Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — يوسف 12:89 – يوسف 12:111

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. يوسف 12:89
  2. يوسف 12:90
  3. يوسف 12:91
  4. يوسف 12:92
  5. يوسف 12:93
  6. يوسف 12:94
  7. يوسف 12:95
  8. يوسف 12:96
  9. يوسف 12:97
  10. يوسف 12:98
  11. يوسف 12:99
  12. يوسف 12:100
  13. يوسف 12:101
  14. يوسف 12:102
  15. يوسف 12:103
  16. يوسف 12:104
  17. يوسف 12:105
  18. يوسف 12:106
  19. يوسف 12:107
  20. يوسف 12:108
  21. يوسف 12:109
  22. يوسف 12:110
  23. يوسف 12:111

يوسف 12:89

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:90

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:91

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:92

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:93

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:94

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:95

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:96

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:97

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:98

تَفْسِيرُها ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ . (p-٧١٢)الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ أرادَ ما ذَكَرْناهُ، ويُسْتَفادُ مِنهُ تَعْظِيمُ الواقِعَةِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ: ما أعْظَمَ الأمْرَ الَّذِي ارْتَكَبْتُمْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ؟ كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ ؟ والَّذِي فَعَلُوا بِيُوسُفَ هو ما تَقَدَّمَ مِمّا قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا في هَذِهِ السُّورَةِ وأمّا ما فَعَلُوا بِأخِيهِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو ما أدْخَلُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِ أخِيهِ يُوسُفَ، وما كانَ يَنالُهُ مِنهم مِنَ الِاحْتِقارِ والإهانَةِ، ولَمْ يَسْتَفْهِمْهم عَمّا فَعَلُوا بِأبِيهِ يَعْقُوبَ مَعَ أنَّهُ قَدْ نالَهُ مِنهم ما قَصَّهُ اللَّهُ فِيما سَبَقَ مِن صُنُوفِ الأذى. قالَ الواحِدِيُّ: ولَمْ يَذْكُرْ أباهُ يَعْقُوبَ مَعَ عِظَمِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الغَمِّ بِفِراقِهِ تَعْظِيمًا لَهُ ورَفْعًا مِن قَدْرِهِ، وعِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَلاءً لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَزِيدَ في دَرَجَتِهِ عِنْدَهُ ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ نَفى عَنْهُمُ العِلْمَ وأثْبَتَ صِفَةَ الجَهْلِ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ، وقِيلَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ الجَهْلِ لِقَصْدِ الِاعْتِذارِ عَنْهم وتَخْفِيفِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ وقْتَ عَدَمِ عِلْمِكم بِما فِيهِ مِنَ الإثْمِ وقُصُورِ مَعارِفِكم عَنْ عاقِبَتِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أوْ أرادَ أنَّهم عِنْدَ ذَلِكَ في أوانِ الصِّبا وزَمانِ الصِّغَرِ، اعْتِذارًا لَهم ودَفْعًا لِما يَدْهَمُهم مِنَ الخَجَلِ والحَيْرَةِ مَعَ عِلْمِهِ وعِلْمِهِمْ بِأنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ كِبارًا. ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ " إنَّكَ " عَلى الخَبَرِ بِدُونِ اسْتِفْهامٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، وكانَ ذَلِكَ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ: قِيلَ: سَبَبُ مَعْرِفَتِهِمْ لَهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أنَّهم لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ تَنَبَّهُوا وفَهِمُوا أنَّهُ لا يُخاطِبُهم بِمِثْلِ هَذا إلّا هو، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا قالَ لَهم بِهَذِهِ المَقالَةِ وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ، وقِيلَ: أنَّهُ تَبَسَّمَ فَعَرَفُوا ثَناياهُ ﴿قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي﴾ أجابَهم بِالِاعْتِرافِ بِما سَألُوهُ عَنْهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أظْهَرَ الِاسْمَ فَقالَ " أنا يُوسُفُ " ولَمْ يَقُلْ أنا هو، تَعْظِيمًا لِما وقَعَ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أنا المَظْلُومُ المُسْتَحَلُّ مِنهُ المُحَرَّمُ المُرادُ قَتْلُهُ. فاكْتَفى بِإظْهارِ الِاسْمِ عَنْ هَذِهِ المَعانِي، وقالَ: وهَذا أخِي؛ مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَهُ ولا يُنْكِرُونَهُ، لِأنَّ قَصْدَهُ وهَذا أخِي المَظْلُومُ كَظُلْمِي ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِالخَلاصِ مِمّا ابْتُلِينا بِهِ، وقِيلَ: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بِكُلِّ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفَرُّقِ، ولا مانِعَ مِن إرادَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالجَزْمِ عَلى أنَّ " مَن " شَرْطِيَّةٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في يَتَّقِي، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ وقِيلَ: إنَّهُ جَعَلَ " مَن " مَوْصُولَةً لا شَرْطِيَّةً، وهو بَعِيدٌ. والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَفْعَلُ التَّقْوى أوْ يَفْعَلُ ما يَقِيهِ عَنِ الذُّنُوبِ ويَصْبِرُ عَلى المَصائِبِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما يُفِيدُهُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجاءَ بِالظّاهِرِ، وكانَ المَقامُ مَقامَ المُضْمَرِ، أيْ: أجْرَهم؛ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى مَوْصُوفُونَ بِصِفَةِ الإحْسانِ. ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ لَقَدِ اخْتارَكَ وفَضَّلَكَ عَلَيْنا بِما خَصَّكَ بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِفَضْلِهِ وعَظِيمِ قَدْرِهِ. ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونُوا أنْبِياءَ، فَإنَّ دَرَجَ الأنْبِياءِ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ ذَلِكَ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ وأخْطَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُخْطِئُ مَن أرادَ الصَّوابَ فَصارَ إلى غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المُجْتَهِدُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ، والخاطِئُ مَن تَعَمَّدَ ما لا يَنْبَغِي. قالُوا هَذِهِ المَقالَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلِاعْتِرافِ بِالخَطَأِ والذَّنْبِ اسْتِجْلابًا لِعَفْوِهِ واسْتِجْذابًا لِصَفْحِهِ. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ التَّثْرِيبُ التَّعْيِيرُ والتَّوْبِيخُ، أيْ: لا تَعْيِيرَ ولا تَوْبِيخَ، ولا لَوْمَ عَلَيْكم. قالَ الأصْمَعِيُّ ثَرَّبْتُ عَلَيْهِ: قَبَّحْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لا إفْسادَ لِما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ الحُرْمَةِ وحَقِّ الأُخُوَّةِ، ولَكم عِنْدِي الصُّلْحُ والعَفْوُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ الإفْسادُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ قَدِ انْقَطَعَ عَنْكم تَوْبِيخِي عِنْدَ اعْتِرافِكم بِالذَّنْبِ. قالَ ثَعْلَبٌ: ثَرَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ إذا عَدَّدَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ، وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكَرِشِ، ومَعْناهُ إزالَةُ التَّثْرِيبِ، كَما أنَّ التَّجْلِيدَ والتَّقْرِيعَ إزالَةُ الجِلْدِ والقَرَعِ. وانْتِصابُ " اليَوْمَ " بِالتَّثْرِيبِ، أيْ: لا أُثَرِّبُ عَلَيْكم أوْ مُنْتَصِبٌ بِالعامِلِ المُقَدَّرِ في " عَلَيْكم " وهو مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ أوْ نَحْوُهُما أيْ لا تَثْرِيبَ مُسْتَقِرٌّ أوْ ثابِتٌ عَلَيْكم. وقَدْ جَوَّزَ الأخْفَشُ الوَقْفَ عَلى عَلَيْكم، فَيَكُونُ اليَوْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ. وقَدْ ذَكَرَ مِثْلَ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ. ثُمَّ دَعا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى اليَوْمَ أوْ أخْبَرَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى عَلَيْكم. ﴿وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ يَرْحَمُ عِبادَهُ رَحْمَةً لا يَتَراحَمُونَ بِها فِيما بَيْنَهم فَيُجازِي مُحْسِنَهم ويَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ. قَوْلُهُ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ قِيلَ هَذا القَمِيصُ هو القَمِيصُ الَّذِي ألْبَسَهُ اللَّهُ إبْراهِيمَ لَمّا أُلْقِيَ في النّارِ وكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ. وكانَ يَعْقُوبُ أدْرَجَ هَذا القَمِيصَ في قَضِيبِهِ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ لَمّا كانَ يَخافُ عَلَيْهِ مِنَ العَيْنِ، فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ يُوسُفَ أنْ يُرْسِلَ بِهِ إلى يَعْقُوبَ لِيَعُودَ عَلَيْهِ بَصَرُهُ لِأنَّ فِيهِ رِيحَ الجَنَّةِ، ورِيحُ الجَنَّةِ لا يَقَعُ عَلى سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ ولا مُبْتَلًى إلّا عُوفِيَ ﴿فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ: يَصِرْ بَصِيرًا عَلى أنَّ " يَأْتِ " هي الَّتِي مِن أخَواتِ " كانَ " . قالَ الفَرّاءُ: يَرْجِعُ بَصِيرًا. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعُدْ بَصِيرًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَأْتِ إلَيَّ إلى مِصْرَ وهو بَصِيرٌ قَدْ ذَهَبَ عَنْهُ العَمى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ أيْ جَمِيعِ مَن شَمَلَهُ لَفْظُ الأهْلِ مِنَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ، قِيلَ: كانُوا نَحْوَ سَبْعِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةً وتِسْعِينَ (p-٧١٣)﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ أيْ خَرَجَتْ مُنْطَلِقَةً مِن مِصْرَ إلى الشّامِ، يُقالُ فَصَلَ فُصُولًا، وفَصَلْتُهُ فَصْلًا، لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، ويُقالُ فَصَلَ مِنَ البَلَدِ فُصُولًا: إذا انْفَصَلَ عَنْهُ وجاوَزَ حِيطانَهُ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ أيْ يَعْقُوبُ لِمَن عِنْدَهُ في أرْضِ كَنْعانَ مِن أهْلِهِ ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ قِيلَ: إنَّها هاجَتْ رِيحٌ فَحَمَلَتْ رِيحَ القَمِيصَ إلى يَعْقُوبَ مَعَ طُولِ المَسافَةِ، فَأخْبَرَهم بِما وجَدَ، ثُمَّ قالَ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تَنْسُبُونِي إلى الفَنَدِ، وهو ذَهابُ العَقْلِ مِنَ الهَرَمِ، يُقالُ أفْنَدَ الرَّجُلُ: إذا خَرِفَ وتَغَيَّرَ عَقْلُهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ لَوْلا أنْ تُسَفِّهُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ السَّفَهَ. وقالَ الزَّجّاجُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِ، فَجَعَلَ الفَنَدَ الجَهْلَ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ إنَّهُ السَّفَهُ - قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎إلّا سُلَيْمانَ إذْ قالَ المَلِيكُ لَهُ ∗∗∗ قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها عَنِ الفَنَدِ أيِ امْنَعْها عَنِ السَّفَهِ. وقالَ أبُو عُمَرَ الشَّيْبانِيُّ: التَّفْنِيدُ التَّقْبِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا صاحِبَيَّ دَعا لَوْمِي وتَفْنِيدِ ∗∗∗ فَلَيْسَ ما فاتَ مِن أمْرِي بِمَرْدُودِ وقِيلَ: هو الكَذِبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎هَلْ في افْتِخارِ الكَرِيمِ مِن أوَدٍ ∗∗∗ أمْ هَلْ لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ مِن فَنَدِ وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ لَوْلا أنْ تُضَعِّفُوا رَأْيِي. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. وقالَ الأخْفَشُ: التَّفْنِيدُ اللَّوْمُ وضَعْفُ الرَّأْيِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي راجِعٌ إلى التَّعْجِيزِ وتَضْعِيفِ الرَّأْيِ، يُقالُ: فَنَّدَهُ تَفْنِيدًا؛ إذا عَجَّزَهُ، وأفْنَدَ: إذا تَكَلَّمَ بِالخَطَأِ، والفَنَدُ: الخَطَأُ مِنَ الكَلامِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى إطْلاقِهِ عَلى اللَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يا عاذِلَيَّ دَعا المَلامِ وأقْصِرا ∗∗∗ طالَ الهَوى وأطَلْتُما التَّفْنِيدا أخْبَرَهم يَعْقُوبُ بِأنَّ الصَّبا قَدْ حَمَلَتْ إلَيْهِ رِيحَ حَبِيبِهِ، وأنَّهُ لَوْلا ما يَخْشاهُ مِنَ التَّفْنِيدِ لَما شَكَّ في ذَلِكَ: ؎فَإنَّ الصَّبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها ؎إذا قُلْتُ هَذا حِينَ أسْلُو يُهَيِّجُنِي ∗∗∗ نَسِيمُ الصَّبا مِن حَيْثُ ما يَطْلُعُ الفَجْرُ ؎ولَقَدْ تَهُبُّ لِيَ الصَّبا مِن أرْضِها ∗∗∗ فَيُلِذُّ مَسُّ هُبُوبِكم ويُطِيبُ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ أيْ قالَ الحاضِرُونَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ: إنَّكَ يا يَعْقُوبُ لَفي ذَهابِكَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ قَدِيمًا مِن إفْراطِ حُبِّكَ لِيُوسُفَ لا تَنْساهُ، ولا تَفْتُرُ عَنْهُ، ولِسانُ حالِ يَعْقُوبَ يَقُولُ لَهم: ؎لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إلّا مَن يُكابِدُهُ ∗∗∗ ولا الصَّبابَةَ إلّا مَن يُعانِيها ؎لا تَعْذِلِ المُشْتاقَ في أشْواقِهِ ∗∗∗ حَتّى تَكُونَ حَشاكَ في أحْشائِهِ وقِيلَ: المَعْنى: إنَّكَ لَفي جُنُونِكَ القَدِيمِ، وقِيلَ: في مَحَبَّتِكَ القَدِيمَةِ. قالُوا لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَهم قُدُومُ البَشِيرِ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ قالَ لِإخْوَتِهِ: أنا جِئْتُهُ بِالقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَأعْطِنِي اليَوْمَ قَمِيصَكَ لِأُخْبِرَهُ أنَّكَ حَيٌّ، فَأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ ﴿ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ ألْقى البَشِيرُ قَمِيصَ يُوسُفَ عَلى وجْهِ يَعْقُوبَ، أوْ ألْقاهُ يَعْقُوبُ عَلى وجْهِ نَفْسِهِ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ الِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها، والمَعْنى: عادَ ورَجَعَ إلى حالَتِهِ الأُولى مِن صِحَّةِ بَصَرِهِ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ أيْ قالَ يَعْقُوبُ لِمَن كانَ عِنْدَهُ مِن أهْلِهِ الَّذِينَ قالَ لَهم: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾: ألَمْ أقُلْ لَكم هَذا القَوْلَ فَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً لا يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَقُولَ القَوْلِ، ويُرِيدُ بِذَلِكَ إخْبارَهم بِما قالَهُ سابِقًا ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] . ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم، واعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَمّا رَجَعُوا مِن مِصْرَ ووَصَلُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا هَذا القَوْلَ، فَوَعَدَهم بِما طَلَبُوهُ مِنهُ. ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يَعْقُوبُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ السَّحَرِ، لِأنَّهُ أخْلَقُ بِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ بَخِلَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، وقِيلَ: أخَّرَهُ إلى أنْ يَسْتَحِلَّ لَهم مِن يُوسُفَ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: لا تَثْرِيبَ قالَ: لا تَعْيِيرَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ «لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ التَفَتَ إلى النّاسِ فَقالَ: ماذا تَقُولُونَ وماذا تَظُنُّونَ ؟ فَقالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٌ، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم﴾» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ الخُرَسانِيِّ قالَ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها عِنْدَ الشُّيُوخِ: ألَمْ تَرَ إلى قَوْلِ يُوسُفَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ ؟ . وقالَ يَعْقُوبُ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ . أقُولُ: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ فَإنَّهم طَلَبُوا مِن يُوسُفَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾، فَقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، لِأنَّ مَقْصُودَهم صُدُورُ العَفْوِ مِنهُ عَنْهم، وطَلَبُوا مِن أبِيهِمْ يَعْقُوبَ أنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ لَهم وهو لا يَكُونُ إلّا بِطَلَبِ ذَلِكَ مِنهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَيْنَ المَقامَيْنِ فَرْقٌ، فَلَمْ يَكُنْ وعْدُ يَعْقُوبَ لَهم بُخْلًا عَلَيْهِمْ بِسُؤالِ اللَّهِ لَهم، ولا سِيَّما إذا صَحَّ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ أخَّرَ ذَلِكَ إلى وقْتِ الإجابَةِ، فَإنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَهم في الحالِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عِلْمٌ بِالقَبُولِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ إخْوَةِ يُوسُفَ ما كانَ، كَتَبَ يَعْقُوبُ إلى يُوسُفَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ يُوسُفُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ إلى عَزِيزِ آلِ فِرْعَوْنَ، سَلامٌ عَلَيْكَ فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُولَعٌ بِنا أسْبابُ البَلاءِ، كانَ جَدِّي إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ أُلْقِيَ في النّارِ في طاعَةِ رَبِّهِ، فَجَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وأمَرَ اللَّهُ جَدِّي أنْ يَذْبَحَ لَهُ أبِي فَفَداهُ اللَّهُ بِما فَداهُ، وكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ مِن أحَبِّ النّاسِ إلَيَّ فَفَقَدْتُهُ، فَأذْهَبَ حُزْنِي عَلَيْهِ نُورَ بَصَرِي، وكانَ لَهُ أخٌ مِن أُمِّهِ كُنْتُ إذا ذَكَرْتُهُ ضَمَمْتُهُ إلى صَدْرِي فَأذْهَبَ عَنِّي بَعْضَ وجْدِي، وهو المَحْبُوسُ عِنْدَكَ (p-٧١٤)فِي السَّرِقَةِ، وإنِّي أُخْبِرُكَ أنِّي لَمْ أسْرِقْ، ولَمْ ألِدْ سارِقًا، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ الكِتابَ بَكى وصاحَ وقالَ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾ أنَّ نُمْرُودَ لَمّا ألْقى إبْراهِيمَ في النّارِ نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الجَنَّةِ وطَنْفَسَةٍ مِنَ الجَنَّةِ. فَألْبَسَهُ القَمِيصَ وأقْعَدَهُ عَلى الطَّنْفَسَةِ. وقَعَدَ مَعَهُ يَتَحَدَّثُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى النّارِ ﴿كُونِي بَرْدًا وسَلامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩] . ولَوْلا أنَّهُ قالَ وسَلامًا لَأذاهُ البَرْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا «أنَّ اللَّهَ كَسا إبْراهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الجَنَّةِ، فَكَساهُ إبْراهِيمُ إسْحاقَ، وكَساهُ إسْحاقُ يَعْقُوبَ، فَأخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ في قَصَبَةٍ مِن حَدِيدٍ وعَلَّقَهُ في عُنُقِ يُوسُفَ، ولَوْ عَلِمَ إخْوَتُهُ إذْ ألْقَوْهُ في الجُبِّ لَأخَذُوهُ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ كانَ بَيْنَ رُؤْياهُ وتَعْبِيرِهِ أرْبَعُونَ سَنَةً أمَرَ البَشِيرَ أنْ يُبَشِّرَهُ مِن ثَمانِ مَراحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ . فَلَمّا ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا ولَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ عَلى عاهَةٍ مِن عاهاتِ الدُّنْيا إلّا أبْرَأها بِإذْنِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ قالَ: لَمّا خَرَجَتِ العِيرُ هاجَتِ الرِّيحُ، فَجاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقالَ: ﴿إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُسَفِّهُونِ. فَوَجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِيَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: وجَدَ رِيحَهُ مِن مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قالَ: وجَدَهُ مِن مَسِيرَةِ ثَمانِينَ فَرْسَخًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قالَ: تُجَهِّلُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: تُكَذِّبُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: " لَوْلا أنْ تُحَمِّقُونِ " . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ يَقُولُ: خَطَئِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: جُنُونِكَ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُبِّكِ القَدِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَشِيرُ البَرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيانَ قالَ: البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ إلى يَعْقُوبَ فَألْقى عَلَيْهِ القَمِيصَ قالَ: عَلى أيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ ؟ قالَ: عَلى الإسْلامِ. قالَ: الآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ قالَ: إنَّ يَعْقُوبَ أخَّرَ بَنِيهِ إلى السَّحَرِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ. وكانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: أخَّرَهم إلى السَّحَرِ لِأنَّ دُعاءَ السَّحَرِ مُسْتَجابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، يَقُولُ حَتّى تَأْتِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ» .

