Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الحجر 15:23 – الحجر 15:46
المحتويات
الحجر 15:23
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:24
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:25
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:26
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:27
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:28
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:29
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:30
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:31
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:32
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:33
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:34
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:35
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:36
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:37
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:38
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:39
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:40
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:41
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:42
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:43
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:44
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ كُفْرَ الكافِرِينَ وعَجْزَهم وعَجْزَ أصْنامِهِمْ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ الباهِرَةَ وخَلْقَهُ البَدِيعَ لِيَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَ ( في السَّماءِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَ ( في السَّماءِ ) خَبَرُهُ، والبُرُوجُ في اللُّغَةِ: القُصُورُ والمَنازِلُ، والمُرادُ بِها هُنا مَنازِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ السَّيّارَةِ، وهي الِاثْنا عَشَرَ المَشْهُورَةُ كَما تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ، والعَرَبُ تَعُدُّ المَعْرِفَةَ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ومَنازِلِها مِن أجَلِّ العُلُومِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى الطُّرُقاتِ والأوْقاتِ والخِصْبِ والجَدْبِ، وقالُوا الفَلَكُ اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، وأسْماءُ هَذِهِ البُرُوجِ: الحَمَلُ، الثَّوْرُ، الجَوْزاءُ، السَّرَطانُ، الأسَدُ، السُّنْبُلَةُ، المِيزانُ، العَقْرَبُ، القَوْسُ، الجَدْيُ، الدَّلْوُ، الحُوتُ.
كُلُّ ثَلاثَةٍ مِنها عَلى طَبِيعَةِ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ المُشْتَغِلِينَ بِهَذا العِلْمِ، ويُسَمُّونَ الحَمَلَ والأسَدَ والقَوْسَ مُثَلَّثَةً نارِيَّةً، والثَّوْرَ والسُّنْبُلَةَ والجَدْيَ مُثَلَّثَةً أرْضِيَّةً، والجَوْزاءَ والمِيزانَ والدَّلْوَ مُثَلَّثَةً هَوائِيَّةً، والسَّرَطانَ والعَقْرَبَ والحُوتَ مُثَلَّثَةً مائِيَّةً.
وأصْلُ البُرُوجِ الظُّهُورُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ بِإظْهارِ زِينَتِها.
وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: البُرُوجُ النُّجُومُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِظُهُورِها وارْتِفاعِها، وقِيلَ:: السَّبْعَةُ السَّيّارَةُ مِنها، قالَهُ أبُو صالِحٍ، وقِيلَ:: هي قُصُورٌ وبُيُوتٌ في السَّماءِ فِيها حَرَسٌ، والضَّمِيرُ في وزَيَّنّاها راجِعٌ إلى السَّماءِ، أيْ: وزَيَّنا السَّماءَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والبُرُوجِ لِلنّاظِرِينَ إلَيْها: أوْ لِلْمُتَفَكِّرِينَ المُعْتَبِرِينَ المُسْتَدِلِّينَ إذا كانَ مِنَ النَّظَرِ، وهو الِاسْتِدْلالُ.
﴿وحَفِظْناها﴾ أيِ السَّماءَ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجِيمُ المَرْجُومُ بِالنُّجُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥] والرَّجْمُ في اللُّغَةِ هو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِلَّعْنِ والطَّرْدِ والإبْعادِ رَجْمٌ، لِأنَّ الرَّمْيَ بِالحِجارَةِ يُوجِبُ هَذِهِ المَعانِيَ.
﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ: إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا، أيْ: ولَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ، والمَعْنى: حَفِظْنا السَّماءَ مِنَ الشَّياطِينِ أنْ تَسْمَعَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَإنَّها تَتْبَعُهُ الشُّهُبُ فَتَقْتُلُهُ أوْ تُخْبِلُهُ: ومَعْنى فَأتْبَعَهُ تَبِعَهُ ولَحِقَهُ أوْ أدْرَكَهُ.
والشِّهابُ: الكَوْكَبُ أوِ النّارُ المُشْتَعِلَةُ السّاطِعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيتٍ
وسُمِّي الكَوْكَبُ شِهابًا لِبَرِيقِهِ شِبْهَ النّارِ، والمُبِينُ: الظّاهِرُ لِلْمُبْصِرِينَ يَرَوْنَهُ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: واخْتُلِفَ في الشِّهابِ هَلْ يَقْتُلُ أمْ لا ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشِّهابُ يَجْرَحُ ويَحْرِقُ ويُخْبِلُ ولا يَقْتُلُ، وقالَ الحَسَنُ وطائِفَةٌ: يَقْتُلُ.
