Fath Al-Qadir Al-Shawkani — يوسف 12:62 – يوسف 12:88
المحتويات
يوسف 12:62
.
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.
قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ (p-٧٠٣)بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.
فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ وقِيلَ مَعْنى المُراوَدَةِ هُنا: المُخادَعَةُ مِنهم لِأبِيهِمْ والِاحْتِيالُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْتَزِعُوهُ مِنهُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ هَذِهِ المُراوَدَةَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ فِيها، وقِيلَ مَعْناهُ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا نَتَعانى بِهِ ولا نَتَعاظَمُهُ.
﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ شُعْبَةَ وابْنِ عامِرٍ " لِفِتْيَتِهِ " واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ وغَيْرُهُما.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ لِفِتْيانِهِ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كالقِراءَةِ الآخِرَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: لِفِتْيانِهِ مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا يُتْرَكُ السَّوادُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ لِهَذا الإسْنادِ المُنْقَطِعِ وأيْضًا فَإنَّ فَتِيَةً أشْبَهُ مِن فِتْيانٍ، لِأنَّ فَتِيَّةً عِنْدَ العَرَبِ لِأقَلِّ العَدَدِ، وأمْرُ القَلِيلِ بِأنْ يَجْعَلُوا البِضاعَةَ في الرِّحالِ أشْبَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يُوسُفُ بَعْدَ وعْدِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ لِفِتْيَتِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ الفِتْيَةُ والفِتْيانُ في هَذا المَوْضِعِ المَمالِيكُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ مِثْلَ الصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ.
والمُرادُ بِالبِضاعَةِ هُنا هي الَّتِي وصَلُوا بِها مِن بِلادِهِمْ لِيَشْتَرُوا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا، فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الطَّعامَ إلّا بِثَمَنٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَعِينُوا بِها عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ لِشِراءِ الطَّعامِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتَقْبَحَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ الطَّعامِ، ثُمَّ عَلَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَ بِهِ مِن جَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ جَعْلِ البِضاعَةِ في الرِّحالِ هي مَعْرِفَتُهم لَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِرَدِّ البِضاعَةِ إلَيْهِمْ إلّا عِنْدَ تَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ الَّتِي جَعَلُوا فِيها الطَّعامَ، وهم لا يُفَرِّغُونَها إلّا عِنْدَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ مَعْرِفَتَهم لِلْبِضاعَةِ المَرْدُودَةِ إلَيْهِمُ المَجْعُولَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ فَإنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّهم أخَذُوا الطَّعامَ بِلا ثَمَنٍ، وأنَّ ما دَفَعُوهُ عِوَضًا عَنْهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِمْ، وتَفَضَّلَ بِهِ مَن وصَلُوا إلَيْهِ عَلَيْهِمْ نَشِطُوا إلى العَوْدِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ والحاجَةِ إلى الطَّعامِ وعَدَمِ وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ما يَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرُدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ، وهو رُجُوعُهم إلَيْهِ فَلا يَتِمُّ تَعْلِيلُ رَدِّها بِغَيْرِ ذَلِكَ، والرِّحالُ جَمْعُ رَحْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَسْتَصْحِبُهُ الرَّجُلُ مَعَهُ مِنَ الأثاثِ.
قالَ الواحِدِيُّ: الرَّحْلُ كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٍّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ لِلْمَتاعِ ومَرْكَبٍ لِلْبَعِيرِ ومَجْلِسٍ ورَسَنٍ انْتَهى.
والمُرادُ هُنا الأوْعِيَةُ الَّتِي يَجْعَلُونَ فِيها ما يَمْتارُونَهْ مِنَ الطَّعامِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ لِلْوِعاءِ رَحْلٌ ولِلْبَيْتِ رَحْلٌ.
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أرادُوا بِهَذا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾: أيْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلَ في المُسْتَقْبَلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِامْتِيارَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودٌ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ولَعَلَّهم قالُوا لَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ قَبْلَ أنْ يَفْتَحُوا مَتاعَهم ويَعْلَمُوا بَرَدِّ بِضاعَتِهِمْ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيما بَعْدُ ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ يُوسُفُ، فَقالُوا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ونَكْتَلْ جَوابُ الأمْرِ: أيْ نَكْتَلْ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا ما نُرِيدُهُ مِنَ الطَّعامِ.
قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ نَكْتَلْ بِالنُّونِ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى قالَ: لَيَكُونُونَ كُلُّهم داخِلِينَ فِيمَن يَكْتالُ، وزَعَمَ أنَّهُ إذا كانَ بِالياءِ كانَ لِلْأخِ وحْدَهُ: أيْ يَكْتالُ أخُونا بِنْيامِينُ، واعْتَرَضَهُ النَّحّاسُ مِمّا حاصِلُهُ أنَّ إسْنادَ الكَيْلِ إلى الأخِ لا يُنافِي كَوْنَهُ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى: يَكْتالُ بِنْيامِينُ لَنا جَمِيعًا.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ إنْ أرْسَلْتَهُ اكْتَلْنا وإلّا مُنِعْنا الكَيْلَ، وإنّا لَهُ أيْ لِأخِيهِمْ بِنْيامِينَ لَحافِظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ أوْ مَكْرُوهٌ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلى بِنْيامِينَ إلّا كَما أمِنَهم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ وقَدْ قالُوا لَهُ في يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ كَما قالُوا هُنا وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ثُمَّ خانُوهُ في يُوسُفَ فَهو إنْ أمِنَهم في بِنْيامِينَ خافَ أنْ يَخُونُوهُ فِيهِ كَما خانُوهُ في يُوسُفَ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لَعَلَّ هُنا إضْمارًا والتَّقْدِيرُ فَتَوَكَّلَ يَعْقُوبُ عَلى اللَّهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وقالَ: فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ( حِفْظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( حافِظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٧٠٤)عَلى البَيانِ يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنْ حِفْظَ اللَّهِ إيّاهُ خَيْرٌ مِن حِفْظِهِمْ لَهُ، لَمّا وكَلَ يَعْقُوبُ حِفْظَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حَفِظَهُ وأرْجَعَهُ إلَيْهِ، ولَمّا قالَ في يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقْعَ لَهُ مِنَ الِامْتِحانِ ما وقَعَ.
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَةَ الطَّعامِ أوْ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ المَتاعِ سَواءٌ كانَ الَّذِي فِيهِ طَعامًا أوْ غَيْرَ طَعامٍ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيِ البِضاعَةَ الَّتِي حَمَلُوها إلى مِصْرَ لَيَمْتارُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ ما نَبْغِي ما اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ مِن هَذا المَلِكِ بَعْدَ أنْ صَنَعَ مَعَنا ما صَنَعَ مِنَ الإحْسانِ بِرَدِّ البِضاعَةِ والإكْرامِ عِنْدَ القُدُومِ إلَيْهِ، وتَوْفِيرِ ما أرَدْناهُ مِنَ المِيرَةِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإنْكارِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مَعَ كَوْنِها قَدْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ، وقِيلَ إنَّ ما في ما نَبْغِي نافِيَةٌ أيْ ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وإكْرامِهِ لَنا، ثُمَّ بَرْهَنُوا عَلى ما لَقُوهُ مِنَ التَّزَيُّدِ في وصْفِ المَلِكِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ فَإنَّ مَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ مِنهم، مُسْتَحِقٌّ لِما وصَفُوهُ بِهِ، ومَعْنى ونَمِيرُ أهْلَنا نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ وهي الطَّعامُ، والمائِرُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّعامِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِها عَلى الرُّجُوعِ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِنْيامِينَ مِمّا تَخافُهُ عَلَيْهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا كَيْلَ بَعِيرٍ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ زائِدٍ عَلى ما جِئْنا بِهِ هَذِهِ المَرَّةَ، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وِقْرُ بَعِيرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أنَّ زِيادَةَ كَيْلِ بَعِيرٍ لِأخِينا يَسْهُلُ عَلى المَلِكِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِن زِيادَتِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا لا يَتَعاظَمُهُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ذَلِكَ المَكِيلُ لِأجْلِنا قَلِيلٌ نُرِيدُ أنْ يَنْضافَ إلَيْهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لِأخِينا.
واخْتارَ الزَّجّاجُ الأوَّلَ.
وقِيلَ إنَّ هَذا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ جَوابًا عَلى ما قالَهُ أوْلادُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِأجْلِهِ بِالوَلَدِ وهو ضَعِيفٌ.
لِأنَّ جَوابَ يَعْقُوبَ هو ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أثِقُ بِهِ وأرْكَنُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الحَلِفُ بِهِ، واللّامُ في لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ: أيْ لَتَرُدُنَّ بِنْيامِينَ إلَيَّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكم﴾ هو مِن أعَمِّ العامِّ، لِأنَّ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنْ كانَ كَلامًا مُثْبَتًا فَهو في مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُمْنَعُونَ مِن إتْيانِي بِهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكم، والإحاطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ومَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ غُلِبَ أوْ هَلَكَ، فَأخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنْ يَأْتُوهُ بِبِنْيامِينَ إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ أوْ تَهْلِكُوا دُونَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَكم عِنْدِي فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم أيْ أعْطَوْهُ ما طَلَبَهُ مِنهم مِنَ اليَمِينِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ: اللَّهُ عَلى ما قُلْناهُ مِن طَلَبِي المَوْثِقَ مِنكم وإعْطائِكم لِي ما طَلَبْتُهُ مِنكم - مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، فَهو المُعاقِبُ لِمَن خاسَ في عَهْدِهِ وفَجَرَ في الحَلِفِ بِهِ، أوْ مَوْكُولٌ إلَيْهِ القِيامُ بِما شَهِدَ عَلَيْهِ مِنّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ، فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ.
فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لِيُخْبِرُنِي عَنْكم خَبَرًا، هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ ؟ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذَبٍ ؟ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وُهَيْبٍ قالَ: لَمّا جَعَلَ يُوسُفُ يَنْقُرُ الصُّواعَ ويُخْبِرُهم قامَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوَتِهِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ أنْ لا تَكْشِفَ لَنا عَوْرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِنْيامِينَ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ قالَ: خَيْرُ مَن يُضِيفُ بِمِصْرَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لِفِتْيانِهِ أيْ لِغِلْمانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم﴾ أيْ أوْراقَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ يَقُولُونَ ما نَبْغِي وراءَ هَذا ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيُدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلَ حِمارٍ، قالَ وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجاهِدٌ أنَّ الحِمارَ يُقالُ لَهُ في بَعْضِ اللُّغاتِ بَعِيرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ: تَهْلِكُوا جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ قالَ: عَهْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ لا تُغْلَبُوا حَتّى لا تُطِيقُوا ذَلِكَ.
يوسف 12:63
.
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.
قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ (p-٧٠٣)بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.
فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ وقِيلَ مَعْنى المُراوَدَةِ هُنا: المُخادَعَةُ مِنهم لِأبِيهِمْ والِاحْتِيالُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْتَزِعُوهُ مِنهُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ هَذِهِ المُراوَدَةَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ فِيها، وقِيلَ مَعْناهُ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا نَتَعانى بِهِ ولا نَتَعاظَمُهُ.
﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ شُعْبَةَ وابْنِ عامِرٍ " لِفِتْيَتِهِ " واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ وغَيْرُهُما.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ لِفِتْيانِهِ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كالقِراءَةِ الآخِرَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: لِفِتْيانِهِ مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا يُتْرَكُ السَّوادُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ لِهَذا الإسْنادِ المُنْقَطِعِ وأيْضًا فَإنَّ فَتِيَةً أشْبَهُ مِن فِتْيانٍ، لِأنَّ فَتِيَّةً عِنْدَ العَرَبِ لِأقَلِّ العَدَدِ، وأمْرُ القَلِيلِ بِأنْ يَجْعَلُوا البِضاعَةَ في الرِّحالِ أشْبَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يُوسُفُ بَعْدَ وعْدِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ لِفِتْيَتِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ الفِتْيَةُ والفِتْيانُ في هَذا المَوْضِعِ المَمالِيكُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ مِثْلَ الصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ.
والمُرادُ بِالبِضاعَةِ هُنا هي الَّتِي وصَلُوا بِها مِن بِلادِهِمْ لِيَشْتَرُوا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا، فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الطَّعامَ إلّا بِثَمَنٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَعِينُوا بِها عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ لِشِراءِ الطَّعامِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتَقْبَحَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ الطَّعامِ، ثُمَّ عَلَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَ بِهِ مِن جَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ جَعْلِ البِضاعَةِ في الرِّحالِ هي مَعْرِفَتُهم لَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِرَدِّ البِضاعَةِ إلَيْهِمْ إلّا عِنْدَ تَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ الَّتِي جَعَلُوا فِيها الطَّعامَ، وهم لا يُفَرِّغُونَها إلّا عِنْدَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ مَعْرِفَتَهم لِلْبِضاعَةِ المَرْدُودَةِ إلَيْهِمُ المَجْعُولَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ فَإنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّهم أخَذُوا الطَّعامَ بِلا ثَمَنٍ، وأنَّ ما دَفَعُوهُ عِوَضًا عَنْهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِمْ، وتَفَضَّلَ بِهِ مَن وصَلُوا إلَيْهِ عَلَيْهِمْ نَشِطُوا إلى العَوْدِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ والحاجَةِ إلى الطَّعامِ وعَدَمِ وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ما يَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرُدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ، وهو رُجُوعُهم إلَيْهِ فَلا يَتِمُّ تَعْلِيلُ رَدِّها بِغَيْرِ ذَلِكَ، والرِّحالُ جَمْعُ رَحْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَسْتَصْحِبُهُ الرَّجُلُ مَعَهُ مِنَ الأثاثِ.
قالَ الواحِدِيُّ: الرَّحْلُ كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٍّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ لِلْمَتاعِ ومَرْكَبٍ لِلْبَعِيرِ ومَجْلِسٍ ورَسَنٍ انْتَهى.
والمُرادُ هُنا الأوْعِيَةُ الَّتِي يَجْعَلُونَ فِيها ما يَمْتارُونَهْ مِنَ الطَّعامِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ لِلْوِعاءِ رَحْلٌ ولِلْبَيْتِ رَحْلٌ.
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أرادُوا بِهَذا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾: أيْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلَ في المُسْتَقْبَلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِامْتِيارَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودٌ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ولَعَلَّهم قالُوا لَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ قَبْلَ أنْ يَفْتَحُوا مَتاعَهم ويَعْلَمُوا بَرَدِّ بِضاعَتِهِمْ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيما بَعْدُ ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ يُوسُفُ، فَقالُوا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ونَكْتَلْ جَوابُ الأمْرِ: أيْ نَكْتَلْ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا ما نُرِيدُهُ مِنَ الطَّعامِ.
قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ نَكْتَلْ بِالنُّونِ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى قالَ: لَيَكُونُونَ كُلُّهم داخِلِينَ فِيمَن يَكْتالُ، وزَعَمَ أنَّهُ إذا كانَ بِالياءِ كانَ لِلْأخِ وحْدَهُ: أيْ يَكْتالُ أخُونا بِنْيامِينُ، واعْتَرَضَهُ النَّحّاسُ مِمّا حاصِلُهُ أنَّ إسْنادَ الكَيْلِ إلى الأخِ لا يُنافِي كَوْنَهُ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى: يَكْتالُ بِنْيامِينُ لَنا جَمِيعًا.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ إنْ أرْسَلْتَهُ اكْتَلْنا وإلّا مُنِعْنا الكَيْلَ، وإنّا لَهُ أيْ لِأخِيهِمْ بِنْيامِينَ لَحافِظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ أوْ مَكْرُوهٌ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلى بِنْيامِينَ إلّا كَما أمِنَهم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ وقَدْ قالُوا لَهُ في يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ كَما قالُوا هُنا وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ثُمَّ خانُوهُ في يُوسُفَ فَهو إنْ أمِنَهم في بِنْيامِينَ خافَ أنْ يَخُونُوهُ فِيهِ كَما خانُوهُ في يُوسُفَ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لَعَلَّ هُنا إضْمارًا والتَّقْدِيرُ فَتَوَكَّلَ يَعْقُوبُ عَلى اللَّهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وقالَ: فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ( حِفْظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( حافِظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٧٠٤)عَلى البَيانِ يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنْ حِفْظَ اللَّهِ إيّاهُ خَيْرٌ مِن حِفْظِهِمْ لَهُ، لَمّا وكَلَ يَعْقُوبُ حِفْظَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حَفِظَهُ وأرْجَعَهُ إلَيْهِ، ولَمّا قالَ في يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقْعَ لَهُ مِنَ الِامْتِحانِ ما وقَعَ.
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَةَ الطَّعامِ أوْ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ المَتاعِ سَواءٌ كانَ الَّذِي فِيهِ طَعامًا أوْ غَيْرَ طَعامٍ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيِ البِضاعَةَ الَّتِي حَمَلُوها إلى مِصْرَ لَيَمْتارُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ ما نَبْغِي ما اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ مِن هَذا المَلِكِ بَعْدَ أنْ صَنَعَ مَعَنا ما صَنَعَ مِنَ الإحْسانِ بِرَدِّ البِضاعَةِ والإكْرامِ عِنْدَ القُدُومِ إلَيْهِ، وتَوْفِيرِ ما أرَدْناهُ مِنَ المِيرَةِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإنْكارِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مَعَ كَوْنِها قَدْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ، وقِيلَ إنَّ ما في ما نَبْغِي نافِيَةٌ أيْ ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وإكْرامِهِ لَنا، ثُمَّ بَرْهَنُوا عَلى ما لَقُوهُ مِنَ التَّزَيُّدِ في وصْفِ المَلِكِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ فَإنَّ مَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ مِنهم، مُسْتَحِقٌّ لِما وصَفُوهُ بِهِ، ومَعْنى ونَمِيرُ أهْلَنا نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ وهي الطَّعامُ، والمائِرُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّعامِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِها عَلى الرُّجُوعِ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِنْيامِينَ مِمّا تَخافُهُ عَلَيْهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا كَيْلَ بَعِيرٍ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ زائِدٍ عَلى ما جِئْنا بِهِ هَذِهِ المَرَّةَ، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وِقْرُ بَعِيرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أنَّ زِيادَةَ كَيْلِ بَعِيرٍ لِأخِينا يَسْهُلُ عَلى المَلِكِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِن زِيادَتِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا لا يَتَعاظَمُهُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ذَلِكَ المَكِيلُ لِأجْلِنا قَلِيلٌ نُرِيدُ أنْ يَنْضافَ إلَيْهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لِأخِينا.
واخْتارَ الزَّجّاجُ الأوَّلَ.
وقِيلَ إنَّ هَذا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ جَوابًا عَلى ما قالَهُ أوْلادُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِأجْلِهِ بِالوَلَدِ وهو ضَعِيفٌ.
لِأنَّ جَوابَ يَعْقُوبَ هو ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أثِقُ بِهِ وأرْكَنُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الحَلِفُ بِهِ، واللّامُ في لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ: أيْ لَتَرُدُنَّ بِنْيامِينَ إلَيَّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكم﴾ هو مِن أعَمِّ العامِّ، لِأنَّ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنْ كانَ كَلامًا مُثْبَتًا فَهو في مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُمْنَعُونَ مِن إتْيانِي بِهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكم، والإحاطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ومَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ غُلِبَ أوْ هَلَكَ، فَأخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنْ يَأْتُوهُ بِبِنْيامِينَ إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ أوْ تَهْلِكُوا دُونَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَكم عِنْدِي فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم أيْ أعْطَوْهُ ما طَلَبَهُ مِنهم مِنَ اليَمِينِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ: اللَّهُ عَلى ما قُلْناهُ مِن طَلَبِي المَوْثِقَ مِنكم وإعْطائِكم لِي ما طَلَبْتُهُ مِنكم - مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، فَهو المُعاقِبُ لِمَن خاسَ في عَهْدِهِ وفَجَرَ في الحَلِفِ بِهِ، أوْ مَوْكُولٌ إلَيْهِ القِيامُ بِما شَهِدَ عَلَيْهِ مِنّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ، فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ.
فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لِيُخْبِرُنِي عَنْكم خَبَرًا، هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ ؟ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذَبٍ ؟ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وُهَيْبٍ قالَ: لَمّا جَعَلَ يُوسُفُ يَنْقُرُ الصُّواعَ ويُخْبِرُهم قامَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوَتِهِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ أنْ لا تَكْشِفَ لَنا عَوْرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِنْيامِينَ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ قالَ: خَيْرُ مَن يُضِيفُ بِمِصْرَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لِفِتْيانِهِ أيْ لِغِلْمانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم﴾ أيْ أوْراقَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ يَقُولُونَ ما نَبْغِي وراءَ هَذا ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيُدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلَ حِمارٍ، قالَ وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجاهِدٌ أنَّ الحِمارَ يُقالُ لَهُ في بَعْضِ اللُّغاتِ بَعِيرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ: تَهْلِكُوا جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ قالَ: عَهْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ لا تُغْلَبُوا حَتّى لا تُطِيقُوا ذَلِكَ.
يوسف 12:64
.
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.
قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ (p-٧٠٣)بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.
فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ وقِيلَ مَعْنى المُراوَدَةِ هُنا: المُخادَعَةُ مِنهم لِأبِيهِمْ والِاحْتِيالُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْتَزِعُوهُ مِنهُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ هَذِهِ المُراوَدَةَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ فِيها، وقِيلَ مَعْناهُ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا نَتَعانى بِهِ ولا نَتَعاظَمُهُ.
﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ شُعْبَةَ وابْنِ عامِرٍ " لِفِتْيَتِهِ " واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ وغَيْرُهُما.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ لِفِتْيانِهِ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كالقِراءَةِ الآخِرَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: لِفِتْيانِهِ مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا يُتْرَكُ السَّوادُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ لِهَذا الإسْنادِ المُنْقَطِعِ وأيْضًا فَإنَّ فَتِيَةً أشْبَهُ مِن فِتْيانٍ، لِأنَّ فَتِيَّةً عِنْدَ العَرَبِ لِأقَلِّ العَدَدِ، وأمْرُ القَلِيلِ بِأنْ يَجْعَلُوا البِضاعَةَ في الرِّحالِ أشْبَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يُوسُفُ بَعْدَ وعْدِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ لِفِتْيَتِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ الفِتْيَةُ والفِتْيانُ في هَذا المَوْضِعِ المَمالِيكُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ مِثْلَ الصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ.
والمُرادُ بِالبِضاعَةِ هُنا هي الَّتِي وصَلُوا بِها مِن بِلادِهِمْ لِيَشْتَرُوا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا، فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الطَّعامَ إلّا بِثَمَنٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَعِينُوا بِها عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ لِشِراءِ الطَّعامِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتَقْبَحَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ الطَّعامِ، ثُمَّ عَلَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَ بِهِ مِن جَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ جَعْلِ البِضاعَةِ في الرِّحالِ هي مَعْرِفَتُهم لَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِرَدِّ البِضاعَةِ إلَيْهِمْ إلّا عِنْدَ تَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ الَّتِي جَعَلُوا فِيها الطَّعامَ، وهم لا يُفَرِّغُونَها إلّا عِنْدَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ مَعْرِفَتَهم لِلْبِضاعَةِ المَرْدُودَةِ إلَيْهِمُ المَجْعُولَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ فَإنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّهم أخَذُوا الطَّعامَ بِلا ثَمَنٍ، وأنَّ ما دَفَعُوهُ عِوَضًا عَنْهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِمْ، وتَفَضَّلَ بِهِ مَن وصَلُوا إلَيْهِ عَلَيْهِمْ نَشِطُوا إلى العَوْدِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ والحاجَةِ إلى الطَّعامِ وعَدَمِ وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ما يَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرُدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ، وهو رُجُوعُهم إلَيْهِ فَلا يَتِمُّ تَعْلِيلُ رَدِّها بِغَيْرِ ذَلِكَ، والرِّحالُ جَمْعُ رَحْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَسْتَصْحِبُهُ الرَّجُلُ مَعَهُ مِنَ الأثاثِ.