يوسف 12:99

. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ لَعَلَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، وهو فَرَحَلَ يَعْقُوبُ وأوْلادُهُ وأهْلُهُ إلى مِصْرَ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ، أيْ: ضَمَّهُما وأنْزَلَهُما عِنْدَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِالأبَوَيْنِ هُنا يَعْقُوبُ وزَوْجَتُهُ خالَةُ يُوسُفَ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ في وِلادَتِها لِأخِيهِ بِنْيامِينَ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: أحْيا اللَّهُ لَهُ أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيا حَتّى سَجَدَتْ لَهُ ﴿وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مِمّا تَكْرَهُونَ، وقَدْ كانُوا فِيما مَضى يَخافُونَ مُلُوكَ مِصْرَ، ولا يَدْخُلُونَها إلّا بِجَوازٍ مِنهم. قِيلَ: والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ عائِدٌ إلى الأمْنِ، ولا مانِعَ مِن عَوْدِهِ إلى الجَمِيعِ، لِأنَّ دُخُولَهم لا يَكُونُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، كَما أنَّهم لا يَكُونُونَ آمِنِينَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] وهو بَعِيدٌ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ: أنَّ يُوسُفَ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ: أيِ ادْخُلُوا مِصْرَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ، وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّهُ تَلَقّاهم إلى خارِجِ مِصْرَ، فَوَقَفَ مُنْتَظِرًا لَهم في مَكانٍ أوْ خَيْمَةٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَ ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ فَلَمّا دَخَلُوا مِصْرَ ودَخَلُوا عَلَيْهِ دُخُولًا آخَرَ في المَكانِ الَّذِي لَهُ بِمِصْرَ. ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ أيْ أجْلَسَهُما مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ كَما هو عادَةُ المُلُوكِ ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أيِ الأبَوانِ والإخْوَةُ، والمَعْنى: أنَّهم خَرُّوا لِيُوسُفَ سُجَّدًا، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ التَّحِيَّةِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُجُودًا بَلْ هو مُجَرَّدُ إيماءٍ، وكانَتْ تِلْكَ تَحِيَّتَهم، وهو يُخالِفُ مَعْنى: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، فَإنَّ الخُرُورَ في اللُّغَةِ المُقَيَّدُ بِالسُّجُودِ لا يَكُونُ إلّا بِوَضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهُ راجِعٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أيْ وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، وهو بَعِيدٌ جَدًّا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِيُوسُفَ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: وخَرُّوا لِأجْلِهِ، وفِيهِ أيْضًا بُعْدٌ وقالَ يُوسُفُ ﴿ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ يَعْنِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ بِوُقُوعِ تَأْوِيلِها عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ (p-٧١٥)﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ الأصْلُ أنْ يَتَعَدّى فِعْلُ الإحْسانِ بِإلى، وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] [الإسراء: ٢٣]، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمَّنَ أحْسَنَ مَعْنى لَطُفَ أيْ لَطُفَ بِي مُحْسِنًا، ولَمْ يَذْكُرْ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ، لِأنَّ في ذِكْرِهِ نَوْعَ تَثْرِيبٍ لِلْإخْوَةِ، وقَدْ قالَ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم، وقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ سَجْنِهِ ومُدَّةُ بَقائِهِ فِيهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ وجْهَ عَدَمِ ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ أنَّ المِنَّةَ كانَتْ في إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ أكْبَرُ مِنَ المِنَّةِ في إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ أيِ البادِيَةِ، وهي أرْضُ كَنْعانَ بِالشّامِ، وكانُوا أهْلَ مَواشٍ وبَرِّيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ البادِيَةِ، وإنَّ المَكانَ الَّذِي كانَ فِيهِ يَعْقُوبُ يُقالُ لَهُ بَدا، وإيّاهُ عَنى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ: ؎وأنْتِ الَّذِي حَبَّبْتِ شَعْبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما وفِيهِ نَظَرٌ ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ أفْسَدَ بَيْنَنا وحَمَّلَ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ، يُقالُ نَزَغَهُ إذا نَخَسَهُ، فَأصْلُهُ مَن نَخَسَ الدّابَّةَ لِيَقْوى مَشْيُها، وأحالَ يُوسُفُ ذَنْبَ إخْوَتِهِ عَلى الشَّيْطانِ تَكَرُّمًا مِنهُ وتَأدُّبًا ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ اللَّطِيفُ الرَّفِيقُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: اللَّطِيفُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى مَعْناهُ الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ، يُقالُ لَطُفَ فُلانٌ بِفُلانٍ يَلْطُفُ: إذا رَفَقَ بِهِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو: اللَّطِيفُ الَّذِي يُوصِلُ إلَيْكَ أرْبَكَ في لُطْفٍ. قالَ الخَطّابِيُّ اللَّطِيفُ هو البَرُّ بِعِبادِهِ الَّذِي يَلْطُفُ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ويُسَبِّبُ لَهم مَصالِحَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وقِيلَ: اللَّطِيفُ العالِمُ بِدَقائِقِ الأُمُورِ، ومَعْنى ﴿لِما يَشاءُ﴾: لِأجْلِ ما يَشاءُ حَتّى يَجِيءَ عَلى وجْهِ الصَّوابِ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ أيِ العَلِيمُ بِالأُمُورِ الحَكِيمُ في أفْعالِهِ. ولَمّا أتَمَّ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما خَلَّصَهُ مِنهُ مِنَ المِحَنِ العَظِيمَةِ وبِما خَوَّلَهُ مِنَ المُلْكِ وعَلَّمَهُ مِنَ العِلْمِ، تاقَتْ نَفْسُهُ إلى الخَيْرِ الأُخْرَوِيِّ الدّائِمِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. فَقالَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ المُلْكِ، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ المُلْكِ، إنَّما أُوتِيَ مُلْكًا خاصًّا، وهو مُلْكُ مِصْرَ في زَمَنٍ خاصٍّ ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ بَعْضِها، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ جَمِيعَ عِلْمِ التَّأْوِيلِ، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ العِلْمِ والفَهْمِ، أوْ مُجَرَّدُ تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: " مِن " لِلْجِنْسِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] . وقِيلَ: زائِدَةٌ، أيْ: آتَيْتَنِي المُلْكَ وعَلَّمْتَنِي تَأْوِيلَ الأحادِيثِ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ " رَبِّ "، لِكَوْنِهِ مُنادًى مُضافًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُنادًى بِحَرْفٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: يا فاطِرُ، والفاطِرُ الخالِقُ والمُنْشِيءُ والمُخْتَرِعُ والمُبْدِعُ ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيْ ناصِرِي ومُتَوَلِّي أُمُورِي ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَتَوَلّانِي فِيهِما ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنِي عَلى الإسْلامِ لا يُفارِقُنِي حَتّى أمُوتَ، وأُلْحَقَ بِالصّالِحِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن آبائِي وغَيْرِهِمْ فَأظْفَرُ بِثَوابِهِمْ مِنكَ ودَرَجاتِهِمْ عِنْدَكَ. قِيلَ: إنَّهُ لَمّا دَعا بِهَذا الدُّعاءِ تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قِيلَ: كانَ عُمُرُهُ عِنْدَ أنْ أُلْقِيَ في الجُبِّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ في العُبُودِيَّةِ والسِّجْنِ والمُلْكِ ثَمانِينَ سَنَةً إلى قُدُومِ أبِيهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عاشَ بَعْدَ اجْتِماعِ شَمْلِهِمْ حَتّى كَمُلَ عُمُرُهُ المِقْدارَ الَّذِي سَيَأْتِي وتَوَفّاهُ اللَّهُ. قِيلَ: لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ أحَدٌ غَيْرُ يُوسُفَ لا نَبِيٌّ ولا غَيْرُهُ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ بِهَذا الدُّعاءِ، وإنَّما دَعا رَبَّهُ أنْ يَتَوَفّاهُ عَلى الإسْلامِ ويُلْحِقَهُ بِالصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ في مُلْكَ يُوسُفَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَ في مُلْكِهِ ثَلاثِينَ سَنَةً، وماتَ يُوسُفُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وبَلَغَنِي أنَّهُ كانَ عُمُرُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ مِائَةً وخَمْسَةً وتِسْعِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ قالَ: أبُوهُ وأُمُّهُ ضَمَّهُما. وأخْرَجا عَنْ وهْبٍ قالَ: وخالَتُهُ، وكانَتْ تُوُفِّيَتْ أُمُّ يُوسُفَ في نِفاسِ أخِيهِ بِنْيامِينَ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ نَحْوَهُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ قالَ: السَّرِيرُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قالَ: كانَتْ تَحِيَّةَ مَن كانَ قَبْلَكم فَأعْطاكُمُ اللَّهُ السَّلامَ مَكانَها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: ذَلِكَ سُجُودُ تَشْرِفَةٍ كَما سَجَدَتِ المَلائِكَةُ تَشْرِفَةً لِأدَمَ، ولَيْسَ سُجُودَ عِبادَةٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ قالَ: لَطِيفٌ لِيُوسُفَ وصَنَعَ لَهُ حِينَ أخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ، وجاءَ بِأهْلِهِ مِنَ البَدْوِ، ونَزَعَ مِن قَلْبِهِ نَزْغَ الشَّيْطانِ وتَحْرِيشَهُ عَلى إخْوَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما سَألَ نَبِيُّ الوَفاةَ غَيْرُ يُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: اشْتاقَ إلى لِقاءِ اللَّهِ وأحَبَّ أنْ يَلْحَقَ بِهِ وبِآبائِهِ. فَدَعا اللَّهَ أنْ يَتَوَفّاهُ، وأنْ يُلْحِقَهُ بِهِمْ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ.

