Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الحجر 15:47 – الحجر 15:74
المحتويات
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:50
- الحجر 15:51
- الحجر 15:52
- الحجر 15:53
- الحجر 15:54
- الحجر 15:55
- الحجر 15:56
- الحجر 15:57
- الحجر 15:58
- الحجر 15:59
- الحجر 15:60
- الحجر 15:61
- الحجر 15:62
- الحجر 15:63
- الحجر 15:64
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:67
- الحجر 15:68
- الحجر 15:69
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
الحجر 15:47
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:48
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:49
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:50
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:51
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:52
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:53
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:54
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:55
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:56
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:57
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:58
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:59
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:60
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:61
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:62
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:63
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:64
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:65
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:66
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ أيِ المُتَّقِينَ لِلشِّرْكِ بِاللَّهِ كَما قالَهُ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا جَمِيعَ المَعاصِي في جَنّاتِ وهي البَساتِينُ، وعُيُونٍ وهي الأنْهارُ.
قُرِئَ بِضَمِّ العَيْنِ مِن " عُيُونٍ " عَلى الأصْلِ، وبِالكَسْرِ مُراعاةً لِلْياءِ، والتَّرْكِيبُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ المُتَّقِينَ - جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنّاتٌ وعُيُونٌ، أوْ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم جَنَّةٌ وعَيْنٌ.
ادْخُلُوها قَرَأ الجُمْهُورُ بِلَفْظِ الأمْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوها.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مَقْطُوعَةً، وفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ أيْ أدْخَلَهُمُ اللَّهُ إيّاها.
وقَدْ قِيلَ إنَّهم إذا كانُوا في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، فَكَيْفَ يُقالُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ ادْخُلُوها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ؟ فَإنَّ الأمْرَ لَهم بِالدُّخُولِ يُشْعِرُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا فِيها.
وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا صارُوا في الجَنّاتِ، فَإذا انْتَقَلُوا مِن بَعْضِها إلى بَعْضٍ يُقالُ لَهم عِنْدَ الوُصُولِ إلى الَّتِي أرادُوا الِانْتِقالَ إلَيْها ادْخُلُوها، ومَعْنى ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ بِسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، وأمْنٍ مِنَ المَخافاتِ، أوْ مُسَلِّمِينَ عَلى بَعْضِهِمْ بَعْضًا، أوْ مُسَلَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الحِقْدُ والعَداوَةُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في الأعْرافِ، وانْتِصابُ إخْوانًا عَلى الحالِ، أيْ: إخْوَةً في الدِّينِ والتَّعاطُفِ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ، وعَلى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وهي التَّقابُلُ، يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، والسُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ - وقِيلَ: هو المَجْلِسُ الرَّفِيعُ المُهَيَّأُ لِلسُّرُورِ، ومِنهُ قَوْلُهم: سِرُّ الوادِي لِأفْضَلِ مَوْضِعٍ مِنهُ.
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ أيْ تَعَبٌ وإعْياءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ذَلِكَ في الجَنَّةِ، لِأنَّها نُعَيْمٌ خالِصٌ، ولَذَّةٌ مَحْضَةٌ تَحْصُلُ لَهم بِسُهُولَةٍ، وتُوافِيهِمْ مَطالِبُهم بِلا كَسْبٍ ولا جَهْدٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ خُطُورِ شَهْوَةِ الشَّيْءِ بِقُلُوبِهِمْ يَحْصُلُ ذَلِكَ الشَّيْءُ عِنْدَهم صَفْوًا عَفْوًا ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ أبَدًا، وفي هَذا الخُلُودِ الدّائِمِ وعِلْمِهِمْ بِهِ تَمامُ اللَّذَّةِ وكَمالُ النَّعِيمِ، فَإنَّ عِلْمَ مَن هو في نِعْمَةٍ ولَذَّةٍ بِانْقِطاعِها وعَدَمِها بَعْدَ حِينٍ - مُوجِبٌ لِتَنَغُّصِ نَعِيمِهِ وتَكَدُّرِ لَذَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ قَصَّ عَلَيْنا ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ مِنَ الجَزاءِ العَظِيمِ والأجْرِ الجَزِيلِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيْ أخْبِرْهم يا مُحَمَّدُ أنِّي أنا الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِذُنُوبِهِمُ، الكَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَهم، كَما حَكَمْتُ بِهِ عَلى نَفْسِي أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الَّذِينَ تَفَضَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالمَغْفِرَةِ، وأدْخَلْتَهم تَحْتَ واسِعِ الرَّحْمَةِ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ يُخْبِرَ عِبادَهُ بِهَذِهِ البِشارَةِ (p-٧٦٤)العَظِيمَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يَذْكُرَ لَهم شَيْئًا مِمّا يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ والتَّحْذِيرَ حَتّى يَجْتَمِعَ الرَّجاءُ والخَوْفُ، ويَتَقابَلَ التَّبْشِيرُ والتَّحْذِيرُ لِيَكُونُوا راجِينَ خائِفِينَ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ أيِ الكَثِيرُ الإيلامِ، وعِنْدَ أنْ جَمَعَ اللَّهُ لِعِبادِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّبْشِيرِ والتَّحْذِيرِ صارُوا في حالَةٍ وسَطًا بَيْنَ اليَأْسِ والرَّجاءِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها، وهي القِيامُ عَلى قَدَمَيِ الرَّجاءِ والخَوْفِ، وبَيْنَ حالَتَيِ الأُنْسِ والهَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾، أيْ: أخْبِرْهم بِما جَرى عَلى إبْراهِيمَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ لَهُ الرَّجاءُ والخَوْفُ، والتَّبْشِيرُ الَّذِي خالَطَهُ نَوْعٌ مِنَ الوَجَلِ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ويَعْلَمُوا أنَّها سُنَّةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ.
وأيْضًا لَمّا اشْتَمَلَتِ القِصَّةُ عَلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وإهْلاكِ الظّالِمِينَ كانَ في ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِ الغَفُورَ الرَّحِيمَ وأنَّ عَذابَهُ هو العَذابُ الألِيمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ هُودٍ.
وانْتِصابُ ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم دُخُولَهم عَلَيْهِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّيْفُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ولِذَلِكَ وُحِّدَ وإنْ كانُوا جَماعَةً، وسُمِّيَ ضَيْفًا لِإضافَتِهِ إلى المُضِيفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ سَلَّمْنا سَلامًا ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ أيْ فَزِعُونَ خائِفُونَ، وإنَّما قالَ هَذا بَعْدَ أنْ قَرَّبَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] وقِيلَ: أنْكَرَ السَّلامَ مِنهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في بِلادِهِمْ، وقِيلَ: أنْكَرَ دُخُولَهم عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ.
﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ أيْ قالَتِ المَلائِكَةُ لا تَخَفْ، وقُرِئَ ( لا تاجَلْ ) و" لا تَوْجَلْ " مِن أوْجَلَهُ، أيْ: أخافَهُ، وجُمْلَةُ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ الوَجَلِ، والعَلِيمُ: كَثِيرُ العِلْمِ، وقِيلَ: هو الحَلِيمُ كَما وقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، وهَذا الغُلامُ: هو إسْحاقُ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ، ولَمْ يُسَمِّهِ هُنا ولا ذَكَرَ التَّبْشِيرَ بِيَعْقُوبَ اكْتِفاءً بِما سَلَفَ.
﴿قالَ أبَشَّرْتُمُونِي﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ " بَشَّرْتُمُونِي " بِغَيْرِ الألِفِ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مَعَ حالَةِ الكِبَرِ والهَرَمِ ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، كَأنَّهُ عَجِبَ مِن حُصُولِ الوَلَدِ لَهُ مَعَ ما قَدْ صارَ إلَيْهِ مِنَ الهَرَمِ الَّذِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ لا يُولَدُ لِمَن بَلَغَ إلَيْهِ، والمَعْنى: فَبِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَ، فَإنَّ البِشارَةَ بِما لا يَكُونُ عادَةً لا تَصِحُّ.
وقَرَأ نافِعٌ " تُبَشِّرُونِ " بِكَسْرِ النُّونِ والتَّخْفِيفِ وإبْقاءِ الكِسْرَةِ لِتَدُلَّ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِكَسْرِ النُّونِ مُشَدَّدَةً عَلى إدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وأصْلُهُ تُبَشِّرُونَنِي.
وقَرَأ الباقُونَ تُبَشِّرُونَ بِفَتْحِ النُّونِ.
﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا خُلْفَ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ ولا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَإنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ هَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ " مِنَ القَنِطِينَ " بِغَيْرِ ألِفٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، أيْ: مِنَ الآيِسِينَ مِن ذَلِكَ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ.
﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مَن يَقْنَطُ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ.
وحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ النُّونِ: والضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ، أوِ المُخْطِئُونَ الذّاهِبُونَ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ: إنَّما اسْتَبْعَدْتُ الوَلَدَ لِكِبَرِ سَنِّي لا لِقُنُوطِي مِن رَحْمَةِ رَبِّي.