فَعَلى هَذا القَوْلِ في قَتْلِهِمْ بِالشُّهُبِ قَبْلَ إلْقاءِ السَّمْعِ إلى الجِنِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُقْتَلُونَ قَبْلَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ فَلا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ، ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكَهانَةُ.
والثّانِي أنَّهم يُقْتَلُونَ بَعْدَ إلْقائِهِمْ ما اسْتَرَقُوهُ مِنَ السَّمْعِ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الجِنِّ، قالَ: ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، ثُمَّ قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ.
قالَ: واخْتُلِفَ هَلْ كانَ رَمْيٌ بِالشُّهُبِ قَبْلَ المَبْعَثِ، فَقالَ الأكْثَرُونَ: نَعَمْ، وقِيلَ: لا وإنَّما ذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مِن آياتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِمّا حَدَثَ بَعْدَ مَوْلِدِهِ لِأنَّ الشُّعَراءَ في القَدِيمِ لَمْ يَذْكُرُوهُ في أشْعارِهِمْ.
قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: نَحْنُ نَرى انْقِضاضَ الكَواكِبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَما نَرى، ثُمَّ يَصِيرُ نارًا إذا أدْرَكَ الشَّيْطانَ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ يُرْمَوْنَ بِشُعْلَةٍ مِن نارِ الهَواءِ فَيُخَيَّلُ إلَيْنا أنَّهُ نَجْمٌ يَسْرِي.
﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ بَسَطْناها وفَرَشْناها كَما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠] وفي قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٨] وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّها كالكُرَةِ ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثابِتَةً لِئَلّا تَحَرَّكَ بِأهْلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ أنْبَتْنا في الأرْضِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالوَزْنِ لِأنَّهُ مِقْدارٌ تُعْرَفُ بِهِ الأشْياءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
وقِيلَ: مَعْنى مَوْزُونٍ مَقْسُومٍ، وقِيلَ: مَعْدُودٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الإثْباتِ الإنْشاءُ والإيجادُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الجِبالِ، أيْ: أنْبَتْنا في الجِبالِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مِنَ الذَّهَبِ (p-٧٥٩)والفِضَّةِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: مَوْزُونٌ بِمِيزانِ الحِكْمَةِ، ومُقَدَّرٌ بِقَدَرِ الحاجَةِ، وقِيلَ: المَوْزُونُ هو المَحْكُومُ بِحُسْنِهِ كَما يُقالُ كَلامٌ مَوْزُونٌ.
أيْ حَسَنٌ.
﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ تَعِيشُونَ بِها مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وقِيلَ: هي المَلابِسُ، وقِيلَ: هي التَّصَرُّفُ في أسْبابِ الرِّزْقِ مُدَّةَ الحَياةِ.
قالَ الماوَرْدِيُّ: وهو الظّاهِرُ.
قُلْتُ: بَلِ القَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎تُكَلِّفُنِي مَعِيشَةَ آلِ زَيْدٍ ∗∗∗ ومَن لِي بِالمُرَقَّقِ والضَّبابِ
﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَعايِشَ، أيْ: وجَعَلْنا لَكم فِيها مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ: وهُمُ المَمالِيكُ والخَدَمُ والأوْلادُ الَّذِينَ رازِقُهم في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ، وإنْ ظَنَّ بَعْضُ العِبادِ أنَّهُ الرّازِقُ لَهم بِاعْتِبارِ اسْتِقْلالِهِ بِالكَسْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ " لَكم "، أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ فِيها مَعايِشَ، وهم مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الدَّوابُّ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، ولا يَجُوزُ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " لَكم " لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَ الأكْثَرِ إلّا بِإعادَةِ الجارِ، وقِيلَ: أرادَ الوَحْشَ.
﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ " إنْ " هي النّافِيَةُ و( مِن ) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وهَذا التَّرْكِيبُ عامٌّ لِوُقُوعِ النَّكِرَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ مَعَ زِيادَةِ " مِن "، ومَعَ لَفْظِ شَيْءٍ المُتَناوِلِ لِكُلِّ المَوْجُوداتِ الصّادِقِ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِنها، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ عِنْدَ اللَّهِ خَزائِنُها لا يَخْرُجُ مِنها شَيْءٌ: والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ، وهي المَكانُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ نَفائِسُ الأُمُورِ، وذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُوبِ بِمِقْدارٍ كَيْفَ شاءَ.
وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ المُرادَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ هو المَطَرُ، لِأنَّهُ سَبَبُ الأرْزاقِ والمَعايِشِ، وقِيلَ: الخَزائِنُ المَفاتِيحُ، أيْ: ما مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا في السَّماءِ مَفاتِيحُهُ، والأوْلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ العُمُومِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، بَلْ قَدْ يَصْدُقُ الشَّيْءُ عَلى المَعْدُومِ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ في ذَلِكَ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ أيْ ما نُنَزِّلُهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أوْ نُوجِدُهُ لِلْعِبادِ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، والقَدَرُ المِقْدارُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُوجِدُ لِلْعِبادِ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ إلّا مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الإيجادُ بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى مِقْدارِ حاجَةِ العِبادِ إلَيْهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] وقَدْ فُسِّرَ الإنْزالُ بِالإعْطاءِ وفُسِّرَ بِالإنْشاءِ، وفُسِّرَ بِالإيجادِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وجُمْلَةُ ﴿وما نُنَزِّلُهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ نُنَزِّلُهُ وما نُنَزِّلُهُ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
قَرَأ حَمْزَةُ " الرِّيحَ " بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ مَن عَداهُ الرِّياحَ بِالجَمْعِ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ فَتَكُونُ اللّامُ في " الرِّيحِ " لِلْجِنْسِ.
قالَ الأزْهَرِيُّ وجَعَلَ الرِّياحَ لِواقِحَ لِأنَّها تَحْمِلُ السَّحابَ، أيْ: تُقِلُّهُ وتَصْرِفُهُ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتُنْزِلُهُ.
قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعراف: ٥٧]، أيْ: حَمَلَتْ.
وناقَةٌ لاقِحٌ: إذا حَمَلَتِ الجَنِينَ في بَطْنِها، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مُلَقِّحَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَقُولُ العَرَبُ: أبَقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ، أيْ: مُبْقِلٌ، والمَعْنى: أنَّها تُلَقِّحُ الشَّجَرَ، أيْ: بِقُوَّتِها، وقِيلَ: مَعْنى " لَواقِحَ " ذَواتُ لَقَحٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ وذاتُ لِقْحَةٍ، لِأنَّها تَعْصِرُ السَّحابَ وتُدِرُّهُ كَما تُدَرُّ اللِّقْحَةُ، يُقالُ رامِحٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ، ولابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وتامِرٌ، أيْ: ذُو تَمْرٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَواقِحُ بِمَعْنى مَلاقِحَ، ذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعُ مَلْقَحَةٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ تَشْبِيهُ الرِّياحِ الَّتِي تَحْمِلُ الماءَ بِالحامِلِ، ولَقاحِ الشَّجَرِ بِلِقاحِ الحَمْلِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أيْ مِنَ السَّحابِ، وكُلُّ ما عَلاكَ فَأظَلَّكَ فَهو سَماءٌ، وقِيلَ: مِن جِهَةِ السَّماءِ، والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ المَطَرِ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ جَعَلْنا ذَلِكَ المَطَرَ لَسُقْياكم ولِشُرْبِ مَواشِيكم وأرْضِكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ سَقَيْتُهُ الماءَ إذا أعْطَيْتَهُ قَدْرَ ما يَرْوِي، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتَهُ شِرْبًا لَهُ، وعَلى هَذا فَ ( أسْقَيْناكُمُوهُ ) أبْلَغُ مِن سَقَيْناكُمُوهُ، وقِيلَ: سَقى وأسْقى بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ أيْ لَيْسَتْ خَزائِنُهُ عِنْدَكم، بَلْ خَزائِنُهُ عِنْدَنا، ونَحْنُ الخازِنُونَ لَهُ، فَنَفى عَنْهم سُبْحانَهُ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وقِيلَ: المَعْنى: إنْ ما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْزَلْناهُ عَلَيْكم، أيْ: لا تَقْدِرُونَ عَلى حِفْظِهِ في الآبارِ والغُدْرانِ والعُيُونِ، بَلْ نَحْنُ الحافِظُونَ لَهُ فِيها لِيَكُونَ ذَخِيرَةً لَكم عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ.
﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أيْ نُوجِدُ الحَياةَ في المَخْلُوقاتِ ونَسْلُبُها عَنْها مَتى شِئْنا، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الأُمُورِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى البَعْثِ والنُّشُورِ والجَزاءِ لِعِبادِهِ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ وتَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولِهَذا قالَ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ لِلْأرْضِ ومَن عَلَيْها، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ، الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ، ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] .
﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم﴾ هَذِهِ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَكَذا اللّامُ في ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، والمُرادُ مَن تَقَدَّمَ وِلادَةً ومَوْتًا، ومَن تَأخَّرَ فِيهِما، وقِيلَ: مَن تَقَدَّمَ طاعَةً ومَن تَأخَّرَ فِيها، وقِيلَ: مِن تَقَدَّمَ في صَفِّ القِتالِ ومَن تَأخَّرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الأمْواتُ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الأحْياءُ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمِينَ هُمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمُونَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن قُتِلَ في الجِهادِ، والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُقْتَلْ.
﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ هو المُتَوَلِّي لِذَلِكَ القادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ مِنَ الحَصْرِ.
وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، لِأنَّهُ الأمْرُ المَقْصُودُ مِنَ الحَشْرِ إنَّهُ حَكِيمٌ يُجْرِي الأُمُورَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ البالِغَةُ عَلِيمٌ أحاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ القُدْرَةُ البالِغَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِمّا وسِعَهُ عِلْمُهُ، (p-٧٦٠)وجَرى فِيهِ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: كَواكِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الكَواكِبُ العِظامُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ الرَّجِيمُ: المَلْعُونُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أرادَ أنْ يَخْطَفَ السَّمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ إنَّ الشُّهُبَ لا تَقْتُلُ، ولَكِنْ تَحْرِقُ وتَخْبِلُ وتَجْرَحُ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: مَعْلُومٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قالَ: بِقَدَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الأشْياءُ الَّتِي تُوزَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما أنْبَتَتِ الجِبالُ، مِثْلَ الكُحْلِ وشِبْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ قالَ: الدَّوابُّ والأنْعامُ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مَنصُورٍ قالَ: الوَحْشُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «خَزائِنُ اللَّهِ الكَلامُ، فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَكانَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ قالَ: المَطَرُ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما نَقَصَ المَطَرُ مُنْذُ أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولَكِنْ تُمْطِرُ أرْضٌ أكْثَرَ مِمّا تُمْطِرُ أُخْرى ثُمَّ قَرَأ ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأمْطَرَ مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ قالَ: يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيحَ فَتَحْمِلُ الماءَ فَتُلَقِّحُ بِهِ السَّحابَ فَتَدِرُّ كَما تَدِرُّ اللِّقْحَةُ ثُمَّ تُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَبْعَثُ اللَّهُ المُبَشِّرَةَ فَتَقُمُّ الأرْضَ قَمًّا.
ثُمَّ يَبْعَثُ المُثِيرَةَ فَتُثِيرُ السَّحابَ فَتَجْعَلُهُ كِسَفًا ثُمَّ يَبْعَثُ المُؤَلِّفَةَ فَتُؤَلِّفُ بَيْنَهُ فَيَجْعَلُهُ رُكامًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّواقِحَ فَتُلَقِّحُهُ فَتُمْطِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي الرِّيحُ اللَّواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَسْناءَ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمِ يَتَقَدَّمُ حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ لِئَلّا يَراها، ويَسْتَأْخِرُ بَعْضُهم حَتّى يَكُونَ في الصَّفِّ المُؤَخَّرِ، فَإذا رَكَعَ نَظَرَ مِن تَحْتِ إبِطَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾» وهَذا الحَدِيثُ هو مِن رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَدْ رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ مِن قَوْلِ أبِي الجَوْزاءِ قالَ التِّرْمِذِيُّ: وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ أصَحَّ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في هَذا الحَدِيثِ نَكارَةٌ شَدِيدَةٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الصُّفُوفَ المُتَقَدِّمَةَ، والمُسْتَأْخِرِينَ: الصُّفُوفَ المُؤَخَّرَةَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في أنَّ خَيْرَ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرَّها آخِرُها، وخَيْرَ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرَّها أوَّلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ومُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ أنَّ الآيَةَ في صُفُوفِ القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُسْتَقْدِمِينَ في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَعْنِي بِـ ( ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ ) مَن ماتَ، وبِ ( ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ) مَن هو حَيٌّ لَمْ يَمُتْ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿المُسْتَقْدِمِينَ﴾ آدَمَ ومَن مَضى مِن ذُرِّيَّتِهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ في أصْلابِ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
الحجر 15:45
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:46
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.