يوسف 12:100

. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ لَعَلَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، وهو فَرَحَلَ يَعْقُوبُ وأوْلادُهُ وأهْلُهُ إلى مِصْرَ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ، أيْ: ضَمَّهُما وأنْزَلَهُما عِنْدَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِالأبَوَيْنِ هُنا يَعْقُوبُ وزَوْجَتُهُ خالَةُ يُوسُفَ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ في وِلادَتِها لِأخِيهِ بِنْيامِينَ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: أحْيا اللَّهُ لَهُ أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيا حَتّى سَجَدَتْ لَهُ ﴿وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مِمّا تَكْرَهُونَ، وقَدْ كانُوا فِيما مَضى يَخافُونَ مُلُوكَ مِصْرَ، ولا يَدْخُلُونَها إلّا بِجَوازٍ مِنهم. قِيلَ: والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ عائِدٌ إلى الأمْنِ، ولا مانِعَ مِن عَوْدِهِ إلى الجَمِيعِ، لِأنَّ دُخُولَهم لا يَكُونُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، كَما أنَّهم لا يَكُونُونَ آمِنِينَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] وهو بَعِيدٌ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ: أنَّ يُوسُفَ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ: أيِ ادْخُلُوا مِصْرَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ، وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّهُ تَلَقّاهم إلى خارِجِ مِصْرَ، فَوَقَفَ مُنْتَظِرًا لَهم في مَكانٍ أوْ خَيْمَةٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَ ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ فَلَمّا دَخَلُوا مِصْرَ ودَخَلُوا عَلَيْهِ دُخُولًا آخَرَ في المَكانِ الَّذِي لَهُ بِمِصْرَ. ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ أيْ أجْلَسَهُما مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ كَما هو عادَةُ المُلُوكِ ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أيِ الأبَوانِ والإخْوَةُ، والمَعْنى: أنَّهم خَرُّوا لِيُوسُفَ سُجَّدًا، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ التَّحِيَّةِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُجُودًا بَلْ هو مُجَرَّدُ إيماءٍ، وكانَتْ تِلْكَ تَحِيَّتَهم، وهو يُخالِفُ مَعْنى: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، فَإنَّ الخُرُورَ في اللُّغَةِ المُقَيَّدُ بِالسُّجُودِ لا يَكُونُ إلّا بِوَضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهُ راجِعٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أيْ وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، وهو بَعِيدٌ جَدًّا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِيُوسُفَ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: وخَرُّوا لِأجْلِهِ، وفِيهِ أيْضًا بُعْدٌ وقالَ يُوسُفُ ﴿ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ يَعْنِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ بِوُقُوعِ تَأْوِيلِها عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ (p-٧١٥)﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ الأصْلُ أنْ يَتَعَدّى فِعْلُ الإحْسانِ بِإلى، وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] [الإسراء: ٢٣]، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمَّنَ أحْسَنَ مَعْنى لَطُفَ أيْ لَطُفَ بِي مُحْسِنًا، ولَمْ يَذْكُرْ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ، لِأنَّ في ذِكْرِهِ نَوْعَ تَثْرِيبٍ لِلْإخْوَةِ، وقَدْ قالَ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم، وقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ سَجْنِهِ ومُدَّةُ بَقائِهِ فِيهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ وجْهَ عَدَمِ ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ أنَّ المِنَّةَ كانَتْ في إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ أكْبَرُ مِنَ المِنَّةِ في إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ أيِ البادِيَةِ، وهي أرْضُ كَنْعانَ بِالشّامِ، وكانُوا أهْلَ مَواشٍ وبَرِّيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ البادِيَةِ، وإنَّ المَكانَ الَّذِي كانَ فِيهِ يَعْقُوبُ يُقالُ لَهُ بَدا، وإيّاهُ عَنى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ: ؎وأنْتِ الَّذِي حَبَّبْتِ شَعْبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما وفِيهِ نَظَرٌ ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ أفْسَدَ بَيْنَنا وحَمَّلَ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ، يُقالُ نَزَغَهُ إذا نَخَسَهُ، فَأصْلُهُ مَن نَخَسَ الدّابَّةَ لِيَقْوى مَشْيُها، وأحالَ يُوسُفُ ذَنْبَ إخْوَتِهِ عَلى الشَّيْطانِ تَكَرُّمًا مِنهُ وتَأدُّبًا ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ اللَّطِيفُ الرَّفِيقُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: اللَّطِيفُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى مَعْناهُ الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ، يُقالُ لَطُفَ فُلانٌ بِفُلانٍ يَلْطُفُ: إذا رَفَقَ بِهِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو: اللَّطِيفُ الَّذِي يُوصِلُ إلَيْكَ أرْبَكَ في لُطْفٍ. قالَ الخَطّابِيُّ اللَّطِيفُ هو البَرُّ بِعِبادِهِ الَّذِي يَلْطُفُ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ويُسَبِّبُ لَهم مَصالِحَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وقِيلَ: اللَّطِيفُ العالِمُ بِدَقائِقِ الأُمُورِ، ومَعْنى ﴿لِما يَشاءُ﴾: لِأجْلِ ما يَشاءُ حَتّى يَجِيءَ عَلى وجْهِ الصَّوابِ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ أيِ العَلِيمُ بِالأُمُورِ الحَكِيمُ في أفْعالِهِ. ولَمّا أتَمَّ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما خَلَّصَهُ مِنهُ مِنَ المِحَنِ العَظِيمَةِ وبِما خَوَّلَهُ مِنَ المُلْكِ وعَلَّمَهُ مِنَ العِلْمِ، تاقَتْ نَفْسُهُ إلى الخَيْرِ الأُخْرَوِيِّ الدّائِمِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. فَقالَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ المُلْكِ، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ المُلْكِ، إنَّما أُوتِيَ مُلْكًا خاصًّا، وهو مُلْكُ مِصْرَ في زَمَنٍ خاصٍّ ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ بَعْضِها، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ جَمِيعَ عِلْمِ التَّأْوِيلِ، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ العِلْمِ والفَهْمِ، أوْ مُجَرَّدُ تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: " مِن " لِلْجِنْسِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] . وقِيلَ: زائِدَةٌ، أيْ: آتَيْتَنِي المُلْكَ وعَلَّمْتَنِي تَأْوِيلَ الأحادِيثِ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ " رَبِّ "، لِكَوْنِهِ مُنادًى مُضافًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُنادًى بِحَرْفٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: يا فاطِرُ، والفاطِرُ الخالِقُ والمُنْشِيءُ والمُخْتَرِعُ والمُبْدِعُ ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيْ ناصِرِي ومُتَوَلِّي أُمُورِي ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَتَوَلّانِي فِيهِما ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنِي عَلى الإسْلامِ لا يُفارِقُنِي حَتّى أمُوتَ، وأُلْحَقَ بِالصّالِحِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن آبائِي وغَيْرِهِمْ فَأظْفَرُ بِثَوابِهِمْ مِنكَ ودَرَجاتِهِمْ عِنْدَكَ. قِيلَ: إنَّهُ لَمّا دَعا بِهَذا الدُّعاءِ تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قِيلَ: كانَ عُمُرُهُ عِنْدَ أنْ أُلْقِيَ في الجُبِّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ في العُبُودِيَّةِ والسِّجْنِ والمُلْكِ ثَمانِينَ سَنَةً إلى قُدُومِ أبِيهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عاشَ بَعْدَ اجْتِماعِ شَمْلِهِمْ حَتّى كَمُلَ عُمُرُهُ المِقْدارَ الَّذِي سَيَأْتِي وتَوَفّاهُ اللَّهُ. قِيلَ: لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ أحَدٌ غَيْرُ يُوسُفَ لا نَبِيٌّ ولا غَيْرُهُ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ بِهَذا الدُّعاءِ، وإنَّما دَعا رَبَّهُ أنْ يَتَوَفّاهُ عَلى الإسْلامِ ويُلْحِقَهُ بِالصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ في مُلْكَ يُوسُفَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَ في مُلْكِهِ ثَلاثِينَ سَنَةً، وماتَ يُوسُفُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وبَلَغَنِي أنَّهُ كانَ عُمُرُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ مِائَةً وخَمْسَةً وتِسْعِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ قالَ: أبُوهُ وأُمُّهُ ضَمَّهُما. وأخْرَجا عَنْ وهْبٍ قالَ: وخالَتُهُ، وكانَتْ تُوُفِّيَتْ أُمُّ يُوسُفَ في نِفاسِ أخِيهِ بِنْيامِينَ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ نَحْوَهُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ قالَ: السَّرِيرُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قالَ: كانَتْ تَحِيَّةَ مَن كانَ قَبْلَكم فَأعْطاكُمُ اللَّهُ السَّلامَ مَكانَها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: ذَلِكَ سُجُودُ تَشْرِفَةٍ كَما سَجَدَتِ المَلائِكَةُ تَشْرِفَةً لِأدَمَ، ولَيْسَ سُجُودَ عِبادَةٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ قالَ: لَطِيفٌ لِيُوسُفَ وصَنَعَ لَهُ حِينَ أخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ، وجاءَ بِأهْلِهِ مِنَ البَدْوِ، ونَزَعَ مِن قَلْبِهِ نَزْغَ الشَّيْطانِ وتَحْرِيشَهُ عَلى إخْوَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما سَألَ نَبِيُّ الوَفاةَ غَيْرُ يُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: اشْتاقَ إلى لِقاءِ اللَّهِ وأحَبَّ أنْ يَلْحَقَ بِهِ وبِآبائِهِ. فَدَعا اللَّهَ أنْ يَتَوَفّاهُ، وأنْ يُلْحِقَهُ بِهِمْ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ.

يوسف 12:101

. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ لَعَلَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، وهو فَرَحَلَ يَعْقُوبُ وأوْلادُهُ وأهْلُهُ إلى مِصْرَ فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ، أيْ: ضَمَّهُما وأنْزَلَهُما عِنْدَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِالأبَوَيْنِ هُنا يَعْقُوبُ وزَوْجَتُهُ خالَةُ يُوسُفَ، لِأنَّ أُمَّهُ قَدْ كانَتْ ماتَتْ في وِلادَتِها لِأخِيهِ بِنْيامِينَ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: أحْيا اللَّهُ لَهُ أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيا حَتّى سَجَدَتْ لَهُ ﴿وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ مِمّا تَكْرَهُونَ، وقَدْ كانُوا فِيما مَضى يَخافُونَ مُلُوكَ مِصْرَ، ولا يَدْخُلُونَها إلّا بِجَوازٍ مِنهم. قِيلَ: والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ عائِدٌ إلى الأمْنِ، ولا مانِعَ مِن عَوْدِهِ إلى الجَمِيعِ، لِأنَّ دُخُولَهم لا يَكُونُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، كَما أنَّهم لا يَكُونُونَ آمِنِينَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] وهو بَعِيدٌ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ: أنَّ يُوسُفَ قالَ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ: أيِ ادْخُلُوا مِصْرَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ، وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ أنَّهُ تَلَقّاهم إلى خارِجِ مِصْرَ، فَوَقَفَ مُنْتَظِرًا لَهم في مَكانٍ أوْ خَيْمَةٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَ ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ فَلَمّا دَخَلُوا مِصْرَ ودَخَلُوا عَلَيْهِ دُخُولًا آخَرَ في المَكانِ الَّذِي لَهُ بِمِصْرَ. ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ أيْ أجْلَسَهُما مَعَهُ عَلى السَّرِيرِ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ كَما هو عادَةُ المُلُوكِ ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أيِ الأبَوانِ والإخْوَةُ، والمَعْنى: أنَّهم خَرُّوا لِيُوسُفَ سُجَّدًا، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ التَّحِيَّةِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُجُودًا بَلْ هو مُجَرَّدُ إيماءٍ، وكانَتْ تِلْكَ تَحِيَّتَهم، وهو يُخالِفُ مَعْنى: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، فَإنَّ الخُرُورَ في اللُّغَةِ المُقَيَّدُ بِالسُّجُودِ لا يَكُونُ إلّا بِوَضْعِ الوَجْهِ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهُ راجِعٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أيْ وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، وهو بَعِيدٌ جَدًّا، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِيُوسُفَ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: وخَرُّوا لِأجْلِهِ، وفِيهِ أيْضًا بُعْدٌ وقالَ يُوسُفُ ﴿ياأبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ يَعْنِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ بِوُقُوعِ تَأْوِيلِها عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ (p-٧١٥)﴿وقَدْ أحْسَنَ بِي إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ الأصْلُ أنْ يَتَعَدّى فِعْلُ الإحْسانِ بِإلى، وقَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [البقرة: ٨٣] [الإسراء: ٢٣]، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمَّنَ أحْسَنَ مَعْنى لَطُفَ أيْ لَطُفَ بِي مُحْسِنًا، ولَمْ يَذْكُرْ إخْراجَهُ مِنَ الجُبِّ، لِأنَّ في ذِكْرِهِ نَوْعَ تَثْرِيبٍ لِلْإخْوَةِ، وقَدْ قالَ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم، وقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ سَجْنِهِ ومُدَّةُ بَقائِهِ فِيهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ وجْهَ عَدَمِ ذِكْرِ إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ أنَّ المِنَّةَ كانَتْ في إخْراجِهِ مِنَ السِّجْنِ أكْبَرُ مِنَ المِنَّةِ في إخْراجِهِ مِنَ الجُبِّ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾ أيِ البادِيَةِ، وهي أرْضُ كَنْعانَ بِالشّامِ، وكانُوا أهْلَ مَواشٍ وبَرِّيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ البادِيَةِ، وإنَّ المَكانَ الَّذِي كانَ فِيهِ يَعْقُوبُ يُقالُ لَهُ بَدا، وإيّاهُ عَنى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ: ؎وأنْتِ الَّذِي حَبَّبْتِ شَعْبًا إلى بَدا إلَيَّ وأوْطانِي بِلادٌ سِواهُما وفِيهِ نَظَرٌ ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ أيْ أفْسَدَ بَيْنَنا وحَمَّلَ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ، يُقالُ نَزَغَهُ إذا نَخَسَهُ، فَأصْلُهُ مَن نَخَسَ الدّابَّةَ لِيَقْوى مَشْيُها، وأحالَ يُوسُفُ ذَنْبَ إخْوَتِهِ عَلى الشَّيْطانِ تَكَرُّمًا مِنهُ وتَأدُّبًا ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ اللَّطِيفُ الرَّفِيقُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: اللَّطِيفُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى مَعْناهُ الرَّفِيقُ بِعِبادِهِ، يُقالُ لَطُفَ فُلانٌ بِفُلانٍ يَلْطُفُ: إذا رَفَقَ بِهِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو: اللَّطِيفُ الَّذِي يُوصِلُ إلَيْكَ أرْبَكَ في لُطْفٍ. قالَ الخَطّابِيُّ اللَّطِيفُ هو البَرُّ بِعِبادِهِ الَّذِي يَلْطُفُ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ويُسَبِّبُ لَهم مَصالِحَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وقِيلَ: اللَّطِيفُ العالِمُ بِدَقائِقِ الأُمُورِ، ومَعْنى ﴿لِما يَشاءُ﴾: لِأجْلِ ما يَشاءُ حَتّى يَجِيءَ عَلى وجْهِ الصَّوابِ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ أيِ العَلِيمُ بِالأُمُورِ الحَكِيمُ في أفْعالِهِ. ولَمّا أتَمَّ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما خَلَّصَهُ مِنهُ مِنَ المِحَنِ العَظِيمَةِ وبِما خَوَّلَهُ مِنَ المُلْكِ وعَلَّمَهُ مِنَ العِلْمِ، تاقَتْ نَفْسُهُ إلى الخَيْرِ الأُخْرَوِيِّ الدّائِمِ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. فَقالَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ﴾ " مِن " لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: بَعْضِ المُلْكِ، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ المُلْكِ، إنَّما أُوتِيَ مُلْكًا خاصًّا، وهو مُلْكُ مِصْرَ في زَمَنٍ خاصٍّ ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ بَعْضِها، لِأنَّهُ لَمْ يُؤْتَ جَمِيعَ عِلْمِ التَّأْوِيلِ، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ العِلْمِ والفَهْمِ، أوْ مُجَرَّدُ تَأْوِيلِ الرُّؤْيا، وقِيلَ: " مِن " لِلْجِنْسِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] . وقِيلَ: زائِدَةٌ، أيْ: آتَيْتَنِي المُلْكَ وعَلَّمْتَنِي تَأْوِيلَ الأحادِيثِ ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ " رَبِّ "، لِكَوْنِهِ مُنادًى مُضافًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مُنادًى بِحَرْفٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: يا فاطِرُ، والفاطِرُ الخالِقُ والمُنْشِيءُ والمُخْتَرِعُ والمُبْدِعُ ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيْ ناصِرِي ومُتَوَلِّي أُمُورِي ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ تَتَوَلّانِي فِيهِما ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أيْ تَوَفَّنِي عَلى الإسْلامِ لا يُفارِقُنِي حَتّى أمُوتَ، وأُلْحَقَ بِالصّالِحِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن آبائِي وغَيْرِهِمْ فَأظْفَرُ بِثَوابِهِمْ مِنكَ ودَرَجاتِهِمْ عِنْدَكَ. قِيلَ: إنَّهُ لَمّا دَعا بِهَذا الدُّعاءِ تَوَفّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قِيلَ: كانَ عُمُرُهُ عِنْدَ أنْ أُلْقِيَ في الجُبِّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ في العُبُودِيَّةِ والسِّجْنِ والمُلْكِ ثَمانِينَ سَنَةً إلى قُدُومِ أبِيهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عاشَ بَعْدَ اجْتِماعِ شَمْلِهِمْ حَتّى كَمُلَ عُمُرُهُ المِقْدارَ الَّذِي سَيَأْتِي وتَوَفّاهُ اللَّهُ. قِيلَ: لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ أحَدٌ غَيْرُ يُوسُفَ لا نَبِيٌّ ولا غَيْرُهُ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لَمْ يَتَمَنَّ المَوْتَ بِهَذا الدُّعاءِ، وإنَّما دَعا رَبَّهُ أنْ يَتَوَفّاهُ عَلى الإسْلامِ ويُلْحِقَهُ بِالصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ في مُلْكَ يُوسُفَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَ في مُلْكِهِ ثَلاثِينَ سَنَةً، وماتَ يُوسُفُ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وبَلَغَنِي أنَّهُ كانَ عُمُرُ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ مِائَةً وخَمْسَةً وتِسْعِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ قالَ: أبُوهُ وأُمُّهُ ضَمَّهُما. وأخْرَجا عَنْ وهْبٍ قالَ: وخالَتُهُ، وكانَتْ تُوُفِّيَتْ أُمُّ يُوسُفَ في نِفاسِ أخِيهِ بِنْيامِينَ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ نَحْوَهُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾ قالَ: السَّرِيرُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ قالَ: كانَتْ تَحِيَّةَ مَن كانَ قَبْلَكم فَأعْطاكُمُ اللَّهُ السَّلامَ مَكانَها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: ذَلِكَ سُجُودُ تَشْرِفَةٍ كَما سَجَدَتِ المَلائِكَةُ تَشْرِفَةً لِأدَمَ، ولَيْسَ سُجُودَ عِبادَةٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ قالَ: لَطِيفٌ لِيُوسُفَ وصَنَعَ لَهُ حِينَ أخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ، وجاءَ بِأهْلِهِ مِنَ البَدْوِ، ونَزَعَ مِن قَلْبِهِ نَزْغَ الشَّيْطانِ وتَحْرِيشَهُ عَلى إخْوَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما سَألَ نَبِيُّ الوَفاةَ غَيْرُ يُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: اشْتاقَ إلى لِقاءِ اللَّهِ وأحَبَّ أنْ يَلْحَقَ بِهِ وبِآبائِهِ. فَدَعا اللَّهَ أنْ يَتَوَفّاهُ، وأنْ يُلْحِقَهُ بِهِمْ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ.