قالَ الواحِدِيُّ: الرَّحْلُ كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٍّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ لِلْمَتاعِ ومَرْكَبٍ لِلْبَعِيرِ ومَجْلِسٍ ورَسَنٍ انْتَهى.
والمُرادُ هُنا الأوْعِيَةُ الَّتِي يَجْعَلُونَ فِيها ما يَمْتارُونَهْ مِنَ الطَّعامِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ لِلْوِعاءِ رَحْلٌ ولِلْبَيْتِ رَحْلٌ.
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أرادُوا بِهَذا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾: أيْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلَ في المُسْتَقْبَلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِامْتِيارَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودٌ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ولَعَلَّهم قالُوا لَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ قَبْلَ أنْ يَفْتَحُوا مَتاعَهم ويَعْلَمُوا بَرَدِّ بِضاعَتِهِمْ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيما بَعْدُ ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ يُوسُفُ، فَقالُوا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ونَكْتَلْ جَوابُ الأمْرِ: أيْ نَكْتَلْ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا ما نُرِيدُهُ مِنَ الطَّعامِ.
قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ نَكْتَلْ بِالنُّونِ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى قالَ: لَيَكُونُونَ كُلُّهم داخِلِينَ فِيمَن يَكْتالُ، وزَعَمَ أنَّهُ إذا كانَ بِالياءِ كانَ لِلْأخِ وحْدَهُ: أيْ يَكْتالُ أخُونا بِنْيامِينُ، واعْتَرَضَهُ النَّحّاسُ مِمّا حاصِلُهُ أنَّ إسْنادَ الكَيْلِ إلى الأخِ لا يُنافِي كَوْنَهُ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى: يَكْتالُ بِنْيامِينُ لَنا جَمِيعًا.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ إنْ أرْسَلْتَهُ اكْتَلْنا وإلّا مُنِعْنا الكَيْلَ، وإنّا لَهُ أيْ لِأخِيهِمْ بِنْيامِينَ لَحافِظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ أوْ مَكْرُوهٌ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلى بِنْيامِينَ إلّا كَما أمِنَهم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ وقَدْ قالُوا لَهُ في يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ كَما قالُوا هُنا وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ثُمَّ خانُوهُ في يُوسُفَ فَهو إنْ أمِنَهم في بِنْيامِينَ خافَ أنْ يَخُونُوهُ فِيهِ كَما خانُوهُ في يُوسُفَ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لَعَلَّ هُنا إضْمارًا والتَّقْدِيرُ فَتَوَكَّلَ يَعْقُوبُ عَلى اللَّهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وقالَ: فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ( حِفْظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( حافِظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٧٠٤)عَلى البَيانِ يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنْ حِفْظَ اللَّهِ إيّاهُ خَيْرٌ مِن حِفْظِهِمْ لَهُ، لَمّا وكَلَ يَعْقُوبُ حِفْظَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حَفِظَهُ وأرْجَعَهُ إلَيْهِ، ولَمّا قالَ في يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقْعَ لَهُ مِنَ الِامْتِحانِ ما وقَعَ.
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَةَ الطَّعامِ أوْ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ المَتاعِ سَواءٌ كانَ الَّذِي فِيهِ طَعامًا أوْ غَيْرَ طَعامٍ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيِ البِضاعَةَ الَّتِي حَمَلُوها إلى مِصْرَ لَيَمْتارُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ ما نَبْغِي ما اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ مِن هَذا المَلِكِ بَعْدَ أنْ صَنَعَ مَعَنا ما صَنَعَ مِنَ الإحْسانِ بِرَدِّ البِضاعَةِ والإكْرامِ عِنْدَ القُدُومِ إلَيْهِ، وتَوْفِيرِ ما أرَدْناهُ مِنَ المِيرَةِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإنْكارِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مَعَ كَوْنِها قَدْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ، وقِيلَ إنَّ ما في ما نَبْغِي نافِيَةٌ أيْ ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وإكْرامِهِ لَنا، ثُمَّ بَرْهَنُوا عَلى ما لَقُوهُ مِنَ التَّزَيُّدِ في وصْفِ المَلِكِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ فَإنَّ مَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ مِنهم، مُسْتَحِقٌّ لِما وصَفُوهُ بِهِ، ومَعْنى ونَمِيرُ أهْلَنا نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ وهي الطَّعامُ، والمائِرُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّعامِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِها عَلى الرُّجُوعِ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِنْيامِينَ مِمّا تَخافُهُ عَلَيْهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا كَيْلَ بَعِيرٍ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ زائِدٍ عَلى ما جِئْنا بِهِ هَذِهِ المَرَّةَ، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وِقْرُ بَعِيرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أنَّ زِيادَةَ كَيْلِ بَعِيرٍ لِأخِينا يَسْهُلُ عَلى المَلِكِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِن زِيادَتِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا لا يَتَعاظَمُهُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ذَلِكَ المَكِيلُ لِأجْلِنا قَلِيلٌ نُرِيدُ أنْ يَنْضافَ إلَيْهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لِأخِينا.
واخْتارَ الزَّجّاجُ الأوَّلَ.
وقِيلَ إنَّ هَذا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ جَوابًا عَلى ما قالَهُ أوْلادُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِأجْلِهِ بِالوَلَدِ وهو ضَعِيفٌ.
لِأنَّ جَوابَ يَعْقُوبَ هو ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أثِقُ بِهِ وأرْكَنُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الحَلِفُ بِهِ، واللّامُ في لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ: أيْ لَتَرُدُنَّ بِنْيامِينَ إلَيَّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكم﴾ هو مِن أعَمِّ العامِّ، لِأنَّ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنْ كانَ كَلامًا مُثْبَتًا فَهو في مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُمْنَعُونَ مِن إتْيانِي بِهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكم، والإحاطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ومَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ غُلِبَ أوْ هَلَكَ، فَأخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنْ يَأْتُوهُ بِبِنْيامِينَ إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ أوْ تَهْلِكُوا دُونَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَكم عِنْدِي فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم أيْ أعْطَوْهُ ما طَلَبَهُ مِنهم مِنَ اليَمِينِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ: اللَّهُ عَلى ما قُلْناهُ مِن طَلَبِي المَوْثِقَ مِنكم وإعْطائِكم لِي ما طَلَبْتُهُ مِنكم - مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، فَهو المُعاقِبُ لِمَن خاسَ في عَهْدِهِ وفَجَرَ في الحَلِفِ بِهِ، أوْ مَوْكُولٌ إلَيْهِ القِيامُ بِما شَهِدَ عَلَيْهِ مِنّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ، فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ.
فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لِيُخْبِرُنِي عَنْكم خَبَرًا، هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ ؟ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذَبٍ ؟ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وُهَيْبٍ قالَ: لَمّا جَعَلَ يُوسُفُ يَنْقُرُ الصُّواعَ ويُخْبِرُهم قامَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوَتِهِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ أنْ لا تَكْشِفَ لَنا عَوْرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِنْيامِينَ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ قالَ: خَيْرُ مَن يُضِيفُ بِمِصْرَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لِفِتْيانِهِ أيْ لِغِلْمانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم﴾ أيْ أوْراقَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ يَقُولُونَ ما نَبْغِي وراءَ هَذا ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيُدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلَ حِمارٍ، قالَ وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجاهِدٌ أنَّ الحِمارَ يُقالُ لَهُ في بَعْضِ اللُّغاتِ بَعِيرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ: تَهْلِكُوا جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ قالَ: عَهْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ لا تُغْلَبُوا حَتّى لا تُطِيقُوا ذَلِكَ.
يوسف 12:65
.
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.
قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ (p-٧٠٣)بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.
فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ وقِيلَ مَعْنى المُراوَدَةِ هُنا: المُخادَعَةُ مِنهم لِأبِيهِمْ والِاحْتِيالُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْتَزِعُوهُ مِنهُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ هَذِهِ المُراوَدَةَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ فِيها، وقِيلَ مَعْناهُ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا نَتَعانى بِهِ ولا نَتَعاظَمُهُ.
﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ شُعْبَةَ وابْنِ عامِرٍ " لِفِتْيَتِهِ " واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ وغَيْرُهُما.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ لِفِتْيانِهِ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كالقِراءَةِ الآخِرَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: لِفِتْيانِهِ مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا يُتْرَكُ السَّوادُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ لِهَذا الإسْنادِ المُنْقَطِعِ وأيْضًا فَإنَّ فَتِيَةً أشْبَهُ مِن فِتْيانٍ، لِأنَّ فَتِيَّةً عِنْدَ العَرَبِ لِأقَلِّ العَدَدِ، وأمْرُ القَلِيلِ بِأنْ يَجْعَلُوا البِضاعَةَ في الرِّحالِ أشْبَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يُوسُفُ بَعْدَ وعْدِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ لِفِتْيَتِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ الفِتْيَةُ والفِتْيانُ في هَذا المَوْضِعِ المَمالِيكُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ مِثْلَ الصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ.
والمُرادُ بِالبِضاعَةِ هُنا هي الَّتِي وصَلُوا بِها مِن بِلادِهِمْ لِيَشْتَرُوا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا، فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الطَّعامَ إلّا بِثَمَنٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَعِينُوا بِها عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ لِشِراءِ الطَّعامِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتَقْبَحَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ الطَّعامِ، ثُمَّ عَلَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَ بِهِ مِن جَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ جَعْلِ البِضاعَةِ في الرِّحالِ هي مَعْرِفَتُهم لَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِرَدِّ البِضاعَةِ إلَيْهِمْ إلّا عِنْدَ تَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ الَّتِي جَعَلُوا فِيها الطَّعامَ، وهم لا يُفَرِّغُونَها إلّا عِنْدَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ مَعْرِفَتَهم لِلْبِضاعَةِ المَرْدُودَةِ إلَيْهِمُ المَجْعُولَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ فَإنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّهم أخَذُوا الطَّعامَ بِلا ثَمَنٍ، وأنَّ ما دَفَعُوهُ عِوَضًا عَنْهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِمْ، وتَفَضَّلَ بِهِ مَن وصَلُوا إلَيْهِ عَلَيْهِمْ نَشِطُوا إلى العَوْدِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ والحاجَةِ إلى الطَّعامِ وعَدَمِ وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ما يَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرُدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ، وهو رُجُوعُهم إلَيْهِ فَلا يَتِمُّ تَعْلِيلُ رَدِّها بِغَيْرِ ذَلِكَ، والرِّحالُ جَمْعُ رَحْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَسْتَصْحِبُهُ الرَّجُلُ مَعَهُ مِنَ الأثاثِ.
قالَ الواحِدِيُّ: الرَّحْلُ كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٍّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ لِلْمَتاعِ ومَرْكَبٍ لِلْبَعِيرِ ومَجْلِسٍ ورَسَنٍ انْتَهى.
والمُرادُ هُنا الأوْعِيَةُ الَّتِي يَجْعَلُونَ فِيها ما يَمْتارُونَهْ مِنَ الطَّعامِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ لِلْوِعاءِ رَحْلٌ ولِلْبَيْتِ رَحْلٌ.
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أرادُوا بِهَذا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾: أيْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلَ في المُسْتَقْبَلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِامْتِيارَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودٌ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ولَعَلَّهم قالُوا لَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ قَبْلَ أنْ يَفْتَحُوا مَتاعَهم ويَعْلَمُوا بَرَدِّ بِضاعَتِهِمْ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيما بَعْدُ ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ يُوسُفُ، فَقالُوا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ونَكْتَلْ جَوابُ الأمْرِ: أيْ نَكْتَلْ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا ما نُرِيدُهُ مِنَ الطَّعامِ.
قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ نَكْتَلْ بِالنُّونِ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى قالَ: لَيَكُونُونَ كُلُّهم داخِلِينَ فِيمَن يَكْتالُ، وزَعَمَ أنَّهُ إذا كانَ بِالياءِ كانَ لِلْأخِ وحْدَهُ: أيْ يَكْتالُ أخُونا بِنْيامِينُ، واعْتَرَضَهُ النَّحّاسُ مِمّا حاصِلُهُ أنَّ إسْنادَ الكَيْلِ إلى الأخِ لا يُنافِي كَوْنَهُ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى: يَكْتالُ بِنْيامِينُ لَنا جَمِيعًا.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ إنْ أرْسَلْتَهُ اكْتَلْنا وإلّا مُنِعْنا الكَيْلَ، وإنّا لَهُ أيْ لِأخِيهِمْ بِنْيامِينَ لَحافِظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ أوْ مَكْرُوهٌ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلى بِنْيامِينَ إلّا كَما أمِنَهم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ وقَدْ قالُوا لَهُ في يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ كَما قالُوا هُنا وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ثُمَّ خانُوهُ في يُوسُفَ فَهو إنْ أمِنَهم في بِنْيامِينَ خافَ أنْ يَخُونُوهُ فِيهِ كَما خانُوهُ في يُوسُفَ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لَعَلَّ هُنا إضْمارًا والتَّقْدِيرُ فَتَوَكَّلَ يَعْقُوبُ عَلى اللَّهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وقالَ: فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ( حِفْظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( حافِظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٧٠٤)عَلى البَيانِ يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنْ حِفْظَ اللَّهِ إيّاهُ خَيْرٌ مِن حِفْظِهِمْ لَهُ، لَمّا وكَلَ يَعْقُوبُ حِفْظَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حَفِظَهُ وأرْجَعَهُ إلَيْهِ، ولَمّا قالَ في يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقْعَ لَهُ مِنَ الِامْتِحانِ ما وقَعَ.
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَةَ الطَّعامِ أوْ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ المَتاعِ سَواءٌ كانَ الَّذِي فِيهِ طَعامًا أوْ غَيْرَ طَعامٍ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيِ البِضاعَةَ الَّتِي حَمَلُوها إلى مِصْرَ لَيَمْتارُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ ما نَبْغِي ما اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ مِن هَذا المَلِكِ بَعْدَ أنْ صَنَعَ مَعَنا ما صَنَعَ مِنَ الإحْسانِ بِرَدِّ البِضاعَةِ والإكْرامِ عِنْدَ القُدُومِ إلَيْهِ، وتَوْفِيرِ ما أرَدْناهُ مِنَ المِيرَةِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإنْكارِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مَعَ كَوْنِها قَدْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ، وقِيلَ إنَّ ما في ما نَبْغِي نافِيَةٌ أيْ ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وإكْرامِهِ لَنا، ثُمَّ بَرْهَنُوا عَلى ما لَقُوهُ مِنَ التَّزَيُّدِ في وصْفِ المَلِكِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ فَإنَّ مَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ مِنهم، مُسْتَحِقٌّ لِما وصَفُوهُ بِهِ، ومَعْنى ونَمِيرُ أهْلَنا نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ وهي الطَّعامُ، والمائِرُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّعامِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِها عَلى الرُّجُوعِ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِنْيامِينَ مِمّا تَخافُهُ عَلَيْهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا كَيْلَ بَعِيرٍ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ زائِدٍ عَلى ما جِئْنا بِهِ هَذِهِ المَرَّةَ، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وِقْرُ بَعِيرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أنَّ زِيادَةَ كَيْلِ بَعِيرٍ لِأخِينا يَسْهُلُ عَلى المَلِكِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِن زِيادَتِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا لا يَتَعاظَمُهُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ذَلِكَ المَكِيلُ لِأجْلِنا قَلِيلٌ نُرِيدُ أنْ يَنْضافَ إلَيْهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لِأخِينا.
واخْتارَ الزَّجّاجُ الأوَّلَ.
وقِيلَ إنَّ هَذا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ جَوابًا عَلى ما قالَهُ أوْلادُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِأجْلِهِ بِالوَلَدِ وهو ضَعِيفٌ.
لِأنَّ جَوابَ يَعْقُوبَ هو ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أثِقُ بِهِ وأرْكَنُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الحَلِفُ بِهِ، واللّامُ في لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ: أيْ لَتَرُدُنَّ بِنْيامِينَ إلَيَّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكم﴾ هو مِن أعَمِّ العامِّ، لِأنَّ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنْ كانَ كَلامًا مُثْبَتًا فَهو في مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُمْنَعُونَ مِن إتْيانِي بِهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكم، والإحاطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ومَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ غُلِبَ أوْ هَلَكَ، فَأخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنْ يَأْتُوهُ بِبِنْيامِينَ إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ أوْ تَهْلِكُوا دُونَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَكم عِنْدِي فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم أيْ أعْطَوْهُ ما طَلَبَهُ مِنهم مِنَ اليَمِينِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ: اللَّهُ عَلى ما قُلْناهُ مِن طَلَبِي المَوْثِقَ مِنكم وإعْطائِكم لِي ما طَلَبْتُهُ مِنكم - مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، فَهو المُعاقِبُ لِمَن خاسَ في عَهْدِهِ وفَجَرَ في الحَلِفِ بِهِ، أوْ مَوْكُولٌ إلَيْهِ القِيامُ بِما شَهِدَ عَلَيْهِ مِنّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ، فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ.
فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لِيُخْبِرُنِي عَنْكم خَبَرًا، هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ ؟ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذَبٍ ؟ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وُهَيْبٍ قالَ: لَمّا جَعَلَ يُوسُفُ يَنْقُرُ الصُّواعَ ويُخْبِرُهم قامَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوَتِهِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ أنْ لا تَكْشِفَ لَنا عَوْرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِنْيامِينَ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ قالَ: خَيْرُ مَن يُضِيفُ بِمِصْرَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لِفِتْيانِهِ أيْ لِغِلْمانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم﴾ أيْ أوْراقَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ يَقُولُونَ ما نَبْغِي وراءَ هَذا ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيُدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلَ حِمارٍ، قالَ وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجاهِدٌ أنَّ الحِمارَ يُقالُ لَهُ في بَعْضِ اللُّغاتِ بَعِيرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ: تَهْلِكُوا جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ قالَ: عَهْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ لا تُغْلَبُوا حَتّى لا تُطِيقُوا ذَلِكَ.
يوسف 12:66
.
قَوْلُهُ: ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ أيْ جاءُوا إلى مِصْرَ مِن أرْضِ كَنْعانَ لِيَمْتارُوا لَمّا أصابَهُمُ القَحْطُ فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ فَعَرَفَهم لِأنَّهُ فارَقَهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لِأنَّهم فارَقُوهُ صَبِيًّا يُباعُ بِالدَّراهِمِ في أيْدِي السَّيّارَةِ بَعْدَ أنْ أخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، ودَخَلُوا عَلَيْهِ الآنَ وهو رَجُلٌ عَلَيْهِ أُبَّهَةُ المُلْكِ، ورَوْنَقُ الرِّئاسَةِ، وعِنْدَهُ الخَدَمُ والحَشَمُ وقِيلَ إنَّهم أنْكَرُوهُ لِكَوْنِهِ كانَ في تِلْكَ الحالِ عَلى هَيْئَةِ مَلِكِ مِصْرَ، ولَبِسَ تاجَهُ وتَطَوَّقَ بِطَوْقِهِ، وقِيلَ كانُوا بَعِيدًا مِنهُ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ المُرادُ هُنا أنَّهُ أعْطاهم ما طَلَبُوهُ مِنَ المِيرَةِ وما يُصْلِحُونَ بِهِ سَفَرَهم مِنَ العُدَّةِ الَّتِي يَحْتاجُها المُسافِرُ، يُقالُ جَهَّزْتُ القَوْمَ تَجْهِيزًا: إذا تَكَلَّفْتُ لَهم جِهازًا لِلسَّفَرِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: القُرّاءُ كُلُّهم عَلى فَتْحِ الجِيمِ، والكَسْرُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ ﴿قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قِيلَ: لا بُدَّ مِن كَلامٍ يَنْشَأُ عَنْهُ طَلَبُهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوهُ بِأخٍ لَهم مِن أبِيهِمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا رَآهم وكَلَّمُوهُ بِالعِبْرانِيَّةِ قالَ لَهم: ما أنْتُمْ وما شَأْنُكم فَإنِّي أُنْكِرُكم ؟ فَقالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الشّامِ جِئْنا نَمْتارُ ولَنا أبٌ شَيْخٌ صِدِّيقٌ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ اسْمُهُ يَعْقُوبُ.
قالَ: كَمْ أنْتُمْ ؟ قالُوا عَشَرَةٌ وقَدْ كُنّا اثْنَيْ عَشَرَ، فَذَهَبَ أخٌ لَنا إلى البَرِّيَّةِ فَهَلَكَ، وكانَ أحَبَّنا إلى أبِينا، وقَدْ سَكَنَ بَعْدَهُ إلى أخٍ لَهُ أصْغَرَ مِنهُ هو باقٍ لَدَيْهِ يَتَسَلّى بِهِ، فَقالَ لَهم حِينَئِذٍ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ يَعْنِي أخاهُ (p-٧٠٣)بِنْيامِينَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
فَوَعَدُوهُ بِذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنهم أنْ يَتْرُكُوا أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ حَتّى يَأْتُوهُ بِالأخِ الَّذِي طَلَبَهُ، فاقْتَرَعُوا فَأصابَتِ القُرْعَةُ شَمْعُونَ فَخَلَّفُوهُ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ لَهم: ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتَمِّمُهُ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ مَعَ كَوْنِهِ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ بَعْدَ تَجْهِيزِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ عادَتُهُ المُسْتَمِرَّةُ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِما يَزِيدُهم وُثُوقًا بِهِ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ، فَقالَ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ أيْ والحالُ أنِّي خَيْرُ المُنْزِلِينَ لِمَن نَزَلَ بِي، كَما فَعَلْتُهُ بِكم مِن حُسْنِ الضِّيافَةِ وحُسْنِ الإنْزالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: قالَ يُوسُفُ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهم أحْسَنَ ضِيافَتَهم.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم إذا لَمْ يَأْتُوهُ بِهِ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ فَلا أبِيعُكم شَيْئًا فِيما بَعْدُ، وأمّا في الحالِ فَقَدْ أوْفاهم كَيْلَهم، ومَعْنى لا تَقْرُبُونِ: لا تَدْخُلُونَ بِلادِي فَضْلًا عَنْ أنْ أُحْسِنَ إلَيْكم وقِيلَ مَعْناهُ: لا أُنْزِلُكم عِنْدِي كَما أنْزَلْتُكم هَذِهِ المَرَّةَ، ولَمْ يُرِدْ أنَّهم لا يَقْرُبُونَ بِلادَهُ، وتَقْرُبُونِ مَجْزُومٌ إمّا عَلى أنَّ لا ناهِيَةٌ أوْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ داخِلٌ في حُكْمِهِ كَأنَّهُ قالَ: فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي تُحْرَمُوا ولا تُقَرَّبُوا فَلَمّا سَمِعُوا مِنهُ ذَلِكَ وعَدُوهُ بِما طَلَبَهُ مِنهم.
فَ ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ سَنَطْلُبُهُ مِنهُ، ونَجْتَهِدُ في ذَلِكَ بِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ وقِيلَ مَعْنى المُراوَدَةِ هُنا: المُخادَعَةُ مِنهم لِأبِيهِمْ والِاحْتِيالُ عَلَيْهِ حَتّى يَنْتَزِعُوهُ مِنهُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ هَذِهِ المُراوَدَةَ غَيْرَ مُقَصِّرِينَ فِيها، وقِيلَ مَعْناهُ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى ذَلِكَ، لا نَتَعانى بِهِ ولا نَتَعاظَمُهُ.