ثُمَّ سَألَهم عَمّا لِأجْلِهِ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ الخَطْبُ: الأمْرُ الخَطِيرُ والشَّأْنُ العَظِيمُ، أيْ: فَما أمْرُكم وشَأْنُكم وما الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ غَيْرَ ما قَدْ بَشَّرْتُمُونِي بِهِ، وكَأنَّهُ قَدْ فَهِمَ أنَّ مَجِيئَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، بَلْ لَهم شَأْنٌ آخَرُ لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا.
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ إلى قَوْمٍ لَهم إجْرامٌ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الشِّرْكُ وما هو دُونَهُ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ: هم قَوْمُ لُوطٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن لَيْسُوا مُجْرِمِينَ فَقالَ: ﴿إلّا آلَ لُوطٍ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، لِأنَّهُ مِنَ الضَّمِيرِ في مُجْرِمِينَ، ولَوْ كانَ مِن " قَوْمٍ " لَكانَ مُنْقَطِعًا لِكَوْنِهِمْ قَدْ وُصِفُوا بِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ، ولَيْسَ آلُ لُوطٍ مُجْرِمِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما سَيَخْتَصُّ بِهِ آلُ لُوطٍ مِنَ الكَرامَةِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ مَعَ القَوْمِ في إجْرامِهِمْ فَقالَ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ آلَ لُوطٍ، وهم أتْباعُهُ وأهْلُ دِينِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَكُونُ حالُ آلِ لُوطٍ ؟ فَقالَ ﴿إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا فَهي خَبَرٌ، أيْ: لَكِنَّ آلَ لُوطٍ ناجُونَ مِن عَذابِنا.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " لَمُنْجُوهم " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْجا.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَجّى.
واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ الأخِيرَةَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ، والتَّنْجِيَةُ والإنْجاءُ التَّخْلِيصُ مِمّا وقَعَ فِيهِ غَيْرُهم.
إلّا امْرَأتَهُ هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الضَّمِيرِ في " مُنَجُّوهم " إخْراجًا لَها مِنَ التَّنْجِيَةِ، أيْ: إلّا امْرَأتَهُ فَلَيْسَتْ مِمَّنْ نُنْجِيهِ بَلْ مِمَّنْ نُهْلِكُهُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن آلِ لُوطٍ بِاعْتِبارِ ما حُكِمَ لَهم بِهِ مِنَ التَّنْجِيَةِ، والمَعْنى: قالُوا: إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم إلّا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم إلّا امْرَأتَهُ فَإنَّها مِنَ الهالِكِينَ، ومَعْنى ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ قَضَيْنا وحَكَمْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ مَعَ الكَفَرَةِ، والغابِرُ الباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَكْسَحِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
والإغْبارُ: بَقايا اللَّبَنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى " قَدَّرْنا " دَبَّرْنا وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَضَيْنا، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ.
وقَرَأ عاصِمٌ مِن رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ " قَدَرْنا " بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
قالَ الهَرَوِيُّ: هُما بِمَعْنًى، وإنَّما أُسْنِدَ التَّقْدِيرُ إلى المَلائِكَةِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِما لَهم مِنَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ.
﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ إهْلاكِ مَن يَسْتَحِقُّ الهَلاكَ وتَنْجِيَةِ مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أيْ قالَ لُوطٌ مُخاطِبًا لَهم إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ، أيْ: لا أعْرِفُكم بَلْ أُنْكِرُكم.
﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ، فالإضْرابُ هو عَنْ مَجِيئِهِمْ بِما يُنْكِرُهُ، كَأنَّهم قالُوا: ما جِئْناكَ بِما خَطَرَ (p-٧٦٥)بِبالِكَ مِنَ المَكْرُوهِ، بَلْ جِئْناكَ بِما فِيهِ سُرُورُكَ، وهو عَذابُهُمُ الَّذِي كُنْتَ تُحَذِّرُهم مِنهُ وهم يُكَذِّبُونَكَ.
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِاليَقِينِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، وهو العَذابُ النّازِلُ بِهِمْ لا مَحالَةَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ في ذَلِكَ الخَبَرِ الَّذِي أخْبَرْناكَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ في سُورَةِ هُودٍ ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ أيْ كُنْ مِن ورائِهِمْ تَذُودُهم لِئَلّا يَخْتَلِفَ مِنهم أحَدٌ فَيَنالَهُ العَذابُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنهم فَيَرى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَشْتَغِلَ بِالنَّظَرِ في ذَلِكَ ويَتَباطَأ عَنْ سُرْعَةِ السَّيْرِ والبُعْدِ عَنْ دِيارِ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: مَعْنى لا يَلْتَفِتْ: لا يَتَخَلَّفْ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أيْ إلى الجِهَةِ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالمُضِيِّ إلَيْها، وهي جِهَةُ الشّامِ، وقِيلَ: مِصْرُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى لُوطٍ، وقِيلَ: أرْضُ الخَلِيلِ.
﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلى لُوطٍ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وهو إهْلاكُ قَوْمِهِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ " أنَّ " نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾: والدّابِرُ هو الآخِرُ، أيْ: أنَّ آخِرَ مَن يَبْقى مِنهم يَهْلَكُ وقْتَ الصُّبْحِ، وانْتِصابُ مُصْبِحِينَ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ داخِلِينَ في وقْتِ الصُّبْحِ، ومِثْلُهُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: آمِنِينَ قالَ: أمِنُوا المَوْتَ فَلا يَمُوتُونَ ولا يَكْبُرُونَ ولا يَسْقُمُونَ ولا يَعْرُونَ ولا يَجُوعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: العَداوَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: فِينا واللَّهِ أهْلُ الجَنَّةِ نَزَلَتْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ أحْياءٍ مِنَ العَرَبِ: في بَنِي هاشِمٍ، وبَنِي تَيْمٍ، وبَنِي عَدِيٍّ، فِيَّ وفي أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ كَثِيرٍ النَّوّاءِ.
قالَ: قُلْتُ لِأبِي جَعْفَرٍ إنَّ فُلانًا حَدَّثَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ قالَ: واللَّهِ إنَّها لَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ، وفِيمَن تَنْزِلُ إلّا فِيهِمْ ؟ قُلْتُ: وأيُّ غِلٍّ هو ؟ قالَ: غِلُّ الجاهِلِيَّةِ، إنَّ بَنِي تَيْمٍ وبَنِي عَدِيٍّ وبَنِي هاشِمٍ كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسَلَمَ هَؤُلاءِ القَوْمُ تَحابُّوا، فَأخَذَتْ أبا بَكْرٍ الخاصِرَةُ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُسْخِنُ يَدَهُ فَيُكَمِّدُ بِها خاصِرَةَ أبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ مِن طُرُقٍ أنَّهُ قالَ لِابْنِ طَلْحَةَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وأبُوكَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن هَمْدانَ: اللَّهُ أعْدَلُ مِن ذَلِكَ، فَصاحَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ صَيْحَةً تَداعى لَها القَصْرُ وقالَ: فِيمَن إذًا إنْ لَمْ نَكُنْ نَحْنُ أُولَئِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنِّي لَأرْجُوَ أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ والزُّبَيْرُ وطَلْحَةُ فِيمَن قالَ اللَّهُ: ﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَشَرَةٍ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، وعُثْمانَ وعَلِيٍّ، وطِلْحَةَ والزُّبَيْرِ، وسَعْدٍ وسَعِيدٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ قالَ: المُتَحابُّونَ في اللَّهِ في الجَنَّةِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ قالَ: المَشَقَّةُ والأذى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «اطَّلَعَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ البابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنهُ بَنُو شَيْبَةَ فَقالَ: ألا أراكم تَضْحَكُونَ، ثُمَّ أدْبَرَ حَتّى إذا كانَ عِنْدَ الحَجَرِ رَجَعَ القَهْقَرى فَقالَ: إنِّي لَمّا خَرَجْتُ جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: لِمَ تُقَنِّطُ عِبادِي ؟ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ناسٍ مِن أصْحابِهِ يَضْحَكُونَ فَقالَ: اذْكُرُوا الجَنَّةَ واذْكُرُوا النّارَ، فَنَزَلَتْ ﴿نَبِّئْ عِبادِي أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. . . . فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَها مِائَةً رَحْمَةٍ فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ رَحْمَةً، وأرْسَلَ في خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الكافِرُ كُلَّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِن رَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ لَمْ يَأْمَن مِنَ النّارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾ لا تَخَفْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ القانِطِينَ قالَ: الآيِسِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ يَعْنِي الباقِينَ في عَذابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ قالَ: أنْكَرَهم لُوطٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: بِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: يَشُكُّونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهم﴾ قالَ: أُمِرَ أنْ يَكُونَ خَلْفَ أهْلِهِ يَتَّبِعُ أدْبارَهم في آخِرِهِمْ إذا مَشَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ (p-٧٦٦)قالَ: أخْرَجَهُمُ اللَّهُ إلى الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ قالَ: أوْحَيْناهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يَعْنِي اسْتِئْصالَ هَلاكِهِمْ.
الحجر 15:67
.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما كانَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عِنْدَ وُصُولِ المَلائِكَةِ إلى قَرْيَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي سَلُومُ كَما سَبَقَ، وجُمْلَةُ يَسْتَبْشِرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَبْشِرُونَ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا في ارْتِكابِ الفاحِشَةِ مِنهم.