يوسف 12:102

. الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ. قالَ (p-٧١٦)الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ: أيِ الَّذِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ. والمَعْنى: الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنَّ هَذا الَّذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلَ الوَحْيِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما جاءَ بِهِ جُحُودًا وعِنادًا وحَسَدًا مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ إجْماعُ الأمْرِ: العَزْمُ عَلَيْهِ، أيْ: وما كُنْتَ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ إذْ عَزَمُوا جَمِيعًا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَمْكُرُونَ بِهِ، أيْ: بِيُوسُفَ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي فَعَلُوهُ بِهِ ويَبْغُونَهُ الغَوائِلَ - وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِيَعْقُوبَ، أيْ: يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا أكَلَهُ الذِّئْبُ. وإذا لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَدَيْهِمْ عِنْدَ أنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، انْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ مُشاهَدَةً، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لَهم عِلْمٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولا خالَطَهم ولا خالَطُوهُ، فانْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الرِّوايَةِ عَنِ الغَيْرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ إلّا مُجَرَّدُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَهَذا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِما جاءَ بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ مَن عاصَرَهُ مِنَ الكُفّارِ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذاكِرًا لِهَذا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وما أكْثَرَ النّاسَ المُعاصِرِينَ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أوْ ما أكْثَرَ النّاسَ عَلى العُمُومِ ولَوْ حَرَصَتْ عَلى هِدايَتِهِمْ وبالَغَتْ في ذَلِكَ بِمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ الَّذِي هو دِينُ آبائِهِمْ، يُقالُ حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وفي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ، مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ، والحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاجْتِهادٍ. قالَ الزَّجّاجُ ومَعْناهُ وما أكْثَرَ النّاسَ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم، لِأنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ فَشَرَحَهُما شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، وحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ فَعَزّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ الآيَةَ. ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ وما تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنهُ، أوْ عَلى الإيمانِ وحِرْصِكَ عَلى وُقُوعِهِ مِنهم أوْ عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ مِن هَذا الحَدِيثِ مِن أجْرٍ مِن مالٍ يُعْطُونَكَ إيّاهُ ويَجْعَلُونَهُ لَكَ كَما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم إنْ هو أيِ القُرْآنُ أوِ الحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَهم بِهِ ﴿إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ كافَّةً لا يَخْتَصُّ بِهِمْ وحْدَهم. ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: والأكْثَرُونَ أنَّ " كَأيِّنْ " أصْلُها ( أيٌّ ) دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، لَكِنَّهُ انْمَحى عَنِ الحَرْفَيْنِ المَعْنى الإفْرادِيُّ، وصارَ المَجْمُوعُ كاسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى " كَمِ " الخَبَرِيَّةِ، والأكْثَرُ إدْخالُ " مِن " في مُمَيِّزِهِ، وهو تَمْيِيزٌ عَنِ الكافِ لا عَنْ " أيٍّ " كَما في: مِثْلُكَ رَجُلًا. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: كَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ كائِنَةً في السَّماواتِ مِن كَوْنِها مَنصُوبَةً بِغَيْرِ عَمَدٍ، مُزَيَّنَةً بِالكَواكِبِ النَّيِّرَةِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ، وفي الأرْضِ مِن جِبالِها وقَفارِها وبِحارِها ونَباتِها وحَيَواناتِها تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ الخالِقُ لِذَلِكَ، الرَّزّاقُ لَهُ المُحْيِي والمُمِيتُ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَمُرُّونَ عَلى هَذِهِ الآياتِ غَيْرُ مُتَأمِّلِينَ لَها، ولا مُفَكِّرِينَ فِيها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وُجُودِ خالِقِها، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُشاهِدِينَ لَها ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ وإنْ نَظَرُوا إلَيْها بِأعْيانِهِمْ فَقَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو الثَّمَرَةُ لِلنَّظَرِ بِالحَدَقَةِ، وهي التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ والِاسْتِدْلالُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِرَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ " يَمُرُّونَ عَلَيْها "، وقَرَأ السُّدِّيُّ بِنَصْبِ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَمْشُونَ عَلَيْها. ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ أيْ وما يُصَدِّقُ ويُقِرُّ أكْثَرُ النّاسِ بِاللَّهِ مِن كَوْنِهِ الخالِقَ الرَّزّاقَ المُحْيِيَ المُمِيتَ ﴿إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ، يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ، فَإنَّهم مُقِرُّونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِأنَّهُ الخالِقُ لَهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لَكِنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شُرَكاءَ فَيَعْبُدُونَهم لِيُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] ومِثْلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ المُعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن عُبّادِ القُبُورِ، ولا يُنافِي هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لا بِما يُفِيدُهُ السَّبَبُ مِنَ الِاخْتِصاصِ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الحُكْمِ. ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والغاشِيَةُ ما يَغْشاهم ويَغْمُرُهم مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقِيلَ: هي السّاعَةُ، وقِيلَ: الصَّواعِقُ والقَوارِعُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى العُمُومِ ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً، وانْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى الحالِ. قالَ المُبَرِّدُ: جاءَ عَنِ العَرَبِ حالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وهو قَوْلُهم: وقَعَ أمْرٌ بَغْتَةً، يُقالُ بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً: إذا فاجَأهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها سَبِيلِي، أيْ: طَرِيقِي وسُنَّتِي، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سَبِيلِي، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ، والبَصِيرَةُ المَعْرِفَةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أيْ ويَدْعُو إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي واهْتَدى بِهَدْيِي. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى ومَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو إلى اللَّهِ كَما أدْعُو. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُتَّبِعٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَقٌّ عَلَيْهِ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى الإيمانِ بِهِ وتَوْحِيدِهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ (p-٧١٧)﴿وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لَهم سُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ أنْدادًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وقَدِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ قالَ: هم بَنُو يَعْقُوبَ إذْ يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وهم يُلْقُونَهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وهم يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ قالَ: كَمْ مِن آيَةٍ في السَّماءِ يَعْنِي شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وسَحابَها، وفي الأرْضِ ما فِيها مِنَ الخَلْقِ والأنْهارِ والجِبالِ والمَدائِنِ والقُصُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: سَلْهم مَن خَلَقَهم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَذَلِكَ إيمانُهم وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وهو خالِقُهم وهو رازِقُهم، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ المُنافِقُ يَعْمَلُ بِالرِّياءِ وهو مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: وقِيعَةٌ تَغْشاهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قُلْ هَذِهِ دَعْوَتِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قالَ: صَلاتِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: أمْرِي ومَشِيئَتِي ومِنهاجِي، وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى هُدًى ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

يوسف 12:103

. الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ. قالَ (p-٧١٦)الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ: أيِ الَّذِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ. والمَعْنى: الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنَّ هَذا الَّذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلَ الوَحْيِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما جاءَ بِهِ جُحُودًا وعِنادًا وحَسَدًا مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ إجْماعُ الأمْرِ: العَزْمُ عَلَيْهِ، أيْ: وما كُنْتَ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ إذْ عَزَمُوا جَمِيعًا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَمْكُرُونَ بِهِ، أيْ: بِيُوسُفَ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي فَعَلُوهُ بِهِ ويَبْغُونَهُ الغَوائِلَ - وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِيَعْقُوبَ، أيْ: يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا أكَلَهُ الذِّئْبُ. وإذا لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَدَيْهِمْ عِنْدَ أنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، انْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ مُشاهَدَةً، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لَهم عِلْمٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولا خالَطَهم ولا خالَطُوهُ، فانْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الرِّوايَةِ عَنِ الغَيْرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ إلّا مُجَرَّدُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَهَذا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِما جاءَ بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ مَن عاصَرَهُ مِنَ الكُفّارِ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذاكِرًا لِهَذا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وما أكْثَرَ النّاسَ المُعاصِرِينَ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أوْ ما أكْثَرَ النّاسَ عَلى العُمُومِ ولَوْ حَرَصَتْ عَلى هِدايَتِهِمْ وبالَغَتْ في ذَلِكَ بِمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ الَّذِي هو دِينُ آبائِهِمْ، يُقالُ حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وفي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ، مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ، والحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاجْتِهادٍ. قالَ الزَّجّاجُ ومَعْناهُ وما أكْثَرَ النّاسَ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم، لِأنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ فَشَرَحَهُما شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، وحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ فَعَزّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ الآيَةَ. ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ وما تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنهُ، أوْ عَلى الإيمانِ وحِرْصِكَ عَلى وُقُوعِهِ مِنهم أوْ عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ مِن هَذا الحَدِيثِ مِن أجْرٍ مِن مالٍ يُعْطُونَكَ إيّاهُ ويَجْعَلُونَهُ لَكَ كَما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم إنْ هو أيِ القُرْآنُ أوِ الحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَهم بِهِ ﴿إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ كافَّةً لا يَخْتَصُّ بِهِمْ وحْدَهم. ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: والأكْثَرُونَ أنَّ " كَأيِّنْ " أصْلُها ( أيٌّ ) دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، لَكِنَّهُ انْمَحى عَنِ الحَرْفَيْنِ المَعْنى الإفْرادِيُّ، وصارَ المَجْمُوعُ كاسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى " كَمِ " الخَبَرِيَّةِ، والأكْثَرُ إدْخالُ " مِن " في مُمَيِّزِهِ، وهو تَمْيِيزٌ عَنِ الكافِ لا عَنْ " أيٍّ " كَما في: مِثْلُكَ رَجُلًا. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: كَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ كائِنَةً في السَّماواتِ مِن كَوْنِها مَنصُوبَةً بِغَيْرِ عَمَدٍ، مُزَيَّنَةً بِالكَواكِبِ النَّيِّرَةِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ، وفي الأرْضِ مِن جِبالِها وقَفارِها وبِحارِها ونَباتِها وحَيَواناتِها تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ الخالِقُ لِذَلِكَ، الرَّزّاقُ لَهُ المُحْيِي والمُمِيتُ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَمُرُّونَ عَلى هَذِهِ الآياتِ غَيْرُ مُتَأمِّلِينَ لَها، ولا مُفَكِّرِينَ فِيها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وُجُودِ خالِقِها، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُشاهِدِينَ لَها ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ وإنْ نَظَرُوا إلَيْها بِأعْيانِهِمْ فَقَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو الثَّمَرَةُ لِلنَّظَرِ بِالحَدَقَةِ، وهي التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ والِاسْتِدْلالُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِرَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ " يَمُرُّونَ عَلَيْها "، وقَرَأ السُّدِّيُّ بِنَصْبِ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَمْشُونَ عَلَيْها. ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ أيْ وما يُصَدِّقُ ويُقِرُّ أكْثَرُ النّاسِ بِاللَّهِ مِن كَوْنِهِ الخالِقَ الرَّزّاقَ المُحْيِيَ المُمِيتَ ﴿إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ، يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ، فَإنَّهم مُقِرُّونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِأنَّهُ الخالِقُ لَهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لَكِنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شُرَكاءَ فَيَعْبُدُونَهم لِيُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] ومِثْلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ المُعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن عُبّادِ القُبُورِ، ولا يُنافِي هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لا بِما يُفِيدُهُ السَّبَبُ مِنَ الِاخْتِصاصِ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الحُكْمِ. ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والغاشِيَةُ ما يَغْشاهم ويَغْمُرُهم مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقِيلَ: هي السّاعَةُ، وقِيلَ: الصَّواعِقُ والقَوارِعُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى العُمُومِ ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً، وانْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى الحالِ. قالَ المُبَرِّدُ: جاءَ عَنِ العَرَبِ حالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وهو قَوْلُهم: وقَعَ أمْرٌ بَغْتَةً، يُقالُ بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً: إذا فاجَأهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها سَبِيلِي، أيْ: طَرِيقِي وسُنَّتِي، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سَبِيلِي، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ، والبَصِيرَةُ المَعْرِفَةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أيْ ويَدْعُو إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي واهْتَدى بِهَدْيِي. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى ومَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو إلى اللَّهِ كَما أدْعُو. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُتَّبِعٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَقٌّ عَلَيْهِ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى الإيمانِ بِهِ وتَوْحِيدِهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ (p-٧١٧)﴿وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لَهم سُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ أنْدادًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وقَدِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ قالَ: هم بَنُو يَعْقُوبَ إذْ يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وهم يُلْقُونَهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وهم يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ قالَ: كَمْ مِن آيَةٍ في السَّماءِ يَعْنِي شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وسَحابَها، وفي الأرْضِ ما فِيها مِنَ الخَلْقِ والأنْهارِ والجِبالِ والمَدائِنِ والقُصُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: سَلْهم مَن خَلَقَهم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَذَلِكَ إيمانُهم وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وهو خالِقُهم وهو رازِقُهم، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ المُنافِقُ يَعْمَلُ بِالرِّياءِ وهو مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: وقِيعَةٌ تَغْشاهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قُلْ هَذِهِ دَعْوَتِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قالَ: صَلاتِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: أمْرِي ومَشِيئَتِي ومِنهاجِي، وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى هُدًى ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