﴿وقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ مِن رِوايَةِ شُعْبَةَ وابْنِ عامِرٍ " لِفِتْيَتِهِ " واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ وغَيْرُهُما.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ لِفِتْيانِهِ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدَةَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كالقِراءَةِ الآخِرَةِ.
قالَ النَّحّاسُ: لِفِتْيانِهِ مُخالِفٌ لِلسَّوادِ الأعْظَمِ، ولا يُتْرَكُ السَّوادُ المُجْمَعُ عَلَيْهِ لِهَذا الإسْنادِ المُنْقَطِعِ وأيْضًا فَإنَّ فَتِيَةً أشْبَهُ مِن فِتْيانٍ، لِأنَّ فَتِيَّةً عِنْدَ العَرَبِ لِأقَلِّ العَدَدِ، وأمْرُ القَلِيلِ بِأنْ يَجْعَلُوا البِضاعَةَ في الرِّحالِ أشْبَهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يُوسُفُ بَعْدَ وعْدِهِمْ لَهُ بِذَلِكَ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ قالَ لِفِتْيَتِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ الفِتْيَةُ والفِتْيانُ في هَذا المَوْضِعِ المَمالِيكُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: هُما لُغَتانِ جَيِّدَتانِ مِثْلَ الصِّبْيانِ والصِّبْيَةِ.
والمُرادُ بِالبِضاعَةِ هُنا هي الَّتِي وصَلُوا بِها مِن بِلادِهِمْ لِيَشْتَرُوا بِها الطَّعامَ، وكانَتْ نِعالًا وأُدْمًا، فَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَرْجِعُوا إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَقْبَلُونَ الطَّعامَ إلّا بِثَمَنٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَعِينُوا بِها عَلى الرُّجُوعِ إلَيْهِ لِشِراءِ الطَّعامِ، وقِيلَ إنَّهُ اسْتَقْبَحَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ الطَّعامِ، ثُمَّ عَلَّلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أمَرَ بِهِ مِن جَعْلِ البِضاعَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ﴾ فَجَعَلَ عِلَّةَ جَعْلِ البِضاعَةِ في الرِّحالِ هي مَعْرِفَتُهم لَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِرَدِّ البِضاعَةِ إلَيْهِمْ إلّا عِنْدَ تَفْرِيغِ الأوْعِيَةِ الَّتِي جَعَلُوا فِيها الطَّعامَ، وهم لا يُفَرِّغُونَها إلّا عِنْدَ الوُصُولِ إلى أهْلِهِمْ، ثُمَّ عَلَّلَ مَعْرِفَتَهم لِلْبِضاعَةِ المَرْدُودَةِ إلَيْهِمُ المَجْعُولَةِ في رِحالِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ فَإنَّهم إذا عَرَفُوا ذَلِكَ وعَلِمُوا أنَّهم أخَذُوا الطَّعامَ بِلا ثَمَنٍ، وأنَّ ما دَفَعُوهُ عِوَضًا عَنْهُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِمْ، وتَفَضَّلَ بِهِ مَن وصَلُوا إلَيْهِ عَلَيْهِمْ نَشِطُوا إلى العَوْدِ إلَيْهِ، ولا سِيَّما مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الجَدْبِ الشَّدِيدِ والحاجَةِ إلى الطَّعامِ وعَدَمِ وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ ما يَدْعُوهم إلى الرُّجُوعِ، وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَرُدَّ البِضاعَةَ إلَيْهِمْ إلّا لِهَذا المَقْصِدِ، وهو رُجُوعُهم إلَيْهِ فَلا يَتِمُّ تَعْلِيلُ رَدِّها بِغَيْرِ ذَلِكَ، والرِّحالُ جَمْعُ رَحْلٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَسْتَصْحِبُهُ الرَّجُلُ مَعَهُ مِنَ الأثاثِ.
قالَ الواحِدِيُّ: الرَّحْلُ كُلُّ شَيْءٍ مُعَدٍّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ لِلْمَتاعِ ومَرْكَبٍ لِلْبَعِيرِ ومَجْلِسٍ ورَسَنٍ انْتَهى.
والمُرادُ هُنا الأوْعِيَةُ الَّتِي يَجْعَلُونَ فِيها ما يَمْتارُونَهْ مِنَ الطَّعامِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ لِلْوِعاءِ رَحْلٌ ولِلْبَيْتِ رَحْلٌ.
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا ياأبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ أرادُوا بِهَذا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ لَهم: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾: أيْ مُنِعَ مِنّا الكَيْلَ في المُسْتَقْبَلِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الِامْتِيارَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مَعْهُودٌ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ولَعَلَّهم قالُوا لَهُ بِهَذِهِ المَقالَةِ قَبْلَ أنْ يَفْتَحُوا مَتاعَهم ويَعْلَمُوا بَرَدِّ بِضاعَتِهِمْ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِيما بَعْدُ ﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا لَهُ ما أمَرَهم بِهِ يُوسُفُ، فَقالُوا ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ يَعْنُونَ بِنْيامِينَ ونَكْتَلْ جَوابُ الأمْرِ: أيْ نَكْتَلْ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا ما نُرِيدُهُ مِنَ الطَّعامِ.
قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ نَكْتَلْ بِالنُّونِ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيُّونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الأُولى قالَ: لَيَكُونُونَ كُلُّهم داخِلِينَ فِيمَن يَكْتالُ، وزَعَمَ أنَّهُ إذا كانَ بِالياءِ كانَ لِلْأخِ وحْدَهُ: أيْ يَكْتالُ أخُونا بِنْيامِينُ، واعْتَرَضَهُ النَّحّاسُ مِمّا حاصِلُهُ أنَّ إسْنادَ الكَيْلِ إلى الأخِ لا يُنافِي كَوْنَهُ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى: يَكْتالُ بِنْيامِينُ لَنا جَمِيعًا.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ إنْ أرْسَلْتَهُ اكْتَلْنا وإلّا مُنِعْنا الكَيْلَ، وإنّا لَهُ أيْ لِأخِيهِمْ بِنْيامِينَ لَحافِظُونَ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ أوْ مَكْرُوهٌ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِ ذَلِكَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلى بِنْيامِينَ إلّا كَما أمِنَهم عَلى أخِيهِ يُوسُفَ وقَدْ قالُوا لَهُ في يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ كَما قالُوا هُنا وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ ثُمَّ خانُوهُ في يُوسُفَ فَهو إنْ أمِنَهم في بِنْيامِينَ خافَ أنْ يَخُونُوهُ فِيهِ كَما خانُوهُ في يُوسُفَ ﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ لَعَلَّ هُنا إضْمارًا والتَّقْدِيرُ فَتَوَكَّلَ يَعْقُوبُ عَلى اللَّهِ ودَفَعَهُ إلَيْهِمْ وقالَ: فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا.
قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ( حِفْظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ.
وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( حافِظًا ) وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٧٠٤)عَلى البَيانِ يَعْنِي التَّمْيِيزَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنْ حِفْظَ اللَّهِ إيّاهُ خَيْرٌ مِن حِفْظِهِمْ لَهُ، لَمّا وكَلَ يَعْقُوبُ حِفْظَهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ حَفِظَهُ وأرْجَعَهُ إلَيْهِ، ولَمّا قالَ في يُوسُفَ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وقْعَ لَهُ مِنَ الِامْتِحانِ ما وقَعَ.
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَةَ الطَّعامِ أوْ ما أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ المَتاعِ سَواءٌ كانَ الَّذِي فِيهِ طَعامًا أوْ غَيْرَ طَعامٍ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ أيِ البِضاعَةَ الَّتِي حَمَلُوها إلى مِصْرَ لَيَمْتارُوا بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها، وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ ما نَبْغِي ما اسْتِفْهامِيَّةٌ والمَعْنى: أيَّ شَيْءٍ نَطْلُبُ مِن هَذا المَلِكِ بَعْدَ أنْ صَنَعَ مَعَنا ما صَنَعَ مِنَ الإحْسانِ بِرَدِّ البِضاعَةِ والإكْرامِ عِنْدَ القُدُومِ إلَيْهِ، وتَوْفِيرِ ما أرَدْناهُ مِنَ المِيرَةِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ الإنْكارِ لِطَلَبِ شَيْءٍ مَعَ كَوْنِها قَدْ رُدَّتْ إلَيْهِمْ، وقِيلَ إنَّ ما في ما نَبْغِي نافِيَةٌ أيْ ما نَبْغِي في القَوْلِ وما نَتَزَيَّدُ فِيما وصَفْنا لَكَ مِن إحْسانِ المَلِكِ إلَيْنا وإكْرامِهِ لَنا، ثُمَّ بَرْهَنُوا عَلى ما لَقُوهُ مِنَ التَّزَيُّدِ في وصْفِ المَلِكِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ فَإنَّ مَن تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَدِّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ مِنهم، مُسْتَحِقٌّ لِما وصَفُوهُ بِهِ، ومَعْنى ونَمِيرُ أهْلَنا نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ وهي الطَّعامُ، والمائِرُ الَّذِي يَأْتِي بِالطَّعامِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ النُّونِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا فَنَحْنُ نَسْتَعِينُ بِها عَلى الرُّجُوعِ ونَمِيرُ أهْلَنا ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِنْيامِينَ مِمّا تَخافُهُ عَلَيْهِ ونَزْدادُ بِسَبَبِ إرْسالِهِ مَعَنا كَيْلَ بَعِيرٍ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ زائِدٍ عَلى ما جِئْنا بِهِ هَذِهِ المَرَّةَ، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وِقْرُ بَعِيرٍ، ومَعْنى ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ أنَّ زِيادَةَ كَيْلِ بَعِيرٍ لِأخِينا يَسْهُلُ عَلى المَلِكِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِن زِيادَتِهِ لَهُ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا لا يَتَعاظَمُهُ ولا يُضايِقُنا فِيهِ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: ذَلِكَ المَكِيلُ لِأجْلِنا قَلِيلٌ نُرِيدُ أنْ يَنْضافَ إلَيْهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لِأخِينا.
واخْتارَ الزَّجّاجُ الأوَّلَ.
وقِيلَ إنَّ هَذا مِن كَلامِ يَعْقُوبَ جَوابًا عَلى ما قالَهُ أوْلادُهُ: ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ يَعْنِي إنَّ حِمْلَ بَعِيرٍ شَيْءٌ يَسِيرٌ لا يُخاطِرُ لِأجْلِهِ بِالوَلَدِ وهو ضَعِيفٌ.
لِأنَّ جَوابَ يَعْقُوبَ هو ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ حَتّى تُعْطُونِي ما أثِقُ بِهِ وأرْكَنُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو الحَلِفُ بِهِ، واللّامُ في لَتَأْتُنَّنِي بِهِ جَوابُ القَسَمِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: حَتّى تَحْلِفُوا بِاللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ: أيْ لَتَرُدُنَّ بِنْيامِينَ إلَيَّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكم﴾ هو مِن أعَمِّ العامِّ، لِأنَّ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنْ كانَ كَلامًا مُثْبَتًا فَهو في مَعْنى النَّفْيِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تُمْنَعُونَ مِن إتْيانِي بِهِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِعِلَّةِ الإحاطَةِ بِكم، والإحاطَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ومَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ فَقَدْ غُلِبَ أوْ هَلَكَ، فَأخَذَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأنْ يَأْتُوهُ بِبِنْيامِينَ إلّا أنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهِ أوْ تَهْلِكُوا دُونَهُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَكم عِنْدِي فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم أيْ أعْطَوْهُ ما طَلَبَهُ مِنهم مِنَ اليَمِينِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ: اللَّهُ عَلى ما قُلْناهُ مِن طَلَبِي المَوْثِقَ مِنكم وإعْطائِكم لِي ما طَلَبْتُهُ مِنكم - مُطَّلِعٌ رَقِيبٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ خافِيَةٌ، فَهو المُعاقِبُ لِمَن خاسَ في عَهْدِهِ وفَجَرَ في الحَلِفِ بِهِ، أوْ مَوْكُولٌ إلَيْهِ القِيامُ بِما شَهِدَ عَلَيْهِ مِنّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، جاءَ بِصُواعِ المَلِكِ الَّذِي كانَ يَشْرَبُ فِيهِ، فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْقُرُهُ ويَطِنُّ.
فَقالَ: إنَّ هَذا الجامَ لِيُخْبِرُنِي عَنْكم خَبَرًا، هَلْ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ ؟ وكانَ أبُوهُ يُحِبُّهُ دُونَكم، وإنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ فَألْقَيْتُمُوهُ في الجُبِّ وأخْبَرْتُمْ أباكم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ، وجِئْتُمْ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذَبٍ ؟ قالَ: فَجَعَلَ بَعْضُهم يَنْظُرُ إلى بَعْضٍ ويَعْجَبُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وُهَيْبٍ قالَ: لَمّا جَعَلَ يُوسُفُ يَنْقُرُ الصُّواعَ ويُخْبِرُهم قامَ إلَيْهِ بَعْضُ إخْوَتِهِ فَقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ أنْ لا تَكْشِفَ لَنا عَوْرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِنْيامِينَ، وهو أخُو يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ قالَ: خَيْرُ مَن يُضِيفُ بِمِصْرَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لِفِتْيانِهِ أيْ لِغِلْمانِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم﴾ أيْ أوْراقَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ يَقُولُونَ ما نَبْغِي وراءَ هَذا ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ حِمْلَ بَعِيرٍ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيُدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلَ حِمارٍ، قالَ وهي لُغَةٌ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي مُجاهِدٌ أنَّ الحِمارَ يُقالُ لَهُ في بَعْضِ اللُّغاتِ بَعِيرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ: تَهْلِكُوا جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم﴾ قالَ: عَهْدَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ قالَ لا تُغْلَبُوا حَتّى لا تُطِيقُوا ذَلِكَ.
يوسف 12:67
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:68
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:69
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:70
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:71
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:72
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:73
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:74
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:75
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:76
.
(p-٧٠٥)لَمّا تَجَهَّزَ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِلْمَسِيرِ إلى مِصْرَ خافَ عَلَيْهِمْ أبُوهم أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ لِكَوْنِهِمْ كانُوا ذَوِي جَمالٍ ظاهِرٍ وثِيابٍ حَسَنَةٍ مَعَ كَوْنِهِمْ أوْلادَ رَجُلٍ واحِدٍ.
فَنَهاهم أنْ يَدْخُلُوا مُجْتَمِعِينَ مِن بابٍ واحِدٍ لِأنَّ في ذَلِكَ مَظِنَّةً لِإصابَةِ الأعْيُنِ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ لِأنَّهم لَوْ دَخَلُوا مِن بابَيْنِ مَثَلًا كانُوا قَدِ امْتَثَلُوا النَّهْيَ عَنِ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الدُّخُولِ مِن بابَيْنِ مَثَلًا نَوْعُ اجْتِماعٍ يُخْشى مَعَهُ أنْ تُصِيبَهُمُ العَيْنُ أمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قِيلَ وكانَتْ أبْوابُ مِصْرَ أرْبَعَةً.
وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ كَأبِي هاشِمٍ والبَلْخِيِّ أنَّ لِلْعَيْنِ تَأْثِيرًا، وقالا: لا يَمْتَنِعُ أنَّ صاحِبَ العَيْنِ إذا شاهَدَ الشَّيْءَ وأُعْجِبَ بِهِ كانَتِ المَصْلَحَةُ لَهُ في تَكْلِيفِهِ أنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ حَتّى لا يَبْقى قَلْبُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ مُعَلَّقًا بِهِ.
ولَيْسَ هَذا بِمُسْتَنْكَرٍ مِن هَذَيْنِ وأتْباعِهِما، فَقَدْ صارَ دَفْعُ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ دَأْبَهم ودَيْدَنَهم، وأيُّ مانِعٍ مِن إصابَةِ العَيْنِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ ؟ وقَدْ ورَدَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وأُصِيبَ بِها جَماعَةٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ، ومِنهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
وأعْجَبُ مِن إنْكارِ هَؤُلاءِ لِما ورَدَتْ بِهِ نُصُوصُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ما يَقَعُ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الإزْراءِ عَلى مَن يَعْمَلُ بِالدَّلِيلِ المُخالِفِ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِبْعادِ العَقْلِيِّ والتَّنَطُّعِ في العِباراتِ كالزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِهِ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِنَ المُواطِنِ لا يَقِفُ عَلى دَفْعِ دَلِيلِ الشَّرْعِ بِالِاسْتِبْعادِ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلى العَقْلِ حَتّى يَضُمَّ إلى ذَلِكَ الوَقاحَةَ في العِبارَةِ عَلى وجْهٍ يُوقِعُ المُقَصِّرِينَ في الأقْوالِ الباطِلَةِ والمَذاهِبِ الزّائِفَةِ.
وبِالجُمْلَةِ فَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَدْفُوعٌ بِالأدِلَّةِ المُتَكاثِرَةِ وإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ سَلَفًا وخَلَفًا، وبِما هو مُشاهَدٌ في الوُجُودِ، فَكَمْ مِن شَخْصٍ مِن هَذا النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ هَلَكَ بِهَذا السَّبَبِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُرِفَ بِالإصابَةِ بِالعَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ، يُمْنَعُ مِنَ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ دَفْعًا لِضَرَرِهِ بِحَبْسٍ أوْ غَيْرِهِ مِن لُزُومِ بَيْتِهِ، وقِيلَ: يُنْفى، وأبْعَدَ مَن قالَ إنَّهُ يُقْتَلُ إلّا إذا كانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ وتَتَوَقَّفُ إصابَتُهُ عَلى اخْتِيارِهِ وقَصْدِهِ ولَمْ يَنْزَجِزْ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا قَتَلَ كانَ لَهُ حُكْمُ القاتِلِ.
ثُمَّ قالَ يَعْقُوبُ لِأوْلادِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ لا أدْفَعُ عَنْكم ضَرَرًا ولا أجْلِبُ إلَيْكم نَفْعًا بِتَدْبِيرِي هَذا، بَلْ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَهو واقِعٌ لا مَحالَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: لَوْ سِيقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّ العَيْنَ تُهْلِكُهم مَعَ الِاجْتِماعِ لَكانَ تَفَرُّقُهم كاجْتِماعِهِمْ.
وقالَ آخَرُونَ: ما كانَ يُغْنِي عَنْهم يَعْقُوبُ شَيْئًا قَطُّ حَيْثُ أصابَهم ما أصابَهم - مَعَ تَفَرُّقِهِمْ - مِن إضافَةِ السَّرِقَةِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَرَّحَ يَعْقُوبُ بِأنَّهُ لا حَكِيمَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ لا لِغَيْرِهِ ولا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ في ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في كُلِّ إيرادٍ وإصْدارٍ لا عَلى غَيْرِهِ: أيِ اعْتَمَدْتُ ووَثِقْتُ وعَلَيْهِ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ عَلى العُمُومِ.
ويَدْخُلُ فِيهِ أوْلادُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ أيْ مِنَ الأبْوابِ المُتَفَرِّقَةِ ولَمْ يَجْتَمِعُوا داخِلِينَ مِن بابٍ واحِدٍ، وجَوابُ لَمّا ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن جِهَتِهِ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مِمّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: ولَكِنْ حاجَةً كانَتْ في نَفْسِ يَعْقُوبَ، وهي شَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ ومَحَبَّتُهُ لِسَلامَتِهِمْ قَضاها يَعْقُوبُ أيْ أظْهَرَها لَهم ووَصّاهم بِها غَيْرُ مُعْتَقِدٍ أنَّ لِلتَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَهم تَأْثِيرًا في دَفْعِ ما قَضاهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ خَطَرَ بِبالِ يَعْقُوبَ أنَّ المَلِكَ إذا رَآهم مُجْتَمِعِينَ مَعَ ما يَظْهَرُ فِيهِمْ مِن كَمالِ الخِلْقَةِ، وسِيما الشَّجاعَةِ أوْقَعَ بِهِمْ حَسَدًا وحِقْدًا أوْ خَوْفًا مِنهم، فَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ هَذا النَّحاسُ وقالَ: لا مَعْنى لِلْعَيْنِ هاهُنا.
وفِيهِ أنَّ هَذا لَوْ كانَ هو السَّبَبَ لَأمَرَهم بِالتَّفَرُّقِ ولَمْ يَخُصَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ، لِأنَّ هَذا الحَسَدَ أوِ الخَوْفَ يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ داخِلَ المَدِينَةِ كَما يَحْصُلُ بِاجْتِماعِهِمْ عِنْدَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ.
وقِيلَ إنَّ الفاعِلَ في ﴿قَضاها﴾ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى الدُّخُولِ لا إلى يَعْقُوبَ.
والمَعْنى: ما كانَ الدُّخُولُ يُغْنِي عَنْهم مِن جِهَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنَّهُ قَضى ذَلِكَ الدُّخُولُ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ لِوُقُوعِهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ أيْ وإنَّ يَعْقُوبَ لَصاحِبُ عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِ اللَّهِ إيّاهُ بِما أوْحاهُ اللَّهُ مِن أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدْرَ، وأنَّ ما قَضاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِذَلِكَ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الحَذَرَ مَندُوبٌ إلَيْهِ وإنْ كانَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، والسِّياقُ يَدْفَعُهُ.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ المُشْرِكُونَ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ أيْ ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِنْيامِينَ، قِيلَ إنَّهُ أمَرَ بِإنْزالِ كُلِّ اثْنَيْنِ في مَنزِلٍ فَبَقِيَ أخُوهُ مُنْفَرِدًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ و﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ، قالَ لَهُ ذَلِكَ سِرًّا، مِن دُونِ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ إخْوَتُهُ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ فَلا تَحْزَنْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أيْ إخْوَتُكَ مِنَ الأعْمالِ الماضِيَةِ الَّتِي عَمِلُوها، وقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ يُوسُفُ، بَلْ قالَ لَهُ: إنِّي أخُوكَ مَكانَ أخِيكِ يُوسُفَ فَلا تَحْزَنْ بِما كُنْتَ تَلْقاهُ مِنهم مِنَ الجَفاءِ حَسَدًا وبَغْيًا، وقِيلَ: إنَّهُ أخْبَرَهُ بِما سَيُدَبِّرُهُ مَعَهم مِن جَعْلِ السِّقايَةِ في رَحْلِهِ، فَقالَ لا أُبالِي، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ يُوسُفُ أخاهُ بِنْيامِينَ بِأنَّهُ أخُوهُ قالَ: لا تَرُدَّنِي إلَيْهِمْ، فَقالَ قَدْ عَلِمْتَ اغْتِمامَ أبِينا يَعْقُوبَ فَإذا حَبَسْتُكَ عِنْدِي ازْدادَ غَمُّهُ، فَأتى بِنْيامِينَ فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: لا يُمْكِنُ (p-٧٠٦)حَبْسُكَ عِنْدِي إلّا بِأنْ أنْسُبُكَ إلى ما لا يَجْمُلُ بِكَ، فَقالَ لا أُبالِي، فَدَسَّ الصّاعَ في رَحْلِهِ، وهو المُرادُ بِالسِّقايَةِ وأصْلُها المِشْرَبَةَ الَّتِي يُشْرَبُ بِها جُعِلَتْ صاعًا يُكالُ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ تُسْقى بِها الدَّوابُّ ويُكالُ بِها الحَبُّ، وقِيلَ: كانَتْ مِن فِضَّةٍ وقِيلَ: كانَتْ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجِهازِ والرَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ السِّقايَةِ الَّتِي هو الصُّواعُ في رَحْلِ أخِيهِ الَّذِي هو الوِعاءُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ ما يَشْتَرِيهِ مِنَ الطَّعامِ مِن مِصْرَ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيْ نادى مُنادٍ قائِلًا: أيَّتُها العِيرُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ يا أصْحابَ العِيرِ، وكُلُّ ما امْتِيرَ عَلَيْهِ مِنَ الإبِلِ والحَمِيرِ والبِغالِ فَهو عِيرٌ، وقِيلَ هي قافِلَةُ الحَمِيرِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العِيرُ الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ نِسْبَةُ السَّرَقِ إلَيْهِمْ عَلى حَقِيقَتِها، لِأنَّ المُنادِيَ غَيْرُ عالِمٍ بِما دَبَّرَهُ يُوسُفُ، وقِيلَ إنَّ المَعْنى: إنَّ حالَكم حالُ السّارِقِينَ، كَوْنُ الصُّواعِ صارَ لَدَيْكم مِن غَيْرِ رِضًا مِنَ المَلِكِ.
قالُوا أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى مَن نادى مِنهُمُ المُنادِي مِن أصْحابِ المَلِكِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ أيْ ما الَّذِي فَقَدْتُمُوهُ، يُقالُ فَقَدْتَ الشَّيْءَ إذا عَدِمْتَهُ بِضَياعٍ أوْ نَحْوِهِ، فَكَأنَّهم قالُوا ماذا ضاعَ عَلَيْكم ؟ وصِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.
قالُوا في جَوابِهِمْ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: صُواغَ بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: صُوعَ بِضَمِّ الصّادِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الواوِ وبَعْدَها عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
وقَرَأ أُبَيُّ: صُياعَ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: صاعَ، وبِها قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ صُواعَ بِالصّادِّ والعَيْنِ المُهْمَلَتَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الصُّواعُ هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو السِّقايَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جِهارًا
﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ أيْ قالُوا: ولِمَن جاءَ بِالصُّواعِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
والبَعِيرُ الجَمَلُ، وفي لُغَةِ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ الحِمارُ، والمُرادُ بِالحِمْلِ هاهُنا ما يَحْمِلُهُ البَعِيرُ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ المُنادِي ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ بِحِمْلِ البَعِيرِ الَّذِي جُعِلَ لِمَن جاءَ بِالصُّواعِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ لِلْأوْعِيَةِ، والزَّعِيمُ هو الكَفِيلُ، ولَعَلَّ القائِلَ نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ هو المُنادِي وإنَّما نُسِبَ القَوْلُ إلى الجَماعَةِ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم ثُمَّ رَجَعَ الكَلامُ إلى نِسْبَةِ القَوْلِ إلى المُنادِي وحْدَهُ لِأنَّهُ القائِلُ بِالحَقِيقَةِ.
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ التّاءُ بَدَلٌ مِن واوِ القَسَمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ مِنَ الباءِ، وقِيلَ أصْلٌ بِنَفْسِها، ولا تَدْخُلُ إلّا عَلى هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ دُونَ سائِرِ أسْمائِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ دَخَلَتْ نادِرًا عَلى الرَّبِّ، وعَلى الرَّحْمَنِ، والكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في عِلْمِ الإعْرابِ، وجَعَلُوا المُقْسَمَ عَلَيْهِ هو عِلْمُ يُوسُفَ وأصْحابِهِ بِنَزاهَةِ جانِبِهِمْ وطَهارَةِ ذَيْلِهِمْ عَنِ التَّلَوُّثِ بِقَذَرِ الفَسادِ في الأرْضِ الَّذِي مِن أعْظَمِ أنْواعِهِ السَّرِقَةُ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِنهم في قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ المَرَّةَ الأوْلى وهَذِهِ المَرَّةَ - مِنَ التَّعَفُّفِ والزُّهْدِ عَمّا هو دُونَ السَّرِقَةِ بِمَراحِلَ؛ ما يُسْتَفادُ مِنهُ العِلْمُ الجازِمُ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمَن يَتَجارَأُ عَلى هَذا النَّوْعِ العَظِيمِ مِن أنْواعِ الفَسادِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ إلّا رَدُّهم لِبِضاعَتِهِمُ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ.
والمُرادُ بِالأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ، ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الجُمْلَةَ الَّتِي أقْسَمُوا بِاللَّهِ عَلَيْها بِقَوْلِهِمْ ﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ التَّبَرِّي مِمّا قَرَفُوهم بِهِ والتَّنَزُّهِ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ الخَسِيسَةِ والرَّذِيلَةِ الشَّنْعاءِ.
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظائِرِها، والقائِلُونَ هم أصْحابُ يُوسُفَ، أوِ المُنادِي مِنهم وحْدَهُ كَما مَرَّ، والضَّمِيرُ في جَزاؤُهُ لِلصُّواعِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: فَما جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ عِنْدَكم، أوِ الضَّمِيرُ لِلسّارِقِ، أيْ: فَما جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ عِنْدَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ فِيما تَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِكم مِنَ البَراءَةِ عَنِ السَّرِقَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يُوجَدَ الصُّواعُ مَعَكم، فَأجابَ إخْوَةُ يُوسُفَ.
و﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ أيْ جَزاءُ سَرِقَةِ الصُّواعِ أوْ جَزاءُ سارِقِ الصُّواعِ وجَزاؤُهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ: وهي ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ فِيها، والأصْلُ: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الثّانِي عائِدًا إلى المُبْتَدَأِ، والأوَّلُ إلى " مَن "، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ لِلصُّواعِ أخْذُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ الأُولى وتَقْرِيرِها.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ زِيادَةٌ في البَيانِ، أيْ: جَزاؤُهُ أخْذُ السّارِقِ، فَهو جَزاؤُهُ لا غَيْرَ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ حُكْمُ السّارِقِ في آلِ يَعْقُوبَ أنْ يُسْتَرَقَّ سَنَةً فَلِذَلِكَ اسْتَفْتَوْهم في جَزائِهِ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الكامِلِ نَجْزِي الظّالِمِينَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ بِسَرِقَةِ أمْتِعَتِهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها إذا كانَتْ مِن كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ أصْحابِ يُوسُفَ، أيْ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَجْزِي الظّالِمِينَ بِالسَّرَقِ.
ثُمَّ لَمّا ذَكَرُوا جَزاءَ السّارِقِ أرادُوا أنْ يُفَتِّشُوا أمْتِعَتَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ الأمْرُ.
فَأقْبَلَ يُوسُفُ عَلى ذَلِكَ فَبَدَأ بِتَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ أيْ أوْعِيَةِ الإخْوَةِ العَشَرَةِ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ قَبْلَ تَفْتِيشِهِ لِوِعاءِ أخِيهِ بِنْيامِينَ دَفْعًا لِلتُّهْمَةِ ورَفْعًا لِما دَبَّرَهُ مِنَ الحِيلَةِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها أيِ السِّقايَةَ أوِ الصُّواعَ، لِأنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الكَيْدِ العَجِيبِ كِدْنا لِيُوسُفَ: يَعْنِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ وأوْحَيْنا إلَيْهِ، والكَيْدُ مَبْدَؤُهُ السَّعْيُ في الحِيلَةِ والخَدِيعَةِ، ونِهايَتُهُ إلْقاءُ المَخْدُوعِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ في أمْرٍ مَكْرُوهٍ لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، وهو مَحْمُولٌ في حَقِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى النِّهايَةِ لا عَلى البِدايَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: مَعْنى كِدْنا دَبَّرْنا.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أرَدْنا.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى الأغْراضِ الصَّحِيحَةِ بِما صُورَتُهُ صُورَةُ الحِيلَةِ والمَكِيدَةِ إذا لَمْ يُخالِفْ ذَلِكَ شَرْعًا ثابِتًا ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ ما كانَ يُوسُفُ لِيَأْخُذَ أخاهُ بِنْيامِينَ في دِينِ المَلِكِ، أيْ: مَلِكِ مِصْرَ، وفي شَرِيعَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، بَلْ كانَ دِينُهُ وقَضاؤُهُ أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ (p-٧٠٧)ويُغَرَّمَ ضِعْفَ ما سَرَقَهُ دُونَ الِاسْتِعْبادِ سَنَةً كَما هو دِينُ يَعْقُوبَ وشَرِيعَتُهُ.
وحاصِلُهُ أنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَمَكَّنُ مِن إجْراءِ حُكْمِ يَعْقُوبَ عَلى أخِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِدِينِ المَلِكِ وشَرِيعَتِهِ لَوْلا ما كادَ اللَّهُ لَهُ ودَبَّرَهُ وأرادَهُ حَتّى وجَدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ: وهو ما أجْراهُ عَلى ألْسُنِ إخْوَتِهِ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ جَزاءَ السّارِقِ الِاسْتِرْقاقُ، فَكانَ قَوْلُهم هَذا هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ وإذْنِهِ بِذَلِكَ وإرادَتِهِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: أعْنِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِما صَنَعَهُ اللَّهُ مِنَ الكَيْدِ لِيُوسُفَ أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِضُرُوبِ العُلُومِ والمَعارِفِ والعَطايا والكَراماتِ كَما رَفَعْنا دَرَجَةَ يُوسُفَ بِذَلِكَ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالعِلْمِ عَلِيمٌ أرْفَعُ رُتْبَةٍ مِنهم وأعْلى دَرَجَةً لا يَبْلُغُونَ مَداهُ ولا يَرْتَقُونَ شَأْوَهُ.
وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ فَوْقَ كُلِّ أهْلِ العِلْمِ عَلِيمٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ يابَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ قالَ: رَهِبَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَشِيَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قالَ: أحَبَّ يَعْقُوبُ أنْ يَلْقى يُوسُفُ أخاهُ في خَلْوَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ قالَ: خِيفَةُ العَيْنِ عَلى بَنِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ قالَ: إنَّهُ لَعامِلٌ بِما عُلِّمَ، ومَن لا يَعْمَلُ لا يَكُونُ عالِمًا.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ قالَ: ضَمَّهُ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ ولا تَيْأسْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ قالَ: قَضى حاجَتَهم وكالَ لَهم طَعامَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو إناءُ المَلِكِ الَّذِي يَشْرَبُ مِنهُ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ قالَ: في مَتاعِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ قالَ: هو الصُّواعُ، وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ مِنهُ فَهو صُواعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ قالَ: كانَتِ العِيرُ حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ قالَ: حِمْلُ حِمارٍ طَعامٌ، وهي لُغَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ يَقُولُ: كَفِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾ يَقُولُ: ما جِئْنا لِنَعْصِيَ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ قالَ: عَرَّفُوا الحُكْمَ في حُكْمِهِمْ فَقالُوا ﴿مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ وكانَ الحُكْمُ عِنْدَ الأنْبِياءِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ أنْ يُؤْخَذَ السّارِقُ بِسَرِقَتِهِ عَبْدًا يُسْتَرَقُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ كانَ كُلَّما فَتَحَ مَتاعَ رَجُلٍ اسْتَغْفَرَ تَأثُّمًا مِمّا صَنَعَ حَتّى بَقِيَ مَتاعُ الغُلامِ، قالَ ما أظُنُّ أنَّ هَذا أخَذَ شَيْئًا، قالُوا بَلى فاسْتَبْرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ قالَ: كَذَلِكَ صَنَعْنا لِيُوسُفَ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ، قالَ: كانَ في دِينِ مَلِكِهِمْ أنَّهُ مَن سَرَقَ أُخِذَتْ مِنهُ السَّرِقَةُ ومِثْلُها مَعَها مِن مالِهِ فَيُعْطِيهِ المَسْرُوقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ يَقُولُ: في سُلْطانِ المَلِكِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالَ: إلّا بِعِلَّةٍ كادَها اللَّهُ لِيُوسُفَ فاعْتَلَّ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: يُوسُفُ وإخْوَتُهُ أُوتُوا عِلْمًا فَرَفَعْنا يُوسُفَ في العِلْمِ فَوْقَهم دَرَجَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَحَدَّثَ بِحَدِيثٍ، فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما قُلْتَ، اللَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ، وهو فَوْقَ كُلِّ عالِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: سَألَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ فِيها، فَقالَ الرَّجُلُ لَيْسَ هَكَذا ولَكِنْ كَذا وكَذا، قالَ عَلِيٌّ: أصَبْتَ وأخْطَأْتُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قالَ: عِلْمُ اللَّهِ فَوْقَ كُلِّ عالَمٍ.
يوسف 12:77
.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (p-٧٠٨)يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.
وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.
قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.
﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى لَدَيْكَ، فَإنَّ لَهُ مَنزِلَةً في قَلْبِ أبِيهِ لَيْسَتْ لِواحِدٍ مِنّا فَلا يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ أحَدِنا كَما يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ بِنْيامِينَ، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى النّاسِ كافَّةً.
وإلَيْنا خاصَّةً، فَتَمِّمْ إحْسانَكَ إلَيْنا بِإجابَتِنا إلى هَذا المَطْلَبِ.
فَأجابَ يُوسُفُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ أيْ نَعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والمُسْتَعِيذُ بِاللَّهِ هو المُعْتَصِمُ بِهِ، و﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والأصْلُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، وهو بِنْيامِينُ لِأنَّهُ الَّذِي وُجِدَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ فَقَدْ حَلَّ لَنا اسْتِعْبادُهُ بِفَتْواكُمُ الَّتِي أفْتَيْتُمُونا بِقَوْلِكم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ .
﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ إنّا إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ لَظالِمُونَ في دِينِكم وما تَقْتَضِيهِ فَتْواكم.
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإسْعافِهِمْ مِنهُ إلى مَطْلَبِهِمُ الَّذِي طَلَبُوهُ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيِ انْفَرَدُوا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَناجِينَ فِيما بَيْنَهم، وهو مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] .
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ انْفَرَدُوا ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم مُتَناجِينَ فِيما يَعْمَلُونَ بِهِ في ذَهابِهِمْ إلى أبِيهِمْ مِن غَيْرِ أخِيهِمْ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قِيلَ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ الأسْنُ، وقِيلَ: يَهُوذا لِأنَّهُ الأوْفَرُ عَقْلًا، وقِيلَ: شَمْعُونُ لِأنَّهُ رَئِيسُهم ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَهْدًا مِنَ اللَّهِ في حِفْظِ ابْنِهِ ورَدِّهِ إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ بِإذْنِهِ ﴿ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم. . . وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ، ذَكَرَ هَذا النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ﴿ومِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَعْلَمُوا، أيْ: وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ " ما " مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، وقِيلَ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ " مِن قَبْلُ " وقِيلَ: إنَّ " ما " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وكِلاهُما في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ، وما ذَكَرْناهُ هو الأوْلى، ومَعْنى ﴿فَرَّطْتُمْ﴾: قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾، يُقالُ بَرِحَ بَراحًا وبُرُوحًا، أيْ: زالَ، فَإذا دَخَلَهُ النَّفْيُ صارَ مُثْبَتًا، أيْ: لَنْ أبْرَحَ مِنَ الأرْضِ، بَلْ ألْزَمُها ولا أزالُ مُقِيمًا فِيها ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في مُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسْتَحِي مِن أبِيهِ أنْ يَأْتِيَ إلَيْهِ بِغَيْرِ ولَدِهِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المَوْثِقَ بِإرْجاعِهِ إلَيْهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِهِمْ كَما تَقَدَّمَ ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِمُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالنَّصْرِ عَلى مَن أخَذَ أخِي فَأُحارِبُهُ وآخُذُ أخِي مِنهُ، أوْ أعْجَزُ فَأنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّ أحْكامُهُ لا تَجْرِي إلّا عَلى ما يُوافِقُ الحَقَّ.
ويُطابِقُ الصَّوابَ.
ثُمَّ قالَ كَبِيرُهم مُخاطِبًا لَهُمُ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا ياأبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَرَقَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا اسْتِخْراجَ الصُّواعِ مِن وِعائِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو رَزِينٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَوى ذَلِكَ النَّحّاسُ عَنِ الكِسائِيِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ " سَرَقَ " يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما عُلِمَ مِنهُ السَّرَقُ، والآخَرُ اتُّهِمَ بِالسَّرَقِ ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنِ اسْتِخْراجِ (p-٧٠٩)الصُّواعُ مِن وِعائِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُسْتَرَقُّ إلّا بِما عَلِمْنا مِن شَرِيعَتِكَ وشَرِيعَةِ آبائِكَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ حَتّى يَتَّضِحَ لَنا هَلِ الأمْرُ عَلى ما شاهَدْناهُ أوْ عَلى خِلافِهِ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: ما كُنّا وقْتَ أخْذِنا لَهُ مِنكَ لِيَخْرُجَ مَعَنا إلى مِصْرَ لِلْغَيْبِ حافِظِينَ بِأنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ السَّرَقُ الَّذِي افْتَضَحْنا بِهِ، وقِيلَ: الغَيْبُ هو اللَّيْلُ، ومُرادُهم أنَّهُ سَرَقَ وهم نِيامٌ، وقِيلَ: مُرادُهم أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وهو غائِبٌ عَنْهم.
فَخَفِيَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِ كَبِيرِهِمْ لَهم، أيْ: قُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها، أيْ: مِصْرَ، والمُرادُ أهْلُها: أيِ اسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ، وقِيلَ: هي قَرْيَةٌ مِن قُرى مِصْرَ نَزَلُوا فِيها وامْتارُوا مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: واسْألِ القَرْيَةَ نَفْسَها وإنْ كانَتْ جَمادًا فَإنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ سَيُنْطِقُها فَتُجِيبُكَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ قالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ كَلِّمْ هِنْدًا وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَ هِنْدٍ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ وقُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ العِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها، أيْ: أصْحابَها، وكانُوا قَوْمًا مَعْرُوفِينَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْنا، جاءُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكَّدَةً هَذا التَّأْكِيدَ لِأنَّ ما قَدْ تَقَدَّمَ مِنهم مَعَ أبِيهِمْ يَعْقُوبَ يُوجِبُ كَمالَ الرِّيبَةِ في خَبَرِهِمْ هَذا عِنْدَ السّامِعِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَرَقَ مُكْحُلَةً لِخالَتِهِ، يَعْنِي يُوسُفَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: سَرَقَ في صِباهُ مِيلَيْنِ مِن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سَرَقَ يُوسُفُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ بِذَلِكَ إخْوَتُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ قالَ: أيِسُوا مِنهُ، ورَأوْا شِدَّتَهُ في أمْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ قالَ: وحْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قالَ: شَمْعُونُ الَّذِي تَخَلَّفَ أكْبَرُهم عَقْلًا، وأكْبَرُ مِنهُ في المِيلادِ رُوبِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ هو رُوبِيلُ، وهو الَّذِي كانَ نَهاهم عَنْ قَتْلِهِ وكانَ أكْبَرَ القَوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قالَ: أُقاتِلُ بِسَيْفِي حَتّى أُقْتَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ قالَ: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مِصْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
يوسف 12:78
.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (p-٧٠٨)يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.
وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.
قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.
﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى لَدَيْكَ، فَإنَّ لَهُ مَنزِلَةً في قَلْبِ أبِيهِ لَيْسَتْ لِواحِدٍ مِنّا فَلا يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ أحَدِنا كَما يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ بِنْيامِينَ، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى النّاسِ كافَّةً.
وإلَيْنا خاصَّةً، فَتَمِّمْ إحْسانَكَ إلَيْنا بِإجابَتِنا إلى هَذا المَطْلَبِ.
فَأجابَ يُوسُفُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ أيْ نَعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والمُسْتَعِيذُ بِاللَّهِ هو المُعْتَصِمُ بِهِ، و﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والأصْلُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، وهو بِنْيامِينُ لِأنَّهُ الَّذِي وُجِدَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ فَقَدْ حَلَّ لَنا اسْتِعْبادُهُ بِفَتْواكُمُ الَّتِي أفْتَيْتُمُونا بِقَوْلِكم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ .
﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ إنّا إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ لَظالِمُونَ في دِينِكم وما تَقْتَضِيهِ فَتْواكم.
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإسْعافِهِمْ مِنهُ إلى مَطْلَبِهِمُ الَّذِي طَلَبُوهُ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيِ انْفَرَدُوا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَناجِينَ فِيما بَيْنَهم، وهو مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] .
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ انْفَرَدُوا ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم مُتَناجِينَ فِيما يَعْمَلُونَ بِهِ في ذَهابِهِمْ إلى أبِيهِمْ مِن غَيْرِ أخِيهِمْ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قِيلَ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ الأسْنُ، وقِيلَ: يَهُوذا لِأنَّهُ الأوْفَرُ عَقْلًا، وقِيلَ: شَمْعُونُ لِأنَّهُ رَئِيسُهم ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَهْدًا مِنَ اللَّهِ في حِفْظِ ابْنِهِ ورَدِّهِ إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ بِإذْنِهِ ﴿ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم. . . وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ، ذَكَرَ هَذا النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ﴿ومِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَعْلَمُوا، أيْ: وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ " ما " مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، وقِيلَ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ " مِن قَبْلُ " وقِيلَ: إنَّ " ما " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وكِلاهُما في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ، وما ذَكَرْناهُ هو الأوْلى، ومَعْنى ﴿فَرَّطْتُمْ﴾: قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾، يُقالُ بَرِحَ بَراحًا وبُرُوحًا، أيْ: زالَ، فَإذا دَخَلَهُ النَّفْيُ صارَ مُثْبَتًا، أيْ: لَنْ أبْرَحَ مِنَ الأرْضِ، بَلْ ألْزَمُها ولا أزالُ مُقِيمًا فِيها ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في مُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسْتَحِي مِن أبِيهِ أنْ يَأْتِيَ إلَيْهِ بِغَيْرِ ولَدِهِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المَوْثِقَ بِإرْجاعِهِ إلَيْهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِهِمْ كَما تَقَدَّمَ ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِمُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالنَّصْرِ عَلى مَن أخَذَ أخِي فَأُحارِبُهُ وآخُذُ أخِي مِنهُ، أوْ أعْجَزُ فَأنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّ أحْكامُهُ لا تَجْرِي إلّا عَلى ما يُوافِقُ الحَقَّ.
ويُطابِقُ الصَّوابَ.
ثُمَّ قالَ كَبِيرُهم مُخاطِبًا لَهُمُ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا ياأبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَرَقَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا اسْتِخْراجَ الصُّواعِ مِن وِعائِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو رَزِينٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَوى ذَلِكَ النَّحّاسُ عَنِ الكِسائِيِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ " سَرَقَ " يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما عُلِمَ مِنهُ السَّرَقُ، والآخَرُ اتُّهِمَ بِالسَّرَقِ ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنِ اسْتِخْراجِ (p-٧٠٩)الصُّواعُ مِن وِعائِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُسْتَرَقُّ إلّا بِما عَلِمْنا مِن شَرِيعَتِكَ وشَرِيعَةِ آبائِكَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ حَتّى يَتَّضِحَ لَنا هَلِ الأمْرُ عَلى ما شاهَدْناهُ أوْ عَلى خِلافِهِ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: ما كُنّا وقْتَ أخْذِنا لَهُ مِنكَ لِيَخْرُجَ مَعَنا إلى مِصْرَ لِلْغَيْبِ حافِظِينَ بِأنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ السَّرَقُ الَّذِي افْتَضَحْنا بِهِ، وقِيلَ: الغَيْبُ هو اللَّيْلُ، ومُرادُهم أنَّهُ سَرَقَ وهم نِيامٌ، وقِيلَ: مُرادُهم أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وهو غائِبٌ عَنْهم.
فَخَفِيَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِ كَبِيرِهِمْ لَهم، أيْ: قُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها، أيْ: مِصْرَ، والمُرادُ أهْلُها: أيِ اسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ، وقِيلَ: هي قَرْيَةٌ مِن قُرى مِصْرَ نَزَلُوا فِيها وامْتارُوا مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: واسْألِ القَرْيَةَ نَفْسَها وإنْ كانَتْ جَمادًا فَإنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ سَيُنْطِقُها فَتُجِيبُكَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ قالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ كَلِّمْ هِنْدًا وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَ هِنْدٍ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ وقُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ العِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها، أيْ: أصْحابَها، وكانُوا قَوْمًا مَعْرُوفِينَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْنا، جاءُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكَّدَةً هَذا التَّأْكِيدَ لِأنَّ ما قَدْ تَقَدَّمَ مِنهم مَعَ أبِيهِمْ يَعْقُوبَ يُوجِبُ كَمالَ الرِّيبَةِ في خَبَرِهِمْ هَذا عِنْدَ السّامِعِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَرَقَ مُكْحُلَةً لِخالَتِهِ، يَعْنِي يُوسُفَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: سَرَقَ في صِباهُ مِيلَيْنِ مِن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سَرَقَ يُوسُفُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ بِذَلِكَ إخْوَتُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ قالَ: أيِسُوا مِنهُ، ورَأوْا شِدَّتَهُ في أمْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ قالَ: وحْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قالَ: شَمْعُونُ الَّذِي تَخَلَّفَ أكْبَرُهم عَقْلًا، وأكْبَرُ مِنهُ في المِيلادِ رُوبِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ هو رُوبِيلُ، وهو الَّذِي كانَ نَهاهم عَنْ قَتْلِهِ وكانَ أكْبَرَ القَوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قالَ: أُقاتِلُ بِسَيْفِي حَتّى أُقْتَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ قالَ: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مِصْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
يوسف 12:79
.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (p-٧٠٨)يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.
وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.
قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.
﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى لَدَيْكَ، فَإنَّ لَهُ مَنزِلَةً في قَلْبِ أبِيهِ لَيْسَتْ لِواحِدٍ مِنّا فَلا يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ أحَدِنا كَما يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ بِنْيامِينَ، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى النّاسِ كافَّةً.
وإلَيْنا خاصَّةً، فَتَمِّمْ إحْسانَكَ إلَيْنا بِإجابَتِنا إلى هَذا المَطْلَبِ.
فَأجابَ يُوسُفُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ أيْ نَعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والمُسْتَعِيذُ بِاللَّهِ هو المُعْتَصِمُ بِهِ، و﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والأصْلُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، وهو بِنْيامِينُ لِأنَّهُ الَّذِي وُجِدَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ فَقَدْ حَلَّ لَنا اسْتِعْبادُهُ بِفَتْواكُمُ الَّتِي أفْتَيْتُمُونا بِقَوْلِكم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ .
﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ إنّا إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ لَظالِمُونَ في دِينِكم وما تَقْتَضِيهِ فَتْواكم.
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإسْعافِهِمْ مِنهُ إلى مَطْلَبِهِمُ الَّذِي طَلَبُوهُ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيِ انْفَرَدُوا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَناجِينَ فِيما بَيْنَهم، وهو مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] .
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ انْفَرَدُوا ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم مُتَناجِينَ فِيما يَعْمَلُونَ بِهِ في ذَهابِهِمْ إلى أبِيهِمْ مِن غَيْرِ أخِيهِمْ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قِيلَ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ الأسْنُ، وقِيلَ: يَهُوذا لِأنَّهُ الأوْفَرُ عَقْلًا، وقِيلَ: شَمْعُونُ لِأنَّهُ رَئِيسُهم ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَهْدًا مِنَ اللَّهِ في حِفْظِ ابْنِهِ ورَدِّهِ إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ بِإذْنِهِ ﴿ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم. . . وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ، ذَكَرَ هَذا النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ﴿ومِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَعْلَمُوا، أيْ: وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ " ما " مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، وقِيلَ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ " مِن قَبْلُ " وقِيلَ: إنَّ " ما " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وكِلاهُما في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ، وما ذَكَرْناهُ هو الأوْلى، ومَعْنى ﴿فَرَّطْتُمْ﴾: قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾، يُقالُ بَرِحَ بَراحًا وبُرُوحًا، أيْ: زالَ، فَإذا دَخَلَهُ النَّفْيُ صارَ مُثْبَتًا، أيْ: لَنْ أبْرَحَ مِنَ الأرْضِ، بَلْ ألْزَمُها ولا أزالُ مُقِيمًا فِيها ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في مُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسْتَحِي مِن أبِيهِ أنْ يَأْتِيَ إلَيْهِ بِغَيْرِ ولَدِهِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المَوْثِقَ بِإرْجاعِهِ إلَيْهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِهِمْ كَما تَقَدَّمَ ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِمُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالنَّصْرِ عَلى مَن أخَذَ أخِي فَأُحارِبُهُ وآخُذُ أخِي مِنهُ، أوْ أعْجَزُ فَأنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّ أحْكامُهُ لا تَجْرِي إلّا عَلى ما يُوافِقُ الحَقَّ.
ويُطابِقُ الصَّوابَ.
ثُمَّ قالَ كَبِيرُهم مُخاطِبًا لَهُمُ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا ياأبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَرَقَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا اسْتِخْراجَ الصُّواعِ مِن وِعائِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو رَزِينٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَوى ذَلِكَ النَّحّاسُ عَنِ الكِسائِيِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ " سَرَقَ " يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما عُلِمَ مِنهُ السَّرَقُ، والآخَرُ اتُّهِمَ بِالسَّرَقِ ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنِ اسْتِخْراجِ (p-٧٠٩)الصُّواعُ مِن وِعائِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُسْتَرَقُّ إلّا بِما عَلِمْنا مِن شَرِيعَتِكَ وشَرِيعَةِ آبائِكَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ حَتّى يَتَّضِحَ لَنا هَلِ الأمْرُ عَلى ما شاهَدْناهُ أوْ عَلى خِلافِهِ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: ما كُنّا وقْتَ أخْذِنا لَهُ مِنكَ لِيَخْرُجَ مَعَنا إلى مِصْرَ لِلْغَيْبِ حافِظِينَ بِأنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ السَّرَقُ الَّذِي افْتَضَحْنا بِهِ، وقِيلَ: الغَيْبُ هو اللَّيْلُ، ومُرادُهم أنَّهُ سَرَقَ وهم نِيامٌ، وقِيلَ: مُرادُهم أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وهو غائِبٌ عَنْهم.
فَخَفِيَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِ كَبِيرِهِمْ لَهم، أيْ: قُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها، أيْ: مِصْرَ، والمُرادُ أهْلُها: أيِ اسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ، وقِيلَ: هي قَرْيَةٌ مِن قُرى مِصْرَ نَزَلُوا فِيها وامْتارُوا مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: واسْألِ القَرْيَةَ نَفْسَها وإنْ كانَتْ جَمادًا فَإنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ سَيُنْطِقُها فَتُجِيبُكَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ قالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ كَلِّمْ هِنْدًا وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَ هِنْدٍ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ وقُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ العِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها، أيْ: أصْحابَها، وكانُوا قَوْمًا مَعْرُوفِينَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْنا، جاءُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكَّدَةً هَذا التَّأْكِيدَ لِأنَّ ما قَدْ تَقَدَّمَ مِنهم مَعَ أبِيهِمْ يَعْقُوبَ يُوجِبُ كَمالَ الرِّيبَةِ في خَبَرِهِمْ هَذا عِنْدَ السّامِعِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَرَقَ مُكْحُلَةً لِخالَتِهِ، يَعْنِي يُوسُفَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: سَرَقَ في صِباهُ مِيلَيْنِ مِن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سَرَقَ يُوسُفُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ بِذَلِكَ إخْوَتُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ قالَ: أيِسُوا مِنهُ، ورَأوْا شِدَّتَهُ في أمْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ قالَ: وحْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قالَ: شَمْعُونُ الَّذِي تَخَلَّفَ أكْبَرُهم عَقْلًا، وأكْبَرُ مِنهُ في المِيلادِ رُوبِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ هو رُوبِيلُ، وهو الَّذِي كانَ نَهاهم عَنْ قَتْلِهِ وكانَ أكْبَرَ القَوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قالَ: أُقاتِلُ بِسَيْفِي حَتّى أُقْتَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ قالَ: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مِصْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
يوسف 12:80
.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (p-٧٠٨)يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.
وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.
قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.
﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى لَدَيْكَ، فَإنَّ لَهُ مَنزِلَةً في قَلْبِ أبِيهِ لَيْسَتْ لِواحِدٍ مِنّا فَلا يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ أحَدِنا كَما يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ بِنْيامِينَ، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى النّاسِ كافَّةً.
وإلَيْنا خاصَّةً، فَتَمِّمْ إحْسانَكَ إلَيْنا بِإجابَتِنا إلى هَذا المَطْلَبِ.
فَأجابَ يُوسُفُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ أيْ نَعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والمُسْتَعِيذُ بِاللَّهِ هو المُعْتَصِمُ بِهِ، و﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والأصْلُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، وهو بِنْيامِينُ لِأنَّهُ الَّذِي وُجِدَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ فَقَدْ حَلَّ لَنا اسْتِعْبادُهُ بِفَتْواكُمُ الَّتِي أفْتَيْتُمُونا بِقَوْلِكم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ .
﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ إنّا إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ لَظالِمُونَ في دِينِكم وما تَقْتَضِيهِ فَتْواكم.
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإسْعافِهِمْ مِنهُ إلى مَطْلَبِهِمُ الَّذِي طَلَبُوهُ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيِ انْفَرَدُوا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَناجِينَ فِيما بَيْنَهم، وهو مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] .
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ انْفَرَدُوا ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم مُتَناجِينَ فِيما يَعْمَلُونَ بِهِ في ذَهابِهِمْ إلى أبِيهِمْ مِن غَيْرِ أخِيهِمْ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قِيلَ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ الأسْنُ، وقِيلَ: يَهُوذا لِأنَّهُ الأوْفَرُ عَقْلًا، وقِيلَ: شَمْعُونُ لِأنَّهُ رَئِيسُهم ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَهْدًا مِنَ اللَّهِ في حِفْظِ ابْنِهِ ورَدِّهِ إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ بِإذْنِهِ ﴿ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم. . . وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ، ذَكَرَ هَذا النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ﴿ومِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَعْلَمُوا، أيْ: وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ " ما " مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، وقِيلَ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ " مِن قَبْلُ " وقِيلَ: إنَّ " ما " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وكِلاهُما في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ، وما ذَكَرْناهُ هو الأوْلى، ومَعْنى ﴿فَرَّطْتُمْ﴾: قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾، يُقالُ بَرِحَ بَراحًا وبُرُوحًا، أيْ: زالَ، فَإذا دَخَلَهُ النَّفْيُ صارَ مُثْبَتًا، أيْ: لَنْ أبْرَحَ مِنَ الأرْضِ، بَلْ ألْزَمُها ولا أزالُ مُقِيمًا فِيها ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في مُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسْتَحِي مِن أبِيهِ أنْ يَأْتِيَ إلَيْهِ بِغَيْرِ ولَدِهِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المَوْثِقَ بِإرْجاعِهِ إلَيْهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِهِمْ كَما تَقَدَّمَ ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِمُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالنَّصْرِ عَلى مَن أخَذَ أخِي فَأُحارِبُهُ وآخُذُ أخِي مِنهُ، أوْ أعْجَزُ فَأنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّ أحْكامُهُ لا تَجْرِي إلّا عَلى ما يُوافِقُ الحَقَّ.
ويُطابِقُ الصَّوابَ.
ثُمَّ قالَ كَبِيرُهم مُخاطِبًا لَهُمُ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا ياأبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَرَقَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا اسْتِخْراجَ الصُّواعِ مِن وِعائِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو رَزِينٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَوى ذَلِكَ النَّحّاسُ عَنِ الكِسائِيِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ " سَرَقَ " يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما عُلِمَ مِنهُ السَّرَقُ، والآخَرُ اتُّهِمَ بِالسَّرَقِ ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنِ اسْتِخْراجِ (p-٧٠٩)الصُّواعُ مِن وِعائِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُسْتَرَقُّ إلّا بِما عَلِمْنا مِن شَرِيعَتِكَ وشَرِيعَةِ آبائِكَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ حَتّى يَتَّضِحَ لَنا هَلِ الأمْرُ عَلى ما شاهَدْناهُ أوْ عَلى خِلافِهِ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: ما كُنّا وقْتَ أخْذِنا لَهُ مِنكَ لِيَخْرُجَ مَعَنا إلى مِصْرَ لِلْغَيْبِ حافِظِينَ بِأنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ السَّرَقُ الَّذِي افْتَضَحْنا بِهِ، وقِيلَ: الغَيْبُ هو اللَّيْلُ، ومُرادُهم أنَّهُ سَرَقَ وهم نِيامٌ، وقِيلَ: مُرادُهم أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وهو غائِبٌ عَنْهم.
فَخَفِيَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِ كَبِيرِهِمْ لَهم، أيْ: قُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها، أيْ: مِصْرَ، والمُرادُ أهْلُها: أيِ اسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ، وقِيلَ: هي قَرْيَةٌ مِن قُرى مِصْرَ نَزَلُوا فِيها وامْتارُوا مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: واسْألِ القَرْيَةَ نَفْسَها وإنْ كانَتْ جَمادًا فَإنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ سَيُنْطِقُها فَتُجِيبُكَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ قالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ كَلِّمْ هِنْدًا وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَ هِنْدٍ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ وقُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ العِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها، أيْ: أصْحابَها، وكانُوا قَوْمًا مَعْرُوفِينَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْنا، جاءُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكَّدَةً هَذا التَّأْكِيدَ لِأنَّ ما قَدْ تَقَدَّمَ مِنهم مَعَ أبِيهِمْ يَعْقُوبَ يُوجِبُ كَمالَ الرِّيبَةِ في خَبَرِهِمْ هَذا عِنْدَ السّامِعِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَرَقَ مُكْحُلَةً لِخالَتِهِ، يَعْنِي يُوسُفَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: سَرَقَ في صِباهُ مِيلَيْنِ مِن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سَرَقَ يُوسُفُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ بِذَلِكَ إخْوَتُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ قالَ: أيِسُوا مِنهُ، ورَأوْا شِدَّتَهُ في أمْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ قالَ: وحْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قالَ: شَمْعُونُ الَّذِي تَخَلَّفَ أكْبَرُهم عَقْلًا، وأكْبَرُ مِنهُ في المِيلادِ رُوبِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ هو رُوبِيلُ، وهو الَّذِي كانَ نَهاهم عَنْ قَتْلِهِ وكانَ أكْبَرَ القَوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قالَ: أُقاتِلُ بِسَيْفِي حَتّى أُقْتَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ قالَ: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مِصْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
يوسف 12:81
.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (p-٧٠٨)يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.
وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.
قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.
﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى لَدَيْكَ، فَإنَّ لَهُ مَنزِلَةً في قَلْبِ أبِيهِ لَيْسَتْ لِواحِدٍ مِنّا فَلا يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ أحَدِنا كَما يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ بِنْيامِينَ، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى النّاسِ كافَّةً.
وإلَيْنا خاصَّةً، فَتَمِّمْ إحْسانَكَ إلَيْنا بِإجابَتِنا إلى هَذا المَطْلَبِ.
فَأجابَ يُوسُفُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ أيْ نَعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والمُسْتَعِيذُ بِاللَّهِ هو المُعْتَصِمُ بِهِ، و﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والأصْلُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، وهو بِنْيامِينُ لِأنَّهُ الَّذِي وُجِدَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ فَقَدْ حَلَّ لَنا اسْتِعْبادُهُ بِفَتْواكُمُ الَّتِي أفْتَيْتُمُونا بِقَوْلِكم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ .
﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ إنّا إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ لَظالِمُونَ في دِينِكم وما تَقْتَضِيهِ فَتْواكم.
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإسْعافِهِمْ مِنهُ إلى مَطْلَبِهِمُ الَّذِي طَلَبُوهُ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيِ انْفَرَدُوا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَناجِينَ فِيما بَيْنَهم، وهو مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] .
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ انْفَرَدُوا ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم مُتَناجِينَ فِيما يَعْمَلُونَ بِهِ في ذَهابِهِمْ إلى أبِيهِمْ مِن غَيْرِ أخِيهِمْ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قِيلَ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ الأسْنُ، وقِيلَ: يَهُوذا لِأنَّهُ الأوْفَرُ عَقْلًا، وقِيلَ: شَمْعُونُ لِأنَّهُ رَئِيسُهم ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَهْدًا مِنَ اللَّهِ في حِفْظِ ابْنِهِ ورَدِّهِ إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ بِإذْنِهِ ﴿ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم. . . وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ، ذَكَرَ هَذا النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ﴿ومِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَعْلَمُوا، أيْ: وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ " ما " مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، وقِيلَ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ " مِن قَبْلُ " وقِيلَ: إنَّ " ما " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وكِلاهُما في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ، وما ذَكَرْناهُ هو الأوْلى، ومَعْنى ﴿فَرَّطْتُمْ﴾: قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾، يُقالُ بَرِحَ بَراحًا وبُرُوحًا، أيْ: زالَ، فَإذا دَخَلَهُ النَّفْيُ صارَ مُثْبَتًا، أيْ: لَنْ أبْرَحَ مِنَ الأرْضِ، بَلْ ألْزَمُها ولا أزالُ مُقِيمًا فِيها ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في مُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسْتَحِي مِن أبِيهِ أنْ يَأْتِيَ إلَيْهِ بِغَيْرِ ولَدِهِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المَوْثِقَ بِإرْجاعِهِ إلَيْهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِهِمْ كَما تَقَدَّمَ ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِمُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالنَّصْرِ عَلى مَن أخَذَ أخِي فَأُحارِبُهُ وآخُذُ أخِي مِنهُ، أوْ أعْجَزُ فَأنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّ أحْكامُهُ لا تَجْرِي إلّا عَلى ما يُوافِقُ الحَقَّ.
ويُطابِقُ الصَّوابَ.
ثُمَّ قالَ كَبِيرُهم مُخاطِبًا لَهُمُ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا ياأبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَرَقَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا اسْتِخْراجَ الصُّواعِ مِن وِعائِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو رَزِينٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَوى ذَلِكَ النَّحّاسُ عَنِ الكِسائِيِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ " سَرَقَ " يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما عُلِمَ مِنهُ السَّرَقُ، والآخَرُ اتُّهِمَ بِالسَّرَقِ ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنِ اسْتِخْراجِ (p-٧٠٩)الصُّواعُ مِن وِعائِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُسْتَرَقُّ إلّا بِما عَلِمْنا مِن شَرِيعَتِكَ وشَرِيعَةِ آبائِكَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ حَتّى يَتَّضِحَ لَنا هَلِ الأمْرُ عَلى ما شاهَدْناهُ أوْ عَلى خِلافِهِ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: ما كُنّا وقْتَ أخْذِنا لَهُ مِنكَ لِيَخْرُجَ مَعَنا إلى مِصْرَ لِلْغَيْبِ حافِظِينَ بِأنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ السَّرَقُ الَّذِي افْتَضَحْنا بِهِ، وقِيلَ: الغَيْبُ هو اللَّيْلُ، ومُرادُهم أنَّهُ سَرَقَ وهم نِيامٌ، وقِيلَ: مُرادُهم أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وهو غائِبٌ عَنْهم.
فَخَفِيَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِ كَبِيرِهِمْ لَهم، أيْ: قُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها، أيْ: مِصْرَ، والمُرادُ أهْلُها: أيِ اسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ، وقِيلَ: هي قَرْيَةٌ مِن قُرى مِصْرَ نَزَلُوا فِيها وامْتارُوا مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: واسْألِ القَرْيَةَ نَفْسَها وإنْ كانَتْ جَمادًا فَإنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ سَيُنْطِقُها فَتُجِيبُكَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ قالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ كَلِّمْ هِنْدًا وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَ هِنْدٍ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ وقُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ العِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها، أيْ: أصْحابَها، وكانُوا قَوْمًا مَعْرُوفِينَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْنا، جاءُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكَّدَةً هَذا التَّأْكِيدَ لِأنَّ ما قَدْ تَقَدَّمَ مِنهم مَعَ أبِيهِمْ يَعْقُوبَ يُوجِبُ كَمالَ الرِّيبَةِ في خَبَرِهِمْ هَذا عِنْدَ السّامِعِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَرَقَ مُكْحُلَةً لِخالَتِهِ، يَعْنِي يُوسُفَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: سَرَقَ في صِباهُ مِيلَيْنِ مِن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سَرَقَ يُوسُفُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ بِذَلِكَ إخْوَتُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ قالَ: أيِسُوا مِنهُ، ورَأوْا شِدَّتَهُ في أمْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ قالَ: وحْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قالَ: شَمْعُونُ الَّذِي تَخَلَّفَ أكْبَرُهم عَقْلًا، وأكْبَرُ مِنهُ في المِيلادِ رُوبِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ هو رُوبِيلُ، وهو الَّذِي كانَ نَهاهم عَنْ قَتْلِهِ وكانَ أكْبَرَ القَوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قالَ: أُقاتِلُ بِسَيْفِي حَتّى أُقْتَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ قالَ: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مِصْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
يوسف 12:82
.
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ﴾ أيْ بِنْيامِينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (p-٧٠٨)يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ السَّرِقَةِ الَّتِي نَسَبُوها إلى يُوسُفَ ما هي ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كانَ لِيُوسُفَ عَمَّةٌ هي أكْبَرُ مِن يَعْقُوبَ، وكانَتْ عِنْدَها مِنطَقَةُ إسْحاقَ لِكَوْنِها أسَنَّ أوْلادِهِ وكانُوا يَتَوارَثُونَها فَيَأْخُذُها الأكْبَرُ سِنًّا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وكانَتْ قَدْ حَضَنَتْ يُوسُفَ وأحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمّا تَرَعْرَعَ قالَ لَها يَعْقُوبُ: سَلِّمِي يُوسُفَ إلَيَّ فَأشْفَقَتْ مِن فِراقِهِ واحْتالَتْ في بَقائِهِ لَدَيْها، فَجَعَلَتِ المِنطَقَةَ تَحْتَ ثِيابِهِ وحَزَّمَتْهُ بِها، ثُمَّ قالَتْ: قَدْ سُرِقَتْ مِنطَقَةُ إسْحاقَ فانْظُرُوا مَن سَرَقَها، فَبَحَثُوا عَنْها فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ فَأخَذَتْهُ عِنْدَها كَما هو شَرْعُ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن آلِ إبْراهِيمَ.
وقَدْ سَبَقَ بَيانُ شَرِيعَتِهِمْ في السَّرِقَةِ: وقِيلَ إنَّ يُوسُفَ أخَذَ صَنَمًا كانَ لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ تَغْيِيرًا لِلْمُنْكَرِ.
وحُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ كانَ صَنَمًا مِن ذَهَبٍ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: اللَّهُ أعْلَمُ، أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا ؟ وحَكى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: كَذَبُوا عَلَيْهِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ.
قُلْتُ: وهَذا أوْلى، فَما هَذِهِ الكَذْبَةُ بِأوَّلِ كَذْباتِهِمْ، وقَدْ قَدَّمْنا ما يَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهم قَدْ كانُوا أنْبِياءَ عِنْدَ صُدُورِ هَذِهِ الأُمُورِ مِنهم.
قَوْلُهُ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: الضَّمِيرُ في " أسَرَّها " يَعُودُ إلى الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ فَأسَرَّ الجُمْلَةَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ وقَدْ رَدَّ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا فَقالَ: إنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإجابَةِ، أيْ: أسَرَّ يُوسُفُ إجابَتَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إلى وقْتٍ آخَرَ، وقِيلَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهم: إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ وهَذا هو الأوْلى، ويَكُونُ مَعْنى ﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ أنَّهُ لَمْ يُبْدِ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم صِحَّتَها أوْ بُطْلانَها، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ مُفَسِّرَةٌ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، ومُسْتَأْنَفَةٌ عَلى القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ يُوسُفُ لَمّا قالَ هَذِهِ المَقالَةَ ؟ أيْ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا، أيْ: مَوْضِعًا ومَنزِلًا مِمَّنْ نَسَبْتُمُوهُ إلى السَّرِقَةِ وهو بَرِيءٌ، فَإنَّكم قَدْ فَعَلْتُمْ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ إلى الجُبِّ والكَذِبِ عَلى أبِيكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفاعِيلِكم.