فَقالَ لَهم لُوطٌ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي. وحَّدَ الضَّيْفَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ أضْيافِي، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهُ رَآهم عَلى هَيْئَةِ الأضْيافِ، وقَوْمُهُ رَأوْهم مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَلِذَلِكَ طَمِعُوا فِيهِمْ ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضِيحَةً وفَضْحًا إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ بِإظْهارِهِ، والمَعْنى: لا تَفْضَحُونِ عِنْدَهم بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالفاحِشَةِ فَيَعْلَمُونَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ حِمايَةِ مَن نَزَلَ بِي، أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَفْضَحُ الضَّيْفَ فَقَدْ فَعَلَ ما يَفْضَحُ المُضِيفَ.
واتَّقُوا اللَّهَ في أمْرِهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الخِزْيِ: وهو الذُّلُّ والهَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ والخَجَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في هُودٍ.
قالُوا أيْ قَوْمُ لُوطٍ مُجِيبِينَ لَهُ ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ونَنْهَكَ عَنْ أنْ تَكَلِّمَنا في شَأْنِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ ؟ وقِيلَ: نَهَوْهُ عَنْ ضِيافَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ بِضَيْفِي فَهَؤُلاءِ بَناتِي تَزَوَّجُوهُنَّ حَلالًا ولا تَرْكَبُوا الحَرامَ، وقِيلَ: أرادَ بِبَناتِهِ نِساءَ قَوْمِهِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هُودٍ.
﴿لَعَمْرُكُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العَمْرُ والعُمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ واحِدٌ، لَكِنَّهم خَصُّوا القَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإيثارِ الأخَفِّ فَإنَّهُ كَثِيرُ الدَّوْرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: اتَّفَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُدَّةِ حَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وكَذا حَكى إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ فَقالَ: قالَ المُفَسِّرُونَ بِأجْمَعِهِمْ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى هاهُنا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ.
قالَ ابْنُ الجَوْزاءِ: ما أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ البَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ ويَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ما شاءَ، وكُلُّ ما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِلُوطٍ مِن فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَهُ مِن شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ، أوَلا تَراهُ سُبْحانَهُ أعْطى إبْراهِيمَ الخُلَّةَ ومُوسى التَّكْلِيمَ، وأعْطى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ فَإذا أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ فَحَياةُ مُحَمَّدٍ أرْفَعُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ حَسَنٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ قَسْمُهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَلامًا مُعْتَرَضًا في قِصَّةِ لُوطٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَما فِيهِما مِن فَضْلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إلّا وفي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ عَلى جِنْسِهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ أنَّ هَذا هو مِنَ المَلائِكَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ قَطُّ كَرامَةً لَهُ. انْتَهى.
وقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وجاءَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَيْسَ لِعِبادِهِ أنْ يُقْسِمُوا بِغَيْرِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُقْسِمُ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقِيلَ: الإقْسامُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطَوْرِ سِنِينَ والنَّجْمِ والضُّحى والشَّمْسِ واللَّيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُقْسَمُ بِهِ، أيْ: وخالِقِ التِّينِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ أيْ وخالِقِ عُمُرِكَ، ومَعْنى ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: لَفي غَوايَتِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، جَعَلَ الغَوايَة لِكَوْنِها تَذْهَبُ بِعَقْلِ صاحِبِها كَما تَذْهَبُ بِهِ الخَمْرُ سَكْرَةً، والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ عَلى أنَّ القَسَمَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلى أنَّ القَسَمَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ أوْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، أيْ: أضاءَتْ وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وأشْرَقَ القَوْمُ إذا دَخَلُوا في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: أرادَ شُرُوقَ الفَجْرِ، وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ شُرُوقِ الفَجْرِ وامْتَدَّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
والصَّيْحَةُ: العَذابُ.
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ المَدِينَةِ سافِلَها ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذا في سُورَةِ هُودٍ.
إنَّ في ذَلِكَ أيْ في المَذْكُورِ مِن قِصَّتِهِمْ وبَيانِ ما أصابَهم لَآياتٍ لِعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلْمُتَفَكِّرِينَ النّاظِرِينَ في الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ أنِيقٌ لِعَيْنِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
وقالَ الآخَرُ:
؎أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الواسِمُ النّاظِرُ إلَيْكَ مِن قَرْنِكَ إلى قَدَمِكَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وأصْلُ التَّوَسُّمِ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ في (p-٧٦٧)جِلْدِ البَعِيرِ.
﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ أوْ مَدِينَتَهم عَلى طَرِيقٍ ثابَتٍ، وهي الطَّرِيقُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ فَإنَّ السّالِكَ في هَذِهِ الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِتِلْكَ القُرى.
إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْتَبِرُونَ بِها فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ العِبادِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآثارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قالَ: اسْتَبْشَرُوا بِأضْيافِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ حِينَ نَزَلُوا بِهِ لَمّا أرادُوا أنْ يَأْتُوا إلَيْهِمْ مِنَ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ: يَقُولُونَ أوَلَمْ نَنْهَكْ أنْ تُضِيفَ أحَدًا أوْ تُئْوِيَهُ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أمَرَهم لُوطٌ بِتَزْوِيجِ النِّساءِ وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهَ بِبَناتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما سَمِعْتُ اللَّهَ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ، قالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَقُولُ: وحَياتِكَ يا مُحَمَّدُ وعُمُرِكَ وبَقائِكَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ قالَ: لَعَيْشُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ما حَلَفَ اللَّهُ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ قالَ لَعَمْرُكَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ " لَعَمْرِي " يَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ وحَياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في ضَلالِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في الآيَةِ: لَفي غَفْلَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِثْلَ الصّاعِقَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مُشْرِقِينَ قالَ: حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً، أما تَرى الرَّجُلَ يُرْسِلُ خاتَمَهُ إلى أهْلِهِ، فَيَقُولُ هاتُوا كَذا وكَذا، فَإذا رَأوْهُ عَرَفُوا أنَّهُ حَقٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: لِلنّاظِرِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لِلْمُعْتَبِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَقُولُ لَبِهَلاكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَبِطَرِيقٍ مُقِيمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ.
الحجر 15:68
.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما كانَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عِنْدَ وُصُولِ المَلائِكَةِ إلى قَرْيَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي سَلُومُ كَما سَبَقَ، وجُمْلَةُ يَسْتَبْشِرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَبْشِرُونَ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا في ارْتِكابِ الفاحِشَةِ مِنهم.
فَقالَ لَهم لُوطٌ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي. وحَّدَ الضَّيْفَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ أضْيافِي، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهُ رَآهم عَلى هَيْئَةِ الأضْيافِ، وقَوْمُهُ رَأوْهم مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَلِذَلِكَ طَمِعُوا فِيهِمْ ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضِيحَةً وفَضْحًا إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ بِإظْهارِهِ، والمَعْنى: لا تَفْضَحُونِ عِنْدَهم بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالفاحِشَةِ فَيَعْلَمُونَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ حِمايَةِ مَن نَزَلَ بِي، أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَفْضَحُ الضَّيْفَ فَقَدْ فَعَلَ ما يَفْضَحُ المُضِيفَ.
واتَّقُوا اللَّهَ في أمْرِهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الخِزْيِ: وهو الذُّلُّ والهَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ والخَجَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في هُودٍ.
قالُوا أيْ قَوْمُ لُوطٍ مُجِيبِينَ لَهُ ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ونَنْهَكَ عَنْ أنْ تَكَلِّمَنا في شَأْنِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ ؟ وقِيلَ: نَهَوْهُ عَنْ ضِيافَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ بِضَيْفِي فَهَؤُلاءِ بَناتِي تَزَوَّجُوهُنَّ حَلالًا ولا تَرْكَبُوا الحَرامَ، وقِيلَ: أرادَ بِبَناتِهِ نِساءَ قَوْمِهِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هُودٍ.
﴿لَعَمْرُكُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العَمْرُ والعُمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ واحِدٌ، لَكِنَّهم خَصُّوا القَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإيثارِ الأخَفِّ فَإنَّهُ كَثِيرُ الدَّوْرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: اتَّفَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُدَّةِ حَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وكَذا حَكى إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ فَقالَ: قالَ المُفَسِّرُونَ بِأجْمَعِهِمْ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى هاهُنا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ.
قالَ ابْنُ الجَوْزاءِ: ما أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ البَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ ويَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ما شاءَ، وكُلُّ ما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِلُوطٍ مِن فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَهُ مِن شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ، أوَلا تَراهُ سُبْحانَهُ أعْطى إبْراهِيمَ الخُلَّةَ ومُوسى التَّكْلِيمَ، وأعْطى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ فَإذا أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ فَحَياةُ مُحَمَّدٍ أرْفَعُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ حَسَنٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ قَسْمُهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَلامًا مُعْتَرَضًا في قِصَّةِ لُوطٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَما فِيهِما مِن فَضْلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إلّا وفي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ عَلى جِنْسِهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ أنَّ هَذا هو مِنَ المَلائِكَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ قَطُّ كَرامَةً لَهُ. انْتَهى.
وقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وجاءَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَيْسَ لِعِبادِهِ أنْ يُقْسِمُوا بِغَيْرِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُقْسِمُ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقِيلَ: الإقْسامُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطَوْرِ سِنِينَ والنَّجْمِ والضُّحى والشَّمْسِ واللَّيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُقْسَمُ بِهِ، أيْ: وخالِقِ التِّينِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ أيْ وخالِقِ عُمُرِكَ، ومَعْنى ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: لَفي غَوايَتِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، جَعَلَ الغَوايَة لِكَوْنِها تَذْهَبُ بِعَقْلِ صاحِبِها كَما تَذْهَبُ بِهِ الخَمْرُ سَكْرَةً، والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ عَلى أنَّ القَسَمَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلى أنَّ القَسَمَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ أوْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، أيْ: أضاءَتْ وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وأشْرَقَ القَوْمُ إذا دَخَلُوا في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: أرادَ شُرُوقَ الفَجْرِ، وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ شُرُوقِ الفَجْرِ وامْتَدَّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
والصَّيْحَةُ: العَذابُ.
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ المَدِينَةِ سافِلَها ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذا في سُورَةِ هُودٍ.
إنَّ في ذَلِكَ أيْ في المَذْكُورِ مِن قِصَّتِهِمْ وبَيانِ ما أصابَهم لَآياتٍ لِعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلْمُتَفَكِّرِينَ النّاظِرِينَ في الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ أنِيقٌ لِعَيْنِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
وقالَ الآخَرُ:
؎أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الواسِمُ النّاظِرُ إلَيْكَ مِن قَرْنِكَ إلى قَدَمِكَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وأصْلُ التَّوَسُّمِ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ في (p-٧٦٧)جِلْدِ البَعِيرِ.
﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ أوْ مَدِينَتَهم عَلى طَرِيقٍ ثابَتٍ، وهي الطَّرِيقُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ فَإنَّ السّالِكَ في هَذِهِ الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِتِلْكَ القُرى.
إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْتَبِرُونَ بِها فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ العِبادِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآثارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قالَ: اسْتَبْشَرُوا بِأضْيافِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ حِينَ نَزَلُوا بِهِ لَمّا أرادُوا أنْ يَأْتُوا إلَيْهِمْ مِنَ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ: يَقُولُونَ أوَلَمْ نَنْهَكْ أنْ تُضِيفَ أحَدًا أوْ تُئْوِيَهُ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أمَرَهم لُوطٌ بِتَزْوِيجِ النِّساءِ وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهَ بِبَناتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما سَمِعْتُ اللَّهَ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ، قالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَقُولُ: وحَياتِكَ يا مُحَمَّدُ وعُمُرِكَ وبَقائِكَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ قالَ: لَعَيْشُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ما حَلَفَ اللَّهُ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ قالَ لَعَمْرُكَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ " لَعَمْرِي " يَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ وحَياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في ضَلالِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في الآيَةِ: لَفي غَفْلَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِثْلَ الصّاعِقَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مُشْرِقِينَ قالَ: حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً، أما تَرى الرَّجُلَ يُرْسِلُ خاتَمَهُ إلى أهْلِهِ، فَيَقُولُ هاتُوا كَذا وكَذا، فَإذا رَأوْهُ عَرَفُوا أنَّهُ حَقٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: لِلنّاظِرِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لِلْمُعْتَبِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَقُولُ لَبِهَلاكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَبِطَرِيقٍ مُقِيمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ.
الحجر 15:69
.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما كانَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عِنْدَ وُصُولِ المَلائِكَةِ إلى قَرْيَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي سَلُومُ كَما سَبَقَ، وجُمْلَةُ يَسْتَبْشِرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَبْشِرُونَ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا في ارْتِكابِ الفاحِشَةِ مِنهم.
فَقالَ لَهم لُوطٌ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي. وحَّدَ الضَّيْفَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ أضْيافِي، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهُ رَآهم عَلى هَيْئَةِ الأضْيافِ، وقَوْمُهُ رَأوْهم مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَلِذَلِكَ طَمِعُوا فِيهِمْ ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضِيحَةً وفَضْحًا إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ بِإظْهارِهِ، والمَعْنى: لا تَفْضَحُونِ عِنْدَهم بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالفاحِشَةِ فَيَعْلَمُونَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ حِمايَةِ مَن نَزَلَ بِي، أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَفْضَحُ الضَّيْفَ فَقَدْ فَعَلَ ما يَفْضَحُ المُضِيفَ.
واتَّقُوا اللَّهَ في أمْرِهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الخِزْيِ: وهو الذُّلُّ والهَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ والخَجَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في هُودٍ.
قالُوا أيْ قَوْمُ لُوطٍ مُجِيبِينَ لَهُ ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ونَنْهَكَ عَنْ أنْ تَكَلِّمَنا في شَأْنِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ ؟ وقِيلَ: نَهَوْهُ عَنْ ضِيافَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ بِضَيْفِي فَهَؤُلاءِ بَناتِي تَزَوَّجُوهُنَّ حَلالًا ولا تَرْكَبُوا الحَرامَ، وقِيلَ: أرادَ بِبَناتِهِ نِساءَ قَوْمِهِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هُودٍ.
﴿لَعَمْرُكُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العَمْرُ والعُمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ واحِدٌ، لَكِنَّهم خَصُّوا القَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإيثارِ الأخَفِّ فَإنَّهُ كَثِيرُ الدَّوْرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: اتَّفَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُدَّةِ حَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وكَذا حَكى إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ فَقالَ: قالَ المُفَسِّرُونَ بِأجْمَعِهِمْ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى هاهُنا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ.
قالَ ابْنُ الجَوْزاءِ: ما أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ البَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ ويَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ما شاءَ، وكُلُّ ما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِلُوطٍ مِن فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَهُ مِن شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ، أوَلا تَراهُ سُبْحانَهُ أعْطى إبْراهِيمَ الخُلَّةَ ومُوسى التَّكْلِيمَ، وأعْطى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ فَإذا أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ فَحَياةُ مُحَمَّدٍ أرْفَعُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ حَسَنٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ قَسْمُهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَلامًا مُعْتَرَضًا في قِصَّةِ لُوطٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَما فِيهِما مِن فَضْلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إلّا وفي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ عَلى جِنْسِهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ أنَّ هَذا هو مِنَ المَلائِكَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ قَطُّ كَرامَةً لَهُ. انْتَهى.
وقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وجاءَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَيْسَ لِعِبادِهِ أنْ يُقْسِمُوا بِغَيْرِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُقْسِمُ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقِيلَ: الإقْسامُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطَوْرِ سِنِينَ والنَّجْمِ والضُّحى والشَّمْسِ واللَّيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُقْسَمُ بِهِ، أيْ: وخالِقِ التِّينِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ أيْ وخالِقِ عُمُرِكَ، ومَعْنى ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: لَفي غَوايَتِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، جَعَلَ الغَوايَة لِكَوْنِها تَذْهَبُ بِعَقْلِ صاحِبِها كَما تَذْهَبُ بِهِ الخَمْرُ سَكْرَةً، والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ عَلى أنَّ القَسَمَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلى أنَّ القَسَمَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ أوْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، أيْ: أضاءَتْ وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وأشْرَقَ القَوْمُ إذا دَخَلُوا في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: أرادَ شُرُوقَ الفَجْرِ، وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ شُرُوقِ الفَجْرِ وامْتَدَّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
والصَّيْحَةُ: العَذابُ.
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ المَدِينَةِ سافِلَها ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذا في سُورَةِ هُودٍ.
إنَّ في ذَلِكَ أيْ في المَذْكُورِ مِن قِصَّتِهِمْ وبَيانِ ما أصابَهم لَآياتٍ لِعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلْمُتَفَكِّرِينَ النّاظِرِينَ في الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ أنِيقٌ لِعَيْنِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
وقالَ الآخَرُ:
؎أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الواسِمُ النّاظِرُ إلَيْكَ مِن قَرْنِكَ إلى قَدَمِكَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وأصْلُ التَّوَسُّمِ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ في (p-٧٦٧)جِلْدِ البَعِيرِ.
﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ أوْ مَدِينَتَهم عَلى طَرِيقٍ ثابَتٍ، وهي الطَّرِيقُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ فَإنَّ السّالِكَ في هَذِهِ الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِتِلْكَ القُرى.
إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْتَبِرُونَ بِها فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ العِبادِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآثارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قالَ: اسْتَبْشَرُوا بِأضْيافِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ حِينَ نَزَلُوا بِهِ لَمّا أرادُوا أنْ يَأْتُوا إلَيْهِمْ مِنَ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ: يَقُولُونَ أوَلَمْ نَنْهَكْ أنْ تُضِيفَ أحَدًا أوْ تُئْوِيَهُ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أمَرَهم لُوطٌ بِتَزْوِيجِ النِّساءِ وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهَ بِبَناتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما سَمِعْتُ اللَّهَ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ، قالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَقُولُ: وحَياتِكَ يا مُحَمَّدُ وعُمُرِكَ وبَقائِكَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ قالَ: لَعَيْشُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ما حَلَفَ اللَّهُ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ قالَ لَعَمْرُكَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ " لَعَمْرِي " يَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ وحَياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في ضَلالِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في الآيَةِ: لَفي غَفْلَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِثْلَ الصّاعِقَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مُشْرِقِينَ قالَ: حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً، أما تَرى الرَّجُلَ يُرْسِلُ خاتَمَهُ إلى أهْلِهِ، فَيَقُولُ هاتُوا كَذا وكَذا، فَإذا رَأوْهُ عَرَفُوا أنَّهُ حَقٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: لِلنّاظِرِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لِلْمُعْتَبِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَقُولُ لَبِهَلاكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَبِطَرِيقٍ مُقِيمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ.
الحجر 15:70
.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما كانَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عِنْدَ وُصُولِ المَلائِكَةِ إلى قَرْيَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي سَلُومُ كَما سَبَقَ، وجُمْلَةُ يَسْتَبْشِرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَبْشِرُونَ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا في ارْتِكابِ الفاحِشَةِ مِنهم.
فَقالَ لَهم لُوطٌ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي. وحَّدَ الضَّيْفَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ أضْيافِي، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهُ رَآهم عَلى هَيْئَةِ الأضْيافِ، وقَوْمُهُ رَأوْهم مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَلِذَلِكَ طَمِعُوا فِيهِمْ ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضِيحَةً وفَضْحًا إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ بِإظْهارِهِ، والمَعْنى: لا تَفْضَحُونِ عِنْدَهم بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالفاحِشَةِ فَيَعْلَمُونَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ حِمايَةِ مَن نَزَلَ بِي، أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَفْضَحُ الضَّيْفَ فَقَدْ فَعَلَ ما يَفْضَحُ المُضِيفَ.
واتَّقُوا اللَّهَ في أمْرِهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الخِزْيِ: وهو الذُّلُّ والهَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ والخَجَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في هُودٍ.
قالُوا أيْ قَوْمُ لُوطٍ مُجِيبِينَ لَهُ ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ونَنْهَكَ عَنْ أنْ تَكَلِّمَنا في شَأْنِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ ؟ وقِيلَ: نَهَوْهُ عَنْ ضِيافَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ بِضَيْفِي فَهَؤُلاءِ بَناتِي تَزَوَّجُوهُنَّ حَلالًا ولا تَرْكَبُوا الحَرامَ، وقِيلَ: أرادَ بِبَناتِهِ نِساءَ قَوْمِهِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هُودٍ.
﴿لَعَمْرُكُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العَمْرُ والعُمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ واحِدٌ، لَكِنَّهم خَصُّوا القَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإيثارِ الأخَفِّ فَإنَّهُ كَثِيرُ الدَّوْرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: اتَّفَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُدَّةِ حَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وكَذا حَكى إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ فَقالَ: قالَ المُفَسِّرُونَ بِأجْمَعِهِمْ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى هاهُنا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ.
قالَ ابْنُ الجَوْزاءِ: ما أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ البَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ ويَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ما شاءَ، وكُلُّ ما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِلُوطٍ مِن فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَهُ مِن شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ، أوَلا تَراهُ سُبْحانَهُ أعْطى إبْراهِيمَ الخُلَّةَ ومُوسى التَّكْلِيمَ، وأعْطى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ فَإذا أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ فَحَياةُ مُحَمَّدٍ أرْفَعُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ حَسَنٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ قَسْمُهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَلامًا مُعْتَرَضًا في قِصَّةِ لُوطٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَما فِيهِما مِن فَضْلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إلّا وفي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ عَلى جِنْسِهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ أنَّ هَذا هو مِنَ المَلائِكَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ قَطُّ كَرامَةً لَهُ. انْتَهى.
وقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وجاءَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَيْسَ لِعِبادِهِ أنْ يُقْسِمُوا بِغَيْرِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُقْسِمُ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقِيلَ: الإقْسامُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطَوْرِ سِنِينَ والنَّجْمِ والضُّحى والشَّمْسِ واللَّيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُقْسَمُ بِهِ، أيْ: وخالِقِ التِّينِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ أيْ وخالِقِ عُمُرِكَ، ومَعْنى ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: لَفي غَوايَتِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، جَعَلَ الغَوايَة لِكَوْنِها تَذْهَبُ بِعَقْلِ صاحِبِها كَما تَذْهَبُ بِهِ الخَمْرُ سَكْرَةً، والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ عَلى أنَّ القَسَمَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلى أنَّ القَسَمَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ أوْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، أيْ: أضاءَتْ وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وأشْرَقَ القَوْمُ إذا دَخَلُوا في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: أرادَ شُرُوقَ الفَجْرِ، وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ شُرُوقِ الفَجْرِ وامْتَدَّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
والصَّيْحَةُ: العَذابُ.
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ المَدِينَةِ سافِلَها ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذا في سُورَةِ هُودٍ.
إنَّ في ذَلِكَ أيْ في المَذْكُورِ مِن قِصَّتِهِمْ وبَيانِ ما أصابَهم لَآياتٍ لِعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلْمُتَفَكِّرِينَ النّاظِرِينَ في الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ أنِيقٌ لِعَيْنِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
وقالَ الآخَرُ:
؎أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الواسِمُ النّاظِرُ إلَيْكَ مِن قَرْنِكَ إلى قَدَمِكَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وأصْلُ التَّوَسُّمِ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ في (p-٧٦٧)جِلْدِ البَعِيرِ.
﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ أوْ مَدِينَتَهم عَلى طَرِيقٍ ثابَتٍ، وهي الطَّرِيقُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ فَإنَّ السّالِكَ في هَذِهِ الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِتِلْكَ القُرى.
إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْتَبِرُونَ بِها فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ العِبادِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآثارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قالَ: اسْتَبْشَرُوا بِأضْيافِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ حِينَ نَزَلُوا بِهِ لَمّا أرادُوا أنْ يَأْتُوا إلَيْهِمْ مِنَ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ: يَقُولُونَ أوَلَمْ نَنْهَكْ أنْ تُضِيفَ أحَدًا أوْ تُئْوِيَهُ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أمَرَهم لُوطٌ بِتَزْوِيجِ النِّساءِ وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهَ بِبَناتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما سَمِعْتُ اللَّهَ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ، قالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَقُولُ: وحَياتِكَ يا مُحَمَّدُ وعُمُرِكَ وبَقائِكَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ قالَ: لَعَيْشُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ما حَلَفَ اللَّهُ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ قالَ لَعَمْرُكَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ " لَعَمْرِي " يَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ وحَياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في ضَلالِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في الآيَةِ: لَفي غَفْلَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِثْلَ الصّاعِقَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مُشْرِقِينَ قالَ: حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً، أما تَرى الرَّجُلَ يُرْسِلُ خاتَمَهُ إلى أهْلِهِ، فَيَقُولُ هاتُوا كَذا وكَذا، فَإذا رَأوْهُ عَرَفُوا أنَّهُ حَقٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: لِلنّاظِرِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لِلْمُعْتَبِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَقُولُ لَبِهَلاكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَبِطَرِيقٍ مُقِيمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ.
الحجر 15:71
.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما كانَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عِنْدَ وُصُولِ المَلائِكَةِ إلى قَرْيَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي سَلُومُ كَما سَبَقَ، وجُمْلَةُ يَسْتَبْشِرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَبْشِرُونَ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا في ارْتِكابِ الفاحِشَةِ مِنهم.
فَقالَ لَهم لُوطٌ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي. وحَّدَ الضَّيْفَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ أضْيافِي، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهُ رَآهم عَلى هَيْئَةِ الأضْيافِ، وقَوْمُهُ رَأوْهم مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَلِذَلِكَ طَمِعُوا فِيهِمْ ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضِيحَةً وفَضْحًا إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ بِإظْهارِهِ، والمَعْنى: لا تَفْضَحُونِ عِنْدَهم بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالفاحِشَةِ فَيَعْلَمُونَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ حِمايَةِ مَن نَزَلَ بِي، أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَفْضَحُ الضَّيْفَ فَقَدْ فَعَلَ ما يَفْضَحُ المُضِيفَ.
واتَّقُوا اللَّهَ في أمْرِهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الخِزْيِ: وهو الذُّلُّ والهَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ والخَجَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في هُودٍ.
قالُوا أيْ قَوْمُ لُوطٍ مُجِيبِينَ لَهُ ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ونَنْهَكَ عَنْ أنْ تَكَلِّمَنا في شَأْنِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ ؟ وقِيلَ: نَهَوْهُ عَنْ ضِيافَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ بِضَيْفِي فَهَؤُلاءِ بَناتِي تَزَوَّجُوهُنَّ حَلالًا ولا تَرْكَبُوا الحَرامَ، وقِيلَ: أرادَ بِبَناتِهِ نِساءَ قَوْمِهِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هُودٍ.