يوسف 12:104

. الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ. قالَ (p-٧١٦)الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ: أيِ الَّذِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ. والمَعْنى: الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنَّ هَذا الَّذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلَ الوَحْيِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما جاءَ بِهِ جُحُودًا وعِنادًا وحَسَدًا مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ إجْماعُ الأمْرِ: العَزْمُ عَلَيْهِ، أيْ: وما كُنْتَ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ إذْ عَزَمُوا جَمِيعًا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَمْكُرُونَ بِهِ، أيْ: بِيُوسُفَ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي فَعَلُوهُ بِهِ ويَبْغُونَهُ الغَوائِلَ - وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِيَعْقُوبَ، أيْ: يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا أكَلَهُ الذِّئْبُ. وإذا لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَدَيْهِمْ عِنْدَ أنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، انْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ مُشاهَدَةً، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لَهم عِلْمٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولا خالَطَهم ولا خالَطُوهُ، فانْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الرِّوايَةِ عَنِ الغَيْرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ إلّا مُجَرَّدُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَهَذا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِما جاءَ بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ مَن عاصَرَهُ مِنَ الكُفّارِ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذاكِرًا لِهَذا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وما أكْثَرَ النّاسَ المُعاصِرِينَ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أوْ ما أكْثَرَ النّاسَ عَلى العُمُومِ ولَوْ حَرَصَتْ عَلى هِدايَتِهِمْ وبالَغَتْ في ذَلِكَ بِمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ الَّذِي هو دِينُ آبائِهِمْ، يُقالُ حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وفي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ، مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ، والحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاجْتِهادٍ. قالَ الزَّجّاجُ ومَعْناهُ وما أكْثَرَ النّاسَ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم، لِأنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ فَشَرَحَهُما شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، وحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ فَعَزّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ الآيَةَ. ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ وما تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنهُ، أوْ عَلى الإيمانِ وحِرْصِكَ عَلى وُقُوعِهِ مِنهم أوْ عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ مِن هَذا الحَدِيثِ مِن أجْرٍ مِن مالٍ يُعْطُونَكَ إيّاهُ ويَجْعَلُونَهُ لَكَ كَما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم إنْ هو أيِ القُرْآنُ أوِ الحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَهم بِهِ ﴿إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ كافَّةً لا يَخْتَصُّ بِهِمْ وحْدَهم. ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: والأكْثَرُونَ أنَّ " كَأيِّنْ " أصْلُها ( أيٌّ ) دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، لَكِنَّهُ انْمَحى عَنِ الحَرْفَيْنِ المَعْنى الإفْرادِيُّ، وصارَ المَجْمُوعُ كاسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى " كَمِ " الخَبَرِيَّةِ، والأكْثَرُ إدْخالُ " مِن " في مُمَيِّزِهِ، وهو تَمْيِيزٌ عَنِ الكافِ لا عَنْ " أيٍّ " كَما في: مِثْلُكَ رَجُلًا. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: كَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ كائِنَةً في السَّماواتِ مِن كَوْنِها مَنصُوبَةً بِغَيْرِ عَمَدٍ، مُزَيَّنَةً بِالكَواكِبِ النَّيِّرَةِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ، وفي الأرْضِ مِن جِبالِها وقَفارِها وبِحارِها ونَباتِها وحَيَواناتِها تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ الخالِقُ لِذَلِكَ، الرَّزّاقُ لَهُ المُحْيِي والمُمِيتُ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَمُرُّونَ عَلى هَذِهِ الآياتِ غَيْرُ مُتَأمِّلِينَ لَها، ولا مُفَكِّرِينَ فِيها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وُجُودِ خالِقِها، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُشاهِدِينَ لَها ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ وإنْ نَظَرُوا إلَيْها بِأعْيانِهِمْ فَقَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو الثَّمَرَةُ لِلنَّظَرِ بِالحَدَقَةِ، وهي التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ والِاسْتِدْلالُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِرَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ " يَمُرُّونَ عَلَيْها "، وقَرَأ السُّدِّيُّ بِنَصْبِ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَمْشُونَ عَلَيْها. ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ أيْ وما يُصَدِّقُ ويُقِرُّ أكْثَرُ النّاسِ بِاللَّهِ مِن كَوْنِهِ الخالِقَ الرَّزّاقَ المُحْيِيَ المُمِيتَ ﴿إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ، يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ، فَإنَّهم مُقِرُّونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِأنَّهُ الخالِقُ لَهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لَكِنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شُرَكاءَ فَيَعْبُدُونَهم لِيُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] ومِثْلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ المُعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن عُبّادِ القُبُورِ، ولا يُنافِي هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لا بِما يُفِيدُهُ السَّبَبُ مِنَ الِاخْتِصاصِ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الحُكْمِ. ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والغاشِيَةُ ما يَغْشاهم ويَغْمُرُهم مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقِيلَ: هي السّاعَةُ، وقِيلَ: الصَّواعِقُ والقَوارِعُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى العُمُومِ ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً، وانْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى الحالِ. قالَ المُبَرِّدُ: جاءَ عَنِ العَرَبِ حالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وهو قَوْلُهم: وقَعَ أمْرٌ بَغْتَةً، يُقالُ بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً: إذا فاجَأهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها سَبِيلِي، أيْ: طَرِيقِي وسُنَّتِي، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سَبِيلِي، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ، والبَصِيرَةُ المَعْرِفَةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أيْ ويَدْعُو إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي واهْتَدى بِهَدْيِي. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى ومَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو إلى اللَّهِ كَما أدْعُو. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُتَّبِعٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَقٌّ عَلَيْهِ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى الإيمانِ بِهِ وتَوْحِيدِهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ (p-٧١٧)﴿وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لَهم سُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ أنْدادًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وقَدِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ قالَ: هم بَنُو يَعْقُوبَ إذْ يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وهم يُلْقُونَهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وهم يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ قالَ: كَمْ مِن آيَةٍ في السَّماءِ يَعْنِي شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وسَحابَها، وفي الأرْضِ ما فِيها مِنَ الخَلْقِ والأنْهارِ والجِبالِ والمَدائِنِ والقُصُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: سَلْهم مَن خَلَقَهم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَذَلِكَ إيمانُهم وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وهو خالِقُهم وهو رازِقُهم، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ المُنافِقُ يَعْمَلُ بِالرِّياءِ وهو مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: وقِيعَةٌ تَغْشاهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قُلْ هَذِهِ دَعْوَتِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قالَ: صَلاتِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: أمْرِي ومَشِيئَتِي ومِنهاجِي، وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى هُدًى ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

يوسف 12:105

. الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ. قالَ (p-٧١٦)الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ: أيِ الَّذِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ. والمَعْنى: الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنَّ هَذا الَّذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلَ الوَحْيِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما جاءَ بِهِ جُحُودًا وعِنادًا وحَسَدًا مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ إجْماعُ الأمْرِ: العَزْمُ عَلَيْهِ، أيْ: وما كُنْتَ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ إذْ عَزَمُوا جَمِيعًا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَمْكُرُونَ بِهِ، أيْ: بِيُوسُفَ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي فَعَلُوهُ بِهِ ويَبْغُونَهُ الغَوائِلَ - وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِيَعْقُوبَ، أيْ: يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا أكَلَهُ الذِّئْبُ. وإذا لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَدَيْهِمْ عِنْدَ أنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، انْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ مُشاهَدَةً، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لَهم عِلْمٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولا خالَطَهم ولا خالَطُوهُ، فانْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الرِّوايَةِ عَنِ الغَيْرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ إلّا مُجَرَّدُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَهَذا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِما جاءَ بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ مَن عاصَرَهُ مِنَ الكُفّارِ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذاكِرًا لِهَذا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وما أكْثَرَ النّاسَ المُعاصِرِينَ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أوْ ما أكْثَرَ النّاسَ عَلى العُمُومِ ولَوْ حَرَصَتْ عَلى هِدايَتِهِمْ وبالَغَتْ في ذَلِكَ بِمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ الَّذِي هو دِينُ آبائِهِمْ، يُقالُ حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وفي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ، مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ، والحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاجْتِهادٍ. قالَ الزَّجّاجُ ومَعْناهُ وما أكْثَرَ النّاسَ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم، لِأنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ فَشَرَحَهُما شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، وحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ فَعَزّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ الآيَةَ. ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ وما تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنهُ، أوْ عَلى الإيمانِ وحِرْصِكَ عَلى وُقُوعِهِ مِنهم أوْ عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ مِن هَذا الحَدِيثِ مِن أجْرٍ مِن مالٍ يُعْطُونَكَ إيّاهُ ويَجْعَلُونَهُ لَكَ كَما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم إنْ هو أيِ القُرْآنُ أوِ الحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَهم بِهِ ﴿إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ كافَّةً لا يَخْتَصُّ بِهِمْ وحْدَهم. ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: والأكْثَرُونَ أنَّ " كَأيِّنْ " أصْلُها ( أيٌّ ) دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، لَكِنَّهُ انْمَحى عَنِ الحَرْفَيْنِ المَعْنى الإفْرادِيُّ، وصارَ المَجْمُوعُ كاسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى " كَمِ " الخَبَرِيَّةِ، والأكْثَرُ إدْخالُ " مِن " في مُمَيِّزِهِ، وهو تَمْيِيزٌ عَنِ الكافِ لا عَنْ " أيٍّ " كَما في: مِثْلُكَ رَجُلًا. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: كَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ كائِنَةً في السَّماواتِ مِن كَوْنِها مَنصُوبَةً بِغَيْرِ عَمَدٍ، مُزَيَّنَةً بِالكَواكِبِ النَّيِّرَةِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ، وفي الأرْضِ مِن جِبالِها وقَفارِها وبِحارِها ونَباتِها وحَيَواناتِها تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ الخالِقُ لِذَلِكَ، الرَّزّاقُ لَهُ المُحْيِي والمُمِيتُ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَمُرُّونَ عَلى هَذِهِ الآياتِ غَيْرُ مُتَأمِّلِينَ لَها، ولا مُفَكِّرِينَ فِيها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وُجُودِ خالِقِها، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُشاهِدِينَ لَها ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ وإنْ نَظَرُوا إلَيْها بِأعْيانِهِمْ فَقَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو الثَّمَرَةُ لِلنَّظَرِ بِالحَدَقَةِ، وهي التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ والِاسْتِدْلالُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِرَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ " يَمُرُّونَ عَلَيْها "، وقَرَأ السُّدِّيُّ بِنَصْبِ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَمْشُونَ عَلَيْها. ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ أيْ وما يُصَدِّقُ ويُقِرُّ أكْثَرُ النّاسِ بِاللَّهِ مِن كَوْنِهِ الخالِقَ الرَّزّاقَ المُحْيِيَ المُمِيتَ ﴿إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ، يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ، فَإنَّهم مُقِرُّونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِأنَّهُ الخالِقُ لَهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لَكِنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شُرَكاءَ فَيَعْبُدُونَهم لِيُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] ومِثْلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ المُعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن عُبّادِ القُبُورِ، ولا يُنافِي هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لا بِما يُفِيدُهُ السَّبَبُ مِنَ الِاخْتِصاصِ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الحُكْمِ. ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والغاشِيَةُ ما يَغْشاهم ويَغْمُرُهم مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقِيلَ: هي السّاعَةُ، وقِيلَ: الصَّواعِقُ والقَوارِعُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى العُمُومِ ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً، وانْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى الحالِ. قالَ المُبَرِّدُ: جاءَ عَنِ العَرَبِ حالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وهو قَوْلُهم: وقَعَ أمْرٌ بَغْتَةً، يُقالُ بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً: إذا فاجَأهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها سَبِيلِي، أيْ: طَرِيقِي وسُنَّتِي، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سَبِيلِي، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ، والبَصِيرَةُ المَعْرِفَةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أيْ ويَدْعُو إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي واهْتَدى بِهَدْيِي. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى ومَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو إلى اللَّهِ كَما أدْعُو. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُتَّبِعٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَقٌّ عَلَيْهِ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى الإيمانِ بِهِ وتَوْحِيدِهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ (p-٧١٧)﴿وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لَهم سُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ أنْدادًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وقَدِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ قالَ: هم بَنُو يَعْقُوبَ إذْ يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وهم يُلْقُونَهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وهم يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ قالَ: كَمْ مِن آيَةٍ في السَّماءِ يَعْنِي شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وسَحابَها، وفي الأرْضِ ما فِيها مِنَ الخَلْقِ والأنْهارِ والجِبالِ والمَدائِنِ والقُصُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: سَلْهم مَن خَلَقَهم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَذَلِكَ إيمانُهم وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وهو خالِقُهم وهو رازِقُهم، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ المُنافِقُ يَعْمَلُ بِالرِّياءِ وهو مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: وقِيعَةٌ تَغْشاهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قُلْ هَذِهِ دَعْوَتِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قالَ: صَلاتِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: أمْرِي ومَشِيئَتِي ومِنهاجِي، وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى هُدًى ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

يوسف 12:106

. الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ. قالَ (p-٧١٦)الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ: أيِ الَّذِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ. والمَعْنى: الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنَّ هَذا الَّذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلَ الوَحْيِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما جاءَ بِهِ جُحُودًا وعِنادًا وحَسَدًا مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ إجْماعُ الأمْرِ: العَزْمُ عَلَيْهِ، أيْ: وما كُنْتَ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ إذْ عَزَمُوا جَمِيعًا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَمْكُرُونَ بِهِ، أيْ: بِيُوسُفَ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي فَعَلُوهُ بِهِ ويَبْغُونَهُ الغَوائِلَ - وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِيَعْقُوبَ، أيْ: يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا أكَلَهُ الذِّئْبُ. وإذا لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَدَيْهِمْ عِنْدَ أنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، انْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ مُشاهَدَةً، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لَهم عِلْمٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولا خالَطَهم ولا خالَطُوهُ، فانْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الرِّوايَةِ عَنِ الغَيْرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ إلّا مُجَرَّدُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَهَذا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِما جاءَ بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ مَن عاصَرَهُ مِنَ الكُفّارِ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذاكِرًا لِهَذا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وما أكْثَرَ النّاسَ المُعاصِرِينَ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أوْ ما أكْثَرَ النّاسَ عَلى العُمُومِ ولَوْ حَرَصَتْ عَلى هِدايَتِهِمْ وبالَغَتْ في ذَلِكَ بِمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ الَّذِي هو دِينُ آبائِهِمْ، يُقالُ حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وفي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ، مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ، والحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاجْتِهادٍ. قالَ الزَّجّاجُ ومَعْناهُ وما أكْثَرَ النّاسَ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم، لِأنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ فَشَرَحَهُما شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، وحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ فَعَزّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ الآيَةَ. ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ وما تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنهُ، أوْ عَلى الإيمانِ وحِرْصِكَ عَلى وُقُوعِهِ مِنهم أوْ عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ مِن هَذا الحَدِيثِ مِن أجْرٍ مِن مالٍ يُعْطُونَكَ إيّاهُ ويَجْعَلُونَهُ لَكَ كَما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم إنْ هو أيِ القُرْآنُ أوِ الحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَهم بِهِ ﴿إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ كافَّةً لا يَخْتَصُّ بِهِمْ وحْدَهم. ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: والأكْثَرُونَ أنَّ " كَأيِّنْ " أصْلُها ( أيٌّ ) دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، لَكِنَّهُ انْمَحى عَنِ الحَرْفَيْنِ المَعْنى الإفْرادِيُّ، وصارَ المَجْمُوعُ كاسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى " كَمِ " الخَبَرِيَّةِ، والأكْثَرُ إدْخالُ " مِن " في مُمَيِّزِهِ، وهو تَمْيِيزٌ عَنِ الكافِ لا عَنْ " أيٍّ " كَما في: مِثْلُكَ رَجُلًا. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: كَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ كائِنَةً في السَّماواتِ مِن كَوْنِها مَنصُوبَةً بِغَيْرِ عَمَدٍ، مُزَيَّنَةً بِالكَواكِبِ النَّيِّرَةِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ، وفي الأرْضِ مِن جِبالِها وقَفارِها وبِحارِها ونَباتِها وحَيَواناتِها تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ الخالِقُ لِذَلِكَ، الرَّزّاقُ لَهُ المُحْيِي والمُمِيتُ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَمُرُّونَ عَلى هَذِهِ الآياتِ غَيْرُ مُتَأمِّلِينَ لَها، ولا مُفَكِّرِينَ فِيها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وُجُودِ خالِقِها، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُشاهِدِينَ لَها ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ وإنْ نَظَرُوا إلَيْها بِأعْيانِهِمْ فَقَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو الثَّمَرَةُ لِلنَّظَرِ بِالحَدَقَةِ، وهي التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ والِاسْتِدْلالُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِرَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ " يَمُرُّونَ عَلَيْها "، وقَرَأ السُّدِّيُّ بِنَصْبِ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَمْشُونَ عَلَيْها. ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ أيْ وما يُصَدِّقُ ويُقِرُّ أكْثَرُ النّاسِ بِاللَّهِ مِن كَوْنِهِ الخالِقَ الرَّزّاقَ المُحْيِيَ المُمِيتَ ﴿إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ، يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ، فَإنَّهم مُقِرُّونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِأنَّهُ الخالِقُ لَهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لَكِنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شُرَكاءَ فَيَعْبُدُونَهم لِيُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] ومِثْلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ المُعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن عُبّادِ القُبُورِ، ولا يُنافِي هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لا بِما يُفِيدُهُ السَّبَبُ مِنَ الِاخْتِصاصِ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الحُكْمِ. ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والغاشِيَةُ ما يَغْشاهم ويَغْمُرُهم مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقِيلَ: هي السّاعَةُ، وقِيلَ: الصَّواعِقُ والقَوارِعُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى العُمُومِ ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً، وانْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى الحالِ. قالَ المُبَرِّدُ: جاءَ عَنِ العَرَبِ حالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وهو قَوْلُهم: وقَعَ أمْرٌ بَغْتَةً، يُقالُ بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً: إذا فاجَأهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها سَبِيلِي، أيْ: طَرِيقِي وسُنَّتِي، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سَبِيلِي، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ، والبَصِيرَةُ المَعْرِفَةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أيْ ويَدْعُو إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي واهْتَدى بِهَدْيِي. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى ومَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو إلى اللَّهِ كَما أدْعُو. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُتَّبِعٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَقٌّ عَلَيْهِ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى الإيمانِ بِهِ وتَوْحِيدِهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ (p-٧١٧)﴿وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لَهم سُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ أنْدادًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وقَدِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ قالَ: هم بَنُو يَعْقُوبَ إذْ يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وهم يُلْقُونَهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وهم يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ قالَ: كَمْ مِن آيَةٍ في السَّماءِ يَعْنِي شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وسَحابَها، وفي الأرْضِ ما فِيها مِنَ الخَلْقِ والأنْهارِ والجِبالِ والمَدائِنِ والقُصُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: سَلْهم مَن خَلَقَهم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَذَلِكَ إيمانُهم وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وهو خالِقُهم وهو رازِقُهم، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ المُنافِقُ يَعْمَلُ بِالرِّياءِ وهو مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: وقِيعَةٌ تَغْشاهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قُلْ هَذِهِ دَعْوَتِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قالَ: صَلاتِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: أمْرِي ومَشِيئَتِي ومِنهاجِي، وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى هُدًى ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

يوسف 12:107

. الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ. قالَ (p-٧١٦)الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ: أيِ الَّذِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ. والمَعْنى: الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنَّ هَذا الَّذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلَ الوَحْيِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما جاءَ بِهِ جُحُودًا وعِنادًا وحَسَدًا مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ إجْماعُ الأمْرِ: العَزْمُ عَلَيْهِ، أيْ: وما كُنْتَ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ إذْ عَزَمُوا جَمِيعًا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَمْكُرُونَ بِهِ، أيْ: بِيُوسُفَ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي فَعَلُوهُ بِهِ ويَبْغُونَهُ الغَوائِلَ - وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِيَعْقُوبَ، أيْ: يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا أكَلَهُ الذِّئْبُ. وإذا لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَدَيْهِمْ عِنْدَ أنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، انْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ مُشاهَدَةً، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لَهم عِلْمٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولا خالَطَهم ولا خالَطُوهُ، فانْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الرِّوايَةِ عَنِ الغَيْرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ إلّا مُجَرَّدُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَهَذا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِما جاءَ بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ مَن عاصَرَهُ مِنَ الكُفّارِ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذاكِرًا لِهَذا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وما أكْثَرَ النّاسَ المُعاصِرِينَ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أوْ ما أكْثَرَ النّاسَ عَلى العُمُومِ ولَوْ حَرَصَتْ عَلى هِدايَتِهِمْ وبالَغَتْ في ذَلِكَ بِمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ الَّذِي هو دِينُ آبائِهِمْ، يُقالُ حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وفي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ، مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ، والحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاجْتِهادٍ. قالَ الزَّجّاجُ ومَعْناهُ وما أكْثَرَ النّاسَ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم، لِأنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ فَشَرَحَهُما شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، وحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ فَعَزّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ الآيَةَ. ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ وما تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنهُ، أوْ عَلى الإيمانِ وحِرْصِكَ عَلى وُقُوعِهِ مِنهم أوْ عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ مِن هَذا الحَدِيثِ مِن أجْرٍ مِن مالٍ يُعْطُونَكَ إيّاهُ ويَجْعَلُونَهُ لَكَ كَما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم إنْ هو أيِ القُرْآنُ أوِ الحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَهم بِهِ ﴿إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ كافَّةً لا يَخْتَصُّ بِهِمْ وحْدَهم. ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: والأكْثَرُونَ أنَّ " كَأيِّنْ " أصْلُها ( أيٌّ ) دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، لَكِنَّهُ انْمَحى عَنِ الحَرْفَيْنِ المَعْنى الإفْرادِيُّ، وصارَ المَجْمُوعُ كاسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى " كَمِ " الخَبَرِيَّةِ، والأكْثَرُ إدْخالُ " مِن " في مُمَيِّزِهِ، وهو تَمْيِيزٌ عَنِ الكافِ لا عَنْ " أيٍّ " كَما في: مِثْلُكَ رَجُلًا. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: كَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ كائِنَةً في السَّماواتِ مِن كَوْنِها مَنصُوبَةً بِغَيْرِ عَمَدٍ، مُزَيَّنَةً بِالكَواكِبِ النَّيِّرَةِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ، وفي الأرْضِ مِن جِبالِها وقَفارِها وبِحارِها ونَباتِها وحَيَواناتِها تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ الخالِقُ لِذَلِكَ، الرَّزّاقُ لَهُ المُحْيِي والمُمِيتُ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَمُرُّونَ عَلى هَذِهِ الآياتِ غَيْرُ مُتَأمِّلِينَ لَها، ولا مُفَكِّرِينَ فِيها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وُجُودِ خالِقِها، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُشاهِدِينَ لَها ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ وإنْ نَظَرُوا إلَيْها بِأعْيانِهِمْ فَقَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو الثَّمَرَةُ لِلنَّظَرِ بِالحَدَقَةِ، وهي التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ والِاسْتِدْلالُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِرَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ " يَمُرُّونَ عَلَيْها "، وقَرَأ السُّدِّيُّ بِنَصْبِ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَمْشُونَ عَلَيْها. ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ أيْ وما يُصَدِّقُ ويُقِرُّ أكْثَرُ النّاسِ بِاللَّهِ مِن كَوْنِهِ الخالِقَ الرَّزّاقَ المُحْيِيَ المُمِيتَ ﴿إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ، يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ، فَإنَّهم مُقِرُّونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِأنَّهُ الخالِقُ لَهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لَكِنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شُرَكاءَ فَيَعْبُدُونَهم لِيُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] ومِثْلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ المُعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن عُبّادِ القُبُورِ، ولا يُنافِي هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لا بِما يُفِيدُهُ السَّبَبُ مِنَ الِاخْتِصاصِ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الحُكْمِ. ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والغاشِيَةُ ما يَغْشاهم ويَغْمُرُهم مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقِيلَ: هي السّاعَةُ، وقِيلَ: الصَّواعِقُ والقَوارِعُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى العُمُومِ ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً، وانْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى الحالِ. قالَ المُبَرِّدُ: جاءَ عَنِ العَرَبِ حالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وهو قَوْلُهم: وقَعَ أمْرٌ بَغْتَةً، يُقالُ بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً: إذا فاجَأهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها سَبِيلِي، أيْ: طَرِيقِي وسُنَّتِي، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سَبِيلِي، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ، والبَصِيرَةُ المَعْرِفَةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أيْ ويَدْعُو إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي واهْتَدى بِهَدْيِي. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى ومَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو إلى اللَّهِ كَما أدْعُو. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُتَّبِعٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَقٌّ عَلَيْهِ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى الإيمانِ بِهِ وتَوْحِيدِهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ (p-٧١٧)﴿وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لَهم سُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ أنْدادًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وقَدِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ قالَ: هم بَنُو يَعْقُوبَ إذْ يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وهم يُلْقُونَهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وهم يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ قالَ: كَمْ مِن آيَةٍ في السَّماءِ يَعْنِي شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وسَحابَها، وفي الأرْضِ ما فِيها مِنَ الخَلْقِ والأنْهارِ والجِبالِ والمَدائِنِ والقُصُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: سَلْهم مَن خَلَقَهم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَذَلِكَ إيمانُهم وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وهو خالِقُهم وهو رازِقُهم، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ المُنافِقُ يَعْمَلُ بِالرِّياءِ وهو مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: وقِيعَةٌ تَغْشاهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قُلْ هَذِهِ دَعْوَتِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قالَ: صَلاتِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: أمْرِي ومَشِيئَتِي ومِنهاجِي، وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى هُدًى ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

يوسف 12:108

. الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾، و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ. قالَ (p-٧١٦)الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى الَّذِي و﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ خَبَرُهُ: أيِ الَّذِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ. والمَعْنى: الإخْبارُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنَّ هَذا الَّذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ بِهِ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلَ الوَحْيِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُفّارِ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما جاءَ بِهِ جُحُودًا وعِنادًا وحَسَدًا مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿إذْ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ إجْماعُ الأمْرِ: العَزْمُ عَلَيْهِ، أيْ: وما كُنْتَ لَدى إخْوَةِ يُوسُفَ إذْ عَزَمُوا جَمِيعًا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وهم في تِلْكَ الحالَةِ يَمْكُرُونَ بِهِ، أيْ: بِيُوسُفَ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي فَعَلُوهُ بِهِ ويَبْغُونَهُ الغَوائِلَ - وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِيَعْقُوبَ، أيْ: يَمْكُرُونَ بِيَعْقُوبَ حِينَ جاءُوا بِقَمِيصِ يُوسُفَ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وقالُوا أكَلَهُ الذِّئْبُ. وإذا لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَدَيْهِمْ عِنْدَ أنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، انْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ مُشاهَدَةً، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لَهم عِلْمٌ بِأحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولا خالَطَهم ولا خالَطُوهُ، فانْتَفى عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الرِّوايَةِ عَنِ الغَيْرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ إلّا مُجَرَّدُ الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَهَذا يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِما جاءَ بِهِ، فَلَمّا لَمْ يُؤْمِن بِذَلِكَ مَن عاصَرَهُ مِنَ الكُفّارِ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ذاكِرًا لِهَذا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وما أكْثَرَ النّاسَ المُعاصِرِينَ لَكَ يا مُحَمَّدُ، أوْ ما أكْثَرَ النّاسَ عَلى العُمُومِ ولَوْ حَرَصَتْ عَلى هِدايَتِهِمْ وبالَغَتْ في ذَلِكَ بِمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ الَّذِي هو دِينُ آبائِهِمْ، يُقالُ حَرَصَ يَحْرِصُ، مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وفي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ، مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ، والحِرْصُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاجْتِهادٍ. قالَ الزَّجّاجُ ومَعْناهُ وما أكْثَرَ النّاسَ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهم، لِأنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّ قُرَيْشًا واليَهُودَ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ فَشَرَحَهُما شَرْحًا شافِيًا، وهو يُؤَمِّلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْلامِهِمْ، فَخالَفُوا ظَنَّهُ، وحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِذَلِكَ فَعَزّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ الآيَةَ. ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ وما تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنهُ، أوْ عَلى الإيمانِ وحِرْصِكَ عَلى وُقُوعِهِ مِنهم أوْ عَلى ما تُحَدِّثُهم بِهِ مِن هَذا الحَدِيثِ مِن أجْرٍ مِن مالٍ يُعْطُونَكَ إيّاهُ ويَجْعَلُونَهُ لَكَ كَما يَفْعَلُهُ أحْبارُهم إنْ هو أيِ القُرْآنُ أوِ الحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَهم بِهِ ﴿إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ كافَّةً لا يَخْتَصُّ بِهِمْ وحْدَهم. ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: والأكْثَرُونَ أنَّ " كَأيِّنْ " أصْلُها ( أيٌّ ) دَخَلَ عَلَيْها كافُ التَّشْبِيهِ، لَكِنَّهُ انْمَحى عَنِ الحَرْفَيْنِ المَعْنى الإفْرادِيُّ، وصارَ المَجْمُوعُ كاسْمٍ واحِدٍ بِمَعْنى " كَمِ " الخَبَرِيَّةِ، والأكْثَرُ إدْخالُ " مِن " في مُمَيِّزِهِ، وهو تَمْيِيزٌ عَنِ الكافِ لا عَنْ " أيٍّ " كَما في: مِثْلُكَ رَجُلًا. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: كَمْ مِن آيَةٍ تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ كائِنَةً في السَّماواتِ مِن كَوْنِها مَنصُوبَةً بِغَيْرِ عَمَدٍ، مُزَيَّنَةً بِالكَواكِبِ النَّيِّرَةِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ، وفي الأرْضِ مِن جِبالِها وقَفارِها وبِحارِها ونَباتِها وحَيَواناتِها تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُ الخالِقُ لِذَلِكَ، الرَّزّاقُ لَهُ المُحْيِي والمُمِيتُ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَمُرُّونَ عَلى هَذِهِ الآياتِ غَيْرُ مُتَأمِّلِينَ لَها، ولا مُفَكِّرِينَ فِيها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن وُجُودِ خالِقِها، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالأُلُوهِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُشاهِدِينَ لَها ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ وإنْ نَظَرُوا إلَيْها بِأعْيانِهِمْ فَقَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو الثَّمَرَةُ لِلنَّظَرِ بِالحَدَقَةِ، وهي التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ والِاسْتِدْلالُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ بِرَفْعِ الأرْضِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرَهُ " يَمُرُّونَ عَلَيْها "، وقَرَأ السُّدِّيُّ بِنَصْبِ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَمْشُونَ عَلَيْها. ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ أيْ وما يُصَدِّقُ ويُقِرُّ أكْثَرُ النّاسِ بِاللَّهِ مِن كَوْنِهِ الخالِقَ الرَّزّاقَ المُحْيِيَ المُمِيتَ ﴿إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِاللَّهِ، يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ، فَإنَّهم مُقِرُّونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِأنَّهُ الخالِقُ لَهم ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، لَكِنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ لَهُ شُرَكاءَ فَيَعْبُدُونَهم لِيُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣] ومِثْلُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ المُعْتَقِدُونَ في الأمْواتِ بِأنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِن عُبّادِ القُبُورِ، ولا يُنافِي هَذا ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لا بِما يُفِيدُهُ السَّبَبُ مِنَ الِاخْتِصاصِ مِمَّنْ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الحُكْمِ. ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والغاشِيَةُ ما يَغْشاهم ويَغْمُرُهم مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقِيلَ: هي السّاعَةُ، وقِيلَ: الصَّواعِقُ والقَوارِعُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى العُمُومِ ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً، وانْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى الحالِ. قالَ المُبَرِّدُ: جاءَ عَنِ العَرَبِ حالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وهو قَوْلُهم: وقَعَ أمْرٌ بَغْتَةً، يُقالُ بَغَتَهُمُ الأمْرُ بَغْتًا وبَغْتَةً: إذا فاجَأهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ، ويَجُوزُ انْتِصابُ " بَغْتَةً " عَلى أنَّها صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أدْعُو إلَيْها والطَّرِيقَةُ الَّتِي أنا عَلَيْها سَبِيلِي، أيْ: طَرِيقِي وسُنَّتِي، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ سَبِيلِي، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ، والبَصِيرَةُ المَعْرِفَةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أيْ ويَدْعُو إلَيْها مَنِ اتَّبَعَنِي واهْتَدى بِهَدْيِي. قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى ومَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو إلى اللَّهِ كَما أدْعُو. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُتَّبِعٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَقٌّ عَلَيْهِ أنْ يَقْتَدِيَ بِهِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، أيْ: إلى الإيمانِ بِهِ وتَوْحِيدِهِ والعَمَلِ بِما شَرَعَهُ لِعِبادِهِ (p-٧١٧)﴿وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ وقُلْ يا مُحَمَّدُ لَهم سُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مِن دُونِهِ أنْدادًا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَتِمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ ﴿عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ . وقَدِ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ قالَ: هم بَنُو يَعْقُوبَ إذْ يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وهم يُلْقُونَهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وهم يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ قالَ: كَمْ مِن آيَةٍ في السَّماءِ يَعْنِي شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها وسَحابَها، وفي الأرْضِ ما فِيها مِنَ الخَلْقِ والأنْهارِ والجِبالِ والمَدائِنِ والقُصُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: سَلْهم مَن خَلَقَهم ومَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَذَلِكَ إيمانُهم وهم يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ قالَ: كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم وهو خالِقُهم وهو رازِقُهم، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ في تَلْبِيَتِهِمْ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ، اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ المُنافِقُ يَعْمَلُ بِالرِّياءِ وهو مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ قالَ: وقِيعَةٌ تَغْشاهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قُلْ هَذِهِ دَعْوَتِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ قالَ: صَلاتِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: أمْرِي ومَشِيئَتِي ومِنهاجِي، وأخْرَجا عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ عَلى هُدًى ﴿أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ .

يوسف 12:109

. قَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ هَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، أيْ: لَمْ نَبْعَثْ مِنَ الأنْبِياءِ إلى مَن قَبْلَهم إلّا رِجالًا لا مَلائِكَةً، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إرْسالَنا إيّاكَ. وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ، وهَذا يَرُدُّ عَلى مَن قالَ: إنَّ في النِّساءِ أرْبَعَ نَبِيّاتٍ: حَوّاءَ، وآسِيَةَ، وأُمَّ مُوسى، ومَرْيَمَ، وقَدْ كانَ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ مِنَ الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ أمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ، حَتّى قالَ قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ في سَجاحِ المُتَنَبِّئَةِ: ؎أضْحَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ؎فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامُ كُلُّهُمُ ∗∗∗ عَلى سَجاحٍ ومَن بِاللَّوْمِ أغْرانا ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ كَما نُوحِي إلَيْكَ ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ أيِ المَدائِنِ دُونَ أهْلِ البادِيَةِ لِغَلَبَةِ الجَفاءِ والقَسْوَةِ عَلى البَدْوِ ولِكَوْنِ أهْلِ الأمْصارِ أتَمَّ عَقْلًا وأكْمَلَ حِلْمًا وأجَلَّ فَضْلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أيْ: أفَلَمْ يَسِرِ المُشْرِكُونَ هَؤُلاءِ فَيَنْظُرُوا إلى مَصارِعِ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَيَعْتَبِرُوا بِهِمْ حَتّى يَنْزِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ لَدارُ السّاعَةِ الآخِرَةِ، أوْ لَحالَةُ الآخِرَةِ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الدّارَ هي الآخِرَةُ، وأُضِيفَ الشَّيْءُ إلى نَفْسِهِ لِاخْتِلافِ اللَّفْظِ كَيَوْمِ الجُمُعَةِ وصَلاةِ الأُولى ومَسْجِدِ الجامِعِ، والكَلامُ في ذَلِكَ مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الإعْرابِ. والمُرادُ بِهَذِهِ الدّارِ: الجَنَّةُ، أيْ: هي خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ مِن دارِ الدُّنْيا. وقُرِئَ ( ولَلدّارُ الآخِرَةُ ) وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ﴾ هَذِهِ الغايَةُ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ يا مُحَمَّدُ إلّا رِجالًا ولَمْ نُعاجِلْ أُمَمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءُوا بِهِ بِالعُقُوبَةِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ مِنَ النَّصْرِ بِعُقُوبَةِ قَوْمِهِمْ، أوْ حَتّى إذِ اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ . قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ والحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وخَلَفٌ ( كُذِبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ: ظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَصْدُقُوا، وقِيلَ: المَعْنى: ظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيما ادَّعَوْا مِن نَصْرِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: وظَنَّ الرُّسُلُ أنَّها قَدْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ، أوْ كَذَبَهم رَجاؤُهم لِلنَّصْرِ. وقَرَأ الباقُونَ ( كُذِّبُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى عَلَيْها واضِحٌ، أيْ: ظَنَّ الرُّسُلُ بِأنَّ قَوْمَهم قَدْ كَذَّبُوهم فِيما وعَدُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ في هَذا أنْ يَكُونَ فاعِلُ " ظَنَّ " القَوْمَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ ( قَدْ كَذَبُوا ) بِفَتْحِ الكافِ والذّالِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى مَعْنى: وظَنَّ قَوْمُ الرُّسُلِ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا، وقَدْ قِيلَ إنَّ الظَّنَّ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى اليَقِينِ، لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ تَيَقَّنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم، ولَيْسَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ ظَنِّ مِنهم، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفَسِّرَ الظَّنَّ بِاليَقِينِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ يُفَسِّرُ بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ فِيما يَحْصُلُ فِيهِ مُجَرَّدُ ظَنٍّ فَقَطْ مِنَ الصُّوَرِ السّابِقَةِ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ أيْ (p-٧١٨)فَجاءَ الرُّسُلَ نَصْرُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَجْأةً، أوْ جاءَ قَوْمَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم نَصْرُ اللَّهِ لِرُسُلِهِ بِإيقاعِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ ( فَنُجِّيَ ) بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( فَنُنْجِيَ ) بِنُونَيْنِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، لِأنَّها في مُصْحَفِ عُثْمانَ كَذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( فَنَجا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَتَكُونُ " مَن " عَلى القِراءَةِ الأُولى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها نائِبُ الفاعِلِ، وتَكُونُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها فاعِلٌ، والَّذِينَ نَجّاهُمُ اللَّهُ هُمُ الرُّسُلُ ومَن آمَنَ مَعَهم، وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِ بِهِمْ، وفِيهِ بَيانُ مَن يَشاءُ اللَّهُ نَجاتَهُ مِنَ العَذابِ وهم مَن عَدا هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ. ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ أيْ قَصَصِ الرُّسُلِ ومَن بُعِثُوا إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَمِ، أوْ في قَصَصِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ وأبِيهِ ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ والعِبْرَةُ: الفِكْرَةُ والبَصِيرَةُ المُخَلِّصَةُ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ. وقِيلَ: هي نَوْعٌ مِنَ الِاعْتِبارِ، وهي العُبُورُ مِنَ الطَّرَفِ المَعْلُومِ إلى الطَّرَفِ المَجْهُولِ، وأُولُو الألْبابِ هم ذَوُو العُقُولِ السَّلِيمَةِ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِعُقُولِهِمْ فَيَدْرُونَ ما فِيهِ مَصالِحُ دِينِهِمْ، وإنَّما كانَ هَذا القَصَصُ عِبْرَةً لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الإخْباراتِ المُطابِقَةِ لِلْواقِعِ مَعَ بُعْدِ المُدَّةِ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ قُصَّ حَدِيثُهم، ومِنهم يُوسُفُ وإخْوَتُهُ وأبُوهُ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى أخْبارِهِمْ ولا اتَّصَلَ بِأحْبارِهِمْ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ أيْ ما كانَ هَذا المَقْصُوصُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ القَصَصِ وهو القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ ( تَصْدِيقُ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَصْدِيقُ وتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ المُجْمَلَةِ المُحْتاجَةِ إلى تَفْصِيلِها، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُفَرِّطْ في الكِتابِ مِن شَيْءٍ، وقِيلَ: تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ إخْوَتِهِ وأبِيهِ. قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ بِهِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ العُمُومِ، بَلِ المُرادُ بِهِ الأُصُولُ والقَوانِينُ وما يَئُولُ إلَيْها ( وهُدًى ) في الدُّنْيا يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مَن أرادَ اللَّهُ هِدايَتَهُ ( ورَحْمَةٌ ) في الآخِرَةِ يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ العامِلِينَ بِما فِيهِ شَرْطُ الإيمانِ الصَّحِيحِ، ولِهَذا قالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ يُصَدِّقُونَ بِهِ وبِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وشَرائِعِهِ وقَدَرِهِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ ولا يَهْتَدِي بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى، فَلا يَسْتَحِقُّ ما يَسْتَحِقُّونَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ قالَ، أيْ: لَيْسُوا مِن أهْلِ السَّماءِ كَما قُلْتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رَسُولًا قَطُّ إلّا مِن أهْلِ القُرى، لِأنَّهم كانُوا أعْلَمَ وأحَلْمَ مِن أهْلِ المَعْمُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: كَيْفَ عَذَّبَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ وقَوْمَ لُوطٍ وقَوْمَ صالِحٍ والأُمَمَ الَّتِي عَذَّبَ اللَّهَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: يَعْنِي ﴿إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ قالَ: قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا ؟ يَعْنِي عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ مُخَفَّفَةً أمْ مُشَدَّدَةً، فَقالَتْ: بَلْ كُذِّبُوا، تَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ، قُلْتُ: واللَّهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم فَما هو بِالظَّنِّ، قالَتْ: أجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فَقُلْتُ: لَعَلَّها " وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا " مُخَفَّفَةٌ، قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ لِتَظُنَّ ذَلِكَ بِرَبِّها، قُلْتُ: فَما هَذِهِ الآيَةُ ؟ قالَتْ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ وصَدَّقُوهم وطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ واسْتَأْخَرَ عَلَيْهِمُ النَّصْرُ، حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ وظَنَّتِ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهم قَدْ كَذَّبُوهم جاءَهم نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأها عَلَيْهِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةً يَقُولُ أُخْلِفُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا بَشَرًا، وتَلا ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] قالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: وأخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّها خالَفَتْ ذَلِكَ وأبَتْهُ، وقالَتْ: واللَّهِ ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولًا مِن شَيْءٍ إلّا عَلِمَ أنَّهُ سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَزَلِ البَلاءُ بِالرُّسُلِ حَتّى ظَنُّوا أنَّ مَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ قَدْ كَذَّبُوهم، وكانَتْ تَقْرَأُها مُثَقَّلَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةً. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " قَدْ كُذِبُوا " مُخَفَّفَةً، قالَ: يَئِسَ الرُّسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَهم، وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم بِما جاءُوا بِهِ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ قالَ: جاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ القُرْآنَ فَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيَّ إلّا حَرْفَيْنِ " كُلٌّ آتُوهُ داخِرِينَ " [النمل: ٨٧] فَقالَ: " أتَوْهُ " مُخَفَّفَةٌ. وقَرَأْتُ عَلَيْهِ " وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِّبُوا " فَقالَ: " كُذِبُوا " مُخَفَّفَةً، قالَ: اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، وظَنَّ قَوْمُهم حِينَ أبْطَأ الأمْرُ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الأحْوَصِ عَنْهُ قالَ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةً. ولِلسَّلَفِ في هَذا كَلامٌ يَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الخِلافِ عَنِ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: فَنُنْجِيَ الرُّسُلَ ومَن نَشاءُ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرُّسُلَ يَدْعُونَ قَوْمَهم، فَأخْبَرُوهم أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ نَجا ومَن عَصاهُ عُذِّبَ وغَوى. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ العَذابُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا﴾ قالَ: عَذابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ (p-٧١٩)قالَ: يُوسُفَ وإخْوَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ قالَ: مَعْرُوفَةٌ لِذَوِي العُقُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ قالَ: الفِرْيَةُ الكَذِبُ ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ يُصَدِّقُ الكُتُبَ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى أنْبِيائِهِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَشْهَدُ عَلَيْهِ أنَّ جَمِيعَهُ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَصَلَ اللَّهُ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ.

يوسف 12:110

. قَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ هَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، أيْ: لَمْ نَبْعَثْ مِنَ الأنْبِياءِ إلى مَن قَبْلَهم إلّا رِجالًا لا مَلائِكَةً، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إرْسالَنا إيّاكَ. وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ، وهَذا يَرُدُّ عَلى مَن قالَ: إنَّ في النِّساءِ أرْبَعَ نَبِيّاتٍ: حَوّاءَ، وآسِيَةَ، وأُمَّ مُوسى، ومَرْيَمَ، وقَدْ كانَ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ مِنَ الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ أمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ، حَتّى قالَ قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ في سَجاحِ المُتَنَبِّئَةِ: ؎أضْحَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ؎فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامُ كُلُّهُمُ ∗∗∗ عَلى سَجاحٍ ومَن بِاللَّوْمِ أغْرانا ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ كَما نُوحِي إلَيْكَ ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ أيِ المَدائِنِ دُونَ أهْلِ البادِيَةِ لِغَلَبَةِ الجَفاءِ والقَسْوَةِ عَلى البَدْوِ ولِكَوْنِ أهْلِ الأمْصارِ أتَمَّ عَقْلًا وأكْمَلَ حِلْمًا وأجَلَّ فَضْلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أيْ: أفَلَمْ يَسِرِ المُشْرِكُونَ هَؤُلاءِ فَيَنْظُرُوا إلى مَصارِعِ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَيَعْتَبِرُوا بِهِمْ حَتّى يَنْزِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ لَدارُ السّاعَةِ الآخِرَةِ، أوْ لَحالَةُ الآخِرَةِ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الدّارَ هي الآخِرَةُ، وأُضِيفَ الشَّيْءُ إلى نَفْسِهِ لِاخْتِلافِ اللَّفْظِ كَيَوْمِ الجُمُعَةِ وصَلاةِ الأُولى ومَسْجِدِ الجامِعِ، والكَلامُ في ذَلِكَ مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الإعْرابِ. والمُرادُ بِهَذِهِ الدّارِ: الجَنَّةُ، أيْ: هي خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ مِن دارِ الدُّنْيا. وقُرِئَ ( ولَلدّارُ الآخِرَةُ ) وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ﴾ هَذِهِ الغايَةُ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ يا مُحَمَّدُ إلّا رِجالًا ولَمْ نُعاجِلْ أُمَمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءُوا بِهِ بِالعُقُوبَةِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ مِنَ النَّصْرِ بِعُقُوبَةِ قَوْمِهِمْ، أوْ حَتّى إذِ اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ . قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ والحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وخَلَفٌ ( كُذِبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ: ظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَصْدُقُوا، وقِيلَ: المَعْنى: ظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيما ادَّعَوْا مِن نَصْرِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: وظَنَّ الرُّسُلُ أنَّها قَدْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ، أوْ كَذَبَهم رَجاؤُهم لِلنَّصْرِ. وقَرَأ الباقُونَ ( كُذِّبُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى عَلَيْها واضِحٌ، أيْ: ظَنَّ الرُّسُلُ بِأنَّ قَوْمَهم قَدْ كَذَّبُوهم فِيما وعَدُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ في هَذا أنْ يَكُونَ فاعِلُ " ظَنَّ " القَوْمَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ ( قَدْ كَذَبُوا ) بِفَتْحِ الكافِ والذّالِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى مَعْنى: وظَنَّ قَوْمُ الرُّسُلِ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا، وقَدْ قِيلَ إنَّ الظَّنَّ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى اليَقِينِ، لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ تَيَقَّنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم، ولَيْسَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ ظَنِّ مِنهم، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفَسِّرَ الظَّنَّ بِاليَقِينِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ يُفَسِّرُ بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ فِيما يَحْصُلُ فِيهِ مُجَرَّدُ ظَنٍّ فَقَطْ مِنَ الصُّوَرِ السّابِقَةِ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ أيْ (p-٧١٨)فَجاءَ الرُّسُلَ نَصْرُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَجْأةً، أوْ جاءَ قَوْمَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم نَصْرُ اللَّهِ لِرُسُلِهِ بِإيقاعِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ ( فَنُجِّيَ ) بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( فَنُنْجِيَ ) بِنُونَيْنِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، لِأنَّها في مُصْحَفِ عُثْمانَ كَذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( فَنَجا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَتَكُونُ " مَن " عَلى القِراءَةِ الأُولى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها نائِبُ الفاعِلِ، وتَكُونُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها فاعِلٌ، والَّذِينَ نَجّاهُمُ اللَّهُ هُمُ الرُّسُلُ ومَن آمَنَ مَعَهم، وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِ بِهِمْ، وفِيهِ بَيانُ مَن يَشاءُ اللَّهُ نَجاتَهُ مِنَ العَذابِ وهم مَن عَدا هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ. ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ أيْ قَصَصِ الرُّسُلِ ومَن بُعِثُوا إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَمِ، أوْ في قَصَصِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ وأبِيهِ ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ والعِبْرَةُ: الفِكْرَةُ والبَصِيرَةُ المُخَلِّصَةُ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ. وقِيلَ: هي نَوْعٌ مِنَ الِاعْتِبارِ، وهي العُبُورُ مِنَ الطَّرَفِ المَعْلُومِ إلى الطَّرَفِ المَجْهُولِ، وأُولُو الألْبابِ هم ذَوُو العُقُولِ السَّلِيمَةِ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِعُقُولِهِمْ فَيَدْرُونَ ما فِيهِ مَصالِحُ دِينِهِمْ، وإنَّما كانَ هَذا القَصَصُ عِبْرَةً لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الإخْباراتِ المُطابِقَةِ لِلْواقِعِ مَعَ بُعْدِ المُدَّةِ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ قُصَّ حَدِيثُهم، ومِنهم يُوسُفُ وإخْوَتُهُ وأبُوهُ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى أخْبارِهِمْ ولا اتَّصَلَ بِأحْبارِهِمْ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ أيْ ما كانَ هَذا المَقْصُوصُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ القَصَصِ وهو القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ ( تَصْدِيقُ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَصْدِيقُ وتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ المُجْمَلَةِ المُحْتاجَةِ إلى تَفْصِيلِها، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُفَرِّطْ في الكِتابِ مِن شَيْءٍ، وقِيلَ: تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ إخْوَتِهِ وأبِيهِ. قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ بِهِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ العُمُومِ، بَلِ المُرادُ بِهِ الأُصُولُ والقَوانِينُ وما يَئُولُ إلَيْها ( وهُدًى ) في الدُّنْيا يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مَن أرادَ اللَّهُ هِدايَتَهُ ( ورَحْمَةٌ ) في الآخِرَةِ يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ العامِلِينَ بِما فِيهِ شَرْطُ الإيمانِ الصَّحِيحِ، ولِهَذا قالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ يُصَدِّقُونَ بِهِ وبِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وشَرائِعِهِ وقَدَرِهِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ ولا يَهْتَدِي بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى، فَلا يَسْتَحِقُّ ما يَسْتَحِقُّونَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ قالَ، أيْ: لَيْسُوا مِن أهْلِ السَّماءِ كَما قُلْتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رَسُولًا قَطُّ إلّا مِن أهْلِ القُرى، لِأنَّهم كانُوا أعْلَمَ وأحَلْمَ مِن أهْلِ المَعْمُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: كَيْفَ عَذَّبَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ وقَوْمَ لُوطٍ وقَوْمَ صالِحٍ والأُمَمَ الَّتِي عَذَّبَ اللَّهَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: يَعْنِي ﴿إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ قالَ: قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا ؟ يَعْنِي عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ مُخَفَّفَةً أمْ مُشَدَّدَةً، فَقالَتْ: بَلْ كُذِّبُوا، تَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ، قُلْتُ: واللَّهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم فَما هو بِالظَّنِّ، قالَتْ: أجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فَقُلْتُ: لَعَلَّها " وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا " مُخَفَّفَةٌ، قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ لِتَظُنَّ ذَلِكَ بِرَبِّها، قُلْتُ: فَما هَذِهِ الآيَةُ ؟ قالَتْ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ وصَدَّقُوهم وطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ واسْتَأْخَرَ عَلَيْهِمُ النَّصْرُ، حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ وظَنَّتِ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهم قَدْ كَذَّبُوهم جاءَهم نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأها عَلَيْهِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةً يَقُولُ أُخْلِفُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا بَشَرًا، وتَلا ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] قالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: وأخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّها خالَفَتْ ذَلِكَ وأبَتْهُ، وقالَتْ: واللَّهِ ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولًا مِن شَيْءٍ إلّا عَلِمَ أنَّهُ سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَزَلِ البَلاءُ بِالرُّسُلِ حَتّى ظَنُّوا أنَّ مَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ قَدْ كَذَّبُوهم، وكانَتْ تَقْرَأُها مُثَقَّلَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةً. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " قَدْ كُذِبُوا " مُخَفَّفَةً، قالَ: يَئِسَ الرُّسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَهم، وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم بِما جاءُوا بِهِ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ قالَ: جاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ القُرْآنَ فَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيَّ إلّا حَرْفَيْنِ " كُلٌّ آتُوهُ داخِرِينَ " [النمل: ٨٧] فَقالَ: " أتَوْهُ " مُخَفَّفَةٌ. وقَرَأْتُ عَلَيْهِ " وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِّبُوا " فَقالَ: " كُذِبُوا " مُخَفَّفَةً، قالَ: اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، وظَنَّ قَوْمُهم حِينَ أبْطَأ الأمْرُ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الأحْوَصِ عَنْهُ قالَ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةً. ولِلسَّلَفِ في هَذا كَلامٌ يَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الخِلافِ عَنِ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: فَنُنْجِيَ الرُّسُلَ ومَن نَشاءُ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرُّسُلَ يَدْعُونَ قَوْمَهم، فَأخْبَرُوهم أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ نَجا ومَن عَصاهُ عُذِّبَ وغَوى. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ العَذابُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا﴾ قالَ: عَذابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ (p-٧١٩)قالَ: يُوسُفَ وإخْوَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ قالَ: مَعْرُوفَةٌ لِذَوِي العُقُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ قالَ: الفِرْيَةُ الكَذِبُ ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ يُصَدِّقُ الكُتُبَ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى أنْبِيائِهِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَشْهَدُ عَلَيْهِ أنَّ جَمِيعَهُ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَصَلَ اللَّهُ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ.

يوسف 12:111

. قَوْلُهُ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ هَذا رَدٌّ عَلى مَن قالَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، أيْ: لَمْ نَبْعَثْ مِنَ الأنْبِياءِ إلى مَن قَبْلَهم إلّا رِجالًا لا مَلائِكَةً، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إرْسالَنا إيّاكَ. وتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ النِّساءِ ولا مِنَ الجِنِّ، وهَذا يَرُدُّ عَلى مَن قالَ: إنَّ في النِّساءِ أرْبَعَ نَبِيّاتٍ: حَوّاءَ، وآسِيَةَ، وأُمَّ مُوسى، ومَرْيَمَ، وقَدْ كانَ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ مِنَ الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ أمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ، حَتّى قالَ قَيْسُ بْنُ عاصِمٍ في سَجاحِ المُتَنَبِّئَةِ: ؎أضْحَتْ نَبِيَّتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ اللَّهِ ذُكْرانا ؎فَلَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامُ كُلُّهُمُ ∗∗∗ عَلى سَجاحٍ ومَن بِاللَّوْمِ أغْرانا ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ كَما نُوحِي إلَيْكَ ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ أيِ المَدائِنِ دُونَ أهْلِ البادِيَةِ لِغَلَبَةِ الجَفاءِ والقَسْوَةِ عَلى البَدْوِ ولِكَوْنِ أهْلِ الأمْصارِ أتَمَّ عَقْلًا وأكْمَلَ حِلْمًا وأجَلَّ فَضْلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أيْ: أفَلَمْ يَسِرِ المُشْرِكُونَ هَؤُلاءِ فَيَنْظُرُوا إلى مَصارِعِ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَيَعْتَبِرُوا بِهِمْ حَتّى يَنْزِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ لَدارُ السّاعَةِ الآخِرَةِ، أوْ لَحالَةُ الآخِرَةِ عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الدّارَ هي الآخِرَةُ، وأُضِيفَ الشَّيْءُ إلى نَفْسِهِ لِاخْتِلافِ اللَّفْظِ كَيَوْمِ الجُمُعَةِ وصَلاةِ الأُولى ومَسْجِدِ الجامِعِ، والكَلامُ في ذَلِكَ مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الإعْرابِ. والمُرادُ بِهَذِهِ الدّارِ: الجَنَّةُ، أيْ: هي خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ مِن دارِ الدُّنْيا. وقُرِئَ ( ولَلدّارُ الآخِرَةُ ) وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ﴾ هَذِهِ الغايَةُ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وتَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ يا مُحَمَّدُ إلّا رِجالًا ولَمْ نُعاجِلْ أُمَمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما جاءُوا بِهِ بِالعُقُوبَةِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ مِنَ النَّصْرِ بِعُقُوبَةِ قَوْمِهِمْ، أوْ حَتّى إذِ اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الكُفْرِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ . قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ والحَسَنُ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وخَلَفٌ ( كُذِبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ: ظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم فِيما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ العَذابِ ولَمْ يَصْدُقُوا، وقِيلَ: المَعْنى: ظَنَّ القَوْمُ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيما ادَّعَوْا مِن نَصْرِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: وظَنَّ الرُّسُلُ أنَّها قَدْ كَذَبَتْهم أنْفُسُهم حِينَ حَدَّثَتْهم بِأنَّهم يُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ، أوْ كَذَبَهم رَجاؤُهم لِلنَّصْرِ. وقَرَأ الباقُونَ ( كُذِّبُوا ) بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى عَلَيْها واضِحٌ، أيْ: ظَنَّ الرُّسُلُ بِأنَّ قَوْمَهم قَدْ كَذَّبُوهم فِيما وعَدُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ في هَذا أنْ يَكُونَ فاعِلُ " ظَنَّ " القَوْمَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهم ظَنُّوا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيما جاءُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ ( قَدْ كَذَبُوا ) بِفَتْحِ الكافِ والذّالِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى مَعْنى: وظَنَّ قَوْمُ الرُّسُلِ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا، وقَدْ قِيلَ إنَّ الظَّنَّ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى اليَقِينِ، لِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ تَيَقَّنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم، ولَيْسَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ ظَنِّ مِنهم، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفَسِّرَ الظَّنَّ بِاليَقِينِ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ يُفَسِّرُ بِمَعْناهُ الأصْلِيِّ فِيما يَحْصُلُ فِيهِ مُجَرَّدُ ظَنٍّ فَقَطْ مِنَ الصُّوَرِ السّابِقَةِ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ أيْ (p-٧١٨)فَجاءَ الرُّسُلَ نَصْرُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَجْأةً، أوْ جاءَ قَوْمَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم نَصْرُ اللَّهِ لِرُسُلِهِ بِإيقاعِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ قَرَأ عاصِمٌ ( فَنُجِّيَ ) بِنُونٍ واحِدَةٍ. وقَرَأ الباقُونَ ( فَنُنْجِيَ ) بِنُونَيْنِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ القِراءَةَ الأُولى، لِأنَّها في مُصْحَفِ عُثْمانَ كَذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( فَنَجا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، فَتَكُونُ " مَن " عَلى القِراءَةِ الأُولى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها نائِبُ الفاعِلِ، وتَكُونُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها فاعِلٌ، والَّذِينَ نَجّاهُمُ اللَّهُ هُمُ الرُّسُلُ ومَن آمَنَ مَعَهم، وهَلَكَ المُكَذِّبُونَ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ عِنْدَ نُزُولِهِ بِهِمْ، وفِيهِ بَيانُ مَن يَشاءُ اللَّهُ نَجاتَهُ مِنَ العَذابِ وهم مَن عَدا هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ. ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ أيْ قَصَصِ الرُّسُلِ ومَن بُعِثُوا إلَيْهِمْ مِنَ الأُمَمِ، أوْ في قَصَصِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ وأبِيهِ ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ والعِبْرَةُ: الفِكْرَةُ والبَصِيرَةُ المُخَلِّصَةُ مِنَ الجَهْلِ والحَيْرَةِ. وقِيلَ: هي نَوْعٌ مِنَ الِاعْتِبارِ، وهي العُبُورُ مِنَ الطَّرَفِ المَعْلُومِ إلى الطَّرَفِ المَجْهُولِ، وأُولُو الألْبابِ هم ذَوُو العُقُولِ السَّلِيمَةِ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِعُقُولِهِمْ فَيَدْرُونَ ما فِيهِ مَصالِحُ دِينِهِمْ، وإنَّما كانَ هَذا القَصَصُ عِبْرَةً لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الإخْباراتِ المُطابِقَةِ لِلْواقِعِ مَعَ بُعْدِ المُدَّةِ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ قُصَّ حَدِيثُهم، ومِنهم يُوسُفُ وإخْوَتُهُ وأبُوهُ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى أخْبارِهِمْ ولا اتَّصَلَ بِأحْبارِهِمْ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ أيْ ما كانَ هَذا المَقْصُوصُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ القَصَصِ وهو القُرْآنُ المُشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ حَدِيثًا يُفْتَرى ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ ( تَصْدِيقُ ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو تَصْدِيقُ وتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ المُجْمَلَةِ المُحْتاجَةِ إلى تَفْصِيلِها، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يُفَرِّطْ في الكِتابِ مِن شَيْءٍ، وقِيلَ: تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ إخْوَتِهِ وأبِيهِ. قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ بِهِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ العُمُومِ، بَلِ المُرادُ بِهِ الأُصُولُ والقَوانِينُ وما يَئُولُ إلَيْها ( وهُدًى ) في الدُّنْيا يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مَن أرادَ اللَّهُ هِدايَتَهُ ( ورَحْمَةٌ ) في الآخِرَةِ يَرْحَمُ اللَّهُ بِها عِبادَهُ العامِلِينَ بِما فِيهِ شَرْطُ الإيمانِ الصَّحِيحِ، ولِهَذا قالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أيْ يُصَدِّقُونَ بِهِ وبِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وشَرائِعِهِ وقَدَرِهِ، وأمّا مَن عَداهم فَلا يَنْتَفِعُ بِهِ ولا يَهْتَدِي بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى، فَلا يَسْتَحِقُّ ما يَسْتَحِقُّونَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ قالَ، أيْ: لَيْسُوا مِن أهْلِ السَّماءِ كَما قُلْتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رَسُولًا قَطُّ إلّا مِن أهْلِ القُرى، لِأنَّهم كانُوا أعْلَمَ وأحَلْمَ مِن أهْلِ المَعْمُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: كَيْفَ عَذَّبَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ وقَوْمَ لُوطٍ وقَوْمَ صالِحٍ والأُمَمَ الَّتِي عَذَّبَ اللَّهَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: يَعْنِي ﴿إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ قالَ: قُلْتُ أكُذِبُوا أمْ كُذِّبُوا ؟ يَعْنِي عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ مُخَفَّفَةً أمْ مُشَدَّدَةً، فَقالَتْ: بَلْ كُذِّبُوا، تَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ، قُلْتُ: واللَّهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم فَما هو بِالظَّنِّ، قالَتْ: أجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فَقُلْتُ: لَعَلَّها " وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا " مُخَفَّفَةٌ، قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ لِتَظُنَّ ذَلِكَ بِرَبِّها، قُلْتُ: فَما هَذِهِ الآيَةُ ؟ قالَتْ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ وصَدَّقُوهم وطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ واسْتَأْخَرَ عَلَيْهِمُ النَّصْرُ، حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ وظَنَّتِ الرُّسُلُ أنَّ أتْباعَهم قَدْ كَذَّبُوهم جاءَهم نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأها عَلَيْهِ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةً يَقُولُ أُخْلِفُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا بَشَرًا، وتَلا ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] قالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: وأخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّها خالَفَتْ ذَلِكَ وأبَتْهُ، وقالَتْ: واللَّهِ ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولًا مِن شَيْءٍ إلّا عَلِمَ أنَّهُ سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَزَلِ البَلاءُ بِالرُّسُلِ حَتّى ظَنُّوا أنَّ مَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ قَدْ كَذَّبُوهم، وكانَتْ تَقْرَأُها مُثَقَّلَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ مُخَفَّفَةً. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ " قَدْ كُذِبُوا " مُخَفَّفَةً، قالَ: يَئِسَ الرُّسُلُ مِن قَوْمِهِمْ أنْ يَسْتَجِيبُوا لَهم، وظَنَّ قَوْمُهم أنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهم بِما جاءُوا بِهِ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ قالَ: جاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ قالَ: قَرَأْتُ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ القُرْآنَ فَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيَّ إلّا حَرْفَيْنِ " كُلٌّ آتُوهُ داخِرِينَ " [النمل: ٨٧] فَقالَ: " أتَوْهُ " مُخَفَّفَةٌ. وقَرَأْتُ عَلَيْهِ " وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِّبُوا " فَقالَ: " كُذِبُوا " مُخَفَّفَةً، قالَ: اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، وظَنَّ قَوْمُهم حِينَ أبْطَأ الأمْرُ أنَّهم قَدْ كُذِبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الأحْوَصِ عَنْهُ قالَ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةً. ولِلسَّلَفِ في هَذا كَلامٌ يَرْجِعُ إلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الخِلافِ عَنِ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ قالَ: فَنُنْجِيَ الرُّسُلَ ومَن نَشاءُ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرُّسُلَ يَدْعُونَ قَوْمَهم، فَأخْبَرُوهم أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ نَجا ومَن عَصاهُ عُذِّبَ وغَوى. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ العَذابُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا﴾ قالَ: عَذابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ﴾ (p-٧١٩)قالَ: يُوسُفَ وإخْوَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ قالَ: مَعْرُوفَةٌ لِذَوِي العُقُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ قالَ: الفِرْيَةُ الكَذِبُ ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ يُصَدِّقُ الكُتُبَ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى أنْبِيائِهِ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَشْهَدُ عَلَيْهِ أنَّ جَمِيعَهُ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَصَلَ اللَّهُ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ وطاعَتِهِ ومَعْصِيَتِهِ.