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الباطِلِ بِنِسْبَةِ السَّرَقِ إلى يُوسُفَ، وأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِذَلِكَ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَسْتَعْطِفُوهُ لِيُطْلِقَ لَهم أخاهم بِنْيامِينَ يَكُونُ مَعَهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلى أبِيهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن أخْذِهِ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَرُدُّوهُ إلَيْهِ.
﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ إنَّ لِبِنْيامِينَ هَذا أبًا مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهي كَوْنُهُ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ فِراقَهُ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ يَبْقى لَدَيْكَ، فَإنَّ لَهُ مَنزِلَةً في قَلْبِ أبِيهِ لَيْسَتْ لِواحِدٍ مِنّا فَلا يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ أحَدِنا كَما يَتَضَرَّرُ بِفِراقِ بِنْيامِينَ، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ إلى النّاسِ كافَّةً.
وإلَيْنا خاصَّةً، فَتَمِّمْ إحْسانَكَ إلَيْنا بِإجابَتِنا إلى هَذا المَطْلَبِ.
فَأجابَ يُوسُفُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ أيْ نَعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والمُسْتَعِيذُ بِاللَّهِ هو المُعْتَصِمُ بِهِ، و﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، والأصْلُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، وهو بِنْيامِينُ لِأنَّهُ الَّذِي وُجِدَ الصُّواعُ في رَحْلِهِ فَقَدْ حَلَّ لَنا اسْتِعْبادُهُ بِفَتْواكُمُ الَّتِي أفْتَيْتُمُونا بِقَوْلِكم: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ .
﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ إنّا إذا أخَذْنا غَيْرَ مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ لَظالِمُونَ في دِينِكم وما تَقْتَضِيهِ فَتْواكم.
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإسْعافِهِمْ مِنهُ إلى مَطْلَبِهِمُ الَّذِي طَلَبُوهُ، والسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيِ انْفَرَدُوا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَناجِينَ فِيما بَيْنَهم، وهو مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] .
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ انْفَرَدُوا ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم مُتَناجِينَ فِيما يَعْمَلُونَ بِهِ في ذَهابِهِمْ إلى أبِيهِمْ مِن غَيْرِ أخِيهِمْ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قِيلَ: هو رُوبِيلُ لِأنَّهُ الأسْنُ، وقِيلَ: يَهُوذا لِأنَّهُ الأوْفَرُ عَقْلًا، وقِيلَ: شَمْعُونُ لِأنَّهُ رَئِيسُهم ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَهْدًا مِنَ اللَّهِ في حِفْظِ ابْنِهِ ورَدِّهِ إلَيْهِ، ومَعْنى كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ بِإذْنِهِ ﴿ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم. . . وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ، ذَكَرَ هَذا النَّحّاسُ وغَيْرُهُ، ﴿ومِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَعْلَمُوا، أيْ: وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ " ما " مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، وقِيلَ: ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ " مِن قَبْلُ " وقِيلَ: إنَّ " ما " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وكِلاهُما في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ، وما ذَكَرْناهُ هو الأوْلى، ومَعْنى ﴿فَرَّطْتُمْ﴾: قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾، يُقالُ بَرِحَ بَراحًا وبُرُوحًا، أيْ: زالَ، فَإذا دَخَلَهُ النَّفْيُ صارَ مُثْبَتًا، أيْ: لَنْ أبْرَحَ مِنَ الأرْضِ، بَلْ ألْزَمُها ولا أزالُ مُقِيمًا فِيها ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في مُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسْتَحِي مِن أبِيهِ أنْ يَأْتِيَ إلَيْهِ بِغَيْرِ ولَدِهِ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ المَوْثِقَ بِإرْجاعِهِ إلَيْهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِهِمْ كَما تَقَدَّمَ ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بِمُفارَقَتِها والخُرُوجِ مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بِالنَّصْرِ عَلى مَن أخَذَ أخِي فَأُحارِبُهُ وآخُذُ أخِي مِنهُ، أوْ أعْجَزُ فَأنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّ أحْكامُهُ لا تَجْرِي إلّا عَلى ما يُوافِقُ الحَقَّ.
ويُطابِقُ الصَّوابَ.
ثُمَّ قالَ كَبِيرُهم مُخاطِبًا لَهُمُ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا ياأبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ سَرَقَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا اسْتِخْراجَ الصُّواعِ مِن وِعائِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو رَزِينٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَوى ذَلِكَ النَّحّاسُ عَنِ الكِسائِيِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ " سَرَقَ " يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما عُلِمَ مِنهُ السَّرَقُ، والآخَرُ اتُّهِمَ بِالسَّرَقِ ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ مِنِ اسْتِخْراجِ (p-٧٠٩)الصُّواعُ مِن وِعائِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: ما شَهِدْنا عِنْدَ يُوسُفَ بِأنَّ السّارِقَ يُسْتَرَقُّ إلّا بِما عَلِمْنا مِن شَرِيعَتِكَ وشَرِيعَةِ آبائِكَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ حَتّى يَتَّضِحَ لَنا هَلِ الأمْرُ عَلى ما شاهَدْناهُ أوْ عَلى خِلافِهِ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: ما كُنّا وقْتَ أخْذِنا لَهُ مِنكَ لِيَخْرُجَ مَعَنا إلى مِصْرَ لِلْغَيْبِ حافِظِينَ بِأنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ السَّرَقُ الَّذِي افْتَضَحْنا بِهِ، وقِيلَ: الغَيْبُ هو اللَّيْلُ، ومُرادُهم أنَّهُ سَرَقَ وهم نِيامٌ، وقِيلَ: مُرادُهم أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وهو غائِبٌ عَنْهم.
فَخَفِيَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِ كَبِيرِهِمْ لَهم، أيْ: قُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها، أيْ: مِصْرَ، والمُرادُ أهْلُها: أيِ اسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ، وقِيلَ: هي قَرْيَةٌ مِن قُرى مِصْرَ نَزَلُوا فِيها وامْتارُوا مِنها، وقِيلَ: المَعْنى: واسْألِ القَرْيَةَ نَفْسَها وإنْ كانَتْ جَمادًا فَإنَّكَ نَبِيُّ اللَّهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ سَيُنْطِقُها فَتُجِيبُكَ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ قالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ كَلِّمْ هِنْدًا وأنْتَ تُرِيدُ غُلامَ هِنْدٍ ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ وقُولُوا لِأبِيكُمُ اسْألِ العِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها، أيْ: أصْحابَها، وكانُوا قَوْمًا مَعْرُوفِينَ مِن جِيرانِ يَعْقُوبَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْنا، جاءُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكَّدَةً هَذا التَّأْكِيدَ لِأنَّ ما قَدْ تَقَدَّمَ مِنهم مَعَ أبِيهِمْ يَعْقُوبَ يُوجِبُ كَمالَ الرِّيبَةِ في خَبَرِهِمْ هَذا عِنْدَ السّامِعِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَرَقَ مُكْحُلَةً لِخالَتِهِ، يَعْنِي يُوسُفَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: سَرَقَ في صِباهُ مِيلَيْنِ مِن ذَهَبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «سَرَقَ يُوسُفُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أبِي أُمِّهِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَكَسَرَهُ وألْقاهُ عَلى الطَّرِيقِ فَعَيَّرَهُ بِذَلِكَ إخْوَتُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ قالَ: أسَرَّ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ قالَ: أيِسُوا مِنهُ، ورَأوْا شِدَّتَهُ في أمْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ قالَ: وحْدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ قالَ: شَمْعُونُ الَّذِي تَخَلَّفَ أكْبَرُهم عَقْلًا، وأكْبَرُ مِنهُ في المِيلادِ رُوبِيلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ هو رُوبِيلُ، وهو الَّذِي كانَ نَهاهم عَنْ قَتْلِهِ وكانَ أكْبَرَ القَوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قالَ: أُقاتِلُ بِسَيْفِي حَتّى أُقْتَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي صالِحٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ قالَ: ما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مِصْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
يوسف 12:83
.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.
وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.
﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ
قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ (p-٧١٠)فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.
ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.
قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.
وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.
وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ مَكْظُومٌ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يَبُثُّهُ، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ وهو إخْفاؤُهُ، فالمَكْظُومُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ طَرِيقُ حُزْنِهِ، مِن كَظَمَ السِّقاءَ: إذا سَدَّهُ عَلى ما فِيهِ، والكَظَمُ بِفَتْحِ الظّاءِ: مَخْرَجُ النَّفَسِ، يُقالُ أخَذَ بِأكْظامِهِ وقِيلَ: الكَظِيمُ بِمَعْنى الكاظِمِ: أيِ المُشْتَمِلِ عَلى حُزْنِهِ المُمْسِكِ لَهُ، ومِنهُ:
؎فَإنْ أكُ كاظِمًا لِمُصابِ ناسٍ ∗∗∗ فَإنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسانِي
ومِنهُ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَظِيمٌ مَحْزُونٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ مَغْمُومٌ مَكْرُوبٌ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الحُزْنُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ: البُكاءُ، وبِفَتْحَتَيْنِ: ضِدُّ الفَرَحِ.
وقالَ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أيْ لا تَفْتَؤُ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ لِعَدَمِ اللَّبْسِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَتَأْتُ وفَتِئْتُ أفْعَلُ كَذا، أيْ: ما زِلْتُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ " لا " مُضْمَرَةٌ، أيْ: لا تَفْتَأُ.
قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي قالَ صَحِيحٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ مِثْلُ قَوْلِ الفَرّاءِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ مُحْتَجًّا عَلى ما قالَهُ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي
ويُقالُ فَتِئَ وفَتَأ لُغَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما فَتِئْتُ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تُرْفَعُ
﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ الحَرَضُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ كَدَنَفٍ ودَنِفٍ، وأصْلُ الحَرَضِ: الفَسادُ في الجِسْمِ أوِ العَقْلِ مِنَ الحُزْنِ أوِ العِشْقِ أوِ الهَرَمِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سَرى هَمِّي فَأمْرَضَنِي ∗∗∗ وقَدْ ما زادَنِي مَرَضا
؎كَذاكَ الحُبُّ قَبْلَ اليَوْ ∗∗∗ مِ مِمّا يُورِثُ الحَرَضا
وقِيلَ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، وقِيلَ: الهَرَمُ، وقِيلَ: الحارِضُ: البالِي الدّائِرُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الحارِضُ: الفاسِدُ الجِسْمِ والعَقْلِ، وكَذا الحَرَضُ.
وقالَ مُؤَرِّجٌ: هو الذّائِبُ مِنَ الهَمِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
ويُقالُ رَجُلٌ مُحْرَضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎طَلَبَتْهُ الخَيْلُ يَوْمًا كامِلًا ∗∗∗ ولَوْ ألْفَتْهُ لَأضْحى مُحْرَضًا
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أحْرَضَهُ الهَمُّ: إذا أسْقَمَهُ، ورَجُلٌ حارِضٌ، أيْ: أحْمَقٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: الحارِضُ الذّاهِبُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الهالِكُ.
والأوْلى تَفْسِيرُ الحَرَضِ هُنا بِغَيْرِ المَوْتِ والهَلاكِ مِن هَذِهِ المَعانِي المَذْكُورَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنى الحَرَضِ، فالتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الهالِكِينَ﴾: مِنَ المَيِّتِينَ، وغَرَضُهم مَنعُ يَعْقُوبَ مِنَ البُكاءِ والحُزْنِ شَفَقَةً عَلَيْهِ وإنْ كانُوا هم سَبَبَ أحْزانِهِ ومَنشَأ هُمُومِهِ وغُمُومِهِ.
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يَعْقُوبُ لَمّا قالُوا لَهُ ما قالُوا ؟ والبَثُّ: ما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَعْظُمُ حُزْنُ صاحِبِها بِها حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إخْفائِها، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن بَثَّثَهُ، أيْ: فَرَّقَهُ، فَسُمِّيَتِ المُصِيبَةُ بَثًّا مَجازًا.
قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ يا فَتى ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ
؎وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الإنْسانَ إذا قَدَرَ عَلى كَتْمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ المَصائِبِ كانَ ذَلِكَ حُزْنًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى كَتْمِهِ كانَ ذَلِكَ بَثًّا، فالبَثُّ عَلى هَذا أعْظَمُ الحُزْنِ وأصْعَبُهُ، وقِيلَ: البَثُّ الهَمُّ، وقِيلَ: هو الحاجَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ عَطْفُ الحُزْنِ عَلى البَثِّ واضِحُ المَعْنى.
وأمّا عَلى تَفْسِيرِ البَثِّ بِالحُزْنِ العَظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أشْكُو حُزْنِي العَظِيمَ وما دُونَهُ مِنَ الحُزْنِ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ.
وقَدْ قُرِئَ " حُزْنِي " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ و" حَزَنِي " بِفَتْحِهِما ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أعْلَمُ مِن لُطْفِهِ وإحْسانِهِ وثَوابِهِ عَلى المُصِيبَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ رُؤْياهُ صادِقَةٌ، وقِيلَ: أعْلَمُ مِن إجابَةِ المُضْطَرِّينَ إلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ التَّحَسُّسُ بِمُهْمَلاتٍ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحَواسِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِسِّ، أوْ مِنَ الإحْساسِ: أيِ اذْهَبُوا فَتَعَرَّفُوا خَبَرَ يُوسُفَ وأخِيهِ وتَطَلَّبُوهُ، وقُرِيءَ بِالجِيمِ، وهو أيْضًا التَّطَلُّبُ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ مِن نَسِيمِ الهَواءِ فَيَسْكُنُ إلَيْهِ، والتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى الحَرَكَةِ والهِزَّةِ فَكُلُّ ما يَهْتَزُّ الإنْسانُ بِوُجُودِهِ ويَلْتَذُّ بِهِ فَهو رَوْحٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ مِن غَمِّ القَلْبِ.
وقالَ أبُو عُمَرَ: الرَّوْحُ الفَرَجُ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَظِيمِ صُنْعِهِ وخَفِيِّ ألْطافِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبُوا كَما أمَرَهم أبُوهم إلى مِصْرَ لِيَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ المَلِكُ المُمْتَنِعُ (p-٧١١)القادِرُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أيِ الجُوعُ والحاجَةُ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ الشَّكْوى عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذا خافَ مِن إصابَتِهِ عَلى نَفْسِهِ كَما يَجُوزُ لِلْعَلِيلِ أنْ يَشْكُوَ إلى الطَّبِيبِ ما يَجِدُهُ مِنَ العِلَّةِ، وهَذِهِ المَرَّةُ الَّتِي دَخَلُوا فِيها مِصْرَ هي المَرَّةُ الثّالِثَةُ كَما يُفِيدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن سِياقِ الكِتابِ العَزِيزِ ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ البِضاعَةُ هي القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ يُقالُ أبْضَعْتُ الشَّيْءَ واسْتَبْضَعْتُهُ: إذا جَعَلْتَهُ بِضاعَةً، وفي المَثَلِ كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْرِ إلى هَجَرَ.
والإزْجاءُ: السَّوْقُ بِدَفْعٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: الإزْجاءُ في اللُّغَةِ السَّوْقُ والدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، والمَعْنى: أنَّها بِضاعَةٌ تُدْفَعُ ولا يَقْبَلُها التُّجّارُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ النّاقِصَةُ غَيْرُ التّامَّةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ مُزْجاةٌ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ البِضاعَةِ ما هي ؟ فَقِيلَ كانَتْ قَدِيدًا وحَيْسًا، وقِيلَ: صُوفٌ وسَمْنٌ، وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ والصَّنَوْبَرُ، وقِيلَ: دَراهِمُ رَدِيئَةٌ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ.
ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرُوهُ بِالبِضاعَةِ الَّتِي مَعَهم أنْ يُوَفِّيَ لَهُمُ الكَيْلَ، أيْ: يَجْعَلَهُ تامًّا لا نَقْصَ فِيهِ، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ إمّا بِزِيادَةٍ يَزِيدُها لَهم عَلى ما يُقابِلُ بِضاعَتَهم.
أوْ بِالإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ الَّتِي جاءُوا بِها، وأنْ يَجْعَلَها كالبِضاعَةِ الجَيِّدَةِ في إيفاءِ الكَيْلِ لَهم بِها، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ قِيلَ كَيْفَ يَطْلُبُونَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ والصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ.
وأُجِيبَ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ بِما يَجْعَلُهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ، أوِ التَّوْسِيعِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ ورُوبِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ وكَبِيرِهِمُ الَّذِي تَخَلَّفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ قالَ: يا حُزْنًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجُوا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يا جَزَعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قالَ: حَزِينٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَظَمَ عَلى الحُزْنِ فَلَمْ يَقُلْ إلّا خَيْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: كَظِيمٌ مَكْرُوبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الكَظِيمُ الكَمِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: دَنِفًا مِنَ المَرَضِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: هَرِمًا ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: أوْ تَمُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: الحَرَضُ البالِي ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: مِنَ المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾»، وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ قالَ: هَمِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ وأنِّي سَأسْجُدُ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ قالَ: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِن فَرَجِ اللَّهِ يُفَرِّجُ عَنْكُمُ الغَمَّ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ قالَ: أيِ الضُّرُّ في المَعِيشَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿بِبِضاعَةٍ﴾ قالَ: دَراهِمُ ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: كاسِدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: ﴿مُزْجاةٍ﴾ رَثَّةُ المَتاعِ خَلِقَةُ الحَبْلِ والغِرارَةِ والشَّيْءِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: الوَرِقُ الزُّيُوفُ الَّتِي لا تُنْفَقُ حَتّى يُوضَعَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في قَوْلِهِ ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ قالَ: ارْدُدْ عَلَيْنا أخانا.
يوسف 12:84
.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.
وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.
﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ
قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ (p-٧١٠)فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.
ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.
قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.
وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.
وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ مَكْظُومٌ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يَبُثُّهُ، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ وهو إخْفاؤُهُ، فالمَكْظُومُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ طَرِيقُ حُزْنِهِ، مِن كَظَمَ السِّقاءَ: إذا سَدَّهُ عَلى ما فِيهِ، والكَظَمُ بِفَتْحِ الظّاءِ: مَخْرَجُ النَّفَسِ، يُقالُ أخَذَ بِأكْظامِهِ وقِيلَ: الكَظِيمُ بِمَعْنى الكاظِمِ: أيِ المُشْتَمِلِ عَلى حُزْنِهِ المُمْسِكِ لَهُ، ومِنهُ:
؎فَإنْ أكُ كاظِمًا لِمُصابِ ناسٍ ∗∗∗ فَإنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسانِي
ومِنهُ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَظِيمٌ مَحْزُونٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ مَغْمُومٌ مَكْرُوبٌ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الحُزْنُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ: البُكاءُ، وبِفَتْحَتَيْنِ: ضِدُّ الفَرَحِ.
وقالَ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أيْ لا تَفْتَؤُ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ لِعَدَمِ اللَّبْسِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَتَأْتُ وفَتِئْتُ أفْعَلُ كَذا، أيْ: ما زِلْتُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ " لا " مُضْمَرَةٌ، أيْ: لا تَفْتَأُ.
قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي قالَ صَحِيحٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ مِثْلُ قَوْلِ الفَرّاءِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ مُحْتَجًّا عَلى ما قالَهُ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي
ويُقالُ فَتِئَ وفَتَأ لُغَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما فَتِئْتُ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تُرْفَعُ
﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ الحَرَضُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ كَدَنَفٍ ودَنِفٍ، وأصْلُ الحَرَضِ: الفَسادُ في الجِسْمِ أوِ العَقْلِ مِنَ الحُزْنِ أوِ العِشْقِ أوِ الهَرَمِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سَرى هَمِّي فَأمْرَضَنِي ∗∗∗ وقَدْ ما زادَنِي مَرَضا
؎كَذاكَ الحُبُّ قَبْلَ اليَوْ ∗∗∗ مِ مِمّا يُورِثُ الحَرَضا
وقِيلَ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، وقِيلَ: الهَرَمُ، وقِيلَ: الحارِضُ: البالِي الدّائِرُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الحارِضُ: الفاسِدُ الجِسْمِ والعَقْلِ، وكَذا الحَرَضُ.
وقالَ مُؤَرِّجٌ: هو الذّائِبُ مِنَ الهَمِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
ويُقالُ رَجُلٌ مُحْرَضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎طَلَبَتْهُ الخَيْلُ يَوْمًا كامِلًا ∗∗∗ ولَوْ ألْفَتْهُ لَأضْحى مُحْرَضًا
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أحْرَضَهُ الهَمُّ: إذا أسْقَمَهُ، ورَجُلٌ حارِضٌ، أيْ: أحْمَقٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: الحارِضُ الذّاهِبُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الهالِكُ.
والأوْلى تَفْسِيرُ الحَرَضِ هُنا بِغَيْرِ المَوْتِ والهَلاكِ مِن هَذِهِ المَعانِي المَذْكُورَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنى الحَرَضِ، فالتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الهالِكِينَ﴾: مِنَ المَيِّتِينَ، وغَرَضُهم مَنعُ يَعْقُوبَ مِنَ البُكاءِ والحُزْنِ شَفَقَةً عَلَيْهِ وإنْ كانُوا هم سَبَبَ أحْزانِهِ ومَنشَأ هُمُومِهِ وغُمُومِهِ.
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يَعْقُوبُ لَمّا قالُوا لَهُ ما قالُوا ؟ والبَثُّ: ما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَعْظُمُ حُزْنُ صاحِبِها بِها حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إخْفائِها، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن بَثَّثَهُ، أيْ: فَرَّقَهُ، فَسُمِّيَتِ المُصِيبَةُ بَثًّا مَجازًا.
قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ يا فَتى ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ
؎وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الإنْسانَ إذا قَدَرَ عَلى كَتْمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ المَصائِبِ كانَ ذَلِكَ حُزْنًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى كَتْمِهِ كانَ ذَلِكَ بَثًّا، فالبَثُّ عَلى هَذا أعْظَمُ الحُزْنِ وأصْعَبُهُ، وقِيلَ: البَثُّ الهَمُّ، وقِيلَ: هو الحاجَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ عَطْفُ الحُزْنِ عَلى البَثِّ واضِحُ المَعْنى.
وأمّا عَلى تَفْسِيرِ البَثِّ بِالحُزْنِ العَظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أشْكُو حُزْنِي العَظِيمَ وما دُونَهُ مِنَ الحُزْنِ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ.
وقَدْ قُرِئَ " حُزْنِي " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ و" حَزَنِي " بِفَتْحِهِما ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أعْلَمُ مِن لُطْفِهِ وإحْسانِهِ وثَوابِهِ عَلى المُصِيبَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ رُؤْياهُ صادِقَةٌ، وقِيلَ: أعْلَمُ مِن إجابَةِ المُضْطَرِّينَ إلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ التَّحَسُّسُ بِمُهْمَلاتٍ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحَواسِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِسِّ، أوْ مِنَ الإحْساسِ: أيِ اذْهَبُوا فَتَعَرَّفُوا خَبَرَ يُوسُفَ وأخِيهِ وتَطَلَّبُوهُ، وقُرِيءَ بِالجِيمِ، وهو أيْضًا التَّطَلُّبُ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ مِن نَسِيمِ الهَواءِ فَيَسْكُنُ إلَيْهِ، والتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى الحَرَكَةِ والهِزَّةِ فَكُلُّ ما يَهْتَزُّ الإنْسانُ بِوُجُودِهِ ويَلْتَذُّ بِهِ فَهو رَوْحٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ مِن غَمِّ القَلْبِ.
وقالَ أبُو عُمَرَ: الرَّوْحُ الفَرَجُ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَظِيمِ صُنْعِهِ وخَفِيِّ ألْطافِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبُوا كَما أمَرَهم أبُوهم إلى مِصْرَ لِيَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ المَلِكُ المُمْتَنِعُ (p-٧١١)القادِرُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أيِ الجُوعُ والحاجَةُ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ الشَّكْوى عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذا خافَ مِن إصابَتِهِ عَلى نَفْسِهِ كَما يَجُوزُ لِلْعَلِيلِ أنْ يَشْكُوَ إلى الطَّبِيبِ ما يَجِدُهُ مِنَ العِلَّةِ، وهَذِهِ المَرَّةُ الَّتِي دَخَلُوا فِيها مِصْرَ هي المَرَّةُ الثّالِثَةُ كَما يُفِيدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن سِياقِ الكِتابِ العَزِيزِ ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ البِضاعَةُ هي القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ يُقالُ أبْضَعْتُ الشَّيْءَ واسْتَبْضَعْتُهُ: إذا جَعَلْتَهُ بِضاعَةً، وفي المَثَلِ كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْرِ إلى هَجَرَ.
والإزْجاءُ: السَّوْقُ بِدَفْعٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: الإزْجاءُ في اللُّغَةِ السَّوْقُ والدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، والمَعْنى: أنَّها بِضاعَةٌ تُدْفَعُ ولا يَقْبَلُها التُّجّارُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ النّاقِصَةُ غَيْرُ التّامَّةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ مُزْجاةٌ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ البِضاعَةِ ما هي ؟ فَقِيلَ كانَتْ قَدِيدًا وحَيْسًا، وقِيلَ: صُوفٌ وسَمْنٌ، وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ والصَّنَوْبَرُ، وقِيلَ: دَراهِمُ رَدِيئَةٌ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ.
ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرُوهُ بِالبِضاعَةِ الَّتِي مَعَهم أنْ يُوَفِّيَ لَهُمُ الكَيْلَ، أيْ: يَجْعَلَهُ تامًّا لا نَقْصَ فِيهِ، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ إمّا بِزِيادَةٍ يَزِيدُها لَهم عَلى ما يُقابِلُ بِضاعَتَهم.
أوْ بِالإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ الَّتِي جاءُوا بِها، وأنْ يَجْعَلَها كالبِضاعَةِ الجَيِّدَةِ في إيفاءِ الكَيْلِ لَهم بِها، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ قِيلَ كَيْفَ يَطْلُبُونَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ والصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ.
وأُجِيبَ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ بِما يَجْعَلُهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ، أوِ التَّوْسِيعِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ ورُوبِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ وكَبِيرِهِمُ الَّذِي تَخَلَّفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ قالَ: يا حُزْنًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجُوا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يا جَزَعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قالَ: حَزِينٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَظَمَ عَلى الحُزْنِ فَلَمْ يَقُلْ إلّا خَيْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: كَظِيمٌ مَكْرُوبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الكَظِيمُ الكَمِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: دَنِفًا مِنَ المَرَضِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: هَرِمًا ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: أوْ تَمُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: الحَرَضُ البالِي ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: مِنَ المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾»، وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ قالَ: هَمِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ وأنِّي سَأسْجُدُ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ قالَ: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِن فَرَجِ اللَّهِ يُفَرِّجُ عَنْكُمُ الغَمَّ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ قالَ: أيِ الضُّرُّ في المَعِيشَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿بِبِضاعَةٍ﴾ قالَ: دَراهِمُ ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: كاسِدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: ﴿مُزْجاةٍ﴾ رَثَّةُ المَتاعِ خَلِقَةُ الحَبْلِ والغِرارَةِ والشَّيْءِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: الوَرِقُ الزُّيُوفُ الَّتِي لا تُنْفَقُ حَتّى يُوضَعَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في قَوْلِهِ ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ قالَ: ارْدُدْ عَلَيْنا أخانا.
يوسف 12:85
.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.
وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.
﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ
قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ (p-٧١٠)فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.
ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.
قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.
وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.
وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ مَكْظُومٌ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يَبُثُّهُ، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ وهو إخْفاؤُهُ، فالمَكْظُومُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ طَرِيقُ حُزْنِهِ، مِن كَظَمَ السِّقاءَ: إذا سَدَّهُ عَلى ما فِيهِ، والكَظَمُ بِفَتْحِ الظّاءِ: مَخْرَجُ النَّفَسِ، يُقالُ أخَذَ بِأكْظامِهِ وقِيلَ: الكَظِيمُ بِمَعْنى الكاظِمِ: أيِ المُشْتَمِلِ عَلى حُزْنِهِ المُمْسِكِ لَهُ، ومِنهُ:
؎فَإنْ أكُ كاظِمًا لِمُصابِ ناسٍ ∗∗∗ فَإنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسانِي
ومِنهُ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَظِيمٌ مَحْزُونٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ مَغْمُومٌ مَكْرُوبٌ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الحُزْنُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ: البُكاءُ، وبِفَتْحَتَيْنِ: ضِدُّ الفَرَحِ.
وقالَ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أيْ لا تَفْتَؤُ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ لِعَدَمِ اللَّبْسِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَتَأْتُ وفَتِئْتُ أفْعَلُ كَذا، أيْ: ما زِلْتُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ " لا " مُضْمَرَةٌ، أيْ: لا تَفْتَأُ.
قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي قالَ صَحِيحٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ مِثْلُ قَوْلِ الفَرّاءِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ مُحْتَجًّا عَلى ما قالَهُ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي
ويُقالُ فَتِئَ وفَتَأ لُغَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما فَتِئْتُ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تُرْفَعُ
﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ الحَرَضُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ كَدَنَفٍ ودَنِفٍ، وأصْلُ الحَرَضِ: الفَسادُ في الجِسْمِ أوِ العَقْلِ مِنَ الحُزْنِ أوِ العِشْقِ أوِ الهَرَمِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سَرى هَمِّي فَأمْرَضَنِي ∗∗∗ وقَدْ ما زادَنِي مَرَضا
؎كَذاكَ الحُبُّ قَبْلَ اليَوْ ∗∗∗ مِ مِمّا يُورِثُ الحَرَضا
وقِيلَ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، وقِيلَ: الهَرَمُ، وقِيلَ: الحارِضُ: البالِي الدّائِرُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الحارِضُ: الفاسِدُ الجِسْمِ والعَقْلِ، وكَذا الحَرَضُ.
وقالَ مُؤَرِّجٌ: هو الذّائِبُ مِنَ الهَمِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
ويُقالُ رَجُلٌ مُحْرَضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎طَلَبَتْهُ الخَيْلُ يَوْمًا كامِلًا ∗∗∗ ولَوْ ألْفَتْهُ لَأضْحى مُحْرَضًا
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أحْرَضَهُ الهَمُّ: إذا أسْقَمَهُ، ورَجُلٌ حارِضٌ، أيْ: أحْمَقٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: الحارِضُ الذّاهِبُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الهالِكُ.
والأوْلى تَفْسِيرُ الحَرَضِ هُنا بِغَيْرِ المَوْتِ والهَلاكِ مِن هَذِهِ المَعانِي المَذْكُورَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنى الحَرَضِ، فالتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الهالِكِينَ﴾: مِنَ المَيِّتِينَ، وغَرَضُهم مَنعُ يَعْقُوبَ مِنَ البُكاءِ والحُزْنِ شَفَقَةً عَلَيْهِ وإنْ كانُوا هم سَبَبَ أحْزانِهِ ومَنشَأ هُمُومِهِ وغُمُومِهِ.
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يَعْقُوبُ لَمّا قالُوا لَهُ ما قالُوا ؟ والبَثُّ: ما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَعْظُمُ حُزْنُ صاحِبِها بِها حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إخْفائِها، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن بَثَّثَهُ، أيْ: فَرَّقَهُ، فَسُمِّيَتِ المُصِيبَةُ بَثًّا مَجازًا.
قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ يا فَتى ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ
؎وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الإنْسانَ إذا قَدَرَ عَلى كَتْمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ المَصائِبِ كانَ ذَلِكَ حُزْنًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى كَتْمِهِ كانَ ذَلِكَ بَثًّا، فالبَثُّ عَلى هَذا أعْظَمُ الحُزْنِ وأصْعَبُهُ، وقِيلَ: البَثُّ الهَمُّ، وقِيلَ: هو الحاجَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ عَطْفُ الحُزْنِ عَلى البَثِّ واضِحُ المَعْنى.
وأمّا عَلى تَفْسِيرِ البَثِّ بِالحُزْنِ العَظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أشْكُو حُزْنِي العَظِيمَ وما دُونَهُ مِنَ الحُزْنِ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ.
وقَدْ قُرِئَ " حُزْنِي " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ و" حَزَنِي " بِفَتْحِهِما ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أعْلَمُ مِن لُطْفِهِ وإحْسانِهِ وثَوابِهِ عَلى المُصِيبَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ رُؤْياهُ صادِقَةٌ، وقِيلَ: أعْلَمُ مِن إجابَةِ المُضْطَرِّينَ إلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ التَّحَسُّسُ بِمُهْمَلاتٍ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحَواسِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِسِّ، أوْ مِنَ الإحْساسِ: أيِ اذْهَبُوا فَتَعَرَّفُوا خَبَرَ يُوسُفَ وأخِيهِ وتَطَلَّبُوهُ، وقُرِيءَ بِالجِيمِ، وهو أيْضًا التَّطَلُّبُ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ مِن نَسِيمِ الهَواءِ فَيَسْكُنُ إلَيْهِ، والتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى الحَرَكَةِ والهِزَّةِ فَكُلُّ ما يَهْتَزُّ الإنْسانُ بِوُجُودِهِ ويَلْتَذُّ بِهِ فَهو رَوْحٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ مِن غَمِّ القَلْبِ.
وقالَ أبُو عُمَرَ: الرَّوْحُ الفَرَجُ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَظِيمِ صُنْعِهِ وخَفِيِّ ألْطافِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبُوا كَما أمَرَهم أبُوهم إلى مِصْرَ لِيَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ المَلِكُ المُمْتَنِعُ (p-٧١١)القادِرُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أيِ الجُوعُ والحاجَةُ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ الشَّكْوى عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذا خافَ مِن إصابَتِهِ عَلى نَفْسِهِ كَما يَجُوزُ لِلْعَلِيلِ أنْ يَشْكُوَ إلى الطَّبِيبِ ما يَجِدُهُ مِنَ العِلَّةِ، وهَذِهِ المَرَّةُ الَّتِي دَخَلُوا فِيها مِصْرَ هي المَرَّةُ الثّالِثَةُ كَما يُفِيدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن سِياقِ الكِتابِ العَزِيزِ ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ البِضاعَةُ هي القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ يُقالُ أبْضَعْتُ الشَّيْءَ واسْتَبْضَعْتُهُ: إذا جَعَلْتَهُ بِضاعَةً، وفي المَثَلِ كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْرِ إلى هَجَرَ.
والإزْجاءُ: السَّوْقُ بِدَفْعٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: الإزْجاءُ في اللُّغَةِ السَّوْقُ والدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، والمَعْنى: أنَّها بِضاعَةٌ تُدْفَعُ ولا يَقْبَلُها التُّجّارُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ النّاقِصَةُ غَيْرُ التّامَّةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ مُزْجاةٌ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ البِضاعَةِ ما هي ؟ فَقِيلَ كانَتْ قَدِيدًا وحَيْسًا، وقِيلَ: صُوفٌ وسَمْنٌ، وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ والصَّنَوْبَرُ، وقِيلَ: دَراهِمُ رَدِيئَةٌ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ.
ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرُوهُ بِالبِضاعَةِ الَّتِي مَعَهم أنْ يُوَفِّيَ لَهُمُ الكَيْلَ، أيْ: يَجْعَلَهُ تامًّا لا نَقْصَ فِيهِ، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ إمّا بِزِيادَةٍ يَزِيدُها لَهم عَلى ما يُقابِلُ بِضاعَتَهم.
أوْ بِالإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ الَّتِي جاءُوا بِها، وأنْ يَجْعَلَها كالبِضاعَةِ الجَيِّدَةِ في إيفاءِ الكَيْلِ لَهم بِها، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ قِيلَ كَيْفَ يَطْلُبُونَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ والصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ.
وأُجِيبَ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ بِما يَجْعَلُهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ، أوِ التَّوْسِيعِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ ورُوبِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ وكَبِيرِهِمُ الَّذِي تَخَلَّفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ قالَ: يا حُزْنًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجُوا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يا جَزَعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قالَ: حَزِينٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَظَمَ عَلى الحُزْنِ فَلَمْ يَقُلْ إلّا خَيْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: كَظِيمٌ مَكْرُوبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الكَظِيمُ الكَمِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: دَنِفًا مِنَ المَرَضِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: هَرِمًا ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: أوْ تَمُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: الحَرَضُ البالِي ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: مِنَ المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾»، وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ قالَ: هَمِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ وأنِّي سَأسْجُدُ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ قالَ: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِن فَرَجِ اللَّهِ يُفَرِّجُ عَنْكُمُ الغَمَّ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ قالَ: أيِ الضُّرُّ في المَعِيشَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿بِبِضاعَةٍ﴾ قالَ: دَراهِمُ ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: كاسِدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: ﴿مُزْجاةٍ﴾ رَثَّةُ المَتاعِ خَلِقَةُ الحَبْلِ والغِرارَةِ والشَّيْءِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: الوَرِقُ الزُّيُوفُ الَّتِي لا تُنْفَقُ حَتّى يُوضَعَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في قَوْلِهِ ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ قالَ: ارْدُدْ عَلَيْنا أخانا.
يوسف 12:86
.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.
وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.
﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ
قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ (p-٧١٠)فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.
ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.
قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.
وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.
وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ مَكْظُومٌ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يَبُثُّهُ، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ وهو إخْفاؤُهُ، فالمَكْظُومُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ طَرِيقُ حُزْنِهِ، مِن كَظَمَ السِّقاءَ: إذا سَدَّهُ عَلى ما فِيهِ، والكَظَمُ بِفَتْحِ الظّاءِ: مَخْرَجُ النَّفَسِ، يُقالُ أخَذَ بِأكْظامِهِ وقِيلَ: الكَظِيمُ بِمَعْنى الكاظِمِ: أيِ المُشْتَمِلِ عَلى حُزْنِهِ المُمْسِكِ لَهُ، ومِنهُ:
؎فَإنْ أكُ كاظِمًا لِمُصابِ ناسٍ ∗∗∗ فَإنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسانِي
ومِنهُ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَظِيمٌ مَحْزُونٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ مَغْمُومٌ مَكْرُوبٌ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الحُزْنُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ: البُكاءُ، وبِفَتْحَتَيْنِ: ضِدُّ الفَرَحِ.
وقالَ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أيْ لا تَفْتَؤُ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ لِعَدَمِ اللَّبْسِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَتَأْتُ وفَتِئْتُ أفْعَلُ كَذا، أيْ: ما زِلْتُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ " لا " مُضْمَرَةٌ، أيْ: لا تَفْتَأُ.
قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي قالَ صَحِيحٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ مِثْلُ قَوْلِ الفَرّاءِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ مُحْتَجًّا عَلى ما قالَهُ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي
ويُقالُ فَتِئَ وفَتَأ لُغَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما فَتِئْتُ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تُرْفَعُ
﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ الحَرَضُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ كَدَنَفٍ ودَنِفٍ، وأصْلُ الحَرَضِ: الفَسادُ في الجِسْمِ أوِ العَقْلِ مِنَ الحُزْنِ أوِ العِشْقِ أوِ الهَرَمِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سَرى هَمِّي فَأمْرَضَنِي ∗∗∗ وقَدْ ما زادَنِي مَرَضا
؎كَذاكَ الحُبُّ قَبْلَ اليَوْ ∗∗∗ مِ مِمّا يُورِثُ الحَرَضا
وقِيلَ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، وقِيلَ: الهَرَمُ، وقِيلَ: الحارِضُ: البالِي الدّائِرُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الحارِضُ: الفاسِدُ الجِسْمِ والعَقْلِ، وكَذا الحَرَضُ.
وقالَ مُؤَرِّجٌ: هو الذّائِبُ مِنَ الهَمِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
ويُقالُ رَجُلٌ مُحْرَضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎طَلَبَتْهُ الخَيْلُ يَوْمًا كامِلًا ∗∗∗ ولَوْ ألْفَتْهُ لَأضْحى مُحْرَضًا
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أحْرَضَهُ الهَمُّ: إذا أسْقَمَهُ، ورَجُلٌ حارِضٌ، أيْ: أحْمَقٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: الحارِضُ الذّاهِبُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الهالِكُ.
والأوْلى تَفْسِيرُ الحَرَضِ هُنا بِغَيْرِ المَوْتِ والهَلاكِ مِن هَذِهِ المَعانِي المَذْكُورَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنى الحَرَضِ، فالتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الهالِكِينَ﴾: مِنَ المَيِّتِينَ، وغَرَضُهم مَنعُ يَعْقُوبَ مِنَ البُكاءِ والحُزْنِ شَفَقَةً عَلَيْهِ وإنْ كانُوا هم سَبَبَ أحْزانِهِ ومَنشَأ هُمُومِهِ وغُمُومِهِ.
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يَعْقُوبُ لَمّا قالُوا لَهُ ما قالُوا ؟ والبَثُّ: ما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَعْظُمُ حُزْنُ صاحِبِها بِها حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إخْفائِها، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن بَثَّثَهُ، أيْ: فَرَّقَهُ، فَسُمِّيَتِ المُصِيبَةُ بَثًّا مَجازًا.
قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ يا فَتى ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ
؎وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الإنْسانَ إذا قَدَرَ عَلى كَتْمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ المَصائِبِ كانَ ذَلِكَ حُزْنًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى كَتْمِهِ كانَ ذَلِكَ بَثًّا، فالبَثُّ عَلى هَذا أعْظَمُ الحُزْنِ وأصْعَبُهُ، وقِيلَ: البَثُّ الهَمُّ، وقِيلَ: هو الحاجَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ عَطْفُ الحُزْنِ عَلى البَثِّ واضِحُ المَعْنى.
وأمّا عَلى تَفْسِيرِ البَثِّ بِالحُزْنِ العَظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أشْكُو حُزْنِي العَظِيمَ وما دُونَهُ مِنَ الحُزْنِ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ.
وقَدْ قُرِئَ " حُزْنِي " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ و" حَزَنِي " بِفَتْحِهِما ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أعْلَمُ مِن لُطْفِهِ وإحْسانِهِ وثَوابِهِ عَلى المُصِيبَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ رُؤْياهُ صادِقَةٌ، وقِيلَ: أعْلَمُ مِن إجابَةِ المُضْطَرِّينَ إلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ التَّحَسُّسُ بِمُهْمَلاتٍ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحَواسِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِسِّ، أوْ مِنَ الإحْساسِ: أيِ اذْهَبُوا فَتَعَرَّفُوا خَبَرَ يُوسُفَ وأخِيهِ وتَطَلَّبُوهُ، وقُرِيءَ بِالجِيمِ، وهو أيْضًا التَّطَلُّبُ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ مِن نَسِيمِ الهَواءِ فَيَسْكُنُ إلَيْهِ، والتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى الحَرَكَةِ والهِزَّةِ فَكُلُّ ما يَهْتَزُّ الإنْسانُ بِوُجُودِهِ ويَلْتَذُّ بِهِ فَهو رَوْحٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ مِن غَمِّ القَلْبِ.
وقالَ أبُو عُمَرَ: الرَّوْحُ الفَرَجُ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَظِيمِ صُنْعِهِ وخَفِيِّ ألْطافِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبُوا كَما أمَرَهم أبُوهم إلى مِصْرَ لِيَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ المَلِكُ المُمْتَنِعُ (p-٧١١)القادِرُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أيِ الجُوعُ والحاجَةُ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ الشَّكْوى عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذا خافَ مِن إصابَتِهِ عَلى نَفْسِهِ كَما يَجُوزُ لِلْعَلِيلِ أنْ يَشْكُوَ إلى الطَّبِيبِ ما يَجِدُهُ مِنَ العِلَّةِ، وهَذِهِ المَرَّةُ الَّتِي دَخَلُوا فِيها مِصْرَ هي المَرَّةُ الثّالِثَةُ كَما يُفِيدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن سِياقِ الكِتابِ العَزِيزِ ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ البِضاعَةُ هي القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ يُقالُ أبْضَعْتُ الشَّيْءَ واسْتَبْضَعْتُهُ: إذا جَعَلْتَهُ بِضاعَةً، وفي المَثَلِ كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْرِ إلى هَجَرَ.
والإزْجاءُ: السَّوْقُ بِدَفْعٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: الإزْجاءُ في اللُّغَةِ السَّوْقُ والدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، والمَعْنى: أنَّها بِضاعَةٌ تُدْفَعُ ولا يَقْبَلُها التُّجّارُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ النّاقِصَةُ غَيْرُ التّامَّةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ مُزْجاةٌ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ البِضاعَةِ ما هي ؟ فَقِيلَ كانَتْ قَدِيدًا وحَيْسًا، وقِيلَ: صُوفٌ وسَمْنٌ، وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ والصَّنَوْبَرُ، وقِيلَ: دَراهِمُ رَدِيئَةٌ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ.
ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرُوهُ بِالبِضاعَةِ الَّتِي مَعَهم أنْ يُوَفِّيَ لَهُمُ الكَيْلَ، أيْ: يَجْعَلَهُ تامًّا لا نَقْصَ فِيهِ، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ إمّا بِزِيادَةٍ يَزِيدُها لَهم عَلى ما يُقابِلُ بِضاعَتَهم.
أوْ بِالإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ الَّتِي جاءُوا بِها، وأنْ يَجْعَلَها كالبِضاعَةِ الجَيِّدَةِ في إيفاءِ الكَيْلِ لَهم بِها، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ قِيلَ كَيْفَ يَطْلُبُونَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ والصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ.
وأُجِيبَ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ بِما يَجْعَلُهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ، أوِ التَّوْسِيعِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ ورُوبِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ وكَبِيرِهِمُ الَّذِي تَخَلَّفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ قالَ: يا حُزْنًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجُوا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يا جَزَعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قالَ: حَزِينٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَظَمَ عَلى الحُزْنِ فَلَمْ يَقُلْ إلّا خَيْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: كَظِيمٌ مَكْرُوبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الكَظِيمُ الكَمِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: دَنِفًا مِنَ المَرَضِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: هَرِمًا ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: أوْ تَمُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: الحَرَضُ البالِي ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: مِنَ المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾»، وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ قالَ: هَمِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ وأنِّي سَأسْجُدُ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ قالَ: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِن فَرَجِ اللَّهِ يُفَرِّجُ عَنْكُمُ الغَمَّ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ قالَ: أيِ الضُّرُّ في المَعِيشَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿بِبِضاعَةٍ﴾ قالَ: دَراهِمُ ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: كاسِدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: ﴿مُزْجاةٍ﴾ رَثَّةُ المَتاعِ خَلِقَةُ الحَبْلِ والغِرارَةِ والشَّيْءِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: الوَرِقُ الزُّيُوفُ الَّتِي لا تُنْفَقُ حَتّى يُوضَعَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في قَوْلِهِ ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ قالَ: ارْدُدْ عَلَيْنا أخانا.
يوسف 12:87
.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.
وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.
﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ
قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ (p-٧١٠)فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.
ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.
قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.
وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.
وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ مَكْظُومٌ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يَبُثُّهُ، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ وهو إخْفاؤُهُ، فالمَكْظُومُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ طَرِيقُ حُزْنِهِ، مِن كَظَمَ السِّقاءَ: إذا سَدَّهُ عَلى ما فِيهِ، والكَظَمُ بِفَتْحِ الظّاءِ: مَخْرَجُ النَّفَسِ، يُقالُ أخَذَ بِأكْظامِهِ وقِيلَ: الكَظِيمُ بِمَعْنى الكاظِمِ: أيِ المُشْتَمِلِ عَلى حُزْنِهِ المُمْسِكِ لَهُ، ومِنهُ:
؎فَإنْ أكُ كاظِمًا لِمُصابِ ناسٍ ∗∗∗ فَإنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسانِي
ومِنهُ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَظِيمٌ مَحْزُونٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ مَغْمُومٌ مَكْرُوبٌ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الحُزْنُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ: البُكاءُ، وبِفَتْحَتَيْنِ: ضِدُّ الفَرَحِ.
وقالَ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أيْ لا تَفْتَؤُ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ لِعَدَمِ اللَّبْسِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَتَأْتُ وفَتِئْتُ أفْعَلُ كَذا، أيْ: ما زِلْتُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ " لا " مُضْمَرَةٌ، أيْ: لا تَفْتَأُ.
قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي قالَ صَحِيحٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ مِثْلُ قَوْلِ الفَرّاءِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ مُحْتَجًّا عَلى ما قالَهُ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي
ويُقالُ فَتِئَ وفَتَأ لُغَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما فَتِئْتُ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تُرْفَعُ
﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ الحَرَضُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ كَدَنَفٍ ودَنِفٍ، وأصْلُ الحَرَضِ: الفَسادُ في الجِسْمِ أوِ العَقْلِ مِنَ الحُزْنِ أوِ العِشْقِ أوِ الهَرَمِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سَرى هَمِّي فَأمْرَضَنِي ∗∗∗ وقَدْ ما زادَنِي مَرَضا
؎كَذاكَ الحُبُّ قَبْلَ اليَوْ ∗∗∗ مِ مِمّا يُورِثُ الحَرَضا
وقِيلَ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، وقِيلَ: الهَرَمُ، وقِيلَ: الحارِضُ: البالِي الدّائِرُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الحارِضُ: الفاسِدُ الجِسْمِ والعَقْلِ، وكَذا الحَرَضُ.
وقالَ مُؤَرِّجٌ: هو الذّائِبُ مِنَ الهَمِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
ويُقالُ رَجُلٌ مُحْرَضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎طَلَبَتْهُ الخَيْلُ يَوْمًا كامِلًا ∗∗∗ ولَوْ ألْفَتْهُ لَأضْحى مُحْرَضًا
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أحْرَضَهُ الهَمُّ: إذا أسْقَمَهُ، ورَجُلٌ حارِضٌ، أيْ: أحْمَقٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: الحارِضُ الذّاهِبُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الهالِكُ.
والأوْلى تَفْسِيرُ الحَرَضِ هُنا بِغَيْرِ المَوْتِ والهَلاكِ مِن هَذِهِ المَعانِي المَذْكُورَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنى الحَرَضِ، فالتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الهالِكِينَ﴾: مِنَ المَيِّتِينَ، وغَرَضُهم مَنعُ يَعْقُوبَ مِنَ البُكاءِ والحُزْنِ شَفَقَةً عَلَيْهِ وإنْ كانُوا هم سَبَبَ أحْزانِهِ ومَنشَأ هُمُومِهِ وغُمُومِهِ.
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يَعْقُوبُ لَمّا قالُوا لَهُ ما قالُوا ؟ والبَثُّ: ما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَعْظُمُ حُزْنُ صاحِبِها بِها حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إخْفائِها، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن بَثَّثَهُ، أيْ: فَرَّقَهُ، فَسُمِّيَتِ المُصِيبَةُ بَثًّا مَجازًا.
قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ يا فَتى ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ
؎وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الإنْسانَ إذا قَدَرَ عَلى كَتْمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ المَصائِبِ كانَ ذَلِكَ حُزْنًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى كَتْمِهِ كانَ ذَلِكَ بَثًّا، فالبَثُّ عَلى هَذا أعْظَمُ الحُزْنِ وأصْعَبُهُ، وقِيلَ: البَثُّ الهَمُّ، وقِيلَ: هو الحاجَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ عَطْفُ الحُزْنِ عَلى البَثِّ واضِحُ المَعْنى.
وأمّا عَلى تَفْسِيرِ البَثِّ بِالحُزْنِ العَظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أشْكُو حُزْنِي العَظِيمَ وما دُونَهُ مِنَ الحُزْنِ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ.
وقَدْ قُرِئَ " حُزْنِي " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ و" حَزَنِي " بِفَتْحِهِما ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أعْلَمُ مِن لُطْفِهِ وإحْسانِهِ وثَوابِهِ عَلى المُصِيبَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ رُؤْياهُ صادِقَةٌ، وقِيلَ: أعْلَمُ مِن إجابَةِ المُضْطَرِّينَ إلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ التَّحَسُّسُ بِمُهْمَلاتٍ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحَواسِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِسِّ، أوْ مِنَ الإحْساسِ: أيِ اذْهَبُوا فَتَعَرَّفُوا خَبَرَ يُوسُفَ وأخِيهِ وتَطَلَّبُوهُ، وقُرِيءَ بِالجِيمِ، وهو أيْضًا التَّطَلُّبُ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ مِن نَسِيمِ الهَواءِ فَيَسْكُنُ إلَيْهِ، والتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى الحَرَكَةِ والهِزَّةِ فَكُلُّ ما يَهْتَزُّ الإنْسانُ بِوُجُودِهِ ويَلْتَذُّ بِهِ فَهو رَوْحٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ مِن غَمِّ القَلْبِ.
وقالَ أبُو عُمَرَ: الرَّوْحُ الفَرَجُ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَظِيمِ صُنْعِهِ وخَفِيِّ ألْطافِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبُوا كَما أمَرَهم أبُوهم إلى مِصْرَ لِيَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ المَلِكُ المُمْتَنِعُ (p-٧١١)القادِرُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أيِ الجُوعُ والحاجَةُ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ الشَّكْوى عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذا خافَ مِن إصابَتِهِ عَلى نَفْسِهِ كَما يَجُوزُ لِلْعَلِيلِ أنْ يَشْكُوَ إلى الطَّبِيبِ ما يَجِدُهُ مِنَ العِلَّةِ، وهَذِهِ المَرَّةُ الَّتِي دَخَلُوا فِيها مِصْرَ هي المَرَّةُ الثّالِثَةُ كَما يُفِيدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن سِياقِ الكِتابِ العَزِيزِ ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ البِضاعَةُ هي القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ يُقالُ أبْضَعْتُ الشَّيْءَ واسْتَبْضَعْتُهُ: إذا جَعَلْتَهُ بِضاعَةً، وفي المَثَلِ كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْرِ إلى هَجَرَ.
والإزْجاءُ: السَّوْقُ بِدَفْعٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: الإزْجاءُ في اللُّغَةِ السَّوْقُ والدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، والمَعْنى: أنَّها بِضاعَةٌ تُدْفَعُ ولا يَقْبَلُها التُّجّارُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ النّاقِصَةُ غَيْرُ التّامَّةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ مُزْجاةٌ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ البِضاعَةِ ما هي ؟ فَقِيلَ كانَتْ قَدِيدًا وحَيْسًا، وقِيلَ: صُوفٌ وسَمْنٌ، وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ والصَّنَوْبَرُ، وقِيلَ: دَراهِمُ رَدِيئَةٌ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ.
ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرُوهُ بِالبِضاعَةِ الَّتِي مَعَهم أنْ يُوَفِّيَ لَهُمُ الكَيْلَ، أيْ: يَجْعَلَهُ تامًّا لا نَقْصَ فِيهِ، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ إمّا بِزِيادَةٍ يَزِيدُها لَهم عَلى ما يُقابِلُ بِضاعَتَهم.
أوْ بِالإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ الَّتِي جاءُوا بِها، وأنْ يَجْعَلَها كالبِضاعَةِ الجَيِّدَةِ في إيفاءِ الكَيْلِ لَهم بِها، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ قِيلَ كَيْفَ يَطْلُبُونَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ والصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ.
وأُجِيبَ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ بِما يَجْعَلُهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ، أوِ التَّوْسِيعِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ ورُوبِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ وكَبِيرِهِمُ الَّذِي تَخَلَّفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ قالَ: يا حُزْنًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجُوا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يا جَزَعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قالَ: حَزِينٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَظَمَ عَلى الحُزْنِ فَلَمْ يَقُلْ إلّا خَيْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: كَظِيمٌ مَكْرُوبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الكَظِيمُ الكَمِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: دَنِفًا مِنَ المَرَضِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: هَرِمًا ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: أوْ تَمُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: الحَرَضُ البالِي ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: مِنَ المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾»، وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ قالَ: هَمِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ وأنِّي سَأسْجُدُ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ قالَ: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِن فَرَجِ اللَّهِ يُفَرِّجُ عَنْكُمُ الغَمَّ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ قالَ: أيِ الضُّرُّ في المَعِيشَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿بِبِضاعَةٍ﴾ قالَ: دَراهِمُ ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: كاسِدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: ﴿مُزْجاةٍ﴾ رَثَّةُ المَتاعِ خَلِقَةُ الحَبْلِ والغِرارَةِ والشَّيْءِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: الوَرِقُ الزُّيُوفُ الَّتِي لا تُنْفَقُ حَتّى يُوضَعَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في قَوْلِهِ ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ قالَ: ارْدُدْ عَلَيْنا أخانا.
يوسف 12:88
.
قَوْلُهُ: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ زَيَّنَتْ، والأمْرُ هُنا قَوْلُهم ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ يُوسُفَ ٨١، وما سَرَقَ في الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ إخْراجُهم بِنْيامِينَ، والمُضِيُّ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ فَعادَ ذَلِكَ بِالمَضَرَّةِ، وقِيلَ: التَّسْوِيلُ التَّخْيِيلُ، أيْ: خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا لا أصْلَ لَهُ، وقِيلَ: الأمْرُ الَّذِي سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم فُتَياهم بِأنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، والإضْرابُ هُنا هو بِاعْتِبارِ ما أثْبَتُوهُ مِنَ البَراءَةِ لِأنْفُسِهِمْ، لا بِاعْتِبارِ أصْلِ الكَلامِ فَإنَّهُ صَحِيحٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَغَيْرِها.
وجُمْلَةُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ بِي وأوْلى لِي والصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا يَبُوحُ صاحِبُهُ بِالشَّكْوى بَلْ يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ ويَسْتَرْجِعُ، وقَدْ ورَدَ أنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أوَّلِ الصَّدْمَةِ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ بِنْيامِينَ، والأخِ الثّالِثِ الباقِي بِمِصْرَ، وهو كَبِيرُهم كَما تَقَدَّمَ، وإنَّما قالَ هَكَذا لِأنَّهُ قَدْ كانَ عِنْدَهُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ عَلى الحَياةِ وإنْ غابَ عَنْهُ خَبَرُهُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ﴾ بِحالِي ﴿الحَكِيمُ﴾ فِيما يَقْضِي بِهِ.
﴿وتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أيْ أعْرَضَ عَنْهم، وقَطَعَ الكَلامَ مَعَهم ﴿وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يا أسَفِي، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ ألِفًا لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ، والأسَفُ: شِدَّةُ الجَزَعِ، وقِيلَ: شِدَّةُ الحُزْنِ، ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎فَيا أسَفا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرافُهُ ولِلنَّفْسِ لَمّا سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ
قالَ يَعْقُوبُ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا بَلَغَ مِنهُ الحُزْنُ غايَةً مُبالَغَةً بِسَبَبِ فِراقِهِ لِيُوسُفَ، وانْضِمامِ فِراقِهِ لِأخِيهِ بِنْيامِينَ، وبُلُوغِ ما بَلَغَهُ مِن كَوْنِهِ أسِيرًا عِنْدَ مَلِكِ مِصْرَ، فَتَضاعَفَتْ أحْزانُهُ، وهاجَ عَلَيْهِ الوَجْدُ القَدِيمُ بِما أثارَهُ مِنَ الخَبَرِ الأخِيرِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما ثَبَتَ (p-٧١٠)فِي شَرِيعَتِنا مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والصَّبْرِ عَلى المَصائِبِ، ولَوْ كانَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ.
ومَعْنى المُناداةِ لِلْأسَفِ طَلَبُ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ قالَ: تَعالَ يا أسَفِي وأقْبِلْ إلَيَّ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُ عَيْنَيْهِ بَياضًا مِن كَثْرَةِ البُكاءِ.
قِيلَ إنَّهُ زالَ إدْراكُهُ بِحاسَّةِ البَصَرِ بِالمَرَّةِ، وقِيلَ: كانَ يُدْرِكُ إدْراكًا ضَعِيفًا.
وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.
وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ مَكْظُومٌ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يَبُثُّهُ، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ وهو إخْفاؤُهُ، فالمَكْظُومُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ طَرِيقُ حُزْنِهِ، مِن كَظَمَ السِّقاءَ: إذا سَدَّهُ عَلى ما فِيهِ، والكَظَمُ بِفَتْحِ الظّاءِ: مَخْرَجُ النَّفَسِ، يُقالُ أخَذَ بِأكْظامِهِ وقِيلَ: الكَظِيمُ بِمَعْنى الكاظِمِ: أيِ المُشْتَمِلِ عَلى حُزْنِهِ المُمْسِكِ لَهُ، ومِنهُ:
؎فَإنْ أكُ كاظِمًا لِمُصابِ ناسٍ ∗∗∗ فَإنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسانِي
ومِنهُ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَظِيمٌ مَحْزُونٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ مَغْمُومٌ مَكْرُوبٌ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الحُزْنُ بِالضَّمِّ والسُّكُونِ: البُكاءُ، وبِفَتْحَتَيْنِ: ضِدُّ الفَرَحِ.
وقالَ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أيْ لا تَفْتَؤُ، فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ لِعَدَمِ اللَّبْسِ.
قالَ الكِسائِيُّ: فَتَأْتُ وفَتِئْتُ أفْعَلُ كَذا، أيْ: ما زِلْتُ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ " لا " مُضْمَرَةٌ، أيْ: لا تَفْتَأُ.
قالَ النَّحّاسُ: والَّذِي قالَ صَحِيحٌ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ مِثْلُ قَوْلِ الفَرّاءِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ مُحْتَجًّا عَلى ما قالَهُ:
؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ∗∗∗ ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي
ويُقالُ فَتِئَ وفَتَأ لُغَتانِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَما فَتِئْتُ حَتّى كَأنَّ غُبارَها ∗∗∗ سُرادِقُ يَوْمٍ ذِي رِياحٍ تُرْفَعُ
﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ الحَرَضُ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والصِّفَةُ المُشَبَّهَةُ حَرِضٌ بِكَسْرِ الرّاءِ كَدَنَفٍ ودَنِفٍ، وأصْلُ الحَرَضِ: الفَسادُ في الجِسْمِ أوِ العَقْلِ مِنَ الحُزْنِ أوِ العِشْقِ أوِ الهَرَمِ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎سَرى هَمِّي فَأمْرَضَنِي ∗∗∗ وقَدْ ما زادَنِي مَرَضا
؎كَذاكَ الحُبُّ قَبْلَ اليَوْ ∗∗∗ مِ مِمّا يُورِثُ الحَرَضا
وقِيلَ: الحَرَضُ: ما دُونَ المَوْتِ، وقِيلَ: الهَرَمُ، وقِيلَ: الحارِضُ: البالِي الدّائِرُ.
وقالَ الفَرّاءُ: الحارِضُ: الفاسِدُ الجِسْمِ والعَقْلِ، وكَذا الحَرَضُ.
وقالَ مُؤَرِّجٌ: هو الذّائِبُ مِنَ الهَمِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إنِّي امْرُؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فَأحْرَضَنِي ∗∗∗ حَتّى بَلِيتُ وحَتّى شَفَّنِي السَّقَمُ
ويُقالُ رَجُلٌ مُحْرَضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎طَلَبَتْهُ الخَيْلُ يَوْمًا كامِلًا ∗∗∗ ولَوْ ألْفَتْهُ لَأضْحى مُحْرَضًا
قالَ النَّحّاسُ: وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أحْرَضَهُ الهَمُّ: إذا أسْقَمَهُ، ورَجُلٌ حارِضٌ، أيْ: أحْمَقٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: الحارِضُ الذّاهِبُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هو الهالِكُ.
والأوْلى تَفْسِيرُ الحَرَضِ هُنا بِغَيْرِ المَوْتِ والهَلاكِ مِن هَذِهِ المَعانِي المَذْكُورَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنى الحَرَضِ، فالتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الهالِكِينَ﴾: مِنَ المَيِّتِينَ، وغَرَضُهم مَنعُ يَعْقُوبَ مِنَ البُكاءِ والحُزْنِ شَفَقَةً عَلَيْهِ وإنْ كانُوا هم سَبَبَ أحْزانِهِ ومَنشَأ هُمُومِهِ وغُمُومِهِ.
﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ يَعْقُوبُ لَمّا قالُوا لَهُ ما قالُوا ؟ والبَثُّ: ما يَرِدُ عَلى الإنْسانِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَعْظُمُ حُزْنُ صاحِبِها بِها حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى إخْفائِها، كَذا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن بَثَّثَهُ، أيْ: فَرَّقَهُ، فَسُمِّيَتِ المُصِيبَةُ بَثًّا مَجازًا.
قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ يا فَتى ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ
؎وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الإنْسانَ إذا قَدَرَ عَلى كَتْمِ ما نَزَلَ بِهِ مِنَ المَصائِبِ كانَ ذَلِكَ حُزْنًا، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى كَتْمِهِ كانَ ذَلِكَ بَثًّا، فالبَثُّ عَلى هَذا أعْظَمُ الحُزْنِ وأصْعَبُهُ، وقِيلَ: البَثُّ الهَمُّ، وقِيلَ: هو الحاجَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ عَطْفُ الحُزْنِ عَلى البَثِّ واضِحُ المَعْنى.
وأمّا عَلى تَفْسِيرِ البَثِّ بِالحُزْنِ العَظِيمِ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أشْكُو حُزْنِي العَظِيمَ وما دُونَهُ مِنَ الحُزْنِ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ.
وقَدْ قُرِئَ " حُزْنِي " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ و" حَزَنِي " بِفَتْحِهِما ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أعْلَمُ مِن لُطْفِهِ وإحْسانِهِ وثَوابِهِ عَلى المُصِيبَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، وقِيلَ: أرادَ عِلْمَهُ بِأنَّ رُؤْياهُ صادِقَةٌ، وقِيلَ: أعْلَمُ مِن إجابَةِ المُضْطَرِّينَ إلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.
﴿يابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ التَّحَسُّسُ بِمُهْمَلاتٍ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِالحَواسِّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحِسِّ، أوْ مِنَ الإحْساسِ: أيِ اذْهَبُوا فَتَعَرَّفُوا خَبَرَ يُوسُفَ وأخِيهِ وتَطَلَّبُوهُ، وقُرِيءَ بِالجِيمِ، وهو أيْضًا التَّطَلُّبُ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ لا تَقْنَطُوا مِن فَرَجِهِ وتَنْفِيسِهِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: الرَّوْحُ ما يَجِدُهُ الإنْسانُ مِن نَسِيمِ الهَواءِ فَيَسْكُنُ إلَيْهِ، والتَّرْكِيبُ يَدُلُّ عَلى الحَرَكَةِ والهِزَّةِ فَكُلُّ ما يَهْتَزُّ الإنْسانُ بِوُجُودِهِ ويَلْتَذُّ بِهِ فَهو رَوْحٌ.
وحَكى الواحِدِيُّ عَنِ الأصْمَعِيِّ أيْضًا أنَّهُ قالَ: الرَّوْحُ الِاسْتِراحَةُ مِن غَمِّ القَلْبِ.
وقالَ أبُو عُمَرَ: الرَّوْحُ الفَرَجُ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وعَظِيمِ صُنْعِهِ وخَفِيِّ ألْطافِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبُوا كَما أمَرَهم أبُوهم إلى مِصْرَ لِيَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ﴿قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ المَلِكُ المُمْتَنِعُ (p-٧١١)القادِرُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أيِ الجُوعُ والحاجَةُ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَجُوزُ الشَّكْوى عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذا خافَ مِن إصابَتِهِ عَلى نَفْسِهِ كَما يَجُوزُ لِلْعَلِيلِ أنْ يَشْكُوَ إلى الطَّبِيبِ ما يَجِدُهُ مِنَ العِلَّةِ، وهَذِهِ المَرَّةُ الَّتِي دَخَلُوا فِيها مِصْرَ هي المَرَّةُ الثّالِثَةُ كَما يُفِيدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن سِياقِ الكِتابِ العَزِيزِ ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ البِضاعَةُ هي القِطْعَةُ مِنَ المالِ يُقْصَدُ بِها شِراءُ شَيْءٍ يُقالُ أبْضَعْتُ الشَّيْءَ واسْتَبْضَعْتُهُ: إذا جَعَلْتَهُ بِضاعَةً، وفي المَثَلِ كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْرِ إلى هَجَرَ.
والإزْجاءُ: السَّوْقُ بِدَفْعٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: الإزْجاءُ في اللُّغَةِ السَّوْقُ والدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ [النور: ٤٣]، والمَعْنى: أنَّها بِضاعَةٌ تُدْفَعُ ولا يَقْبَلُها التُّجّارُ.
قالَ ثَعْلَبٌ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ النّاقِصَةُ غَيْرُ التّامَّةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ مُزْجاةٌ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ البِضاعَةِ ما هي ؟ فَقِيلَ كانَتْ قَدِيدًا وحَيْسًا، وقِيلَ: صُوفٌ وسَمْنٌ، وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ والصَّنَوْبَرُ، وقِيلَ: دَراهِمُ رَدِيئَةٌ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ.
ثُمَّ طَلَبُوا مِنهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرُوهُ بِالبِضاعَةِ الَّتِي مَعَهم أنْ يُوَفِّيَ لَهُمُ الكَيْلَ، أيْ: يَجْعَلَهُ تامًّا لا نَقْصَ فِيهِ، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ إمّا بِزِيادَةٍ يَزِيدُها لَهم عَلى ما يُقابِلُ بِضاعَتَهم.
أوْ بِالإغْماضِ عَنْ رَداءَةِ البِضاعَةِ الَّتِي جاءُوا بِها، وأنْ يَجْعَلَها كالبِضاعَةِ الجَيِّدَةِ في إيفاءِ الكَيْلِ لَهم بِها، وبِهَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ قِيلَ كَيْفَ يَطْلُبُونَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ وهم أنْبِياءُ والصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ.
وأُجِيبَ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ بِما يَجْعَلُهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الأُخْرَوِيِّ، أوِ التَّوْسِيعِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ ورُوبِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: يُوسُفَ وأخِيهِ وكَبِيرِهِمُ الَّذِي تَخَلَّفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ قالَ: يا حُزْنًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجُوا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يا جَزَعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ قالَ: حَزِينٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كَظَمَ عَلى الحُزْنِ فَلَمْ يَقُلْ إلّا خَيْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: كَظِيمٌ مَكْرُوبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الكَظِيمُ الكَمِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: دَنِفًا مِنَ المَرَضِ ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ قالَ: لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: هَرِمًا ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: أوْ تَمُوتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ قالَ: الحَرَضُ البالِي ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ قالَ: مِنَ المَيِّتِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن بَثَّ لَمْ يَصْبِرْ، ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾»، وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ قالَ: هَمِّي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: أعْلَمُ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ صادِقَةٌ وأنِّي سَأسْجُدُ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ قالَ: مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: مِن فَرَجِ اللَّهِ يُفَرِّجُ عَنْكُمُ الغَمَّ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ قالَ: أيِ الضُّرُّ في المَعِيشَةِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿بِبِضاعَةٍ﴾ قالَ: دَراهِمُ ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: كاسِدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: ﴿مُزْجاةٍ﴾ رَثَّةُ المَتاعِ خَلِقَةُ الحَبْلِ والغِرارَةِ والشَّيْءِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا ﴿مُزْجاةٍ﴾ قالَ: الوَرِقُ الزُّيُوفُ الَّتِي لا تُنْفَقُ حَتّى يُوضَعَ مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ في قَوْلِهِ ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ قالَ: ارْدُدْ عَلَيْنا أخانا.