﴿لَعَمْرُكُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العَمْرُ والعُمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ واحِدٌ، لَكِنَّهم خَصُّوا القَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإيثارِ الأخَفِّ فَإنَّهُ كَثِيرُ الدَّوْرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: اتَّفَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُدَّةِ حَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وكَذا حَكى إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ فَقالَ: قالَ المُفَسِّرُونَ بِأجْمَعِهِمْ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى هاهُنا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ.
قالَ ابْنُ الجَوْزاءِ: ما أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ البَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ ويَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ما شاءَ، وكُلُّ ما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِلُوطٍ مِن فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَهُ مِن شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ، أوَلا تَراهُ سُبْحانَهُ أعْطى إبْراهِيمَ الخُلَّةَ ومُوسى التَّكْلِيمَ، وأعْطى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ فَإذا أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ فَحَياةُ مُحَمَّدٍ أرْفَعُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ حَسَنٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ قَسْمُهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَلامًا مُعْتَرَضًا في قِصَّةِ لُوطٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَما فِيهِما مِن فَضْلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إلّا وفي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ عَلى جِنْسِهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ أنَّ هَذا هو مِنَ المَلائِكَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ قَطُّ كَرامَةً لَهُ. انْتَهى.
وقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وجاءَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَيْسَ لِعِبادِهِ أنْ يُقْسِمُوا بِغَيْرِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُقْسِمُ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقِيلَ: الإقْسامُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطَوْرِ سِنِينَ والنَّجْمِ والضُّحى والشَّمْسِ واللَّيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُقْسَمُ بِهِ، أيْ: وخالِقِ التِّينِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ أيْ وخالِقِ عُمُرِكَ، ومَعْنى ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: لَفي غَوايَتِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، جَعَلَ الغَوايَة لِكَوْنِها تَذْهَبُ بِعَقْلِ صاحِبِها كَما تَذْهَبُ بِهِ الخَمْرُ سَكْرَةً، والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ عَلى أنَّ القَسَمَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلى أنَّ القَسَمَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ أوْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، أيْ: أضاءَتْ وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وأشْرَقَ القَوْمُ إذا دَخَلُوا في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: أرادَ شُرُوقَ الفَجْرِ، وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ شُرُوقِ الفَجْرِ وامْتَدَّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
والصَّيْحَةُ: العَذابُ.
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ المَدِينَةِ سافِلَها ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذا في سُورَةِ هُودٍ.
إنَّ في ذَلِكَ أيْ في المَذْكُورِ مِن قِصَّتِهِمْ وبَيانِ ما أصابَهم لَآياتٍ لِعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلْمُتَفَكِّرِينَ النّاظِرِينَ في الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ أنِيقٌ لِعَيْنِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
وقالَ الآخَرُ:
؎أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الواسِمُ النّاظِرُ إلَيْكَ مِن قَرْنِكَ إلى قَدَمِكَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وأصْلُ التَّوَسُّمِ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ في (p-٧٦٧)جِلْدِ البَعِيرِ.
﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ أوْ مَدِينَتَهم عَلى طَرِيقٍ ثابَتٍ، وهي الطَّرِيقُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ فَإنَّ السّالِكَ في هَذِهِ الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِتِلْكَ القُرى.
إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْتَبِرُونَ بِها فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ العِبادِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآثارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قالَ: اسْتَبْشَرُوا بِأضْيافِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ حِينَ نَزَلُوا بِهِ لَمّا أرادُوا أنْ يَأْتُوا إلَيْهِمْ مِنَ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ: يَقُولُونَ أوَلَمْ نَنْهَكْ أنْ تُضِيفَ أحَدًا أوْ تُئْوِيَهُ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أمَرَهم لُوطٌ بِتَزْوِيجِ النِّساءِ وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهَ بِبَناتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما سَمِعْتُ اللَّهَ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ، قالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَقُولُ: وحَياتِكَ يا مُحَمَّدُ وعُمُرِكَ وبَقائِكَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ قالَ: لَعَيْشُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ما حَلَفَ اللَّهُ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ قالَ لَعَمْرُكَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ " لَعَمْرِي " يَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ وحَياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في ضَلالِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في الآيَةِ: لَفي غَفْلَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِثْلَ الصّاعِقَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مُشْرِقِينَ قالَ: حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً، أما تَرى الرَّجُلَ يُرْسِلُ خاتَمَهُ إلى أهْلِهِ، فَيَقُولُ هاتُوا كَذا وكَذا، فَإذا رَأوْهُ عَرَفُوا أنَّهُ حَقٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: لِلنّاظِرِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لِلْمُعْتَبِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَقُولُ لَبِهَلاكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَبِطَرِيقٍ مُقِيمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ.
الحجر 15:72
.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما كانَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عِنْدَ وُصُولِ المَلائِكَةِ إلى قَرْيَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي سَلُومُ كَما سَبَقَ، وجُمْلَةُ يَسْتَبْشِرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَبْشِرُونَ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا في ارْتِكابِ الفاحِشَةِ مِنهم.
فَقالَ لَهم لُوطٌ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي. وحَّدَ الضَّيْفَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ أضْيافِي، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهُ رَآهم عَلى هَيْئَةِ الأضْيافِ، وقَوْمُهُ رَأوْهم مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَلِذَلِكَ طَمِعُوا فِيهِمْ ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضِيحَةً وفَضْحًا إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ بِإظْهارِهِ، والمَعْنى: لا تَفْضَحُونِ عِنْدَهم بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالفاحِشَةِ فَيَعْلَمُونَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ حِمايَةِ مَن نَزَلَ بِي، أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَفْضَحُ الضَّيْفَ فَقَدْ فَعَلَ ما يَفْضَحُ المُضِيفَ.
واتَّقُوا اللَّهَ في أمْرِهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الخِزْيِ: وهو الذُّلُّ والهَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ والخَجَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في هُودٍ.
قالُوا أيْ قَوْمُ لُوطٍ مُجِيبِينَ لَهُ ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ونَنْهَكَ عَنْ أنْ تَكَلِّمَنا في شَأْنِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ ؟ وقِيلَ: نَهَوْهُ عَنْ ضِيافَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ بِضَيْفِي فَهَؤُلاءِ بَناتِي تَزَوَّجُوهُنَّ حَلالًا ولا تَرْكَبُوا الحَرامَ، وقِيلَ: أرادَ بِبَناتِهِ نِساءَ قَوْمِهِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هُودٍ.
﴿لَعَمْرُكُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العَمْرُ والعُمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ واحِدٌ، لَكِنَّهم خَصُّوا القَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإيثارِ الأخَفِّ فَإنَّهُ كَثِيرُ الدَّوْرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: اتَّفَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُدَّةِ حَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وكَذا حَكى إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ فَقالَ: قالَ المُفَسِّرُونَ بِأجْمَعِهِمْ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى هاهُنا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ.
قالَ ابْنُ الجَوْزاءِ: ما أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ البَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ ويَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ما شاءَ، وكُلُّ ما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِلُوطٍ مِن فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَهُ مِن شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ، أوَلا تَراهُ سُبْحانَهُ أعْطى إبْراهِيمَ الخُلَّةَ ومُوسى التَّكْلِيمَ، وأعْطى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ فَإذا أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ فَحَياةُ مُحَمَّدٍ أرْفَعُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ حَسَنٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ قَسْمُهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَلامًا مُعْتَرَضًا في قِصَّةِ لُوطٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَما فِيهِما مِن فَضْلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إلّا وفي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ عَلى جِنْسِهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ أنَّ هَذا هو مِنَ المَلائِكَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ قَطُّ كَرامَةً لَهُ. انْتَهى.
وقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وجاءَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَيْسَ لِعِبادِهِ أنْ يُقْسِمُوا بِغَيْرِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُقْسِمُ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقِيلَ: الإقْسامُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطَوْرِ سِنِينَ والنَّجْمِ والضُّحى والشَّمْسِ واللَّيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُقْسَمُ بِهِ، أيْ: وخالِقِ التِّينِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ أيْ وخالِقِ عُمُرِكَ، ومَعْنى ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: لَفي غَوايَتِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، جَعَلَ الغَوايَة لِكَوْنِها تَذْهَبُ بِعَقْلِ صاحِبِها كَما تَذْهَبُ بِهِ الخَمْرُ سَكْرَةً، والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ عَلى أنَّ القَسَمَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلى أنَّ القَسَمَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ أوْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، أيْ: أضاءَتْ وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وأشْرَقَ القَوْمُ إذا دَخَلُوا في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: أرادَ شُرُوقَ الفَجْرِ، وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ شُرُوقِ الفَجْرِ وامْتَدَّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
والصَّيْحَةُ: العَذابُ.
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ المَدِينَةِ سافِلَها ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذا في سُورَةِ هُودٍ.
إنَّ في ذَلِكَ أيْ في المَذْكُورِ مِن قِصَّتِهِمْ وبَيانِ ما أصابَهم لَآياتٍ لِعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلْمُتَفَكِّرِينَ النّاظِرِينَ في الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ أنِيقٌ لِعَيْنِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
وقالَ الآخَرُ:
؎أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الواسِمُ النّاظِرُ إلَيْكَ مِن قَرْنِكَ إلى قَدَمِكَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وأصْلُ التَّوَسُّمِ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ في (p-٧٦٧)جِلْدِ البَعِيرِ.
﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ أوْ مَدِينَتَهم عَلى طَرِيقٍ ثابَتٍ، وهي الطَّرِيقُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ فَإنَّ السّالِكَ في هَذِهِ الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِتِلْكَ القُرى.
إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْتَبِرُونَ بِها فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ العِبادِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآثارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قالَ: اسْتَبْشَرُوا بِأضْيافِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ حِينَ نَزَلُوا بِهِ لَمّا أرادُوا أنْ يَأْتُوا إلَيْهِمْ مِنَ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ: يَقُولُونَ أوَلَمْ نَنْهَكْ أنْ تُضِيفَ أحَدًا أوْ تُئْوِيَهُ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أمَرَهم لُوطٌ بِتَزْوِيجِ النِّساءِ وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهَ بِبَناتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما سَمِعْتُ اللَّهَ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ، قالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَقُولُ: وحَياتِكَ يا مُحَمَّدُ وعُمُرِكَ وبَقائِكَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ قالَ: لَعَيْشُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ما حَلَفَ اللَّهُ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ قالَ لَعَمْرُكَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ " لَعَمْرِي " يَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ وحَياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في ضَلالِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في الآيَةِ: لَفي غَفْلَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِثْلَ الصّاعِقَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مُشْرِقِينَ قالَ: حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً، أما تَرى الرَّجُلَ يُرْسِلُ خاتَمَهُ إلى أهْلِهِ، فَيَقُولُ هاتُوا كَذا وكَذا، فَإذا رَأوْهُ عَرَفُوا أنَّهُ حَقٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: لِلنّاظِرِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لِلْمُعْتَبِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَقُولُ لَبِهَلاكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَبِطَرِيقٍ مُقِيمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ.
الحجر 15:73
.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما كانَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عِنْدَ وُصُولِ المَلائِكَةِ إلى قَرْيَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي سَلُومُ كَما سَبَقَ، وجُمْلَةُ يَسْتَبْشِرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَبْشِرُونَ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا في ارْتِكابِ الفاحِشَةِ مِنهم.
فَقالَ لَهم لُوطٌ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي. وحَّدَ الضَّيْفَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ أضْيافِي، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهُ رَآهم عَلى هَيْئَةِ الأضْيافِ، وقَوْمُهُ رَأوْهم مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَلِذَلِكَ طَمِعُوا فِيهِمْ ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضِيحَةً وفَضْحًا إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ بِإظْهارِهِ، والمَعْنى: لا تَفْضَحُونِ عِنْدَهم بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالفاحِشَةِ فَيَعْلَمُونَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ حِمايَةِ مَن نَزَلَ بِي، أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَفْضَحُ الضَّيْفَ فَقَدْ فَعَلَ ما يَفْضَحُ المُضِيفَ.
واتَّقُوا اللَّهَ في أمْرِهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الخِزْيِ: وهو الذُّلُّ والهَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ والخَجَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في هُودٍ.
قالُوا أيْ قَوْمُ لُوطٍ مُجِيبِينَ لَهُ ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ونَنْهَكَ عَنْ أنْ تَكَلِّمَنا في شَأْنِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ ؟ وقِيلَ: نَهَوْهُ عَنْ ضِيافَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ بِضَيْفِي فَهَؤُلاءِ بَناتِي تَزَوَّجُوهُنَّ حَلالًا ولا تَرْكَبُوا الحَرامَ، وقِيلَ: أرادَ بِبَناتِهِ نِساءَ قَوْمِهِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هُودٍ.
﴿لَعَمْرُكُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العَمْرُ والعُمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ واحِدٌ، لَكِنَّهم خَصُّوا القَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإيثارِ الأخَفِّ فَإنَّهُ كَثِيرُ الدَّوْرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: اتَّفَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُدَّةِ حَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وكَذا حَكى إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ فَقالَ: قالَ المُفَسِّرُونَ بِأجْمَعِهِمْ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى هاهُنا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ.
قالَ ابْنُ الجَوْزاءِ: ما أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ البَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ ويَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ما شاءَ، وكُلُّ ما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِلُوطٍ مِن فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَهُ مِن شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ، أوَلا تَراهُ سُبْحانَهُ أعْطى إبْراهِيمَ الخُلَّةَ ومُوسى التَّكْلِيمَ، وأعْطى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ فَإذا أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ فَحَياةُ مُحَمَّدٍ أرْفَعُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ حَسَنٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ قَسْمُهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَلامًا مُعْتَرَضًا في قِصَّةِ لُوطٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَما فِيهِما مِن فَضْلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إلّا وفي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ عَلى جِنْسِهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ أنَّ هَذا هو مِنَ المَلائِكَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ قَطُّ كَرامَةً لَهُ. انْتَهى.
وقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وجاءَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَيْسَ لِعِبادِهِ أنْ يُقْسِمُوا بِغَيْرِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُقْسِمُ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقِيلَ: الإقْسامُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطَوْرِ سِنِينَ والنَّجْمِ والضُّحى والشَّمْسِ واللَّيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُقْسَمُ بِهِ، أيْ: وخالِقِ التِّينِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ أيْ وخالِقِ عُمُرِكَ، ومَعْنى ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: لَفي غَوايَتِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، جَعَلَ الغَوايَة لِكَوْنِها تَذْهَبُ بِعَقْلِ صاحِبِها كَما تَذْهَبُ بِهِ الخَمْرُ سَكْرَةً، والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ عَلى أنَّ القَسَمَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلى أنَّ القَسَمَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ أوْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، أيْ: أضاءَتْ وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وأشْرَقَ القَوْمُ إذا دَخَلُوا في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: أرادَ شُرُوقَ الفَجْرِ، وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ شُرُوقِ الفَجْرِ وامْتَدَّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
والصَّيْحَةُ: العَذابُ.
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ المَدِينَةِ سافِلَها ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذا في سُورَةِ هُودٍ.
إنَّ في ذَلِكَ أيْ في المَذْكُورِ مِن قِصَّتِهِمْ وبَيانِ ما أصابَهم لَآياتٍ لِعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلْمُتَفَكِّرِينَ النّاظِرِينَ في الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ أنِيقٌ لِعَيْنِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
وقالَ الآخَرُ:
؎أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الواسِمُ النّاظِرُ إلَيْكَ مِن قَرْنِكَ إلى قَدَمِكَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وأصْلُ التَّوَسُّمِ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ في (p-٧٦٧)جِلْدِ البَعِيرِ.
﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ أوْ مَدِينَتَهم عَلى طَرِيقٍ ثابَتٍ، وهي الطَّرِيقُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ فَإنَّ السّالِكَ في هَذِهِ الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِتِلْكَ القُرى.
إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْتَبِرُونَ بِها فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ العِبادِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآثارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قالَ: اسْتَبْشَرُوا بِأضْيافِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ حِينَ نَزَلُوا بِهِ لَمّا أرادُوا أنْ يَأْتُوا إلَيْهِمْ مِنَ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ: يَقُولُونَ أوَلَمْ نَنْهَكْ أنْ تُضِيفَ أحَدًا أوْ تُئْوِيَهُ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أمَرَهم لُوطٌ بِتَزْوِيجِ النِّساءِ وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهَ بِبَناتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما سَمِعْتُ اللَّهَ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ، قالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَقُولُ: وحَياتِكَ يا مُحَمَّدُ وعُمُرِكَ وبَقائِكَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ قالَ: لَعَيْشُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ما حَلَفَ اللَّهُ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ قالَ لَعَمْرُكَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ " لَعَمْرِي " يَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ وحَياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في ضَلالِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في الآيَةِ: لَفي غَفْلَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِثْلَ الصّاعِقَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مُشْرِقِينَ قالَ: حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً، أما تَرى الرَّجُلَ يُرْسِلُ خاتَمَهُ إلى أهْلِهِ، فَيَقُولُ هاتُوا كَذا وكَذا، فَإذا رَأوْهُ عَرَفُوا أنَّهُ حَقٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: لِلنّاظِرِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لِلْمُعْتَبِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَقُولُ لَبِهَلاكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَبِطَرِيقٍ مُقِيمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ.
الحجر 15:74
.
ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما كانَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عِنْدَ وُصُولِ المَلائِكَةِ إلى قَرْيَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أيْ أهْلُ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي سَلُومُ كَما سَبَقَ، وجُمْلَةُ يَسْتَبْشِرُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: مُسْتَبْشِرُونَ بِأضْيافِ لُوطٍ طَمَعًا في ارْتِكابِ الفاحِشَةِ مِنهم.
