضِ العَرَبَ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى اليَمَنِ، هَلْ تَعْرِفُ أحَدًا يَقُولُ هَكَذا ؟ وأنْكَرَها أيْضًا الكِسائِيُّ. وقالَ النَّحّاسُ: هي جَيِّدَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهُ يُقالُ: هاءَ الرَّجُلُ يَهاءُ ويَهِيءُ هَيْئَةً، رَجَّحَ الزَّجّاجُ القِراءَةَ الأُولى، وأنْشَدَ بَيْتَ طَرْفَةَ المَذْكُورَ هَيْتا بِالفَتْحِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ؎أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ∗∗∗ أخا العِراقِ إذا أتَيْتا ؎إنَّ العِراقَ وأهْلَهُ ∗∗∗ سَلَمٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتا وتَكُونُ اللّامُ في " لَكَ " عَلى القِراءاتِ الأوْلى الَّتِي هي فِيها بِمَعْنى اسْمِ الفِعْلِ لِلْبَيانِ: أيْ لَكَ. أقُولُ هَذا كَما في هَلُمَّ لَكَ. قالَ النَّحْوِيُّونَ: هَيْتَ جاءَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ: فالفَتْحُ لِلْخِفَّةِ، والكَسْرُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والضَّمُّ تَشْبِيهًا بِحَيْثُ، وإذا بُيِّنَ بِاللّامِ نَحْوَ هَيْتَ لَكَ فَهو صَوْتٌ قائِمٌ مَقامَ المَصْدَرِ كَأُفٍّ لَهُ: أيْ لَكَ أقُولُ هَذا وإنْ لَمْ يُبَيَّنْ بِاللّامِ فَهو صَوْتٌ قائِمٌ مَقامَ مَصْدَرِ الفِعْلِ فَيَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ، إمّا خَبَرٌ: أيْ تَهَيَّأْتُ، وإمّا أمْرٌ: أيْ أقْبِلْ. وقالَ في الصِّحاحِ: يُقالُ هُوِتَ بِهِ وهِيتَ بِهِ إذا صاحَ بِهِ ودَعاهُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَحْدُو بِها كُلُّ فَتًى هَيّاتِ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ أنَّها كَلِمَةٌ سُرْيانِيَّةٌ مَعْناها أنَّها تَدْعُوهُ إلى نَفْسِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَ الكِسائِيُّ يَقُولُ: هي لُغَةٌ لِأهْلِ حُورانَ وقَعَتْ إلى أهْلِ الحِجازِ مَعْناها تَعالَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَسَألَتُ شَيْخًا عالِمًا مِن حُورانَ فَذَكَرَ أنَّها لُغَتُهم ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا مِمّا دَعَوْتِنِي إلَيْهِ، فَهو مَصْدَرٌ مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُضافٍ إلى اسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وجُمْلَةُ﴿إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِامْتِناعِ الكائِنِ مِنهُ بِبَعْضِ الأسْبابِ الَّتِي هي أقْرَبُ إلى فَهْمِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ: أيْ أنَّ الشَّأْنَ رَبِّي، يَعْنِي العَزِيزَ: أيْ سَيِّدِي الَّذِي رَبّانِي وأحْسَنَ مَثْوايَ حَيْثُ أمَرَكِ بِقَوْلِهِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾، فَكَيْفَ أخُونُهُ في أهْلِهِ وأُجِيبُكِ إلى ما تُرِيدِينَ مِن ذَلِكَ ؟ وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ أنَّ اللَّهَ رَبِّي تَوَلّانِي بِلُطْفِهِ فَلا أرْكَبُ ما حَرَّمَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلِامْتِناعِ مِنهُ عَنْ إجابَتِها، والفَلاحُ: الظَّفَرُ. والمَعْنى: أنَّهُ لا يَظْفَرُ الظّالِمُونَ بِمَطالِبِهِمْ، ومِن جُمْلَةِ الظّالِمِينَ الواقِعُونَ في مِثْلِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ الَّتِي تَطْلُبُها امْرَأةُ العَزِيزِ مِن يُوسُفَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ يُقالُ هَمَّ بِالأمْرِ: إذا قَصَدَهُ وعَزَمَ عَلَيْهِ. والمَعْنى: أنَّهُ هَمَّ بِمُخالَطَتِها كَما هَمَّتْ بِمُخالَطَتِهِ ومالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى الآخَرِ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ والجِبِلَّةِ الخِلْقِيَّةِ، ولَمْ يَكُنْ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ القَصْدُ إلى ذَلِكَ اخْتِيارًا كَما يُفِيدُهُ ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِعاذَتِهِ بِاللَّهِ، وإنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الظُّلْمِ. ولَمّا كانَ الأنْبِياءُ مَعْصُومِينَ عَنِ الهَمِّ بِالمَعْصِيَةِ والقَصْدِ إلَيْها شَطَحَ أهْلُ العِلْمِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِما فِيهِ نَوْعُ تَكَلُّفٍ، فَمِن ذَلِكَ ما قالَهُ أبُو حاتِمٍ قالَ: كُنْتُ أقْرَأُ عَلى أبِي عُبَيْدَةَ غَرِيبَ القُرْآنِ، فَلَمّا أتَيْتُ عَلى ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ قالَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ: كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ولَوْلا أنْ رَأى بِرِهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها. وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ: أيْ هَمَّتْ زُلَيْخا بِالمَعْصِيَةِ وكانَتْ مُصِرَّةً، وهَمَّ يُوسُفُ ولَمْ يُوقِعْ ما هَمَّ بِهِ، فَبَيْنَ الهَمَّيْنِ فَرْقٌ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَمَمْتُ بِهِمْ مِن ثَنِيَّةِ لُؤْلُؤٍ ∗∗∗ شَفَيْتُ غَلِيلاتِ الهَوى مِن فُؤادِيا فَهَذا إنَّما هو حَدِيثُ نَفْسٍ مِن غَيْرِ عَزْمٍ، وقِيلَ هَمَّ بِها: أيْ هَمَّ بِضَرْبِها، وقِيلَ هَمَّ بِها بِمَعْنى تَمَنّى أنْ يَتَزَوَّجَها، وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى ما قَدَّمْنا مِن حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢]، وقَوْلِهِ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] ومُجَرَّدُ الهَمِّ لا يُنافِي العِصْمَةَ، فَإنَّها قَدْ وقَعَتِ العِصْمَةُ عَنِ الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ المَطْلُوبُ، وجَوابُ لَوْ في ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَحْذُوفٌ: أيٌّ لَوْلا أنْ رَأى بِرِهانَ رَبِّهِ لَفَعَلَ ما هَمَّ بِهِ. واخْتُلِفَ في هَذا البُرْهانِ الَّذِي رَآهُ ما هو ؟ فَقِيلَ إنَّ زُلَيْخا قامَتْ عِنْدَ أنْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها إلى صَنَمٍ لَها في زاوِيَةِ البَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ فَقالَ: ما تَصْنَعِينَ ؟ قالَتْ: أسْتَحِي مِن إلَهِي هَذا أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، فَقالَ يُوسُفُ: أنا أوْلى أنْ أسْتَحِيَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ إنَّهُ رَأى في سَقْفِ البَيْتِ مَكْتُوبًا ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] الآيَةَ، وقِيلَ رَأى كَفًّا مَكْتُوبًا عَلَيْها ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] وقِيلَ إنَّ البُرْهانَ هو تَذَكُّرُهُ عَهْدَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ وما أخَذَهُ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ نُودِيَ: يا يُوسُفُ أنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ وتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهاءِ ؟ وقِيلَ رَأى صُورَةَ يَعْقُوبَ عَلى الجِدارِ عاضًّا عَلى أُنْمُلَتِهِ يَتَوَعَّدُهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ ذِكْرُهُ. والحاصِلُ أنَّهُ رَأى شَيْئًا حالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما هَمَّ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الإراءَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها (p-٦٩١)بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ أوْ إلى التَّثْبِيتِ المَفْهُومِ مِن ذَلِكَ: أيْ مِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ أرَيْناهُ، أمْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ أيْ كُلَّ ما يَسُوؤُهُ، والفَحْشاءَ كُلَّ أمْرٍ مُفْرِطِ القُبْحِ، وقِيلَ السُّوءُ: الخِيانَةُ لِلْعَزِيزِ في أهْلِهِ، والفَحْشاءُ: الزِّنا، وقِيلَ السُّوءُ: الشَّهْوَةُ، والفَحْشاءُ: المُباشَرَةُ، وقِيلَ السُّوءُ: الثَّناءُ القَبِيحُ. والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو المُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ. وقَرَأ الآخَرُونَ بِفَتْحِها. والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِمَّنْ أخْلَصَ طاعَتَهُ لِلَّهِ، وعَلى الثّانِيَةِ أنَّهُ كانَ مِمَّنِ اسْتَخْلَصَهُ اللَّهُ لِلرِّسالَةِ. وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخْلِصًا مُسْتَخْلَصًا ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيْ تَسابَقا إلَيْهِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وأُوصِلَ الفِعْلُ بِالمَفْعُولِ، أوْ ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كابْتَدَرا البابَ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، ووَجْهُ تَسابُقِهِما أنَّ يُوسُفَ يُرِيدُ الفِرارَ والخُرُوجَ مِنَ البابِ، وامْرَأةُ العَزِيزِ تُرِيدُ أنْ تَسْبِقَهُ إلَيْهِ لِتَمْنَعَهُ، ووَحَّدَ البابَ هُنا وجَمَعَهُ فِيما تَقَدَّمَ، لِأنَّ تَسابُقَهُما كانَ إلى البابِ الَّذِي يَخْلُصُ مِنهُ إلى خارِجِ الدّارِ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ أيْ جَذَبَتْ قَمِيصَهُ مِن ورائِهِ فانْشَقَّ إلى أسْفَلِهِ، والقَدُّ: القَطْعُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ طُولًا، والقَطُّ بِالطّاءِ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وقَعَ مِنها ذَلِكَ عِنْدَ أنْ فَرَّ يُوسُفُ لَمّا رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فَأرادَتْ أنْ تَمْنَعَهُ مِنَ الخُرُوجِ بِجَذْبِها لِقَمِيصِهِ ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ أيْ وجَدا العَزِيزَ هُنالِكَ، وعَنى بِالسَّيِّدِ: الزَّوْجَ لِأنَّ القِبْطَ يُسَمِّونَ الزَّوْجَ سَيِّدًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سَيِّدَهُما، لِأنَّ مِلْكَهُ لِيُوسُفَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فَلَمْ يَكُنْ سَيِّدًا لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ مِنهُما عِنْدَ أنْ ألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمُرادُ بِالسُّوءِ هُنا الزِّنا، قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ طَلَبًا مِنها لِلْحِيلَةِ ولِلسَّتْرِ عَلى نَفْسِها، فَنَسَبَتْ ما كانَ مِنها إلى يُوسُفَ: أيَّ جَزاءٍ يَسْتَحِقُّهُ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِ هَذا، ثُمَّ أجابَتْ عَنِ اسْتِفْهامِها بِقَوْلِها: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ أيْ ما جَزاؤُهُ إلّا أنْ يُسْجَنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً: أيْ لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السَّجْنَ أوِ العَذابَ الألِيمَ، قِيلَ والعَذابُ الألِيمُ هو الضَّرْبُ بِالسِّياطِ، والظّاهِرُ أنَّهُ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ العَذابُ الألِيمُ مِن ضَرْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وفي الإبْهامِ لِلْعَذابِ زِيادَةُ تَهْوِيلٍ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كالجُمْلَةِ الأُولى. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى المُراوَدَةِ: أيْ هي الَّتِي طَلَبَتْ مِنِّي ذَلِكَ ولَمْ أُرِدْ بِها سُوءًا ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ أيْ مِن قَرابَتِها، وسُمِّيَ الحُكْمُ بَيْنَهُما شَهادَةً لِما يَحْتاجُ فِيهِ مِنَ التَّثَبُّتِ والتَّأمُّلِ، قِيلَ لَمّا التَبَسَ الأمْرُ عَلى العَزِيزِ احْتاجَ إلى حاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُما لِيَتَبَيَّنَ لَهُ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ. قِيلَ كانَ ابْنُ عَمٍّ لَها واقِفًا مَعَ العَزِيزِ في البابِ، وقِيلَ ابْنُ خالٍ لَها، وقِيلَ إنَّهُ طِفْلٌ في المَهْدِ تَكَلَّمَ. قالَ السُّهَيْلِيُّ: وهو الصَّحِيحُ لِلْحَدِيثِ الوارِدِ في ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في ذِكْرِ مَن تَكَلَّمَ في المَهْدِ، وذَكَرَ مَن جُمْلَتِهِمْ شاهِدَ يُوسُفَ، وقِيلَ إنَّهُ رَجُلٌ حَكِيمٌ كانَ العَزِيزُ يَسْتَشِيرُهُ في أُمُورِهِ، وكانَ مِن قَرابَةِ المَرْأةِ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أيْ فَقالَ الشّاهِدُ هَذِهِ المَقالَةَ مُسْتَدِلًّا عَلى بَيانِ صِدْقِ الصّادِقِ مِنهُما وكَذِبِ الكاذِبِ بِأنَّ قَمِيصَ يُوسُفَ إنْ كانَ مَقْطُوعًا مِن قُبُلٍ: أيْ مِن جِهَةِ القُبُلِ فَصَدَقَتْ أيْ فَقَدْ صَدَقَتْ بِأنَّهُ أرادَ بِها سُوءًا وهو مِنَ الكاذِبِينَ في قَوْلِهِ إنَّها راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ مِن قُبُلُ بِضَمِّ اللّامِ. وكَذا قَرَأ مِن دُبُرُ قالَ الزَّجّاجُ: جَعَلاهُما غايَتَيْنِ كَقَبْلَ وبَعْدَ كَأنَّهُ قِيلَ مِن قُبُلِهِ ومَن دُبُرِهِ، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ: وهو مُرادٌ صارَ المُضافُ غايَةً بَعْدَ أنْ كانَ المُضافُ إلَيْهِ هو الغايَةُ. ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أيْ مِن ورائِهِ فَكَذَبَتْ في دَعْواها عَلَيْهِ وهو مِنَ الصّادِقِينَ في دَعْواهُ عَلَيْها، ولا يَخْفى أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ لا تَلازُمَ بَيْنَ مُقَدَّمَيْهِما وتالِيَيْهِما، لا عَقْلًا ولا عادَةً، ولَيْسَ ها هُنا إلّا مُجَرَّدُ أمارَةٍ غَيْرِ مُطَّرِدَةٍ، إذْ مِنَ الجائِزِ أنْ تَجْذِبَهُ إلَيْها وهو مُقْبِلٌ عَلَيْها فَيَنْقَدَّ القَمِيصُ مِن دُبُرٍ، وأنْ تَجْذِبَهُ وهو مُدْبِرٌ عَنْها فَيَنْقَدَّ القَمِيصُ مِن قُبُلٍ. فَلَمّا رَأى أيِ العَزِيزُ قَمِيصَهُ أيْ قَمِيصَ يُوسُفَ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ أيْ هَذا الأمْرَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ بَيْنَكُما، أوْ أنَّ قَوْلَكِ: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أيْ مِن جِنْسِ كَيْدِكُنَّ يا مَعْشَرَ النِّساءِ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ والكَيْدُ: المَكْرُ والحِيلَةُ. ثُمَّ خاطَبَ العَزِيزُ يُوسُفَ بِقَوْلِهِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ عَنْ هَذا الأمْرِ الَّذِي جَرى واكْتُمْهُ ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْها بِالخِطابِ فَقالَ واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ الَّذِي وقَعَ مِنكِ إنَّكِ كُنْتِ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الخاطِئِينَ أيْ مِن جِنْسِهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الخاطِئاتِ تَغْلِيبًا لِلْمُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ كَما في قَوْلِهِ وكانَتْ مِنَ القانِتِينَ [التحريم: ١٢]، ومَعْنى مِنَ الخاطِئِينَ مِنَ المُتَعَمِّدِينَ، يُقالُ خَطِئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، وقِيلَ إنَّ القائِلَ لِيُوسُفَ ولِامْرَأةِ العَزِيزِ بِهَذِهِ المَقالَةِ هو الشّاهِدُ الَّذِي حَكَمَ بَيْنَهُما. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ قالَ: هي امْرَأةُ العَزِيزِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: راوَدَتْهُ حِينَ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجالِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنِ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: هَيْتَ لَكَ قالَ: هَلُمَّ لَكَ تَدْعُوهُ إلى نَفْسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هَلُمَّ لَكَ بِالقِبْطِيَّةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هي كَلِمَةٌ بِالسُّرْيانِيَّةِ: أيْ عَلَيْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: مَعْناها تَعالَ: وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ تَدْعُوهُ بِها إلى نَفْسِها. (p-٦٩٢)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: هِئْتُ لَكَ، مَكْسُورَةَ الهاءِ مَضْمُومَةَ التّاءِ مَهْمُوزَةً قالَ تَهَيَّأْتُ لَكَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: إنَّهُ رَبِّيَ قالَ: سَيِّدِي، قالَ: يَعْنِي زَوْجَ المَرْأةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا هَمَّتْ بِهِ تَزَيَّنَتْ ثُمَّ اسْتَلْقَتْ عَلى فِراشِها، وهَمَّ بِها جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْها يَحُلُّ ثِيابَهُ، فَنُودِيَ مِنَ السَّماءِ يابْنَ يَعْقُوبَ لا تَكُنْ كَطائِرٍ نُتِفَ رِيشُهُ فَبَقِيَ لا رِيشَ لَهُ، فَلَمْ يَتَّعِظْ عَلى النِّداءِ شَيْئًا حَتّى رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ جِبْرِيلَ في صُورَةِ يَعْقُوبَ عاضًّا عَلى أُصْبُعِهِ، فَفَزِعَ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِن أنامِلِهِ فَوَثَبَ إلى البابِ فَوَجَدَهُ مُغْلَقًا فَرَفَعَ يُوسُفُ رِجْلَهُ فَضَرَبَ بِها البابَ الأدْنى فانْفَرَجَ لَهُ واتَّبَعَتْهُ فَأدْرَكَتْهُ، فَوَضَعَتْ يَدَيْها في قَمِيصِهِ فَشَقَّتْهُ حَتّى بَلَغَتْ عَضَلَةَ ساقِهِ فَألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ قالَ: طَمِعَتْ فِيهِ وطَمِعَ فِيها. وكانَ فِيهِ مِنَ الطَّمَعِ أنْ هَمَّ أنْ يَحُلَّ التِّكَّةَ، فَقامَتْ إلى صَنَمٍ لَها مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ في ناحِيَةِ البَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ أبْيَضَ بَيْنَها وبَيْنَهُ، فَقالَ: أيَّ شَيْءٍ تَصْنَعِينَ ؟ فَقالَتْ: أسْتَحِي مِن إلَهِي أنَّ يَرانِي عَلى هَذِهِ السَوْءَةِ، فَقالَ يُوسُفُ: تَسْتَحِينَ مِن صَنَمٍ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، ولا أسْتَحْيِ أنا مِن إلَهَيِ الَّذِي هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ؟ ثُمَّ قالَ: لا تَنالِيها مِنِّي أبَدًا، وهو البُرْهانُ الَّذِي رَأى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ قالَ: مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ في صَدْرِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِن أنامِلِهِ. وقَدْ أطالَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ البُرْهانِ الَّذِي رَآهُ، واخْتَلَفَتْ أقْوالُهم في ذَلِكَ اخْتِلافًا كَثِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: قالَ السَّيِّدُ: الزَّوْجُ، يَعْنِي في قَوْلِهِ ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ: القَيْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ قالَ: صَبِيٌّ أنْطَقَهُ اللَّهُ كانَ في الدّارِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ وهم صِغارٌ: ابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْحٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ قالَ: كانَ رَجَلًا ذا لِحْيَةٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: كانَ مِن خاصَّةِ المَلِكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هو رَجُلٌ لَهُ فَهْمٌ وعِلْمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: ابْنُ عَمٍّ لَها كانَ حَكِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِإنْسِيٍّ ولا جِنِّيٍّ هو خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ. قُلْتُ: ولَعَلَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن أهْلِها﴾ .

يوسف 12:31

. يُقالُ نُسْوَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ والفَضْلِ وسُلَيْمانَ. ويُقالُ نِسْوَةٌ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الباقِينَ، والمُرادُ جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ، ويَجُوزُ التَّذْكِيرُ في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِنَّ كَما يَجُوزُ التَّأْنِيثُ. قِيلَ: وهُنَّ امْرَأةُ ساقِي العَزِيزِ وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دَوابِّهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، وامْرَأةُ حاجِبِهِ. والفَتى في كَلامِ العَرَبِ: الشّابُّ، والفَتاةُ: الشّابَّةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا: غُلامُها، يُقالُ فَتايَ وفَتاتِي: أيْ غُلامِي وجارِيَتِي. وجُمْلَةُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى شَغَفَها حُبًّا: غَلَبَها حُبُّهُ، وقِيلَ دَخَلَ حُبُّهُ في شِغافِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وشَغافُ القَلْبِ غِلافُهُ وهو جَلْدَةٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ هو وسَطَ القَلْبِ. وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: دَخَلَ حُبُّهُ إلى شَغافِها فَغَلَبَ عَلَيْهِ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎يَتْبَعُها وهي لَهُ شَغافٌ وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والحَسَنُ شَعَفَها بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْناهُ أجْرى حُبَّهُ عَلَيْها. وقَرَأ غَيْرُهم بِالمُعْجَمَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: شَعَفَهُ الحُبُّ أحْرَقَ قَلْبَهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: أمْرَضَهُ. قالَ النَّحّاسُ: مَعْناهُ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ: قَدْ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، لِأنَّ شِعافَ الجِبالِ: أعالِيها، وقَدْ شَغِفَ بِذَلِكَ شَغَفًا بِإسْكانِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ: إذا ولِعَ بِهِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أتَقْتُلُنِي مَن قَدْ شَغَفْتُ فُؤادَها ∗∗∗ كَما شَغَفَ المَهْنُوَّةَ الرَّجُلُ الطّالِي قالَ: فَشُبِّهَتْ لَوْعَةُ الحُبِّ بِذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ قَدْ شَغُفَها بِضَمِّ الغَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُكِيَ قَدْ شَغِفَها بِكَسْرِ الغَيْنِ، ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ إلّا شَغَفَها بِفَتْحِ الغَيْنِ، ويُقالُ إنَّ الشَّغافَ: الجِلْدَةُ اللّاصِقَةُ بِالكَبِدِ الَّتِي لا تُرى، وهي الجِلْدَةُ البَيْضاءُ، فَكَأنَّهُ لَصِقَ حُبُّهُ بِقَلْبِها كَلُصُوقِ الجِلْدَةِ بِالكَبِدِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والمَعْنى: إنّا لَنَراها: أيْ نَعْلَمُها في فِعْلِها هَذا، وهو المُراوَدَةُ لِفَتاها في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ مُبَيَّنٍ: واضِحٍ لا يَلْتَبِسُ عَلى مَن نَظَرَ فِيهِ. فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٣)العَزِيزِ بِمَكْرِهِنَّ أيْ بِغَيَبِهِنَّ إيّاها، سُمِّيَتِ الغِيبَةُ مَكْرًا لِاشْتِراكِهِما في الإخْفاءِ، وقِيلَ أرَدْنَ أنْ يَتَوَسَّلْنَ بِذَلِكَ إلى رُؤْيَةِ يُوسُفَ، فَلِهَذا سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ مَكْرًا، وقِيلَ إنَّها أسَرَّتْ عَلَيْهِنَّ فَأفْشَيْنَ سِرَّها فَسُمِّيَ بِذَلِكَ مَكْرًا أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ أيْ تَدْعُوهُنَّ إلَيْها لِيَنْظُرْنَ إلى يُوسُفَ حَتّى يَقَعْنَ فِيما وقَعَتْ فِيهِ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ هَيَّأتْ لَهُنَّ مُجالِسَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها، وأعْتَدَتْ مِنَ الِاعْتِدادِ، وهو كُلُّ ما جَعَلْتَهُ عُدَّةً لِشَيْءٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مُتْكًا مُخَفَّفًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، والمُتْكُ: هو الأُتْرُجُّ بِلُغَةِ القِبْطِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ وتَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ هو لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، وقِيلَ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ ماءُ الوَرْدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مُتَّكَأً بِالهَمْزِ والتَّشْدِيدِ، وأصَحُّ ما قِيلَ فِيهِ إنَّهُ المَجْلِسُ، وقِيلَ هو الطَّعامُ، وقِيلَ المُتَّكَأُ كُلُّ ما اتُّكِئَ عَلَيْهِ عِنْدَ طَعامٍ أوْ شَرابٍ أوْ حَدِيثٍ. وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ يُقالُ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ: أيْ أكَلْنا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَظَلَلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا ∗∗∗ وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَأْكُلْنَهُ بَعْدَ أنْ يُقَطِّعْنَهُ، والسِّكِّينُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والغالِبُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ، والمُرادُ مِن إعْطائِها لِكُلِّ واحِدَةٍ سِكِّينًا أنْ يُقَطِّعْنَ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الأطْعِمَةِ، ويُمْكِنُ أنَّها أرادَتْ بِذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِنهُنَّ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ وقالَتْ لِيُوسُفَ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ أيْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هُنَّ عَلَيْها مِنَ الِاتِّكاءِ والأكْلِ وتَقْطِيعِ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الطَّعامِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ أيْ عَظَّمْنَهُ، وقِيلَ أمْذَيْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رَأيْنَ الفَحْلَ مِن فَوْقِ قُلَّةٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأكْبَرْنَ المَنِيَّ المُقَطَّرا وقِيلَ حِضْنَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ، والهاءُ لِلسَّكْتِ، يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ: أيْ دَخَلَتْ في الكِبَرِ بِالحَيْضِ: وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ دَهَشًا وفَزَعًا لِما شاهَدْنَهُ مِن جَمالِهِ الفائِقِ، وحُسْنِهِ الرّائِقِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا وأنْكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أكْبَرْنَهُ ولا يُقالُ حِضْنَهُ، فَلَيْسَ الإكْبارُ بِمَعْنى الحَيْضِ. وأجابَ الأزْهَرِيُّ فَقالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هاءَ الوَقْفِ لا هاءَ الكِنايَةِ. وقَدْ زُيِّفَ هَذا بِأنَّ هاءَ الوَقْفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ الهاءَ كِنايَةٌ عَنْ مَصْدَرِ الفِعْلِ: أيْ أكْبَرْنَ إكْبارًا بِمَعْنى حِضْنَ حَيْضًا ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ جَرَحْنَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القَطْعُ الَّذِي تَبِينُ مِنهُ اليَدُ، بَلِ المُرادُ بِهِ الخَدْشُ والحَزُّ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ كَما قالَ النَّحّاسُ، يُقالُ قَطَعَ يَدَ صاحِبِهِ: إذا خَدَشَها، وقِيلَ المُرادُ بِأيْدِيَهُنَّ هُنا: أنامِلُهُنَّ، وقِيلَ أكْمامُهُنَّ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا خَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِنَّ أعْظَمْنَهُ ودُهِشْنَ وراعَهُنَّ حُسْنُهُ حَتّى اضْطَرَبَتْ أيْدِيهِنَّ فَوَقَعَ القَطْعُ عَلَيْها وهُنَّ في شُغْلٍ عَنْ ذَلِكَ بِما دَهَمَهُنَّ، مِمّا تَطِيشُ عِنْدَهُ الأحْلامُ وتَضْطَرِبُ لَهُ الأبْدانُ وتَزُولُ بِهِ العُقُولُ " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " كَذا قَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ بِإثْباتِ الألِفِ في حاشا. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها. وقَرَأ الحَسَنُ حاشْ لِلَّهِ بِإسْكانِ الشِّينِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ حاشْ لِلَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ حاشا لِلَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الحاشِيَةِ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، تَقُولُ كُنْتُ في حاشِيَةِ فُلانٍ. أيْ في ناحِيَتِهِ، فَقَوْلُكَ حاشا لِزَيْدٍ مِن هَذا: أيْ تَباعَدَ مِنهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِنَ المُحاشاةِ: وقِيلَ إنَّ حاشَ حَرْفٌ. وحاشا فِعْلٌ، وكَلامُ أهْلِ النَّحْوِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَعْرُوفٌ، ومَعْناها هُنا التَّنْزِيهُ كَما تَقُولُ: أسى القَوْمُ حاشا زَيْدًا، فَمَعْنى حاشا لِلَّهِ: بَراءَةٌ لِلَّهِ وتَنْزِيهٌ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ إعْمالُ ما عَمَلَ لَيْسَ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها نَزَلَ القُرْآنُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وأمّا بَنُو تَمِيمٍ فَلا يُعْمِلُونَها عَمَلَ لَيْسَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ ما هَذا بِبَشَرٍ، فَلَمّا حُذِفَتِ الباءُ انْتَصَبَ. قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ: إذا قُلْتُ مازَيْدٌ بِمُنْطَلِقٍ، فَمَوْضِعُ الباءِ مَوْضِعُ نَصْبٍ، وهَكَذا سائِرُ حُرُوفِ الخَفْضِ. وأمّا الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ فَقَدْ أعْمَلُوها عَمَلَ لَيْسَ، وبِهِ قالَ البَصْرِيُّونَ والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في كُتُبِ النَّحْوِ بِشَواهِدِهِ وحُجَجِهِ، وإنَّما نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِأنَّهُ قَدْ بَرَزَ في صُورَةٍ قَدْ لَبِسَتْ مِنَ الجَمالِ البَدِيعِ ما لَمْ يُعْهَدْ عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ، ولا أبْصَرَ المُبْصِرُونَ ما يُقارِبُهُ في جَمِيعِ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، ثُمَّ لَمّا نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ أثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ وإنْ كُنَّ لا يَعْرِفْنَ المَلائِكَةَ لَكِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في الطِّباعِ أنَّهم عَلى شَكْلٍ فَوْقَ شَكْلِ البَشَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ، وأنَّهم فائِقُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، كَما تَقَرَّرَ أنَّ الشَّياطِينَ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّتُ وقَرَأ الحَسَنُ: ما هَذا بِشِراءٍ، عَلى أنَّ الباءَ حَرْفُ جَرٍّ، والشِّينَ مَكْسُورَةٌ: أيْ ما هَذا بِعَبْدٍ يُشْتَرى وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تُناسِبُ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِ النِّسْوَةِ هَذا أنَّ المَلائِكَةَ صُوَرُهم أحْسَنُ مِن صُوَرِ بَنِي آدَمَ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يَقُلْنَهُ لِدَلِيلٍ، بَلْ حَكَمْنَ عَلى الغَيْبِ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقادِ المُرْتَكِزِ في طِباعِهِنَّ وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِثْلَهُ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ في حُسْنِ تَقْوِيمِهِ وكَمالِ صُورَتِهِ، فَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ هو مِن جُمْلَةِ تَعَصُّباتِهِ لِما رَسَخَ في عَقْلِهِ مِن أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ: أعْنِي مَسْألَةَ المُفاضَلَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ لَيْسَتْ مِن مَسائِلِ الدِّينِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، فَما أغْنى عِبادَ اللَّهِ عَنْها وأحْوَجَهم إلى غَيْرِها مِن مَسائِلِ التَّكْلِيفِ. ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الإشارَةُ إلى يُوسُفَ، والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ: أيْ عَيَّرْتُنَّنِي فِيهِ. قالَتْ لَهُنَّ هَذا لَمّا رَأتِ افْتِتانَهُنَّ بِيُوسُفَ إظْهارًا لِعُذْرِ نَفْسِها، ومَعْنى فِيهِ: أيْ في حُبِّهِ، وقِيلَ الإشارَةُ (p-٦٩٤)إلى الحَبِّ، والضَّمِيرُ لَهُ أيْضًا، والمَعْنى: فَذَلِكَ الحُبُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ هو ذَلِكَ الحُبُّ، والأوَّلُ أوْلى. ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وأصْلُ اللَّوْمِ: الوَصْفُ بِالقَبِيحِ، ثُمَّ لَمّا أظْهَرَتْ عُذْرَ نَفْسِها عِنْدَ النِّسْوَةِ بِما شاهَدَتْهُ مِمّا وقَعْنَ فِيهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ ضاقَ صَدْرُها عَنْ كَتْمِ ما تَجِدُهُ في قَلْبِها مِن حُبِّهِ، فَأقَرَّتْ بِذَلِكَ وصَرَّحَتْ بِما وقَعَ مِنها مِنَ المُراوَدَةِ لَهُ، فَقالَتْ ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ أيِ اسْتَعَفَّ وامْتَنَعَ مِمّا أُرِيدُهُ طالِبًا لِعِصْمَةِ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَوَعَّدَتْهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما تُرِيدُهُ كاشِفَةً لِجِلْبابِ الحَياءِ هاتِكَةً لِسِتْرِ العَفافِ فَقالَتْ ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما قَدْ أمَرَتْهُ بِهِ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أنْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ لَيُسْجَنَنَّ: أيْ يُعْتَقَلُ في السِّجْنِ ولَيَكُونَنَّ مِنَ الصّاغِرِينَ الأذِلّاءِ لِما يَنالُهُ مِنَ الإهانَةِ، ويُسْلَبُ عَنْهُ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزَّةِ في زَعْمِها، قُرِئَ لَيَكُونَنَّ بِالتَّثْقِيلِ والتَّخْفِيفِ، قِيلَ والتَّخْفِيفُ أوْلى لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ ألِفًا عَلى حُكْمِ الوَقْفِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الخَفِيفَةِ، وأمّا ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ فَبِالتَّثْقِيلِ لا غَيْرَ، فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مَقالَها هَذا، وعَرَفَ أنَّها عَزْمَةٌ مِنها مَعَ ما قَدْ عَلِمَهُ مِن نَفاذِ قَوْلِها عِنْدَ زَوْجِها العَزِيزِ قالَ مُناجِيًا لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ. ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ أيْ يا رَبِّ السَّجْنُ الَّذِي أوْعَدَتْنِي هَذِهِ بِهِ ﴿أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن مُؤاتاتِها والوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَذْهَبُ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخَرِةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ دُخُولُ السِّجْنِ، فَحَذَفَ المُضافَ. وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ السَّجْنُ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ والأعْرَجُ ويَعْقُوبُ، وهو مَصْدَرُ سَجَنَهُ سَجْنًا، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، لِأنَّ النِّسْوَةَ رَغَّبْنَهُ في مُطاوَعَتِها وخَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها، ثُمَّ جَرى عَلى هَذا في نِسْبَةِ الكَيْدِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَقالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أمّا الكَيْدُ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَما قَدْ قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا كَيْدُ سائِرِ النِّسْوَةِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ لَهُ في المُطاوَعَةِ والتَّخْوِيفِ مِنَ المُخالَفَةِ وقِيلَ إنَّها كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ تَخْلُو بِهِ وحْدَها وتَقُولُ لَهُ: يا يُوسُفُ اقْضِ لِي حاجَتِي فَأنا خَيْرٌ لَكَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ خاطَبَ امْرَأةَ العَزِيزِ بِما يَصْلُحُ لِخِطابِ جَماعَةِ النِّساءِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ عُدُولًا عَنِ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْوِيضِ، والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ، وجَزْمُ أصْبُ إلَيْهِنَّ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ أمَلْ إلَيْهِنَّ، مِن صَبا يَصْبُو: إذا مالَ واشْتاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ وهِنْدٌ حُبُّها يُصْبِي ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أصْبُ: أيْ أكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ما يَحْرُمُ ارْتِكابُهُ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، أوْ مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الجُهّالِ. وقَوْلُهُ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ لَمّا قالَ: وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ كانَ ذَلِكَ مِنهُ تَعَرُّضًا لِلدُّعاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فالِاسْتِجابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ هي بِهَذا الِاعْتِبارِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ دُعاءٌ صادِقٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَطَفَ بِهِ وعَصَمَهُ عَنِ الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ، لِأنَّهُ إذا صَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِمّا رُمْنَهُ مِنهُ، ووَجْهُ إسْنادِ الكَيْدِ قَدْ تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن صَرْفِ كَيْدِ النِّسْوَةِ عَنْهُ: أيْ إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِدَعَواتِ الدّاعِينَ لَهُ: العَلِيمُ بِأحْوالِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قَدْ شَغَفَها قالَ: غَلَبَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَدْ شَغَفَها قالَ: قَتَلَها حُبُّ يُوسُفَ، الشَّغَفُ: الحُبُّ القاتِلُ، والشَّغَفُ: حَبٌّ دُونَ ذَلِكَ، والشَّغافُ: حِجابُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قَدْ شَغَفَها قالَ: قَدْ عَلَّقَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِحَدِيثِهِنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِعَمَلِهِنَّ، وكُلُّ مَكْرٍ في القُرْآنِ فَهو عَمَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: هَيَّأتْ لَهُنَّ مَجْلِسًا، وكانَ سُنَّتُهم إذا وضَعُوا المائِدَةَ أعْطَوْا كُلَّ إنْسانٍ سِكِّينًا يَأْكُلُ بِها فَلَمّا رَأيْنَهُ قالَ: فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ونَظَرْنَ إلَيْهِ، وأقْبَلْنَ يُحَزِّزْنَ أيْدِيَهُنَّ بِالسَّكاكِينِ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الطَّعامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: أعْطَتْهُنَّ أُتْرُنْجًا، وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا، فَلَمّا رَأيْنَ يُوسُفَ أكْبَرْنَهُ، وجَعَلْنَ يُقَطِّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الأُتْرُنْجَ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ المُتَّكَأُ: الأُتْرُنْجُ، وكانَ يَقْرَؤُها خَفِيفَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مُتَّكَئًا قالَ: طَعامًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ هو الأُتْرُنْجُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هو كُلُّ شَيْءٍ يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الوَزِيرِ بْنِ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ قالَ حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي يَقُولُ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: أمْنَيْنَ، وأنْشَدَ: ؎ولَمّا رَأتْهُ الخَيْلُ مِن رَأْسٍ شاهِقٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأمْنَيْنَ المَنِيَّ المُدَفَّقا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ حِضْنَ مِنَ الفَرَحِ وذَكَرَ قَوْلَ الشّاعِرِ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ: ؎نَأْتِي النِّساءَ لَدى أطْهارِهِنَّ. . . . البَيْتَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ قالَ: حَزًّا بِالسِّكِّينِ حَتّى ألْقَيْنَها " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " قالَ: مَعاذَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ (p-٦٩٥)فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: قُلْنَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ مِن حُسْنِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُنَبِّهٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: ماتَ مِنَ النِّسْوَةِ الَّتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأةً كَمَدًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ وأُمُّهُ شِطْرَ الحُسْنِ،» وقَدْ ورَدَتْ رِواياتٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في وصْفِ حُسْنِ يُوسُفَ، والمُبالِغَةِ في ذَلِكَ، فَفي بَعْضِها أنَّهُ أُعْطِيَ نِصْفَ الحُسْنِ، وفي بَعْضِها ثُلُثَهُ، وفي بَعْضِها ثُلُثَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فاسْتَعْصَمَ قالَ: امْتَنَعَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فاسْتَعْصَمَ قالَ: فاسْتَعْصى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ قالَ: إنْ لا تَكُنْ مِنكَ أنْتَ القُوى والمَنَعَةُ لا تَكُنْ مِنِّي ولا عِنْدِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ أصْبُ إلَيْهِنَّ قالَ: أتَّبِعْهُنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُطاوِعْهُنَّ.

يوسف 12:32

. يُقالُ نُسْوَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ والفَضْلِ وسُلَيْمانَ. ويُقالُ نِسْوَةٌ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الباقِينَ، والمُرادُ جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ، ويَجُوزُ التَّذْكِيرُ في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِنَّ كَما يَجُوزُ التَّأْنِيثُ. قِيلَ: وهُنَّ امْرَأةُ ساقِي العَزِيزِ وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دَوابِّهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، وامْرَأةُ حاجِبِهِ. والفَتى في كَلامِ العَرَبِ: الشّابُّ، والفَتاةُ: الشّابَّةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا: غُلامُها، يُقالُ فَتايَ وفَتاتِي: أيْ غُلامِي وجارِيَتِي. وجُمْلَةُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى شَغَفَها حُبًّا: غَلَبَها حُبُّهُ، وقِيلَ دَخَلَ حُبُّهُ في شِغافِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وشَغافُ القَلْبِ غِلافُهُ وهو جَلْدَةٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ هو وسَطَ القَلْبِ. وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: دَخَلَ حُبُّهُ إلى شَغافِها فَغَلَبَ عَلَيْهِ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎يَتْبَعُها وهي لَهُ شَغافٌ وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والحَسَنُ شَعَفَها بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْناهُ أجْرى حُبَّهُ عَلَيْها. وقَرَأ غَيْرُهم بِالمُعْجَمَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: شَعَفَهُ الحُبُّ أحْرَقَ قَلْبَهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: أمْرَضَهُ. قالَ النَّحّاسُ: مَعْناهُ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ: قَدْ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، لِأنَّ شِعافَ الجِبالِ: أعالِيها، وقَدْ شَغِفَ بِذَلِكَ شَغَفًا بِإسْكانِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ: إذا ولِعَ بِهِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أتَقْتُلُنِي مَن قَدْ شَغَفْتُ فُؤادَها ∗∗∗ كَما شَغَفَ المَهْنُوَّةَ الرَّجُلُ الطّالِي قالَ: فَشُبِّهَتْ لَوْعَةُ الحُبِّ بِذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ قَدْ شَغُفَها بِضَمِّ الغَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُكِيَ قَدْ شَغِفَها بِكَسْرِ الغَيْنِ، ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ إلّا شَغَفَها بِفَتْحِ الغَيْنِ، ويُقالُ إنَّ الشَّغافَ: الجِلْدَةُ اللّاصِقَةُ بِالكَبِدِ الَّتِي لا تُرى، وهي الجِلْدَةُ البَيْضاءُ، فَكَأنَّهُ لَصِقَ حُبُّهُ بِقَلْبِها كَلُصُوقِ الجِلْدَةِ بِالكَبِدِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والمَعْنى: إنّا لَنَراها: أيْ نَعْلَمُها في فِعْلِها هَذا، وهو المُراوَدَةُ لِفَتاها في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ مُبَيَّنٍ: واضِحٍ لا يَلْتَبِسُ عَلى مَن نَظَرَ فِيهِ. فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٣)العَزِيزِ بِمَكْرِهِنَّ أيْ بِغَيَبِهِنَّ إيّاها، سُمِّيَتِ الغِيبَةُ مَكْرًا لِاشْتِراكِهِما في الإخْفاءِ، وقِيلَ أرَدْنَ أنْ يَتَوَسَّلْنَ بِذَلِكَ إلى رُؤْيَةِ يُوسُفَ، فَلِهَذا سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ مَكْرًا، وقِيلَ إنَّها أسَرَّتْ عَلَيْهِنَّ فَأفْشَيْنَ سِرَّها فَسُمِّيَ بِذَلِكَ مَكْرًا أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ أيْ تَدْعُوهُنَّ إلَيْها لِيَنْظُرْنَ إلى يُوسُفَ حَتّى يَقَعْنَ فِيما وقَعَتْ فِيهِ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ هَيَّأتْ لَهُنَّ مُجالِسَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها، وأعْتَدَتْ مِنَ الِاعْتِدادِ، وهو كُلُّ ما جَعَلْتَهُ عُدَّةً لِشَيْءٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مُتْكًا مُخَفَّفًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، والمُتْكُ: هو الأُتْرُجُّ بِلُغَةِ القِبْطِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ وتَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ هو لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، وقِيلَ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ ماءُ الوَرْدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مُتَّكَأً بِالهَمْزِ والتَّشْدِيدِ، وأصَحُّ ما قِيلَ فِيهِ إنَّهُ المَجْلِسُ، وقِيلَ هو الطَّعامُ، وقِيلَ المُتَّكَأُ كُلُّ ما اتُّكِئَ عَلَيْهِ عِنْدَ طَعامٍ أوْ شَرابٍ أوْ حَدِيثٍ. وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ يُقالُ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ: أيْ أكَلْنا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَظَلَلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا ∗∗∗ وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَأْكُلْنَهُ بَعْدَ أنْ يُقَطِّعْنَهُ، والسِّكِّينُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والغالِبُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ، والمُرادُ مِن إعْطائِها لِكُلِّ واحِدَةٍ سِكِّينًا أنْ يُقَطِّعْنَ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الأطْعِمَةِ، ويُمْكِنُ أنَّها أرادَتْ بِذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِنهُنَّ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ وقالَتْ لِيُوسُفَ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ أيْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هُنَّ عَلَيْها مِنَ الِاتِّكاءِ والأكْلِ وتَقْطِيعِ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الطَّعامِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ أيْ عَظَّمْنَهُ، وقِيلَ أمْذَيْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رَأيْنَ الفَحْلَ مِن فَوْقِ قُلَّةٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأكْبَرْنَ المَنِيَّ المُقَطَّرا وقِيلَ حِضْنَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ، والهاءُ لِلسَّكْتِ، يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ: أيْ دَخَلَتْ في الكِبَرِ بِالحَيْضِ: وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ دَهَشًا وفَزَعًا لِما شاهَدْنَهُ مِن جَمالِهِ الفائِقِ، وحُسْنِهِ الرّائِقِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا وأنْكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أكْبَرْنَهُ ولا يُقالُ حِضْنَهُ، فَلَيْسَ الإكْبارُ بِمَعْنى الحَيْضِ. وأجابَ الأزْهَرِيُّ فَقالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هاءَ الوَقْفِ لا هاءَ الكِنايَةِ. وقَدْ زُيِّفَ هَذا بِأنَّ هاءَ الوَقْفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ الهاءَ كِنايَةٌ عَنْ مَصْدَرِ الفِعْلِ: أيْ أكْبَرْنَ إكْبارًا بِمَعْنى حِضْنَ حَيْضًا ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ جَرَحْنَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القَطْعُ الَّذِي تَبِينُ مِنهُ اليَدُ، بَلِ المُرادُ بِهِ الخَدْشُ والحَزُّ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ كَما قالَ النَّحّاسُ، يُقالُ قَطَعَ يَدَ صاحِبِهِ: إذا خَدَشَها، وقِيلَ المُرادُ بِأيْدِيَهُنَّ هُنا: أنامِلُهُنَّ، وقِيلَ أكْمامُهُنَّ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا خَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِنَّ أعْظَمْنَهُ ودُهِشْنَ وراعَهُنَّ حُسْنُهُ حَتّى اضْطَرَبَتْ أيْدِيهِنَّ فَوَقَعَ القَطْعُ عَلَيْها وهُنَّ في شُغْلٍ عَنْ ذَلِكَ بِما دَهَمَهُنَّ، مِمّا تَطِيشُ عِنْدَهُ الأحْلامُ وتَضْطَرِبُ لَهُ الأبْدانُ وتَزُولُ بِهِ العُقُولُ " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " كَذا قَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ بِإثْباتِ الألِفِ في حاشا. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها. وقَرَأ الحَسَنُ حاشْ لِلَّهِ بِإسْكانِ الشِّينِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ حاشْ لِلَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ حاشا لِلَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الحاشِيَةِ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، تَقُولُ كُنْتُ في حاشِيَةِ فُلانٍ. أيْ في ناحِيَتِهِ، فَقَوْلُكَ حاشا لِزَيْدٍ مِن هَذا: أيْ تَباعَدَ مِنهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِنَ المُحاشاةِ: وقِيلَ إنَّ حاشَ حَرْفٌ. وحاشا فِعْلٌ، وكَلامُ أهْلِ النَّحْوِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَعْرُوفٌ، ومَعْناها هُنا التَّنْزِيهُ كَما تَقُولُ: أسى القَوْمُ حاشا زَيْدًا، فَمَعْنى حاشا لِلَّهِ: بَراءَةٌ لِلَّهِ وتَنْزِيهٌ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ إعْمالُ ما عَمَلَ لَيْسَ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها نَزَلَ القُرْآنُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وأمّا بَنُو تَمِيمٍ فَلا يُعْمِلُونَها عَمَلَ لَيْسَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ ما هَذا بِبَشَرٍ، فَلَمّا حُذِفَتِ الباءُ انْتَصَبَ. قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ: إذا قُلْتُ مازَيْدٌ بِمُنْطَلِقٍ، فَمَوْضِعُ الباءِ مَوْضِعُ نَصْبٍ، وهَكَذا سائِرُ حُرُوفِ الخَفْضِ. وأمّا الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ فَقَدْ أعْمَلُوها عَمَلَ لَيْسَ، وبِهِ قالَ البَصْرِيُّونَ والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في كُتُبِ النَّحْوِ بِشَواهِدِهِ وحُجَجِهِ، وإنَّما نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِأنَّهُ قَدْ بَرَزَ في صُورَةٍ قَدْ لَبِسَتْ مِنَ الجَمالِ البَدِيعِ ما لَمْ يُعْهَدْ عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ، ولا أبْصَرَ المُبْصِرُونَ ما يُقارِبُهُ في جَمِيعِ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، ثُمَّ لَمّا نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ أثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ وإنْ كُنَّ لا يَعْرِفْنَ المَلائِكَةَ لَكِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في الطِّباعِ أنَّهم عَلى شَكْلٍ فَوْقَ شَكْلِ البَشَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ، وأنَّهم فائِقُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، كَما تَقَرَّرَ أنَّ الشَّياطِينَ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّتُ وقَرَأ الحَسَنُ: ما هَذا بِشِراءٍ، عَلى أنَّ الباءَ حَرْفُ جَرٍّ، والشِّينَ مَكْسُورَةٌ: أيْ ما هَذا بِعَبْدٍ يُشْتَرى وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تُناسِبُ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِ النِّسْوَةِ هَذا أنَّ المَلائِكَةَ صُوَرُهم أحْسَنُ مِن صُوَرِ بَنِي آدَمَ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يَقُلْنَهُ لِدَلِيلٍ، بَلْ حَكَمْنَ عَلى الغَيْبِ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقادِ المُرْتَكِزِ في طِباعِهِنَّ وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِثْلَهُ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ في حُسْنِ تَقْوِيمِهِ وكَمالِ صُورَتِهِ، فَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ هو مِن جُمْلَةِ تَعَصُّباتِهِ لِما رَسَخَ في عَقْلِهِ مِن أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ: أعْنِي مَسْألَةَ المُفاضَلَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ لَيْسَتْ مِن مَسائِلِ الدِّينِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، فَما أغْنى عِبادَ اللَّهِ عَنْها وأحْوَجَهم إلى غَيْرِها مِن مَسائِلِ التَّكْلِيفِ. ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الإشارَةُ إلى يُوسُفَ، والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ: أيْ عَيَّرْتُنَّنِي فِيهِ. قالَتْ لَهُنَّ هَذا لَمّا رَأتِ افْتِتانَهُنَّ بِيُوسُفَ إظْهارًا لِعُذْرِ نَفْسِها، ومَعْنى فِيهِ: أيْ في حُبِّهِ، وقِيلَ الإشارَةُ (p-٦٩٤)إلى الحَبِّ، والضَّمِيرُ لَهُ أيْضًا، والمَعْنى: فَذَلِكَ الحُبُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ هو ذَلِكَ الحُبُّ، والأوَّلُ أوْلى. ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وأصْلُ اللَّوْمِ: الوَصْفُ بِالقَبِيحِ، ثُمَّ لَمّا أظْهَرَتْ عُذْرَ نَفْسِها عِنْدَ النِّسْوَةِ بِما شاهَدَتْهُ مِمّا وقَعْنَ فِيهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ ضاقَ صَدْرُها عَنْ كَتْمِ ما تَجِدُهُ في قَلْبِها مِن حُبِّهِ، فَأقَرَّتْ بِذَلِكَ وصَرَّحَتْ بِما وقَعَ مِنها مِنَ المُراوَدَةِ لَهُ، فَقالَتْ ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ أيِ اسْتَعَفَّ وامْتَنَعَ مِمّا أُرِيدُهُ طالِبًا لِعِصْمَةِ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَوَعَّدَتْهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما تُرِيدُهُ كاشِفَةً لِجِلْبابِ الحَياءِ هاتِكَةً لِسِتْرِ العَفافِ فَقالَتْ ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما قَدْ أمَرَتْهُ بِهِ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أنْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ لَيُسْجَنَنَّ: أيْ يُعْتَقَلُ في السِّجْنِ ولَيَكُونَنَّ مِنَ الصّاغِرِينَ الأذِلّاءِ لِما يَنالُهُ مِنَ الإهانَةِ، ويُسْلَبُ عَنْهُ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزَّةِ في زَعْمِها، قُرِئَ لَيَكُونَنَّ بِالتَّثْقِيلِ والتَّخْفِيفِ، قِيلَ والتَّخْفِيفُ أوْلى لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ ألِفًا عَلى حُكْمِ الوَقْفِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الخَفِيفَةِ، وأمّا ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ فَبِالتَّثْقِيلِ لا غَيْرَ، فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مَقالَها هَذا، وعَرَفَ أنَّها عَزْمَةٌ مِنها مَعَ ما قَدْ عَلِمَهُ مِن نَفاذِ قَوْلِها عِنْدَ زَوْجِها العَزِيزِ قالَ مُناجِيًا لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ. ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ أيْ يا رَبِّ السَّجْنُ الَّذِي أوْعَدَتْنِي هَذِهِ بِهِ ﴿أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن مُؤاتاتِها والوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَذْهَبُ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخَرِةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ دُخُولُ السِّجْنِ، فَحَذَفَ المُضافَ. وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ السَّجْنُ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ والأعْرَجُ ويَعْقُوبُ، وهو مَصْدَرُ سَجَنَهُ سَجْنًا، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، لِأنَّ النِّسْوَةَ رَغَّبْنَهُ في مُطاوَعَتِها وخَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها، ثُمَّ جَرى عَلى هَذا في نِسْبَةِ الكَيْدِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَقالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أمّا الكَيْدُ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَما قَدْ قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا كَيْدُ سائِرِ النِّسْوَةِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ لَهُ في المُطاوَعَةِ والتَّخْوِيفِ مِنَ المُخالَفَةِ وقِيلَ إنَّها كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ تَخْلُو بِهِ وحْدَها وتَقُولُ لَهُ: يا يُوسُفُ اقْضِ لِي حاجَتِي فَأنا خَيْرٌ لَكَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ خاطَبَ امْرَأةَ العَزِيزِ بِما يَصْلُحُ لِخِطابِ جَماعَةِ النِّساءِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ عُدُولًا عَنِ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْوِيضِ، والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ، وجَزْمُ أصْبُ إلَيْهِنَّ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ أمَلْ إلَيْهِنَّ، مِن صَبا يَصْبُو: إذا مالَ واشْتاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ وهِنْدٌ حُبُّها يُصْبِي ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أصْبُ: أيْ أكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ما يَحْرُمُ ارْتِكابُهُ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، أوْ مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الجُهّالِ. وقَوْلُهُ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ لَمّا قالَ: وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ كانَ ذَلِكَ مِنهُ تَعَرُّضًا لِلدُّعاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فالِاسْتِجابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ هي بِهَذا الِاعْتِبارِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ دُعاءٌ صادِقٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَطَفَ بِهِ وعَصَمَهُ عَنِ الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ، لِأنَّهُ إذا صَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِمّا رُمْنَهُ مِنهُ، ووَجْهُ إسْنادِ الكَيْدِ قَدْ تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن صَرْفِ كَيْدِ النِّسْوَةِ عَنْهُ: أيْ إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِدَعَواتِ الدّاعِينَ لَهُ: العَلِيمُ بِأحْوالِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قَدْ شَغَفَها قالَ: غَلَبَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَدْ شَغَفَها قالَ: قَتَلَها حُبُّ يُوسُفَ، الشَّغَفُ: الحُبُّ القاتِلُ، والشَّغَفُ: حَبٌّ دُونَ ذَلِكَ، والشَّغافُ: حِجابُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قَدْ شَغَفَها قالَ: قَدْ عَلَّقَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِحَدِيثِهِنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِعَمَلِهِنَّ، وكُلُّ مَكْرٍ في القُرْآنِ فَهو عَمَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: هَيَّأتْ لَهُنَّ مَجْلِسًا، وكانَ سُنَّتُهم إذا وضَعُوا المائِدَةَ أعْطَوْا كُلَّ إنْسانٍ سِكِّينًا يَأْكُلُ بِها فَلَمّا رَأيْنَهُ قالَ: فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ونَظَرْنَ إلَيْهِ، وأقْبَلْنَ يُحَزِّزْنَ أيْدِيَهُنَّ بِالسَّكاكِينِ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الطَّعامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: أعْطَتْهُنَّ أُتْرُنْجًا، وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا، فَلَمّا رَأيْنَ يُوسُفَ أكْبَرْنَهُ، وجَعَلْنَ يُقَطِّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الأُتْرُنْجَ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ المُتَّكَأُ: الأُتْرُنْجُ، وكانَ يَقْرَؤُها خَفِيفَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مُتَّكَئًا قالَ: طَعامًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ هو الأُتْرُنْجُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هو كُلُّ شَيْءٍ يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الوَزِيرِ بْنِ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ قالَ حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي يَقُولُ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: أمْنَيْنَ، وأنْشَدَ: ؎ولَمّا رَأتْهُ الخَيْلُ مِن رَأْسٍ شاهِقٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأمْنَيْنَ المَنِيَّ المُدَفَّقا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ حِضْنَ مِنَ الفَرَحِ وذَكَرَ قَوْلَ الشّاعِرِ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ: ؎نَأْتِي النِّساءَ لَدى أطْهارِهِنَّ. . . . البَيْتَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ قالَ: حَزًّا بِالسِّكِّينِ حَتّى ألْقَيْنَها " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " قالَ: مَعاذَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ (p-٦٩٥)فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: قُلْنَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ مِن حُسْنِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُنَبِّهٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: ماتَ مِنَ النِّسْوَةِ الَّتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأةً كَمَدًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ وأُمُّهُ شِطْرَ الحُسْنِ،» وقَدْ ورَدَتْ رِواياتٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في وصْفِ حُسْنِ يُوسُفَ، والمُبالِغَةِ في ذَلِكَ، فَفي بَعْضِها أنَّهُ أُعْطِيَ نِصْفَ الحُسْنِ، وفي بَعْضِها ثُلُثَهُ، وفي بَعْضِها ثُلُثَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فاسْتَعْصَمَ قالَ: امْتَنَعَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فاسْتَعْصَمَ قالَ: فاسْتَعْصى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ قالَ: إنْ لا تَكُنْ مِنكَ أنْتَ القُوى والمَنَعَةُ لا تَكُنْ مِنِّي ولا عِنْدِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ أصْبُ إلَيْهِنَّ قالَ: أتَّبِعْهُنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُطاوِعْهُنَّ.

يوسف 12:33

. يُقالُ نُسْوَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ والفَضْلِ وسُلَيْمانَ. ويُقالُ نِسْوَةٌ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الباقِينَ، والمُرادُ جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ، ويَجُوزُ التَّذْكِيرُ في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِنَّ كَما يَجُوزُ التَّأْنِيثُ. قِيلَ: وهُنَّ امْرَأةُ ساقِي العَزِيزِ وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دَوابِّهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، وامْرَأةُ حاجِبِهِ. والفَتى في كَلامِ العَرَبِ: الشّابُّ، والفَتاةُ: الشّابَّةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا: غُلامُها، يُقالُ فَتايَ وفَتاتِي: أيْ غُلامِي وجارِيَتِي. وجُمْلَةُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى شَغَفَها حُبًّا: غَلَبَها حُبُّهُ، وقِيلَ دَخَلَ حُبُّهُ في شِغافِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وشَغافُ القَلْبِ غِلافُهُ وهو جَلْدَةٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ هو وسَطَ القَلْبِ. وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: دَخَلَ حُبُّهُ إلى شَغافِها فَغَلَبَ عَلَيْهِ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎يَتْبَعُها وهي لَهُ شَغافٌ وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والحَسَنُ شَعَفَها بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْناهُ أجْرى حُبَّهُ عَلَيْها. وقَرَأ غَيْرُهم بِالمُعْجَمَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: شَعَفَهُ الحُبُّ أحْرَقَ قَلْبَهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: أمْرَضَهُ. قالَ النَّحّاسُ: مَعْناهُ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ: قَدْ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، لِأنَّ شِعافَ الجِبالِ: أعالِيها، وقَدْ شَغِفَ بِذَلِكَ شَغَفًا بِإسْكانِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ: إذا ولِعَ بِهِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أتَقْتُلُنِي مَن قَدْ شَغَفْتُ فُؤادَها ∗∗∗ كَما شَغَفَ المَهْنُوَّةَ الرَّجُلُ الطّالِي قالَ: فَشُبِّهَتْ لَوْعَةُ الحُبِّ بِذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ قَدْ شَغُفَها بِضَمِّ الغَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُكِيَ قَدْ شَغِفَها بِكَسْرِ الغَيْنِ، ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ إلّا شَغَفَها بِفَتْحِ الغَيْنِ، ويُقالُ إنَّ الشَّغافَ: الجِلْدَةُ اللّاصِقَةُ بِالكَبِدِ الَّتِي لا تُرى، وهي الجِلْدَةُ البَيْضاءُ، فَكَأنَّهُ لَصِقَ حُبُّهُ بِقَلْبِها كَلُصُوقِ الجِلْدَةِ بِالكَبِدِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والمَعْنى: إنّا لَنَراها: أيْ نَعْلَمُها في فِعْلِها هَذا، وهو المُراوَدَةُ لِفَتاها في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ مُبَيَّنٍ: واضِحٍ لا يَلْتَبِسُ عَلى مَن نَظَرَ فِيهِ. فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٣)العَزِيزِ بِمَكْرِهِنَّ أيْ بِغَيَبِهِنَّ إيّاها، سُمِّيَتِ الغِيبَةُ مَكْرًا لِاشْتِراكِهِما في الإخْفاءِ، وقِيلَ أرَدْنَ أنْ يَتَوَسَّلْنَ بِذَلِكَ إلى رُؤْيَةِ يُوسُفَ، فَلِهَذا سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ مَكْرًا، وقِيلَ إنَّها أسَرَّتْ عَلَيْهِنَّ فَأفْشَيْنَ سِرَّها فَسُمِّيَ بِذَلِكَ مَكْرًا أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ أيْ تَدْعُوهُنَّ إلَيْها لِيَنْظُرْنَ إلى يُوسُفَ حَتّى يَقَعْنَ فِيما وقَعَتْ فِيهِ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ هَيَّأتْ لَهُنَّ مُجالِسَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها، وأعْتَدَتْ مِنَ الِاعْتِدادِ، وهو كُلُّ ما جَعَلْتَهُ عُدَّةً لِشَيْءٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مُتْكًا مُخَفَّفًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، والمُتْكُ: هو الأُتْرُجُّ بِلُغَةِ القِبْطِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ وتَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ هو لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، وقِيلَ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ ماءُ الوَرْدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مُتَّكَأً بِالهَمْزِ والتَّشْدِيدِ، وأصَحُّ ما قِيلَ فِيهِ إنَّهُ المَجْلِسُ، وقِيلَ هو الطَّعامُ، وقِيلَ المُتَّكَأُ كُلُّ ما اتُّكِئَ عَلَيْهِ عِنْدَ طَعامٍ أوْ شَرابٍ أوْ حَدِيثٍ. وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ يُقالُ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ: أيْ أكَلْنا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَظَلَلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا ∗∗∗ وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَأْكُلْنَهُ بَعْدَ أنْ يُقَطِّعْنَهُ، والسِّكِّينُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والغالِبُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ، والمُرادُ مِن إعْطائِها لِكُلِّ واحِدَةٍ سِكِّينًا أنْ يُقَطِّعْنَ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الأطْعِمَةِ، ويُمْكِنُ أنَّها أرادَتْ بِذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِنهُنَّ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ وقالَتْ لِيُوسُفَ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ أيْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هُنَّ عَلَيْها مِنَ الِاتِّكاءِ والأكْلِ وتَقْطِيعِ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الطَّعامِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ أيْ عَظَّمْنَهُ، وقِيلَ أمْذَيْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رَأيْنَ الفَحْلَ مِن فَوْقِ قُلَّةٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأكْبَرْنَ المَنِيَّ المُقَطَّرا وقِيلَ حِضْنَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ، والهاءُ لِلسَّكْتِ، يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ: أيْ دَخَلَتْ في الكِبَرِ بِالحَيْضِ: وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ دَهَشًا وفَزَعًا لِما شاهَدْنَهُ مِن جَمالِهِ الفائِقِ، وحُسْنِهِ الرّائِقِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا وأنْكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أكْبَرْنَهُ ولا يُقالُ حِضْنَهُ، فَلَيْسَ الإكْبارُ بِمَعْنى الحَيْضِ. وأجابَ الأزْهَرِيُّ فَقالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هاءَ الوَقْفِ لا هاءَ الكِنايَةِ. وقَدْ زُيِّفَ هَذا بِأنَّ هاءَ الوَقْفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ الهاءَ كِنايَةٌ عَنْ مَصْدَرِ الفِعْلِ: أيْ أكْبَرْنَ إكْبارًا بِمَعْنى حِضْنَ حَيْضًا ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ جَرَحْنَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القَطْعُ الَّذِي تَبِينُ مِنهُ اليَدُ، بَلِ المُرادُ بِهِ الخَدْشُ والحَزُّ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ كَما قالَ النَّحّاسُ، يُقالُ قَطَعَ يَدَ صاحِبِهِ: إذا خَدَشَها، وقِيلَ المُرادُ بِأيْدِيَهُنَّ هُنا: أنامِلُهُنَّ، وقِيلَ أكْمامُهُنَّ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا خَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِنَّ أعْظَمْنَهُ ودُهِشْنَ وراعَهُنَّ حُسْنُهُ حَتّى اضْطَرَبَتْ أيْدِيهِنَّ فَوَقَعَ القَطْعُ عَلَيْها وهُنَّ في شُغْلٍ عَنْ ذَلِكَ بِما دَهَمَهُنَّ، مِمّا تَطِيشُ عِنْدَهُ الأحْلامُ وتَضْطَرِبُ لَهُ الأبْدانُ وتَزُولُ بِهِ العُقُولُ " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " كَذا قَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ بِإثْباتِ الألِفِ في حاشا. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها. وقَرَأ الحَسَنُ حاشْ لِلَّهِ بِإسْكانِ الشِّينِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ حاشْ لِلَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ حاشا لِلَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الحاشِيَةِ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، تَقُولُ كُنْتُ في حاشِيَةِ فُلانٍ. أيْ في ناحِيَتِهِ، فَقَوْلُكَ حاشا لِزَيْدٍ مِن هَذا: أيْ تَباعَدَ مِنهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِنَ المُحاشاةِ: وقِيلَ إنَّ حاشَ حَرْفٌ. وحاشا فِعْلٌ، وكَلامُ أهْلِ النَّحْوِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَعْرُوفٌ، ومَعْناها هُنا التَّنْزِيهُ كَما تَقُولُ: أسى القَوْمُ حاشا زَيْدًا، فَمَعْنى حاشا لِلَّهِ: بَراءَةٌ لِلَّهِ وتَنْزِيهٌ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ إعْمالُ ما عَمَلَ لَيْسَ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها نَزَلَ القُرْآنُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وأمّا بَنُو تَمِيمٍ فَلا يُعْمِلُونَها عَمَلَ لَيْسَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ ما هَذا بِبَشَرٍ، فَلَمّا حُذِفَتِ الباءُ انْتَصَبَ. قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ: إذا قُلْتُ مازَيْدٌ بِمُنْطَلِقٍ، فَمَوْضِعُ الباءِ مَوْضِعُ نَصْبٍ، وهَكَذا سائِرُ حُرُوفِ الخَفْضِ. وأمّا الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ فَقَدْ أعْمَلُوها عَمَلَ لَيْسَ، وبِهِ قالَ البَصْرِيُّونَ والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في كُتُبِ النَّحْوِ بِشَواهِدِهِ وحُجَجِهِ، وإنَّما نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِأنَّهُ قَدْ بَرَزَ في صُورَةٍ قَدْ لَبِسَتْ مِنَ الجَمالِ البَدِيعِ ما لَمْ يُعْهَدْ عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ، ولا أبْصَرَ المُبْصِرُونَ ما يُقارِبُهُ في جَمِيعِ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، ثُمَّ لَمّا نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ أثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ وإنْ كُنَّ لا يَعْرِفْنَ المَلائِكَةَ لَكِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في الطِّباعِ أنَّهم عَلى شَكْلٍ فَوْقَ شَكْلِ البَشَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ، وأنَّهم فائِقُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، كَما تَقَرَّرَ أنَّ الشَّياطِينَ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّتُ وقَرَأ الحَسَنُ: ما هَذا بِشِراءٍ، عَلى أنَّ الباءَ حَرْفُ جَرٍّ، والشِّينَ مَكْسُورَةٌ: أيْ ما هَذا بِعَبْدٍ يُشْتَرى وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تُناسِبُ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِ النِّسْوَةِ هَذا أنَّ المَلائِكَةَ صُوَرُهم أحْسَنُ مِن صُوَرِ بَنِي آدَمَ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يَقُلْنَهُ لِدَلِيلٍ، بَلْ حَكَمْنَ عَلى الغَيْبِ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقادِ المُرْتَكِزِ في طِباعِهِنَّ وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِثْلَهُ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ في حُسْنِ تَقْوِيمِهِ وكَمالِ صُورَتِهِ، فَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ هو مِن جُمْلَةِ تَعَصُّباتِهِ لِما رَسَخَ في عَقْلِهِ مِن أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ: أعْنِي مَسْألَةَ المُفاضَلَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ لَيْسَتْ مِن مَسائِلِ الدِّينِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، فَما أغْنى عِبادَ اللَّهِ عَنْها وأحْوَجَهم إلى غَيْرِها مِن مَسائِلِ التَّكْلِيفِ. ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الإشارَةُ إلى يُوسُفَ، والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ: أيْ عَيَّرْتُنَّنِي فِيهِ. قالَتْ لَهُنَّ هَذا لَمّا رَأتِ افْتِتانَهُنَّ بِيُوسُفَ إظْهارًا لِعُذْرِ نَفْسِها، ومَعْنى فِيهِ: أيْ في حُبِّهِ، وقِيلَ الإشارَةُ (p-٦٩٤)إلى الحَبِّ، والضَّمِيرُ لَهُ أيْضًا، والمَعْنى: فَذَلِكَ الحُبُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ هو ذَلِكَ الحُبُّ، والأوَّلُ أوْلى. ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وأصْلُ اللَّوْمِ: الوَصْفُ بِالقَبِيحِ، ثُمَّ لَمّا أظْهَرَتْ عُذْرَ نَفْسِها عِنْدَ النِّسْوَةِ بِما شاهَدَتْهُ مِمّا وقَعْنَ فِيهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ ضاقَ صَدْرُها عَنْ كَتْمِ ما تَجِدُهُ في قَلْبِها مِن حُبِّهِ، فَأقَرَّتْ بِذَلِكَ وصَرَّحَتْ بِما وقَعَ مِنها مِنَ المُراوَدَةِ لَهُ، فَقالَتْ ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ أيِ اسْتَعَفَّ وامْتَنَعَ مِمّا أُرِيدُهُ طالِبًا لِعِصْمَةِ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَوَعَّدَتْهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما تُرِيدُهُ كاشِفَةً لِجِلْبابِ الحَياءِ هاتِكَةً لِسِتْرِ العَفافِ فَقالَتْ ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما قَدْ أمَرَتْهُ بِهِ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أنْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ لَيُسْجَنَنَّ: أيْ يُعْتَقَلُ في السِّجْنِ ولَيَكُونَنَّ مِنَ الصّاغِرِينَ الأذِلّاءِ لِما يَنالُهُ مِنَ الإهانَةِ، ويُسْلَبُ عَنْهُ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزَّةِ في زَعْمِها، قُرِئَ لَيَكُونَنَّ بِالتَّثْقِيلِ والتَّخْفِيفِ، قِيلَ والتَّخْفِيفُ أوْلى لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ ألِفًا عَلى حُكْمِ الوَقْفِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الخَفِيفَةِ، وأمّا ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ فَبِالتَّثْقِيلِ لا غَيْرَ، فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مَقالَها هَذا، وعَرَفَ أنَّها عَزْمَةٌ مِنها مَعَ ما قَدْ عَلِمَهُ مِن نَفاذِ قَوْلِها عِنْدَ زَوْجِها العَزِيزِ قالَ مُناجِيًا لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ. ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ أيْ يا رَبِّ السَّجْنُ الَّذِي أوْعَدَتْنِي هَذِهِ بِهِ ﴿أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن مُؤاتاتِها والوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَذْهَبُ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخَرِةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ دُخُولُ السِّجْنِ، فَحَذَفَ المُضافَ. وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ السَّجْنُ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ والأعْرَجُ ويَعْقُوبُ، وهو مَصْدَرُ سَجَنَهُ سَجْنًا، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، لِأنَّ النِّسْوَةَ رَغَّبْنَهُ في مُطاوَعَتِها وخَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها، ثُمَّ جَرى عَلى هَذا في نِسْبَةِ الكَيْدِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَقالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أمّا الكَيْدُ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَما قَدْ قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا كَيْدُ سائِرِ النِّسْوَةِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ لَهُ في المُطاوَعَةِ والتَّخْوِيفِ مِنَ المُخالَفَةِ وقِيلَ إنَّها كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ تَخْلُو بِهِ وحْدَها وتَقُولُ لَهُ: يا يُوسُفُ اقْضِ لِي حاجَتِي فَأنا خَيْرٌ لَكَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ خاطَبَ امْرَأةَ العَزِيزِ بِما يَصْلُحُ لِخِطابِ جَماعَةِ النِّساءِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ عُدُولًا عَنِ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْوِيضِ، والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ، وجَزْمُ أصْبُ إلَيْهِنَّ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ أمَلْ إلَيْهِنَّ، مِن صَبا يَصْبُو: إذا مالَ واشْتاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ وهِنْدٌ حُبُّها يُصْبِي ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أصْبُ: أيْ أكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ما يَحْرُمُ ارْتِكابُهُ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، أوْ مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الجُهّالِ. وقَوْلُهُ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ لَمّا قالَ: وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ كانَ ذَلِكَ مِنهُ تَعَرُّضًا لِلدُّعاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فالِاسْتِجابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ هي بِهَذا الِاعْتِبارِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ دُعاءٌ صادِقٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَطَفَ بِهِ وعَصَمَهُ عَنِ الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ، لِأنَّهُ إذا صَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِمّا رُمْنَهُ مِنهُ، ووَجْهُ إسْنادِ الكَيْدِ قَدْ تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن صَرْفِ كَيْدِ النِّسْوَةِ عَنْهُ: أيْ إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِدَعَواتِ الدّاعِينَ لَهُ: العَلِيمُ بِأحْوالِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قَدْ شَغَفَها قالَ: غَلَبَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَدْ شَغَفَها قالَ: قَتَلَها حُبُّ يُوسُفَ، الشَّغَفُ: الحُبُّ القاتِلُ، والشَّغَفُ: حَبٌّ دُونَ ذَلِكَ، والشَّغافُ: حِجابُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قَدْ شَغَفَها قالَ: قَدْ عَلَّقَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِحَدِيثِهِنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِعَمَلِهِنَّ، وكُلُّ مَكْرٍ في القُرْآنِ فَهو عَمَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: هَيَّأتْ لَهُنَّ مَجْلِسًا، وكانَ سُنَّتُهم إذا وضَعُوا المائِدَةَ أعْطَوْا كُلَّ إنْسانٍ سِكِّينًا يَأْكُلُ بِها فَلَمّا رَأيْنَهُ قالَ: فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ونَظَرْنَ إلَيْهِ، وأقْبَلْنَ يُحَزِّزْنَ أيْدِيَهُنَّ بِالسَّكاكِينِ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الطَّعامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: أعْطَتْهُنَّ أُتْرُنْجًا، وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا، فَلَمّا رَأيْنَ يُوسُفَ أكْبَرْنَهُ، وجَعَلْنَ يُقَطِّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الأُتْرُنْجَ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ المُتَّكَأُ: الأُتْرُنْجُ، وكانَ يَقْرَؤُها خَفِيفَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مُتَّكَئًا قالَ: طَعامًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ هو الأُتْرُنْجُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هو كُلُّ شَيْءٍ يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الوَزِيرِ بْنِ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ قالَ حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي يَقُولُ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: أمْنَيْنَ، وأنْشَدَ: ؎ولَمّا رَأتْهُ الخَيْلُ مِن رَأْسٍ شاهِقٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأمْنَيْنَ المَنِيَّ المُدَفَّقا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ حِضْنَ مِنَ الفَرَحِ وذَكَرَ قَوْلَ الشّاعِرِ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ: ؎نَأْتِي النِّساءَ لَدى أطْهارِهِنَّ. . . . البَيْتَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ قالَ: حَزًّا بِالسِّكِّينِ حَتّى ألْقَيْنَها " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " قالَ: مَعاذَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ (p-٦٩٥)فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: قُلْنَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ مِن حُسْنِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُنَبِّهٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: ماتَ مِنَ النِّسْوَةِ الَّتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأةً كَمَدًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ وأُمُّهُ شِطْرَ الحُسْنِ،» وقَدْ ورَدَتْ رِواياتٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في وصْفِ حُسْنِ يُوسُفَ، والمُبالِغَةِ في ذَلِكَ، فَفي بَعْضِها أنَّهُ أُعْطِيَ نِصْفَ الحُسْنِ، وفي بَعْضِها ثُلُثَهُ، وفي بَعْضِها ثُلُثَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فاسْتَعْصَمَ قالَ: امْتَنَعَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فاسْتَعْصَمَ قالَ: فاسْتَعْصى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ قالَ: إنْ لا تَكُنْ مِنكَ أنْتَ القُوى والمَنَعَةُ لا تَكُنْ مِنِّي ولا عِنْدِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ أصْبُ إلَيْهِنَّ قالَ: أتَّبِعْهُنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُطاوِعْهُنَّ.

يوسف 12:34

. يُقالُ نُسْوَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ والفَضْلِ وسُلَيْمانَ. ويُقالُ نِسْوَةٌ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الباقِينَ، والمُرادُ جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ، ويَجُوزُ التَّذْكِيرُ في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِنَّ كَما يَجُوزُ التَّأْنِيثُ. قِيلَ: وهُنَّ امْرَأةُ ساقِي العَزِيزِ وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دَوابِّهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، وامْرَأةُ حاجِبِهِ. والفَتى في كَلامِ العَرَبِ: الشّابُّ، والفَتاةُ: الشّابَّةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا: غُلامُها، يُقالُ فَتايَ وفَتاتِي: أيْ غُلامِي وجارِيَتِي. وجُمْلَةُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى شَغَفَها حُبًّا: غَلَبَها حُبُّهُ، وقِيلَ دَخَلَ حُبُّهُ في شِغافِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وشَغافُ القَلْبِ غِلافُهُ وهو جَلْدَةٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ هو وسَطَ القَلْبِ. وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: دَخَلَ حُبُّهُ إلى شَغافِها فَغَلَبَ عَلَيْهِ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎يَتْبَعُها وهي لَهُ شَغافٌ وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والحَسَنُ شَعَفَها بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْناهُ أجْرى حُبَّهُ عَلَيْها. وقَرَأ غَيْرُهم بِالمُعْجَمَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: شَعَفَهُ الحُبُّ أحْرَقَ قَلْبَهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: أمْرَضَهُ. قالَ النَّحّاسُ: مَعْناهُ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ: قَدْ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، لِأنَّ شِعافَ الجِبالِ: أعالِيها، وقَدْ شَغِفَ بِذَلِكَ شَغَفًا بِإسْكانِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ: إذا ولِعَ بِهِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أتَقْتُلُنِي مَن قَدْ شَغَفْتُ فُؤادَها ∗∗∗ كَما شَغَفَ المَهْنُوَّةَ الرَّجُلُ الطّالِي قالَ: فَشُبِّهَتْ لَوْعَةُ الحُبِّ بِذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ قَدْ شَغُفَها بِضَمِّ الغَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُكِيَ قَدْ شَغِفَها بِكَسْرِ الغَيْنِ، ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ إلّا شَغَفَها بِفَتْحِ الغَيْنِ، ويُقالُ إنَّ الشَّغافَ: الجِلْدَةُ اللّاصِقَةُ بِالكَبِدِ الَّتِي لا تُرى، وهي الجِلْدَةُ البَيْضاءُ، فَكَأنَّهُ لَصِقَ حُبُّهُ بِقَلْبِها كَلُصُوقِ الجِلْدَةِ بِالكَبِدِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والمَعْنى: إنّا لَنَراها: أيْ نَعْلَمُها في فِعْلِها هَذا، وهو المُراوَدَةُ لِفَتاها في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ مُبَيَّنٍ: واضِحٍ لا يَلْتَبِسُ عَلى مَن نَظَرَ فِيهِ. فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٣)العَزِيزِ بِمَكْرِهِنَّ أيْ بِغَيَبِهِنَّ إيّاها، سُمِّيَتِ الغِيبَةُ مَكْرًا لِاشْتِراكِهِما في الإخْفاءِ، وقِيلَ أرَدْنَ أنْ يَتَوَسَّلْنَ بِذَلِكَ إلى رُؤْيَةِ يُوسُفَ، فَلِهَذا سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ مَكْرًا، وقِيلَ إنَّها أسَرَّتْ عَلَيْهِنَّ فَأفْشَيْنَ سِرَّها فَسُمِّيَ بِذَلِكَ مَكْرًا أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ أيْ تَدْعُوهُنَّ إلَيْها لِيَنْظُرْنَ إلى يُوسُفَ حَتّى يَقَعْنَ فِيما وقَعَتْ فِيهِ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ هَيَّأتْ لَهُنَّ مُجالِسَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها، وأعْتَدَتْ مِنَ الِاعْتِدادِ، وهو كُلُّ ما جَعَلْتَهُ عُدَّةً لِشَيْءٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مُتْكًا مُخَفَّفًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، والمُتْكُ: هو الأُتْرُجُّ بِلُغَةِ القِبْطِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ وتَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ هو لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، وقِيلَ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ ماءُ الوَرْدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مُتَّكَأً بِالهَمْزِ والتَّشْدِيدِ، وأصَحُّ ما قِيلَ فِيهِ إنَّهُ المَجْلِسُ، وقِيلَ هو الطَّعامُ، وقِيلَ المُتَّكَأُ كُلُّ ما اتُّكِئَ عَلَيْهِ عِنْدَ طَعامٍ أوْ شَرابٍ أوْ حَدِيثٍ. وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ يُقالُ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ: أيْ أكَلْنا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَظَلَلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا ∗∗∗ وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَأْكُلْنَهُ بَعْدَ أنْ يُقَطِّعْنَهُ، والسِّكِّينُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والغالِبُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ، والمُرادُ مِن إعْطائِها لِكُلِّ واحِدَةٍ سِكِّينًا أنْ يُقَطِّعْنَ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الأطْعِمَةِ، ويُمْكِنُ أنَّها أرادَتْ بِذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِنهُنَّ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ وقالَتْ لِيُوسُفَ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ أيْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هُنَّ عَلَيْها مِنَ الِاتِّكاءِ والأكْلِ وتَقْطِيعِ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الطَّعامِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ أيْ عَظَّمْنَهُ، وقِيلَ أمْذَيْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رَأيْنَ الفَحْلَ مِن فَوْقِ قُلَّةٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأكْبَرْنَ المَنِيَّ المُقَطَّرا وقِيلَ حِضْنَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ، والهاءُ لِلسَّكْتِ، يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ: أيْ دَخَلَتْ في الكِبَرِ بِالحَيْضِ: وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ دَهَشًا وفَزَعًا لِما شاهَدْنَهُ مِن جَمالِهِ الفائِقِ، وحُسْنِهِ الرّائِقِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا وأنْكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أكْبَرْنَهُ ولا يُقالُ حِضْنَهُ، فَلَيْسَ الإكْبارُ بِمَعْنى الحَيْضِ. وأجابَ الأزْهَرِيُّ فَقالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هاءَ الوَقْفِ لا هاءَ الكِنايَةِ. وقَدْ زُيِّفَ هَذا بِأنَّ هاءَ الوَقْفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ الهاءَ كِنايَةٌ عَنْ مَصْدَرِ الفِعْلِ: أيْ أكْبَرْنَ إكْبارًا بِمَعْنى حِضْنَ حَيْضًا ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ جَرَحْنَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القَطْعُ الَّذِي تَبِينُ مِنهُ اليَدُ، بَلِ المُرادُ بِهِ الخَدْشُ والحَزُّ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ كَما قالَ النَّحّاسُ، يُقالُ قَطَعَ يَدَ صاحِبِهِ: إذا خَدَشَها، وقِيلَ المُرادُ بِأيْدِيَهُنَّ هُنا: أنامِلُهُنَّ، وقِيلَ أكْمامُهُنَّ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا خَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِنَّ أعْظَمْنَهُ ودُهِشْنَ وراعَهُنَّ حُسْنُهُ حَتّى اضْطَرَبَتْ أيْدِيهِنَّ فَوَقَعَ القَطْعُ عَلَيْها وهُنَّ في شُغْلٍ عَنْ ذَلِكَ بِما دَهَمَهُنَّ، مِمّا تَطِيشُ عِنْدَهُ الأحْلامُ وتَضْطَرِبُ لَهُ الأبْدانُ وتَزُولُ بِهِ العُقُولُ " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " كَذا قَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ بِإثْباتِ الألِفِ في حاشا. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها. وقَرَأ الحَسَنُ حاشْ لِلَّهِ بِإسْكانِ الشِّينِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ حاشْ لِلَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ حاشا لِلَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الحاشِيَةِ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، تَقُولُ كُنْتُ في حاشِيَةِ فُلانٍ. أيْ في ناحِيَتِهِ، فَقَوْلُكَ حاشا لِزَيْدٍ مِن هَذا: أيْ تَباعَدَ مِنهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِنَ المُحاشاةِ: وقِيلَ إنَّ حاشَ حَرْفٌ. وحاشا فِعْلٌ، وكَلامُ أهْلِ النَّحْوِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَعْرُوفٌ، ومَعْناها هُنا التَّنْزِيهُ كَما تَقُولُ: أسى القَوْمُ حاشا زَيْدًا، فَمَعْنى حاشا لِلَّهِ: بَراءَةٌ لِلَّهِ وتَنْزِيهٌ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ إعْمالُ ما عَمَلَ لَيْسَ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها نَزَلَ القُرْآنُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وأمّا بَنُو تَمِيمٍ فَلا يُعْمِلُونَها عَمَلَ لَيْسَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ ما هَذا بِبَشَرٍ، فَلَمّا حُذِفَتِ الباءُ انْتَصَبَ. قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ: إذا قُلْتُ مازَيْدٌ بِمُنْطَلِقٍ، فَمَوْضِعُ الباءِ مَوْضِعُ نَصْبٍ، وهَكَذا سائِرُ حُرُوفِ الخَفْضِ. وأمّا الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ فَقَدْ أعْمَلُوها عَمَلَ لَيْسَ، وبِهِ قالَ البَصْرِيُّونَ والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في كُتُبِ النَّحْوِ بِشَواهِدِهِ وحُجَجِهِ، وإنَّما نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِأنَّهُ قَدْ بَرَزَ في صُورَةٍ قَدْ لَبِسَتْ مِنَ الجَمالِ البَدِيعِ ما لَمْ يُعْهَدْ عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ، ولا أبْصَرَ المُبْصِرُونَ ما يُقارِبُهُ في جَمِيعِ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، ثُمَّ لَمّا نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ أثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ وإنْ كُنَّ لا يَعْرِفْنَ المَلائِكَةَ لَكِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في الطِّباعِ أنَّهم عَلى شَكْلٍ فَوْقَ شَكْلِ البَشَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ، وأنَّهم فائِقُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، كَما تَقَرَّرَ أنَّ الشَّياطِينَ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّتُ وقَرَأ الحَسَنُ: ما هَذا بِشِراءٍ، عَلى أنَّ الباءَ حَرْفُ جَرٍّ، والشِّينَ مَكْسُورَةٌ: أيْ ما هَذا بِعَبْدٍ يُشْتَرى وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تُناسِبُ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِ النِّسْوَةِ هَذا أنَّ المَلائِكَةَ صُوَرُهم أحْسَنُ مِن صُوَرِ بَنِي آدَمَ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يَقُلْنَهُ لِدَلِيلٍ، بَلْ حَكَمْنَ عَلى الغَيْبِ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقادِ المُرْتَكِزِ في طِباعِهِنَّ وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِثْلَهُ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ في حُسْنِ تَقْوِيمِهِ وكَمالِ صُورَتِهِ، فَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ هو مِن جُمْلَةِ تَعَصُّباتِهِ لِما رَسَخَ في عَقْلِهِ مِن أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ: أعْنِي مَسْألَةَ المُفاضَلَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ لَيْسَتْ مِن مَسائِلِ الدِّينِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، فَما أغْنى عِبادَ اللَّهِ عَنْها وأحْوَجَهم إلى غَيْرِها مِن مَسائِلِ التَّكْلِيفِ. ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الإشارَةُ إلى يُوسُفَ، والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ: أيْ عَيَّرْتُنَّنِي فِيهِ. قالَتْ لَهُنَّ هَذا لَمّا رَأتِ افْتِتانَهُنَّ بِيُوسُفَ إظْهارًا لِعُذْرِ نَفْسِها، ومَعْنى فِيهِ: أيْ في حُبِّهِ، وقِيلَ الإشارَةُ (p-٦٩٤)إلى الحَبِّ، والضَّمِيرُ لَهُ أيْضًا، والمَعْنى: فَذَلِكَ الحُبُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ هو ذَلِكَ الحُبُّ، والأوَّلُ أوْلى. ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وأصْلُ اللَّوْمِ: الوَصْفُ بِالقَبِيحِ، ثُمَّ لَمّا أظْهَرَتْ عُذْرَ نَفْسِها عِنْدَ النِّسْوَةِ بِما شاهَدَتْهُ مِمّا وقَعْنَ فِيهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ ضاقَ صَدْرُها عَنْ كَتْمِ ما تَجِدُهُ في قَلْبِها مِن حُبِّهِ، فَأقَرَّتْ بِذَلِكَ وصَرَّحَتْ بِما وقَعَ مِنها مِنَ المُراوَدَةِ لَهُ، فَقالَتْ ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ أيِ اسْتَعَفَّ وامْتَنَعَ مِمّا أُرِيدُهُ طالِبًا لِعِصْمَةِ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَوَعَّدَتْهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما تُرِيدُهُ كاشِفَةً لِجِلْبابِ الحَياءِ هاتِكَةً لِسِتْرِ العَفافِ فَقالَتْ ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما قَدْ أمَرَتْهُ بِهِ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أنْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ لَيُسْجَنَنَّ: أيْ يُعْتَقَلُ في السِّجْنِ ولَيَكُونَنَّ مِنَ الصّاغِرِينَ الأذِلّاءِ لِما يَنالُهُ مِنَ الإهانَةِ، ويُسْلَبُ عَنْهُ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزَّةِ في زَعْمِها، قُرِئَ لَيَكُونَنَّ بِالتَّثْقِيلِ والتَّخْفِيفِ، قِيلَ والتَّخْفِيفُ أوْلى لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ ألِفًا عَلى حُكْمِ الوَقْفِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الخَفِيفَةِ، وأمّا ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ فَبِالتَّثْقِيلِ لا غَيْرَ، فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مَقالَها هَذا، وعَرَفَ أنَّها عَزْمَةٌ مِنها مَعَ ما قَدْ عَلِمَهُ مِن نَفاذِ قَوْلِها عِنْدَ زَوْجِها العَزِيزِ قالَ مُناجِيًا لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ. ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ أيْ يا رَبِّ السَّجْنُ الَّذِي أوْعَدَتْنِي هَذِهِ بِهِ ﴿أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن مُؤاتاتِها والوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَذْهَبُ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخَرِةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ دُخُولُ السِّجْنِ، فَحَذَفَ المُضافَ. وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ السَّجْنُ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ والأعْرَجُ ويَعْقُوبُ، وهو مَصْدَرُ سَجَنَهُ سَجْنًا، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، لِأنَّ النِّسْوَةَ رَغَّبْنَهُ في مُطاوَعَتِها وخَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها، ثُمَّ جَرى عَلى هَذا في نِسْبَةِ الكَيْدِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَقالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أمّا الكَيْدُ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَما قَدْ قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا كَيْدُ سائِرِ النِّسْوَةِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ لَهُ في المُطاوَعَةِ والتَّخْوِيفِ مِنَ المُخالَفَةِ وقِيلَ إنَّها كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ تَخْلُو بِهِ وحْدَها وتَقُولُ لَهُ: يا يُوسُفُ اقْضِ لِي حاجَتِي فَأنا خَيْرٌ لَكَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ خاطَبَ امْرَأةَ العَزِيزِ بِما يَصْلُحُ لِخِطابِ جَماعَةِ النِّساءِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ عُدُولًا عَنِ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْوِيضِ، والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ، وجَزْمُ أصْبُ إلَيْهِنَّ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ أمَلْ إلَيْهِنَّ، مِن صَبا يَصْبُو: إذا مالَ واشْتاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ وهِنْدٌ حُبُّها يُصْبِي ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أصْبُ: أيْ أكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ما يَحْرُمُ ارْتِكابُهُ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، أوْ مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الجُهّالِ. وقَوْلُهُ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ لَمّا قالَ: وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ كانَ ذَلِكَ مِنهُ تَعَرُّضًا لِلدُّعاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فالِاسْتِجابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ هي بِهَذا الِاعْتِبارِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ دُعاءٌ صادِقٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَطَفَ بِهِ وعَصَمَهُ عَنِ الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ، لِأنَّهُ إذا صَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِمّا رُمْنَهُ مِنهُ، ووَجْهُ إسْنادِ الكَيْدِ قَدْ تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن صَرْفِ كَيْدِ النِّسْوَةِ عَنْهُ: أيْ إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِدَعَواتِ الدّاعِينَ لَهُ: العَلِيمُ بِأحْوالِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قَدْ شَغَفَها قالَ: غَلَبَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَدْ شَغَفَها قالَ: قَتَلَها حُبُّ يُوسُفَ، الشَّغَفُ: الحُبُّ القاتِلُ، والشَّغَفُ: حَبٌّ دُونَ ذَلِكَ، والشَّغافُ: حِجابُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قَدْ شَغَفَها قالَ: قَدْ عَلَّقَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِحَدِيثِهِنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِعَمَلِهِنَّ، وكُلُّ مَكْرٍ في القُرْآنِ فَهو عَمَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: هَيَّأتْ لَهُنَّ مَجْلِسًا، وكانَ سُنَّتُهم إذا وضَعُوا المائِدَةَ أعْطَوْا كُلَّ إنْسانٍ سِكِّينًا يَأْكُلُ بِها فَلَمّا رَأيْنَهُ قالَ: فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ونَظَرْنَ إلَيْهِ، وأقْبَلْنَ يُحَزِّزْنَ أيْدِيَهُنَّ بِالسَّكاكِينِ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الطَّعامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: أعْطَتْهُنَّ أُتْرُنْجًا، وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا، فَلَمّا رَأيْنَ يُوسُفَ أكْبَرْنَهُ، وجَعَلْنَ يُقَطِّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الأُتْرُنْجَ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ المُتَّكَأُ: الأُتْرُنْجُ، وكانَ يَقْرَؤُها خَفِيفَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مُتَّكَئًا قالَ: طَعامًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ هو الأُتْرُنْجُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هو كُلُّ شَيْءٍ يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الوَزِيرِ بْنِ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ قالَ حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي يَقُولُ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: أمْنَيْنَ، وأنْشَدَ: ؎ولَمّا رَأتْهُ الخَيْلُ مِن رَأْسٍ شاهِقٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأمْنَيْنَ المَنِيَّ المُدَفَّقا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ حِضْنَ مِنَ الفَرَحِ وذَكَرَ قَوْلَ الشّاعِرِ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ: ؎نَأْتِي النِّساءَ لَدى أطْهارِهِنَّ. . . . البَيْتَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ قالَ: حَزًّا بِالسِّكِّينِ حَتّى ألْقَيْنَها " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " قالَ: مَعاذَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ (p-٦٩٥)فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: قُلْنَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ مِن حُسْنِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُنَبِّهٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: ماتَ مِنَ النِّسْوَةِ الَّتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأةً كَمَدًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ وأُمُّهُ شِطْرَ الحُسْنِ،» وقَدْ ورَدَتْ رِواياتٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في وصْفِ حُسْنِ يُوسُفَ، والمُبالِغَةِ في ذَلِكَ، فَفي بَعْضِها أنَّهُ أُعْطِيَ نِصْفَ الحُسْنِ، وفي بَعْضِها ثُلُثَهُ، وفي بَعْضِها ثُلُثَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فاسْتَعْصَمَ قالَ: امْتَنَعَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فاسْتَعْصَمَ قالَ: فاسْتَعْصى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ قالَ: إنْ لا تَكُنْ مِنكَ أنْتَ القُوى والمَنَعَةُ لا تَكُنْ مِنِّي ولا عِنْدِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ أصْبُ إلَيْهِنَّ قالَ: أتَّبِعْهُنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُطاوِعْهُنَّ.

يوسف 12:35

. يُقالُ نُسْوَةٌ بِضَمِّ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ والفَضْلِ وسُلَيْمانَ. ويُقالُ نِسْوَةٌ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي قِراءَةُ الباقِينَ، والمُرادُ جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ، ويَجُوزُ التَّذْكِيرُ في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِنَّ كَما يَجُوزُ التَّأْنِيثُ. قِيلَ: وهُنَّ امْرَأةُ ساقِي العَزِيزِ وامْرَأةُ خَبّازِهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ دَوابِّهِ، وامْرَأةُ صاحِبِ سِجْنِهِ، وامْرَأةُ حاجِبِهِ. والفَتى في كَلامِ العَرَبِ: الشّابُّ، والفَتاةُ: الشّابَّةُ، والمُرادُ بِهِ هُنا: غُلامُها، يُقالُ فَتايَ وفَتاتِي: أيْ غُلامِي وجارِيَتِي. وجُمْلَةُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَعْنى شَغَفَها حُبًّا: غَلَبَها حُبُّهُ، وقِيلَ دَخَلَ حُبُّهُ في شِغافِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وشَغافُ القَلْبِ غِلافُهُ وهو جَلْدَةٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ هو وسَطَ القَلْبِ. وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: دَخَلَ حُبُّهُ إلى شَغافِها فَغَلَبَ عَلَيْهِ، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎يَتْبَعُها وهي لَهُ شَغافٌ وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والحَسَنُ شَعَفَها بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مَعْناهُ أجْرى حُبَّهُ عَلَيْها. وقَرَأ غَيْرُهم بِالمُعْجَمَةِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: شَعَفَهُ الحُبُّ أحْرَقَ قَلْبَهُ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: أمْرَضَهُ. قالَ النَّحّاسُ: مَعْناهُ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ: قَدْ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، لِأنَّ شِعافَ الجِبالِ: أعالِيها، وقَدْ شَغِفَ بِذَلِكَ شَغَفًا بِإسْكانِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ: إذا ولِعَ بِهِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ: ؎أتَقْتُلُنِي مَن قَدْ شَغَفْتُ فُؤادَها ∗∗∗ كَما شَغَفَ المَهْنُوَّةَ الرَّجُلُ الطّالِي قالَ: فَشُبِّهَتْ لَوْعَةُ الحُبِّ بِذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ قَدْ شَغُفَها بِضَمِّ الغَيْنِ. قالَ النَّحّاسُ: وحُكِيَ قَدْ شَغِفَها بِكَسْرِ الغَيْنِ، ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ إلّا شَغَفَها بِفَتْحِ الغَيْنِ، ويُقالُ إنَّ الشَّغافَ: الجِلْدَةُ اللّاصِقَةُ بِالكَبِدِ الَّتِي لا تُرى، وهي الجِلْدَةُ البَيْضاءُ، فَكَأنَّهُ لَصِقَ حُبُّهُ بِقَلْبِها كَلُصُوقِ الجِلْدَةِ بِالكَبِدِ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. والمَعْنى: إنّا لَنَراها: أيْ نَعْلَمُها في فِعْلِها هَذا، وهو المُراوَدَةُ لِفَتاها في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ والصَّوابِ مُبَيَّنٍ: واضِحٍ لا يَلْتَبِسُ عَلى مَن نَظَرَ فِيهِ. فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٣)العَزِيزِ بِمَكْرِهِنَّ أيْ بِغَيَبِهِنَّ إيّاها، سُمِّيَتِ الغِيبَةُ مَكْرًا لِاشْتِراكِهِما في الإخْفاءِ، وقِيلَ أرَدْنَ أنْ يَتَوَسَّلْنَ بِذَلِكَ إلى رُؤْيَةِ يُوسُفَ، فَلِهَذا سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ مَكْرًا، وقِيلَ إنَّها أسَرَّتْ عَلَيْهِنَّ فَأفْشَيْنَ سِرَّها فَسُمِّيَ بِذَلِكَ مَكْرًا أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ أيْ تَدْعُوهُنَّ إلَيْها لِيَنْظُرْنَ إلى يُوسُفَ حَتّى يَقَعْنَ فِيما وقَعَتْ فِيهِ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ هَيَّأتْ لَهُنَّ مُجالِسَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها، وأعْتَدَتْ مِنَ الِاعْتِدادِ، وهو كُلُّ ما جَعَلْتَهُ عُدَّةً لِشَيْءٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مُتْكًا مُخَفَّفًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، والمُتْكُ: هو الأُتْرُجُّ بِلُغَةِ القِبْطِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَشْرَبُ الإثْمَ بِالصُّواعِ جِهارًا ∗∗∗ وتَرى المُتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ هو لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ، وقِيلَ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ ماءُ الوَرْدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مُتَّكَأً بِالهَمْزِ والتَّشْدِيدِ، وأصَحُّ ما قِيلَ فِيهِ إنَّهُ المَجْلِسُ، وقِيلَ هو الطَّعامُ، وقِيلَ المُتَّكَأُ كُلُّ ما اتُّكِئَ عَلَيْهِ عِنْدَ طَعامٍ أوْ شَرابٍ أوْ حَدِيثٍ. وحَكى القُتَيْبِيُّ أنَّهُ يُقالُ اتَّكَأْنا عِنْدَ فُلانٍ: أيْ أكَلْنا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَظَلَلْنا بِنِعْمَةٍ واتَّكَأْنا ∗∗∗ وشَرِبْنا الحَلالَ مِن قُلَلِهْ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ يَأْكُلْنَهُ بَعْدَ أنْ يُقَطِّعْنَهُ، والسِّكِّينُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والغالِبُ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ، والمُرادُ مِن إعْطائِها لِكُلِّ واحِدَةٍ سِكِّينًا أنْ يُقَطِّعْنَ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الأطْعِمَةِ، ويُمْكِنُ أنَّها أرادَتْ بِذَلِكَ ما سَيَقَعُ مِنهُنَّ مِن تَقْطِيعِ أيْدِيهِنَّ وقالَتْ لِيُوسُفَ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ أيْ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هُنَّ عَلَيْها مِنَ الِاتِّكاءِ والأكْلِ وتَقْطِيعِ ما يَحْتاجُ إلى التَّقْطِيعِ مِنَ الطَّعامِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ أيْ عَظَّمْنَهُ، وقِيلَ أمْذَيْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا ما رَأيْنَ الفَحْلَ مِن فَوْقِ قُلَّةٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأكْبَرْنَ المَنِيَّ المُقَطَّرا وقِيلَ حِضْنَ. قالَ الأزْهَرِيُّ: أكْبَرْنَ بِمَعْنى حِضْنَ، والهاءُ لِلسَّكْتِ، يُقالُ أكْبَرَتِ المَرْأةُ: أيْ دَخَلَتْ في الكِبَرِ بِالحَيْضِ: وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ دَهَشًا وفَزَعًا لِما شاهَدْنَهُ مِن جَمالِهِ الفائِقِ، وحُسْنِهِ الرّائِقِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا ∗∗∗ نَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا وأنْكَرَ ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ وقالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أكْبَرْنَهُ ولا يُقالُ حِضْنَهُ، فَلَيْسَ الإكْبارُ بِمَعْنى الحَيْضِ. وأجابَ الأزْهَرِيُّ فَقالَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هاءَ الوَقْفِ لا هاءَ الكِنايَةِ. وقَدْ زُيِّفَ هَذا بِأنَّ هاءَ الوَقْفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ الهاءَ كِنايَةٌ عَنْ مَصْدَرِ الفِعْلِ: أيْ أكْبَرْنَ إكْبارًا بِمَعْنى حِضْنَ حَيْضًا ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ جَرَحْنَها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القَطْعُ الَّذِي تَبِينُ مِنهُ اليَدُ، بَلِ المُرادُ بِهِ الخَدْشُ والحَزُّ، وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ كَما قالَ النَّحّاسُ، يُقالُ قَطَعَ يَدَ صاحِبِهِ: إذا خَدَشَها، وقِيلَ المُرادُ بِأيْدِيَهُنَّ هُنا: أنامِلُهُنَّ، وقِيلَ أكْمامُهُنَّ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا خَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِنَّ أعْظَمْنَهُ ودُهِشْنَ وراعَهُنَّ حُسْنُهُ حَتّى اضْطَرَبَتْ أيْدِيهِنَّ فَوَقَعَ القَطْعُ عَلَيْها وهُنَّ في شُغْلٍ عَنْ ذَلِكَ بِما دَهَمَهُنَّ، مِمّا تَطِيشُ عِنْدَهُ الأحْلامُ وتَضْطَرِبُ لَهُ الأبْدانُ وتَزُولُ بِهِ العُقُولُ " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " كَذا قَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ بِإثْباتِ الألِفِ في حاشا. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها. وقَرَأ الحَسَنُ حاشْ لِلَّهِ بِإسْكانِ الشِّينِ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ حاشْ لِلَّهِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ حاشا لِلَّهِ. قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الحاشِيَةِ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، تَقُولُ كُنْتُ في حاشِيَةِ فُلانٍ. أيْ في ناحِيَتِهِ، فَقَوْلُكَ حاشا لِزَيْدٍ مِن هَذا: أيْ تَباعَدَ مِنهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِنَ المُحاشاةِ: وقِيلَ إنَّ حاشَ حَرْفٌ. وحاشا فِعْلٌ، وكَلامُ أهْلِ النَّحْوِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَعْرُوفٌ، ومَعْناها هُنا التَّنْزِيهُ كَما تَقُولُ: أسى القَوْمُ حاشا زَيْدًا، فَمَعْنى حاشا لِلَّهِ: بَراءَةٌ لِلَّهِ وتَنْزِيهٌ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ إعْمالُ ما عَمَلَ لَيْسَ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها نَزَلَ القُرْآنُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وأمّا بَنُو تَمِيمٍ فَلا يُعْمِلُونَها عَمَلَ لَيْسَ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ ما هَذا بِبَشَرٍ، فَلَمّا حُذِفَتِ الباءُ انْتَصَبَ. قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ: إذا قُلْتُ مازَيْدٌ بِمُنْطَلِقٍ، فَمَوْضِعُ الباءِ مَوْضِعُ نَصْبٍ، وهَكَذا سائِرُ حُرُوفِ الخَفْضِ. وأمّا الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وجُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ فَقَدْ أعْمَلُوها عَمَلَ لَيْسَ، وبِهِ قالَ البَصْرِيُّونَ والبَحْثُ مُقَرَّرٌ في كُتُبِ النَّحْوِ بِشَواهِدِهِ وحُجَجِهِ، وإنَّما نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِأنَّهُ قَدْ بَرَزَ في صُورَةٍ قَدْ لَبِسَتْ مِنَ الجَمالِ البَدِيعِ ما لَمْ يُعْهَدْ عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ، ولا أبْصَرَ المُبْصِرُونَ ما يُقارِبُهُ في جَمِيعِ الصُّوَرِ البَشَرِيَّةِ، ثُمَّ لَمّا نَفَيْنَ عَنْهُ البَشَرِيَّةَ لِهَذِهِ العِلَّةِ أثْبَتْنَ لَهُ المَلَكِيَّةَ وإنْ كُنَّ لا يَعْرِفْنَ المَلائِكَةَ لَكِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في الطِّباعِ أنَّهم عَلى شَكْلٍ فَوْقَ شَكْلِ البَشَرِ في الذّاتِ والصِّفاتِ، وأنَّهم فائِقُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، كَما تَقَرَّرَ أنَّ الشَّياطِينَ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّتُ وقَرَأ الحَسَنُ: ما هَذا بِشِراءٍ، عَلى أنَّ الباءَ حَرْفُ جَرٍّ، والشِّينَ مَكْسُورَةٌ: أيْ ما هَذا بِعَبْدٍ يُشْتَرى وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تُناسِبُ ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِ النِّسْوَةِ هَذا أنَّ المَلائِكَةَ صُوَرُهم أحْسَنُ مِن صُوَرِ بَنِي آدَمَ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يَقُلْنَهُ لِدَلِيلٍ، بَلْ حَكَمْنَ عَلى الغَيْبِ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقادِ المُرْتَكِزِ في طِباعِهِنَّ وذَلِكَ مَمْنُوعٌ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] . وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِثْلَهُ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ في حُسْنِ تَقْوِيمِهِ وكَمالِ صُورَتِهِ، فَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في هَذا المَقامِ هو مِن جُمْلَةِ تَعَصُّباتِهِ لِما رَسَخَ في عَقْلِهِ مِن أقْوالِ المُعْتَزِلَةِ، عَلى أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ: أعْنِي مَسْألَةَ المُفاضَلَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ والبَشَرِ لَيْسَتْ مِن مَسائِلِ الدِّينِ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ، فَما أغْنى عِبادَ اللَّهِ عَنْها وأحْوَجَهم إلى غَيْرِها مِن مَسائِلِ التَّكْلِيفِ. ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ الإشارَةُ إلى يُوسُفَ، والخِطابُ لِلنِّسْوَةِ: أيْ عَيَّرْتُنَّنِي فِيهِ. قالَتْ لَهُنَّ هَذا لَمّا رَأتِ افْتِتانَهُنَّ بِيُوسُفَ إظْهارًا لِعُذْرِ نَفْسِها، ومَعْنى فِيهِ: أيْ في حُبِّهِ، وقِيلَ الإشارَةُ (p-٦٩٤)إلى الحَبِّ، والضَّمِيرُ لَهُ أيْضًا، والمَعْنى: فَذَلِكَ الحُبُّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ هو ذَلِكَ الحُبُّ، والأوَّلُ أوْلى. ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وأصْلُ اللَّوْمِ: الوَصْفُ بِالقَبِيحِ، ثُمَّ لَمّا أظْهَرَتْ عُذْرَ نَفْسِها عِنْدَ النِّسْوَةِ بِما شاهَدَتْهُ مِمّا وقَعْنَ فِيهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ ضاقَ صَدْرُها عَنْ كَتْمِ ما تَجِدُهُ في قَلْبِها مِن حُبِّهِ، فَأقَرَّتْ بِذَلِكَ وصَرَّحَتْ بِما وقَعَ مِنها مِنَ المُراوَدَةِ لَهُ، فَقالَتْ ﴿ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ أيِ اسْتَعَفَّ وامْتَنَعَ مِمّا أُرِيدُهُ طالِبًا لِعِصْمَةِ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَوَعَّدَتْهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما تُرِيدُهُ كاشِفَةً لِجِلْبابِ الحَياءِ هاتِكَةً لِسِتْرِ العَفافِ فَقالَتْ ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما قَدْ أمَرَتْهُ بِهِ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ أنْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ لَيُسْجَنَنَّ: أيْ يُعْتَقَلُ في السِّجْنِ ولَيَكُونَنَّ مِنَ الصّاغِرِينَ الأذِلّاءِ لِما يَنالُهُ مِنَ الإهانَةِ، ويُسْلَبُ عَنْهُ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزَّةِ في زَعْمِها، قُرِئَ لَيَكُونَنَّ بِالتَّثْقِيلِ والتَّخْفِيفِ، قِيلَ والتَّخْفِيفُ أوْلى لِأنَّ النُّونَ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ ألِفًا عَلى حُكْمِ الوَقْفِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في الخَفِيفَةِ، وأمّا ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ فَبِالتَّثْقِيلِ لا غَيْرَ، فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مَقالَها هَذا، وعَرَفَ أنَّها عَزْمَةٌ مِنها مَعَ ما قَدْ عَلِمَهُ مِن نَفاذِ قَوْلِها عِنْدَ زَوْجِها العَزِيزِ قالَ مُناجِيًا لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ. ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ أيْ يا رَبِّ السَّجْنُ الَّذِي أوْعَدَتْنِي هَذِهِ بِهِ ﴿أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ مِن مُؤاتاتِها والوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَذْهَبُ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخَرِةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ دُخُولُ السِّجْنِ، فَحَذَفَ المُضافَ. وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأ السَّجْنُ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ كَذَلِكَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ والأعْرَجُ ويَعْقُوبُ، وهو مَصْدَرُ سَجَنَهُ سَجْنًا، وإسْنادُ الدَّعْوَةِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، لِأنَّ النِّسْوَةَ رَغَّبْنَهُ في مُطاوَعَتِها وخَوَّفْنَهُ مِن مُخالَفَتِها، ثُمَّ جَرى عَلى هَذا في نِسْبَةِ الكَيْدِ إلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَقالَ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أمّا الكَيْدُ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَما قَدْ قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا كَيْدُ سائِرِ النِّسْوَةِ فَهو ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ لَهُ في المُطاوَعَةِ والتَّخْوِيفِ مِنَ المُخالَفَةِ وقِيلَ إنَّها كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ تَخْلُو بِهِ وحْدَها وتَقُولُ لَهُ: يا يُوسُفُ اقْضِ لِي حاجَتِي فَأنا خَيْرٌ لَكَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ خاطَبَ امْرَأةَ العَزِيزِ بِما يَصْلُحُ لِخِطابِ جَماعَةِ النِّساءِ تَعْظِيمًا لَها، أوْ عُدُولًا عَنِ التَّصْرِيحِ إلى التَّعْوِيضِ، والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ، وجَزْمُ أصْبُ إلَيْهِنَّ عَلى أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ: أيْ أمَلْ إلَيْهِنَّ، مِن صَبا يَصْبُو: إذا مالَ واشْتاقَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إلى هِنْدٍ صَبا قَلْبِي ∗∗∗ وهِنْدٌ حُبُّها يُصْبِي ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أصْبُ: أيْ أكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ما يَحْرُمُ ارْتِكابُهُ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، أوْ مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الجُهّالِ. وقَوْلُهُ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ لَمّا قالَ: وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ كانَ ذَلِكَ مِنهُ تَعَرُّضًا لِلدُّعاءِ، وكَأنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ اصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، فالِاسْتِجابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ هي بِهَذا الِاعْتِبارِ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ دُعاءٌ صادِقٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: أنَّهُ لَطَفَ بِهِ وعَصَمَهُ عَنِ الوُقُوعِ في المَعْصِيَةِ، لِأنَّهُ إذا صَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِمّا رُمْنَهُ مِنهُ، ووَجْهُ إسْنادِ الكَيْدِ قَدْ تَقَدَّمَ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِن صَرْفِ كَيْدِ النِّسْوَةِ عَنْهُ: أيْ إنَّهُ هو السَّمِيعُ لِدَعَواتِ الدّاعِينَ لَهُ: العَلِيمُ بِأحْوالِ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قَدْ شَغَفَها قالَ: غَلَبَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَدْ شَغَفَها قالَ: قَتَلَها حُبُّ يُوسُفَ، الشَّغَفُ: الحُبُّ القاتِلُ، والشَّغَفُ: حَبٌّ دُونَ ذَلِكَ، والشَّغافُ: حِجابُ القَلْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قَدْ شَغَفَها قالَ: قَدْ عَلَّقَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِحَدِيثِهِنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قالَ: بِعَمَلِهِنَّ، وكُلُّ مَكْرٍ في القُرْآنِ فَهو عَمَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: هَيَّأتْ لَهُنَّ مَجْلِسًا، وكانَ سُنَّتُهم إذا وضَعُوا المائِدَةَ أعْطَوْا كُلَّ إنْسانٍ سِكِّينًا يَأْكُلُ بِها فَلَمّا رَأيْنَهُ قالَ: فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ونَظَرْنَ إلَيْهِ، وأقْبَلْنَ يُحَزِّزْنَ أيْدِيَهُنَّ بِالسَّكاكِينِ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الطَّعامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ قالَ: أعْطَتْهُنَّ أُتْرُنْجًا، وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا، فَلَمّا رَأيْنَ يُوسُفَ أكْبَرْنَهُ، وجَعَلْنَ يُقَطِّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وهُنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يُقَطِّعْنَ الأُتْرُنْجَ. وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ المُتَّكَأُ: الأُتْرُنْجُ، وكانَ يَقْرَؤُها خَفِيفَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ مُتَّكَئًا قالَ: طَعامًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ هو الأُتْرُنْجُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هو كُلُّ شَيْءٍ يُقْطَعُ بِالسِّكِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الوَزِيرِ بْنِ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ قالَ حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي يَقُولُ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: أمْنَيْنَ، وأنْشَدَ: ؎ولَمّا رَأتْهُ الخَيْلُ مِن رَأْسٍ شاهِقٍ ∗∗∗ صَهَلْنَ وأمْنَيْنَ المَنِيَّ المُدَفَّقا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَ عَلَيْهِنَّ يُوسُفُ حِضْنَ مِنَ الفَرَحِ وذَكَرَ قَوْلَ الشّاعِرِ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ: ؎نَأْتِي النِّساءَ لَدى أطْهارِهِنَّ. . . . البَيْتَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: أكْبَرْنَهُ قالَ: أعْظَمْنَهُ ﴿وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ قالَ: حَزًّا بِالسِّكِّينِ حَتّى ألْقَيْنَها " وقُلْنَ حاشا لِلَّهِ " قالَ: مَعاذَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ (p-٦٩٥)فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: قُلْنَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ مِن حُسْنِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُنَبِّهٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: ماتَ مِنَ النِّسْوَةِ الَّتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأةً كَمَدًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُعْطِيَ يُوسُفُ وأُمُّهُ شِطْرَ الحُسْنِ،» وقَدْ ورَدَتْ رِواياتٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ في وصْفِ حُسْنِ يُوسُفَ، والمُبالِغَةِ في ذَلِكَ، فَفي بَعْضِها أنَّهُ أُعْطِيَ نِصْفَ الحُسْنِ، وفي بَعْضِها ثُلُثَهُ، وفي بَعْضِها ثُلُثَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فاسْتَعْصَمَ قالَ: امْتَنَعَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فاسْتَعْصَمَ قالَ: فاسْتَعْصى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ قالَ: إنْ لا تَكُنْ مِنكَ أنْتَ القُوى والمَنَعَةُ لا تَكُنْ مِنِّي ولا عِنْدِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ أصْبُ إلَيْهِنَّ قالَ: أتَّبِعْهُنَّ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُطاوِعْهُنَّ.

يوسف 12:36

. مَعْنى: بَدا لَهم ظَهَرَ لَهم، والضَّمِيرُ لِلْعَزِيزِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ الأمْرَ مَعَهُ ويُشِيرُونَ عَلَيْهِ، وأمّا فاعِلُ بَدا لَهم فَقالَ سِيبَوَيْهِ هو لَيَسْجُنُنَّهُ: أيْ ظَهَرَ لَهم أنْ يَسْجُنُوهُ. قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ الفاعِلَ لا يَكُونُ جُمْلَةً، ولَكِنَّ الفاعِلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ بَدا وهو المَصْدَرُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وحَقَّ لِمَن أبُو مُوسى أبُوهُ يُوَفِّقُهُ الَّذِي نَصَبَ الجِبالا أيْ وحَقَّ الحَقُّ فَحَذَفَ الفاعِلَ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ: وقِيلَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ هو رَأى: أيْ وظَهَرَ لَهم رَأْيٌ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن قَبْلُ، وهَذا الفاعِلُ حُذِفَ لِدَلالَةِ لَيَسْجُنُنَّهُ عَلَيْهِ، واللّامُ في لَيَسْجُنُنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ظَهَرَ لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ قائِلِينَ واللَّهِ لَيَسْجُنُنَّهُ. وقُرِئَ لَتَسْجُنُنَّهُ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، إمّا لِلْعَزِيزِ ومَن مَعَهُ، أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ، والآياتِ قِيلَ هي القَمِيصُ وشَهادَةُ الشّاهِدِ وقَطْعُ الأيْدِي، وقِيلَ هي البَرَكاتُ الَّتِي فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وُصُولِ يُوسُفَ إلَيْهِمْ ولَمْ يُجْدِ ذَلِكَ فِيهِمْ بَلْ كانَتِ امْرَأتُهُ هي الغالِبَةُ عَلى رَأْيِهِ الفاعِلَةُ لِما يُطابِقُ هَواها في يُوسُفَ، وإنْفاذُ ما تَقَدَّمَ مِنها مِنَ الوَعِيدِ لَهُ بِقَوْلِها ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] قِيلَ وسَبَبُ ظُهُورِ هَذا الرَّأْيِ لَهم في سَجْنِ يُوسُفَ أنَّهم أرادُوا سَتْرَ القالَةِ وكَتْمَ ما شاعَ في النّاسِ مِن قِصَّةِ امْرَأةِ العَزِيزِ مَعَهُ، وقِيلَ إنَّ العَزِيزَ قَصَدَ بِسَجْنِهِ الحَيْلُولَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ لَمّا عَلِمَ أنَّها قَدْ صارَتْ بِمَكانٍ مِن حُبِّهِ لا تُبالِي مَعَهُ بِحَمْلِ نَفْسِها عَلَيْهِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ، ومَعْنى قَوْلِهِ حَتّى حِينٍ إلى مُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ كَما قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ إلى انْقِطاعِ ما شاعَ في المَدِينَةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إلى سَبْعِ سِنِينَ، وقِيلَ إلى خَمْسٍ، وقِيلَ إلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ الكَلامُ في تَفْسِيرِ الحِينِ، وحَتّى بِمَعْنى إلى. قَوْلُهُ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: وبَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُ الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ فَسَجَنُوهُ، ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، ومَعَ لِلْمُصاحَبَةِ، وفَتَيانِ تَثْنِيَةُ فَتًى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما عَبْدانِ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفَتى اسْمًا لِلْخادِمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ أحَدَهُما خَبّازُ المَلِكِ، والآخَرَ ساقِيهِ، وقَدْ كانا وضَعا لِلْمَلِكِ سُمًّا لَمّا ضَمِنَ لَهُما أهْلُ مِصْرَ مالًا في مُقابَلَةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ السّاقِيَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وقالَ لِلْمَلِكِ: لا تَأْكُلِ الطَّعامَ فَإنَّهُ مَسْمُومٌ، وقالَ الخَبّازُ: لا تَشْرَبْ فَإنَّ الشَّرابَ مَسْمُومٌ، فَقالَ المَلِكُ لِلسّاقِي: اشْرَبْ فَشَرِبَ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وقالَ لِلْخَبّازِ كُلْ فَأبى، فَجَرَّبَ الطَّعامَ عَلى حَيَوانٍ فَهَلَكَ مَكانَهُ فَحَبَسَهُما، وكانَ دُخُولُهُما السِّجْنَ مَعَ دُخُولِ يُوسُفَ، وقِيلَ قَبْلَهُ، وقِيلَ بَعْدَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُما سَألا يُوسُفَ عَنْ عِلْمِهِ فَقالَ: إنِّي أعْبُرُ الرُّؤْيا، فَسَألاهُ عَنْ رُؤْياهُما كَما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ رَأيْتُنِي، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. والمَعْنى: إنِّي أرانِي أعْصِرُ عِنَبًا، فَسَمّاهُ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ مِنَ العَصْرِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أعْصِرُ عِنَبًا، قالَ الأصْمَعِيُّ: أخْبَرَنِي المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّهُ لَقِيَ أعْرابِيًّا ومَعَهُ عِنَبٌ، فَقالَ لَهُ: ما مَعَكَ ؟ فَقالَ خَمْرٌ. وقِيلَ مَعْنى أعْصِرُ خَمْرًا. أيْ عِنَبَ خَمْرٍ، فَهو عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهَذا الَّذِي رَأى هَذِهِ الرُّؤْيا هو السّاقِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ، وكَذَلِكَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها وهي ﴿وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ ثُمَّ وصَفَ الخُبْزَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ وهَذا الرّائِي لِهَذِهِ الرُّؤْيا هو الخَبّازُ، ثُمَّ قالا لِيُوسُفَ جَمِيعًا بَعْدَ أنْ قَصّا رُؤْياهُما عَلَيْهِ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْناهُ عَلَيْكَ مِن مَجْمُوعِ المَرْئَيَيْنِ، أوْ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ لَكَ مِن كَلامِنا، وقِيلَ إنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قالَ لَهُ ذَلِكَ عَقِبَ قَصِّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى ما رَآهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِتَأْوِيلِهِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ، والتَّقْدِيرُ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ (p-٦٩٦)أيْ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا وكَذا قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى مِنَ المُحْسِنِينَ مِنَ العالِمِينَ الَّذِينَ أحْسَنُوا العِلْمَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا إنْ فَسَّرْتَ ذَلِكَ، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَأْتِيهِما إلى السِّجْنِ طَعامٌ إلّا أخْبَرَهُما بِماهِيَّتِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما، وهَذا لَيْسَ مِن جَوابِ سُؤالِهِما تَعْبِيرَ ما قَصّاهُ عَلَيْهِ، بَلْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً قَبْلَ تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُما بَيانًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ في العِلْمِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُعْبِرِينَ الَّذِينَ يَعْبُرُونَ الرُّؤْيا عَنْ ظَنٍ وتَخْمِينٍ، فَهو كَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩] وإنَّما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُما بِهَذا لِيَحْصُلَ الِانْقِيادُ مِنها لَهُ فِيما يَدْعُوهُما إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومَعْنى تُرْزَقانِهِ: يَجْرِي عَلَيْهِما مِن جِهَةِ المَلِكِ أوْ غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِطَعامٍ، أوْ يَرْزُقُكُما اللَّهُ سُبْحانَهُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ: أيْ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ ما نَبَّأْتُكُما أيْ: بَيَّنْتُ لَكُما ماهِيَّتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما، وسَمّاهُ تَأْوِيلًا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، لِأنَّ الكَلامَ في تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، أوِ المَعْنى: إلّا نَبَّأْتُكُما بِما يُئُولُ إلَيْهِ الكَلامُ مِن مُطابَقَةِ ما أُخْبِرُكُما بِهِ لِلْواقِعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكُما إلى التَّأْوِيلِ، والخِطابُ لِلسّائِلِينَ لَهُ عَنْ تَعْبِيرِ رُؤْياهُما ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بِما أوْحاهُ إلَيَّ وألْهَمَنِي إيّاهُ لا مِن قَبِيلِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ فِيهِ الخَطَأُ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُما أنَّ ذَلِكَ الَّذِي نالَهُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ والعُلُومِ الجَمَّةِ هو بِسَبَبِ تَرْكِ المِلَّةِ الَّتِي لا يُؤْمِنُ أهْلُها بِاللَّهِ ولا بِالآخِرَةِ واتِّباعِهِ لِمِلَّةِ الأنْبِياءِ مِن آبائِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالتَّرْكِ هو عَدَمُ التَّلَبُّسِ بِذَلِكَ مِنَ الأصْلِ، لا أنَّهُ قَدْ كانَ تَلَبَّسَ بِهِ، ثُمَّ تَرَكَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِما يَدُلُّ عَلى تَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ وتَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ. فَقالَ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ لِإفْراطِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ: واتَّبَعْتُ مَعْطُوفٌ عَلى تَرَكْتُ، وسَمّاهم آباءً جَمِيعًا لِأنَّ الأجْدادَ آباءٌ، وقَدَّمَ الجَدَّ الأعْلى، ثُمَّ الجَدَّ الأقْرَبَ ثُمَّ الأبَ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ هو أصْلُ هَذِهِ المِلَّةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها أوْلادُهُ ثُمَّ تَلَقّاها عَنْهُ إسْحاقُ ثُمَّ يَعْقُوبُ، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَرْغِيبِ صاحِبَيْهِ في الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ لَنا ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ، والضَّمِيرُ في لَنا لَهُ ولِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ، و﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ: أيْ ناشِئٌ مَنَّ تَفَضُّلاتِ اللَّهِ عَلَيْنا ولُطْفِهِ بِنا بِما جَعَلَهُ لَنا مِنَ النُّبُوَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْمَةِ عَنْ مَعاصِيهِ، ومِن فَضْلِ اللَّهِ عَلى النّاسِ كافَّةً بِبَعْثَةِ الأنْبِياءِ إلَيْهِمْ وهِدايَتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ وتَبْيِينِ طَرائِقِ الحَقِّ لَهم ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ويُوَحِّدُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِما شَرَعَهُ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ جَعَلَهُما مُصاحِبَيْنِ لِلسِّجْنِ لِطُولِ مُقامِهِما فِيهِ، وقِيلَ المُرادُ: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، لِأنَّ السِّجْنَ لَيْسَ بِمَصْحُوبٍ بَلْ مَصْحُوبٍ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ يا سارِقَ اللَّيْلَةِ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ مَعَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى التَّفَرُّقِ هُنا هو التَّفَرُّقُ في الذَّواتِ والصِّفاتِ والعَدَدِ: أيْ هَلِ الأرْبابُ المُتَفَرِّقُونَ في ذَواتِهِمُ المُخْتَلِفُونَ في صِفاتِهِمُ المُتَنافُونَ في عَدَدِهِمْ خَيْرٌ لَكُما يا صاحِبَيِ السِّجْنِ، أمِ اللَّهُ المَعْبُودُ بِحَقٍّ المُتَفَرِّدُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ الَّذِي لا ضِدَّ لَهُ ولا نِدَّ ولا شَرِيكَ، القَهّارُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ولا يُعانِدُهُ مُعانِدٌ ؟ أوْرَدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صاحِبَيِ السِّجْنِ هَذِهِ الحُجَّةَ القاهِرَةَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُما كانا مِمَّنْ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ بَيْنَ أيْدِيهِما أصْنامٌ يَعْبُدُونَها عِنْدَ أنْ خاطَبَهُما بِهَذا الخِطابِ. ولِهَذا قالَ لَهُما ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ إلّا أسْماءً فارِغَةً سَمَّيْتُمُوها ولا مُسَمَّياتِ لَها، وإنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ لَها مُسَمَّياتٍ، وهي الآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ صارَتِ الأسْماءُ كَأنَّها لا مُسَمَّياتِ لَها، وقِيلَ المَعْنى: ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا مُسَمَّياتِ أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم، ولَيْسَ لَها مِنَ الإلَهِيَّةِ شَيْءٌ إلّا مُجَرَّدُ الأسْماءِ لِكَوْنِها جَماداتٍ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وإنَّما قالَ: ما تَعْبُدُونَ عَلى خِطابِ الجَمْعِ وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ، لِأنَّهُ قَصَدَ خِطابَ صاحِبَيِ السِّجْنِ ومَن كانَ عَلى دِينِهِمْ، ومَفْعُولُ سَمَّيْتُمُوها الثّانِي مَحْذُوفٌ: أيْ سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِكم ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ مِن سُلْطانٍ مِن حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أيْ ما الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ في العِبادَةِ، فَهو الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي جَعَلْتُمُوها مَعْبُودَةً بِدُونِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وجُمْلَةُ ﴿أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ أمَرَكم بِتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا تَزْعُمُونَ أنَّهُ مَعْبُودٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ عِبادَتَهُ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ هي دِينُ اللَّهِ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ فَقالَ: ذَلِكَ أيْ تَخْصِيصُهُ بِالعِبادَةِ الدِّينُ القَيِّمُ أيِ المُسْتَقِيمُ الثّابِتُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو دِينُهُ القَوِيمُ، وصِراطُهُ المُسْتَقِيمُ، لِجَهْلِكم وبُعْدِكم عَنِ الحَقائِقِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، مِنَ الآياتِ قَدُّ القَمِيصِ وأثَرُها في جَسَدِهِ، وأثَرُ السِّكِّينِ، وقالَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٧)العَزِيزِ: إنْ أنْتَ لَمْ تَسْجُنْهُ لَيُصَدِّقَنَّهُ النّاسُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِنَ الآياتِ كَلامُ الصَّبِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الآياتُ حَزُّهُنَّ أيْدِيَهُنَّ وقَدُّ القَمِيصِ. وأقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَتِهِ فَلا يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ أيْدِي النِّسْوَةِ مِنها، لِأنَّهُ وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ لِما حَصَلَ لَهُنَّ مِنَ الدَّهْشَةِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ مَعَ ما ألْبَسَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَمالِ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ عُرى الصَّبْرِ وتَضْعُفُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ قُوى التَّجَلُّدِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الحُسْنِ ما يَسْلُبُ عُقُولَ المُبْصِرِينَ، ويَذْهَبُ بِإدْراكِ النّاظِرِينَ، فَنَعَمْ يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ الأيْدِي مِن جُمْلَةِ الآياتِ، ولَكِنْ لَيْسَ هَذِهِ الآياتُ هي المُرادَّةُ هُنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: أمّا أوَّلُ مَرَّةٍ فَبِالحَبْسِ لِما كانَ مِن هَمِّهِ بِها، والثّانِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٦] عُوقِبَ بِطُولِ الحَبْسِ، والثّالِثَةُ حَيْثُ قالَ: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُوسُفَ ٧٦ ٧٠ فاسْتَقْبَلَ في وجْهِهِ ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يُوسُفَ ٧٧ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ قالَ: أحَدُهُما خازِنُ المَلِكِ عَلى طَعامِهِ، والآخَرُ ساقِيهِ عَلى شَرابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ قالَ: عِنَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قالَ: عِبارَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: كانَ إحْسانُهُ فِيما ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ يُعَزِّي حَزِينَهم ويُداوِي مَرِيضَهم، ورَأوْ مِنهُ عِبادَةً واجْتِهادًا فَأحَبُّوهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ إحْسانُهُ أنَّهُ إذا مَرِضَ إنْسانٌ في السِّجْنِ قامَ عَلَيْهِ. وإذا ضاقَ عَلَيْهِ المَكانُ أوْسَعَ لَهُ، وإذا احْتاجَ جَمَعَ لَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَعا يُوسُفُ لِأهْلِ السِّجْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُعَمِّ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ وهَوِّنْ عَلَيْهِمْ مَرَّ الأيّامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ﴾ الآيَةَ قالَ: كَرِهَ العِبارَةَ لَهُما فَأجابَهُما بِغَيْرِ جَوابِهِما لِيُرِيَهُما أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا، وكانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا مَعْلُومًا فَأرْسَلَ بِهِ إلَيْهِ، فَقالَ يُوسُفُ ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: يَشْكُرُونَ، فَلَمْ يَدْعَهُ صاحِبا الرُّؤْيا حَتّى يَعْبُرَ لَهُما، فَكَرِهَ العِبارَةَ فَقالَ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: فَلَمْ يَدَعاهُ، فَعَبَرَ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ لَيَشْكُرُ ما بِهِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، ويَشْكُرُ ما بِالنّاسِ مِن نِعَمِ اللَّهِ، ذُكِرَ لَنا أنَّ أبا الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: يا رُبَّ شاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرِ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لا يَدْرِي، ويا رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمّا عَرَفَ يُوسُفُ أنَّ أحَدَهُما مَقْتُولٌ دَعاهُما إلى حَظِّهِما مِن رَبِّهِما وإلى نَصِيبِهِما مِن آخِرَتِهِما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ قالَ: العَدْلُ. فَقالَ:

يوسف 12:37

. مَعْنى: بَدا لَهم ظَهَرَ لَهم، والضَّمِيرُ لِلْعَزِيزِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ الأمْرَ مَعَهُ ويُشِيرُونَ عَلَيْهِ، وأمّا فاعِلُ بَدا لَهم فَقالَ سِيبَوَيْهِ هو لَيَسْجُنُنَّهُ: أيْ ظَهَرَ لَهم أنْ يَسْجُنُوهُ. قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ الفاعِلَ لا يَكُونُ جُمْلَةً، ولَكِنَّ الفاعِلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ بَدا وهو المَصْدَرُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وحَقَّ لِمَن أبُو مُوسى أبُوهُ يُوَفِّقُهُ الَّذِي نَصَبَ الجِبالا أيْ وحَقَّ الحَقُّ فَحَذَفَ الفاعِلَ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ: وقِيلَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ هو رَأى: أيْ وظَهَرَ لَهم رَأْيٌ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن قَبْلُ، وهَذا الفاعِلُ حُذِفَ لِدَلالَةِ لَيَسْجُنُنَّهُ عَلَيْهِ، واللّامُ في لَيَسْجُنُنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ظَهَرَ لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ قائِلِينَ واللَّهِ لَيَسْجُنُنَّهُ. وقُرِئَ لَتَسْجُنُنَّهُ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، إمّا لِلْعَزِيزِ ومَن مَعَهُ، أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ، والآياتِ قِيلَ هي القَمِيصُ وشَهادَةُ الشّاهِدِ وقَطْعُ الأيْدِي، وقِيلَ هي البَرَكاتُ الَّتِي فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وُصُولِ يُوسُفَ إلَيْهِمْ ولَمْ يُجْدِ ذَلِكَ فِيهِمْ بَلْ كانَتِ امْرَأتُهُ هي الغالِبَةُ عَلى رَأْيِهِ الفاعِلَةُ لِما يُطابِقُ هَواها في يُوسُفَ، وإنْفاذُ ما تَقَدَّمَ مِنها مِنَ الوَعِيدِ لَهُ بِقَوْلِها ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] قِيلَ وسَبَبُ ظُهُورِ هَذا الرَّأْيِ لَهم في سَجْنِ يُوسُفَ أنَّهم أرادُوا سَتْرَ القالَةِ وكَتْمَ ما شاعَ في النّاسِ مِن قِصَّةِ امْرَأةِ العَزِيزِ مَعَهُ، وقِيلَ إنَّ العَزِيزَ قَصَدَ بِسَجْنِهِ الحَيْلُولَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ لَمّا عَلِمَ أنَّها قَدْ صارَتْ بِمَكانٍ مِن حُبِّهِ لا تُبالِي مَعَهُ بِحَمْلِ نَفْسِها عَلَيْهِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ، ومَعْنى قَوْلِهِ حَتّى حِينٍ إلى مُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ كَما قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ إلى انْقِطاعِ ما شاعَ في المَدِينَةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إلى سَبْعِ سِنِينَ، وقِيلَ إلى خَمْسٍ، وقِيلَ إلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ الكَلامُ في تَفْسِيرِ الحِينِ، وحَتّى بِمَعْنى إلى. قَوْلُهُ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: وبَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُ الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ فَسَجَنُوهُ، ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، ومَعَ لِلْمُصاحَبَةِ، وفَتَيانِ تَثْنِيَةُ فَتًى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما عَبْدانِ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفَتى اسْمًا لِلْخادِمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ أحَدَهُما خَبّازُ المَلِكِ، والآخَرَ ساقِيهِ، وقَدْ كانا وضَعا لِلْمَلِكِ سُمًّا لَمّا ضَمِنَ لَهُما أهْلُ مِصْرَ مالًا في مُقابَلَةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ السّاقِيَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وقالَ لِلْمَلِكِ: لا تَأْكُلِ الطَّعامَ فَإنَّهُ مَسْمُومٌ، وقالَ الخَبّازُ: لا تَشْرَبْ فَإنَّ الشَّرابَ مَسْمُومٌ، فَقالَ المَلِكُ لِلسّاقِي: اشْرَبْ فَشَرِبَ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وقالَ لِلْخَبّازِ كُلْ فَأبى، فَجَرَّبَ الطَّعامَ عَلى حَيَوانٍ فَهَلَكَ مَكانَهُ فَحَبَسَهُما، وكانَ دُخُولُهُما السِّجْنَ مَعَ دُخُولِ يُوسُفَ، وقِيلَ قَبْلَهُ، وقِيلَ بَعْدَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُما سَألا يُوسُفَ عَنْ عِلْمِهِ فَقالَ: إنِّي أعْبُرُ الرُّؤْيا، فَسَألاهُ عَنْ رُؤْياهُما كَما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ رَأيْتُنِي، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. والمَعْنى: إنِّي أرانِي أعْصِرُ عِنَبًا، فَسَمّاهُ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ مِنَ العَصْرِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أعْصِرُ عِنَبًا، قالَ الأصْمَعِيُّ: أخْبَرَنِي المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّهُ لَقِيَ أعْرابِيًّا ومَعَهُ عِنَبٌ، فَقالَ لَهُ: ما مَعَكَ ؟ فَقالَ خَمْرٌ. وقِيلَ مَعْنى أعْصِرُ خَمْرًا. أيْ عِنَبَ خَمْرٍ، فَهو عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهَذا الَّذِي رَأى هَذِهِ الرُّؤْيا هو السّاقِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ، وكَذَلِكَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها وهي ﴿وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ ثُمَّ وصَفَ الخُبْزَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ وهَذا الرّائِي لِهَذِهِ الرُّؤْيا هو الخَبّازُ، ثُمَّ قالا لِيُوسُفَ جَمِيعًا بَعْدَ أنْ قَصّا رُؤْياهُما عَلَيْهِ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْناهُ عَلَيْكَ مِن مَجْمُوعِ المَرْئَيَيْنِ، أوْ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ لَكَ مِن كَلامِنا، وقِيلَ إنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قالَ لَهُ ذَلِكَ عَقِبَ قَصِّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى ما رَآهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِتَأْوِيلِهِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ، والتَّقْدِيرُ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ (p-٦٩٦)أيْ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا وكَذا قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى مِنَ المُحْسِنِينَ مِنَ العالِمِينَ الَّذِينَ أحْسَنُوا العِلْمَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا إنْ فَسَّرْتَ ذَلِكَ، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَأْتِيهِما إلى السِّجْنِ طَعامٌ إلّا أخْبَرَهُما بِماهِيَّتِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما، وهَذا لَيْسَ مِن جَوابِ سُؤالِهِما تَعْبِيرَ ما قَصّاهُ عَلَيْهِ، بَلْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً قَبْلَ تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُما بَيانًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ في العِلْمِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُعْبِرِينَ الَّذِينَ يَعْبُرُونَ الرُّؤْيا عَنْ ظَنٍ وتَخْمِينٍ، فَهو كَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩] وإنَّما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُما بِهَذا لِيَحْصُلَ الِانْقِيادُ مِنها لَهُ فِيما يَدْعُوهُما إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومَعْنى تُرْزَقانِهِ: يَجْرِي عَلَيْهِما مِن جِهَةِ المَلِكِ أوْ غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِطَعامٍ، أوْ يَرْزُقُكُما اللَّهُ سُبْحانَهُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ: أيْ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ ما نَبَّأْتُكُما أيْ: بَيَّنْتُ لَكُما ماهِيَّتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما، وسَمّاهُ تَأْوِيلًا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، لِأنَّ الكَلامَ في تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، أوِ المَعْنى: إلّا نَبَّأْتُكُما بِما يُئُولُ إلَيْهِ الكَلامُ مِن مُطابَقَةِ ما أُخْبِرُكُما بِهِ لِلْواقِعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكُما إلى التَّأْوِيلِ، والخِطابُ لِلسّائِلِينَ لَهُ عَنْ تَعْبِيرِ رُؤْياهُما ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بِما أوْحاهُ إلَيَّ وألْهَمَنِي إيّاهُ لا مِن قَبِيلِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ فِيهِ الخَطَأُ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُما أنَّ ذَلِكَ الَّذِي نالَهُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ والعُلُومِ الجَمَّةِ هو بِسَبَبِ تَرْكِ المِلَّةِ الَّتِي لا يُؤْمِنُ أهْلُها بِاللَّهِ ولا بِالآخِرَةِ واتِّباعِهِ لِمِلَّةِ الأنْبِياءِ مِن آبائِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالتَّرْكِ هو عَدَمُ التَّلَبُّسِ بِذَلِكَ مِنَ الأصْلِ، لا أنَّهُ قَدْ كانَ تَلَبَّسَ بِهِ، ثُمَّ تَرَكَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِما يَدُلُّ عَلى تَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ وتَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ. فَقالَ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ لِإفْراطِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ: واتَّبَعْتُ مَعْطُوفٌ عَلى تَرَكْتُ، وسَمّاهم آباءً جَمِيعًا لِأنَّ الأجْدادَ آباءٌ، وقَدَّمَ الجَدَّ الأعْلى، ثُمَّ الجَدَّ الأقْرَبَ ثُمَّ الأبَ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ هو أصْلُ هَذِهِ المِلَّةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها أوْلادُهُ ثُمَّ تَلَقّاها عَنْهُ إسْحاقُ ثُمَّ يَعْقُوبُ، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَرْغِيبِ صاحِبَيْهِ في الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ لَنا ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ، والضَّمِيرُ في لَنا لَهُ ولِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ، و﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ: أيْ ناشِئٌ مَنَّ تَفَضُّلاتِ اللَّهِ عَلَيْنا ولُطْفِهِ بِنا بِما جَعَلَهُ لَنا مِنَ النُّبُوَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْمَةِ عَنْ مَعاصِيهِ، ومِن فَضْلِ اللَّهِ عَلى النّاسِ كافَّةً بِبَعْثَةِ الأنْبِياءِ إلَيْهِمْ وهِدايَتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ وتَبْيِينِ طَرائِقِ الحَقِّ لَهم ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ويُوَحِّدُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِما شَرَعَهُ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ جَعَلَهُما مُصاحِبَيْنِ لِلسِّجْنِ لِطُولِ مُقامِهِما فِيهِ، وقِيلَ المُرادُ: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، لِأنَّ السِّجْنَ لَيْسَ بِمَصْحُوبٍ بَلْ مَصْحُوبٍ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ يا سارِقَ اللَّيْلَةِ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ مَعَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى التَّفَرُّقِ هُنا هو التَّفَرُّقُ في الذَّواتِ والصِّفاتِ والعَدَدِ: أيْ هَلِ الأرْبابُ المُتَفَرِّقُونَ في ذَواتِهِمُ المُخْتَلِفُونَ في صِفاتِهِمُ المُتَنافُونَ في عَدَدِهِمْ خَيْرٌ لَكُما يا صاحِبَيِ السِّجْنِ، أمِ اللَّهُ المَعْبُودُ بِحَقٍّ المُتَفَرِّدُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ الَّذِي لا ضِدَّ لَهُ ولا نِدَّ ولا شَرِيكَ، القَهّارُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ولا يُعانِدُهُ مُعانِدٌ ؟ أوْرَدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صاحِبَيِ السِّجْنِ هَذِهِ الحُجَّةَ القاهِرَةَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُما كانا مِمَّنْ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ بَيْنَ أيْدِيهِما أصْنامٌ يَعْبُدُونَها عِنْدَ أنْ خاطَبَهُما بِهَذا الخِطابِ. ولِهَذا قالَ لَهُما ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ إلّا أسْماءً فارِغَةً سَمَّيْتُمُوها ولا مُسَمَّياتِ لَها، وإنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ لَها مُسَمَّياتٍ، وهي الآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ صارَتِ الأسْماءُ كَأنَّها لا مُسَمَّياتِ لَها، وقِيلَ المَعْنى: ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا مُسَمَّياتِ أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم، ولَيْسَ لَها مِنَ الإلَهِيَّةِ شَيْءٌ إلّا مُجَرَّدُ الأسْماءِ لِكَوْنِها جَماداتٍ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وإنَّما قالَ: ما تَعْبُدُونَ عَلى خِطابِ الجَمْعِ وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ، لِأنَّهُ قَصَدَ خِطابَ صاحِبَيِ السِّجْنِ ومَن كانَ عَلى دِينِهِمْ، ومَفْعُولُ سَمَّيْتُمُوها الثّانِي مَحْذُوفٌ: أيْ سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِكم ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ مِن سُلْطانٍ مِن حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أيْ ما الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ في العِبادَةِ، فَهو الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي جَعَلْتُمُوها مَعْبُودَةً بِدُونِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وجُمْلَةُ ﴿أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ أمَرَكم بِتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا تَزْعُمُونَ أنَّهُ مَعْبُودٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ عِبادَتَهُ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ هي دِينُ اللَّهِ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ فَقالَ: ذَلِكَ أيْ تَخْصِيصُهُ بِالعِبادَةِ الدِّينُ القَيِّمُ أيِ المُسْتَقِيمُ الثّابِتُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو دِينُهُ القَوِيمُ، وصِراطُهُ المُسْتَقِيمُ، لِجَهْلِكم وبُعْدِكم عَنِ الحَقائِقِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، مِنَ الآياتِ قَدُّ القَمِيصِ وأثَرُها في جَسَدِهِ، وأثَرُ السِّكِّينِ، وقالَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٧)العَزِيزِ: إنْ أنْتَ لَمْ تَسْجُنْهُ لَيُصَدِّقَنَّهُ النّاسُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِنَ الآياتِ كَلامُ الصَّبِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الآياتُ حَزُّهُنَّ أيْدِيَهُنَّ وقَدُّ القَمِيصِ. وأقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَتِهِ فَلا يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ أيْدِي النِّسْوَةِ مِنها، لِأنَّهُ وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ لِما حَصَلَ لَهُنَّ مِنَ الدَّهْشَةِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ مَعَ ما ألْبَسَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَمالِ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ عُرى الصَّبْرِ وتَضْعُفُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ قُوى التَّجَلُّدِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الحُسْنِ ما يَسْلُبُ عُقُولَ المُبْصِرِينَ، ويَذْهَبُ بِإدْراكِ النّاظِرِينَ، فَنَعَمْ يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ الأيْدِي مِن جُمْلَةِ الآياتِ، ولَكِنْ لَيْسَ هَذِهِ الآياتُ هي المُرادَّةُ هُنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: أمّا أوَّلُ مَرَّةٍ فَبِالحَبْسِ لِما كانَ مِن هَمِّهِ بِها، والثّانِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٦] عُوقِبَ بِطُولِ الحَبْسِ، والثّالِثَةُ حَيْثُ قالَ: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُوسُفَ ٧٦ ٧٠ فاسْتَقْبَلَ في وجْهِهِ ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يُوسُفَ ٧٧ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ قالَ: أحَدُهُما خازِنُ المَلِكِ عَلى طَعامِهِ، والآخَرُ ساقِيهِ عَلى شَرابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ قالَ: عِنَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قالَ: عِبارَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: كانَ إحْسانُهُ فِيما ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ يُعَزِّي حَزِينَهم ويُداوِي مَرِيضَهم، ورَأوْ مِنهُ عِبادَةً واجْتِهادًا فَأحَبُّوهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ إحْسانُهُ أنَّهُ إذا مَرِضَ إنْسانٌ في السِّجْنِ قامَ عَلَيْهِ. وإذا ضاقَ عَلَيْهِ المَكانُ أوْسَعَ لَهُ، وإذا احْتاجَ جَمَعَ لَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَعا يُوسُفُ لِأهْلِ السِّجْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُعَمِّ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ وهَوِّنْ عَلَيْهِمْ مَرَّ الأيّامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ﴾ الآيَةَ قالَ: كَرِهَ العِبارَةَ لَهُما فَأجابَهُما بِغَيْرِ جَوابِهِما لِيُرِيَهُما أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا، وكانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا مَعْلُومًا فَأرْسَلَ بِهِ إلَيْهِ، فَقالَ يُوسُفُ ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: يَشْكُرُونَ، فَلَمْ يَدْعَهُ صاحِبا الرُّؤْيا حَتّى يَعْبُرَ لَهُما، فَكَرِهَ العِبارَةَ فَقالَ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: فَلَمْ يَدَعاهُ، فَعَبَرَ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ لَيَشْكُرُ ما بِهِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، ويَشْكُرُ ما بِالنّاسِ مِن نِعَمِ اللَّهِ، ذُكِرَ لَنا أنَّ أبا الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: يا رُبَّ شاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرِ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لا يَدْرِي، ويا رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمّا عَرَفَ يُوسُفُ أنَّ أحَدَهُما مَقْتُولٌ دَعاهُما إلى حَظِّهِما مِن رَبِّهِما وإلى نَصِيبِهِما مِن آخِرَتِهِما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ قالَ: العَدْلُ. فَقالَ:

يوسف 12:38

. مَعْنى: بَدا لَهم ظَهَرَ لَهم، والضَّمِيرُ لِلْعَزِيزِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ الأمْرَ مَعَهُ ويُشِيرُونَ عَلَيْهِ، وأمّا فاعِلُ بَدا لَهم فَقالَ سِيبَوَيْهِ هو لَيَسْجُنُنَّهُ: أيْ ظَهَرَ لَهم أنْ يَسْجُنُوهُ. قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ الفاعِلَ لا يَكُونُ جُمْلَةً، ولَكِنَّ الفاعِلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ بَدا وهو المَصْدَرُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وحَقَّ لِمَن أبُو مُوسى أبُوهُ يُوَفِّقُهُ الَّذِي نَصَبَ الجِبالا أيْ وحَقَّ الحَقُّ فَحَذَفَ الفاعِلَ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ: وقِيلَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ هو رَأى: أيْ وظَهَرَ لَهم رَأْيٌ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن قَبْلُ، وهَذا الفاعِلُ حُذِفَ لِدَلالَةِ لَيَسْجُنُنَّهُ عَلَيْهِ، واللّامُ في لَيَسْجُنُنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ظَهَرَ لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ قائِلِينَ واللَّهِ لَيَسْجُنُنَّهُ. وقُرِئَ لَتَسْجُنُنَّهُ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، إمّا لِلْعَزِيزِ ومَن مَعَهُ، أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ، والآياتِ قِيلَ هي القَمِيصُ وشَهادَةُ الشّاهِدِ وقَطْعُ الأيْدِي، وقِيلَ هي البَرَكاتُ الَّتِي فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وُصُولِ يُوسُفَ إلَيْهِمْ ولَمْ يُجْدِ ذَلِكَ فِيهِمْ بَلْ كانَتِ امْرَأتُهُ هي الغالِبَةُ عَلى رَأْيِهِ الفاعِلَةُ لِما يُطابِقُ هَواها في يُوسُفَ، وإنْفاذُ ما تَقَدَّمَ مِنها مِنَ الوَعِيدِ لَهُ بِقَوْلِها ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] قِيلَ وسَبَبُ ظُهُورِ هَذا الرَّأْيِ لَهم في سَجْنِ يُوسُفَ أنَّهم أرادُوا سَتْرَ القالَةِ وكَتْمَ ما شاعَ في النّاسِ مِن قِصَّةِ امْرَأةِ العَزِيزِ مَعَهُ، وقِيلَ إنَّ العَزِيزَ قَصَدَ بِسَجْنِهِ الحَيْلُولَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ لَمّا عَلِمَ أنَّها قَدْ صارَتْ بِمَكانٍ مِن حُبِّهِ لا تُبالِي مَعَهُ بِحَمْلِ نَفْسِها عَلَيْهِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ، ومَعْنى قَوْلِهِ حَتّى حِينٍ إلى مُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ كَما قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ إلى انْقِطاعِ ما شاعَ في المَدِينَةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إلى سَبْعِ سِنِينَ، وقِيلَ إلى خَمْسٍ، وقِيلَ إلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ الكَلامُ في تَفْسِيرِ الحِينِ، وحَتّى بِمَعْنى إلى. قَوْلُهُ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: وبَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُ الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ فَسَجَنُوهُ، ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، ومَعَ لِلْمُصاحَبَةِ، وفَتَيانِ تَثْنِيَةُ فَتًى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما عَبْدانِ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفَتى اسْمًا لِلْخادِمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ أحَدَهُما خَبّازُ المَلِكِ، والآخَرَ ساقِيهِ، وقَدْ كانا وضَعا لِلْمَلِكِ سُمًّا لَمّا ضَمِنَ لَهُما أهْلُ مِصْرَ مالًا في مُقابَلَةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ السّاقِيَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وقالَ لِلْمَلِكِ: لا تَأْكُلِ الطَّعامَ فَإنَّهُ مَسْمُومٌ، وقالَ الخَبّازُ: لا تَشْرَبْ فَإنَّ الشَّرابَ مَسْمُومٌ، فَقالَ المَلِكُ لِلسّاقِي: اشْرَبْ فَشَرِبَ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وقالَ لِلْخَبّازِ كُلْ فَأبى، فَجَرَّبَ الطَّعامَ عَلى حَيَوانٍ فَهَلَكَ مَكانَهُ فَحَبَسَهُما، وكانَ دُخُولُهُما السِّجْنَ مَعَ دُخُولِ يُوسُفَ، وقِيلَ قَبْلَهُ، وقِيلَ بَعْدَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُما سَألا يُوسُفَ عَنْ عِلْمِهِ فَقالَ: إنِّي أعْبُرُ الرُّؤْيا، فَسَألاهُ عَنْ رُؤْياهُما كَما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ رَأيْتُنِي، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. والمَعْنى: إنِّي أرانِي أعْصِرُ عِنَبًا، فَسَمّاهُ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ مِنَ العَصْرِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أعْصِرُ عِنَبًا، قالَ الأصْمَعِيُّ: أخْبَرَنِي المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّهُ لَقِيَ أعْرابِيًّا ومَعَهُ عِنَبٌ، فَقالَ لَهُ: ما مَعَكَ ؟ فَقالَ خَمْرٌ. وقِيلَ مَعْنى أعْصِرُ خَمْرًا. أيْ عِنَبَ خَمْرٍ، فَهو عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهَذا الَّذِي رَأى هَذِهِ الرُّؤْيا هو السّاقِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ، وكَذَلِكَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها وهي ﴿وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ ثُمَّ وصَفَ الخُبْزَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ وهَذا الرّائِي لِهَذِهِ الرُّؤْيا هو الخَبّازُ، ثُمَّ قالا لِيُوسُفَ جَمِيعًا بَعْدَ أنْ قَصّا رُؤْياهُما عَلَيْهِ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْناهُ عَلَيْكَ مِن مَجْمُوعِ المَرْئَيَيْنِ، أوْ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ لَكَ مِن كَلامِنا، وقِيلَ إنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قالَ لَهُ ذَلِكَ عَقِبَ قَصِّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى ما رَآهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِتَأْوِيلِهِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ، والتَّقْدِيرُ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ (p-٦٩٦)أيْ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا وكَذا قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى مِنَ المُحْسِنِينَ مِنَ العالِمِينَ الَّذِينَ أحْسَنُوا العِلْمَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا إنْ فَسَّرْتَ ذَلِكَ، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَأْتِيهِما إلى السِّجْنِ طَعامٌ إلّا أخْبَرَهُما بِماهِيَّتِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما، وهَذا لَيْسَ مِن جَوابِ سُؤالِهِما تَعْبِيرَ ما قَصّاهُ عَلَيْهِ، بَلْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً قَبْلَ تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُما بَيانًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ في العِلْمِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُعْبِرِينَ الَّذِينَ يَعْبُرُونَ الرُّؤْيا عَنْ ظَنٍ وتَخْمِينٍ، فَهو كَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩] وإنَّما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُما بِهَذا لِيَحْصُلَ الِانْقِيادُ مِنها لَهُ فِيما يَدْعُوهُما إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومَعْنى تُرْزَقانِهِ: يَجْرِي عَلَيْهِما مِن جِهَةِ المَلِكِ أوْ غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِطَعامٍ، أوْ يَرْزُقُكُما اللَّهُ سُبْحانَهُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ: أيْ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ ما نَبَّأْتُكُما أيْ: بَيَّنْتُ لَكُما ماهِيَّتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما، وسَمّاهُ تَأْوِيلًا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، لِأنَّ الكَلامَ في تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، أوِ المَعْنى: إلّا نَبَّأْتُكُما بِما يُئُولُ إلَيْهِ الكَلامُ مِن مُطابَقَةِ ما أُخْبِرُكُما بِهِ لِلْواقِعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكُما إلى التَّأْوِيلِ، والخِطابُ لِلسّائِلِينَ لَهُ عَنْ تَعْبِيرِ رُؤْياهُما ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بِما أوْحاهُ إلَيَّ وألْهَمَنِي إيّاهُ لا مِن قَبِيلِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ فِيهِ الخَطَأُ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُما أنَّ ذَلِكَ الَّذِي نالَهُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ والعُلُومِ الجَمَّةِ هو بِسَبَبِ تَرْكِ المِلَّةِ الَّتِي لا يُؤْمِنُ أهْلُها بِاللَّهِ ولا بِالآخِرَةِ واتِّباعِهِ لِمِلَّةِ الأنْبِياءِ مِن آبائِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالتَّرْكِ هو عَدَمُ التَّلَبُّسِ بِذَلِكَ مِنَ الأصْلِ، لا أنَّهُ قَدْ كانَ تَلَبَّسَ بِهِ، ثُمَّ تَرَكَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِما يَدُلُّ عَلى تَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ وتَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ. فَقالَ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ لِإفْراطِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ: واتَّبَعْتُ مَعْطُوفٌ عَلى تَرَكْتُ، وسَمّاهم آباءً جَمِيعًا لِأنَّ الأجْدادَ آباءٌ، وقَدَّمَ الجَدَّ الأعْلى، ثُمَّ الجَدَّ الأقْرَبَ ثُمَّ الأبَ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ هو أصْلُ هَذِهِ المِلَّةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها أوْلادُهُ ثُمَّ تَلَقّاها عَنْهُ إسْحاقُ ثُمَّ يَعْقُوبُ، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَرْغِيبِ صاحِبَيْهِ في الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ لَنا ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ، والضَّمِيرُ في لَنا لَهُ ولِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ، و﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ: أيْ ناشِئٌ مَنَّ تَفَضُّلاتِ اللَّهِ عَلَيْنا ولُطْفِهِ بِنا بِما جَعَلَهُ لَنا مِنَ النُّبُوَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْمَةِ عَنْ مَعاصِيهِ، ومِن فَضْلِ اللَّهِ عَلى النّاسِ كافَّةً بِبَعْثَةِ الأنْبِياءِ إلَيْهِمْ وهِدايَتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ وتَبْيِينِ طَرائِقِ الحَقِّ لَهم ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ويُوَحِّدُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِما شَرَعَهُ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ جَعَلَهُما مُصاحِبَيْنِ لِلسِّجْنِ لِطُولِ مُقامِهِما فِيهِ، وقِيلَ المُرادُ: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، لِأنَّ السِّجْنَ لَيْسَ بِمَصْحُوبٍ بَلْ مَصْحُوبٍ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ يا سارِقَ اللَّيْلَةِ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ مَعَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى التَّفَرُّقِ هُنا هو التَّفَرُّقُ في الذَّواتِ والصِّفاتِ والعَدَدِ: أيْ هَلِ الأرْبابُ المُتَفَرِّقُونَ في ذَواتِهِمُ المُخْتَلِفُونَ في صِفاتِهِمُ المُتَنافُونَ في عَدَدِهِمْ خَيْرٌ لَكُما يا صاحِبَيِ السِّجْنِ، أمِ اللَّهُ المَعْبُودُ بِحَقٍّ المُتَفَرِّدُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ الَّذِي لا ضِدَّ لَهُ ولا نِدَّ ولا شَرِيكَ، القَهّارُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ولا يُعانِدُهُ مُعانِدٌ ؟ أوْرَدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صاحِبَيِ السِّجْنِ هَذِهِ الحُجَّةَ القاهِرَةَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُما كانا مِمَّنْ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ بَيْنَ أيْدِيهِما أصْنامٌ يَعْبُدُونَها عِنْدَ أنْ خاطَبَهُما بِهَذا الخِطابِ. ولِهَذا قالَ لَهُما ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ إلّا أسْماءً فارِغَةً سَمَّيْتُمُوها ولا مُسَمَّياتِ لَها، وإنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ لَها مُسَمَّياتٍ، وهي الآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ صارَتِ الأسْماءُ كَأنَّها لا مُسَمَّياتِ لَها، وقِيلَ المَعْنى: ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا مُسَمَّياتِ أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم، ولَيْسَ لَها مِنَ الإلَهِيَّةِ شَيْءٌ إلّا مُجَرَّدُ الأسْماءِ لِكَوْنِها جَماداتٍ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وإنَّما قالَ: ما تَعْبُدُونَ عَلى خِطابِ الجَمْعِ وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ، لِأنَّهُ قَصَدَ خِطابَ صاحِبَيِ السِّجْنِ ومَن كانَ عَلى دِينِهِمْ، ومَفْعُولُ سَمَّيْتُمُوها الثّانِي مَحْذُوفٌ: أيْ سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِكم ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ مِن سُلْطانٍ مِن حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أيْ ما الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ في العِبادَةِ، فَهو الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي جَعَلْتُمُوها مَعْبُودَةً بِدُونِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وجُمْلَةُ ﴿أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ أمَرَكم بِتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا تَزْعُمُونَ أنَّهُ مَعْبُودٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ عِبادَتَهُ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ هي دِينُ اللَّهِ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ فَقالَ: ذَلِكَ أيْ تَخْصِيصُهُ بِالعِبادَةِ الدِّينُ القَيِّمُ أيِ المُسْتَقِيمُ الثّابِتُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو دِينُهُ القَوِيمُ، وصِراطُهُ المُسْتَقِيمُ، لِجَهْلِكم وبُعْدِكم عَنِ الحَقائِقِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، مِنَ الآياتِ قَدُّ القَمِيصِ وأثَرُها في جَسَدِهِ، وأثَرُ السِّكِّينِ، وقالَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٧)العَزِيزِ: إنْ أنْتَ لَمْ تَسْجُنْهُ لَيُصَدِّقَنَّهُ النّاسُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِنَ الآياتِ كَلامُ الصَّبِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الآياتُ حَزُّهُنَّ أيْدِيَهُنَّ وقَدُّ القَمِيصِ. وأقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَتِهِ فَلا يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ أيْدِي النِّسْوَةِ مِنها، لِأنَّهُ وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ لِما حَصَلَ لَهُنَّ مِنَ الدَّهْشَةِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ مَعَ ما ألْبَسَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَمالِ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ عُرى الصَّبْرِ وتَضْعُفُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ قُوى التَّجَلُّدِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الحُسْنِ ما يَسْلُبُ عُقُولَ المُبْصِرِينَ، ويَذْهَبُ بِإدْراكِ النّاظِرِينَ، فَنَعَمْ يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ الأيْدِي مِن جُمْلَةِ الآياتِ، ولَكِنْ لَيْسَ هَذِهِ الآياتُ هي المُرادَّةُ هُنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: أمّا أوَّلُ مَرَّةٍ فَبِالحَبْسِ لِما كانَ مِن هَمِّهِ بِها، والثّانِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٦] عُوقِبَ بِطُولِ الحَبْسِ، والثّالِثَةُ حَيْثُ قالَ: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُوسُفَ ٧٦ ٧٠ فاسْتَقْبَلَ في وجْهِهِ ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يُوسُفَ ٧٧ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ قالَ: أحَدُهُما خازِنُ المَلِكِ عَلى طَعامِهِ، والآخَرُ ساقِيهِ عَلى شَرابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ قالَ: عِنَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قالَ: عِبارَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: كانَ إحْسانُهُ فِيما ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ يُعَزِّي حَزِينَهم ويُداوِي مَرِيضَهم، ورَأوْ مِنهُ عِبادَةً واجْتِهادًا فَأحَبُّوهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ إحْسانُهُ أنَّهُ إذا مَرِضَ إنْسانٌ في السِّجْنِ قامَ عَلَيْهِ. وإذا ضاقَ عَلَيْهِ المَكانُ أوْسَعَ لَهُ، وإذا احْتاجَ جَمَعَ لَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَعا يُوسُفُ لِأهْلِ السِّجْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُعَمِّ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ وهَوِّنْ عَلَيْهِمْ مَرَّ الأيّامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ﴾ الآيَةَ قالَ: كَرِهَ العِبارَةَ لَهُما فَأجابَهُما بِغَيْرِ جَوابِهِما لِيُرِيَهُما أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا، وكانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا مَعْلُومًا فَأرْسَلَ بِهِ إلَيْهِ، فَقالَ يُوسُفُ ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: يَشْكُرُونَ، فَلَمْ يَدْعَهُ صاحِبا الرُّؤْيا حَتّى يَعْبُرَ لَهُما، فَكَرِهَ العِبارَةَ فَقالَ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: فَلَمْ يَدَعاهُ، فَعَبَرَ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ لَيَشْكُرُ ما بِهِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، ويَشْكُرُ ما بِالنّاسِ مِن نِعَمِ اللَّهِ، ذُكِرَ لَنا أنَّ أبا الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: يا رُبَّ شاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرِ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لا يَدْرِي، ويا رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمّا عَرَفَ يُوسُفُ أنَّ أحَدَهُما مَقْتُولٌ دَعاهُما إلى حَظِّهِما مِن رَبِّهِما وإلى نَصِيبِهِما مِن آخِرَتِهِما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ قالَ: العَدْلُ. فَقالَ:

يوسف 12:39

. مَعْنى: بَدا لَهم ظَهَرَ لَهم، والضَّمِيرُ لِلْعَزِيزِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ الأمْرَ مَعَهُ ويُشِيرُونَ عَلَيْهِ، وأمّا فاعِلُ بَدا لَهم فَقالَ سِيبَوَيْهِ هو لَيَسْجُنُنَّهُ: أيْ ظَهَرَ لَهم أنْ يَسْجُنُوهُ. قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ الفاعِلَ لا يَكُونُ جُمْلَةً، ولَكِنَّ الفاعِلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ بَدا وهو المَصْدَرُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وحَقَّ لِمَن أبُو مُوسى أبُوهُ يُوَفِّقُهُ الَّذِي نَصَبَ الجِبالا أيْ وحَقَّ الحَقُّ فَحَذَفَ الفاعِلَ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ: وقِيلَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ هو رَأى: أيْ وظَهَرَ لَهم رَأْيٌ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن قَبْلُ، وهَذا الفاعِلُ حُذِفَ لِدَلالَةِ لَيَسْجُنُنَّهُ عَلَيْهِ، واللّامُ في لَيَسْجُنُنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ظَهَرَ لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ قائِلِينَ واللَّهِ لَيَسْجُنُنَّهُ. وقُرِئَ لَتَسْجُنُنَّهُ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، إمّا لِلْعَزِيزِ ومَن مَعَهُ، أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ، والآياتِ قِيلَ هي القَمِيصُ وشَهادَةُ الشّاهِدِ وقَطْعُ الأيْدِي، وقِيلَ هي البَرَكاتُ الَّتِي فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وُصُولِ يُوسُفَ إلَيْهِمْ ولَمْ يُجْدِ ذَلِكَ فِيهِمْ بَلْ كانَتِ امْرَأتُهُ هي الغالِبَةُ عَلى رَأْيِهِ الفاعِلَةُ لِما يُطابِقُ هَواها في يُوسُفَ، وإنْفاذُ ما تَقَدَّمَ مِنها مِنَ الوَعِيدِ لَهُ بِقَوْلِها ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] قِيلَ وسَبَبُ ظُهُورِ هَذا الرَّأْيِ لَهم في سَجْنِ يُوسُفَ أنَّهم أرادُوا سَتْرَ القالَةِ وكَتْمَ ما شاعَ في النّاسِ مِن قِصَّةِ امْرَأةِ العَزِيزِ مَعَهُ، وقِيلَ إنَّ العَزِيزَ قَصَدَ بِسَجْنِهِ الحَيْلُولَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ لَمّا عَلِمَ أنَّها قَدْ صارَتْ بِمَكانٍ مِن حُبِّهِ لا تُبالِي مَعَهُ بِحَمْلِ نَفْسِها عَلَيْهِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ، ومَعْنى قَوْلِهِ حَتّى حِينٍ إلى مُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ كَما قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ إلى انْقِطاعِ ما شاعَ في المَدِينَةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إلى سَبْعِ سِنِينَ، وقِيلَ إلى خَمْسٍ، وقِيلَ إلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ الكَلامُ في تَفْسِيرِ الحِينِ، وحَتّى بِمَعْنى إلى. قَوْلُهُ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: وبَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُ الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ فَسَجَنُوهُ، ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، ومَعَ لِلْمُصاحَبَةِ، وفَتَيانِ تَثْنِيَةُ فَتًى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما عَبْدانِ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفَتى اسْمًا لِلْخادِمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ أحَدَهُما خَبّازُ المَلِكِ، والآخَرَ ساقِيهِ، وقَدْ كانا وضَعا لِلْمَلِكِ سُمًّا لَمّا ضَمِنَ لَهُما أهْلُ مِصْرَ مالًا في مُقابَلَةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ السّاقِيَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وقالَ لِلْمَلِكِ: لا تَأْكُلِ الطَّعامَ فَإنَّهُ مَسْمُومٌ، وقالَ الخَبّازُ: لا تَشْرَبْ فَإنَّ الشَّرابَ مَسْمُومٌ، فَقالَ المَلِكُ لِلسّاقِي: اشْرَبْ فَشَرِبَ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وقالَ لِلْخَبّازِ كُلْ فَأبى، فَجَرَّبَ الطَّعامَ عَلى حَيَوانٍ فَهَلَكَ مَكانَهُ فَحَبَسَهُما، وكانَ دُخُولُهُما السِّجْنَ مَعَ دُخُولِ يُوسُفَ، وقِيلَ قَبْلَهُ، وقِيلَ بَعْدَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُما سَألا يُوسُفَ عَنْ عِلْمِهِ فَقالَ: إنِّي أعْبُرُ الرُّؤْيا، فَسَألاهُ عَنْ رُؤْياهُما كَما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ رَأيْتُنِي، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. والمَعْنى: إنِّي أرانِي أعْصِرُ عِنَبًا، فَسَمّاهُ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ مِنَ العَصْرِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أعْصِرُ عِنَبًا، قالَ الأصْمَعِيُّ: أخْبَرَنِي المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّهُ لَقِيَ أعْرابِيًّا ومَعَهُ عِنَبٌ، فَقالَ لَهُ: ما مَعَكَ ؟ فَقالَ خَمْرٌ. وقِيلَ مَعْنى أعْصِرُ خَمْرًا. أيْ عِنَبَ خَمْرٍ، فَهو عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهَذا الَّذِي رَأى هَذِهِ الرُّؤْيا هو السّاقِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ، وكَذَلِكَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها وهي ﴿وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ ثُمَّ وصَفَ الخُبْزَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ وهَذا الرّائِي لِهَذِهِ الرُّؤْيا هو الخَبّازُ، ثُمَّ قالا لِيُوسُفَ جَمِيعًا بَعْدَ أنْ قَصّا رُؤْياهُما عَلَيْهِ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْناهُ عَلَيْكَ مِن مَجْمُوعِ المَرْئَيَيْنِ، أوْ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ لَكَ مِن كَلامِنا، وقِيلَ إنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قالَ لَهُ ذَلِكَ عَقِبَ قَصِّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى ما رَآهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِتَأْوِيلِهِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ، والتَّقْدِيرُ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ (p-٦٩٦)أيْ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا وكَذا قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى مِنَ المُحْسِنِينَ مِنَ العالِمِينَ الَّذِينَ أحْسَنُوا العِلْمَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا إنْ فَسَّرْتَ ذَلِكَ، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَأْتِيهِما إلى السِّجْنِ طَعامٌ إلّا أخْبَرَهُما بِماهِيَّتِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما، وهَذا لَيْسَ مِن جَوابِ سُؤالِهِما تَعْبِيرَ ما قَصّاهُ عَلَيْهِ، بَلْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً قَبْلَ تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُما بَيانًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ في العِلْمِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُعْبِرِينَ الَّذِينَ يَعْبُرُونَ الرُّؤْيا عَنْ ظَنٍ وتَخْمِينٍ، فَهو كَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩] وإنَّما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُما بِهَذا لِيَحْصُلَ الِانْقِيادُ مِنها لَهُ فِيما يَدْعُوهُما إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومَعْنى تُرْزَقانِهِ: يَجْرِي عَلَيْهِما مِن جِهَةِ المَلِكِ أوْ غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِطَعامٍ، أوْ يَرْزُقُكُما اللَّهُ سُبْحانَهُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ: أيْ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ ما نَبَّأْتُكُما أيْ: بَيَّنْتُ لَكُما ماهِيَّتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما، وسَمّاهُ تَأْوِيلًا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، لِأنَّ الكَلامَ في تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، أوِ المَعْنى: إلّا نَبَّأْتُكُما بِما يُئُولُ إلَيْهِ الكَلامُ مِن مُطابَقَةِ ما أُخْبِرُكُما بِهِ لِلْواقِعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكُما إلى التَّأْوِيلِ، والخِطابُ لِلسّائِلِينَ لَهُ عَنْ تَعْبِيرِ رُؤْياهُما ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بِما أوْحاهُ إلَيَّ وألْهَمَنِي إيّاهُ لا مِن قَبِيلِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ فِيهِ الخَطَأُ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُما أنَّ ذَلِكَ الَّذِي نالَهُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ والعُلُومِ الجَمَّةِ هو بِسَبَبِ تَرْكِ المِلَّةِ الَّتِي لا يُؤْمِنُ أهْلُها بِاللَّهِ ولا بِالآخِرَةِ واتِّباعِهِ لِمِلَّةِ الأنْبِياءِ مِن آبائِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالتَّرْكِ هو عَدَمُ التَّلَبُّسِ بِذَلِكَ مِنَ الأصْلِ، لا أنَّهُ قَدْ كانَ تَلَبَّسَ بِهِ، ثُمَّ تَرَكَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِما يَدُلُّ عَلى تَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ وتَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ. فَقالَ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ لِإفْراطِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ: واتَّبَعْتُ مَعْطُوفٌ عَلى تَرَكْتُ، وسَمّاهم آباءً جَمِيعًا لِأنَّ الأجْدادَ آباءٌ، وقَدَّمَ الجَدَّ الأعْلى، ثُمَّ الجَدَّ الأقْرَبَ ثُمَّ الأبَ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ هو أصْلُ هَذِهِ المِلَّةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها أوْلادُهُ ثُمَّ تَلَقّاها عَنْهُ إسْحاقُ ثُمَّ يَعْقُوبُ، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَرْغِيبِ صاحِبَيْهِ في الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ لَنا ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ، والضَّمِيرُ في لَنا لَهُ ولِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ، و﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ: أيْ ناشِئٌ مَنَّ تَفَضُّلاتِ اللَّهِ عَلَيْنا ولُطْفِهِ بِنا بِما جَعَلَهُ لَنا مِنَ النُّبُوَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْمَةِ عَنْ مَعاصِيهِ، ومِن فَضْلِ اللَّهِ عَلى النّاسِ كافَّةً بِبَعْثَةِ الأنْبِياءِ إلَيْهِمْ وهِدايَتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ وتَبْيِينِ طَرائِقِ الحَقِّ لَهم ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ويُوَحِّدُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِما شَرَعَهُ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ جَعَلَهُما مُصاحِبَيْنِ لِلسِّجْنِ لِطُولِ مُقامِهِما فِيهِ، وقِيلَ المُرادُ: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، لِأنَّ السِّجْنَ لَيْسَ بِمَصْحُوبٍ بَلْ مَصْحُوبٍ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ يا سارِقَ اللَّيْلَةِ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ مَعَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى التَّفَرُّقِ هُنا هو التَّفَرُّقُ في الذَّواتِ والصِّفاتِ والعَدَدِ: أيْ هَلِ الأرْبابُ المُتَفَرِّقُونَ في ذَواتِهِمُ المُخْتَلِفُونَ في صِفاتِهِمُ المُتَنافُونَ في عَدَدِهِمْ خَيْرٌ لَكُما يا صاحِبَيِ السِّجْنِ، أمِ اللَّهُ المَعْبُودُ بِحَقٍّ المُتَفَرِّدُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ الَّذِي لا ضِدَّ لَهُ ولا نِدَّ ولا شَرِيكَ، القَهّارُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ولا يُعانِدُهُ مُعانِدٌ ؟ أوْرَدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صاحِبَيِ السِّجْنِ هَذِهِ الحُجَّةَ القاهِرَةَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُما كانا مِمَّنْ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ بَيْنَ أيْدِيهِما أصْنامٌ يَعْبُدُونَها عِنْدَ أنْ خاطَبَهُما بِهَذا الخِطابِ. ولِهَذا قالَ لَهُما ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ إلّا أسْماءً فارِغَةً سَمَّيْتُمُوها ولا مُسَمَّياتِ لَها، وإنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ لَها مُسَمَّياتٍ، وهي الآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ صارَتِ الأسْماءُ كَأنَّها لا مُسَمَّياتِ لَها، وقِيلَ المَعْنى: ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا مُسَمَّياتِ أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم، ولَيْسَ لَها مِنَ الإلَهِيَّةِ شَيْءٌ إلّا مُجَرَّدُ الأسْماءِ لِكَوْنِها جَماداتٍ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وإنَّما قالَ: ما تَعْبُدُونَ عَلى خِطابِ الجَمْعِ وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ، لِأنَّهُ قَصَدَ خِطابَ صاحِبَيِ السِّجْنِ ومَن كانَ عَلى دِينِهِمْ، ومَفْعُولُ سَمَّيْتُمُوها الثّانِي مَحْذُوفٌ: أيْ سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِكم ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ مِن سُلْطانٍ مِن حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أيْ ما الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ في العِبادَةِ، فَهو الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي جَعَلْتُمُوها مَعْبُودَةً بِدُونِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وجُمْلَةُ ﴿أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ أمَرَكم بِتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا تَزْعُمُونَ أنَّهُ مَعْبُودٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ عِبادَتَهُ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ هي دِينُ اللَّهِ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ فَقالَ: ذَلِكَ أيْ تَخْصِيصُهُ بِالعِبادَةِ الدِّينُ القَيِّمُ أيِ المُسْتَقِيمُ الثّابِتُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو دِينُهُ القَوِيمُ، وصِراطُهُ المُسْتَقِيمُ، لِجَهْلِكم وبُعْدِكم عَنِ الحَقائِقِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، مِنَ الآياتِ قَدُّ القَمِيصِ وأثَرُها في جَسَدِهِ، وأثَرُ السِّكِّينِ، وقالَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٧)العَزِيزِ: إنْ أنْتَ لَمْ تَسْجُنْهُ لَيُصَدِّقَنَّهُ النّاسُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِنَ الآياتِ كَلامُ الصَّبِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الآياتُ حَزُّهُنَّ أيْدِيَهُنَّ وقَدُّ القَمِيصِ. وأقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَتِهِ فَلا يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ أيْدِي النِّسْوَةِ مِنها، لِأنَّهُ وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ لِما حَصَلَ لَهُنَّ مِنَ الدَّهْشَةِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ مَعَ ما ألْبَسَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَمالِ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ عُرى الصَّبْرِ وتَضْعُفُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ قُوى التَّجَلُّدِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الحُسْنِ ما يَسْلُبُ عُقُولَ المُبْصِرِينَ، ويَذْهَبُ بِإدْراكِ النّاظِرِينَ، فَنَعَمْ يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ الأيْدِي مِن جُمْلَةِ الآياتِ، ولَكِنْ لَيْسَ هَذِهِ الآياتُ هي المُرادَّةُ هُنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: أمّا أوَّلُ مَرَّةٍ فَبِالحَبْسِ لِما كانَ مِن هَمِّهِ بِها، والثّانِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٦] عُوقِبَ بِطُولِ الحَبْسِ، والثّالِثَةُ حَيْثُ قالَ: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُوسُفَ ٧٦ ٧٠ فاسْتَقْبَلَ في وجْهِهِ ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يُوسُفَ ٧٧ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ قالَ: أحَدُهُما خازِنُ المَلِكِ عَلى طَعامِهِ، والآخَرُ ساقِيهِ عَلى شَرابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ قالَ: عِنَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قالَ: عِبارَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: كانَ إحْسانُهُ فِيما ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ يُعَزِّي حَزِينَهم ويُداوِي مَرِيضَهم، ورَأوْ مِنهُ عِبادَةً واجْتِهادًا فَأحَبُّوهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ إحْسانُهُ أنَّهُ إذا مَرِضَ إنْسانٌ في السِّجْنِ قامَ عَلَيْهِ. وإذا ضاقَ عَلَيْهِ المَكانُ أوْسَعَ لَهُ، وإذا احْتاجَ جَمَعَ لَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَعا يُوسُفُ لِأهْلِ السِّجْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُعَمِّ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ وهَوِّنْ عَلَيْهِمْ مَرَّ الأيّامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ﴾ الآيَةَ قالَ: كَرِهَ العِبارَةَ لَهُما فَأجابَهُما بِغَيْرِ جَوابِهِما لِيُرِيَهُما أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا، وكانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا مَعْلُومًا فَأرْسَلَ بِهِ إلَيْهِ، فَقالَ يُوسُفُ ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: يَشْكُرُونَ، فَلَمْ يَدْعَهُ صاحِبا الرُّؤْيا حَتّى يَعْبُرَ لَهُما، فَكَرِهَ العِبارَةَ فَقالَ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: فَلَمْ يَدَعاهُ، فَعَبَرَ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ لَيَشْكُرُ ما بِهِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، ويَشْكُرُ ما بِالنّاسِ مِن نِعَمِ اللَّهِ، ذُكِرَ لَنا أنَّ أبا الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: يا رُبَّ شاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرِ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لا يَدْرِي، ويا رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمّا عَرَفَ يُوسُفُ أنَّ أحَدَهُما مَقْتُولٌ دَعاهُما إلى حَظِّهِما مِن رَبِّهِما وإلى نَصِيبِهِما مِن آخِرَتِهِما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ قالَ: العَدْلُ. فَقالَ:

يوسف 12:40

. مَعْنى: بَدا لَهم ظَهَرَ لَهم، والضَّمِيرُ لِلْعَزِيزِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ يُدَبِّرُونَ الأمْرَ مَعَهُ ويُشِيرُونَ عَلَيْهِ، وأمّا فاعِلُ بَدا لَهم فَقالَ سِيبَوَيْهِ هو لَيَسْجُنُنَّهُ: أيْ ظَهَرَ لَهم أنْ يَسْجُنُوهُ. قالَ المُبَرِّدُ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ الفاعِلَ لا يَكُونُ جُمْلَةً، ولَكِنَّ الفاعِلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ بَدا وهو المَصْدَرُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وحَقَّ لِمَن أبُو مُوسى أبُوهُ يُوَفِّقُهُ الَّذِي نَصَبَ الجِبالا أيْ وحَقَّ الحَقُّ فَحَذَفَ الفاعِلَ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ: وقِيلَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ هو رَأى: أيْ وظَهَرَ لَهم رَأْيٌ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن قَبْلُ، وهَذا الفاعِلُ حُذِفَ لِدَلالَةِ لَيَسْجُنُنَّهُ عَلَيْهِ، واللّامُ في لَيَسْجُنُنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ ظَهَرَ لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ قائِلِينَ واللَّهِ لَيَسْجُنُنَّهُ. وقُرِئَ لَتَسْجُنُنَّهُ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، إمّا لِلْعَزِيزِ ومَن مَعَهُ، أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلى طَرِيقِ التَّعْظِيمِ، والآياتِ قِيلَ هي القَمِيصُ وشَهادَةُ الشّاهِدِ وقَطْعُ الأيْدِي، وقِيلَ هي البَرَكاتُ الَّتِي فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وُصُولِ يُوسُفَ إلَيْهِمْ ولَمْ يُجْدِ ذَلِكَ فِيهِمْ بَلْ كانَتِ امْرَأتُهُ هي الغالِبَةُ عَلى رَأْيِهِ الفاعِلَةُ لِما يُطابِقُ هَواها في يُوسُفَ، وإنْفاذُ ما تَقَدَّمَ مِنها مِنَ الوَعِيدِ لَهُ بِقَوْلِها ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] قِيلَ وسَبَبُ ظُهُورِ هَذا الرَّأْيِ لَهم في سَجْنِ يُوسُفَ أنَّهم أرادُوا سَتْرَ القالَةِ وكَتْمَ ما شاعَ في النّاسِ مِن قِصَّةِ امْرَأةِ العَزِيزِ مَعَهُ، وقِيلَ إنَّ العَزِيزَ قَصَدَ بِسَجْنِهِ الحَيْلُولَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ لَمّا عَلِمَ أنَّها قَدْ صارَتْ بِمَكانٍ مِن حُبِّهِ لا تُبالِي مَعَهُ بِحَمْلِ نَفْسِها عَلَيْهِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ، ومَعْنى قَوْلِهِ حَتّى حِينٍ إلى مُدَّةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ كَما قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ إلى انْقِطاعِ ما شاعَ في المَدِينَةِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إلى سَبْعِ سِنِينَ، وقِيلَ إلى خَمْسٍ، وقِيلَ إلى سِتَّةِ أشْهُرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ الكَلامُ في تَفْسِيرِ الحِينِ، وحَتّى بِمَعْنى إلى. قَوْلُهُ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: وبَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُ الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ فَسَجَنُوهُ، ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ، ومَعَ لِلْمُصاحَبَةِ، وفَتَيانِ تَثْنِيَةُ فَتًى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما عَبْدانِ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفَتى اسْمًا لِلْخادِمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا، وقَدْ قِيلَ إنَّ أحَدَهُما خَبّازُ المَلِكِ، والآخَرَ ساقِيهِ، وقَدْ كانا وضَعا لِلْمَلِكِ سُمًّا لَمّا ضَمِنَ لَهُما أهْلُ مِصْرَ مالًا في مُقابَلَةِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ السّاقِيَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وقالَ لِلْمَلِكِ: لا تَأْكُلِ الطَّعامَ فَإنَّهُ مَسْمُومٌ، وقالَ الخَبّازُ: لا تَشْرَبْ فَإنَّ الشَّرابَ مَسْمُومٌ، فَقالَ المَلِكُ لِلسّاقِي: اشْرَبْ فَشَرِبَ فَلَمْ يَضُرَّهُ، وقالَ لِلْخَبّازِ كُلْ فَأبى، فَجَرَّبَ الطَّعامَ عَلى حَيَوانٍ فَهَلَكَ مَكانَهُ فَحَبَسَهُما، وكانَ دُخُولُهُما السِّجْنَ مَعَ دُخُولِ يُوسُفَ، وقِيلَ قَبْلَهُ، وقِيلَ بَعْدَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُما سَألا يُوسُفَ عَنْ عِلْمِهِ فَقالَ: إنِّي أعْبُرُ الرُّؤْيا، فَسَألاهُ عَنْ رُؤْياهُما كَما قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ أيْ رَأيْتُنِي، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. والمَعْنى: إنِّي أرانِي أعْصِرُ عِنَبًا، فَسَمّاهُ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ مِنَ العَصْرِ. وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أعْصِرُ عِنَبًا، قالَ الأصْمَعِيُّ: أخْبَرَنِي المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّهُ لَقِيَ أعْرابِيًّا ومَعَهُ عِنَبٌ، فَقالَ لَهُ: ما مَعَكَ ؟ فَقالَ خَمْرٌ. وقِيلَ مَعْنى أعْصِرُ خَمْرًا. أيْ عِنَبَ خَمْرٍ، فَهو عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهَذا الَّذِي رَأى هَذِهِ الرُّؤْيا هو السّاقِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ، وكَذَلِكَ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها وهي ﴿وقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ ثُمَّ وصَفَ الخُبْزَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ وهَذا الرّائِي لِهَذِهِ الرُّؤْيا هو الخَبّازُ، ثُمَّ قالا لِيُوسُفَ جَمِيعًا بَعْدَ أنْ قَصّا رُؤْياهُما عَلَيْهِ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أيْ بِتَأْوِيلِ ما قَصَصْناهُ عَلَيْكَ مِن مَجْمُوعِ المَرْئَيَيْنِ، أوْ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ لَكَ مِن كَلامِنا، وقِيلَ إنْ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قالَ لَهُ ذَلِكَ عَقِبَ قَصِّ رُؤْياهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى ما رَآهُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وقِيلَ إنَّ الضَّمِيرَ في بِتَأْوِيلِهِ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ اسْمِ الإشارَةِ، والتَّقْدِيرُ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ (p-٦٩٦)أيْ مِنَ الَّذِينَ يُحْسِنُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا وكَذا قالَ الفَرّاءُ: إنَّ مَعْنى مِنَ المُحْسِنِينَ مِنَ العالِمِينَ الَّذِينَ أحْسَنُوا العِلْمَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مِنَ المُحْسِنِينَ إلَيْنا إنْ فَسَّرْتَ ذَلِكَ، أوْ مِنَ المُحْسِنِينَ إلى أهْلِ السِّجْنِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، وأنَّهُ لا يَأْتِيهِما إلى السِّجْنِ طَعامٌ إلّا أخْبَرَهُما بِماهِيَّتِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُما، وهَذا لَيْسَ مِن جَوابِ سُؤالِهِما تَعْبِيرَ ما قَصّاهُ عَلَيْهِ، بَلْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقَدِّمَةً قَبْلَ تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُما بَيانًا لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ في العِلْمِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُعْبِرِينَ الَّذِينَ يَعْبُرُونَ الرُّؤْيا عَنْ ظَنٍ وتَخْمِينٍ، فَهو كَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ [آل عمران: ٤٩] وإنَّما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُما بِهَذا لِيَحْصُلَ الِانْقِيادُ مِنها لَهُ فِيما يَدْعُوهُما إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ، ومَعْنى تُرْزَقانِهِ: يَجْرِي عَلَيْهِما مِن جِهَةِ المَلِكِ أوْ غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِطَعامٍ، أوْ يَرْزُقُكُما اللَّهُ سُبْحانَهُ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ: أيْ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ ما نَبَّأْتُكُما أيْ: بَيَّنْتُ لَكُما ماهِيَّتَهُ وكَيْفِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما، وسَمّاهُ تَأْوِيلًا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، لِأنَّ الكَلامَ في تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، أوِ المَعْنى: إلّا نَبَّأْتُكُما بِما يُئُولُ إلَيْهِ الكَلامُ مِن مُطابَقَةِ ما أُخْبِرُكُما بِهِ لِلْواقِعِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكُما إلى التَّأْوِيلِ، والخِطابُ لِلسّائِلِينَ لَهُ عَنْ تَعْبِيرِ رُؤْياهُما ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بِما أوْحاهُ إلَيَّ وألْهَمَنِي إيّاهُ لا مِن قَبِيلِ الكِهانَةِ والتَّنْجِيمِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ فِيهِ الخَطَأُ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُما أنَّ ذَلِكَ الَّذِي نالَهُ مِن هَذِهِ الرُّتْبَةِ العَلِيَّةِ والعُلُومِ الجَمَّةِ هو بِسَبَبِ تَرْكِ المِلَّةِ الَّتِي لا يُؤْمِنُ أهْلُها بِاللَّهِ ولا بِالآخِرَةِ واتِّباعِهِ لِمِلَّةِ الأنْبِياءِ مِن آبائِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِما قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالتَّرْكِ هو عَدَمُ التَّلَبُّسِ بِذَلِكَ مِنَ الأصْلِ، لا أنَّهُ قَدْ كانَ تَلَبَّسَ بِهِ، ثُمَّ تَرَكَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِما يَدُلُّ عَلى تَصَلُّبِهِمْ في الكُفْرِ وتَهالُكِهِمْ عَلَيْهِ. فَقالَ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ أيْ هم مُخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ لِإفْراطِهِمْ في الكُفْرِ بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ: واتَّبَعْتُ مَعْطُوفٌ عَلى تَرَكْتُ، وسَمّاهم آباءً جَمِيعًا لِأنَّ الأجْدادَ آباءٌ، وقَدَّمَ الجَدَّ الأعْلى، ثُمَّ الجَدَّ الأقْرَبَ ثُمَّ الأبَ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ هو أصْلُ هَذِهِ المِلَّةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها أوْلادُهُ ثُمَّ تَلَقّاها عَنْهُ إسْحاقُ ثُمَّ يَعْقُوبُ، وهَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَرْغِيبِ صاحِبَيْهِ في الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ أيْ ما صَحَّ لَنا ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ وُقُوعِهِ، والضَّمِيرُ في لَنا لَهُ ولِلْأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ، و﴿مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ: أيْ ناشِئٌ مَنَّ تَفَضُّلاتِ اللَّهِ عَلَيْنا ولُطْفِهِ بِنا بِما جَعَلَهُ لَنا مِنَ النُّبُوَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْعِصْمَةِ عَنْ مَعاصِيهِ، ومِن فَضْلِ اللَّهِ عَلى النّاسِ كافَّةً بِبَعْثَةِ الأنْبِياءِ إلَيْهِمْ وهِدايَتِهِمْ إلى رَبِّهِمْ وتَبْيِينِ طَرائِقِ الحَقِّ لَهم ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْهِمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ويُوَحِّدُونَهُ ويَعْمَلُونَ بِما شَرَعَهُ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ جَعَلَهُما مُصاحِبَيْنِ لِلسِّجْنِ لِطُولِ مُقامِهِما فِيهِ، وقِيلَ المُرادُ: يا صاحِبَيَّ في السِّجْنِ، لِأنَّ السِّجْنَ لَيْسَ بِمَصْحُوبٍ بَلْ مَصْحُوبٍ فِيهِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ يا سارِقَ اللَّيْلَةِ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤] والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ مَعَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ومَعْنى التَّفَرُّقِ هُنا هو التَّفَرُّقُ في الذَّواتِ والصِّفاتِ والعَدَدِ: أيْ هَلِ الأرْبابُ المُتَفَرِّقُونَ في ذَواتِهِمُ المُخْتَلِفُونَ في صِفاتِهِمُ المُتَنافُونَ في عَدَدِهِمْ خَيْرٌ لَكُما يا صاحِبَيِ السِّجْنِ، أمِ اللَّهُ المَعْبُودُ بِحَقٍّ المُتَفَرِّدُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ الَّذِي لا ضِدَّ لَهُ ولا نِدَّ ولا شَرِيكَ، القَهّارُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ولا يُعانِدُهُ مُعانِدٌ ؟ أوْرَدَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صاحِبَيِ السِّجْنِ هَذِهِ الحُجَّةَ القاهِرَةَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُما كانا مِمَّنْ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ كانَ بَيْنَ أيْدِيهِما أصْنامٌ يَعْبُدُونَها عِنْدَ أنْ خاطَبَهُما بِهَذا الخِطابِ. ولِهَذا قالَ لَهُما ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ إلّا أسْماءً فارِغَةً سَمَّيْتُمُوها ولا مُسَمَّياتِ لَها، وإنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ لَها مُسَمَّياتٍ، وهي الآلِهَةُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ بِذَلِكَ صارَتِ الأسْماءُ كَأنَّها لا مُسَمَّياتِ لَها، وقِيلَ المَعْنى: ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا مُسَمَّياتِ أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم، ولَيْسَ لَها مِنَ الإلَهِيَّةِ شَيْءٌ إلّا مُجَرَّدُ الأسْماءِ لِكَوْنِها جَماداتٍ لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وإنَّما قالَ: ما تَعْبُدُونَ عَلى خِطابِ الجَمْعِ وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ، لِأنَّهُ قَصَدَ خِطابَ صاحِبَيِ السِّجْنِ ومَن كانَ عَلى دِينِهِمْ، ومَفْعُولُ سَمَّيْتُمُوها الثّانِي مَحْذُوفٌ: أيْ سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِن عِنْدِ أنْفُسِكم ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها﴾ أيْ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ مِن سُلْطانٍ مِن حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِحَّتِها إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أيْ ما الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ في العِبادَةِ، فَهو الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي جَعَلْتُمُوها مَعْبُودَةً بِدُونِ حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، وجُمْلَةُ ﴿أمَرَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: أنَّهُ أمَرَكم بِتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا تَزْعُمُونَ أنَّهُ مَعْبُودٌ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ عِبادَتَهُ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ هي دِينُ اللَّهِ الَّذِي لا دِينَ غَيْرُهُ فَقالَ: ذَلِكَ أيْ تَخْصِيصُهُ بِالعِبادَةِ الدِّينُ القَيِّمُ أيِ المُسْتَقِيمُ الثّابِتُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو دِينُهُ القَوِيمُ، وصِراطُهُ المُسْتَقِيمُ، لِجَهْلِكم وبُعْدِكم عَنِ الحَقائِقِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ فَقالَ: ما سَألَنِي عَنْها أحَدٌ قَبْلَكَ، مِنَ الآياتِ قَدُّ القَمِيصِ وأثَرُها في جَسَدِهِ، وأثَرُ السِّكِّينِ، وقالَتِ امْرَأةُ (p-٦٩٧)العَزِيزِ: إنْ أنْتَ لَمْ تَسْجُنْهُ لَيُصَدِّقَنَّهُ النّاسُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِنَ الآياتِ كَلامُ الصَّبِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الآياتُ حَزُّهُنَّ أيْدِيَهُنَّ وقَدُّ القَمِيصِ. وأقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى بَراءَتِهِ فَلا يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ أيْدِي النِّسْوَةِ مِنها، لِأنَّهُ وقَعَ مِنهُنَّ ذَلِكَ لِما حَصَلَ لَهُنَّ مِنَ الدَّهْشَةِ عِنْدَ ظُهُورِهِ لَهُنَّ مَعَ ما ألْبَسَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الجَمالِ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ عُرى الصَّبْرِ وتَضْعُفُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ قُوى التَّجَلُّدِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الحُسْنِ ما يَسْلُبُ عُقُولَ المُبْصِرِينَ، ويَذْهَبُ بِإدْراكِ النّاظِرِينَ، فَنَعَمْ يَصِحُّ عَدُّ قَطْعِ الأيْدِي مِن جُمْلَةِ الآياتِ، ولَكِنْ لَيْسَ هَذِهِ الآياتُ هي المُرادَّةُ هُنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: عُوقِبَ يُوسُفُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: أمّا أوَّلُ مَرَّةٍ فَبِالحَبْسِ لِما كانَ مِن هَمِّهِ بِها، والثّانِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٧٦] عُوقِبَ بِطُولِ الحَبْسِ، والثّالِثَةُ حَيْثُ قالَ: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ يُوسُفَ ٧٦ ٧٠ فاسْتَقْبَلَ في وجْهِهِ ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ يُوسُفَ ٧٧ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ قالَ: أحَدُهُما خازِنُ المَلِكِ عَلى طَعامِهِ، والآخَرُ ساقِيهِ عَلى شَرابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ قالَ: عِنَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قالَ: عِبارَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: كانَ إحْسانُهُ فِيما ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ يُعَزِّي حَزِينَهم ويُداوِي مَرِيضَهم، ورَأوْ مِنهُ عِبادَةً واجْتِهادًا فَأحَبُّوهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ إحْسانُهُ أنَّهُ إذا مَرِضَ إنْسانٌ في السِّجْنِ قامَ عَلَيْهِ. وإذا ضاقَ عَلَيْهِ المَكانُ أوْسَعَ لَهُ، وإذا احْتاجَ جَمَعَ لَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَعا يُوسُفُ لِأهْلِ السِّجْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُعَمِّ عَلَيْهِمُ الأخْبارَ وهَوِّنْ عَلَيْهِمْ مَرَّ الأيّامِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْحٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ﴾ الآيَةَ قالَ: كَرِهَ العِبارَةَ لَهُما فَأجابَهُما بِغَيْرِ جَوابِهِما لِيُرِيَهُما أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا، وكانَ المَلِكُ إذا أرادَ قَتْلَ إنْسانٍ صَنَعَ لَهُ طَعامًا مَعْلُومًا فَأرْسَلَ بِهِ إلَيْهِ، فَقالَ يُوسُفُ ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: يَشْكُرُونَ، فَلَمْ يَدْعَهُ صاحِبا الرُّؤْيا حَتّى يَعْبُرَ لَهُما، فَكَرِهَ العِبارَةَ فَقالَ: ﴿ياصاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: فَلَمْ يَدَعاهُ، فَعَبَرَ لَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ لَيَشْكُرُ ما بِهِ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ، ويَشْكُرُ ما بِالنّاسِ مِن نِعَمِ اللَّهِ، ذُكِرَ لَنا أنَّ أبا الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: يا رُبَّ شاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرِ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ لا يَدْرِي، ويا رُبَّ حامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ الآيَةَ قالَ: لَمّا عَرَفَ يُوسُفُ أنَّ أحَدَهُما مَقْتُولٌ دَعاهُما إلى حَظِّهِما مِن رَبِّهِما وإلى نَصِيبِهِما مِن آخِرَتِهِما. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ قالَ: العَدْلُ. فَقالَ:

يوسف 12:41

. هَذا هو بَيانُ ما طَلَباهُ مِنهُ مِن تَعْبِيرِ رُؤْياهُما، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما هو السّاقِي، وإنَّما أبْهَمَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا أوْ لِكَراهَةِ التَّصْرِيحِ لِلْخَبّازِ بِأنَّهُ الَّذِي سَيُصْلَبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ مالِكَهُ، وهي عُهْدَتُهُ الَّتِي كانَ قائِمًا بِها في خِدْمَةِ المَلِكِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمّا أنْتَ أيُّها السّاقِي فَسَتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ ويَدْعُو بِكَ المَلِكُ ويُطْلِقُكَ مِنَ الحَبْسِ وأمّا الآخَرُ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ تَعْبِيرًا لِما رَآهُ مِن أنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ وقَصّاهُ عَلَيْهِ، يُقالُ اسْتَفْتاهُ: إذا طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِ شَيْءٍ سَألَهُ عَنْهُ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ، وهُما قَدْ سَألاهُ تَعْبِيرَ ما أشْكَلَ عَلَيْهِما مِنَ الرُّؤْيا. ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ أيْ قالَ يُوسُفُ، والظّانُّ هو أيْضًا يُوسُفُ، والمُرادُ بِالظَّنِّ العِلْمُ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنَ الرُّؤْيا نَجاةَ الشَّرّابِيِّ وهَلاكَ الخَبّازِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ الظّاهِرُ عَلى مَعْناهُ، لِأنَّ عابِرَ الرُّؤْيا إنَّما يَظُنُّ ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ. ولا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ قَدْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هي مَقُولُ القَوْلِ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ ويَصِفَهُ بِما شاهَدَهُ مِنهُ مِن جَوْدَةِ التَّعْبِيرِ والِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِرَةً عَنْ ذُهُولٍ ونِسْيانٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ في أنْساهُ عائِدًا إلى يُوسُفَ، هَكَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ويَكُونُ المُرادُ بِرَبِّهِ في قَوْلِهِ: ذِكْرَ رَبِّهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ إنْساءُ الشَّيْطانِ يُوسُفَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى في تِلْكَ الحالِ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَذْكُرُهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِباهِهِ عَلى ما أوْقَعَهُ مِنَ الظُّلْمِ البَيِّنِ عَلَيْهِ بِسَجْنِهِ بَعْدَ أنْ رَأى مِنَ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِهِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ: وهو الشَّرّابِيُّ، والمَعْنى: إنْساءُ الشَّيْطانِ الشَّرّابِيَّ ذِكْرَ سَيِّدِهِ: أيْ ذِكْرَهُ لِسَيِّدِهِ فَلَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ما أوْصاهُ بِهِ يُوسُفُ مَعَ ذِكْرِهِ عِنْدَ سَيِّدِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ إخْبارِهِ بِما أمَرَهُ بِهِ (p-٦٩٨)يُوسُفُ مَعَ خُلُوصِهِ مِنَ السِّجْنِ ورُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القِيامِ بِسَقْيِ المَلِكِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ الشَّيْطانِ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى الأنْبِياءِ. وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ وقَعَ مِن يُوسُفَ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والأنْبِياءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنِ النِّسْيانِ إلّا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ورُجِّحَ أيْضًا بِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، فَلَوْ كانَ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو يُوسُفُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العُقُوبَةَ عَلى ذَلِكَ بِلُبْثِهِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وأُجِيبُ بِأنَّ النِّسْيانَ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وأنَّهُ عُوقِبَ بِسَبَبِ اسْتِعانَتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى يُوسُفَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ويُؤَيِّدُ رُجُوعَهُ إلى الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ قَوْلُهُ فِيما سَيَأْتِي ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ سَنَةٍ فَلَبِثَ أيْ يُوسُفُ في السَّجْنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ لِلَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ، أوْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ بِضْعَ سِنِينَ، البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما حَكاهُ الهَرَوِيُّ عَنِ العَرَبِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ البِضْعَ: ما دُونَ نِصْفِ العِقْدِ، يَعْنِي ما بَيْنَ واحِدٍ إلى أرْبَعَةٍ، وقِيلَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، حَكاهُ قُطْرُبٌ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ قِيها يُوسُفُ في السِّجْنِ فَقِيلَ سَبْعُ سِنِينَ، وقِيلَ ثِنْتا عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما قالَ: أتاهُ فَقالَ: رَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ أنِّي غَرَسْتُ حُبْلَةً مِن عِنَبٍ فَنَبَتَتْ، فَخَرَجَ فِيهِ عَناقِيدُ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُهُنَّ المَلِكَ، فَقالَ: تَمْكُثُ في السِّجْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ خَمْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا، إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ، فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ فَصارَ الأمْرُ عَلى ما عَبَّرَ يُوسُفُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ أحَدُ اللَّذَيْنِ قَصّا عَلى يُوسُفَ الرُّؤْيا كاذِبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ ساباطَ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قالَ: عِنْدَ مَلِكِ الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ العُقُوباتِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُوحِيَ إلى يُوسُفَ: مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما لَكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا ؟ قالَ: جَزَعًا وكَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: فَوَعِزَّتِي لِأُخَلِّدَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، فَلَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، فَلَمْ نَشْتَغِلْ هَهُنا بِذِكْرِ مَن قالَ بِذَلِكَ ومَن خَرَّجَهُ.

يوسف 12:42

. هَذا هو بَيانُ ما طَلَباهُ مِنهُ مِن تَعْبِيرِ رُؤْياهُما، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما هو السّاقِي، وإنَّما أبْهَمَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا أوْ لِكَراهَةِ التَّصْرِيحِ لِلْخَبّازِ بِأنَّهُ الَّذِي سَيُصْلَبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ مالِكَهُ، وهي عُهْدَتُهُ الَّتِي كانَ قائِمًا بِها في خِدْمَةِ المَلِكِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمّا أنْتَ أيُّها السّاقِي فَسَتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ ويَدْعُو بِكَ المَلِكُ ويُطْلِقُكَ مِنَ الحَبْسِ وأمّا الآخَرُ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ تَعْبِيرًا لِما رَآهُ مِن أنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ وقَصّاهُ عَلَيْهِ، يُقالُ اسْتَفْتاهُ: إذا طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِ شَيْءٍ سَألَهُ عَنْهُ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ، وهُما قَدْ سَألاهُ تَعْبِيرَ ما أشْكَلَ عَلَيْهِما مِنَ الرُّؤْيا. ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ أيْ قالَ يُوسُفُ، والظّانُّ هو أيْضًا يُوسُفُ، والمُرادُ بِالظَّنِّ العِلْمُ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنَ الرُّؤْيا نَجاةَ الشَّرّابِيِّ وهَلاكَ الخَبّازِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ الظّاهِرُ عَلى مَعْناهُ، لِأنَّ عابِرَ الرُّؤْيا إنَّما يَظُنُّ ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ. ولا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ قَدْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هي مَقُولُ القَوْلِ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ ويَصِفَهُ بِما شاهَدَهُ مِنهُ مِن جَوْدَةِ التَّعْبِيرِ والِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِرَةً عَنْ ذُهُولٍ ونِسْيانٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ في أنْساهُ عائِدًا إلى يُوسُفَ، هَكَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ويَكُونُ المُرادُ بِرَبِّهِ في قَوْلِهِ: ذِكْرَ رَبِّهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ إنْساءُ الشَّيْطانِ يُوسُفَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى في تِلْكَ الحالِ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَذْكُرُهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِباهِهِ عَلى ما أوْقَعَهُ مِنَ الظُّلْمِ البَيِّنِ عَلَيْهِ بِسَجْنِهِ بَعْدَ أنْ رَأى مِنَ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِهِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ: وهو الشَّرّابِيُّ، والمَعْنى: إنْساءُ الشَّيْطانِ الشَّرّابِيَّ ذِكْرَ سَيِّدِهِ: أيْ ذِكْرَهُ لِسَيِّدِهِ فَلَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ما أوْصاهُ بِهِ يُوسُفُ مَعَ ذِكْرِهِ عِنْدَ سَيِّدِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ إخْبارِهِ بِما أمَرَهُ بِهِ (p-٦٩٨)يُوسُفُ مَعَ خُلُوصِهِ مِنَ السِّجْنِ ورُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القِيامِ بِسَقْيِ المَلِكِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ الشَّيْطانِ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى الأنْبِياءِ. وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ وقَعَ مِن يُوسُفَ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والأنْبِياءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنِ النِّسْيانِ إلّا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ورُجِّحَ أيْضًا بِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، فَلَوْ كانَ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو يُوسُفُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العُقُوبَةَ عَلى ذَلِكَ بِلُبْثِهِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وأُجِيبُ بِأنَّ النِّسْيانَ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وأنَّهُ عُوقِبَ بِسَبَبِ اسْتِعانَتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى يُوسُفَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ويُؤَيِّدُ رُجُوعَهُ إلى الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ قَوْلُهُ فِيما سَيَأْتِي ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ سَنَةٍ فَلَبِثَ أيْ يُوسُفُ في السَّجْنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ لِلَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ، أوْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ بِضْعَ سِنِينَ، البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما حَكاهُ الهَرَوِيُّ عَنِ العَرَبِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ البِضْعَ: ما دُونَ نِصْفِ العِقْدِ، يَعْنِي ما بَيْنَ واحِدٍ إلى أرْبَعَةٍ، وقِيلَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، حَكاهُ قُطْرُبٌ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ قِيها يُوسُفُ في السِّجْنِ فَقِيلَ سَبْعُ سِنِينَ، وقِيلَ ثِنْتا عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما قالَ: أتاهُ فَقالَ: رَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ أنِّي غَرَسْتُ حُبْلَةً مِن عِنَبٍ فَنَبَتَتْ، فَخَرَجَ فِيهِ عَناقِيدُ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُهُنَّ المَلِكَ، فَقالَ: تَمْكُثُ في السِّجْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ خَمْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا، إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ، فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ فَصارَ الأمْرُ عَلى ما عَبَّرَ يُوسُفُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ أحَدُ اللَّذَيْنِ قَصّا عَلى يُوسُفَ الرُّؤْيا كاذِبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ ساباطَ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قالَ: عِنْدَ مَلِكِ الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ العُقُوباتِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُوحِيَ إلى يُوسُفَ: مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما لَكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا ؟ قالَ: جَزَعًا وكَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: فَوَعِزَّتِي لِأُخَلِّدَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، فَلَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، فَلَمْ نَشْتَغِلْ هَهُنا بِذِكْرِ مَن قالَ بِذَلِكَ ومَن خَرَّجَهُ.

يوسف 12:43

. هَذا هو بَيانُ ما طَلَباهُ مِنهُ مِن تَعْبِيرِ رُؤْياهُما، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما هو السّاقِي، وإنَّما أبْهَمَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا أوْ لِكَراهَةِ التَّصْرِيحِ لِلْخَبّازِ بِأنَّهُ الَّذِي سَيُصْلَبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ مالِكَهُ، وهي عُهْدَتُهُ الَّتِي كانَ قائِمًا بِها في خِدْمَةِ المَلِكِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمّا أنْتَ أيُّها السّاقِي فَسَتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ ويَدْعُو بِكَ المَلِكُ ويُطْلِقُكَ مِنَ الحَبْسِ وأمّا الآخَرُ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ تَعْبِيرًا لِما رَآهُ مِن أنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ وقَصّاهُ عَلَيْهِ، يُقالُ اسْتَفْتاهُ: إذا طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِ شَيْءٍ سَألَهُ عَنْهُ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ، وهُما قَدْ سَألاهُ تَعْبِيرَ ما أشْكَلَ عَلَيْهِما مِنَ الرُّؤْيا. ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ أيْ قالَ يُوسُفُ، والظّانُّ هو أيْضًا يُوسُفُ، والمُرادُ بِالظَّنِّ العِلْمُ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنَ الرُّؤْيا نَجاةَ الشَّرّابِيِّ وهَلاكَ الخَبّازِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ الظّاهِرُ عَلى مَعْناهُ، لِأنَّ عابِرَ الرُّؤْيا إنَّما يَظُنُّ ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ. ولا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ قَدْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هي مَقُولُ القَوْلِ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ ويَصِفَهُ بِما شاهَدَهُ مِنهُ مِن جَوْدَةِ التَّعْبِيرِ والِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِرَةً عَنْ ذُهُولٍ ونِسْيانٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ في أنْساهُ عائِدًا إلى يُوسُفَ، هَكَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ويَكُونُ المُرادُ بِرَبِّهِ في قَوْلِهِ: ذِكْرَ رَبِّهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ إنْساءُ الشَّيْطانِ يُوسُفَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى في تِلْكَ الحالِ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَذْكُرُهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِباهِهِ عَلى ما أوْقَعَهُ مِنَ الظُّلْمِ البَيِّنِ عَلَيْهِ بِسَجْنِهِ بَعْدَ أنْ رَأى مِنَ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِهِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ: وهو الشَّرّابِيُّ، والمَعْنى: إنْساءُ الشَّيْطانِ الشَّرّابِيَّ ذِكْرَ سَيِّدِهِ: أيْ ذِكْرَهُ لِسَيِّدِهِ فَلَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ما أوْصاهُ بِهِ يُوسُفُ مَعَ ذِكْرِهِ عِنْدَ سَيِّدِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ إخْبارِهِ بِما أمَرَهُ بِهِ (p-٦٩٨)يُوسُفُ مَعَ خُلُوصِهِ مِنَ السِّجْنِ ورُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القِيامِ بِسَقْيِ المَلِكِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ الشَّيْطانِ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى الأنْبِياءِ. وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ وقَعَ مِن يُوسُفَ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والأنْبِياءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنِ النِّسْيانِ إلّا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ورُجِّحَ أيْضًا بِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، فَلَوْ كانَ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو يُوسُفُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العُقُوبَةَ عَلى ذَلِكَ بِلُبْثِهِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وأُجِيبُ بِأنَّ النِّسْيانَ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وأنَّهُ عُوقِبَ بِسَبَبِ اسْتِعانَتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى يُوسُفَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ويُؤَيِّدُ رُجُوعَهُ إلى الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ قَوْلُهُ فِيما سَيَأْتِي ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ سَنَةٍ فَلَبِثَ أيْ يُوسُفُ في السَّجْنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ لِلَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ، أوْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ بِضْعَ سِنِينَ، البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما حَكاهُ الهَرَوِيُّ عَنِ العَرَبِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ البِضْعَ: ما دُونَ نِصْفِ العِقْدِ، يَعْنِي ما بَيْنَ واحِدٍ إلى أرْبَعَةٍ، وقِيلَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، حَكاهُ قُطْرُبٌ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ قِيها يُوسُفُ في السِّجْنِ فَقِيلَ سَبْعُ سِنِينَ، وقِيلَ ثِنْتا عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما قالَ: أتاهُ فَقالَ: رَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ أنِّي غَرَسْتُ حُبْلَةً مِن عِنَبٍ فَنَبَتَتْ، فَخَرَجَ فِيهِ عَناقِيدُ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُهُنَّ المَلِكَ، فَقالَ: تَمْكُثُ في السِّجْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ خَمْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا، إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ، فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ فَصارَ الأمْرُ عَلى ما عَبَّرَ يُوسُفُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ أحَدُ اللَّذَيْنِ قَصّا عَلى يُوسُفَ الرُّؤْيا كاذِبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ ساباطَ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قالَ: عِنْدَ مَلِكِ الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ العُقُوباتِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُوحِيَ إلى يُوسُفَ: مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما لَكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا ؟ قالَ: جَزَعًا وكَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: فَوَعِزَّتِي لِأُخَلِّدَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، فَلَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، فَلَمْ نَشْتَغِلْ هَهُنا بِذِكْرِ مَن قالَ بِذَلِكَ ومَن خَرَّجَهُ.

يوسف 12:44

. هَذا هو بَيانُ ما طَلَباهُ مِنهُ مِن تَعْبِيرِ رُؤْياهُما، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما هو السّاقِي، وإنَّما أبْهَمَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا أوْ لِكَراهَةِ التَّصْرِيحِ لِلْخَبّازِ بِأنَّهُ الَّذِي سَيُصْلَبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ مالِكَهُ، وهي عُهْدَتُهُ الَّتِي كانَ قائِمًا بِها في خِدْمَةِ المَلِكِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمّا أنْتَ أيُّها السّاقِي فَسَتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ ويَدْعُو بِكَ المَلِكُ ويُطْلِقُكَ مِنَ الحَبْسِ وأمّا الآخَرُ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ تَعْبِيرًا لِما رَآهُ مِن أنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ وقَصّاهُ عَلَيْهِ، يُقالُ اسْتَفْتاهُ: إذا طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِ شَيْءٍ سَألَهُ عَنْهُ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ، وهُما قَدْ سَألاهُ تَعْبِيرَ ما أشْكَلَ عَلَيْهِما مِنَ الرُّؤْيا. ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ أيْ قالَ يُوسُفُ، والظّانُّ هو أيْضًا يُوسُفُ، والمُرادُ بِالظَّنِّ العِلْمُ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنَ الرُّؤْيا نَجاةَ الشَّرّابِيِّ وهَلاكَ الخَبّازِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ الظّاهِرُ عَلى مَعْناهُ، لِأنَّ عابِرَ الرُّؤْيا إنَّما يَظُنُّ ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ. ولا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ قَدْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هي مَقُولُ القَوْلِ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ ويَصِفَهُ بِما شاهَدَهُ مِنهُ مِن جَوْدَةِ التَّعْبِيرِ والِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِرَةً عَنْ ذُهُولٍ ونِسْيانٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ في أنْساهُ عائِدًا إلى يُوسُفَ، هَكَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ويَكُونُ المُرادُ بِرَبِّهِ في قَوْلِهِ: ذِكْرَ رَبِّهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ إنْساءُ الشَّيْطانِ يُوسُفَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى في تِلْكَ الحالِ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَذْكُرُهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِباهِهِ عَلى ما أوْقَعَهُ مِنَ الظُّلْمِ البَيِّنِ عَلَيْهِ بِسَجْنِهِ بَعْدَ أنْ رَأى مِنَ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِهِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ: وهو الشَّرّابِيُّ، والمَعْنى: إنْساءُ الشَّيْطانِ الشَّرّابِيَّ ذِكْرَ سَيِّدِهِ: أيْ ذِكْرَهُ لِسَيِّدِهِ فَلَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ما أوْصاهُ بِهِ يُوسُفُ مَعَ ذِكْرِهِ عِنْدَ سَيِّدِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ إخْبارِهِ بِما أمَرَهُ بِهِ (p-٦٩٨)يُوسُفُ مَعَ خُلُوصِهِ مِنَ السِّجْنِ ورُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القِيامِ بِسَقْيِ المَلِكِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ الشَّيْطانِ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى الأنْبِياءِ. وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ وقَعَ مِن يُوسُفَ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والأنْبِياءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنِ النِّسْيانِ إلّا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ورُجِّحَ أيْضًا بِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، فَلَوْ كانَ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو يُوسُفُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العُقُوبَةَ عَلى ذَلِكَ بِلُبْثِهِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وأُجِيبُ بِأنَّ النِّسْيانَ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وأنَّهُ عُوقِبَ بِسَبَبِ اسْتِعانَتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى يُوسُفَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ويُؤَيِّدُ رُجُوعَهُ إلى الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ قَوْلُهُ فِيما سَيَأْتِي ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ سَنَةٍ فَلَبِثَ أيْ يُوسُفُ في السَّجْنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ لِلَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ، أوْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ بِضْعَ سِنِينَ، البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما حَكاهُ الهَرَوِيُّ عَنِ العَرَبِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ البِضْعَ: ما دُونَ نِصْفِ العِقْدِ، يَعْنِي ما بَيْنَ واحِدٍ إلى أرْبَعَةٍ، وقِيلَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، حَكاهُ قُطْرُبٌ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ قِيها يُوسُفُ في السِّجْنِ فَقِيلَ سَبْعُ سِنِينَ، وقِيلَ ثِنْتا عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما قالَ: أتاهُ فَقالَ: رَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ أنِّي غَرَسْتُ حُبْلَةً مِن عِنَبٍ فَنَبَتَتْ، فَخَرَجَ فِيهِ عَناقِيدُ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُهُنَّ المَلِكَ، فَقالَ: تَمْكُثُ في السِّجْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ خَمْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا، إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ، فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ فَصارَ الأمْرُ عَلى ما عَبَّرَ يُوسُفُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ أحَدُ اللَّذَيْنِ قَصّا عَلى يُوسُفَ الرُّؤْيا كاذِبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ ساباطَ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قالَ: عِنْدَ مَلِكِ الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ العُقُوباتِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُوحِيَ إلى يُوسُفَ: مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما لَكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا ؟ قالَ: جَزَعًا وكَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: فَوَعِزَّتِي لِأُخَلِّدَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، فَلَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، فَلَمْ نَشْتَغِلْ هَهُنا بِذِكْرِ مَن قالَ بِذَلِكَ ومَن خَرَّجَهُ.

يوسف 12:45

. هَذا هو بَيانُ ما طَلَباهُ مِنهُ مِن تَعْبِيرِ رُؤْياهُما، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما هو السّاقِي، وإنَّما أبْهَمَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا أوْ لِكَراهَةِ التَّصْرِيحِ لِلْخَبّازِ بِأنَّهُ الَّذِي سَيُصْلَبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ مالِكَهُ، وهي عُهْدَتُهُ الَّتِي كانَ قائِمًا بِها في خِدْمَةِ المَلِكِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمّا أنْتَ أيُّها السّاقِي فَسَتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ ويَدْعُو بِكَ المَلِكُ ويُطْلِقُكَ مِنَ الحَبْسِ وأمّا الآخَرُ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ تَعْبِيرًا لِما رَآهُ مِن أنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ وقَصّاهُ عَلَيْهِ، يُقالُ اسْتَفْتاهُ: إذا طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِ شَيْءٍ سَألَهُ عَنْهُ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ، وهُما قَدْ سَألاهُ تَعْبِيرَ ما أشْكَلَ عَلَيْهِما مِنَ الرُّؤْيا. ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ أيْ قالَ يُوسُفُ، والظّانُّ هو أيْضًا يُوسُفُ، والمُرادُ بِالظَّنِّ العِلْمُ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنَ الرُّؤْيا نَجاةَ الشَّرّابِيِّ وهَلاكَ الخَبّازِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ الظّاهِرُ عَلى مَعْناهُ، لِأنَّ عابِرَ الرُّؤْيا إنَّما يَظُنُّ ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ. ولا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ قَدْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هي مَقُولُ القَوْلِ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ ويَصِفَهُ بِما شاهَدَهُ مِنهُ مِن جَوْدَةِ التَّعْبِيرِ والِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِرَةً عَنْ ذُهُولٍ ونِسْيانٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ في أنْساهُ عائِدًا إلى يُوسُفَ، هَكَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ويَكُونُ المُرادُ بِرَبِّهِ في قَوْلِهِ: ذِكْرَ رَبِّهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ إنْساءُ الشَّيْطانِ يُوسُفَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى في تِلْكَ الحالِ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَذْكُرُهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِباهِهِ عَلى ما أوْقَعَهُ مِنَ الظُّلْمِ البَيِّنِ عَلَيْهِ بِسَجْنِهِ بَعْدَ أنْ رَأى مِنَ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِهِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ: وهو الشَّرّابِيُّ، والمَعْنى: إنْساءُ الشَّيْطانِ الشَّرّابِيَّ ذِكْرَ سَيِّدِهِ: أيْ ذِكْرَهُ لِسَيِّدِهِ فَلَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ما أوْصاهُ بِهِ يُوسُفُ مَعَ ذِكْرِهِ عِنْدَ سَيِّدِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ إخْبارِهِ بِما أمَرَهُ بِهِ (p-٦٩٨)يُوسُفُ مَعَ خُلُوصِهِ مِنَ السِّجْنِ ورُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القِيامِ بِسَقْيِ المَلِكِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ الشَّيْطانِ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى الأنْبِياءِ. وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ وقَعَ مِن يُوسُفَ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والأنْبِياءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنِ النِّسْيانِ إلّا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ورُجِّحَ أيْضًا بِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، فَلَوْ كانَ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو يُوسُفُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العُقُوبَةَ عَلى ذَلِكَ بِلُبْثِهِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وأُجِيبُ بِأنَّ النِّسْيانَ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وأنَّهُ عُوقِبَ بِسَبَبِ اسْتِعانَتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى يُوسُفَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ويُؤَيِّدُ رُجُوعَهُ إلى الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ قَوْلُهُ فِيما سَيَأْتِي ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ سَنَةٍ فَلَبِثَ أيْ يُوسُفُ في السَّجْنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ لِلَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ، أوْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ بِضْعَ سِنِينَ، البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما حَكاهُ الهَرَوِيُّ عَنِ العَرَبِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ البِضْعَ: ما دُونَ نِصْفِ العِقْدِ، يَعْنِي ما بَيْنَ واحِدٍ إلى أرْبَعَةٍ، وقِيلَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، حَكاهُ قُطْرُبٌ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ قِيها يُوسُفُ في السِّجْنِ فَقِيلَ سَبْعُ سِنِينَ، وقِيلَ ثِنْتا عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما قالَ: أتاهُ فَقالَ: رَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ أنِّي غَرَسْتُ حُبْلَةً مِن عِنَبٍ فَنَبَتَتْ، فَخَرَجَ فِيهِ عَناقِيدُ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُهُنَّ المَلِكَ، فَقالَ: تَمْكُثُ في السِّجْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ خَمْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا، إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ، فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ فَصارَ الأمْرُ عَلى ما عَبَّرَ يُوسُفُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ أحَدُ اللَّذَيْنِ قَصّا عَلى يُوسُفَ الرُّؤْيا كاذِبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ ساباطَ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قالَ: عِنْدَ مَلِكِ الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ العُقُوباتِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُوحِيَ إلى يُوسُفَ: مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما لَكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا ؟ قالَ: جَزَعًا وكَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: فَوَعِزَّتِي لِأُخَلِّدَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، فَلَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، فَلَمْ نَشْتَغِلْ هَهُنا بِذِكْرِ مَن قالَ بِذَلِكَ ومَن خَرَّجَهُ.

يوسف 12:46

. هَذا هو بَيانُ ما طَلَباهُ مِنهُ مِن تَعْبِيرِ رُؤْياهُما، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما هو السّاقِي، وإنَّما أبْهَمَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا أوْ لِكَراهَةِ التَّصْرِيحِ لِلْخَبّازِ بِأنَّهُ الَّذِي سَيُصْلَبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ مالِكَهُ، وهي عُهْدَتُهُ الَّتِي كانَ قائِمًا بِها في خِدْمَةِ المَلِكِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمّا أنْتَ أيُّها السّاقِي فَسَتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ ويَدْعُو بِكَ المَلِكُ ويُطْلِقُكَ مِنَ الحَبْسِ وأمّا الآخَرُ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ تَعْبِيرًا لِما رَآهُ مِن أنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ وقَصّاهُ عَلَيْهِ، يُقالُ اسْتَفْتاهُ: إذا طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِ شَيْءٍ سَألَهُ عَنْهُ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ، وهُما قَدْ سَألاهُ تَعْبِيرَ ما أشْكَلَ عَلَيْهِما مِنَ الرُّؤْيا. ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ أيْ قالَ يُوسُفُ، والظّانُّ هو أيْضًا يُوسُفُ، والمُرادُ بِالظَّنِّ العِلْمُ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنَ الرُّؤْيا نَجاةَ الشَّرّابِيِّ وهَلاكَ الخَبّازِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ الظّاهِرُ عَلى مَعْناهُ، لِأنَّ عابِرَ الرُّؤْيا إنَّما يَظُنُّ ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ. ولا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ قَدْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هي مَقُولُ القَوْلِ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ ويَصِفَهُ بِما شاهَدَهُ مِنهُ مِن جَوْدَةِ التَّعْبِيرِ والِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِرَةً عَنْ ذُهُولٍ ونِسْيانٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ في أنْساهُ عائِدًا إلى يُوسُفَ، هَكَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ويَكُونُ المُرادُ بِرَبِّهِ في قَوْلِهِ: ذِكْرَ رَبِّهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ إنْساءُ الشَّيْطانِ يُوسُفَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى في تِلْكَ الحالِ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَذْكُرُهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِباهِهِ عَلى ما أوْقَعَهُ مِنَ الظُّلْمِ البَيِّنِ عَلَيْهِ بِسَجْنِهِ بَعْدَ أنْ رَأى مِنَ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِهِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ: وهو الشَّرّابِيُّ، والمَعْنى: إنْساءُ الشَّيْطانِ الشَّرّابِيَّ ذِكْرَ سَيِّدِهِ: أيْ ذِكْرَهُ لِسَيِّدِهِ فَلَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ما أوْصاهُ بِهِ يُوسُفُ مَعَ ذِكْرِهِ عِنْدَ سَيِّدِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ إخْبارِهِ بِما أمَرَهُ بِهِ (p-٦٩٨)يُوسُفُ مَعَ خُلُوصِهِ مِنَ السِّجْنِ ورُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القِيامِ بِسَقْيِ المَلِكِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ الشَّيْطانِ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى الأنْبِياءِ. وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ وقَعَ مِن يُوسُفَ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والأنْبِياءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنِ النِّسْيانِ إلّا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ورُجِّحَ أيْضًا بِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، فَلَوْ كانَ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو يُوسُفُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العُقُوبَةَ عَلى ذَلِكَ بِلُبْثِهِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وأُجِيبُ بِأنَّ النِّسْيانَ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وأنَّهُ عُوقِبَ بِسَبَبِ اسْتِعانَتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى يُوسُفَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ويُؤَيِّدُ رُجُوعَهُ إلى الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ قَوْلُهُ فِيما سَيَأْتِي ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ سَنَةٍ فَلَبِثَ أيْ يُوسُفُ في السَّجْنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ لِلَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ، أوْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ بِضْعَ سِنِينَ، البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما حَكاهُ الهَرَوِيُّ عَنِ العَرَبِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ البِضْعَ: ما دُونَ نِصْفِ العِقْدِ، يَعْنِي ما بَيْنَ واحِدٍ إلى أرْبَعَةٍ، وقِيلَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، حَكاهُ قُطْرُبٌ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ قِيها يُوسُفُ في السِّجْنِ فَقِيلَ سَبْعُ سِنِينَ، وقِيلَ ثِنْتا عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما قالَ: أتاهُ فَقالَ: رَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ أنِّي غَرَسْتُ حُبْلَةً مِن عِنَبٍ فَنَبَتَتْ، فَخَرَجَ فِيهِ عَناقِيدُ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُهُنَّ المَلِكَ، فَقالَ: تَمْكُثُ في السِّجْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ خَمْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا، إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ، فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ فَصارَ الأمْرُ عَلى ما عَبَّرَ يُوسُفُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ أحَدُ اللَّذَيْنِ قَصّا عَلى يُوسُفَ الرُّؤْيا كاذِبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ ساباطَ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قالَ: عِنْدَ مَلِكِ الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ العُقُوباتِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُوحِيَ إلى يُوسُفَ: مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما لَكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا ؟ قالَ: جَزَعًا وكَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: فَوَعِزَّتِي لِأُخَلِّدَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، فَلَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، فَلَمْ نَشْتَغِلْ هَهُنا بِذِكْرِ مَن قالَ بِذَلِكَ ومَن خَرَّجَهُ.

يوسف 12:47

. هَذا هو بَيانُ ما طَلَباهُ مِنهُ مِن تَعْبِيرِ رُؤْياهُما، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما هو السّاقِي، وإنَّما أبْهَمَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا أوْ لِكَراهَةِ التَّصْرِيحِ لِلْخَبّازِ بِأنَّهُ الَّذِي سَيُصْلَبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ مالِكَهُ، وهي عُهْدَتُهُ الَّتِي كانَ قائِمًا بِها في خِدْمَةِ المَلِكِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمّا أنْتَ أيُّها السّاقِي فَسَتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ ويَدْعُو بِكَ المَلِكُ ويُطْلِقُكَ مِنَ الحَبْسِ وأمّا الآخَرُ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ تَعْبِيرًا لِما رَآهُ مِن أنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ وقَصّاهُ عَلَيْهِ، يُقالُ اسْتَفْتاهُ: إذا طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِ شَيْءٍ سَألَهُ عَنْهُ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ، وهُما قَدْ سَألاهُ تَعْبِيرَ ما أشْكَلَ عَلَيْهِما مِنَ الرُّؤْيا. ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ أيْ قالَ يُوسُفُ، والظّانُّ هو أيْضًا يُوسُفُ، والمُرادُ بِالظَّنِّ العِلْمُ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنَ الرُّؤْيا نَجاةَ الشَّرّابِيِّ وهَلاكَ الخَبّازِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ الظّاهِرُ عَلى مَعْناهُ، لِأنَّ عابِرَ الرُّؤْيا إنَّما يَظُنُّ ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ. ولا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ قَدْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هي مَقُولُ القَوْلِ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ ويَصِفَهُ بِما شاهَدَهُ مِنهُ مِن جَوْدَةِ التَّعْبِيرِ والِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِرَةً عَنْ ذُهُولٍ ونِسْيانٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ في أنْساهُ عائِدًا إلى يُوسُفَ، هَكَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ويَكُونُ المُرادُ بِرَبِّهِ في قَوْلِهِ: ذِكْرَ رَبِّهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ إنْساءُ الشَّيْطانِ يُوسُفَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى في تِلْكَ الحالِ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَذْكُرُهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِباهِهِ عَلى ما أوْقَعَهُ مِنَ الظُّلْمِ البَيِّنِ عَلَيْهِ بِسَجْنِهِ بَعْدَ أنْ رَأى مِنَ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِهِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ: وهو الشَّرّابِيُّ، والمَعْنى: إنْساءُ الشَّيْطانِ الشَّرّابِيَّ ذِكْرَ سَيِّدِهِ: أيْ ذِكْرَهُ لِسَيِّدِهِ فَلَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ما أوْصاهُ بِهِ يُوسُفُ مَعَ ذِكْرِهِ عِنْدَ سَيِّدِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ إخْبارِهِ بِما أمَرَهُ بِهِ (p-٦٩٨)يُوسُفُ مَعَ خُلُوصِهِ مِنَ السِّجْنِ ورُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القِيامِ بِسَقْيِ المَلِكِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ الشَّيْطانِ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى الأنْبِياءِ. وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ وقَعَ مِن يُوسُفَ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والأنْبِياءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنِ النِّسْيانِ إلّا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ورُجِّحَ أيْضًا بِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، فَلَوْ كانَ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو يُوسُفُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العُقُوبَةَ عَلى ذَلِكَ بِلُبْثِهِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وأُجِيبُ بِأنَّ النِّسْيانَ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وأنَّهُ عُوقِبَ بِسَبَبِ اسْتِعانَتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى يُوسُفَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ويُؤَيِّدُ رُجُوعَهُ إلى الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ قَوْلُهُ فِيما سَيَأْتِي ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ سَنَةٍ فَلَبِثَ أيْ يُوسُفُ في السَّجْنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ لِلَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ، أوْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ بِضْعَ سِنِينَ، البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما حَكاهُ الهَرَوِيُّ عَنِ العَرَبِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ البِضْعَ: ما دُونَ نِصْفِ العِقْدِ، يَعْنِي ما بَيْنَ واحِدٍ إلى أرْبَعَةٍ، وقِيلَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، حَكاهُ قُطْرُبٌ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ قِيها يُوسُفُ في السِّجْنِ فَقِيلَ سَبْعُ سِنِينَ، وقِيلَ ثِنْتا عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما قالَ: أتاهُ فَقالَ: رَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ أنِّي غَرَسْتُ حُبْلَةً مِن عِنَبٍ فَنَبَتَتْ، فَخَرَجَ فِيهِ عَناقِيدُ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُهُنَّ المَلِكَ، فَقالَ: تَمْكُثُ في السِّجْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ خَمْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا، إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ، فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ فَصارَ الأمْرُ عَلى ما عَبَّرَ يُوسُفُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ أحَدُ اللَّذَيْنِ قَصّا عَلى يُوسُفَ الرُّؤْيا كاذِبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ ساباطَ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قالَ: عِنْدَ مَلِكِ الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ العُقُوباتِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُوحِيَ إلى يُوسُفَ: مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما لَكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا ؟ قالَ: جَزَعًا وكَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: فَوَعِزَّتِي لِأُخَلِّدَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، فَلَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، فَلَمْ نَشْتَغِلْ هَهُنا بِذِكْرِ مَن قالَ بِذَلِكَ ومَن خَرَّجَهُ.

يوسف 12:48

. هَذا هو بَيانُ ما طَلَباهُ مِنهُ مِن تَعْبِيرِ رُؤْياهُما، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما هو السّاقِي، وإنَّما أبْهَمَهُ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا أوْ لِكَراهَةِ التَّصْرِيحِ لِلْخَبّازِ بِأنَّهُ الَّذِي سَيُصْلَبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أيْ مالِكَهُ، وهي عُهْدَتُهُ الَّتِي كانَ قائِمًا بِها في خِدْمَةِ المَلِكِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمّا أنْتَ أيُّها السّاقِي فَسَتَعُودُ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ ويَدْعُو بِكَ المَلِكُ ويُطْلِقُكَ مِنَ الحَبْسِ وأمّا الآخَرُ وهو الخَبّازُ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ تَعْبِيرًا لِما رَآهُ مِن أنَّهُ يَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِهِ خُبْزًا فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ وهو ما رَأياهُ وقَصّاهُ عَلَيْهِ، يُقالُ اسْتَفْتاهُ: إذا طَلَبَ مِنهُ بَيانَ حُكْمِ شَيْءٍ سَألَهُ عَنْهُ مِمّا أشْكَلَ عَلَيْهِ، وهُما قَدْ سَألاهُ تَعْبِيرَ ما أشْكَلَ عَلَيْهِما مِنَ الرُّؤْيا. ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ أيْ قالَ يُوسُفُ، والظّانُّ هو أيْضًا يُوسُفُ، والمُرادُ بِالظَّنِّ العِلْمُ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنَ الرُّؤْيا نَجاةَ الشَّرّابِيِّ وهَلاكَ الخَبّازِ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وقِيلَ الظّاهِرُ عَلى مَعْناهُ، لِأنَّ عابِرَ الرُّؤْيا إنَّما يَظُنُّ ظَنًّا، والأوَّلُ أوْلى وأنْسَبُ بِحالِ الأنْبِياءِ. ولا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ قَدْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هي مَقُولُ القَوْلِ أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ ويَصِفَهُ بِما شاهَدَهُ مِنهُ مِن جَوْدَةِ التَّعْبِيرِ والِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ صادِرَةً عَنْ ذُهُولٍ ونِسْيانٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الشَّيْطانِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ المَفْعُولِ في أنْساهُ عائِدًا إلى يُوسُفَ، هَكَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ويَكُونُ المُرادُ بِرَبِّهِ في قَوْلِهِ: ذِكْرَ رَبِّهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ: أيْ إنْساءُ الشَّيْطانِ يُوسُفَ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالى في تِلْكَ الحالِ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ يَذْكُرُهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِباهِهِ عَلى ما أوْقَعَهُ مِنَ الظُّلْمِ البَيِّنِ عَلَيْهِ بِسَجْنِهِ بَعْدَ أنْ رَأى مِنَ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَراءَتِهِ. وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ: وهو الشَّرّابِيُّ، والمَعْنى: إنْساءُ الشَّيْطانِ الشَّرّابِيَّ ذِكْرَ سَيِّدِهِ: أيْ ذِكْرَهُ لِسَيِّدِهِ فَلَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ما أوْصاهُ بِهِ يُوسُفُ مَعَ ذِكْرِهِ عِنْدَ سَيِّدِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ إخْبارِهِ بِما أمَرَهُ بِهِ (p-٦٩٨)يُوسُفُ مَعَ خُلُوصِهِ مِنَ السِّجْنِ ورُجُوعِهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ القِيامِ بِسَقْيِ المَلِكِ، وقَدْ رُجِّحَ هَذا بِكَوْنِ الشَّيْطانِ لا سَبِيلَ لَهُ عَلى الأنْبِياءِ. وأُجِيبَ بِأنَّ النِّسْيانَ وقَعَ مِن يُوسُفَ، ونِسْبَتُهُ إلى الشَّيْطانِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، والأنْبِياءُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ عَنِ النِّسْيانِ إلّا فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» ورُجِّحَ أيْضًا بِأنَّ النِّسْيانَ لَيْسَ بِذَنْبٍ، فَلَوْ كانَ الَّذِي أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ هو يُوسُفُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العُقُوبَةَ عَلى ذَلِكَ بِلُبْثِهِ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وأُجِيبُ بِأنَّ النِّسْيانَ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وأنَّهُ عُوقِبَ بِسَبَبِ اسْتِعانَتِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويُؤَيِّدُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى يُوسُفَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ ويُؤَيِّدُ رُجُوعَهُ إلى الَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ قَوْلُهُ فِيما سَيَأْتِي ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ سَنَةٍ فَلَبِثَ أيْ يُوسُفُ في السَّجْنِ بِسَبَبِ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي قالَهُ لِلَّذِي نَجا مِنَ الغُلامَيْنِ، أوْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الإنْساءِ بِضْعَ سِنِينَ، البِضْعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ كَما حَكاهُ الهَرَوِيُّ عَنِ العَرَبِ. وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ البِضْعَ: ما دُونَ نِصْفِ العِقْدِ، يَعْنِي ما بَيْنَ واحِدٍ إلى أرْبَعَةٍ، وقِيلَ ما بَيْنَ ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، حَكاهُ قُطْرُبٌ. وحَكى الزَّجّاجُ أنَّهُ ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ قِيها يُوسُفُ في السِّجْنِ فَقِيلَ سَبْعُ سِنِينَ، وقِيلَ ثِنْتا عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: أمّا أحَدُكُما قالَ: أتاهُ فَقالَ: رَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ أنِّي غَرَسْتُ حُبْلَةً مِن عِنَبٍ فَنَبَتَتْ، فَخَرَجَ فِيهِ عَناقِيدُ فَعَصَرْتُهُنَّ ثُمَّ سَقَيْتُهُنَّ المَلِكَ، فَقالَ: تَمْكُثُ في السِّجْنِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتَسْقِيهِ خَمْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما رَأى صاحِبا يُوسُفَ شَيْئًا، إنَّما تَحالَما لِيُجَرِّبا عِلْمَهُ، فَلَمّا أوَّلَ رُؤْياهُما قالا: إنَّما كُنّا نَلْعَبُ ولَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقالَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ يَقُولُ: وقَعَتِ العِبارَةُ فَصارَ الأمْرُ عَلى ما عَبَّرَ يُوسُفُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ أحَدُ اللَّذَيْنِ قَصّا عَلى يُوسُفَ الرُّؤْيا كاذِبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ ساباطَ ﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ قالَ: عِنْدَ مَلِكِ الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ العُقُوباتِ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُفُ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ حَيْثُ يَبْتَغِي الفَرَجَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وهو مُرْسَلٌ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُوحِيَ إلى يُوسُفَ: مَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ القَتْلِ حِينَ هَمَّ إخْوَتُكَ أنْ يَقْتُلُوكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ الجُبِّ إذْ ألْقَوْكَ فِيهِ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَمَنِ اسْتَنْقَذَكَ مِنَ المَرْأةِ إذْ هَمَّتْ بِكَ ؟ قالَ: أنْتَ يا رَبِّ، قالَ: فَما لَكَ نَسِيتَنِي وذَكَرْتَ آدَمِيًّا ؟ قالَ: جَزَعًا وكَلِمَةٌ تَكَلَّمَ بِها لِسانِي، قالَ: فَوَعِزَّتِي لِأُخَلِّدَنَّكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، فَلَبِثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لُبْثِهِ في السِّجْنِ عَلى حَسَبِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، فَلَمْ نَشْتَغِلْ هَهُنا بِذِكْرِ مَن قالَ بِذَلِكَ ومَن خَرَّجَهُ.

يوسف 12:49

. المُرادُ بِالمَلِكِ هُنا: هو المَلِكُ الأكْبَرُ، وهو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ الَّذِي كانَ العَزِيزُ وزِيرًا لَهُ، رَأى في نَوْمِهِ لَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ خَرَجَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ جَمْعُ سَمِينٍ وسَمِينَةٍ، في إثْرِهِنَّ سَبْعٌ عِجافٌ: أيْ مَهازِيلُ، وقَدْ أقْبَلَتِ العِجافُ عَلى السِّمانِ فَأكَلَتْهُنَّ. والمَعْنى: إنِّي رَأيْتُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ يَأْكُلُهُنَّ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِحْضارِ، والعِجافُ جَمْعُ عَجْفاءَ، وقِياسُ جَمْعِهِ عُجُفٌ، لِأنَّ فَعْلاءَ وأفْعَلَ لا تُجْمَعُ عَلى فِعالٍ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنِ القِياسِ حَمْلًا عَلى سِمانٍ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعَ بَقَراتٍ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ خُضْرٍ أنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها، واليابِساتُ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الحَصادَ، والمَعْنى: وأرى سَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، وكانَ قَدْ رَأى أنَّ السَّبْعَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ قَدْ أدْرَكَتِ الخُضْرَ والتَوَتْ عَلَيْها حَتّى غَلَبَتْها، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ هَذا في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ مِن حالِ البَقَراتِ. ﴿ياأيُّها المَلَأُ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِن قَوْمِهِ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ أيْ أخْبَرُونِي بِحُكْمِ هَذِهِ الرُّؤْيا ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا، وأصْلُ العِبارَةِ مُشْتَقَّةٌ مِن عُبُورِ النَّهْرِ، فَمَعْنى عَبَرْتُ النَّهْرَ: بَلَغْتُ شاطِئَهُ، فَعابِرُ الرُّؤْيا يُخْبِرُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُها. قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ في لِلرُّؤْيا لِلتَّبْيِينِ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ لِلرُّؤْيا وقِيلَ هو لِلتَّقْوِيَةِ، وتَأْخِيرُ الفِعْلِ العامِلِ فِيهِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ (p-٦٩٩)مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والأضْغاثُ جَمْعُ ضِغْثٍ، وهو كُلُّ مُخْتَلِطٍ مِن بَقْلٍ أوْ حَشِيشٍ أوْ غَيْرِهِما، والمَعْنى: أخالِيطُ أحْلامٍ جَمْعُ حُلْمٍ: وهي الرُّؤْيا الكاذِبَةُ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها كَما يَكُونُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ووَسْواسِ الشَّيْطانِ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، وجَمَعُوا الأحْلامَ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلِكِ إلّا رُؤْيا واحِدَةٌ مُبالَغَةً مِنهم في وصْفِها بِالبُطْلانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَأى مَعَ هَذِهِ الرُّؤْيا غَيْرَها مِمّا لَمْ يَقُصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا ﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ المُخْتَلِطَةِ، نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ ما لا تَأْوِيلَ لَهُ، لا مُطْلَقَ العِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ، وقِيلَ إنَّهُما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مُطْلَقًا ولَمْ يَدَّعُوا أنَّهُ لا تَأْوِيلَ لِهَذِهِ الرُّؤْيا، وقِيلَ إنَّهم قَصَدُوا مَحْوَها مَن صَدْرِ المَلِكِ حَتّى لا يَشْتَغِلَ بِها، ولَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ مَن نَفْيِ العِلْمِ حَقِيقَةً. ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ مِنَ الغُلامَيْنِ، وهو السّاقِي الَّذِي قالَ لَهُ يُوسُفُ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، [يوسف: ٤٢] وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهي القِراءَةُ الفَصِيحَةُ: أيْ تَذَكَّرَ السّاقِي يُوسُفَ وما شاهَدَهُ مِنهُ مِنَ العِلْمِ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا. وقُرِئَ بِالمُعْجَمَةِ، ومَعْنى بَعْدَ أُمَّةٍ: بَعْدَ حِينٍ، ومِنهُ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود: ٨] أيْ إلى وقْتٍ. قالَ ابْنِ دَرَسْتُوَيْهِ: والأُمَّةُ لا تَكُونُ عَلى الحِينِ إلّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، كَأنَّهُ قالَ: واللَّهُ أعْلَمُ وادَّكَرَ بَعْدَ حِينِ أُمَّةٍ أوْ بَعْدَ زَمَنِ أُمَّةٍ. والأُمَّةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ. قالَ الأخْفَشُ: هو في اللَّفْظِ واحِدٌ وفي المَعْنى جَمْعٌ. وكُلُّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ أُمَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ بَعْدَ أمَةٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ المِيمِ: أيْ بَعْدَ نِسْيانٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمَمْتُ وكُنْتُ لا أنْسَ حَدِيثًا كَذاكَ الدَّهْرُ يُودِي بِالعُقُولِ ويُقالُ أمَهَ يَأْمَهُ أمْهًا: إذا نَسِيَ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بَعْدَ إمَّةٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: أيْ بَعْدَ نِعْمَةٍ: وهي نِعْمَةُ النَّجاةِ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِهِ بِسُؤالِي عَنْهُ مَن لَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِهِ، وهو يُوسُفُ. فَأرْسَلُونِ خاطَبَ المَلِكَ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ، أوْ خاطَبَهُ ومَن كانَ عِنْدَهُ مِنَ المَلَأِ، طَلَبَ مِنهم أنْ يُرْسِلُوهُ إلى يُوسُفَ لِيَقُصَّ عَلَيْهِ رُؤْيا المَلِكِ حَتّى يُخْبِرَهُ بِتَأْوِيلِها فَيَعُودَ بِذَلِكَ إلى المَلِكِ. ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا﴾ أيْ يا يُوسُفُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأرْسَلُوهُ إلى يُوسُفَ فَسارَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، والمَعْنى: أخْبِرْنا في رُؤْيا مَن رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ إلَخْ وتَرَكَ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِما هو واثِقٌ بِهِ مِن فَهْمِ يُوسُفَ بِأنَّ ذَلِكَ رُؤْيا، وأنَّ المَطْلُوبَ مِنهُ تَعْبِيرُها لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ أيْ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ مِنَ المَلَأِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ما تَأْتِي بِهِ مِن تَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيا أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَعْرِفَتَكَ لِفَنِّ التَّعْبِيرِ. وجُمْلَةُ قالَ تَزْرَعُونَ إلَخ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها مِمّا يَرِدُ هَذا المَوْرِدَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا أيْ مُتَوالِيَةً مُتَتابِعَةً، وهو مَصْدَرٌ، وقِيلَ هو حالٌ: أيْ دائِبِينَ، وقِيلَ صِفَةٌ لِسَبْعٍ: أيْ دائِبَةً، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ " دَأبًا " بِتَحْرِيكِ الهَمْزَةِ، وكَذا رَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وهُما لُغَتانِ. قالَ الفَرّاءُ: حُرِّكَ لِأنَّ فِيهِ حَرْفًا مِن حُرُوفِ الحَلْقِ، وكَذَلِكَ كُلُّ حَرْفٍ فُتِحَ أوَّلُهُ وسُكِّنَ ثانِيهِ فَتَثْقِيلُهُ جائِزٌ في كَلِماتٍ مَعْرُوفَةٍ. فَعَبَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ السَّبْعَ البَقَراتِ السِّمانِ بِسَبْعِ سِنِينَ فِيها خِصْبٌ، والعِجافَ بِسَبْعِ سِنِينَ فِيها جَدْبٌ وهَكَذا عَبَرَ السَّبْعَ السُّنْبُلاتِ الخُضْرَ والسَّبْعَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ، واسْتَدَلَّ بِالسَّبْعِ السُّنْبُلاتِ الخُضْرِ عَلى ما ذَكَرَهُ في التَّعْبِيرِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ أيْ ما حَصَدْتُمْ في كُلِّ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ فَذَرُوا ذَلِكَ المَحْصُودَ في سُنْبُلِهِ ولا تَفْصِلُوهُ عَنْها لِئَلّا يَأْكُلَهُ السُّوسُ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ في هَذِهِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ لَكم مِن فَصْلِهِ عَنْ سُنْبُلِهِ وإخْراجِهِ عَنْها، واقْتَصَرَ عَلى اسْتِثْناءِ المَأْكُولِ دُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ البِذْرِ الَّذِي يَبْذُرُونَهُ في أمْوالِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَزْرَعُونَ. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ السَّبْعِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ سَبْعٌ شِدادٌ أيْ سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِبَةٌ يَصْعُبُ أمْرُها عَلى النّاسِ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ مِن تِلْكَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها. وإسْنادُ الأكْلِ إلى السِّنِينَ مَجازٌ، والمَعْنى: يَأْكُلُ النّاسُ فِيهِنَّ أوْ يَأْكُلُ أهْلُهُنَّ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ: أيْ ما ادَّخَرْتُمْ لِأجْلِهِنَّ فَهو مِن بابِ: نَهارُهُ صائِمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ∗∗∗ ولَيْلُكَ نَوْمٌ والرَّدى لَكَ لازَمُ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ أيْ مِمّا تَحْبِسُونَ مِنَ الحَبِّ لِتَزْرَعُوا بِهِ، لِأنَّ في اسْتِبْقاءِ البِذْرِ تَحْصِينَ الأقْواتِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى تُحْصِنُونَ: تُحْرِزُونَ، وقِيلَ تَدَّخِرُونَ، والمَعْنى واحِدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ السِّنِينَ المِجْدِباتِ، فالإشارَةُ إلَيْها، والعامِ السَّنَةُ، ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ مِنَ الإغاثَةِ أوِ الغَوْثِ، والغَيْثُ المَطَرُ، وقَدْ غاثَ الغَيْثُ الأرْضَ: أيْ أصابَها، وغاثَ اللَّهُ البِلادَ بِغَيْثِها غَوْثًا: أمْطَرَها، فَمَعْنى يُغاثُ النّاسُ: يُمْطَرُونَ وفِيهِ يَعْصِرُونَ أيْ يَعْصِرُونَ الأشْياءَ الَّتِي تُعْصَرُ كالعِنَبِ والسِّمْسِمِ والزَّيْتُونِ وقِيلَ أرادَ حَلْبَ الألْبانِ، وقِيلَ مَعْنى يَعْصِرُونَ: يَنْجُونَ. مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ وهي المَنجاةُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَصَرُ بِالتَّحْرِيكِ المَلْجَأُ والمَنجاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ واعْتَصَرْتُ بِفُلانٍ: التَجَأتُ بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَعْصِرُونَ " بِتاءِ الخِطابِ. وقُرِئَ يُعْصَرُونَ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وفَتْحِ الصّادِ، ومَعْناهُ يُمْطَرُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النبأ: ١٤] . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: أيْ المَلِكِ الأعْظَمِ ومَظْلَمَتِي وحَبْسِي في غَيْرِ شَيْءٍ، فَقالَ أفْعَلُ، فَلَمّا خَرَجَ السّاقِي رُدَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ورَضِيَ عَنْهُ صاحِبُهُ وأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ المَلِكِ الَّذِي أمَرَهُ يُوسُفُ أنْ يَذْكُرَهُ لَهُ، فَلَبِثَ يُوسُفُ بَعْدَ ذَلِكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّ المَلِكَ (p-٧٠٠)رَيّانَ بْنَ الوَلِيدِ رَأى رُؤْياهُ الَّتِي أُرِيَ فِيها فَهالَتْهُ وعَرَفَ أنَّها رُؤْيا واقِعَةٌ ولَمْ يَدْرِ ما تَأْوِيلُها، فَقالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ مِن أهْلِ مَمْلَكَتِهِ ﴿إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ فَلَمّا سَمِعَ مِنَ المَلِكِ ما سَمِعَ مِنهُ ومَسْألَتَهُ عَنْ تَأْوِيلِها ذَكَرَ يُوسُفَ وما كانَ عَبَرَ لَهُ ولِصاحِبِهِ وما جاءَ مِن ذَلِكَ عَلى ما قالَ فَقالَ: أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: أضْغاثُ أحْلامٍ يَقُولُ: مُشْتَبِهَةٌ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: مِنَ الأحْلامِ الكاذِبَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ قالَ: بَعْدَ حِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعْدَ سِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَعْدَ أُمَّةٍ مِنَ النّاسِ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: أمّا السِّمانُ فَسُنُونَ فِيها خِصْبٌ، وأما العِجافُ فَسُنُونَ مُجْدِبَةٌ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ هي السُّنُونَ المَخاصِيبُ تُخْرِجُ الأرْضُ نَباتَها وزَرْعَها وثِمارَها، وأُخَرَ يابِساتٍ: المَحُولُ الجَدُوبُ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ، ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أخْبَرْتُهم حَتّى أشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أنْ يُخْرِجُونِي، ولَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وصَبْرِهِ وكَرَمِهِ واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ حِينَ أتاهُ الرَّسُولُ، ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ لَبادَرْتُهُمُ البابَ ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ لَهُ العُذْرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ يَقُولُ: تُخَزِّنُونَ، وفي قَوْلِهِ: وفِيهِ يَعْصِرُونَ يَقُولُ: الأعْنابَ والدُّهْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ يَقُولُ: يُصِيبُهم فِيهِ غَيْثٌ وفِيهِ يَعْصِرُونَ يَقُولُ: يَعْصِرُونَ فِيهِ العِنَبَ ويَعْصِرُونَ فِيهِ الزَّبِيبَ ويَعْصِرُونَ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا وفِيهِ يَعْصِرُونَ قالَ: يَحْتَلِبُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ﴾ قالَ: أخْبَرَهم بِشَيْءٍ لَمْ يَسْألُوهُ عَنْهُ كَأنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَهُ إيّاهُ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ بِالمَطَرِ، وفِيهِ يَعْصِرُونَ السِّمْسِمَ دُهْنًا والعِنَبَ خَمْرًا والزَّيْتُونَ زَيْتًا.

يوسف 12:50

. المُرادُ بِالمَلِكِ هُنا: هو المَلِكُ الأكْبَرُ، وهو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ الَّذِي كانَ العَزِيزُ وزِيرًا لَهُ، رَأى في نَوْمِهِ لَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ خَرَجَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ جَمْعُ سَمِينٍ وسَمِينَةٍ، في إثْرِهِنَّ سَبْعٌ عِجافٌ: أيْ مَهازِيلُ، وقَدْ أقْبَلَتِ العِجافُ عَلى السِّمانِ فَأكَلَتْهُنَّ. والمَعْنى: إنِّي رَأيْتُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ يَأْكُلُهُنَّ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِحْضارِ، والعِجافُ جَمْعُ عَجْفاءَ، وقِياسُ جَمْعِهِ عُجُفٌ، لِأنَّ فَعْلاءَ وأفْعَلَ لا تُجْمَعُ عَلى فِعالٍ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنِ القِياسِ حَمْلًا عَلى سِمانٍ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعَ بَقَراتٍ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ خُضْرٍ أنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها، واليابِساتُ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الحَصادَ، والمَعْنى: وأرى سَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، وكانَ قَدْ رَأى أنَّ السَّبْعَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ قَدْ أدْرَكَتِ الخُضْرَ والتَوَتْ عَلَيْها حَتّى غَلَبَتْها، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ هَذا في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ مِن حالِ البَقَراتِ. ﴿ياأيُّها المَلَأُ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِن قَوْمِهِ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ أيْ أخْبَرُونِي بِحُكْمِ هَذِهِ الرُّؤْيا ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا، وأصْلُ العِبارَةِ مُشْتَقَّةٌ مِن عُبُورِ النَّهْرِ، فَمَعْنى عَبَرْتُ النَّهْرَ: بَلَغْتُ شاطِئَهُ، فَعابِرُ الرُّؤْيا يُخْبِرُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُها. قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ في لِلرُّؤْيا لِلتَّبْيِينِ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ لِلرُّؤْيا وقِيلَ هو لِلتَّقْوِيَةِ، وتَأْخِيرُ الفِعْلِ العامِلِ فِيهِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ (p-٦٩٩)مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والأضْغاثُ جَمْعُ ضِغْثٍ، وهو كُلُّ مُخْتَلِطٍ مِن بَقْلٍ أوْ حَشِيشٍ أوْ غَيْرِهِما، والمَعْنى: أخالِيطُ أحْلامٍ جَمْعُ حُلْمٍ: وهي الرُّؤْيا الكاذِبَةُ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها كَما يَكُونُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ووَسْواسِ الشَّيْطانِ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، وجَمَعُوا الأحْلامَ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلِكِ إلّا رُؤْيا واحِدَةٌ مُبالَغَةً مِنهم في وصْفِها بِالبُطْلانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَأى مَعَ هَذِهِ الرُّؤْيا غَيْرَها مِمّا لَمْ يَقُصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا ﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ المُخْتَلِطَةِ، نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ ما لا تَأْوِيلَ لَهُ، لا مُطْلَقَ العِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ، وقِيلَ إنَّهُما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مُطْلَقًا ولَمْ يَدَّعُوا أنَّهُ لا تَأْوِيلَ لِهَذِهِ الرُّؤْيا، وقِيلَ إنَّهم قَصَدُوا مَحْوَها مَن صَدْرِ المَلِكِ حَتّى لا يَشْتَغِلَ بِها، ولَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ مَن نَفْيِ العِلْمِ حَقِيقَةً. ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ مِنَ الغُلامَيْنِ، وهو السّاقِي الَّذِي قالَ لَهُ يُوسُفُ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، [يوسف: ٤٢] وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهي القِراءَةُ الفَصِيحَةُ: أيْ تَذَكَّرَ السّاقِي يُوسُفَ وما شاهَدَهُ مِنهُ مِنَ العِلْمِ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا. وقُرِئَ بِالمُعْجَمَةِ، ومَعْنى بَعْدَ أُمَّةٍ: بَعْدَ حِينٍ، ومِنهُ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود: ٨] أيْ إلى وقْتٍ. قالَ ابْنِ دَرَسْتُوَيْهِ: والأُمَّةُ لا تَكُونُ عَلى الحِينِ إلّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، كَأنَّهُ قالَ: واللَّهُ أعْلَمُ وادَّكَرَ بَعْدَ حِينِ أُمَّةٍ أوْ بَعْدَ زَمَنِ أُمَّةٍ. والأُمَّةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ. قالَ الأخْفَشُ: هو في اللَّفْظِ واحِدٌ وفي المَعْنى جَمْعٌ. وكُلُّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ أُمَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ بَعْدَ أمَةٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ المِيمِ: أيْ بَعْدَ نِسْيانٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمَمْتُ وكُنْتُ لا أنْسَ حَدِيثًا كَذاكَ الدَّهْرُ يُودِي بِالعُقُولِ ويُقالُ أمَهَ يَأْمَهُ أمْهًا: إذا نَسِيَ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بَعْدَ إمَّةٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: أيْ بَعْدَ نِعْمَةٍ: وهي نِعْمَةُ النَّجاةِ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِهِ بِسُؤالِي عَنْهُ مَن لَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِهِ، وهو يُوسُفُ. فَأرْسَلُونِ خاطَبَ المَلِكَ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ، أوْ خاطَبَهُ ومَن كانَ عِنْدَهُ مِنَ المَلَأِ، طَلَبَ مِنهم أنْ يُرْسِلُوهُ إلى يُوسُفَ لِيَقُصَّ عَلَيْهِ رُؤْيا المَلِكِ حَتّى يُخْبِرَهُ بِتَأْوِيلِها فَيَعُودَ بِذَلِكَ إلى المَلِكِ. ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا﴾ أيْ يا يُوسُفُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأرْسَلُوهُ إلى يُوسُفَ فَسارَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، والمَعْنى: أخْبِرْنا في رُؤْيا مَن رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ إلَخْ وتَرَكَ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِما هو واثِقٌ بِهِ مِن فَهْمِ يُوسُفَ بِأنَّ ذَلِكَ رُؤْيا، وأنَّ المَطْلُوبَ مِنهُ تَعْبِيرُها لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ أيْ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ مِنَ المَلَأِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ما تَأْتِي بِهِ مِن تَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيا أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَعْرِفَتَكَ لِفَنِّ التَّعْبِيرِ. وجُمْلَةُ قالَ تَزْرَعُونَ إلَخ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها مِمّا يَرِدُ هَذا المَوْرِدَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا أيْ مُتَوالِيَةً مُتَتابِعَةً، وهو مَصْدَرٌ، وقِيلَ هو حالٌ: أيْ دائِبِينَ، وقِيلَ صِفَةٌ لِسَبْعٍ: أيْ دائِبَةً، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ " دَأبًا " بِتَحْرِيكِ الهَمْزَةِ، وكَذا رَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وهُما لُغَتانِ. قالَ الفَرّاءُ: حُرِّكَ لِأنَّ فِيهِ حَرْفًا مِن حُرُوفِ الحَلْقِ، وكَذَلِكَ كُلُّ حَرْفٍ فُتِحَ أوَّلُهُ وسُكِّنَ ثانِيهِ فَتَثْقِيلُهُ جائِزٌ في كَلِماتٍ مَعْرُوفَةٍ. فَعَبَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ السَّبْعَ البَقَراتِ السِّمانِ بِسَبْعِ سِنِينَ فِيها خِصْبٌ، والعِجافَ بِسَبْعِ سِنِينَ فِيها جَدْبٌ وهَكَذا عَبَرَ السَّبْعَ السُّنْبُلاتِ الخُضْرَ والسَّبْعَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ، واسْتَدَلَّ بِالسَّبْعِ السُّنْبُلاتِ الخُضْرِ عَلى ما ذَكَرَهُ في التَّعْبِيرِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ أيْ ما حَصَدْتُمْ في كُلِّ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ فَذَرُوا ذَلِكَ المَحْصُودَ في سُنْبُلِهِ ولا تَفْصِلُوهُ عَنْها لِئَلّا يَأْكُلَهُ السُّوسُ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ في هَذِهِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ لَكم مِن فَصْلِهِ عَنْ سُنْبُلِهِ وإخْراجِهِ عَنْها، واقْتَصَرَ عَلى اسْتِثْناءِ المَأْكُولِ دُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ البِذْرِ الَّذِي يَبْذُرُونَهُ في أمْوالِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَزْرَعُونَ. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ السَّبْعِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ سَبْعٌ شِدادٌ أيْ سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِبَةٌ يَصْعُبُ أمْرُها عَلى النّاسِ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ مِن تِلْكَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها. وإسْنادُ الأكْلِ إلى السِّنِينَ مَجازٌ، والمَعْنى: يَأْكُلُ النّاسُ فِيهِنَّ أوْ يَأْكُلُ أهْلُهُنَّ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ: أيْ ما ادَّخَرْتُمْ لِأجْلِهِنَّ فَهو مِن بابِ: نَهارُهُ صائِمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ∗∗∗ ولَيْلُكَ نَوْمٌ والرَّدى لَكَ لازَمُ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ أيْ مِمّا تَحْبِسُونَ مِنَ الحَبِّ لِتَزْرَعُوا بِهِ، لِأنَّ في اسْتِبْقاءِ البِذْرِ تَحْصِينَ الأقْواتِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى تُحْصِنُونَ: تُحْرِزُونَ، وقِيلَ تَدَّخِرُونَ، والمَعْنى واحِدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ السِّنِينَ المِجْدِباتِ، فالإشارَةُ إلَيْها، والعامِ السَّنَةُ، ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ مِنَ الإغاثَةِ أوِ الغَوْثِ، والغَيْثُ المَطَرُ، وقَدْ غاثَ الغَيْثُ الأرْضَ: أيْ أصابَها، وغاثَ اللَّهُ البِلادَ بِغَيْثِها غَوْثًا: أمْطَرَها، فَمَعْنى يُغاثُ النّاسُ: يُمْطَرُونَ وفِيهِ يَعْصِرُونَ أيْ يَعْصِرُونَ الأشْياءَ الَّتِي تُعْصَرُ كالعِنَبِ والسِّمْسِمِ والزَّيْتُونِ وقِيلَ أرادَ حَلْبَ الألْبانِ، وقِيلَ مَعْنى يَعْصِرُونَ: يَنْجُونَ. مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ وهي المَنجاةُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَصَرُ بِالتَّحْرِيكِ المَلْجَأُ والمَنجاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ واعْتَصَرْتُ بِفُلانٍ: التَجَأتُ بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَعْصِرُونَ " بِتاءِ الخِطابِ. وقُرِئَ يُعْصَرُونَ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وفَتْحِ الصّادِ، ومَعْناهُ يُمْطَرُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النبأ: ١٤] . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: أيْ المَلِكِ الأعْظَمِ ومَظْلَمَتِي وحَبْسِي في غَيْرِ شَيْءٍ، فَقالَ أفْعَلُ، فَلَمّا خَرَجَ السّاقِي رُدَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ورَضِيَ عَنْهُ صاحِبُهُ وأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ المَلِكِ الَّذِي أمَرَهُ يُوسُفُ أنْ يَذْكُرَهُ لَهُ، فَلَبِثَ يُوسُفُ بَعْدَ ذَلِكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّ المَلِكَ (p-٧٠٠)رَيّانَ بْنَ الوَلِيدِ رَأى رُؤْياهُ الَّتِي أُرِيَ فِيها فَهالَتْهُ وعَرَفَ أنَّها رُؤْيا واقِعَةٌ ولَمْ يَدْرِ ما تَأْوِيلُها، فَقالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ مِن أهْلِ مَمْلَكَتِهِ ﴿إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ فَلَمّا سَمِعَ مِنَ المَلِكِ ما سَمِعَ مِنهُ ومَسْألَتَهُ عَنْ تَأْوِيلِها ذَكَرَ يُوسُفَ وما كانَ عَبَرَ لَهُ ولِصاحِبِهِ وما جاءَ مِن ذَلِكَ عَلى ما قالَ فَقالَ: أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: أضْغاثُ أحْلامٍ يَقُولُ: مُشْتَبِهَةٌ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: مِنَ الأحْلامِ الكاذِبَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ قالَ: بَعْدَ حِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعْدَ سِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَعْدَ أُمَّةٍ مِنَ النّاسِ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: أمّا السِّمانُ فَسُنُونَ فِيها خِصْبٌ، وأما العِجافُ فَسُنُونَ مُجْدِبَةٌ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ هي السُّنُونَ المَخاصِيبُ تُخْرِجُ الأرْضُ نَباتَها وزَرْعَها وثِمارَها، وأُخَرَ يابِساتٍ: المَحُولُ الجَدُوبُ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ، ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أخْبَرْتُهم حَتّى أشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أنْ يُخْرِجُونِي، ولَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وصَبْرِهِ وكَرَمِهِ واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ حِينَ أتاهُ الرَّسُولُ، ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ لَبادَرْتُهُمُ البابَ ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ لَهُ العُذْرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ يَقُولُ: تُخَزِّنُونَ، وفي قَوْلِهِ: وفِيهِ يَعْصِرُونَ يَقُولُ: الأعْنابَ والدُّهْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ يَقُولُ: يُصِيبُهم فِيهِ غَيْثٌ وفِيهِ يَعْصِرُونَ يَقُولُ: يَعْصِرُونَ فِيهِ العِنَبَ ويَعْصِرُونَ فِيهِ الزَّبِيبَ ويَعْصِرُونَ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا وفِيهِ يَعْصِرُونَ قالَ: يَحْتَلِبُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ﴾ قالَ: أخْبَرَهم بِشَيْءٍ لَمْ يَسْألُوهُ عَنْهُ كَأنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَهُ إيّاهُ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ بِالمَطَرِ، وفِيهِ يَعْصِرُونَ السِّمْسِمَ دُهْنًا والعِنَبَ خَمْرًا والزَّيْتُونَ زَيْتًا.

يوسف 12:51

. المُرادُ بِالمَلِكِ هُنا: هو المَلِكُ الأكْبَرُ، وهو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ الَّذِي كانَ العَزِيزُ وزِيرًا لَهُ، رَأى في نَوْمِهِ لَمّا دَنا فَرَجُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ خَرَجَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ جَمْعُ سَمِينٍ وسَمِينَةٍ، في إثْرِهِنَّ سَبْعٌ عِجافٌ: أيْ مَهازِيلُ، وقَدْ أقْبَلَتِ العِجافُ عَلى السِّمانِ فَأكَلَتْهُنَّ. والمَعْنى: إنِّي رَأيْتُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ يَأْكُلُهُنَّ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِلِاسْتِحْضارِ، والعِجافُ جَمْعُ عَجْفاءَ، وقِياسُ جَمْعِهِ عُجُفٌ، لِأنَّ فَعْلاءَ وأفْعَلَ لا تُجْمَعُ عَلى فِعالٍ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنِ القِياسِ حَمْلًا عَلى سِمانٍ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ مَعْطُوفٌ عَلى سَبْعَ بَقَراتٍ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ خُضْرٍ أنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها، واليابِساتُ الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الحَصادَ، والمَعْنى: وأرى سَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ، وكانَ قَدْ رَأى أنَّ السَّبْعَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ قَدْ أدْرَكَتِ الخُضْرَ والتَوَتْ عَلَيْها حَتّى غَلَبَتْها، ولَعَلَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ هَذا في النَّظْمِ القُرْآنِيِّ لِلِاكْتِفاءِ بِما ذُكِرَ مِن حالِ البَقَراتِ. ﴿ياأيُّها المَلَأُ﴾ خِطابٌ لِلْأشْرافِ مِن قَوْمِهِ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾ أيْ أخْبَرُونِي بِحُكْمِ هَذِهِ الرُّؤْيا ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِبارَةَ الرُّؤْيا، وأصْلُ العِبارَةِ مُشْتَقَّةٌ مِن عُبُورِ النَّهْرِ، فَمَعْنى عَبَرْتُ النَّهْرَ: بَلَغْتُ شاطِئَهُ، فَعابِرُ الرُّؤْيا يُخْبِرُ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُها. قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ في لِلرُّؤْيا لِلتَّبْيِينِ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ لِلرُّؤْيا وقِيلَ هو لِلتَّقْوِيَةِ، وتَأْخِيرُ الفِعْلِ العامِلِ فِيهِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ (p-٦٩٩)مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والأضْغاثُ جَمْعُ ضِغْثٍ، وهو كُلُّ مُخْتَلِطٍ مِن بَقْلٍ أوْ حَشِيشٍ أوْ غَيْرِهِما، والمَعْنى: أخالِيطُ أحْلامٍ جَمْعُ حُلْمٍ: وهي الرُّؤْيا الكاذِبَةُ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها كَما يَكُونُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ووَسْواسِ الشَّيْطانِ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِن، وجَمَعُوا الأحْلامَ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلِكِ إلّا رُؤْيا واحِدَةٌ مُبالَغَةً مِنهم في وصْفِها بِالبُطْلانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَأى مَعَ هَذِهِ الرُّؤْيا غَيْرَها مِمّا لَمْ يَقُصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنا ﴿وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ المُخْتَلِطَةِ، نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ ما لا تَأْوِيلَ لَهُ، لا مُطْلَقَ العِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ، وقِيلَ إنَّهُما نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمْ عِلْمَ التَّعْبِيرِ مُطْلَقًا ولَمْ يَدَّعُوا أنَّهُ لا تَأْوِيلَ لِهَذِهِ الرُّؤْيا، وقِيلَ إنَّهم قَصَدُوا مَحْوَها مَن صَدْرِ المَلِكِ حَتّى لا يَشْتَغِلَ بِها، ولَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ مَن نَفْيِ العِلْمِ حَقِيقَةً. ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ أيْ مِنَ الغُلامَيْنِ، وهو السّاقِي الَّذِي قالَ لَهُ يُوسُفُ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، [يوسف: ٤٢] وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهي القِراءَةُ الفَصِيحَةُ: أيْ تَذَكَّرَ السّاقِي يُوسُفَ وما شاهَدَهُ مِنهُ مِنَ العِلْمِ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا. وقُرِئَ بِالمُعْجَمَةِ، ومَعْنى بَعْدَ أُمَّةٍ: بَعْدَ حِينٍ، ومِنهُ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود: ٨] أيْ إلى وقْتٍ. قالَ ابْنِ دَرَسْتُوَيْهِ: والأُمَّةُ لا تَكُونُ عَلى الحِينِ إلّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، كَأنَّهُ قالَ: واللَّهُ أعْلَمُ وادَّكَرَ بَعْدَ حِينِ أُمَّةٍ أوْ بَعْدَ زَمَنِ أُمَّةٍ. والأُمَّةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ. قالَ الأخْفَشُ: هو في اللَّفْظِ واحِدٌ وفي المَعْنى جَمْعٌ. وكُلُّ جِنْسٍ مِنَ الحَيَوانِ أُمَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ بَعْدَ أمَةٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ المِيمِ: أيْ بَعْدَ نِسْيانٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أمَمْتُ وكُنْتُ لا أنْسَ حَدِيثًا كَذاكَ الدَّهْرُ يُودِي بِالعُقُولِ ويُقالُ أمَهَ يَأْمَهُ أمْهًا: إذا نَسِيَ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بَعْدَ إمَّةٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: أيْ بَعْدَ نِعْمَةٍ: وهي نِعْمَةُ النَّجاةِ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِهِ بِسُؤالِي عَنْهُ مَن لَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِهِ، وهو يُوسُفُ. فَأرْسَلُونِ خاطَبَ المَلِكَ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ، أوْ خاطَبَهُ ومَن كانَ عِنْدَهُ مِنَ المَلَأِ، طَلَبَ مِنهم أنْ يُرْسِلُوهُ إلى يُوسُفَ لِيَقُصَّ عَلَيْهِ رُؤْيا المَلِكِ حَتّى يُخْبِرَهُ بِتَأْوِيلِها فَيَعُودَ بِذَلِكَ إلى المَلِكِ. ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا﴾ أيْ يا يُوسُفُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأرْسَلُوهُ إلى يُوسُفَ فَسارَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ إلى آخَرِ الكَلامِ، والمَعْنى: أخْبِرْنا في رُؤْيا مَن رَأى سَبْعَ بَقَراتٍ إلَخْ وتَرَكَ ذَلِكَ اكْتِفاءً بِما هو واثِقٌ بِهِ مِن فَهْمِ يُوسُفَ بِأنَّ ذَلِكَ رُؤْيا، وأنَّ المَطْلُوبَ مِنهُ تَعْبِيرُها لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ أيْ إلى المَلِكِ ومَن عِنْدَهُ مِنَ المَلَأِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ما تَأْتِي بِهِ مِن تَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيا أوْ يَعْلَمُونَ فَضْلَكَ ومَعْرِفَتَكَ لِفَنِّ التَّعْبِيرِ. وجُمْلَةُ قالَ تَزْرَعُونَ إلَخ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها مِمّا يَرِدُ هَذا المَوْرِدَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا أيْ مُتَوالِيَةً مُتَتابِعَةً، وهو مَصْدَرٌ، وقِيلَ هو حالٌ: أيْ دائِبِينَ، وقِيلَ صِفَةٌ لِسَبْعٍ: أيْ دائِبَةً، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ أنَّهُ قَرَأ " دَأبًا " بِتَحْرِيكِ الهَمْزَةِ، وكَذا رَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وهُما لُغَتانِ. قالَ الفَرّاءُ: حُرِّكَ لِأنَّ فِيهِ حَرْفًا مِن حُرُوفِ الحَلْقِ، وكَذَلِكَ كُلُّ حَرْفٍ فُتِحَ أوَّلُهُ وسُكِّنَ ثانِيهِ فَتَثْقِيلُهُ جائِزٌ في كَلِماتٍ مَعْرُوفَةٍ. فَعَبَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ السَّبْعَ البَقَراتِ السِّمانِ بِسَبْعِ سِنِينَ فِيها خِصْبٌ، والعِجافَ بِسَبْعِ سِنِينَ فِيها جَدْبٌ وهَكَذا عَبَرَ السَّبْعَ السُّنْبُلاتِ الخُضْرَ والسَّبْعَ السُّنْبُلاتِ اليابِساتِ، واسْتَدَلَّ بِالسَّبْعِ السُّنْبُلاتِ الخُضْرِ عَلى ما ذَكَرَهُ في التَّعْبِيرِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ أيْ ما حَصَدْتُمْ في كُلِّ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ فَذَرُوا ذَلِكَ المَحْصُودَ في سُنْبُلِهِ ولا تَفْصِلُوهُ عَنْها لِئَلّا يَأْكُلَهُ السُّوسُ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ في هَذِهِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ فَإنَّهُ لا بُدَّ لَكم مِن فَصْلِهِ عَنْ سُنْبُلِهِ وإخْراجِهِ عَنْها، واقْتَصَرَ عَلى اسْتِثْناءِ المَأْكُولِ دُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ البِذْرِ الَّذِي يَبْذُرُونَهُ في أمْوالِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَزْرَعُونَ. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ السَّبْعِ السِّنِينَ المُخْصِبَةِ سَبْعٌ شِدادٌ أيْ سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِبَةٌ يَصْعُبُ أمْرُها عَلى النّاسِ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ مِن تِلْكَ الحُبُوبِ المَتْرُوكَةِ في سَنابِلِها. وإسْنادُ الأكْلِ إلى السِّنِينَ مَجازٌ، والمَعْنى: يَأْكُلُ النّاسُ فِيهِنَّ أوْ يَأْكُلُ أهْلُهُنَّ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ: أيْ ما ادَّخَرْتُمْ لِأجْلِهِنَّ فَهو مِن بابِ: نَهارُهُ صائِمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌ ∗∗∗ ولَيْلُكَ نَوْمٌ والرَّدى لَكَ لازَمُ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ أيْ مِمّا تَحْبِسُونَ مِنَ الحَبِّ لِتَزْرَعُوا بِهِ، لِأنَّ في اسْتِبْقاءِ البِذْرِ تَحْصِينَ الأقْواتِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنى تُحْصِنُونَ: تُحْرِزُونَ، وقِيلَ تَدَّخِرُونَ، والمَعْنى واحِدٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ السِّنِينَ المِجْدِباتِ، فالإشارَةُ إلَيْها، والعامِ السَّنَةُ، ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ مِنَ الإغاثَةِ أوِ الغَوْثِ، والغَيْثُ المَطَرُ، وقَدْ غاثَ الغَيْثُ الأرْضَ: أيْ أصابَها، وغاثَ اللَّهُ البِلادَ بِغَيْثِها غَوْثًا: أمْطَرَها، فَمَعْنى يُغاثُ النّاسُ: يُمْطَرُونَ وفِيهِ يَعْصِرُونَ أيْ يَعْصِرُونَ الأشْياءَ الَّتِي تُعْصَرُ كالعِنَبِ والسِّمْسِمِ والزَّيْتُونِ وقِيلَ أرادَ حَلْبَ الألْبانِ، وقِيلَ مَعْنى يَعْصِرُونَ: يَنْجُونَ. مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ وهي المَنجاةُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعَصَرُ بِالتَّحْرِيكِ المَلْجَأُ والمَنجاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ واعْتَصَرْتُ بِفُلانٍ: التَجَأتُ بِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَعْصِرُونَ " بِتاءِ الخِطابِ. وقُرِئَ يُعْصَرُونَ بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ وفَتْحِ الصّادِ، ومَعْناهُ يُمْطَرُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النبأ: ١٤] . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: أيْ المَلِكِ الأعْظَمِ ومَظْلَمَتِي وحَبْسِي في غَيْرِ شَيْءٍ، فَقالَ أفْعَلُ، فَلَمّا خَرَجَ السّاقِي رُدَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ورَضِيَ عَنْهُ صاحِبُهُ وأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ المَلِكِ الَّذِي أمَرَهُ يُوسُفُ أنْ يَذْكُرَهُ لَهُ، فَلَبِثَ يُوسُفُ بَعْدَ ذَلِكَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، ثُمَّ إنَّ المَلِكَ (p-٧٠٠)رَيّانَ بْنَ الوَلِيدِ رَأى رُؤْياهُ الَّتِي أُرِيَ فِيها فَهالَتْهُ وعَرَفَ أنَّها رُؤْيا واقِعَةٌ ولَمْ يَدْرِ ما تَأْوِيلُها، فَقالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ مِن أهْلِ مَمْلَكَتِهِ ﴿إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ فَلَمّا سَمِعَ مِنَ المَلِكِ ما سَمِعَ مِنهُ ومَسْألَتَهُ عَنْ تَأْوِيلِها ذَكَرَ يُوسُفَ وما كانَ عَبَرَ لَهُ ولِصاحِبِهِ وما جاءَ مِن ذَلِكَ عَلى ما قالَ فَقالَ: أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: أضْغاثُ أحْلامٍ يَقُولُ: مُشْتَبِهَةٌ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: مِنَ الأحْلامِ الكاذِبَةِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ قالَ: بَعْدَ حِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعْدَ سِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَعْدَ أُمَّةٍ مِنَ النّاسِ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: أمّا السِّمانُ فَسُنُونَ فِيها خِصْبٌ، وأما العِجافُ فَسُنُونَ مُجْدِبَةٌ، وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ هي السُّنُونَ المَخاصِيبُ تُخْرِجُ الأرْضُ نَباتَها وزَرْعَها وثِمارَها، وأُخَرَ يابِساتٍ: المَحُولُ الجَدُوبُ لا تُنْبِتُ شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ، ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أخْبَرْتُهم حَتّى أشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أنْ يُخْرِجُونِي، ولَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ وصَبْرِهِ وكَرَمِهِ واللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ حِينَ أتاهُ الرَّسُولُ، ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ لَبادَرْتُهُمُ البابَ ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ لَهُ العُذْرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ يَقُولُ: تُخَزِّنُونَ، وفي قَوْلِهِ: وفِيهِ يَعْصِرُونَ يَقُولُ: الأعْنابَ والدُّهْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ يَقُولُ: يُصِيبُهم فِيهِ غَيْثٌ وفِيهِ يَعْصِرُونَ يَقُولُ: يَعْصِرُونَ فِيهِ العِنَبَ ويَعْصِرُونَ فِيهِ الزَّبِيبَ ويَعْصِرُونَ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا وفِيهِ يَعْصِرُونَ قالَ: يَحْتَلِبُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ﴾ قالَ: أخْبَرَهم بِشَيْءٍ لَمْ يَسْألُوهُ عَنْهُ كَأنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَهُ إيّاهُ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ بِالمَطَرِ، وفِيهِ يَعْصِرُونَ السِّمْسِمَ دُهْنًا والعِنَبَ خَمْرًا والزَّيْتُونَ زَيْتًا.

يوسف 12:52

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ. وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ. وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً. والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ وقَعَ مِنها ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ، ومِن جُمْلَةِ مَن شَمَلَهُ خِطابُ المَلِكِ امْرَأةُ العَزِيزِ، أوْ أرادَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ وُقُوعَهُ مِنهُنَّ في الجُمْلَةِ كَما كانَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَحاشِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ مِنهُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْها لِكَوْنِها امْرَأةَ وزِيرِهِ وهو (p-٧٠١)العَزِيزُ: فَأجَبْنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِنَّ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أيْ مَعاذَ اللَّهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ أيْ مِن أمْرٍ سَيْءٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ مُنَزِّهَةً لِجانِبِهِ مُقِرَّةً عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ لَهُ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ. وأصْلُهُ حَصَّ، فَقِيلَ حَصْحَصَ كَما قِيلَ في كُبُّوا كُبْكِبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وأصْلُ الحَصِّ، اسْتِئْصالُ الشَّيْءِ. يُقالُ حَصَّ شَعْرَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: ؎قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَما أطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجاعِ والمَعْنى أنَّهُ انْقَطَعَ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ وبَيانِهِ. ومِنهُ: ؎فَمَن مُبْلِغٌ عَنِّي خِداشًا فَإنَّهُ ∗∗∗ كَذُوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحَقُّ ظالِمُ وقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الحِصَّةِ، والمَعْنى: بانَتْ حِصَّةُ الباطِلِ. قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ ظَهَرَ الحَقُّ بَعْدَ خَفائِهِ، ثُمَّ أوْضَحَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ولَمْ تَقَعْ مِنهُ المُراوَدَةُ لِي أصْلًا ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما قالَهُ مِن تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ ونِسْبَةِ المُراوَدَةِ إلَيْها، وأرادَتْ بِالآنَ زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الفَرّاءُ: ولا يَبْعُدُ وصْلُ كَلامِ إنْسانٍ بِكَلامِ إنْسانٍ آخَرَ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ الصّارِفَةُ لِكُلٍّ مِنهُما إلى ما يَلِيقُ بِهِ. والإشارَةُ إلى الحادِثَةِ الواقِعَةِ مِنهُ، وهي تَثَبُّتُهُ وتَأنِّيهِ: أيْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في أهْلِهِ بِالغَيْبِ، والمَعْنى بِظَهْرِ الغَيْبِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبٌ عَنْهُ. قِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وهو في السِّجْنِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِما قالَتْهُ النِّسْوَةُ. وما قالَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وقَدْ صارَ عِنْدَ المَلِكِ، والأوَّلُ أوْلى. وذَهَبَ الأقَلُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: ذَلِكَ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُهُ في تَنْزِيهِهِ، والإقْرارُ عَلى نَفْسِي بِالمُراوَدَةِ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ فَأنْسِبَ إلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبَةٌ عَنْهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ لا يُثَبِّتُهُ ويُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ حَتّى يُوقِعُوهُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ يَثْبُتُ بِهِ ويَدُومُ وإذا كانَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ حَيْثُ وقَعَ مِنها الكَيْدُ لَهُ والخِيانَةُ لِزَوْجِها، وتَعْرِيضٌ بِالعَزِيزِ حَيْثُ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ بَراءَتَهُ ونَزاهَتَهُ. ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إنْ كانَ مِن كَلامِ يُوسُفَ فَهو مِن بابِ الهَضْمِ لِلنَّفْسِ، وعَدَمِ التَّزْكِيَةِ بِها مَعَ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ هو وغَيْرُهُ مِنَ النّاسِ أنَّهُ بَرِيءٌ وظَهَرَ ذَلِكَ ظُهُورَ الشَّمْسِ، وأقَرَّتْ بِهِ المَرْأةُ الَّتِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ الباطِلَ، ونَزَّهَتْهُ النِّسْوَةُ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَهو واقِعٌ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّها قَدْ أقَرَّتْ بِالذَّنْبِ، واعْتَرَفَتْ بِالمُراوَدَةِ، وبِالِافْتِراءِ عَلى يُوسُفَ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ وهو بِعِيدٌ جِدًّا، ومَعْناهُ: وما أبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ، والمُساعَدَةِ عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُ بِبَراءَتِهِ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أيْ إنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ شَأْنُهُ الأمْرُ بِالسُّوءِ لِمَيْلِهِ إلى الشَّهَواتِ، وتَأْثِيرِها بِالطَّبْعِ، وصُعُوبَةِ قَهْرِها، وكَفِّها عَنْ ذَلِكَ ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ أيْ إلّا مَن رَحِمَ مِنَ النُّفُوسِ فَعَصَمَها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، أوْ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ لَها، وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَكُفُّها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ مِن شَأْنِهِ كَثْرَةُ المَغْفِرَةِ لِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ المَلِكُ هو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ لا العَزِيزُ كَما تَقَدَّمَ: ومَعْنى ﴿أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجْعَلُهُ خالِصًا لِي دُونَ غَيْرِي، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ خالِصًا لِلْعَزِيزِ، والِاسْتِخْلاصُ: طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِن شَوائِبِ الشَّرِكَةِ، قالَ ذَلِكَ لَمّا كانَ يُوسُفُ نَفِيسًا، وعادَةُ المُلُوكِ أنْ يَجْعَلُوا الأشْياءَ النَّفِيسَةَ خالِصَةً لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ فَأتَوْهُ بِهِ فَلَمّا كَلَّمَهُ: أيْ فَلَمّا كَلَّمَ المَلِكُ يُوسُفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ. قِيلَ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ مَجالِسَ المُلُوكِ لا يُتَكَلَّمُ فِيها ابْتِداءً إلّا هم دُونَ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ الثّانِي أوْلى لِقَوْلِ المَلِكِ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ يُوسُفُ في مَقامِ المَلِكِ جاءَ بِما حَبَّبَهُ إلى المَلِكِ، وقَرَّبَهُ مِن قَلْبِهِ، فَقالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، ومَعْنى مَكِينٌ: ذُو مَكانَةٍ وأمانَةٍ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ المَلِكِ ويَأْمَنُهُ المَلِكُ عَلى ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن أمْرِهِ، أوْ عَلى ما يَكِلُهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا وصَلَ إلى المَلِكِ أجْلَسَهُ عَلى سَرِيرِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ مِنكَ تَعْبِيرَ رُؤْيايَ، فَعَبَرَها لَهُ بِأكْمَلِ بَيانٍ وأتَمَّ عِبارَةٍ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ مِنهُ ذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مِنهُ ذَلِكَ. ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ ولِّنِي أمْرَ الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلَيْكَ وهي أرْضُ مِصْرَ، أوِ اجْعَلْنِي عَلى حِفْظِ خَزائِنِ الأرْضِ، وهي الأمْكِنَةُ الَّتِي تُخَزَّنُ فِيها الأمْوالُ. طَلَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى نَشْرِ العَدْلِ ورَفْعِ الظُّلْمِ، ويَتَوَسَّلَ بِهِ إلى دُعاءِ أهْلِ مِصْرَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَرَكِ عِبادَةِ الأوْثانِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ إذا دَخَلَ في أمْرٍ مِن أُمُورِ السُّلْطانِ أنْ يَرْفَعَ مَنارَ الحَقِّ ويَهْدِمَ ما أمْكَنَهُ مِنَ الباطِلِ طَلَبُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالأوْصافِ الَّتِي لَها تَرْغِيبًا فِيما يَرُومُهُ، وتَنْشِيطًا لِمَن يُخاطِبُهُ مِنَ المُلُوكِ بِإلْقاءِ مَقالِيدِ الأُمُورِ إلَيْهِ وجَعْلِها مَنُوطَةً بِهِ ولَكِنَّهُ يُعارِضُ هَذا الجَوازَ ما ورَدَ عَنْ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الوِلايَةِ والمَنعِ مِن تَوْلِيَةِ مِن طَلَبَها أوْ حَرَصَ عَلَيْها، والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الشَّيْءُ والحَفِيظُ الَّذِي يَحْفَظُ الشَّيْءَ: أيْ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما جَعَلْتَهُ إلَيَّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ لا أُخْرِجُها في غَيْرِ مَخارِجِها، ولا أصْرِفُها في غَيْرِ مَصارِفِها عَلِيمٌ بِوُجُودِ جَمْعِها وتَفْرِيقِها ومَدْخَلِها ومَخْرَجِها. ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ العَجِيبِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾: أيْ جَعَلْنا لَهُ مَكانًا، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ ونُفُوذِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ حَتّى صارَ المَلِكُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، وصارَ النّاسُ يَعْمَلُونَ عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ (p-٧٠٢)﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ يَنْزِلُ مِنها حَيْثُ أرادَ ويَتَّخِذُهُ مَباءَةً، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ، وكَأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلى سُلْطانِ مِصْرَ كَما يَتَصَرَّفُ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ تَوَلِّي الأعْمالِ مِن جِهَةِ السُّلْطانِ الجائِرِ بَلِ الكافِرِ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ بِالقِيامِ بِالحَقِّ. وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هُودٍ ١١٣ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ مِنَ العِبادِ فَنَرْحَمُهُ في الدُّنْيا بِالإحْسانِ إلَيْهِ والإنْعامِ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ وإنْجائِهِ مِنَ النّارِ ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ الَّتِي هي مَطْلُوبُ اللَّهِ مِنهم: أيْ لا نُضِيعُ ثَوابَهم فِيها، ومُجازاتَهم عَلَيْها. ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ أجْرُهم في الآخِرَةِ، وأُضِيفَ الأجْرُ إلى الآخِرَةِ لِلْمُناسَبَةِ، وأجْرُهم هو الجَزاءُ الَّذِي يُجازِيهِمُ اللَّهُ بِهِ فِيها، وهو الجَنَّةُ الَّتِي لا يَنْفَدُ نَعِيمُها ولا تَنْقَضِي مُدَّتُها ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الوُقُوعَ فِيما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ المُحْسِنُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإحْسانَ المُعْتَدَّ بِهِ هو الإيمانُ والتَّقْوى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ قالَ: أرادَ يُوسُفُ العُذْرَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: لَمّا قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: أنا راوَدْتُهُ، قالَ يُوسُفُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ بِها ؟ فَقالَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ قالَ: تَبَيَّنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ولا حِينَ حَلَلْتَ السَّراوِيلَ ؟ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قالَ: فَأتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا وقُمْ إلى المَلِكِ، فَدَعا لَهُ أهْلُ السِّجْنِ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا أتاهُ رَأى غُلامًا حَدَثًا، فَقالَ: أيَعْلَمُ هَذا رُؤْيايَ ولا يَعْلَمُها السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ ؟ وأقْعَدَهُ قُدّامَهُ وقالَ لا تَخَفْ. وألْبَسَهُ طَوْقًا مِن ذَهَبٍ وثِيابٍ مِن حَرِيرٍ، وأعْطاهُ دابَّةً مَسْرُوجَةً مُزَيَّنَةً كَدابَّةِ المَلِكِ، وضُرِبَ الطَّبْلُ بِمِصْرَ: إنَّ يُوسُفَ خَلِيفَةُ المَلِكِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المَلِكُ لِيُوسُفَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُخالِطَنِي في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في أهْلِي، وأنا آنَفُ أنْ تَأْكُلَ مَعِي، فَغَضِبَ يُوسُفُ وقالَ: أنا أحَقُّ أنْ آنَفَ، أنا ابْنُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعامَةَ الضَّبِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ يَقُولُ عَلى جَمِيعِ الطَّعامِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِسِنِي المَجاعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ قالَ: مَلَّكْناهُ فِيها يَكُونُ فِيها حَيْثُ يَشاءُ مِن تِلْكَ الدُّنْيا يَصْنَعُ فِيها ما يَشاءُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ يُوسُفَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ العَزِيزِ فَوَجَدَها بِكْرًا، وكانَ زَوْجُها عِنِّينًا.

يوسف 12:53

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ. وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ. وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً. والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ وقَعَ مِنها ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ، ومِن جُمْلَةِ مَن شَمَلَهُ خِطابُ المَلِكِ امْرَأةُ العَزِيزِ، أوْ أرادَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ وُقُوعَهُ مِنهُنَّ في الجُمْلَةِ كَما كانَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَحاشِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ مِنهُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْها لِكَوْنِها امْرَأةَ وزِيرِهِ وهو (p-٧٠١)العَزِيزُ: فَأجَبْنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِنَّ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أيْ مَعاذَ اللَّهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ أيْ مِن أمْرٍ سَيْءٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ مُنَزِّهَةً لِجانِبِهِ مُقِرَّةً عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ لَهُ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ. وأصْلُهُ حَصَّ، فَقِيلَ حَصْحَصَ كَما قِيلَ في كُبُّوا كُبْكِبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وأصْلُ الحَصِّ، اسْتِئْصالُ الشَّيْءِ. يُقالُ حَصَّ شَعْرَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: ؎قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَما أطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجاعِ والمَعْنى أنَّهُ انْقَطَعَ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ وبَيانِهِ. ومِنهُ: ؎فَمَن مُبْلِغٌ عَنِّي خِداشًا فَإنَّهُ ∗∗∗ كَذُوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحَقُّ ظالِمُ وقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الحِصَّةِ، والمَعْنى: بانَتْ حِصَّةُ الباطِلِ. قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ ظَهَرَ الحَقُّ بَعْدَ خَفائِهِ، ثُمَّ أوْضَحَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ولَمْ تَقَعْ مِنهُ المُراوَدَةُ لِي أصْلًا ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما قالَهُ مِن تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ ونِسْبَةِ المُراوَدَةِ إلَيْها، وأرادَتْ بِالآنَ زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الفَرّاءُ: ولا يَبْعُدُ وصْلُ كَلامِ إنْسانٍ بِكَلامِ إنْسانٍ آخَرَ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ الصّارِفَةُ لِكُلٍّ مِنهُما إلى ما يَلِيقُ بِهِ. والإشارَةُ إلى الحادِثَةِ الواقِعَةِ مِنهُ، وهي تَثَبُّتُهُ وتَأنِّيهِ: أيْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في أهْلِهِ بِالغَيْبِ، والمَعْنى بِظَهْرِ الغَيْبِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبٌ عَنْهُ. قِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وهو في السِّجْنِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِما قالَتْهُ النِّسْوَةُ. وما قالَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وقَدْ صارَ عِنْدَ المَلِكِ، والأوَّلُ أوْلى. وذَهَبَ الأقَلُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: ذَلِكَ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُهُ في تَنْزِيهِهِ، والإقْرارُ عَلى نَفْسِي بِالمُراوَدَةِ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ فَأنْسِبَ إلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبَةٌ عَنْهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ لا يُثَبِّتُهُ ويُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ حَتّى يُوقِعُوهُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ يَثْبُتُ بِهِ ويَدُومُ وإذا كانَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ حَيْثُ وقَعَ مِنها الكَيْدُ لَهُ والخِيانَةُ لِزَوْجِها، وتَعْرِيضٌ بِالعَزِيزِ حَيْثُ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ بَراءَتَهُ ونَزاهَتَهُ. ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إنْ كانَ مِن كَلامِ يُوسُفَ فَهو مِن بابِ الهَضْمِ لِلنَّفْسِ، وعَدَمِ التَّزْكِيَةِ بِها مَعَ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ هو وغَيْرُهُ مِنَ النّاسِ أنَّهُ بَرِيءٌ وظَهَرَ ذَلِكَ ظُهُورَ الشَّمْسِ، وأقَرَّتْ بِهِ المَرْأةُ الَّتِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ الباطِلَ، ونَزَّهَتْهُ النِّسْوَةُ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَهو واقِعٌ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّها قَدْ أقَرَّتْ بِالذَّنْبِ، واعْتَرَفَتْ بِالمُراوَدَةِ، وبِالِافْتِراءِ عَلى يُوسُفَ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ وهو بِعِيدٌ جِدًّا، ومَعْناهُ: وما أبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ، والمُساعَدَةِ عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُ بِبَراءَتِهِ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أيْ إنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ شَأْنُهُ الأمْرُ بِالسُّوءِ لِمَيْلِهِ إلى الشَّهَواتِ، وتَأْثِيرِها بِالطَّبْعِ، وصُعُوبَةِ قَهْرِها، وكَفِّها عَنْ ذَلِكَ ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ أيْ إلّا مَن رَحِمَ مِنَ النُّفُوسِ فَعَصَمَها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، أوْ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ لَها، وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَكُفُّها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ مِن شَأْنِهِ كَثْرَةُ المَغْفِرَةِ لِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ المَلِكُ هو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ لا العَزِيزُ كَما تَقَدَّمَ: ومَعْنى ﴿أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجْعَلُهُ خالِصًا لِي دُونَ غَيْرِي، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ خالِصًا لِلْعَزِيزِ، والِاسْتِخْلاصُ: طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِن شَوائِبِ الشَّرِكَةِ، قالَ ذَلِكَ لَمّا كانَ يُوسُفُ نَفِيسًا، وعادَةُ المُلُوكِ أنْ يَجْعَلُوا الأشْياءَ النَّفِيسَةَ خالِصَةً لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ فَأتَوْهُ بِهِ فَلَمّا كَلَّمَهُ: أيْ فَلَمّا كَلَّمَ المَلِكُ يُوسُفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ. قِيلَ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ مَجالِسَ المُلُوكِ لا يُتَكَلَّمُ فِيها ابْتِداءً إلّا هم دُونَ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ الثّانِي أوْلى لِقَوْلِ المَلِكِ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ يُوسُفُ في مَقامِ المَلِكِ جاءَ بِما حَبَّبَهُ إلى المَلِكِ، وقَرَّبَهُ مِن قَلْبِهِ، فَقالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، ومَعْنى مَكِينٌ: ذُو مَكانَةٍ وأمانَةٍ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ المَلِكِ ويَأْمَنُهُ المَلِكُ عَلى ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن أمْرِهِ، أوْ عَلى ما يَكِلُهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا وصَلَ إلى المَلِكِ أجْلَسَهُ عَلى سَرِيرِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ مِنكَ تَعْبِيرَ رُؤْيايَ، فَعَبَرَها لَهُ بِأكْمَلِ بَيانٍ وأتَمَّ عِبارَةٍ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ مِنهُ ذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مِنهُ ذَلِكَ. ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ ولِّنِي أمْرَ الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلَيْكَ وهي أرْضُ مِصْرَ، أوِ اجْعَلْنِي عَلى حِفْظِ خَزائِنِ الأرْضِ، وهي الأمْكِنَةُ الَّتِي تُخَزَّنُ فِيها الأمْوالُ. طَلَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى نَشْرِ العَدْلِ ورَفْعِ الظُّلْمِ، ويَتَوَسَّلَ بِهِ إلى دُعاءِ أهْلِ مِصْرَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَرَكِ عِبادَةِ الأوْثانِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ إذا دَخَلَ في أمْرٍ مِن أُمُورِ السُّلْطانِ أنْ يَرْفَعَ مَنارَ الحَقِّ ويَهْدِمَ ما أمْكَنَهُ مِنَ الباطِلِ طَلَبُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالأوْصافِ الَّتِي لَها تَرْغِيبًا فِيما يَرُومُهُ، وتَنْشِيطًا لِمَن يُخاطِبُهُ مِنَ المُلُوكِ بِإلْقاءِ مَقالِيدِ الأُمُورِ إلَيْهِ وجَعْلِها مَنُوطَةً بِهِ ولَكِنَّهُ يُعارِضُ هَذا الجَوازَ ما ورَدَ عَنْ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الوِلايَةِ والمَنعِ مِن تَوْلِيَةِ مِن طَلَبَها أوْ حَرَصَ عَلَيْها، والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الشَّيْءُ والحَفِيظُ الَّذِي يَحْفَظُ الشَّيْءَ: أيْ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما جَعَلْتَهُ إلَيَّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ لا أُخْرِجُها في غَيْرِ مَخارِجِها، ولا أصْرِفُها في غَيْرِ مَصارِفِها عَلِيمٌ بِوُجُودِ جَمْعِها وتَفْرِيقِها ومَدْخَلِها ومَخْرَجِها. ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ العَجِيبِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾: أيْ جَعَلْنا لَهُ مَكانًا، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ ونُفُوذِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ حَتّى صارَ المَلِكُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، وصارَ النّاسُ يَعْمَلُونَ عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ (p-٧٠٢)﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ يَنْزِلُ مِنها حَيْثُ أرادَ ويَتَّخِذُهُ مَباءَةً، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ، وكَأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلى سُلْطانِ مِصْرَ كَما يَتَصَرَّفُ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ تَوَلِّي الأعْمالِ مِن جِهَةِ السُّلْطانِ الجائِرِ بَلِ الكافِرِ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ بِالقِيامِ بِالحَقِّ. وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هُودٍ ١١٣ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ مِنَ العِبادِ فَنَرْحَمُهُ في الدُّنْيا بِالإحْسانِ إلَيْهِ والإنْعامِ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ وإنْجائِهِ مِنَ النّارِ ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ الَّتِي هي مَطْلُوبُ اللَّهِ مِنهم: أيْ لا نُضِيعُ ثَوابَهم فِيها، ومُجازاتَهم عَلَيْها. ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ أجْرُهم في الآخِرَةِ، وأُضِيفَ الأجْرُ إلى الآخِرَةِ لِلْمُناسَبَةِ، وأجْرُهم هو الجَزاءُ الَّذِي يُجازِيهِمُ اللَّهُ بِهِ فِيها، وهو الجَنَّةُ الَّتِي لا يَنْفَدُ نَعِيمُها ولا تَنْقَضِي مُدَّتُها ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الوُقُوعَ فِيما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ المُحْسِنُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإحْسانَ المُعْتَدَّ بِهِ هو الإيمانُ والتَّقْوى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ قالَ: أرادَ يُوسُفُ العُذْرَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: لَمّا قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: أنا راوَدْتُهُ، قالَ يُوسُفُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ بِها ؟ فَقالَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ قالَ: تَبَيَّنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ولا حِينَ حَلَلْتَ السَّراوِيلَ ؟ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قالَ: فَأتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا وقُمْ إلى المَلِكِ، فَدَعا لَهُ أهْلُ السِّجْنِ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا أتاهُ رَأى غُلامًا حَدَثًا، فَقالَ: أيَعْلَمُ هَذا رُؤْيايَ ولا يَعْلَمُها السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ ؟ وأقْعَدَهُ قُدّامَهُ وقالَ لا تَخَفْ. وألْبَسَهُ طَوْقًا مِن ذَهَبٍ وثِيابٍ مِن حَرِيرٍ، وأعْطاهُ دابَّةً مَسْرُوجَةً مُزَيَّنَةً كَدابَّةِ المَلِكِ، وضُرِبَ الطَّبْلُ بِمِصْرَ: إنَّ يُوسُفَ خَلِيفَةُ المَلِكِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المَلِكُ لِيُوسُفَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُخالِطَنِي في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في أهْلِي، وأنا آنَفُ أنْ تَأْكُلَ مَعِي، فَغَضِبَ يُوسُفُ وقالَ: أنا أحَقُّ أنْ آنَفَ، أنا ابْنُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعامَةَ الضَّبِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ يَقُولُ عَلى جَمِيعِ الطَّعامِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِسِنِي المَجاعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ قالَ: مَلَّكْناهُ فِيها يَكُونُ فِيها حَيْثُ يَشاءُ مِن تِلْكَ الدُّنْيا يَصْنَعُ فِيها ما يَشاءُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ يُوسُفَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ العَزِيزِ فَوَجَدَها بِكْرًا، وكانَ زَوْجُها عِنِّينًا.

يوسف 12:54

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ. وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ. وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً. والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ وقَعَ مِنها ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ، ومِن جُمْلَةِ مَن شَمَلَهُ خِطابُ المَلِكِ امْرَأةُ العَزِيزِ، أوْ أرادَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ وُقُوعَهُ مِنهُنَّ في الجُمْلَةِ كَما كانَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَحاشِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ مِنهُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْها لِكَوْنِها امْرَأةَ وزِيرِهِ وهو (p-٧٠١)العَزِيزُ: فَأجَبْنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِنَّ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أيْ مَعاذَ اللَّهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ أيْ مِن أمْرٍ سَيْءٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ مُنَزِّهَةً لِجانِبِهِ مُقِرَّةً عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ لَهُ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ. وأصْلُهُ حَصَّ، فَقِيلَ حَصْحَصَ كَما قِيلَ في كُبُّوا كُبْكِبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وأصْلُ الحَصِّ، اسْتِئْصالُ الشَّيْءِ. يُقالُ حَصَّ شَعْرَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: ؎قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَما أطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجاعِ والمَعْنى أنَّهُ انْقَطَعَ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ وبَيانِهِ. ومِنهُ: ؎فَمَن مُبْلِغٌ عَنِّي خِداشًا فَإنَّهُ ∗∗∗ كَذُوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحَقُّ ظالِمُ وقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الحِصَّةِ، والمَعْنى: بانَتْ حِصَّةُ الباطِلِ. قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ ظَهَرَ الحَقُّ بَعْدَ خَفائِهِ، ثُمَّ أوْضَحَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ولَمْ تَقَعْ مِنهُ المُراوَدَةُ لِي أصْلًا ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما قالَهُ مِن تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ ونِسْبَةِ المُراوَدَةِ إلَيْها، وأرادَتْ بِالآنَ زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الفَرّاءُ: ولا يَبْعُدُ وصْلُ كَلامِ إنْسانٍ بِكَلامِ إنْسانٍ آخَرَ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ الصّارِفَةُ لِكُلٍّ مِنهُما إلى ما يَلِيقُ بِهِ. والإشارَةُ إلى الحادِثَةِ الواقِعَةِ مِنهُ، وهي تَثَبُّتُهُ وتَأنِّيهِ: أيْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في أهْلِهِ بِالغَيْبِ، والمَعْنى بِظَهْرِ الغَيْبِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبٌ عَنْهُ. قِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وهو في السِّجْنِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِما قالَتْهُ النِّسْوَةُ. وما قالَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وقَدْ صارَ عِنْدَ المَلِكِ، والأوَّلُ أوْلى. وذَهَبَ الأقَلُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: ذَلِكَ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُهُ في تَنْزِيهِهِ، والإقْرارُ عَلى نَفْسِي بِالمُراوَدَةِ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ فَأنْسِبَ إلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبَةٌ عَنْهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ لا يُثَبِّتُهُ ويُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ حَتّى يُوقِعُوهُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ يَثْبُتُ بِهِ ويَدُومُ وإذا كانَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ حَيْثُ وقَعَ مِنها الكَيْدُ لَهُ والخِيانَةُ لِزَوْجِها، وتَعْرِيضٌ بِالعَزِيزِ حَيْثُ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ بَراءَتَهُ ونَزاهَتَهُ. ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إنْ كانَ مِن كَلامِ يُوسُفَ فَهو مِن بابِ الهَضْمِ لِلنَّفْسِ، وعَدَمِ التَّزْكِيَةِ بِها مَعَ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ هو وغَيْرُهُ مِنَ النّاسِ أنَّهُ بَرِيءٌ وظَهَرَ ذَلِكَ ظُهُورَ الشَّمْسِ، وأقَرَّتْ بِهِ المَرْأةُ الَّتِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ الباطِلَ، ونَزَّهَتْهُ النِّسْوَةُ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَهو واقِعٌ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّها قَدْ أقَرَّتْ بِالذَّنْبِ، واعْتَرَفَتْ بِالمُراوَدَةِ، وبِالِافْتِراءِ عَلى يُوسُفَ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ وهو بِعِيدٌ جِدًّا، ومَعْناهُ: وما أبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ، والمُساعَدَةِ عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُ بِبَراءَتِهِ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أيْ إنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ شَأْنُهُ الأمْرُ بِالسُّوءِ لِمَيْلِهِ إلى الشَّهَواتِ، وتَأْثِيرِها بِالطَّبْعِ، وصُعُوبَةِ قَهْرِها، وكَفِّها عَنْ ذَلِكَ ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ أيْ إلّا مَن رَحِمَ مِنَ النُّفُوسِ فَعَصَمَها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، أوْ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ لَها، وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَكُفُّها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ مِن شَأْنِهِ كَثْرَةُ المَغْفِرَةِ لِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ المَلِكُ هو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ لا العَزِيزُ كَما تَقَدَّمَ: ومَعْنى ﴿أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجْعَلُهُ خالِصًا لِي دُونَ غَيْرِي، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ خالِصًا لِلْعَزِيزِ، والِاسْتِخْلاصُ: طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِن شَوائِبِ الشَّرِكَةِ، قالَ ذَلِكَ لَمّا كانَ يُوسُفُ نَفِيسًا، وعادَةُ المُلُوكِ أنْ يَجْعَلُوا الأشْياءَ النَّفِيسَةَ خالِصَةً لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ فَأتَوْهُ بِهِ فَلَمّا كَلَّمَهُ: أيْ فَلَمّا كَلَّمَ المَلِكُ يُوسُفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ. قِيلَ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ مَجالِسَ المُلُوكِ لا يُتَكَلَّمُ فِيها ابْتِداءً إلّا هم دُونَ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ الثّانِي أوْلى لِقَوْلِ المَلِكِ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ يُوسُفُ في مَقامِ المَلِكِ جاءَ بِما حَبَّبَهُ إلى المَلِكِ، وقَرَّبَهُ مِن قَلْبِهِ، فَقالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، ومَعْنى مَكِينٌ: ذُو مَكانَةٍ وأمانَةٍ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ المَلِكِ ويَأْمَنُهُ المَلِكُ عَلى ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن أمْرِهِ، أوْ عَلى ما يَكِلُهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا وصَلَ إلى المَلِكِ أجْلَسَهُ عَلى سَرِيرِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ مِنكَ تَعْبِيرَ رُؤْيايَ، فَعَبَرَها لَهُ بِأكْمَلِ بَيانٍ وأتَمَّ عِبارَةٍ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ مِنهُ ذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مِنهُ ذَلِكَ. ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ ولِّنِي أمْرَ الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلَيْكَ وهي أرْضُ مِصْرَ، أوِ اجْعَلْنِي عَلى حِفْظِ خَزائِنِ الأرْضِ، وهي الأمْكِنَةُ الَّتِي تُخَزَّنُ فِيها الأمْوالُ. طَلَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى نَشْرِ العَدْلِ ورَفْعِ الظُّلْمِ، ويَتَوَسَّلَ بِهِ إلى دُعاءِ أهْلِ مِصْرَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَرَكِ عِبادَةِ الأوْثانِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ إذا دَخَلَ في أمْرٍ مِن أُمُورِ السُّلْطانِ أنْ يَرْفَعَ مَنارَ الحَقِّ ويَهْدِمَ ما أمْكَنَهُ مِنَ الباطِلِ طَلَبُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالأوْصافِ الَّتِي لَها تَرْغِيبًا فِيما يَرُومُهُ، وتَنْشِيطًا لِمَن يُخاطِبُهُ مِنَ المُلُوكِ بِإلْقاءِ مَقالِيدِ الأُمُورِ إلَيْهِ وجَعْلِها مَنُوطَةً بِهِ ولَكِنَّهُ يُعارِضُ هَذا الجَوازَ ما ورَدَ عَنْ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الوِلايَةِ والمَنعِ مِن تَوْلِيَةِ مِن طَلَبَها أوْ حَرَصَ عَلَيْها، والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الشَّيْءُ والحَفِيظُ الَّذِي يَحْفَظُ الشَّيْءَ: أيْ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما جَعَلْتَهُ إلَيَّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ لا أُخْرِجُها في غَيْرِ مَخارِجِها، ولا أصْرِفُها في غَيْرِ مَصارِفِها عَلِيمٌ بِوُجُودِ جَمْعِها وتَفْرِيقِها ومَدْخَلِها ومَخْرَجِها. ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ العَجِيبِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾: أيْ جَعَلْنا لَهُ مَكانًا، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ ونُفُوذِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ حَتّى صارَ المَلِكُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، وصارَ النّاسُ يَعْمَلُونَ عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ (p-٧٠٢)﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ يَنْزِلُ مِنها حَيْثُ أرادَ ويَتَّخِذُهُ مَباءَةً، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ، وكَأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلى سُلْطانِ مِصْرَ كَما يَتَصَرَّفُ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ تَوَلِّي الأعْمالِ مِن جِهَةِ السُّلْطانِ الجائِرِ بَلِ الكافِرِ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ بِالقِيامِ بِالحَقِّ. وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هُودٍ ١١٣ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ مِنَ العِبادِ فَنَرْحَمُهُ في الدُّنْيا بِالإحْسانِ إلَيْهِ والإنْعامِ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ وإنْجائِهِ مِنَ النّارِ ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ الَّتِي هي مَطْلُوبُ اللَّهِ مِنهم: أيْ لا نُضِيعُ ثَوابَهم فِيها، ومُجازاتَهم عَلَيْها. ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ أجْرُهم في الآخِرَةِ، وأُضِيفَ الأجْرُ إلى الآخِرَةِ لِلْمُناسَبَةِ، وأجْرُهم هو الجَزاءُ الَّذِي يُجازِيهِمُ اللَّهُ بِهِ فِيها، وهو الجَنَّةُ الَّتِي لا يَنْفَدُ نَعِيمُها ولا تَنْقَضِي مُدَّتُها ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الوُقُوعَ فِيما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ المُحْسِنُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإحْسانَ المُعْتَدَّ بِهِ هو الإيمانُ والتَّقْوى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ قالَ: أرادَ يُوسُفُ العُذْرَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: لَمّا قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: أنا راوَدْتُهُ، قالَ يُوسُفُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ بِها ؟ فَقالَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ قالَ: تَبَيَّنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ولا حِينَ حَلَلْتَ السَّراوِيلَ ؟ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قالَ: فَأتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا وقُمْ إلى المَلِكِ، فَدَعا لَهُ أهْلُ السِّجْنِ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا أتاهُ رَأى غُلامًا حَدَثًا، فَقالَ: أيَعْلَمُ هَذا رُؤْيايَ ولا يَعْلَمُها السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ ؟ وأقْعَدَهُ قُدّامَهُ وقالَ لا تَخَفْ. وألْبَسَهُ طَوْقًا مِن ذَهَبٍ وثِيابٍ مِن حَرِيرٍ، وأعْطاهُ دابَّةً مَسْرُوجَةً مُزَيَّنَةً كَدابَّةِ المَلِكِ، وضُرِبَ الطَّبْلُ بِمِصْرَ: إنَّ يُوسُفَ خَلِيفَةُ المَلِكِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المَلِكُ لِيُوسُفَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُخالِطَنِي في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في أهْلِي، وأنا آنَفُ أنْ تَأْكُلَ مَعِي، فَغَضِبَ يُوسُفُ وقالَ: أنا أحَقُّ أنْ آنَفَ، أنا ابْنُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعامَةَ الضَّبِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ يَقُولُ عَلى جَمِيعِ الطَّعامِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِسِنِي المَجاعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ قالَ: مَلَّكْناهُ فِيها يَكُونُ فِيها حَيْثُ يَشاءُ مِن تِلْكَ الدُّنْيا يَصْنَعُ فِيها ما يَشاءُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ يُوسُفَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ العَزِيزِ فَوَجَدَها بِكْرًا، وكانَ زَوْجُها عِنِّينًا.

يوسف 12:55

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ. وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ. وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً. والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ وقَعَ مِنها ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ، ومِن جُمْلَةِ مَن شَمَلَهُ خِطابُ المَلِكِ امْرَأةُ العَزِيزِ، أوْ أرادَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ وُقُوعَهُ مِنهُنَّ في الجُمْلَةِ كَما كانَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَحاشِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ مِنهُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْها لِكَوْنِها امْرَأةَ وزِيرِهِ وهو (p-٧٠١)العَزِيزُ: فَأجَبْنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِنَّ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أيْ مَعاذَ اللَّهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ أيْ مِن أمْرٍ سَيْءٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ مُنَزِّهَةً لِجانِبِهِ مُقِرَّةً عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ لَهُ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ. وأصْلُهُ حَصَّ، فَقِيلَ حَصْحَصَ كَما قِيلَ في كُبُّوا كُبْكِبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وأصْلُ الحَصِّ، اسْتِئْصالُ الشَّيْءِ. يُقالُ حَصَّ شَعْرَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: ؎قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَما أطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجاعِ والمَعْنى أنَّهُ انْقَطَعَ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ وبَيانِهِ. ومِنهُ: ؎فَمَن مُبْلِغٌ عَنِّي خِداشًا فَإنَّهُ ∗∗∗ كَذُوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحَقُّ ظالِمُ وقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الحِصَّةِ، والمَعْنى: بانَتْ حِصَّةُ الباطِلِ. قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ ظَهَرَ الحَقُّ بَعْدَ خَفائِهِ، ثُمَّ أوْضَحَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ولَمْ تَقَعْ مِنهُ المُراوَدَةُ لِي أصْلًا ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما قالَهُ مِن تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ ونِسْبَةِ المُراوَدَةِ إلَيْها، وأرادَتْ بِالآنَ زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الفَرّاءُ: ولا يَبْعُدُ وصْلُ كَلامِ إنْسانٍ بِكَلامِ إنْسانٍ آخَرَ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ الصّارِفَةُ لِكُلٍّ مِنهُما إلى ما يَلِيقُ بِهِ. والإشارَةُ إلى الحادِثَةِ الواقِعَةِ مِنهُ، وهي تَثَبُّتُهُ وتَأنِّيهِ: أيْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في أهْلِهِ بِالغَيْبِ، والمَعْنى بِظَهْرِ الغَيْبِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبٌ عَنْهُ. قِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وهو في السِّجْنِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِما قالَتْهُ النِّسْوَةُ. وما قالَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وقَدْ صارَ عِنْدَ المَلِكِ، والأوَّلُ أوْلى. وذَهَبَ الأقَلُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: ذَلِكَ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُهُ في تَنْزِيهِهِ، والإقْرارُ عَلى نَفْسِي بِالمُراوَدَةِ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ فَأنْسِبَ إلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبَةٌ عَنْهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ لا يُثَبِّتُهُ ويُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ حَتّى يُوقِعُوهُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ يَثْبُتُ بِهِ ويَدُومُ وإذا كانَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ حَيْثُ وقَعَ مِنها الكَيْدُ لَهُ والخِيانَةُ لِزَوْجِها، وتَعْرِيضٌ بِالعَزِيزِ حَيْثُ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ بَراءَتَهُ ونَزاهَتَهُ. ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إنْ كانَ مِن كَلامِ يُوسُفَ فَهو مِن بابِ الهَضْمِ لِلنَّفْسِ، وعَدَمِ التَّزْكِيَةِ بِها مَعَ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ هو وغَيْرُهُ مِنَ النّاسِ أنَّهُ بَرِيءٌ وظَهَرَ ذَلِكَ ظُهُورَ الشَّمْسِ، وأقَرَّتْ بِهِ المَرْأةُ الَّتِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ الباطِلَ، ونَزَّهَتْهُ النِّسْوَةُ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَهو واقِعٌ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّها قَدْ أقَرَّتْ بِالذَّنْبِ، واعْتَرَفَتْ بِالمُراوَدَةِ، وبِالِافْتِراءِ عَلى يُوسُفَ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ وهو بِعِيدٌ جِدًّا، ومَعْناهُ: وما أبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ، والمُساعَدَةِ عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُ بِبَراءَتِهِ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أيْ إنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ شَأْنُهُ الأمْرُ بِالسُّوءِ لِمَيْلِهِ إلى الشَّهَواتِ، وتَأْثِيرِها بِالطَّبْعِ، وصُعُوبَةِ قَهْرِها، وكَفِّها عَنْ ذَلِكَ ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ أيْ إلّا مَن رَحِمَ مِنَ النُّفُوسِ فَعَصَمَها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، أوْ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ لَها، وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَكُفُّها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ مِن شَأْنِهِ كَثْرَةُ المَغْفِرَةِ لِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ المَلِكُ هو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ لا العَزِيزُ كَما تَقَدَّمَ: ومَعْنى ﴿أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجْعَلُهُ خالِصًا لِي دُونَ غَيْرِي، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ خالِصًا لِلْعَزِيزِ، والِاسْتِخْلاصُ: طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِن شَوائِبِ الشَّرِكَةِ، قالَ ذَلِكَ لَمّا كانَ يُوسُفُ نَفِيسًا، وعادَةُ المُلُوكِ أنْ يَجْعَلُوا الأشْياءَ النَّفِيسَةَ خالِصَةً لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ فَأتَوْهُ بِهِ فَلَمّا كَلَّمَهُ: أيْ فَلَمّا كَلَّمَ المَلِكُ يُوسُفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ. قِيلَ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ مَجالِسَ المُلُوكِ لا يُتَكَلَّمُ فِيها ابْتِداءً إلّا هم دُونَ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ الثّانِي أوْلى لِقَوْلِ المَلِكِ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ يُوسُفُ في مَقامِ المَلِكِ جاءَ بِما حَبَّبَهُ إلى المَلِكِ، وقَرَّبَهُ مِن قَلْبِهِ، فَقالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، ومَعْنى مَكِينٌ: ذُو مَكانَةٍ وأمانَةٍ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ المَلِكِ ويَأْمَنُهُ المَلِكُ عَلى ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن أمْرِهِ، أوْ عَلى ما يَكِلُهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا وصَلَ إلى المَلِكِ أجْلَسَهُ عَلى سَرِيرِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ مِنكَ تَعْبِيرَ رُؤْيايَ، فَعَبَرَها لَهُ بِأكْمَلِ بَيانٍ وأتَمَّ عِبارَةٍ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ مِنهُ ذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مِنهُ ذَلِكَ. ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ ولِّنِي أمْرَ الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلَيْكَ وهي أرْضُ مِصْرَ، أوِ اجْعَلْنِي عَلى حِفْظِ خَزائِنِ الأرْضِ، وهي الأمْكِنَةُ الَّتِي تُخَزَّنُ فِيها الأمْوالُ. طَلَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى نَشْرِ العَدْلِ ورَفْعِ الظُّلْمِ، ويَتَوَسَّلَ بِهِ إلى دُعاءِ أهْلِ مِصْرَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَرَكِ عِبادَةِ الأوْثانِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ إذا دَخَلَ في أمْرٍ مِن أُمُورِ السُّلْطانِ أنْ يَرْفَعَ مَنارَ الحَقِّ ويَهْدِمَ ما أمْكَنَهُ مِنَ الباطِلِ طَلَبُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالأوْصافِ الَّتِي لَها تَرْغِيبًا فِيما يَرُومُهُ، وتَنْشِيطًا لِمَن يُخاطِبُهُ مِنَ المُلُوكِ بِإلْقاءِ مَقالِيدِ الأُمُورِ إلَيْهِ وجَعْلِها مَنُوطَةً بِهِ ولَكِنَّهُ يُعارِضُ هَذا الجَوازَ ما ورَدَ عَنْ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الوِلايَةِ والمَنعِ مِن تَوْلِيَةِ مِن طَلَبَها أوْ حَرَصَ عَلَيْها، والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الشَّيْءُ والحَفِيظُ الَّذِي يَحْفَظُ الشَّيْءَ: أيْ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما جَعَلْتَهُ إلَيَّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ لا أُخْرِجُها في غَيْرِ مَخارِجِها، ولا أصْرِفُها في غَيْرِ مَصارِفِها عَلِيمٌ بِوُجُودِ جَمْعِها وتَفْرِيقِها ومَدْخَلِها ومَخْرَجِها. ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ العَجِيبِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾: أيْ جَعَلْنا لَهُ مَكانًا، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ ونُفُوذِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ حَتّى صارَ المَلِكُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، وصارَ النّاسُ يَعْمَلُونَ عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ (p-٧٠٢)﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ يَنْزِلُ مِنها حَيْثُ أرادَ ويَتَّخِذُهُ مَباءَةً، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ، وكَأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلى سُلْطانِ مِصْرَ كَما يَتَصَرَّفُ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ تَوَلِّي الأعْمالِ مِن جِهَةِ السُّلْطانِ الجائِرِ بَلِ الكافِرِ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ بِالقِيامِ بِالحَقِّ. وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هُودٍ ١١٣ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ مِنَ العِبادِ فَنَرْحَمُهُ في الدُّنْيا بِالإحْسانِ إلَيْهِ والإنْعامِ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ وإنْجائِهِ مِنَ النّارِ ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ الَّتِي هي مَطْلُوبُ اللَّهِ مِنهم: أيْ لا نُضِيعُ ثَوابَهم فِيها، ومُجازاتَهم عَلَيْها. ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ أجْرُهم في الآخِرَةِ، وأُضِيفَ الأجْرُ إلى الآخِرَةِ لِلْمُناسَبَةِ، وأجْرُهم هو الجَزاءُ الَّذِي يُجازِيهِمُ اللَّهُ بِهِ فِيها، وهو الجَنَّةُ الَّتِي لا يَنْفَدُ نَعِيمُها ولا تَنْقَضِي مُدَّتُها ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الوُقُوعَ فِيما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ المُحْسِنُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإحْسانَ المُعْتَدَّ بِهِ هو الإيمانُ والتَّقْوى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ قالَ: أرادَ يُوسُفُ العُذْرَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: لَمّا قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: أنا راوَدْتُهُ، قالَ يُوسُفُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ بِها ؟ فَقالَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ قالَ: تَبَيَّنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ولا حِينَ حَلَلْتَ السَّراوِيلَ ؟ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قالَ: فَأتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا وقُمْ إلى المَلِكِ، فَدَعا لَهُ أهْلُ السِّجْنِ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا أتاهُ رَأى غُلامًا حَدَثًا، فَقالَ: أيَعْلَمُ هَذا رُؤْيايَ ولا يَعْلَمُها السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ ؟ وأقْعَدَهُ قُدّامَهُ وقالَ لا تَخَفْ. وألْبَسَهُ طَوْقًا مِن ذَهَبٍ وثِيابٍ مِن حَرِيرٍ، وأعْطاهُ دابَّةً مَسْرُوجَةً مُزَيَّنَةً كَدابَّةِ المَلِكِ، وضُرِبَ الطَّبْلُ بِمِصْرَ: إنَّ يُوسُفَ خَلِيفَةُ المَلِكِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المَلِكُ لِيُوسُفَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُخالِطَنِي في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في أهْلِي، وأنا آنَفُ أنْ تَأْكُلَ مَعِي، فَغَضِبَ يُوسُفُ وقالَ: أنا أحَقُّ أنْ آنَفَ، أنا ابْنُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعامَةَ الضَّبِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ يَقُولُ عَلى جَمِيعِ الطَّعامِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِسِنِي المَجاعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ قالَ: مَلَّكْناهُ فِيها يَكُونُ فِيها حَيْثُ يَشاءُ مِن تِلْكَ الدُّنْيا يَصْنَعُ فِيها ما يَشاءُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ يُوسُفَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ العَزِيزِ فَوَجَدَها بِكْرًا، وكانَ زَوْجُها عِنِّينًا.

يوسف 12:56

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ. وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ. وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً. والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ وقَعَ مِنها ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ، ومِن جُمْلَةِ مَن شَمَلَهُ خِطابُ المَلِكِ امْرَأةُ العَزِيزِ، أوْ أرادَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ وُقُوعَهُ مِنهُنَّ في الجُمْلَةِ كَما كانَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَحاشِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ مِنهُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْها لِكَوْنِها امْرَأةَ وزِيرِهِ وهو (p-٧٠١)العَزِيزُ: فَأجَبْنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِنَّ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أيْ مَعاذَ اللَّهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ أيْ مِن أمْرٍ سَيْءٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ مُنَزِّهَةً لِجانِبِهِ مُقِرَّةً عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ لَهُ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ. وأصْلُهُ حَصَّ، فَقِيلَ حَصْحَصَ كَما قِيلَ في كُبُّوا كُبْكِبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وأصْلُ الحَصِّ، اسْتِئْصالُ الشَّيْءِ. يُقالُ حَصَّ شَعْرَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: ؎قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَما أطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجاعِ والمَعْنى أنَّهُ انْقَطَعَ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ وبَيانِهِ. ومِنهُ: ؎فَمَن مُبْلِغٌ عَنِّي خِداشًا فَإنَّهُ ∗∗∗ كَذُوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحَقُّ ظالِمُ وقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الحِصَّةِ، والمَعْنى: بانَتْ حِصَّةُ الباطِلِ. قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ ظَهَرَ الحَقُّ بَعْدَ خَفائِهِ، ثُمَّ أوْضَحَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ولَمْ تَقَعْ مِنهُ المُراوَدَةُ لِي أصْلًا ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما قالَهُ مِن تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ ونِسْبَةِ المُراوَدَةِ إلَيْها، وأرادَتْ بِالآنَ زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الفَرّاءُ: ولا يَبْعُدُ وصْلُ كَلامِ إنْسانٍ بِكَلامِ إنْسانٍ آخَرَ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ الصّارِفَةُ لِكُلٍّ مِنهُما إلى ما يَلِيقُ بِهِ. والإشارَةُ إلى الحادِثَةِ الواقِعَةِ مِنهُ، وهي تَثَبُّتُهُ وتَأنِّيهِ: أيْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في أهْلِهِ بِالغَيْبِ، والمَعْنى بِظَهْرِ الغَيْبِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبٌ عَنْهُ. قِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وهو في السِّجْنِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِما قالَتْهُ النِّسْوَةُ. وما قالَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وقَدْ صارَ عِنْدَ المَلِكِ، والأوَّلُ أوْلى. وذَهَبَ الأقَلُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: ذَلِكَ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُهُ في تَنْزِيهِهِ، والإقْرارُ عَلى نَفْسِي بِالمُراوَدَةِ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ فَأنْسِبَ إلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبَةٌ عَنْهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ لا يُثَبِّتُهُ ويُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ حَتّى يُوقِعُوهُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ يَثْبُتُ بِهِ ويَدُومُ وإذا كانَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ حَيْثُ وقَعَ مِنها الكَيْدُ لَهُ والخِيانَةُ لِزَوْجِها، وتَعْرِيضٌ بِالعَزِيزِ حَيْثُ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ بَراءَتَهُ ونَزاهَتَهُ. ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إنْ كانَ مِن كَلامِ يُوسُفَ فَهو مِن بابِ الهَضْمِ لِلنَّفْسِ، وعَدَمِ التَّزْكِيَةِ بِها مَعَ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ هو وغَيْرُهُ مِنَ النّاسِ أنَّهُ بَرِيءٌ وظَهَرَ ذَلِكَ ظُهُورَ الشَّمْسِ، وأقَرَّتْ بِهِ المَرْأةُ الَّتِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ الباطِلَ، ونَزَّهَتْهُ النِّسْوَةُ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَهو واقِعٌ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّها قَدْ أقَرَّتْ بِالذَّنْبِ، واعْتَرَفَتْ بِالمُراوَدَةِ، وبِالِافْتِراءِ عَلى يُوسُفَ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ وهو بِعِيدٌ جِدًّا، ومَعْناهُ: وما أبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ، والمُساعَدَةِ عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُ بِبَراءَتِهِ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أيْ إنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ شَأْنُهُ الأمْرُ بِالسُّوءِ لِمَيْلِهِ إلى الشَّهَواتِ، وتَأْثِيرِها بِالطَّبْعِ، وصُعُوبَةِ قَهْرِها، وكَفِّها عَنْ ذَلِكَ ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ أيْ إلّا مَن رَحِمَ مِنَ النُّفُوسِ فَعَصَمَها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، أوْ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ لَها، وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَكُفُّها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ مِن شَأْنِهِ كَثْرَةُ المَغْفِرَةِ لِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ المَلِكُ هو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ لا العَزِيزُ كَما تَقَدَّمَ: ومَعْنى ﴿أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجْعَلُهُ خالِصًا لِي دُونَ غَيْرِي، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ خالِصًا لِلْعَزِيزِ، والِاسْتِخْلاصُ: طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِن شَوائِبِ الشَّرِكَةِ، قالَ ذَلِكَ لَمّا كانَ يُوسُفُ نَفِيسًا، وعادَةُ المُلُوكِ أنْ يَجْعَلُوا الأشْياءَ النَّفِيسَةَ خالِصَةً لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ فَأتَوْهُ بِهِ فَلَمّا كَلَّمَهُ: أيْ فَلَمّا كَلَّمَ المَلِكُ يُوسُفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ. قِيلَ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ مَجالِسَ المُلُوكِ لا يُتَكَلَّمُ فِيها ابْتِداءً إلّا هم دُونَ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ الثّانِي أوْلى لِقَوْلِ المَلِكِ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ يُوسُفُ في مَقامِ المَلِكِ جاءَ بِما حَبَّبَهُ إلى المَلِكِ، وقَرَّبَهُ مِن قَلْبِهِ، فَقالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، ومَعْنى مَكِينٌ: ذُو مَكانَةٍ وأمانَةٍ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ المَلِكِ ويَأْمَنُهُ المَلِكُ عَلى ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن أمْرِهِ، أوْ عَلى ما يَكِلُهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا وصَلَ إلى المَلِكِ أجْلَسَهُ عَلى سَرِيرِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ مِنكَ تَعْبِيرَ رُؤْيايَ، فَعَبَرَها لَهُ بِأكْمَلِ بَيانٍ وأتَمَّ عِبارَةٍ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ مِنهُ ذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مِنهُ ذَلِكَ. ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ ولِّنِي أمْرَ الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلَيْكَ وهي أرْضُ مِصْرَ، أوِ اجْعَلْنِي عَلى حِفْظِ خَزائِنِ الأرْضِ، وهي الأمْكِنَةُ الَّتِي تُخَزَّنُ فِيها الأمْوالُ. طَلَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى نَشْرِ العَدْلِ ورَفْعِ الظُّلْمِ، ويَتَوَسَّلَ بِهِ إلى دُعاءِ أهْلِ مِصْرَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَرَكِ عِبادَةِ الأوْثانِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ إذا دَخَلَ في أمْرٍ مِن أُمُورِ السُّلْطانِ أنْ يَرْفَعَ مَنارَ الحَقِّ ويَهْدِمَ ما أمْكَنَهُ مِنَ الباطِلِ طَلَبُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالأوْصافِ الَّتِي لَها تَرْغِيبًا فِيما يَرُومُهُ، وتَنْشِيطًا لِمَن يُخاطِبُهُ مِنَ المُلُوكِ بِإلْقاءِ مَقالِيدِ الأُمُورِ إلَيْهِ وجَعْلِها مَنُوطَةً بِهِ ولَكِنَّهُ يُعارِضُ هَذا الجَوازَ ما ورَدَ عَنْ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الوِلايَةِ والمَنعِ مِن تَوْلِيَةِ مِن طَلَبَها أوْ حَرَصَ عَلَيْها، والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الشَّيْءُ والحَفِيظُ الَّذِي يَحْفَظُ الشَّيْءَ: أيْ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما جَعَلْتَهُ إلَيَّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ لا أُخْرِجُها في غَيْرِ مَخارِجِها، ولا أصْرِفُها في غَيْرِ مَصارِفِها عَلِيمٌ بِوُجُودِ جَمْعِها وتَفْرِيقِها ومَدْخَلِها ومَخْرَجِها. ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ العَجِيبِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾: أيْ جَعَلْنا لَهُ مَكانًا، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ ونُفُوذِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ حَتّى صارَ المَلِكُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، وصارَ النّاسُ يَعْمَلُونَ عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ (p-٧٠٢)﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ يَنْزِلُ مِنها حَيْثُ أرادَ ويَتَّخِذُهُ مَباءَةً، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ، وكَأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلى سُلْطانِ مِصْرَ كَما يَتَصَرَّفُ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ تَوَلِّي الأعْمالِ مِن جِهَةِ السُّلْطانِ الجائِرِ بَلِ الكافِرِ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ بِالقِيامِ بِالحَقِّ. وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هُودٍ ١١٣ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ مِنَ العِبادِ فَنَرْحَمُهُ في الدُّنْيا بِالإحْسانِ إلَيْهِ والإنْعامِ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ وإنْجائِهِ مِنَ النّارِ ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ الَّتِي هي مَطْلُوبُ اللَّهِ مِنهم: أيْ لا نُضِيعُ ثَوابَهم فِيها، ومُجازاتَهم عَلَيْها. ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ أجْرُهم في الآخِرَةِ، وأُضِيفَ الأجْرُ إلى الآخِرَةِ لِلْمُناسَبَةِ، وأجْرُهم هو الجَزاءُ الَّذِي يُجازِيهِمُ اللَّهُ بِهِ فِيها، وهو الجَنَّةُ الَّتِي لا يَنْفَدُ نَعِيمُها ولا تَنْقَضِي مُدَّتُها ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الوُقُوعَ فِيما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ المُحْسِنُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإحْسانَ المُعْتَدَّ بِهِ هو الإيمانُ والتَّقْوى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ قالَ: أرادَ يُوسُفُ العُذْرَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: لَمّا قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: أنا راوَدْتُهُ، قالَ يُوسُفُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ بِها ؟ فَقالَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ قالَ: تَبَيَّنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ولا حِينَ حَلَلْتَ السَّراوِيلَ ؟ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قالَ: فَأتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا وقُمْ إلى المَلِكِ، فَدَعا لَهُ أهْلُ السِّجْنِ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا أتاهُ رَأى غُلامًا حَدَثًا، فَقالَ: أيَعْلَمُ هَذا رُؤْيايَ ولا يَعْلَمُها السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ ؟ وأقْعَدَهُ قُدّامَهُ وقالَ لا تَخَفْ. وألْبَسَهُ طَوْقًا مِن ذَهَبٍ وثِيابٍ مِن حَرِيرٍ، وأعْطاهُ دابَّةً مَسْرُوجَةً مُزَيَّنَةً كَدابَّةِ المَلِكِ، وضُرِبَ الطَّبْلُ بِمِصْرَ: إنَّ يُوسُفَ خَلِيفَةُ المَلِكِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المَلِكُ لِيُوسُفَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُخالِطَنِي في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في أهْلِي، وأنا آنَفُ أنْ تَأْكُلَ مَعِي، فَغَضِبَ يُوسُفُ وقالَ: أنا أحَقُّ أنْ آنَفَ، أنا ابْنُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعامَةَ الضَّبِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ يَقُولُ عَلى جَمِيعِ الطَّعامِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِسِنِي المَجاعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ قالَ: مَلَّكْناهُ فِيها يَكُونُ فِيها حَيْثُ يَشاءُ مِن تِلْكَ الدُّنْيا يَصْنَعُ فِيها ما يَشاءُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ يُوسُفَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ العَزِيزِ فَوَجَدَها بِكْرًا، وكانَ زَوْجُها عِنِّينًا.

يوسف 12:57

الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ هَذا، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما أخْبَرَهُ بِهِ يُوسُفُ مِن تَعْبِيرِ تِلْكَ الرُّؤْيا، وقالَ المَلِكُ لِمَن بِحَضْرَتِهِ ائْتُونِي بِهِ: أيْ بِيُوسُفَ، رَغِبَ إلى رُؤْيَتِهِ ومَعْرِفَةِ حالِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ مِن فَضْلِهِ ما عَلِمَهُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ لَهُ ومِن تَعْبِيرِهِ لِرُؤْياهُ فَلَمّا جاءَهُ أيْ جاءَ إلى يُوسُفَ الرَّسُولُ واسْتَدْعاهُ إلى حَضْرَةِ المَلِكِ وأمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ قالَ يُوسُفُ لِلرَّسُولِ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ أيْ سَيِّدِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أمَرَهُ بِأنْ يَسْألَ المَلِكَ عَنْ ذَلِكَ وتَوَقَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مِنَ السِّجْنِ، ولَمْ يُسارِعْ إلى إجابَةِ المَلِكِ، لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ بَراءَةَ ساحَتِهِ ونَزاهَةَ جانِبِهِ، وأنَّهُ ظُلِمَ بِكَيْدِ امْرَأةِ العَزِيزِ ظُلْمًا بَيِّنًا، ولَقَدْ أُعْطِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحِلْمِ والصَّبْرِ والأناةِ ما تَضِيقُ الأذْهانُ عَنْ تَصَوُّرِهِ، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، يَعْنِي الرَّسُولَ الَّذِي جاءَ يَدْعُوهُ إلى المَلِكِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا الفِعْلُ مِن يُوسُفَ أناةً وصَبْرًا، وطَلَبًا لِبَراءَةِ ساحَتِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَخْرُجَ ويَنالَ مِنَ المَلِكِ مَرْتَبَةً، ويَسْكُتَ عَنْ أمْرِ ذَنْبِهِ فَيَراهُ النّاسُ بِتِلْكَ العَيْنِ يَقُولُونَ هَذا الَّذِي راوَدَ امْرَأةَ العَزِيزِ، وإنَّما قالَ: ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وسَكَتَ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ رِعايَةً لِذِمامِ المَلِكِ العَزِيزِ، أوْ خَوْفًا مِنهُ مِن كَيْدِها وعَظِيمِ شَرِّها، وذَكَرَ السُّؤالَ عَنْ تَقْطِيعِ الأيْدِي ولَمْ يَذْكُرْ مُراوَدَتَهُنَّ لَهُ، تَنَزُّهًا مِنهُ عَنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسِبْ المُراوَدَةَ فِيما تَقَدَّمَ إلى امْرَأةِ العَزِيزِ إلّا بَعْدَ أنْ رَمَتْهُ بِدائِها وانْسَلَّتْ. وقَدِ اكْتَفى هُنا بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِما وقَعَ عَلَيْهِ مِنَ الكَيْدِ مِنهُنَّ مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ. وجُمْلَةُ قالَ ﴿ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلِكُ بَعْدَ أنْ أبْلَغَهُ الرَّسُولُ ما قالَ يُوسُفُ، والخَطْبُ: الشَّأْنُ العَظِيمُ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أنْ يُخاطِبَ فِيهِ صاحِبَهُ خاصَّةً. والمَعْنى: ما شَأْنُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المُراوَدَةُ، وإنَّما نَسَبَ إلَيْهِنَّ المُراوَدَةَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ وقَعَ مِنها ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ، ومِن جُمْلَةِ مَن شَمَلَهُ خِطابُ المَلِكِ امْرَأةُ العَزِيزِ، أوْ أرادَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِنَّ وُقُوعَهُ مِنهُنَّ في الجُمْلَةِ كَما كانَ مِنِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَحاشِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ مِنهُ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْها لِكَوْنِها امْرَأةَ وزِيرِهِ وهو (p-٧٠١)العَزِيزُ: فَأجَبْنَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِنَّ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أيْ مَعاذَ اللَّهِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ أيْ مِن أمْرٍ سَيْءٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ مُنَزِّهَةً لِجانِبِهِ مُقِرَّةً عَلى نَفْسِها بِالمُراوَدَةِ لَهُ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ تَبَيَّنَ وظَهَرَ. وأصْلُهُ حَصَّ، فَقِيلَ حَصْحَصَ كَما قِيلَ في كُبُّوا كُبْكِبُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ، وأصْلُ الحَصِّ، اسْتِئْصالُ الشَّيْءِ. يُقالُ حَصَّ شَعْرَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: ؎قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رَأْسِي فَما أطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجاعِ والمَعْنى أنَّهُ انْقَطَعَ الحَقُّ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ وبَيانِهِ. ومِنهُ: ؎فَمَن مُبْلِغٌ عَنِّي خِداشًا فَإنَّهُ ∗∗∗ كَذُوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحَقُّ ظالِمُ وقِيلَ هو مُشْتَقٌّ مِنَ الحِصَّةِ، والمَعْنى: بانَتْ حِصَّةُ الباطِلِ. قالَ الخَلِيلُ: مَعْناهُ ظَهَرَ الحَقُّ بَعْدَ خَفائِهِ، ثُمَّ أوْضَحَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ولَمْ تَقَعْ مِنهُ المُراوَدَةُ لِي أصْلًا ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ فِيما قالَهُ مِن تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ ونِسْبَةِ المُراوَدَةِ إلَيْها، وأرادَتْ بِالآنَ زَمانَ تَكَلُّمِها بِهَذا الكَلامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. قالَ الفَرّاءُ: ولا يَبْعُدُ وصْلُ كَلامِ إنْسانٍ بِكَلامِ إنْسانٍ آخَرَ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ الصّارِفَةُ لِكُلٍّ مِنهُما إلى ما يَلِيقُ بِهِ. والإشارَةُ إلى الحادِثَةِ الواقِعَةِ مِنهُ، وهي تَثَبُّتُهُ وتَأنِّيهِ: أيْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في أهْلِهِ بِالغَيْبِ، والمَعْنى بِظَهْرِ الغَيْبِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبٌ عَنْهُ. قِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وهو في السِّجْنِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ الرَّسُولُ بِما قالَتْهُ النِّسْوَةُ. وما قالَتْهُ امْرَأةُ العَزِيزِ، وقِيلَ إنَّهُ قالَ ذَلِكَ وقَدْ صارَ عِنْدَ المَلِكِ، والأوَّلُ أوْلى. وذَهَبَ الأقَلُّونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، والمَعْنى: ذَلِكَ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُهُ في تَنْزِيهِهِ، والإقْرارُ عَلى نَفْسِي بِالمُراوَدَةِ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ فَأنْسِبَ إلَيْهِ ما لَمْ يَكُنْ مِنهُ وهو غائِبٌ عَنِّي، أوْ وأنا غائِبَةٌ عَنْهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيْ لا يُثَبِّتُهُ ويُسَدِّدُهُ، أوْ لا يَهْدِيهِمْ في كَيْدِهِمْ حَتّى يُوقِعُوهُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ لَهُ تَأْثِيرٌ يَثْبُتُ بِهِ ويَدُومُ وإذا كانَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِامْرَأةِ العَزِيزِ حَيْثُ وقَعَ مِنها الكَيْدُ لَهُ والخِيانَةُ لِزَوْجِها، وتَعْرِيضٌ بِالعَزِيزِ حَيْثُ ساعَدَها عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمَ بَراءَتَهُ ونَزاهَتَهُ. ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إنْ كانَ مِن كَلامِ يُوسُفَ فَهو مِن بابِ الهَضْمِ لِلنَّفْسِ، وعَدَمِ التَّزْكِيَةِ بِها مَعَ أنَّهُ قَدْ عَلِمَ هو وغَيْرُهُ مِنَ النّاسِ أنَّهُ بَرِيءٌ وظَهَرَ ذَلِكَ ظُهُورَ الشَّمْسِ، وأقَرَّتْ بِهِ المَرْأةُ الَّتِي ادَّعَتْ عَلَيْهِ الباطِلَ، ونَزَّهَتْهُ النِّسْوَةُ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ فَهو واقِعٌ عَلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّها قَدْ أقَرَّتْ بِالذَّنْبِ، واعْتَرَفَتْ بِالمُراوَدَةِ، وبِالِافْتِراءِ عَلى يُوسُفَ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مِن قَوْلِ العَزِيزِ وهو بِعِيدٌ جِدًّا، ومَعْناهُ: وما أبَرِّئُ نَفْسِي مِن سُوءِ الظَّنِّ بِيُوسُفَ، والمُساعَدَةِ عَلى حَبْسِهِ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُ بِبَراءَتِهِ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ أيْ إنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الأنْفُسِ البَشَرِيَّةِ شَأْنُهُ الأمْرُ بِالسُّوءِ لِمَيْلِهِ إلى الشَّهَواتِ، وتَأْثِيرِها بِالطَّبْعِ، وصُعُوبَةِ قَهْرِها، وكَفِّها عَنْ ذَلِكَ ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ أيْ إلّا مَن رَحِمَ مِنَ النُّفُوسِ فَعَصَمَها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، أوْ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ رَبِّي وعِصْمَتِهِ لَها، وقِيلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: لَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّي هي الَّتِي تَكُفُّها عَنْ أنْ تَكُونَ أمّارَةً بِالسُّوءِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ إنَّ مِن شَأْنِهِ كَثْرَةُ المَغْفِرَةِ لِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ المَلِكُ هو الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ لا العَزِيزُ كَما تَقَدَّمَ: ومَعْنى ﴿أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجْعَلُهُ خالِصًا لِي دُونَ غَيْرِي، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ خالِصًا لِلْعَزِيزِ، والِاسْتِخْلاصُ: طَلَبُ خُلُوصِ الشَّيْءِ مِن شَوائِبِ الشَّرِكَةِ، قالَ ذَلِكَ لَمّا كانَ يُوسُفُ نَفِيسًا، وعادَةُ المُلُوكِ أنْ يَجْعَلُوا الأشْياءَ النَّفِيسَةَ خالِصَةً لَهم دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ فَأتَوْهُ بِهِ فَلَمّا كَلَّمَهُ: أيْ فَلَمّا كَلَّمَ المَلِكُ يُوسُفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَلَمّا كَلَّمَ يُوسُفُ المَلِكَ. قِيلَ والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ مَجالِسَ المُلُوكِ لا يُتَكَلَّمُ فِيها ابْتِداءً إلّا هم دُونَ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ الثّانِي أوْلى لِقَوْلِ المَلِكِ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَإنَّ هَذا يُفِيدُ أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ يُوسُفُ في مَقامِ المَلِكِ جاءَ بِما حَبَّبَهُ إلى المَلِكِ، وقَرَّبَهُ مِن قَلْبِهِ، فَقالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، ومَعْنى مَكِينٌ: ذُو مَكانَةٍ وأمانَةٍ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ المَلِكِ ويَأْمَنُهُ المَلِكُ عَلى ما يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن أمْرِهِ، أوْ عَلى ما يَكِلُهُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ. قِيلَ إنَّهُ لَمّا وصَلَ إلى المَلِكِ أجْلَسَهُ عَلى سَرِيرِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَ مِنكَ تَعْبِيرَ رُؤْيايَ، فَعَبَرَها لَهُ بِأكْمَلِ بَيانٍ وأتَمَّ عِبارَةٍ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ مِنهُ ذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ فَلَمّا سَمِعَ يُوسُفُ مِنهُ ذَلِكَ. ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ ولِّنِي أمْرَ الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلَيْكَ وهي أرْضُ مِصْرَ، أوِ اجْعَلْنِي عَلى حِفْظِ خَزائِنِ الأرْضِ، وهي الأمْكِنَةُ الَّتِي تُخَزَّنُ فِيها الأمْوالُ. طَلَبَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى نَشْرِ العَدْلِ ورَفْعِ الظُّلْمِ، ويَتَوَسَّلَ بِهِ إلى دُعاءِ أهْلِ مِصْرَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَرَكِ عِبادَةِ الأوْثانِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ إذا دَخَلَ في أمْرٍ مِن أُمُورِ السُّلْطانِ أنْ يَرْفَعَ مَنارَ الحَقِّ ويَهْدِمَ ما أمْكَنَهُ مِنَ الباطِلِ طَلَبُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ. ويَجُوزُ لَهُ أنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِالأوْصافِ الَّتِي لَها تَرْغِيبًا فِيما يَرُومُهُ، وتَنْشِيطًا لِمَن يُخاطِبُهُ مِنَ المُلُوكِ بِإلْقاءِ مَقالِيدِ الأُمُورِ إلَيْهِ وجَعْلِها مَنُوطَةً بِهِ ولَكِنَّهُ يُعارِضُ هَذا الجَوازَ ما ورَدَ عَنْ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طَلَبِ الوِلايَةِ والمَنعِ مِن تَوْلِيَةِ مِن طَلَبَها أوْ حَرَصَ عَلَيْها، والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُخَزَّنُ فِيهِ الشَّيْءُ والحَفِيظُ الَّذِي يَحْفَظُ الشَّيْءَ: أيْ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما جَعَلْتَهُ إلَيَّ مِن حِفْظِ الأمْوالِ لا أُخْرِجُها في غَيْرِ مَخارِجِها، ولا أصْرِفُها في غَيْرِ مَصارِفِها عَلِيمٌ بِوُجُودِ جَمْعِها وتَفْرِيقِها ومَدْخَلِها ومَخْرَجِها. ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّمْكِينِ العَجِيبِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾: أيْ جَعَلْنا لَهُ مَكانًا، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ ونُفُوذِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ حَتّى صارَ المَلِكُ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ، وصارَ النّاسُ يَعْمَلُونَ عَلى أمْرِهِ ونَهْيِهِ (p-٧٠٢)﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أيْ يَنْزِلُ مِنها حَيْثُ أرادَ ويَتَّخِذُهُ مَباءَةً، وهو عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِهِ كَما تَقَدَّمَ، وكَأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في الأرْضِ الَّتِي أمْرُها إلى سُلْطانِ مِصْرَ كَما يَتَصَرَّفُ الرَّجُلُ في مَنزِلِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالنُّونِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ تَوَلِّي الأعْمالِ مِن جِهَةِ السُّلْطانِ الجائِرِ بَلِ الكافِرِ لِمَن وثِقَ مِن نَفْسِهِ بِالقِيامِ بِالحَقِّ. وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هُودٍ ١١٣ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ مِنَ العِبادِ فَنَرْحَمُهُ في الدُّنْيا بِالإحْسانِ إلَيْهِ والإنْعامِ عَلَيْهِ، وفي الآخِرَةِ بِإدْخالِهِ الجَنَّةَ وإنْجائِهِ مِنَ النّارِ ﴿ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ الَّتِي هي مَطْلُوبُ اللَّهِ مِنهم: أيْ لا نُضِيعُ ثَوابَهم فِيها، ومُجازاتَهم عَلَيْها. ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ﴾ أيْ أجْرُهم في الآخِرَةِ، وأُضِيفَ الأجْرُ إلى الآخِرَةِ لِلْمُناسَبَةِ، وأجْرُهم هو الجَزاءُ الَّذِي يُجازِيهِمُ اللَّهُ بِهِ فِيها، وهو الجَنَّةُ الَّتِي لا يَنْفَدُ نَعِيمُها ولا تَنْقَضِي مُدَّتُها ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ الوُقُوعَ فِيما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ المُحْسِنُونَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإحْسانَ المُعْتَدَّ بِهِ هو الإيمانُ والتَّقْوى. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ قالَ: أرادَ يُوسُفُ العُذْرَ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: لَمّا قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: أنا راوَدْتُهُ، قالَ يُوسُفُ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ولا حِينَ هَمَمْتَ بِها ؟ فَقالَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ قالَ: تَبَيَّنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ، ولا حِينَ حَلَلْتَ السَّراوِيلَ ؟ فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ قالَ: فَأتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا وقُمْ إلى المَلِكِ، فَدَعا لَهُ أهْلُ السِّجْنِ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا أتاهُ رَأى غُلامًا حَدَثًا، فَقالَ: أيَعْلَمُ هَذا رُؤْيايَ ولا يَعْلَمُها السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ ؟ وأقْعَدَهُ قُدّامَهُ وقالَ لا تَخَفْ. وألْبَسَهُ طَوْقًا مِن ذَهَبٍ وثِيابٍ مِن حَرِيرٍ، وأعْطاهُ دابَّةً مَسْرُوجَةً مُزَيَّنَةً كَدابَّةِ المَلِكِ، وضُرِبَ الطَّبْلُ بِمِصْرَ: إنَّ يُوسُفَ خَلِيفَةُ المَلِكِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المَلِكُ لِيُوسُفَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُخالِطَنِي في كُلِّ شَيْءٍ إلّا في أهْلِي، وأنا آنَفُ أنْ تَأْكُلَ مَعِي، فَغَضِبَ يُوسُفُ وقالَ: أنا أحَقُّ أنْ آنَفَ، أنا ابْنُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، وأنا ابْنُ يَعْقُوبَ نَبِيِّ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ نَعامَةَ الضَّبِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ يَقُولُ عَلى جَمِيعِ الطَّعامِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ لِما اسْتَوْدَعْتَنِي عَلِيمٌ بِسِنِي المَجاعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ قالَ: مَلَّكْناهُ فِيها يَكُونُ فِيها حَيْثُ يَشاءُ مِن تِلْكَ الدُّنْيا يَصْنَعُ فِيها ما يَشاءُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ يُوسُفَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ العَزِيزِ فَوَجَدَها بِكْرًا، وكانَ زَوْجُها عِنِّينًا.

يوسف 12:58

. قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ. قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ (p-٧٠٣)بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ. فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم. ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم. فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ وقِيلَ مَعْنى المُراوَدَةِ هُنا: المُخادَعَةُ مِنهم لِأبِيهِمْ والِاحْتِيالُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْتَزِعُوهُ مِنهُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ هَذِهِ المُراوَدَةَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ فِيها، وقِيلَ مَعْناهُ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا نَتَعانى بِهِ ولا نَتَعاظَمُهُ. ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ شُعْبَةَ وابْنِ عامِرٍ " لِفِتْيَتِهِ " واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ وغَيْرُهُما. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ لِفِتْيانِهِ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كالقِراءَةِ الآخِرَةِ. قالَ النَّحّاسُ: لِفِتْيانِهِ مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا يُتْرَكُ السَّوادُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ لِهَذا الإسْنادِ المُنْقَطِعِ وأيْضًا فَإنَّ فَتِيَةً أشْبَهُ مِن فِتْيانٍ، لِأنَّ فَتِيَّةً عِنْدَ العَرَبِ لِأقَلِّ العَدَدِ، وأمْرُ القَلِيلِ بِأنْ يَجْعَلُوا البِضاعَةَ في الرِّحالِ أشْبَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يُوسُفُ بَعْدَ وعْدِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ لِفِتْيَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ الفِتْيَةُ والفِتْيانُ في هَذا المَوْضِعِ المَمالِيكُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ مِثْلَ الصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ. والمُرادُ بِالبِضاعَةِ هُنا هي الَّتِي وصَلُوا بِها مِن بِلادِهِمْ لِيَشْتَرُوا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا، فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الطَّعامَ إلّا بِثَمَنٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَعِينُوا بِها عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ لِشِراءِ الطَّعامِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتَقْبَحَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ الطَّعامِ، ثُمَّ عَلَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَ بِهِ مِن جَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ جَعْلِ البِضاعَةِ في الرِّحالِ هي مَعْرِفَتُهم لَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِرَدِّ البِضاعَةِ إلَيْهِمْ إلّا عِنْدَ تَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ الَّتِي جَعَلُوا فِيها الطَّعامَ، وهم لا يُفَرِّغُونَها إلّا عِنْدَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ مَعْرِفَتَهم لِلْبِضاعَةِ المَرْدُودَةِ إلَيْهِمُ المَجْعُولَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ فَإنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّهم أخَذُوا الطَّعامَ بِلا ثَمَنٍ، وأنَّ ما دَفَعُوهُ عِوَضًا عَنْهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِمْ، وتَفَضَّلَ بِهِ مَن وصَلُوا إلَيْهِ عَلَيْهِمْ نَشِطُوا إلى العَوْدِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ والحاجَةِ إلى الطَّعامِ وعَدَمِ وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ما يَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرُدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ، وهو رُجُوعُهم إلَيْهِ فَلا يَتِمُّ تَعْلِيلُ رَدِّها بِغَيْرِ ذَلِكَ، والرِّحالُ جَمْعُ رَحْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَسْتَصْحِبُهُ الرَّجُلُ مَعَهُ مِنَ الأثاثِ. قالَ الواحِدِيُّ: الرَّحْلُ كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٍّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ لِلْمَتاعِ ومَرْكَبٍ لِلْبَعِيرِ ومَجْلِسٍ ورَسَنٍ انْتَهى. والمُرادُ هُنا الأوْعِيَةُ الَّتِي يَجْعَلُونَ فِيها ما يَمْتارُونَهْ مِنَ الطَّعامِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ لِلْوِعاءِ رَحْلٌ ولِلْبَيْتِ رَحْلٌ. ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أرادُوا بِهَذا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾: أيْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلَ في المُسْتَقْبَلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِامْتِيارَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودٌ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ولَعَلَّهم قالُوا لَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ قَبْلَ أنْ يَفْتَحُوا مَتاعَهم ويَعْلَمُوا بَرَدِّ بِضاعَتِهِمْ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيما بَعْدُ ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ يُوسُفُ، فَقالُوا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ونَكْتَلْ جَوابُ الأمْرِ: أيْ نَكْتَلْ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا ما نُرِيدُهُ مِنَ الطَّعامِ. قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ نَكْتَلْ بِالنُّونِ. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى قالَ: لَيَكُونُونَ كُلُّهم داخِلِينَ فِيمَن يَكْتالُ، وزَعَمَ أنَّهُ إذا كانَ بِالياءِ كانَ لِلْأخِ وحْدَهُ: أيْ يَكْتالُ أخُونا بِنْيامِينُ، واعْتَرَضَهُ النَّحّاسُ مِمّا حاصِلُهُ أنَّ إسْنادَ الكَيْلِ إلى الأخِ لا يُنافِي كَوْنَهُ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى: يَكْتالُ بِنْيامِينُ لَنا جَمِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ أيْ إنْ أرْسَلْتَهُ اكْتَلْنا وإلّا مُنِعْنا الكَيْلَ، وإنّا لَهُ أيْ لِأخِيهِمْ بِنْيامِينَ لَحافِظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ أوْ مَكْرُوهٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلى بِنْيامِينَ إلّا كَما أمِنَهم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ وقَدْ قالُوا لَهُ في يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ كَما قالُوا هُنا وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ثُمَّ خانُوهُ في يُوسُفَ فَهو إنْ أمِنَهم في بِنْيامِينَ خافَ أنْ يَخُونُوهُ فِيهِ كَما خانُوهُ في يُوسُفَ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لَعَلَّ هُنا إضْمارًا والتَّقْدِيرُ فَتَوَكَّلَ يَعْقُوبُ عَلى اللَّهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وقالَ: فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ( حِفْظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( حافِظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٧٠٤)عَلى البَيانِ يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنْ حِفْظَ اللَّهِ إيّاهُ خَيْرٌ مِن حِفْظِهِمْ لَهُ، لَمّا وكَلَ يَعْقُوبُ حِفْظَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حَفِظَهُ وأرْجَعَهُ إلَيْهِ، ولَمّا قالَ في يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقْعَ لَهُ مِنَ الِامْتِحانِ ما وقَعَ. ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَةَ الطَّعامِ أوْ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ المَتاعِ سَواءٌ كانَ الَّذِي فِيهِ طَعامًا أوْ غَيْرَ طَعامٍ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيِ البِضاعَةَ الَّتِي حَمَلُوها إلى مِصْرَ لَيَمْتارُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ ما نَبْغِي ما اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ مِن هَذا المَلِكِ بَعْدَ أنْ صَنَعَ مَعَنا ما صَنَعَ مِنَ الإحْسانِ بِرَدِّ البِضاعَةِ والإكْرامِ عِنْدَ القُدُومِ إلَيْهِ، وتَوْفِيرِ ما أرَدْناهُ مِنَ المِيرَةِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإنْكارِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مَعَ كَوْنِها قَدْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ، وقِيلَ إنَّ ما في ما نَبْغِي نافِيَةٌ أيْ ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وإكْرامِهِ لَنا، ثُمَّ بَرْهَنُوا عَلى ما لَقُوهُ مِنَ التَّزَيُّدِ في وصْفِ المَلِكِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ فَإنَّ مَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ مِنهم، مُسْتَحِقٌّ لِما وصَفُوهُ بِهِ، ومَعْنى ونَمِيرُ أهْلَنا نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ وهي الطَّعامُ، والمائِرُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّعامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِها عَلى الرُّجُوعِ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِنْيامِينَ مِمّا تَخافُهُ عَلَيْهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا كَيْلَ بَعِيرٍ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ زائِدٍ عَلى ما جِئْنا بِهِ هَذِهِ المَرَّةَ، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وِقْرُ بَعِيرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أنَّ زِيادَةَ كَيْلِ بَعِيرٍ لِأخِينا يَسْهُلُ عَلى المَلِكِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِن زِيادَتِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا لا يَتَعاظَمُهُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ذَلِكَ المَكِيلُ لِأجْلِنا قَلِيلٌ نُرِيدُ أنْ يَنْضافَ إلَيْهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لِأخِينا. واخْتارَ الزَّجّاجُ الأوَّلَ. وقِيلَ إنَّ هَذا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ جَوابًا عَلى ما قالَهُ أوْلادُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِأجْلِهِ بِالوَلَدِ وهو ضَعِيفٌ. لِأنَّ جَوابَ يَعْقُوبَ هو ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أثِقُ بِهِ وأرْكَنُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الحَلِفُ بِهِ، واللّامُ في لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ: أيْ لَتَرُدُنَّ بِنْيامِينَ إلَيَّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكم﴾ هو مِن أعَمِّ العامِّ، لِأنَّ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنْ كانَ كَلامًا مُثْبَتًا فَهو في مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُمْنَعُونَ مِن إتْيانِي بِهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكم، والإحاطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ومَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ غُلِبَ أوْ هَلَكَ، فَأخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنْ يَأْتُوهُ بِبِنْيامِينَ إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ أوْ تَهْلِكُوا دُونَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَكم عِنْدِي فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم أيْ أعْطَوْهُ ما طَلَبَهُ مِنهم مِنَ اليَمِينِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ: اللَّهُ عَلى ما قُلْناهُ مِن طَلَبِي المَوْثِقَ مِنكم وإعْطائِكم لِي ما طَلَبْتُهُ مِنكم - مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، فَهو المُعاقِبُ لِمَن خاسَ في عَهْدِهِ وفَجَرَ في الحَلِفِ بِهِ، أوْ مَوْكُولٌ إلَيْهِ القِيامُ بِما شَهِدَ عَلَيْهِ مِنّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ، فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ. فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لِيُخْبِرُنِي عَنْكم خَبَرًا، هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ ؟ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذَبٍ ؟ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وُهَيْبٍ قالَ: لَمّا جَعَلَ يُوسُفُ يَنْقُرُ الصُّواعَ ويُخْبِرُهم قامَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوَتِهِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ أنْ لا تَكْشِفَ لَنا عَوْرَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِنْيامِينَ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ قالَ: خَيْرُ مَن يُضِيفُ بِمِصْرَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لِفِتْيانِهِ أيْ لِغِلْمانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم﴾ أيْ أوْراقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ يَقُولُونَ ما نَبْغِي وراءَ هَذا ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيُدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلَ حِمارٍ، قالَ وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجاهِدٌ أنَّ الحِمارَ يُقالُ لَهُ في بَعْضِ اللُّغاتِ بَعِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ: تَهْلِكُوا جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ لا تُغْلَبُوا حَتّى لا تُطِيقُوا ذَلِكَ.

يوسف 12:59

. قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ. قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ (p-٧٠٣)بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ. فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم. ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم. فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ وقِيلَ مَعْنى المُراوَدَةِ هُنا: المُخادَعَةُ مِنهم لِأبِيهِمْ والِاحْتِيالُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْتَزِعُوهُ مِنهُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ هَذِهِ المُراوَدَةَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ فِيها، وقِيلَ مَعْناهُ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا نَتَعانى بِهِ ولا نَتَعاظَمُهُ. ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ شُعْبَةَ وابْنِ عامِرٍ " لِفِتْيَتِهِ " واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ وغَيْرُهُما. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ لِفِتْيانِهِ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كالقِراءَةِ الآخِرَةِ. قالَ النَّحّاسُ: لِفِتْيانِهِ مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا يُتْرَكُ السَّوادُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ لِهَذا الإسْنادِ المُنْقَطِعِ وأيْضًا فَإنَّ فَتِيَةً أشْبَهُ مِن فِتْيانٍ، لِأنَّ فَتِيَّةً عِنْدَ العَرَبِ لِأقَلِّ العَدَدِ، وأمْرُ القَلِيلِ بِأنْ يَجْعَلُوا البِضاعَةَ في الرِّحالِ أشْبَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يُوسُفُ بَعْدَ وعْدِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ لِفِتْيَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ الفِتْيَةُ والفِتْيانُ في هَذا المَوْضِعِ المَمالِيكُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ مِثْلَ الصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ. والمُرادُ بِالبِضاعَةِ هُنا هي الَّتِي وصَلُوا بِها مِن بِلادِهِمْ لِيَشْتَرُوا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا، فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الطَّعامَ إلّا بِثَمَنٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَعِينُوا بِها عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ لِشِراءِ الطَّعامِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتَقْبَحَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ الطَّعامِ، ثُمَّ عَلَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَ بِهِ مِن جَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ جَعْلِ البِضاعَةِ في الرِّحالِ هي مَعْرِفَتُهم لَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِرَدِّ البِضاعَةِ إلَيْهِمْ إلّا عِنْدَ تَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ الَّتِي جَعَلُوا فِيها الطَّعامَ، وهم لا يُفَرِّغُونَها إلّا عِنْدَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ مَعْرِفَتَهم لِلْبِضاعَةِ المَرْدُودَةِ إلَيْهِمُ المَجْعُولَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ فَإنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّهم أخَذُوا الطَّعامَ بِلا ثَمَنٍ، وأنَّ ما دَفَعُوهُ عِوَضًا عَنْهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِمْ، وتَفَضَّلَ بِهِ مَن وصَلُوا إلَيْهِ عَلَيْهِمْ نَشِطُوا إلى العَوْدِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ والحاجَةِ إلى الطَّعامِ وعَدَمِ وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ما يَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرُدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ، وهو رُجُوعُهم إلَيْهِ فَلا يَتِمُّ تَعْلِيلُ رَدِّها بِغَيْرِ ذَلِكَ، والرِّحالُ جَمْعُ رَحْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَسْتَصْحِبُهُ الرَّجُلُ مَعَهُ مِنَ الأثاثِ. قالَ الواحِدِيُّ: الرَّحْلُ كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٍّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ لِلْمَتاعِ ومَرْكَبٍ لِلْبَعِيرِ ومَجْلِسٍ ورَسَنٍ انْتَهى. والمُرادُ هُنا الأوْعِيَةُ الَّتِي يَجْعَلُونَ فِيها ما يَمْتارُونَهْ مِنَ الطَّعامِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ لِلْوِعاءِ رَحْلٌ ولِلْبَيْتِ رَحْلٌ. ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أرادُوا بِهَذا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾: أيْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلَ في المُسْتَقْبَلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِامْتِيارَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودٌ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ولَعَلَّهم قالُوا لَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ قَبْلَ أنْ يَفْتَحُوا مَتاعَهم ويَعْلَمُوا بَرَدِّ بِضاعَتِهِمْ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيما بَعْدُ ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ يُوسُفُ، فَقالُوا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ونَكْتَلْ جَوابُ الأمْرِ: أيْ نَكْتَلْ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا ما نُرِيدُهُ مِنَ الطَّعامِ. قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ نَكْتَلْ بِالنُّونِ. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى قالَ: لَيَكُونُونَ كُلُّهم داخِلِينَ فِيمَن يَكْتالُ، وزَعَمَ أنَّهُ إذا كانَ بِالياءِ كانَ لِلْأخِ وحْدَهُ: أيْ يَكْتالُ أخُونا بِنْيامِينُ، واعْتَرَضَهُ النَّحّاسُ مِمّا حاصِلُهُ أنَّ إسْنادَ الكَيْلِ إلى الأخِ لا يُنافِي كَوْنَهُ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى: يَكْتالُ بِنْيامِينُ لَنا جَمِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ أيْ إنْ أرْسَلْتَهُ اكْتَلْنا وإلّا مُنِعْنا الكَيْلَ، وإنّا لَهُ أيْ لِأخِيهِمْ بِنْيامِينَ لَحافِظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ أوْ مَكْرُوهٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلى بِنْيامِينَ إلّا كَما أمِنَهم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ وقَدْ قالُوا لَهُ في يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ كَما قالُوا هُنا وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ثُمَّ خانُوهُ في يُوسُفَ فَهو إنْ أمِنَهم في بِنْيامِينَ خافَ أنْ يَخُونُوهُ فِيهِ كَما خانُوهُ في يُوسُفَ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لَعَلَّ هُنا إضْمارًا والتَّقْدِيرُ فَتَوَكَّلَ يَعْقُوبُ عَلى اللَّهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وقالَ: فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ( حِفْظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( حافِظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٧٠٤)عَلى البَيانِ يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنْ حِفْظَ اللَّهِ إيّاهُ خَيْرٌ مِن حِفْظِهِمْ لَهُ، لَمّا وكَلَ يَعْقُوبُ حِفْظَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حَفِظَهُ وأرْجَعَهُ إلَيْهِ، ولَمّا قالَ في يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقْعَ لَهُ مِنَ الِامْتِحانِ ما وقَعَ. ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَةَ الطَّعامِ أوْ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ المَتاعِ سَواءٌ كانَ الَّذِي فِيهِ طَعامًا أوْ غَيْرَ طَعامٍ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيِ البِضاعَةَ الَّتِي حَمَلُوها إلى مِصْرَ لَيَمْتارُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ ما نَبْغِي ما اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ مِن هَذا المَلِكِ بَعْدَ أنْ صَنَعَ مَعَنا ما صَنَعَ مِنَ الإحْسانِ بِرَدِّ البِضاعَةِ والإكْرامِ عِنْدَ القُدُومِ إلَيْهِ، وتَوْفِيرِ ما أرَدْناهُ مِنَ المِيرَةِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإنْكارِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مَعَ كَوْنِها قَدْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ، وقِيلَ إنَّ ما في ما نَبْغِي نافِيَةٌ أيْ ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وإكْرامِهِ لَنا، ثُمَّ بَرْهَنُوا عَلى ما لَقُوهُ مِنَ التَّزَيُّدِ في وصْفِ المَلِكِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ فَإنَّ مَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ مِنهم، مُسْتَحِقٌّ لِما وصَفُوهُ بِهِ، ومَعْنى ونَمِيرُ أهْلَنا نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ وهي الطَّعامُ، والمائِرُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّعامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِها عَلى الرُّجُوعِ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِنْيامِينَ مِمّا تَخافُهُ عَلَيْهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا كَيْلَ بَعِيرٍ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ زائِدٍ عَلى ما جِئْنا بِهِ هَذِهِ المَرَّةَ، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وِقْرُ بَعِيرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أنَّ زِيادَةَ كَيْلِ بَعِيرٍ لِأخِينا يَسْهُلُ عَلى المَلِكِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِن زِيادَتِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا لا يَتَعاظَمُهُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ذَلِكَ المَكِيلُ لِأجْلِنا قَلِيلٌ نُرِيدُ أنْ يَنْضافَ إلَيْهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لِأخِينا. واخْتارَ الزَّجّاجُ الأوَّلَ. وقِيلَ إنَّ هَذا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ جَوابًا عَلى ما قالَهُ أوْلادُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِأجْلِهِ بِالوَلَدِ وهو ضَعِيفٌ. لِأنَّ جَوابَ يَعْقُوبَ هو ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أثِقُ بِهِ وأرْكَنُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الحَلِفُ بِهِ، واللّامُ في لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ: أيْ لَتَرُدُنَّ بِنْيامِينَ إلَيَّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكم﴾ هو مِن أعَمِّ العامِّ، لِأنَّ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنْ كانَ كَلامًا مُثْبَتًا فَهو في مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُمْنَعُونَ مِن إتْيانِي بِهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكم، والإحاطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ومَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ غُلِبَ أوْ هَلَكَ، فَأخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنْ يَأْتُوهُ بِبِنْيامِينَ إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ أوْ تَهْلِكُوا دُونَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَكم عِنْدِي فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم أيْ أعْطَوْهُ ما طَلَبَهُ مِنهم مِنَ اليَمِينِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ: اللَّهُ عَلى ما قُلْناهُ مِن طَلَبِي المَوْثِقَ مِنكم وإعْطائِكم لِي ما طَلَبْتُهُ مِنكم - مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، فَهو المُعاقِبُ لِمَن خاسَ في عَهْدِهِ وفَجَرَ في الحَلِفِ بِهِ، أوْ مَوْكُولٌ إلَيْهِ القِيامُ بِما شَهِدَ عَلَيْهِ مِنّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ، فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ. فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لِيُخْبِرُنِي عَنْكم خَبَرًا، هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ ؟ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذَبٍ ؟ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وُهَيْبٍ قالَ: لَمّا جَعَلَ يُوسُفُ يَنْقُرُ الصُّواعَ ويُخْبِرُهم قامَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوَتِهِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ أنْ لا تَكْشِفَ لَنا عَوْرَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِنْيامِينَ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ قالَ: خَيْرُ مَن يُضِيفُ بِمِصْرَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لِفِتْيانِهِ أيْ لِغِلْمانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم﴾ أيْ أوْراقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ يَقُولُونَ ما نَبْغِي وراءَ هَذا ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيُدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلَ حِمارٍ، قالَ وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجاهِدٌ أنَّ الحِمارَ يُقالُ لَهُ في بَعْضِ اللُّغاتِ بَعِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ: تَهْلِكُوا جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ لا تُغْلَبُوا حَتّى لا تُطِيقُوا ذَلِكَ.

يوسف 12:60

. قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ. قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ (p-٧٠٣)بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ. فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم. ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم. فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ وقِيلَ مَعْنى المُراوَدَةِ هُنا: المُخادَعَةُ مِنهم لِأبِيهِمْ والِاحْتِيالُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْتَزِعُوهُ مِنهُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ هَذِهِ المُراوَدَةَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ فِيها، وقِيلَ مَعْناهُ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا نَتَعانى بِهِ ولا نَتَعاظَمُهُ. ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ شُعْبَةَ وابْنِ عامِرٍ " لِفِتْيَتِهِ " واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ وغَيْرُهُما. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ لِفِتْيانِهِ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كالقِراءَةِ الآخِرَةِ. قالَ النَّحّاسُ: لِفِتْيانِهِ مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا يُتْرَكُ السَّوادُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ لِهَذا الإسْنادِ المُنْقَطِعِ وأيْضًا فَإنَّ فَتِيَةً أشْبَهُ مِن فِتْيانٍ، لِأنَّ فَتِيَّةً عِنْدَ العَرَبِ لِأقَلِّ العَدَدِ، وأمْرُ القَلِيلِ بِأنْ يَجْعَلُوا البِضاعَةَ في الرِّحالِ أشْبَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يُوسُفُ بَعْدَ وعْدِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ لِفِتْيَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ الفِتْيَةُ والفِتْيانُ في هَذا المَوْضِعِ المَمالِيكُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ مِثْلَ الصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ. والمُرادُ بِالبِضاعَةِ هُنا هي الَّتِي وصَلُوا بِها مِن بِلادِهِمْ لِيَشْتَرُوا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا، فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الطَّعامَ إلّا بِثَمَنٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَعِينُوا بِها عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ لِشِراءِ الطَّعامِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتَقْبَحَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ الطَّعامِ، ثُمَّ عَلَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَ بِهِ مِن جَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ جَعْلِ البِضاعَةِ في الرِّحالِ هي مَعْرِفَتُهم لَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِرَدِّ البِضاعَةِ إلَيْهِمْ إلّا عِنْدَ تَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ الَّتِي جَعَلُوا فِيها الطَّعامَ، وهم لا يُفَرِّغُونَها إلّا عِنْدَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ مَعْرِفَتَهم لِلْبِضاعَةِ المَرْدُودَةِ إلَيْهِمُ المَجْعُولَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ فَإنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّهم أخَذُوا الطَّعامَ بِلا ثَمَنٍ، وأنَّ ما دَفَعُوهُ عِوَضًا عَنْهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِمْ، وتَفَضَّلَ بِهِ مَن وصَلُوا إلَيْهِ عَلَيْهِمْ نَشِطُوا إلى العَوْدِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ والحاجَةِ إلى الطَّعامِ وعَدَمِ وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ما يَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرُدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ، وهو رُجُوعُهم إلَيْهِ فَلا يَتِمُّ تَعْلِيلُ رَدِّها بِغَيْرِ ذَلِكَ، والرِّحالُ جَمْعُ رَحْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَسْتَصْحِبُهُ الرَّجُلُ مَعَهُ مِنَ الأثاثِ. قالَ الواحِدِيُّ: الرَّحْلُ كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٍّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ لِلْمَتاعِ ومَرْكَبٍ لِلْبَعِيرِ ومَجْلِسٍ ورَسَنٍ انْتَهى. والمُرادُ هُنا الأوْعِيَةُ الَّتِي يَجْعَلُونَ فِيها ما يَمْتارُونَهْ مِنَ الطَّعامِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ لِلْوِعاءِ رَحْلٌ ولِلْبَيْتِ رَحْلٌ. ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أرادُوا بِهَذا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾: أيْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلَ في المُسْتَقْبَلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِامْتِيارَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودٌ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ولَعَلَّهم قالُوا لَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ قَبْلَ أنْ يَفْتَحُوا مَتاعَهم ويَعْلَمُوا بَرَدِّ بِضاعَتِهِمْ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيما بَعْدُ ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ يُوسُفُ، فَقالُوا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ونَكْتَلْ جَوابُ الأمْرِ: أيْ نَكْتَلْ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا ما نُرِيدُهُ مِنَ الطَّعامِ. قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ نَكْتَلْ بِالنُّونِ. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى قالَ: لَيَكُونُونَ كُلُّهم داخِلِينَ فِيمَن يَكْتالُ، وزَعَمَ أنَّهُ إذا كانَ بِالياءِ كانَ لِلْأخِ وحْدَهُ: أيْ يَكْتالُ أخُونا بِنْيامِينُ، واعْتَرَضَهُ النَّحّاسُ مِمّا حاصِلُهُ أنَّ إسْنادَ الكَيْلِ إلى الأخِ لا يُنافِي كَوْنَهُ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى: يَكْتالُ بِنْيامِينُ لَنا جَمِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ أيْ إنْ أرْسَلْتَهُ اكْتَلْنا وإلّا مُنِعْنا الكَيْلَ، وإنّا لَهُ أيْ لِأخِيهِمْ بِنْيامِينَ لَحافِظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ أوْ مَكْرُوهٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلى بِنْيامِينَ إلّا كَما أمِنَهم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ وقَدْ قالُوا لَهُ في يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ كَما قالُوا هُنا وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ثُمَّ خانُوهُ في يُوسُفَ فَهو إنْ أمِنَهم في بِنْيامِينَ خافَ أنْ يَخُونُوهُ فِيهِ كَما خانُوهُ في يُوسُفَ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لَعَلَّ هُنا إضْمارًا والتَّقْدِيرُ فَتَوَكَّلَ يَعْقُوبُ عَلى اللَّهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وقالَ: فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ( حِفْظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( حافِظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٧٠٤)عَلى البَيانِ يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنْ حِفْظَ اللَّهِ إيّاهُ خَيْرٌ مِن حِفْظِهِمْ لَهُ، لَمّا وكَلَ يَعْقُوبُ حِفْظَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حَفِظَهُ وأرْجَعَهُ إلَيْهِ، ولَمّا قالَ في يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقْعَ لَهُ مِنَ الِامْتِحانِ ما وقَعَ. ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَةَ الطَّعامِ أوْ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ المَتاعِ سَواءٌ كانَ الَّذِي فِيهِ طَعامًا أوْ غَيْرَ طَعامٍ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيِ البِضاعَةَ الَّتِي حَمَلُوها إلى مِصْرَ لَيَمْتارُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ ما نَبْغِي ما اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ مِن هَذا المَلِكِ بَعْدَ أنْ صَنَعَ مَعَنا ما صَنَعَ مِنَ الإحْسانِ بِرَدِّ البِضاعَةِ والإكْرامِ عِنْدَ القُدُومِ إلَيْهِ، وتَوْفِيرِ ما أرَدْناهُ مِنَ المِيرَةِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإنْكارِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مَعَ كَوْنِها قَدْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ، وقِيلَ إنَّ ما في ما نَبْغِي نافِيَةٌ أيْ ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وإكْرامِهِ لَنا، ثُمَّ بَرْهَنُوا عَلى ما لَقُوهُ مِنَ التَّزَيُّدِ في وصْفِ المَلِكِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ فَإنَّ مَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ مِنهم، مُسْتَحِقٌّ لِما وصَفُوهُ بِهِ، ومَعْنى ونَمِيرُ أهْلَنا نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ وهي الطَّعامُ، والمائِرُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّعامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِها عَلى الرُّجُوعِ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِنْيامِينَ مِمّا تَخافُهُ عَلَيْهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا كَيْلَ بَعِيرٍ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ زائِدٍ عَلى ما جِئْنا بِهِ هَذِهِ المَرَّةَ، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وِقْرُ بَعِيرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أنَّ زِيادَةَ كَيْلِ بَعِيرٍ لِأخِينا يَسْهُلُ عَلى المَلِكِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِن زِيادَتِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا لا يَتَعاظَمُهُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ذَلِكَ المَكِيلُ لِأجْلِنا قَلِيلٌ نُرِيدُ أنْ يَنْضافَ إلَيْهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لِأخِينا. واخْتارَ الزَّجّاجُ الأوَّلَ. وقِيلَ إنَّ هَذا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ جَوابًا عَلى ما قالَهُ أوْلادُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِأجْلِهِ بِالوَلَدِ وهو ضَعِيفٌ. لِأنَّ جَوابَ يَعْقُوبَ هو ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أثِقُ بِهِ وأرْكَنُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الحَلِفُ بِهِ، واللّامُ في لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ: أيْ لَتَرُدُنَّ بِنْيامِينَ إلَيَّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكم﴾ هو مِن أعَمِّ العامِّ، لِأنَّ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنْ كانَ كَلامًا مُثْبَتًا فَهو في مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُمْنَعُونَ مِن إتْيانِي بِهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكم، والإحاطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ومَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ غُلِبَ أوْ هَلَكَ، فَأخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنْ يَأْتُوهُ بِبِنْيامِينَ إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ أوْ تَهْلِكُوا دُونَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَكم عِنْدِي فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم أيْ أعْطَوْهُ ما طَلَبَهُ مِنهم مِنَ اليَمِينِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ: اللَّهُ عَلى ما قُلْناهُ مِن طَلَبِي المَوْثِقَ مِنكم وإعْطائِكم لِي ما طَلَبْتُهُ مِنكم - مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، فَهو المُعاقِبُ لِمَن خاسَ في عَهْدِهِ وفَجَرَ في الحَلِفِ بِهِ، أوْ مَوْكُولٌ إلَيْهِ القِيامُ بِما شَهِدَ عَلَيْهِ مِنّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ، فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ. فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لِيُخْبِرُنِي عَنْكم خَبَرًا، هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ ؟ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذَبٍ ؟ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وُهَيْبٍ قالَ: لَمّا جَعَلَ يُوسُفُ يَنْقُرُ الصُّواعَ ويُخْبِرُهم قامَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوَتِهِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ أنْ لا تَكْشِفَ لَنا عَوْرَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِنْيامِينَ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ قالَ: خَيْرُ مَن يُضِيفُ بِمِصْرَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لِفِتْيانِهِ أيْ لِغِلْمانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم﴾ أيْ أوْراقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ يَقُولُونَ ما نَبْغِي وراءَ هَذا ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيُدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلَ حِمارٍ، قالَ وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجاهِدٌ أنَّ الحِمارَ يُقالُ لَهُ في بَعْضِ اللُّغاتِ بَعِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ: تَهْلِكُوا جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ لا تُغْلَبُوا حَتّى لا تُطِيقُوا ذَلِكَ.

يوسف 12:61

. قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ. قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ (p-٧٠٣)بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ. فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم. ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم. فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ وقِيلَ مَعْنى المُراوَدَةِ هُنا: المُخادَعَةُ مِنهم لِأبِيهِمْ والِاحْتِيالُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْتَزِعُوهُ مِنهُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ هَذِهِ المُراوَدَةَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ فِيها، وقِيلَ مَعْناهُ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا نَتَعانى بِهِ ولا نَتَعاظَمُهُ. ﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ شُعْبَةَ وابْنِ عامِرٍ " لِفِتْيَتِهِ " واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ وغَيْرُهُما. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ لِفِتْيانِهِ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كالقِراءَةِ الآخِرَةِ. قالَ النَّحّاسُ: لِفِتْيانِهِ مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا يُتْرَكُ السَّوادُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ لِهَذا الإسْنادِ المُنْقَطِعِ وأيْضًا فَإنَّ فَتِيَةً أشْبَهُ مِن فِتْيانٍ، لِأنَّ فَتِيَّةً عِنْدَ العَرَبِ لِأقَلِّ العَدَدِ، وأمْرُ القَلِيلِ بِأنْ يَجْعَلُوا البِضاعَةَ في الرِّحالِ أشْبَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يُوسُفُ بَعْدَ وعْدِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ لِفِتْيَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ الفِتْيَةُ والفِتْيانُ في هَذا المَوْضِعِ المَمالِيكُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ مِثْلَ الصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ. والمُرادُ بِالبِضاعَةِ هُنا هي الَّتِي وصَلُوا بِها مِن بِلادِهِمْ لِيَشْتَرُوا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا، فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الطَّعامَ إلّا بِثَمَنٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَعِينُوا بِها عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ لِشِراءِ الطَّعامِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتَقْبَحَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ الطَّعامِ، ثُمَّ عَلَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَ بِهِ مِن جَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ جَعْلِ البِضاعَةِ في الرِّحالِ هي مَعْرِفَتُهم لَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِرَدِّ البِضاعَةِ إلَيْهِمْ إلّا عِنْدَ تَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ الَّتِي جَعَلُوا فِيها الطَّعامَ، وهم لا يُفَرِّغُونَها إلّا عِنْدَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ مَعْرِفَتَهم لِلْبِضاعَةِ المَرْدُودَةِ إلَيْهِمُ المَجْعُولَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ فَإنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّهم أخَذُوا الطَّعامَ بِلا ثَمَنٍ، وأنَّ ما دَفَعُوهُ عِوَضًا عَنْهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِمْ، وتَفَضَّلَ بِهِ مَن وصَلُوا إلَيْهِ عَلَيْهِمْ نَشِطُوا إلى العَوْدِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ والحاجَةِ إلى الطَّعامِ وعَدَمِ وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ما يَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرُدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ، وهو رُجُوعُهم إلَيْهِ فَلا يَتِمُّ تَعْلِيلُ رَدِّها بِغَيْرِ ذَلِكَ، والرِّحالُ جَمْعُ رَحْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَسْتَصْحِبُهُ الرَّجُلُ مَعَهُ مِنَ الأثاثِ. قالَ الواحِدِيُّ: الرَّحْلُ كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٍّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ لِلْمَتاعِ ومَرْكَبٍ لِلْبَعِيرِ ومَجْلِسٍ ورَسَنٍ انْتَهى. والمُرادُ هُنا الأوْعِيَةُ الَّتِي يَجْعَلُونَ فِيها ما يَمْتارُونَهْ مِنَ الطَّعامِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ لِلْوِعاءِ رَحْلٌ ولِلْبَيْتِ رَحْلٌ. ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أرادُوا بِهَذا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾: أيْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلَ في المُسْتَقْبَلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِامْتِيارَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودٌ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ولَعَلَّهم قالُوا لَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ قَبْلَ أنْ يَفْتَحُوا مَتاعَهم ويَعْلَمُوا بَرَدِّ بِضاعَتِهِمْ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيما بَعْدُ ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ يُوسُفُ، فَقالُوا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ونَكْتَلْ جَوابُ الأمْرِ: أيْ نَكْتَلْ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا ما نُرِيدُهُ مِنَ الطَّعامِ. قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ نَكْتَلْ بِالنُّونِ. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى قالَ: لَيَكُونُونَ كُلُّهم داخِلِينَ فِيمَن يَكْتالُ، وزَعَمَ أنَّهُ إذا كانَ بِالياءِ كانَ لِلْأخِ وحْدَهُ: أيْ يَكْتالُ أخُونا بِنْيامِينُ، واعْتَرَضَهُ النَّحّاسُ مِمّا حاصِلُهُ أنَّ إسْنادَ الكَيْلِ إلى الأخِ لا يُنافِي كَوْنَهُ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى: يَكْتالُ بِنْيامِينُ لَنا جَمِيعًا. قالَ الزَّجّاجُ أيْ إنْ أرْسَلْتَهُ اكْتَلْنا وإلّا مُنِعْنا الكَيْلَ، وإنّا لَهُ أيْ لِأخِيهِمْ بِنْيامِينَ لَحافِظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ أوْ مَكْرُوهٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلى بِنْيامِينَ إلّا كَما أمِنَهم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ وقَدْ قالُوا لَهُ في يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ كَما قالُوا هُنا وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ثُمَّ خانُوهُ في يُوسُفَ فَهو إنْ أمِنَهم في بِنْيامِينَ خافَ أنْ يَخُونُوهُ فِيهِ كَما خانُوهُ في يُوسُفَ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لَعَلَّ هُنا إضْمارًا والتَّقْدِيرُ فَتَوَكَّلَ يَعْقُوبُ عَلى اللَّهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وقالَ: فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ( حِفْظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ. وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( حافِظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٧٠٤)عَلى البَيانِ يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنْ حِفْظَ اللَّهِ إيّاهُ خَيْرٌ مِن حِفْظِهِمْ لَهُ، لَمّا وكَلَ يَعْقُوبُ حِفْظَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حَفِظَهُ وأرْجَعَهُ إلَيْهِ، ولَمّا قالَ في يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقْعَ لَهُ مِنَ الِامْتِحانِ ما وقَعَ. ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَةَ الطَّعامِ أوْ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ المَتاعِ سَواءٌ كانَ الَّذِي فِيهِ طَعامًا أوْ غَيْرَ طَعامٍ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيِ البِضاعَةَ الَّتِي حَمَلُوها إلى مِصْرَ لَيَمْتارُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ ما نَبْغِي ما اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ مِن هَذا المَلِكِ بَعْدَ أنْ صَنَعَ مَعَنا ما صَنَعَ مِنَ الإحْسانِ بِرَدِّ البِضاعَةِ والإكْرامِ عِنْدَ القُدُومِ إلَيْهِ، وتَوْفِيرِ ما أرَدْناهُ مِنَ المِيرَةِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإنْكارِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مَعَ كَوْنِها قَدْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ، وقِيلَ إنَّ ما في ما نَبْغِي نافِيَةٌ أيْ ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وإكْرامِهِ لَنا، ثُمَّ بَرْهَنُوا عَلى ما لَقُوهُ مِنَ التَّزَيُّدِ في وصْفِ المَلِكِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ فَإنَّ مَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ مِنهم، مُسْتَحِقٌّ لِما وصَفُوهُ بِهِ، ومَعْنى ونَمِيرُ أهْلَنا نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ وهي الطَّعامُ، والمائِرُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّعامِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِها عَلى الرُّجُوعِ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِنْيامِينَ مِمّا تَخافُهُ عَلَيْهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا كَيْلَ بَعِيرٍ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ زائِدٍ عَلى ما جِئْنا بِهِ هَذِهِ المَرَّةَ، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وِقْرُ بَعِيرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أنَّ زِيادَةَ كَيْلِ بَعِيرٍ لِأخِينا يَسْهُلُ عَلى المَلِكِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِن زِيادَتِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا لا يَتَعاظَمُهُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ذَلِكَ المَكِيلُ لِأجْلِنا قَلِيلٌ نُرِيدُ أنْ يَنْضافَ إلَيْهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لِأخِينا. واخْتارَ الزَّجّاجُ الأوَّلَ. وقِيلَ إنَّ هَذا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ جَوابًا عَلى ما قالَهُ أوْلادُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِأجْلِهِ بِالوَلَدِ وهو ضَعِيفٌ. لِأنَّ جَوابَ يَعْقُوبَ هو ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أثِقُ بِهِ وأرْكَنُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الحَلِفُ بِهِ، واللّامُ في لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ: أيْ لَتَرُدُنَّ بِنْيامِينَ إلَيَّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكم﴾ هو مِن أعَمِّ العامِّ، لِأنَّ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنْ كانَ كَلامًا مُثْبَتًا فَهو في مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُمْنَعُونَ مِن إتْيانِي بِهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكم، والإحاطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ومَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ غُلِبَ أوْ هَلَكَ، فَأخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنْ يَأْتُوهُ بِبِنْيامِينَ إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ أوْ تَهْلِكُوا دُونَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَكم عِنْدِي فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم أيْ أعْطَوْهُ ما طَلَبَهُ مِنهم مِنَ اليَمِينِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ: اللَّهُ عَلى ما قُلْناهُ مِن طَلَبِي المَوْثِقَ مِنكم وإعْطائِكم لِي ما طَلَبْتُهُ مِنكم - مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، فَهو المُعاقِبُ لِمَن خاسَ في عَهْدِهِ وفَجَرَ في الحَلِفِ بِهِ، أوْ مَوْكُولٌ إلَيْهِ القِيامُ بِما شَهِدَ عَلَيْهِ مِنّا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ، فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ. فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لِيُخْبِرُنِي عَنْكم خَبَرًا، هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ ؟ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذَبٍ ؟ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وُهَيْبٍ قالَ: لَمّا جَعَلَ يُوسُفُ يَنْقُرُ الصُّواعَ ويُخْبِرُهم قامَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوَتِهِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ أنْ لا تَكْشِفَ لَنا عَوْرَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِنْيامِينَ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ قالَ: خَيْرُ مَن يُضِيفُ بِمِصْرَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لِفِتْيانِهِ أيْ لِغِلْمانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم﴾ أيْ أوْراقَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ يَقُولُونَ ما نَبْغِي وراءَ هَذا ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيُدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلَ حِمارٍ، قالَ وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجاهِدٌ أنَّ الحِمارَ يُقالُ لَهُ في بَعْضِ اللُّغاتِ بَعِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ: تَهْلِكُوا جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ قالَ: عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ لا تُغْلَبُوا حَتّى لا تُطِيقُوا ذَلِكَ.