فَقالَ لَهم لُوطٌ: إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي. وحَّدَ الضَّيْفَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ كَما تَقَدَّمَ، والمُرادُ أضْيافِي، وسَمّاهم ضَيْفًا لِأنَّهُ رَآهم عَلى هَيْئَةِ الأضْيافِ، وقَوْمُهُ رَأوْهم مُرْدًا حِسانَ الوُجُوهِ، فَلِذَلِكَ طَمِعُوا فِيهِمْ ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾ يُقالُ: فَضَحَهُ يَفْضَحُهُ فَضِيحَةً وفَضْحًا إذا أظْهَرَ مِن أمْرِهِ ما يَلْزَمُهُ العارُ بِإظْهارِهِ، والمَعْنى: لا تَفْضَحُونِ عِنْدَهم بِتَعَرُّضِكم لَهم بِالفاحِشَةِ فَيَعْلَمُونَ أنِّي عاجِزٌ عَنْ حِمايَةِ مَن نَزَلَ بِي، أوْ لا تَفْضَحُونِ بِفَضِيحَةِ ضَيْفِي، فَإنَّ مَن فَعَلَ ما يَفْضَحُ الضَّيْفَ فَقَدْ فَعَلَ ما يَفْضَحُ المُضِيفَ.
واتَّقُوا اللَّهَ في أمْرِهِمْ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الخِزْيِ: وهو الذُّلُّ والهَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزايَةِ وهي الحَياءُ والخَجَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ في هُودٍ.
قالُوا أيْ قَوْمُ لُوطٍ مُجِيبِينَ لَهُ ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ نَتَقَدَّمْ إلَيْكَ ونَنْهَكَ عَنْ أنْ تَكَلِّمَنا في شَأْنِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ إذا قَصَدْناهُ بِالفاحِشَةِ ؟ وقِيلَ: نَهَوْهُ عَنْ ضِيافَةِ النّاسِ، ويَجُوزُ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ فَتَزَوَّجُوهُنَّ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ بِضَيْفِي فَهَؤُلاءِ بَناتِي تَزَوَّجُوهُنَّ حَلالًا ولا تَرْكَبُوا الحَرامَ، وقِيلَ: أرادَ بِبَناتِهِ نِساءَ قَوْمِهِ، لِكَوْنِ النَّبِيِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ لِقَوْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في هُودٍ.
﴿لَعَمْرُكُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ العَمْرُ والعُمْرُ بِالفَتْحِ والضَّمِّ واحِدٌ، لَكِنَّهم خَصُّوا القَسَمَ بِالمَفْتُوحِ لِإيثارِ الأخَفِّ فَإنَّهُ كَثِيرُ الدَّوْرِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزَّجّاجُ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: اتَّفَقَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا أنَّهُ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ بِمُدَّةِ حَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وكَذا حَكى إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى هَذا المَعْنى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ فَقالَ: قالَ المُفَسِّرُونَ بِأجْمَعِهِمْ: أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى هاهُنا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ.
قالَ ابْنُ الجَوْزاءِ: ما أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ البَرِيَّةِ عِنْدَهُ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يُقْسِمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ ويَبْلُغَ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ ما شاءَ، وكُلُّ ما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِلُوطٍ مِن فَضْلٍ يُؤْتِي ضِعْفَهُ مِن شَرَفٍ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأنَّهُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهُ، أوَلا تَراهُ سُبْحانَهُ أعْطى إبْراهِيمَ الخُلَّةَ ومُوسى التَّكْلِيمَ، وأعْطى ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ؟ فَإذا أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ لُوطٍ فَحَياةُ مُحَمَّدٍ أرْفَعُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ حَسَنٌ، فَإنَّهُ يَكُونُ قَسْمُهُ سُبْحانَهُ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَلامًا مُعْتَرَضًا في قِصَّةِ لُوطٍ، فَإنْ قِيلَ قَدْ أقْسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطُورِ سِينِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَما فِيهِما مِن فَضْلٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ ما مِن شَيْءٍ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إلّا وفي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ عَلى جِنْسِهِ، وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وأتْباعُهُ أنَّ هَذا هو مِنَ المَلائِكَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ لِلُوطٍ لَعَمْرُكَ، ثُمَّ قالَ: وقِيلَ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنَّهُ أقْسَمَ بِحَياتِهِ وما أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ قَطُّ كَرامَةً لَهُ. انْتَهى.
وقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وجاءَتْ بِذَلِكَ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ في النَّهْيِ عَنِ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَيْسَ لِعِبادِهِ أنْ يُقْسِمُوا بِغَيْرِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُقْسِمُ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وقِيلَ: الإقْسامُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ وطَوْرِ سِنِينَ والنَّجْمِ والضُّحى والشَّمْسِ واللَّيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ هو المُقْسَمُ بِهِ، أيْ: وخالِقِ التِّينِ، وكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ، وفي قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ أيْ وخالِقِ عُمُرِكَ، ومَعْنى ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: لَفي غَوايَتِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، جَعَلَ الغَوايَة لِكَوْنِها تَذْهَبُ بِعَقْلِ صاحِبِها كَما تَذْهَبُ بِهِ الخَمْرُ سَكْرَةً، والضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ عَلى أنَّ القَسَمَ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِقَوْمِ لُوطٍ عَلى أنَّ القَسَمَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ أوْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ حالَ كَوْنِهِمْ مُشْرِقِينَ أيْ داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، أيْ: أضاءَتْ وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ وأشْرَقَ القَوْمُ إذا دَخَلُوا في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: أرادَ شُرُوقَ الفَجْرِ، وقِيلَ: أوَّلُ العَذابِ كانَ عِنْدَ شُرُوقِ الفَجْرِ وامْتَدَّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
والصَّيْحَةُ: العَذابُ.
﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أيْ عالِيَ المَدِينَةِ سافِلَها ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ مِن طِينٍ مُتَحَجِّرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذا في سُورَةِ هُودٍ.
إنَّ في ذَلِكَ أيْ في المَذْكُورِ مِن قِصَّتِهِمْ وبَيانِ ما أصابَهم لَآياتٍ لِعَلاماتٍ يُسْتَدَلُّ بِها ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ لِلْمُتَفَكِّرِينَ النّاظِرِينَ في الأمْرِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎وفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَّدِيقِ ومَنظَرٌ أنِيقٌ لِعَيْنِ النّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
وقالَ الآخَرُ:
؎أوَكُلَّما ورَدَتْ عُكاظَ قَبِيلَةٌ ∗∗∗ بَعَثُوا إلَيَّ عَرِيفَهم يَتَوَسَّمُ
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لِلْمُتَبَصِّرِينَ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الواسِمُ النّاظِرُ إلَيْكَ مِن قَرْنِكَ إلى قَدَمِكَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، وأصْلُ التَّوَسُّمِ التَّثَبُّتُ والتَّفَكُّرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوَسْمِ وهو التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ في (p-٧٦٧)جِلْدِ البَعِيرِ.
﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَعْنِي قُرى قَوْمِ لُوطٍ أوْ مَدِينَتَهم عَلى طَرِيقٍ ثابَتٍ، وهي الطَّرِيقُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشّامِ فَإنَّ السّالِكَ في هَذِهِ الطَّرِيقِ يَمُرُّ بِتِلْكَ القُرى.
إنَّ في ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ المَدِينَةِ أوِ القُرى ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْتَبِرُونَ بِها فَإنَّ المُؤْمِنِينَ مِنَ العِبادِ هُمُ الَّذِينَ يَعْتَبِرُونَ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الآثارِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ قالَ: اسْتَبْشَرُوا بِأضْيافِ نَبِيِّ اللَّهِ لُوطٍ حِينَ نَزَلُوا بِهِ لَمّا أرادُوا أنْ يَأْتُوا إلَيْهِمْ مِنَ المُنْكَرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ قالَ: يَقُولُونَ أوَلَمْ نَنْهَكْ أنْ تُضِيفَ أحَدًا أوْ تُئْوِيَهُ.
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أمَرَهم لُوطٌ بِتَزْوِيجِ النِّساءِ وأرادَ أنْ يَقِيَ أضْيافَهَ بِبَناتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ وما ذَرَأ وما بَرَأ نَفْسًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِن مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وما سَمِعْتُ اللَّهَ أقْسَمَ بِحَياةِ أحَدٍ غَيْرَهُ، قالَ: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَقُولُ: وحَياتِكَ يا مُحَمَّدُ وعُمُرِكَ وبَقائِكَ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: لَعَمْرُكَ قالَ: لَعَيْشُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ما حَلَفَ اللَّهُ بِحَياةِ أحَدٍ إلّا بِحَياةِ مُحَمَّدٍ قالَ لَعَمْرُكَ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ " لَعَمْرِي " يَرَوْنَهُ كَقَوْلِهِ وحَياتِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في ضَلالِهِمْ يَلْعَبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في الآيَةِ: لَفي غَفْلَتِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مِثْلَ الصّاعِقَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ أُهْلِكَ بِهِ قَوْمٌ فَهو صاعِقَةٌ وصَيْحَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ مُشْرِقِينَ قالَ: حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ قالَ: عَلامَةً، أما تَرى الرَّجُلَ يُرْسِلُ خاتَمَهُ إلى أهْلِهِ، فَيَقُولُ هاتُوا كَذا وكَذا، فَإذا رَأوْهُ عَرَفُوا أنَّهُ حَقٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قالَ: لِلنّاظِرِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لِلْمُعْتَبِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اتَّقُوا فِراسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يَقُولُ لَبِهَلاكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَبِطَرِيقٍ مُقِيمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ.