Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الكهف 18:30 – الكهف 18:57

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الكهف 18:30
  2. الكهف 18:31
  3. الكهف 18:32
  4. الكهف 18:33
  5. الكهف 18:34
  6. الكهف 18:35
  7. الكهف 18:36
  8. الكهف 18:37
  9. الكهف 18:38
  10. الكهف 18:39
  11. الكهف 18:40
  12. الكهف 18:41
  13. الكهف 18:42
  14. الكهف 18:43
  15. الكهف 18:44
  16. الكهف 18:45
  17. الكهف 18:46
  18. الكهف 18:47
  19. الكهف 18:48
  20. الكهف 18:49
  21. الكهف 18:50
  22. الكهف 18:51
  23. الكهف 18:52
  24. الكهف 18:53
  25. الكهف 18:54
  26. الكهف 18:55
  27. الكهف 18:56
  28. الكهف 18:57

الكهف 18:30

. قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُواظِبَ عَلى تِلاوَةِ الكِتابِ المُوحى إلَيْهِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ( واتْلُ ) واتَّبِعْ، أمْرًا مِنَ التِّلْوِ، لا مِنَ التِّلاوَةِ، و( مِن كِتابِ رَبِّكَ ) بَيانٌ لِلَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا قادِرَ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها، وإنَّما يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ هو وحْدَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وما أمَرَ بِهِ فَلا مُبَدِّلَ لَهُ، وعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لا مُبَدِّلَ لِحُكْمِ كَلِماتِهِ ﴿ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ المُلْتَحَدُ: المُلْتَجَأُ، وأصْلُ اللَّحْدِ: المَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: لَنْ تَجِدَ مَعْدِلًا عَنْ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، (p-٨٥٧)والمَعْنى: أنَّكَ إنْ لَمْ تَتْبَعِ القُرْآنَ وتَتْلُهُ وتَعْمَلْ بِأحْكامِهِ لَنْ تَجِدَ مَعْدِلًا تَعْدِلُ إلَيْهِ ومَكانًا تَمِيلُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ آخِرُ قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في نَوْعٍ آخَرَ كَما هو دَأْبُ الكِتابِ العَزِيزِ فَقالَ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ نَهْيُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ طَرْدِ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] وأمَرَهُ سُبْحانَهُ هاهُنا بِأنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ مَعَهم، فَصَبْرُ النَّفْسِ هو حَبْسُها، وذِكْرُ الغَداةِ والعَشِيِّ كِنايَةٌ عَنِ الِاسْتِمْرارِ عَلى الدُّعاءِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ: في طَرَفَيِ النَّهارِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ العَصْرِ والفَجْرِ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وابْنُ عامِرٍ ( بِالغَدْوَةِ ) بِالواوِ، واحْتَجُّوا بِأنَّها في المُصْحَفِ كَذَلِكَ مَكْتُوبَةٌ بِالواوِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا لا يَلْزَمُ لِكَتْبِهِمُ الحَياةَ والصَّلاةَ بِالواوِ، ولا تَكادُ العَرَبُ تَقُولُ الغَدْوَةَ، ومَعْنى ( يُرِيدُونَ وجْهَهُ ) أنَّهم يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ رِضا اللَّهِ سُبْحانَهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالمُراقَبَةِ لِأحْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا تَتَجاوَزْ عَيْناكَ إلى غَيْرِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا تَصْرِفْ عَيْناكَ عَنْهم، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَصْرِفْ بَصَرَكَ إلى غَيْرِهِمْ مِن ذَوِي الهَيْئاتِ والزِّينَةِ، واسْتِعْمالُهُ بِـ ( عَنْ ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى النُّبُوِّ، مِن عَدَوْتُهُ عَنِ الأمْرِ أيْ: صَرَفْتُهُ مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَحْتَقِرْهم عَيْناكَ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: مُجالَسَةَ أهْلِ الشَّرَفِ والغِنى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِكَ مُرِيدًا لِذَلِكَ، هَذا إذا كانَ فاعِلُ ( تُرِيدُ ) هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإنْ كانَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ إلى العَيْنَيْنِ، فالتَّقْدِيرُ: مُرِيدَةً زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا، وإسْنادُ الإرادَةِ إلى العَيْنَيْنِ مَجازٌ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِلتَّلازُمِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَمْ زُحْلُوقَةٍ زَلُّوا بِها العَيْنانِ تَنْهَلُّ ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أيْ: جَعَلْناهُ غافِلًا بِالخَتْمِ عَلَيْهِ، نَهى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ طاعَةِ مَن جَعَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ غافِلًا عَنْ ذِكْرِهِ كَأُولَئِكَ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يُنَحِّيَ الفُقَراءَ عَنْ مَجْلِسِهِ، فَإنَّهم طالَبُوا تَنْحِيَةَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ وهم غافِلُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَعَ هَذا فَهم مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ وآثَرَهُ عَلى الحَقِّ فاخْتارَ الشِّرْكَ عَلى التَّوْحِيدِ ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ أيْ: مُتَجاوِزًا عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ فَرْطٌ: إذا كانَ مُتَقَدِّمًا لِلْخَيْلِ. فَهو عَلى هَذا مِنَ الإفْراطِ. وقِيلَ: هو مِنَ التَّفْرِيطِ، وهو التَّقْصِيرُ والتَّضْيِيعُ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَن قَدَّمَ العَجْزَ في أمْرِهِ أضاعَهُ وأهْلَكَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما يَقُولُهُ لِأُولَئِكَ الغافِلِينَ، فَقالَ: ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: قُلْ لَهم: إنَّ ما أُوحِيَ إلَيْكَ وأُمِرْتَ بِتِلاوَتِهِ هو الحَقُّ الكائِنُ مِن جِهَةِ اللَّهِ، لا مِن جِهَةِ غَيْرِهِ حَتّى يُمْكِنَ فِيهِ التَّبْدِيلُ والتَّغْيِيرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ الصَّبْرُ مَعَ الفُقَراءِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيِ الَّذِي أتَيْتُكم بِهِ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي: لَمْ آتِكم بِهِ مِن قِبَلِ نَفْسِي إنَّما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ قِيلَ: هو مِن تَمامِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما قَبْلَها عَلى ما بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ويَكُونُ المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ الحَقُّ مِن رَبِّكم، وبَعْدَ أنْ تَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ، مَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ ويُصَدِّقَكَ فَلْيُؤْمِن، ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ ويُكَذِّبَكَ فَلْيَكْفُرْ. ثُمَّ أكَّدَ الوَعِيدَ وشَدَّدَهُ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: أعْدَدْنا وهَيَّأْنا لِلظّالِمِينَ الَّذِينَ اخْتارُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ والجَحْدَ لَهُ والإنْكارَ لِأنْبِيائِهِ نارًا عَظِيمَةً ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ أيِ: اشْتَمَلَ عَلَيْهِمْ. والسُّرادِقُ: واحِدُ السُّرادِقاتِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهي الَّتِي تُمَدُّ فَوْقَ صَحْنِ الدّارِ، وكُلُّ بَيْتٍ مِن كُرْسُفٍ فَهو سُرادِقٌ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: ؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ جارُودْ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ وقالَ الشّاعِرُ: ؎هُوَ المُدْخِلُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقٍ يَقُولُهُ سَلّامُ بْنُ جَنْدَلٍ لَمّا قَتَلَ مَلِكُ الفُرْسِ مَلِكَ العَرَبِ النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ تَحْتَ أرْجُلِ الفِيَلَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: سُرادِقُها سُورُها. وقالَ القُتَيْبِيُّ: السُّرادِقُ الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ. والمَعْنى: أنَّهُ أحاطَ بِالكُفّارِ سُرادِقُ النّارِ عَلى تَشْبِيهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ بِالسُّرادِقِ المُحِيطِ بِمَن فِيهِ ( وإنْ يَسْتَغِيثُوا ) مِن حَرِّ النّارِ ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ وهو الحَدِيدُ المُذابُ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهم يُغاثُونَ بِماءٍ كالرَّصاصِ المُذابِ أوِ الصُّفْرِ، وقِيلَ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هو كُلُّ ما أُذِيبَ مِن جَواهِرِ الأرْضِ مِن حَدِيدٍ ورَصاصٍ ونُحاسٍ. وقِيلَ: هو ضَرْبٌ مِنَ القَطِرانِ. ثُمَّ وصَفَ هَذا الماءَ الَّذِي يُغاثُونَ بِهِ بِأنَّهُ ( ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ ) إذا قُدِّمَ إلَيْهِمْ صارَتْ وُجُوهُهم مَشْوِيَّةً لِحَرارَتِهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ شَرابُهم هَذا ( وساءَتِ ) النّارُ ( ﴿مُرْتَفَقًا﴾ ) مُتَّكَأً، يُقالُ: ارْتَفَقْتُ: أيِ اتَّكَأْتُ، وأصْلُ الِارْتِفاقِ نَصْبُ المِرْفَقِ، ويُقالُ: ارْتَفَقَ الرَّجُلُ: إذا نامَ عَلى مِرْفَقِهِ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: هو المَجْلِسُ، وقِيلَ: المُجْتَمَعُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ هَذا شُرُوعٌ في وعْدِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ الفَراغِ مِن وعِيدِ الكافِرِينَ. والمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ هَذا خَبَرُ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن أحْسَنَ مِنهم عَمَلًا. وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الأجْرِ، والإشارَةُ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أُولَئِكَ ) خَبَرَ ( إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) وتَكُونَ جُمْلَةُ ( ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ ) اعْتِراضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أُولَئِكَ ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَنّاتِ عَدْنٍ، وفي كَيْفِيَّةِ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( أساوِرَ ) جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ، وهي زِينَةٌ تُلْبَسُ في الزَّنْدِ مِنَ اليَدِ وهي مِن زِينَةِ المُلُوكِ، قِيلَ: يُحَلّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم ثَلاثَةَ أسْوِرَةٍ: واحِدٌ مِن فِضَّةٍ، وواحِدٌ مِن لُؤْلُؤٍ وواحِدٌ مَن ذَهَبٍ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها جَمِيعَها مِن ذَهَبٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ (p-٨٥٨)قَوْلُ القائِلِ هَذا جَمْعًا بَيْنَ الآياتِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]، ولِقَوْلِهِ في آيَةٍ أُخْرى: ( ولُؤْلُؤًا ) [الحج: ٢٣] و( مِن ) في قَوْلِهِ ( مِن أساوِرَ ) لِلِابْتِداءِ، وفي ( مِن ذَهَبٍ ) لِلْبَيانِ. وحَكى الفَرّاءُ ( يَحْلَوْنَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وفَتْحِ اللّامِ، يُقالُ: حَلِيَتِ المَرْأةُ تَحْلى فَهي حالِيَةٌ: إذا لَبِسَتِ الحَلْيَ ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: السُّنْدُسُ الرَّقِيقُ واحِدُهُ سُنْدُسَةٌ، والإسْتَبْرَقُ ما ثَخُنَ. وكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ، وقِيلَ: الإسْتَبْرَقُ هو الدِّيباجُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وإسْتَبْرَقُ الدِّيباجِ طَوْرًا لِباسُها وقِيلَ: هو المَنسُوجُ بِالذَّهَبِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: هو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَصْغِيرُهُ أُبَيْرِقٌ، وخُصَّ الأخْضَرُ لِأنَّهُ المُوافِقُ لِلْبَصَرِ ولِكَوْنِهِ أحْسَنَ الألْوانِ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأرائِكُ جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهي السُّرُرُ في الحِجالِ، وقِيلَ: هي أسِرَّةٌ مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وأصْلُ: اتَّكَأ اوْتَكَأ، وأصْلُ مُتَّكِئِينَ مُوْتَكِئِينَ، والِاتِّكاءُ التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ ( ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ ) ذَلِكَ الَّذِي أثابَهُمُ اللَّهُ بِهِ ( وحَسُنَتْ ) تِلْكَ الأرائِكُ ( مُرْتَفَقًا ) أيْ: مُتَّكَأً. وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( مُلْتَحَدًا ) قالَ: مُلْتَجَأً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سَلْمانَ قالَ: «جاءَتِ المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم: عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ وتَغَيَّبْتَ عَنْ هَؤُلاءِ وأرْواحِ جِبابِهِمْ - يَعْنُونَ سَلْمانَ وأبا ذَرٍّ وفُقَراءَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ عَلَيْهِمْ جِبابُ الصُّوفِ - جالَسْناكَ وحادَثْناكَ وأخَذْنا عَنْكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ زادَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلْمانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قامَ يَلْتَمِسُهم حَتّى أصابَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ مِن أُمَّتِي، مَعَكُمُ المَحْيا والمَماتَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: «نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو في بَعْضِ أبْياتِهِ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ فَخَرَجَ يَلْتَمِسُهم فَوَجَدَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنهم ثائِرُ الرَّأْسِ وحافِ الجِلْدِ وذُو الثَّوْبِ الخَلَقِ، فَلَمّا رَآهم جَلَسَ مَعَهم وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهم» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ قالا: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ورَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الحِجْرِ أوْ سُورَةَ الكَهْفِ فَسَكَتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَذا المَجْلِسُ الَّذِي أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهم» . وفِي البابِ رِواياتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ نافِعٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ في قَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وذَلِكَ أنَّهُ دَعا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أمْرٍ كَرِهَهُ اللَّهُ مِن طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْهُ وتَقْرِيبِ صَنادِيدِ أهْلِ مَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، يَعْنِي مَن خَتَمْنا عَلى قَلْبِهِ يَعْنِي التَّوْحِيدَ ( واتَّبَعَ هَواهُ ) يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ يَعْنِي فُرُطًا في أمْرِ اللَّهِ وجَهالَةً بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قالَ: «دَخَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في يَوْمٍ حارٍّ، وعِنْدَهُ سَلْمانُ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، فَصارَ مِنهُ رِيحُ العَرَقِ في الصُّوفِ، فَقالَ عُيَيْنَةُ: يا مُحَمَّدُ إذا نَحْنُ أتَيْناكَ فَأخْرِجْ هَذا وضُرَباءَهُ مِن عِنْدِكَ لا يُؤْذِينا، فَإذا خَرَجْنا فَأنْتَ وهم أعْلَمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ الآيَةَ» . وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] . عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: كُنّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اطْرُدْ هَؤُلاءِ لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنا، قالَ: وكُنْتُ أنا وابْنُ مَسْعُودٍ ورَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ وبِلالٌ ورَجُلانِ نَسِيتُ اسْمَهُما، فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ قالَ: ضَياعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ( ﴿وقُلِ الحَقُّ﴾ ) قالَ: هو القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ يَقُولُ: مَن شاءَ اللَّهُ لَهُ الإيمانَ آمَنَ، ومَن شاءَ لَهُ الكُفْرَ كَفَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: هَذا تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ قالَ: حائِطٌ مِن نارٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لِسُرادِقِ النّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ، كَثافَةُ كُلِّ جِدارٍ مِنها مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: (p-٨٥٩)( بِماءٍ كالمُهْلِ ) قالَ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فَإذا قُرِّبَ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( كالمُهْلِ ) قالَ: أسْوَدُ كَعَكَرِ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ المُهْلِ فَقالَ: ماءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ وعَبَدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُهْلِ، فَدَعا بِذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَأذابَهُ، فَلَمّا ذابَ قالَ: هَذا أشْبَهُ شَيْءٍ بِالمُهْلِ الَّذِي هو شَرابُ أهْلِ النّارِ، ولَوْنُهُ لَوْنُ السَّماءِ، غَيْرَ أنَّ شَرابَ أهْلِ النّارِ أشَدُّ حَرًّا مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما المُهْلُ ؟ المُهْلُ سَهْلُ الزَّيْتِ، يَعْنِي آخِرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ قالَ: مُجْتَمَعًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ تُنْبِتُ السُّنْدُسَ مِنهُ يَكُونُ ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الإسْتَبْرَقُ الدِّيباجُ الغَلِيظُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ الرَّجُلَ لِيَتَّكِئُ المُتَّكَأ مِقْدارَ أرْبَعِينَ سَنَةً ما يَتَحَوَّلُ مِنهُ ولا يَمَلُّهُ، يَأْتِيهِ ما اشْتَهَتْ نَفْسُهُ ولَذَّتْ عَيْنُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأرائِكُ السُّرُرُ في جَوْفِ الحِجالِ عَلَيْها الفَرْشُ مَنضُودٌ في السَّماءِ فَرْسَخٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ قالَ: لا تَكُونُ أرِيكَةً حَتّى يَكُونَ السَّرِيرُ في الحَجَلَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأرائِكِ فَقالَ: هي الحِجالُ عَلى السُّرُرِ.

الكهف 18:31

. قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُواظِبَ عَلى تِلاوَةِ الكِتابِ المُوحى إلَيْهِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ( واتْلُ ) واتَّبِعْ، أمْرًا مِنَ التِّلْوِ، لا مِنَ التِّلاوَةِ، و( مِن كِتابِ رَبِّكَ ) بَيانٌ لِلَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: لا قادِرَ عَلى تَبْدِيلِها وتَغْيِيرِها، وإنَّما يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ هو وحْدَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ وما أمَرَ بِهِ فَلا مُبَدِّلَ لَهُ، وعَلى هَذا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لا مُبَدِّلَ لِحُكْمِ كَلِماتِهِ ﴿ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ المُلْتَحَدُ: المُلْتَجَأُ، وأصْلُ اللَّحْدِ: المَيْلُ. قالَ الزَّجّاجُ: لَنْ تَجِدَ مَعْدِلًا عَنْ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، (p-٨٥٧)والمَعْنى: أنَّكَ إنْ لَمْ تَتْبَعِ القُرْآنَ وتَتْلُهُ وتَعْمَلْ بِأحْكامِهِ لَنْ تَجِدَ مَعْدِلًا تَعْدِلُ إلَيْهِ ومَكانًا تَمِيلُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ آخِرُ قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ. ثُمَّ شَرَعَ سُبْحانَهُ في نَوْعٍ آخَرَ كَما هو دَأْبُ الكِتابِ العَزِيزِ فَقالَ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في الأنْعامِ نَهْيُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ طَرْدِ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] وأمَرَهُ سُبْحانَهُ هاهُنا بِأنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ مَعَهم، فَصَبْرُ النَّفْسِ هو حَبْسُها، وذِكْرُ الغَداةِ والعَشِيِّ كِنايَةٌ عَنِ الِاسْتِمْرارِ عَلى الدُّعاءِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ. وقِيلَ: في طَرَفَيِ النَّهارِ، وقِيلَ: المُرادُ صَلاةُ العَصْرِ والفَجْرِ. وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وابْنُ عامِرٍ ( بِالغَدْوَةِ ) بِالواوِ، واحْتَجُّوا بِأنَّها في المُصْحَفِ كَذَلِكَ مَكْتُوبَةٌ بِالواوِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا لا يَلْزَمُ لِكَتْبِهِمُ الحَياةَ والصَّلاةَ بِالواوِ، ولا تَكادُ العَرَبُ تَقُولُ الغَدْوَةَ، ومَعْنى ( يُرِيدُونَ وجْهَهُ ) أنَّهم يُرِيدُونَ بِدُعائِهِمْ رِضا اللَّهِ سُبْحانَهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ثُمَّ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالمُراقَبَةِ لِأحْوالِهِمْ فَقالَ: ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا تَتَجاوَزْ عَيْناكَ إلى غَيْرِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا تَصْرِفْ عَيْناكَ عَنْهم، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَصْرِفْ بَصَرَكَ إلى غَيْرِهِمْ مِن ذَوِي الهَيْئاتِ والزِّينَةِ، واسْتِعْمالُهُ بِـ ( عَنْ ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى النُّبُوِّ، مِن عَدَوْتُهُ عَنِ الأمْرِ أيْ: صَرَفْتُهُ مِنهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَحْتَقِرْهم عَيْناكَ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: مُجالَسَةَ أهْلِ الشَّرَفِ والغِنى، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِكَ مُرِيدًا لِذَلِكَ، هَذا إذا كانَ فاعِلُ ( تُرِيدُ ) هو النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وإنْ كانَ الفاعِلُ ضَمِيرًا يَعُودُ إلى العَيْنَيْنِ، فالتَّقْدِيرُ: مُرِيدَةً زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا، وإسْنادُ الإرادَةِ إلى العَيْنَيْنِ مَجازٌ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِلتَّلازُمِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وكَمْ زُحْلُوقَةٍ زَلُّوا بِها العَيْنانِ تَنْهَلُّ ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ أيْ: جَعَلْناهُ غافِلًا بِالخَتْمِ عَلَيْهِ، نَهى رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ طاعَةِ مَن جَعَلَ اللَّهُ قَلْبَهُ غافِلًا عَنْ ذِكْرِهِ كَأُولَئِكَ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يُنَحِّيَ الفُقَراءَ عَنْ مَجْلِسِهِ، فَإنَّهم طالَبُوا تَنْحِيَةَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ وهم غافِلُونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَعَ هَذا فَهم مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ وآثَرَهُ عَلى الحَقِّ فاخْتارَ الشِّرْكَ عَلى التَّوْحِيدِ ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ أيْ: مُتَجاوِزًا عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَسٌ فَرْطٌ: إذا كانَ مُتَقَدِّمًا لِلْخَيْلِ. فَهو عَلى هَذا مِنَ الإفْراطِ. وقِيلَ: هو مِنَ التَّفْرِيطِ، وهو التَّقْصِيرُ والتَّضْيِيعُ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَن قَدَّمَ العَجْزَ في أمْرِهِ أضاعَهُ وأهْلَكَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما يَقُولُهُ لِأُولَئِكَ الغافِلِينَ، فَقالَ: ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: قُلْ لَهم: إنَّ ما أُوحِيَ إلَيْكَ وأُمِرْتَ بِتِلاوَتِهِ هو الحَقُّ الكائِنُ مِن جِهَةِ اللَّهِ، لا مِن جِهَةِ غَيْرِهِ حَتّى يُمْكِنَ فِيهِ التَّبْدِيلُ والتَّغْيِيرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ الصَّبْرُ مَعَ الفُقَراءِ. قالَ الزَّجّاجُ: أيِ الَّذِي أتَيْتُكم بِهِ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي: لَمْ آتِكم بِهِ مِن قِبَلِ نَفْسِي إنَّما أتَيْتُكم بِهِ مِنَ اللَّهِ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ قِيلَ: هو مِن تَمامِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما قَبْلَها عَلى ما بَعْدَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وفِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، ويَكُونُ المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ الحَقُّ مِن رَبِّكم، وبَعْدَ أنْ تَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ، مَن شاءَ أنْ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ ويُصَدِّقَكَ فَلْيُؤْمِن، ومَن شاءَ أنْ يَكْفُرَ بِهِ ويُكَذِّبَكَ فَلْيَكْفُرْ. ثُمَّ أكَّدَ الوَعِيدَ وشَدَّدَهُ فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ: أعْدَدْنا وهَيَّأْنا لِلظّالِمِينَ الَّذِينَ اخْتارُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ والجَحْدَ لَهُ والإنْكارَ لِأنْبِيائِهِ نارًا عَظِيمَةً ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ أيِ: اشْتَمَلَ عَلَيْهِمْ. والسُّرادِقُ: واحِدُ السُّرادِقاتِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهي الَّتِي تُمَدُّ فَوْقَ صَحْنِ الدّارِ، وكُلُّ بَيْتٍ مِن كُرْسُفٍ فَهو سُرادِقٌ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: ؎يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ جارُودْ ∗∗∗ سُرادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ وقالَ الشّاعِرُ: ؎هُوَ المُدْخِلُ النُّعْمانَ بَيْتًا سَماؤُهُ ∗∗∗ صُدُورُ الفُيُولِ بَعْدَ بَيْتٍ مُسَرْدَقٍ يَقُولُهُ سَلّامُ بْنُ جَنْدَلٍ لَمّا قَتَلَ مَلِكُ الفُرْسِ مَلِكَ العَرَبِ النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ تَحْتَ أرْجُلِ الفِيَلَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: سُرادِقُها سُورُها. وقالَ القُتَيْبِيُّ: السُّرادِقُ الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ. والمَعْنى: أنَّهُ أحاطَ بِالكُفّارِ سُرادِقُ النّارِ عَلى تَشْبِيهِ ما يُحِيطُ بِهِمْ مِنَ النّارِ بِالسُّرادِقِ المُحِيطِ بِمَن فِيهِ ( وإنْ يَسْتَغِيثُوا ) مِن حَرِّ النّارِ ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ وهو الحَدِيدُ المُذابُ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهم يُغاثُونَ بِماءٍ كالرَّصاصِ المُذابِ أوِ الصُّفْرِ، وقِيلَ: هو دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هو كُلُّ ما أُذِيبَ مِن جَواهِرِ الأرْضِ مِن حَدِيدٍ ورَصاصٍ ونُحاسٍ. وقِيلَ: هو ضَرْبٌ مِنَ القَطِرانِ. ثُمَّ وصَفَ هَذا الماءَ الَّذِي يُغاثُونَ بِهِ بِأنَّهُ ( ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ ) إذا قُدِّمَ إلَيْهِمْ صارَتْ وُجُوهُهم مَشْوِيَّةً لِحَرارَتِهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ شَرابُهم هَذا ( وساءَتِ ) النّارُ ( ﴿مُرْتَفَقًا﴾ ) مُتَّكَأً، يُقالُ: ارْتَفَقْتُ: أيِ اتَّكَأْتُ، وأصْلُ الِارْتِفاقِ نَصْبُ المِرْفَقِ، ويُقالُ: ارْتَفَقَ الرَّجُلُ: إذا نامَ عَلى مِرْفَقِهِ، وقالَ القُتَيْبِيُّ: هو المَجْلِسُ، وقِيلَ: المُجْتَمَعُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ هَذا شُرُوعٌ في وعْدِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ الفَراغِ مِن وعِيدِ الكافِرِينَ. والمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِالحَقِّ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ هَذا خَبَرُ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: مَن أحْسَنَ مِنهم عَمَلًا. وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ الأجْرِ، والإشارَةُ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أُولَئِكَ ) خَبَرَ ( إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) وتَكُونَ جُمْلَةُ ( ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ ) اعْتِراضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أُولَئِكَ ) خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَنّاتِ عَدْنٍ، وفي كَيْفِيَّةِ جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( أساوِرَ ) جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ، وهي زِينَةٌ تُلْبَسُ في الزَّنْدِ مِنَ اليَدِ وهي مِن زِينَةِ المُلُوكِ، قِيلَ: يُحَلّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم ثَلاثَةَ أسْوِرَةٍ: واحِدٌ مِن فِضَّةٍ، وواحِدٌ مِن لُؤْلُؤٍ وواحِدٌ مَن ذَهَبٍ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها جَمِيعَها مِن ذَهَبٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ (p-٨٥٨)قَوْلُ القائِلِ هَذا جَمْعًا بَيْنَ الآياتِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]، ولِقَوْلِهِ في آيَةٍ أُخْرى: ( ولُؤْلُؤًا ) [الحج: ٢٣] و( مِن ) في قَوْلِهِ ( مِن أساوِرَ ) لِلِابْتِداءِ، وفي ( مِن ذَهَبٍ ) لِلْبَيانِ. وحَكى الفَرّاءُ ( يَحْلَوْنَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الحاءِ وفَتْحِ اللّامِ، يُقالُ: حَلِيَتِ المَرْأةُ تَحْلى فَهي حالِيَةٌ: إذا لَبِسَتِ الحَلْيَ ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: السُّنْدُسُ الرَّقِيقُ واحِدُهُ سُنْدُسَةٌ، والإسْتَبْرَقُ ما ثَخُنَ. وكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ، وقِيلَ: الإسْتَبْرَقُ هو الدِّيباجُ كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎وإسْتَبْرَقُ الدِّيباجِ طَوْرًا لِباسُها وقِيلَ: هو المَنسُوجُ بِالذَّهَبِ. قالَ القُتَيْبِيُّ: هو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وتَصْغِيرُهُ أُبَيْرِقٌ، وخُصَّ الأخْضَرُ لِأنَّهُ المُوافِقُ لِلْبَصَرِ ولِكَوْنِهِ أحْسَنَ الألْوانِ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الأرائِكُ جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهي السُّرُرُ في الحِجالِ، وقِيلَ: هي أسِرَّةٌ مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وأصْلُ: اتَّكَأ اوْتَكَأ، وأصْلُ مُتَّكِئِينَ مُوْتَكِئِينَ، والِاتِّكاءُ التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ ( ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ ) ذَلِكَ الَّذِي أثابَهُمُ اللَّهُ بِهِ ( وحَسُنَتْ ) تِلْكَ الأرائِكُ ( مُرْتَفَقًا ) أيْ: مُتَّكَأً. وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( مُلْتَحَدًا ) قالَ: مُلْتَجَأً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ سَلْمانَ قالَ: «جاءَتِ المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم: عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ وتَغَيَّبْتَ عَنْ هَؤُلاءِ وأرْواحِ جِبابِهِمْ - يَعْنُونَ سَلْمانَ وأبا ذَرٍّ وفُقَراءَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ عَلَيْهِمْ جِبابُ الصُّوفِ - جالَسْناكَ وحادَثْناكَ وأخَذْنا عَنْكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ زادَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلْمانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قامَ يَلْتَمِسُهم حَتّى أصابَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ مِن أُمَّتِي، مَعَكُمُ المَحْيا والمَماتَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: «نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو في بَعْضِ أبْياتِهِ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ فَخَرَجَ يَلْتَمِسُهم فَوَجَدَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنهم ثائِرُ الرَّأْسِ وحافِ الجِلْدِ وذُو الثَّوْبِ الخَلَقِ، فَلَمّا رَآهم جَلَسَ مَعَهم وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهم» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ قالا: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ورَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الحِجْرِ أوْ سُورَةَ الكَهْفِ فَسَكَتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: هَذا المَجْلِسُ الَّذِي أُمِرْتُ أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَهم» . وفِي البابِ رِواياتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ نافِعٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ في قَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في صَلاةِ الصُّبْحِ وصَلاةِ العَصْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وذَلِكَ أنَّهُ دَعا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أمْرٍ كَرِهَهُ اللَّهُ مِن طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْهُ وتَقْرِيبِ صَنادِيدِ أهْلِ مَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، يَعْنِي مَن خَتَمْنا عَلى قَلْبِهِ يَعْنِي التَّوْحِيدَ ( واتَّبَعَ هَواهُ ) يَعْنِي الشِّرْكَ ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ يَعْنِي فُرُطًا في أمْرِ اللَّهِ وجَهالَةً بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ قالَ: «دَخَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في يَوْمٍ حارٍّ، وعِنْدَهُ سَلْمانُ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، فَصارَ مِنهُ رِيحُ العَرَقِ في الصُّوفِ، فَقالَ عُيَيْنَةُ: يا مُحَمَّدُ إذا نَحْنُ أتَيْناكَ فَأخْرِجْ هَذا وضُرَباءَهُ مِن عِنْدِكَ لا يُؤْذِينا، فَإذا خَرَجْنا فَأنْتَ وهم أعْلَمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ الآيَةَ» . وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ المُتَضَمِّنَةِ لِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] . عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: كُنّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: اطْرُدْ هَؤُلاءِ لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنا، قالَ: وكُنْتُ أنا وابْنُ مَسْعُودٍ ورَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ وبِلالٌ ورَجُلانِ نَسِيتُ اسْمَهُما، فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ قالَ: ضَياعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ( ﴿وقُلِ الحَقُّ﴾ ) قالَ: هو القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ يَقُولُ: مَن شاءَ اللَّهُ لَهُ الإيمانَ آمَنَ، ومَن شاءَ لَهُ الكُفْرَ كَفَرَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ في الآيَةِ: هَذا تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ قالَ: حائِطٌ مِن نارٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لِسُرادِقِ النّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ، كَثافَةُ كُلِّ جِدارٍ مِنها مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: (p-٨٥٩)( بِماءٍ كالمُهْلِ ) قالَ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فَإذا قُرِّبَ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( كالمُهْلِ ) قالَ: أسْوَدُ كَعَكَرِ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ المُهْلِ فَقالَ: ماءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ وعَبَدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المُهْلِ، فَدَعا بِذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَأذابَهُ، فَلَمّا ذابَ قالَ: هَذا أشْبَهُ شَيْءٍ بِالمُهْلِ الَّذِي هو شَرابُ أهْلِ النّارِ، ولَوْنُهُ لَوْنُ السَّماءِ، غَيْرَ أنَّ شَرابَ أهْلِ النّارِ أشَدُّ حَرًّا مِن هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما المُهْلُ ؟ المُهْلُ سَهْلُ الزَّيْتِ، يَعْنِي آخِرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ قالَ: مُجْتَمَعًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: في الجَنَّةِ شَجَرَةٌ تُنْبِتُ السُّنْدُسَ مِنهُ يَكُونُ ثِيابُ أهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الإسْتَبْرَقُ الدِّيباجُ الغَلِيظُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ الرَّجُلَ لِيَتَّكِئُ المُتَّكَأ مِقْدارَ أرْبَعِينَ سَنَةً ما يَتَحَوَّلُ مِنهُ ولا يَمَلُّهُ، يَأْتِيهِ ما اشْتَهَتْ نَفْسُهُ ولَذَّتْ عَيْنُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأرائِكُ السُّرُرُ في جَوْفِ الحِجالِ عَلَيْها الفَرْشُ مَنضُودٌ في السَّماءِ فَرْسَخٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْهُ قالَ: لا تَكُونُ أرِيكَةً حَتّى يَكُونَ السَّرِيرُ في الحَجَلَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأرائِكِ فَقالَ: هي الحِجالُ عَلى السُّرُرِ.

الكهف 18:32

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:33

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:34

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:35

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:36

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:37

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:38

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:39

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:40

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:41

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:42

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:43

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:44

. قَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِمَن يَتَعَزَّزُ بِالدُّنْيا ويَسْتَنْكِفُ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ، فَهو عَلى هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( واصْبِرْ نَفْسَكَ ) . وقَدِ اخْتُلِفَ في الرَّجُلَيْنِ هَلْ هُما مُقَدَّرانِ أوْ مُحَقَّقانِ ؟ فَقالَ بِالأوَّلِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ بِالآخَرِ بَعْضٌ آخَرُ. واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِما، فَقِيلَ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: هُما أخَوانِ مَخْزُومِيّانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ: أحَدُهُما مُؤْمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ، وقِيلَ: هُما المَذْكُورانِ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وانْتِصابُ ( مَثَلًا ورَجُلَيْنِ ) عَلى أنَّهُما مَفْعُولا ( اضْرِبْ ) قِيلَ: والأوَّلُ هو الثّانِي والثّانِي هو الأوَّلُ ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ هو الكافِرُ، و( ﴿مِن أعْنابٍ﴾ ) بَيانٌ لِما في الجَنَّتَيْنِ، أيْ: مِن كُرُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ ( ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ ) الحَفُّ الإحاطَةُ، ومِنهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، ويُقالُ: حَفَّ القَوْمُ بِفُلانٍ يَحِفُّونَ حَفًّا أيْ: أطافُوا بِهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وجَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِالجَنَّتَيْنِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِما ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ أيْ: بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ، وهو وسَطُهُما، لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جامِعًا لِلْأقْواتِ والفَواكِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ الجَنَّتَيْنِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُما كانَتْ تُؤَدِّي حَمْلَها وما فِيها، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ أخْبَرَ عَنْ كِلْتا بِآتَتْ؛ لِأنَّ لَفْظَهُ مُفْرَدٌ، فَراعى جانِبَ اللَّفْظِ. وقَدْ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ كِلْتا وكِلا اسْمٌ مُفْرَدٌ غَيْرُ مُثَنًّى. وقالَ الفَرّاءُ: هو مُثَنًّى، وهو مَأْخُوذٌ مِن كُلٍّ فَخُفِّفَتِ اللّامُ وزِيدَتِ الألِفُ لِلتَّثْنِيَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: ألِفُ ( كِلْتا ) لِلتَّأْنِيثِ، والتّاءُ بَدَلٌ مِن لامِ الفِعْلِ، وهي واوٌ، والأصْلُ كُلُوا. وقالَ أبُو عَمْرٍو: التّاءُ مُلْحَقَةٌ. و( أُكُلَها ) هو ثَمَرُها. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ صارَ صالِحًا لِلْأكْلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ( كُلُّ الجَنَّتَيْنِ آتى أُكُلَهُ ) ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، يُقالُ: ظَلَمَهُ حَقَّهُ، أيْ: نَقَصَهُ، ووَصَفَ الجَنَّتَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُما عَلى خِلافِ ما يُعْتادُ في سائِرِ البَساتِينِ فَإنَّها في الغالِبِ تَكْثُرُ في عامٍ، وتَقِلُّ في عامٍ ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ: أجْرَيْنا وشَقَقْنا وسَطَ الجَنَّتَيْنِ نَهَرًا لِيَسْقِيَهُما دائِمًا مِن غَيْرِ انْقِطاعٍ، وقُرِئَ ( فَجَّرْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، وبِالتَّخْفِيفِ عَلى الأصْلِ. ( وكانَ لَهُ ) أيْ: لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ( ثَمَرٌ ) قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ( ثَمَرٌ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ، وكَذَلِكَ قَرَءُوا في قَوْلِهِ: ( أُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّهِما جَمِيعًا في المَوْضِعَيْنِ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الثَّمَرَةُ واحِدَةُ الثَّمَرِ، وجَمْعُ الثَّمَرِ ثِمارٌ، مِثْلَ: جَبَلٍ وجِبالٍ. قالَ الفَرّاءُ: وجَمْعُ الثِّمارِ ثُمُرٌ، مِثْلَ: كِتابٍ وكُتُبٍ، وجَمْعُ الثُّمُرِ أثْمارٌ، مِثْلَ: عُنُقٍ وأعْناقٍ، وقِيلَ: الثَّمَرُ جَمِيعُ المالِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَيَوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو الذَّهَبُ والفِضَّةُ خاصَّةً ( ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ﴾ ) أيْ: قالَ صاحِبُ الجَنَّتَيْنِ الكافِرُ لِصاحِبِهِ المُؤْمِنِ ( ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ ) أيْ: والكافِرُ يُحاوِرُ المُؤْمِنَ، والمَعْنى: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ، والمُحاوَرَةُ المُراجَعَةُ، والتَّحاوُرُ التَّجاوُبُ (p-٨٦٠)﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ النَّفَرُ الرَّهْطُ، وهو ما دُونُ العَشْرَةِ، وأرادَ هاهُنا الأتْباعَ والخَدَمَ والأوْلادَ. ( ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ ) أيْ: دَخَلَ الكافِرُ جَنَّةَ نَفْسِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ المُسْلِمِ، فَأدْخَلَهُ جَنَّتَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرِيهِ عَجائِبَها، وإفْرادُ الجَنَّةِ هُنا يَحْتَمِلُ أنَّ وجْهَهُ كَوْنُهُ لَمْ يُدْخِلْ أخاهُ إلّا واحِدَةً مِنهُما، أوْ لِكَوْنِهِما لَمّا اتَّصَلا كانا كَواحِدَةٍ، أوْ لِأنَّهُ أدْخَلَهُ في واحِدَةٍ، ثُمَّ واحِدَةٍ أوْ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِما، وما أبْعَدَ ما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّهُ وحَّدَ الجَنَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهُ في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُؤْمِنُونَ، وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: وذَلِكَ الكافِرُ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بِكُفْرِهِ وعُجْبِهِ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أيْ: قالَ الكافِرُ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِ وطُولِ أمَلِهِ: ما أظُنُّ أنْ تَفْنى هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي تُشاهِدُها. ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ أنْكَرَ البَعْثَ بَعْدَ إنْكارِهِ لِفَناءِ جَنَّتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أخاهُ بِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا وقِيامِ السّاعَةِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ اللّامُ هي المُوطِئَةُ لِلْقَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ إنْ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَرْضًا وتَقْدِيرًا كَما زَعَمَ صاحِبُهُ، واللّامُ في ( لَأجِدَنَّ ) جَوابُ القَسَمِ والشَّرْطِ أيْ: لَأجِدَنَّ يَوْمَئِذٍ خَيْرًا مِن هَذِهِ الجَنَّةِ. فِي مَصاحِفِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) وفي مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ ( ﴿خَيْرًا مِنها﴾ ) عَلى الإفْرادِ. و( مُنْقَلَبًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: مَرْجِعًا وعاقِبَةً، قالَ هَذا قِياسًا لِلْغائِبِ عَلى الحاضِرِ. وأنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا في الدُّنْيا، سَيَكُونُ غَنِيًّا في الأُخْرى، اغْتِرارًا مِنهُ بِما صارَ فِيهِ مِنَ الغِنى الَّذِي هو اسْتِدْراجٌ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ﴾ أيْ: قالَ لِلْكافِرِ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ حالَ مُحاوَرَتِهِ لَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ ما قالَهُ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِقَوْلِكَ: ما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وقالَ: ﴿خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ أيْ: جَعَلَ أصْلَ خَلْقِكَ مِن تُرابٍ حَيْثُ خَلَقَ أباكَ آدَمَ مِنهُ، وهو أصْلُكَ، وأصْلُ البَشَرِ، فَلِكُلِّ فَرْدٍ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ كافِرًا بِاللَّهِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ الكُفْرَ حَدَثَ لَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وهي المادَّةُ القَرِيبَةُ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ أيْ: صَيَّرَكَ إنْسانًا ذَكَرًا وعَدَّلَ أعْضاءَكَ وكَمَّلَكَ، وفي هَذا تَلْوِيحٌ بِالدَّلِيلِ عَلى البَعْثِ، وأنَّ القادِرَ عَلى الِابْتِداءِ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وانْتِصابُ ( رَجُلًا ) عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ. ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ بِإثْباتِ الألِفِ بَعْدَ ( لَكِنَّ ) المُشَدَّدَةِ. وأصَلُهُ ( لَكِنَّ أنا ) حُذِفَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى النُّونِ السّاكِنَةِ قَبْلَها فَصارَ لَكِنَّنا، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ النُّونَيْنِ فَسُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتِ الثّانِيَةُ، وضَمِيرُ ( هو ) لِلشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ ( أنا )، والرّاجِعُ ياءُ الضَّمِيرِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَكِنَّ أنا الشَّأْنُ اللَّهُ رَبِّي. قالَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: إثْباتُ ألِفِ ( أنا ) في الوَصْلِ ضَعِيفٌ. قالَ النَّحّاسُ: مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والمازِنِيِّ أنَّ الأصْلَ: لَكِنَّ أنا، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا. ورُوِيَ، عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ الأصْلَ لَكِنَّ اللَّهَ هو رَبِّي أنا. قالَ الزَّجّاجُ: إثْباتُ الألِفِ في ( لَكِنّا ) في الإدْراجِ جَيِّدٌ؛ لِأنَّها قَدْ حُذِفَتِ الألِفُ مِن ( أنا ) فَجاءُوا بِها عِوَضًا، قالَ: وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي ) وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والمُثَنّى، عَنْ نافِعٍ، ورُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ ( لَكِنّا ) في حالِ الوَصْلِ والوَقْفِ مَعًا بِإثْباتِ الألِفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعَرَفُونِي فَإنِّي قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎فَكَيْفَ أنا وألْحانُ القَوافِي ∗∗∗ وبَعْدَ الشَّيْبِ يَكْفِي ذاكَ عارا ولا خِلافَ في إثْباتِها في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وأبُو العالِيَةِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ ( لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي ) ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أخاهُ كانَ مُشْرِكًا. ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾ ( لَوْلا ) لِلتَّحْضِيضِ أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها هَذا القَوْلَ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: ( ما ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى الأمْرِ ( ما شاءَ اللَّهُ ) أيْ: هَلّا قُلْتَ حِينَ دَخَلْتَها: الأمْرُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مُبْتَدَأً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، أيْ: ما شاءَ اللَّهُ كائِنٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) شَرْطِيَّةً والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: هَلّا قُلْتَ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، تَحْضِيضًا لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِأنَّها وما فِيها بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ أفْناها، وعَلى الِاعْتِرافِ بِالعَجْزِ، وأنَّ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِن عِمارَتِها إنَّما هو بِمَعُونَةِ اللَّهِ لا بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لا يَقْوى أحَدٌ عَلى ما في يَدِهِ مِن مُلْكٍ ونِعْمَةٍ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ لَمّا عَلَّمَهُ الإيمانَ وتَفْوِيضَ الأُمُورِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أجابَهُ عَلى افْتِخارِهِ بِالمالِ والنَّفَرِ فَقالَ: ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ ياءُ الضَّمِيرِ، و( أنا ) ضَمِيرُ فَصْلٍ، و( أقَلَّ ) المَفْعُولُ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ إنْ كانَتْ عِلْمِيَّةً، وإنْ جُعِلَتْ بَصَرِيَّةً كانَ انْتِصابُ ( أقَلَّ ) عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أنا ) تَأْكِيدًا لِياءِ الضَّمِيرِ، وانْتِصابُ ( مالًا ووَلَدًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ هَذا جَوابُ الشَّرْطِ أيْ: إنْ تَرَنِي أفْقَرَ مِنكَ، فَأنا أرْجُو أنْ يَرْزُقَنِي اللَّهُ سُبْحانَهُ جَنَّةً خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا﴾ أيْ: ويُرْسِلُ عَلى جَنَّتِكَ حُسْبانًا، والحُسْبانُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحِسابِ كالغُفْرانِ أيْ: مِقْدارًا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْها، ووَقَعَ في حِسابِهِ سُبْحانَهُ، وهو الحُكْمُ بِتَخْرِيبِها. قالَ الزَّجّاجُ: الحُسْبانُ مِنَ الحِسابِ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْها عَذابَ الحِسابِ، وهو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وقالَ الأخْفَشُ: حُسْبانًا أيْ: مَرامِيَ ( مِنَ السَّماءِ ) واحِدُها حُسْبانَةٌ، وكَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والقُتَيْبِيُّ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحُسْبانَةُ السَّحابَةُ، والحُسْبانَةُ الوِسادَةُ، والحُسْبانَةُ الصّاعِقَةُ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الحُسْبانُ سِهامٌ يَرْمِي بِها الرَّجُلُ في جَوْفِ قَصَبَةٍ تُنْزَعُ في قَوْسٍ، ثُمَّ يَرْمِي بِعِشْرِينَ مِنها دُفْعَةً، والمَعْنى: يُرْسِلُ عَلَيْها مَرامِيَ مِن عَذابِهِ إمّا بَرْدٌ، وإمّا حِجارَةٌ أوْ غَيْرُهُما مِمّا يَشاءُ مِن أنْواعِ العَذابِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي زِيادٍ الكِلابِيِّ: (p-٨٦١) ؎أصابَ الأرْضَ حُسْبانٌ أيْ: جَرادٌ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ: فَتُصْبِحَ جَنَّةُ الكافِرِ بَعْدَ إرْسالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها حُسْبانًا ( صَعِيدًا )، أيْ: أرْضًا لا نَباتَ بِها وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، ( زَلَقًا ) أيْ: تَزْلَقُ فِيها الأقْدامُ لِمَلاسَتِها، يُقالُ: مَكانٌ زَلَقٌ بِالتَّحْرِيكِ أيْ: دَحْضٌ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ زَلَقَتْ رِجْلُهُ تَزْلَقُ زَلَقًا وأزْلَقَها غَيْرُهُ، والمَزْلَقَةُ المَوْضِعُ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وكَذا الزَّلّاقَةُ، وصَفَ الصَّعِيدَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، أوْ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ. وجُمْلَةُ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، والغَوْرُ: الغائِرُ. وصَفَ الماءَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمَعْنى: أنَّها تَصِيرُ عادِمَةً لِلْماءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ واجِدَةً لَهُ، وكانَ خِلالَها ذَلِكَ النَّهْرُ يَسْقِيها دائِمًا، ويَجِيءُ الغَوْرُ بِمَعْنى الغُرُوبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎هَلِ الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ ونَهارُها ∗∗∗ وإلّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غِيارُها ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أيْ: لَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ الماءِ الغائِرِ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ ورَدِّهِ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيَلِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَلَنْ تَسْتَطِيعَ طَلَبَ غَيْرِهِ عِوَضًا عَنْهُ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ وُقُوعِ ما رَجاهُ ذَلِكَ المُؤْمِنُ وتَوَقَّعَهُ مِن إهْلاكِ جَنَّةِ الكافِرِ فَقالَ: ( ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ ) قَدْ قَدَّمْنا اخْتِلافَ القُرّاءِ في هَذا الحَرْفِ وتَفْسِيرِهِ، وأصْلُ الإحاطَةِ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالشَّخْصِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وهي عِبارَةٌ عَنْ إهْلاكِهِ وإفْنائِهِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَوَقْعَ ما تَوَقَّعَهُ المُؤْمِنُ وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أيْ: يَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْبَحَ يَنْدَمُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ أيْ: في عِمارَتِها وإصْلاحِها مِنَ الأمْوالِ، وقِيلَ: المَعْنى: يُقَلِّبُ مُلْكَهُ فَلا يَرى فِيهِ عِوَضَ ما أنْفَقَ؛ لِأنَّ المُلْكَ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاليَدِ مِن قَوْلِهِمْ: في يَدِهِ مالٌ. وهو بِعِيدٌ جِدًّا، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ ساقِطَةٌ عَلى دَعائِمِها الَّتِي تَعْمِدُ بِها الكُرُومَ، أوْ ساقِطٌ بَعْضُ تِلْكَ الجَنَّةِ عَلى بَعْضٍ، مَأْخُوذٌ مِن خَوَتِ النُّجُومُ تَخْوى: إذا سَقَطَتْ ولَمْ تُمْطِرْ في نَوْئِها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]، قِيلَ: وتَخْصِيصُ ما لَهُ عُرُوشٌ بِالذِّكْرِ دُونَ النَّخْلِ والزَّرْعِ لِأنَّهُ الأصْلُ، وأيْضًا إهْلاكُها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ إهْلاكِ الباقِي، وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ) أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: وهو يَقُولُ تَمَنّى عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِهَلاكِ جَنَّتِهِ أنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ حَتّى تَسْلَمَ جَنَّتُهُ مِنَ الهَلاكِ، أوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، لا لِما فاتَهُ مِنَ الغَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ لِقَصْدِ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ والنَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ. ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ( فِئَةٌ ) اسْمُ كانَ و( لَهُ ) خَبَرُها، و( يَنْصُرُونَهُ ) صِفَةٌ لِفِئَةٍ أيْ: فِئَةٌ ناصِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( يَنْصُرُونَهُ ) الخَبَرَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ سِيبَوَيْهِ ورَجَّحَ الثّانِيَ المُبَرِّدُ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِرْقَةٌ وجَماعَةٌ يَلْتَجِئُ إلَيْها ويَنْتَصِرُ بِها، ولا نَفَعَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ افْتَخَرَ بِهِمْ فِيما سَبَقَ وما كانَ في نَفْسِهِ مُنْتَصِرًا أيْ: مُمْتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنْ إهْلاكِ اللَّهِ لِجَنَّتِهِ، وانْتِقامِهِ مِنهُ. ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ( الحَقُّ ) بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلْوَلايَةِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( الحَقِّ ) بِالجَرِّ نَعْتًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ والتَّوْكِيدِ كَما تَقُولُ: هَذا لَكَ حَقًّا. وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الوِلايَةُ ) بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى، والمَعْنى هُنالِكَ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ النُّصْرَةُ لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وقِيلَ: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ أيْ: الوِلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُنالِكَ ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ خَيْرٌ ثَوابًا لِأوْلِيائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ( ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ) أيْ: عاقِبَةً، قَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ ( عُقْبًا ) بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، وهَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ أيْ: هو خَيْرٌ عاقِبَةً لِمَن رَجاهُ وآمَنَ بِهِ، قالَ: هَذا عاقِبَةُ أمْرِ فُلانٍ، وعُقْباهُ، أيْ: أُخْراهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيُّ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ قالَ: الجَنَّةُ هي البُسْتانُ، فَكانَ لَهُ بُسْتانٌ واحِدٌ وجِدارٌ واحِدٌ، وكانَ بَيْنَهُما نَهَرٌ، فَلِذَلِكَ كانا جَنَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ جَنَّةً مِن قِبَلِ الجِدارِ الَّذِي عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: نَهْرُ أبِي قَرْطَسٍ نَهْرُ الجَنَّتَيْنِ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: وهو نَهْرٌ مَشْهُورٌ بِالرَّمَلَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ قالَ: لَمْ تَنْقُصْ، كُلُّ شَجَرِ الجَنَّةِ أطْعَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ يَقُولُ: مالٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: قَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ ) بِالضَّمِّ، وقالَ: هي أنْواعُ المالِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يَقُولُ: كَفُورٌ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كَلِماتٍ أقَوْلُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: اللَّهُ رَبِّي لا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ يَحْيى بْنِ سُلَيْمٍ الطّائِفِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قالَ: «طَلَبَ مُوسى مِن رَبِّهِ حاجَةً فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَقالَ: ما شاءَ اللَّهُ، فَإذا حاجَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: يا رَبِّ إنِّي أطْلُبُ حاجَتِي مُنْذُ كَذا وكَذا أُعْطِيتُها الآنَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، أما عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَكَ: ما شاءَ اللَّهُ، أنْجَحُ ما طُلِبَتْ بِهِ الحَوائِجُ» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ أوْ مالٍ أوْ ولَدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ إلّا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ آفَةٍ حَتّى تَأْتِيَهُ مَنِيَّتُهُ، وقَرَأ: ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾»، وفي إسْنادِهِ عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ. قالَ أبُو الفَتْحِ الأزَدِيُّ: (p-٨٦٢)عِيسى بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ زُرارَةَ، عَنْ أنَسٍ لا يَصِحُّ حَدِيثُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ تَحْتَ العَرْشِ ؟ قَلْتُ: نَعَمْ، قالَ: أنْ تَقُولَ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: «ألا أدُلُّكَ عَلى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ ؟ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الجُرُزِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: عَذابًا ( ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ) أيْ: قَدْ حُصِدَ ما فِيها فَلَمْ يُتْرَكْ فِيها شَيْءٌ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ أيْ: ذاهِبًا قَدْ غارَ في الأرْضِ ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قالَ: يُصَفِّقُ ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ مُتَلَهِفًا عَلى ما فاتَهُ.

الكهف 18:45

. ثُمَّ ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا آخَرَ لِجَبابِرَةِ قُرَيْشٍ فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ: اذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُ الحَياةَ الدُّنْيا في حُسْنِها ونَضارَتِها وسُرْعَةِ زَوالِها؛ لِئَلّا يَرْكَنُوا إلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَثَلُ في سُورَةِ يُونُسَ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ هَذا المَثَلَ فَقالَ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المَفْعُولَ الثّانِيَ لِقَوْلِهِ: ( اضْرِبْ ) عَلى جَعْلِهِ بِمَعْنى صَيِّرْ ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيِ: اخْتَلَطَ بِالماءِ نَباتُ الأرْضِ حَتّى اسْتَوى، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ النَّباتَ اخْتَلَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حِينِ نَزَلَ عَلَيْهِ الماءُ؛ لِأنَّ النَّباتَ إنَّما يَخْتَلِطُ ويَكْثُرُ بِالمَطَرِ، فَتَكُونُ الباءُ في ( بِهِ ) سَبَبِيَّةً، ( فَأصْبَحَ ) النَّباتُ ( هَشِيمًا ) الهَشِيمُ الكَسِيرُ، وهو مِنَ النَّباتِ ما تَكَسَّرَ بِسَبَبِ انْقِطاعِ الماءِ عَنْهُ وتَفَتَّتَ، ورَجُلٌ هَشِيمٌ: ضَعِيفُ البَدَنِ، وتَهَشَّمَ عَلَيْهِ فُلانٌ: إذا تَعَطَّفَ، واهْتَشَمَ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا احْتَلَبَهُ، وهَشَّمَ الثَّرِيدَ: كَسَّرَهُ وثَرَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزَّبْعَرِيِّ: ؎عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ ( تَذْرُوهُ الرِّياحُ ) تُفَرِّقُهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: ( تَذْرُوهُ ) تَنْسِفُهُ، وقالَ ابْنُ كِيسانَ: تَذْهَبُ بِهِ وتَجِيءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( تَذْرِيهِ الرِّيحُ ) قالَ الكِسائِيُّ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( تَذْرِيهِ ) يُقالُ: ذَرَتْهُ الرِّيحُ تَذْرُوهُ، وأذْرَتْهُ تُذْرِيهِ. وحَكى الفَرّاءُ: أذْرَيْتُ الرَّجُلَ عَنْ فَرَسِهِ أيْ: قَلَبْتُهُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ يُحْيِيهِ ويُفْنِيهِ بِقُدْرَتِهِ لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ. ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هَذا رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ الَّذِينَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالمالِ والغِنى والأبْناءِ، فَأخْبَرَهم سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُتَزَيَّنُ بِهِ في الدُّنْيا لا مِمّا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقالَ ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم﴾ [التغابن: ١٤] . ولِهَذا عَقَّبَ هَذِهِ الزِّينَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ أيْ: أعْمالُ الخَيْرِ، وهي ما كانَ يَفْعَلُهُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ مِنَ الطّاعاتِ ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ أيْ: أفْضَلُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ بِالمالِ والبَنِينِ ثَوابًا وأكْثَرُ عائِدَةً ومَنفَعَةً لِأهْلِها ( وخَيْرٌ أمَلًا ) أيْ: أفْضَلُ أمَلًا، يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِأهْلِها مِنَ الأمَلِ أفْضَلُ مِمّا يُؤَمِّلُهُ أهْلُ المالِ والبَنِينَ؛ لِأنَّهم يَنالُونَ بِها في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِمّا كانَ يُؤَمِّلُهُ هَؤُلاءِ الأغْنِياءُ في الدُّنْيا، ولَيْسَ في زِينَةِ الدُّنْيا خَيْرٌ حَتّى تُفَضَّلَ عَلَيْها الآخِرَةُ، ولَكِنَّ هَذا التَّفْضِيلَ خَرَجَ مَخْرَجَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والظّاهِرُ أنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ كُلُّ عَمَلِ خَيْرٍ، فَلا وجْهَ لِقَصْرِها عَلى الصَّلاةِ كَما قالَ البَعْضُ، ولا لِقَصْرِها عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ الذِّكْرِ كَما قالَهُ بَعْضٌ آخَرُ، ولا عَلى ما كانَ يَفْعَلُهُ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ بِاعْتِبارِ السَّبَبِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّ تَفْسِيرَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ في الأحادِيثِ بِما سَيَأْتِي لا يُنافِي إطْلاقَ هَذا اللَّفْظِ عَلى ما هو عَمَلٌ صالِحٌ مِن غَيْرِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ( ﴿المالُ والبَنُونَ﴾ ) حَرْثُ الدُّنْيا، والعَمَلُ الصّالِحُ حَرْثُ الآخِرَةِ، وقَدْ جَمَعَهُما اللَّهُ لِأقْوامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ ) قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، قِيلَ: وما هُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: التَّكْبِيرُ، والتَّهْلِيلُ، والتَّسْبِيحُ، والتَّحْمِيدُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ شاهِينَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، هُنَّ الباقِياتُ الصّالِحاتُ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «خُذُوا جُنَّتَكم، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مِن أيِّ عَدُوٍّ قَدْ حَضَرَ ؟ قالَ: بَلْ جُنَّتُكم مِنَ النّارِ قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، فَإنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مُقَدِّماتٍ مُعَقِّباتٍ ومُجَنِّباتٍ، وهي الباقِياتُ الصّالِحاتُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانَ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا وإنَّ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ الباقِياتُ الصّالِحاتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا، وزادَ التَّكْبِيرَ وسَمّاهُنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي (p-٨٦٣)هُرَيْرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وزادَتْ: «ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا فَذَكَرَ نَحْوَهُ دُونَ الحَوْقَلَةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ جُنادَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ نَحْوَهُ. وكُلُّ هَذِهِ الأحادِيثِ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها الباقِياتُ الصّالِحاتُ، وأمّا ما ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِها المُرادَّةَ في الآيَةِ فَأحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا فائِدَةَ في ذِكْرِها هُنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِن طاعَةِ اللَّهِ، فَهو مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ.

الكهف 18:46

. ثُمَّ ضَرَبَ سُبْحانَهُ مَثَلًا آخَرَ لِجَبابِرَةِ قُرَيْشٍ فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ: اذْكُرْ لَهم ما يُشْبِهُ الحَياةَ الدُّنْيا في حُسْنِها ونَضارَتِها وسُرْعَةِ زَوالِها؛ لِئَلّا يَرْكَنُوا إلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا المَثَلُ في سُورَةِ يُونُسَ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ هَذا المَثَلَ فَقالَ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا هو المَفْعُولَ الثّانِيَ لِقَوْلِهِ: ( اضْرِبْ ) عَلى جَعْلِهِ بِمَعْنى صَيِّرْ ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيِ: اخْتَلَطَ بِالماءِ نَباتُ الأرْضِ حَتّى اسْتَوى، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ النَّباتَ اخْتَلَطَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حِينِ نَزَلَ عَلَيْهِ الماءُ؛ لِأنَّ النَّباتَ إنَّما يَخْتَلِطُ ويَكْثُرُ بِالمَطَرِ، فَتَكُونُ الباءُ في ( بِهِ ) سَبَبِيَّةً، ( فَأصْبَحَ ) النَّباتُ ( هَشِيمًا ) الهَشِيمُ الكَسِيرُ، وهو مِنَ النَّباتِ ما تَكَسَّرَ بِسَبَبِ انْقِطاعِ الماءِ عَنْهُ وتَفَتَّتَ، ورَجُلٌ هَشِيمٌ: ضَعِيفُ البَدَنِ، وتَهَشَّمَ عَلَيْهِ فُلانٌ: إذا تَعَطَّفَ، واهْتَشَمَ ما في ضَرْعِ النّاقَةِ: إذا احْتَلَبَهُ، وهَشَّمَ الثَّرِيدَ: كَسَّرَهُ وثَرَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزَّبْعَرِيِّ: ؎عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ ( تَذْرُوهُ الرِّياحُ ) تُفَرِّقُهُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: ( تَذْرُوهُ ) تَنْسِفُهُ، وقالَ ابْنُ كِيسانَ: تَذْهَبُ بِهِ وتَجِيءُ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( تَذْرِيهِ الرِّيحُ ) قالَ الكِسائِيُّ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ( تَذْرِيهِ ) يُقالُ: ذَرَتْهُ الرِّيحُ تَذْرُوهُ، وأذْرَتْهُ تُذْرِيهِ. وحَكى الفَرّاءُ: أذْرَيْتُ الرَّجُلَ عَنْ فَرَسِهِ أيْ: قَلَبْتُهُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ يُحْيِيهِ ويُفْنِيهِ بِقُدْرَتِهِ لا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ. ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هَذا رَدٌّ عَلى الرُّؤَساءِ الَّذِينَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِالمالِ والغِنى والأبْناءِ، فَأخْبَرَهم سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُتَزَيَّنُ بِهِ في الدُّنْيا لا مِمّا يَنْفَعُ في الآخِرَةِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، وقالَ ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم﴾ [التغابن: ١٤] . ولِهَذا عَقَّبَ هَذِهِ الزِّينَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ أيْ: أعْمالُ الخَيْرِ، وهي ما كانَ يَفْعَلُهُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ مِنَ الطّاعاتِ ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ أيْ: أفْضَلُ مِن هَذِهِ الزِّينَةِ بِالمالِ والبَنِينِ ثَوابًا وأكْثَرُ عائِدَةً ومَنفَعَةً لِأهْلِها ( وخَيْرٌ أمَلًا ) أيْ: أفْضَلُ أمَلًا، يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِأهْلِها مِنَ الأمَلِ أفْضَلُ مِمّا يُؤَمِّلُهُ أهْلُ المالِ والبَنِينَ؛ لِأنَّهم يَنالُونَ بِها في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِمّا كانَ يُؤَمِّلُهُ هَؤُلاءِ الأغْنِياءُ في الدُّنْيا، ولَيْسَ في زِينَةِ الدُّنْيا خَيْرٌ حَتّى تُفَضَّلَ عَلَيْها الآخِرَةُ، ولَكِنَّ هَذا التَّفْضِيلَ خَرَجَ مَخْرَجَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والظّاهِرُ أنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ كُلُّ عَمَلِ خَيْرٍ، فَلا وجْهَ لِقَصْرِها عَلى الصَّلاةِ كَما قالَ البَعْضُ، ولا لِقَصْرِها عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ الذِّكْرِ كَما قالَهُ بَعْضٌ آخَرُ، ولا عَلى ما كانَ يَفْعَلُهُ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ بِاعْتِبارِ السَّبَبِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وبِهَذا تَعْرِفُ أنَّ تَفْسِيرَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ في الأحادِيثِ بِما سَيَأْتِي لا يُنافِي إطْلاقَ هَذا اللَّفْظِ عَلى ما هو عَمَلٌ صالِحٌ مِن غَيْرِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: ( ﴿المالُ والبَنُونَ﴾ ) حَرْثُ الدُّنْيا، والعَمَلُ الصّالِحُ حَرْثُ الآخِرَةِ، وقَدْ جَمَعَهُما اللَّهُ لِأقْوامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ ) قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ، قِيلَ: وما هُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: التَّكْبِيرُ، والتَّهْلِيلُ، والتَّسْبِيحُ، والتَّحْمِيدُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ شاهِينَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، هُنَّ الباقِياتُ الصّالِحاتُ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «خُذُوا جُنَّتَكم، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مِن أيِّ عَدُوٍّ قَدْ حَضَرَ ؟ قالَ: بَلْ جُنَّتُكم مِنَ النّارِ قَوْلُ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، فَإنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مُقَدِّماتٍ مُعَقِّباتٍ ومُجَنِّباتٍ، وهي الباقِياتُ الصّالِحاتُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ النُّعْمانَ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «ألا وإنَّ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ الباقِياتُ الصّالِحاتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا، وزادَ التَّكْبِيرَ وسَمّاهُنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ أبِي (p-٨٦٣)هُرَيْرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وزادَتْ: «ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وبْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا فَذَكَرَ نَحْوَهُ دُونَ الحَوْقَلَةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ جُنادَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ نَحْوَهُ. وكُلُّ هَذِهِ الأحادِيثِ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها الباقِياتُ الصّالِحاتُ، وأمّا ما ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِكَوْنِها المُرادَّةَ في الآيَةِ فَأحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا فائِدَةَ في ذِكْرِها هُنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِن طاعَةِ اللَّهِ، فَهو مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ.

الكهف 18:47

. وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( تُسَيَّرُ ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الجِبالِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ ( تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الجِبالَ فاعِلٌ. وقَرَأ الباقُونَ ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والجِبالَ مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويُناسِبُ القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويُناسِبُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، واخْتارَ القِراءَةَ الثّالِثَةَ أبُو عُبَيْدَةَ لِأنَّها المُناسِبَةُ لِقَوْلِهِ: ( وحَشَرْناهم ) قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: التَّقْدِيرُ: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ. وقِيلَ: العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ، ومَعْنى تَسْيِيرِ الجِبالِ إزالَتُها مِن أماكِنِها وتَسْيِيرُها كَما تَسِيرُ السَّحابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثُمَّ تَعُودُ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ كَما قالَ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، ومَعْنى بُرُوزِها ظُهُورُها وزَوالُ ما يَسْتُرُها مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والبُنْيانِ، وقِيلَ: المَعْنى بِبُرُوزِها: بُرُوزُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وقالَ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] فَيَكُونُ المَعْنى: وتَرى الأرْضَ بارِزًا ما في جَوْفِها ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: الخَلائِقَ، ومَعْنى الحَشْرِ الجَمْعُ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ: إذا تَرَكَهُ، قالَ عَنْتَرَةُ: ؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَنْدَلِ أيْ: تَرَكْتُهُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّ الغادِرَ تَرَكَ الوَفاءَ لِلْمَغْدُورِ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَ الغَدِيرُ غَدِيرًا؛ لِأنَّ الماءَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنهُ غَدائِرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ انْتِصابُ ( صَفًّا ) عَلى الحالِ أيْ: مَصْفُوفِينَ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ، وقِيلَ: عُرِضُوا صَفًّا واحَدًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أيْ: جَمِيعًا، وقِيلَ: قِيامًا. وفِي الآيَةِ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ الجَيْشِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى السُّلْطانِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، والكافُ في ( كَما خَلَقْناكم ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ أنْ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ كائِنَيْنِ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: حُفاةً عُراةً غُرُلًّا، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بَعَثْناكم وأعَدْناكم كَما خَلَقْناكم، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( لَقَدْ جِئْتُمُونا ) مَعْناهُ: بَعَثْناكم ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ هَذا إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وهو خِطابٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنْ لَنْ تُبْعَثُوا، وأنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا نُجازِيكم بِأعْمالِكم ونُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والعَذابِ. وجُمْلَةُ ( ووُضِعَ الكِتابُ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى عُرِضُوا، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ، وأفْرَدَهُ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والوَضْعُ إمّا حِسِّيٌّ بِأنْ يُوضَعَ صَحِيفَةُ كُلِّ واحِدٍ في يَدِهِ، السَّعِيدُ في يَمِينِهِ، والشَّقِيُّ في شِمالِهِ، أوْ في المِيزانِ. وإمّا عَقْلِيٌّ أيْ: أظْهَرَ عَمَلَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ بِالحِسابِ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا في الكِتابِ المَوْضُوعِ لِما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن الِافْتِضاحِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، والمُجازاةِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا﴾ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ لِوُقُوعِهِمْ في الهَلاكِ، ومَعْنى هَذا النِّداءِ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في المائِدَةِ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ لَهُ، لا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً إلّا حَواها وضَبَطَها وأثْبَتَها ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، أوْ وجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا ﴿حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ أيْ: لا يُعاقِبُ أحَدًا مِن عِبادِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُنْقِصُ فاعِلَ الطّاعَةِ مِن أجْرِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى أرْبابِ الخُيَلاءِ مِن (p-٨٦٤)قُرَيْشٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ واسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمُ: اسْجُدُوا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ( فَسَجَدُوا ) طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ وامْتِثالًا لِطَلَبِهِ السُّجُودَ ( إلّا إبْلِيسَ ) فَإنَّهُ أبى واسْتَكْبَرَ ولَمْ يَسْجُدْ، وجُمْلَةُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ سَبَبِ عِصْيانِهِ، وأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِهَذا عَصى، ومَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِها لِخُرُوجِها مِنهُ. قالَ النَّحّاسُ: اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ المَعْنى: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ الفِسْقِ أمْرَ رَبِّهِ. كَما تَقُولُ: أُطْعِمُهُ عَنْ جُوعٍ. والقَوْلُ الآخَرُ قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّ المَعْنى عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: فَسَقَ عَنْ تَرْكِ أمْرِهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَجَّبَ مِن حالِ مَن أطاعَ إبْلِيسَ في الكُفْرِ والمَعاصِي وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أعُقَيْبَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الإباءِ والفِسْقِ تَتَّخِذُونَهُ وتَتَّخِذُونَ ذُرِّيَّتَهُ أيْ: أوْلادَهُ، وقِيلَ: أتْباعُهُ، مَجازًا ( أوْلِياءَ مِن دُونِي ) فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي، والحالُ أنَّهم، أيْ: إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ( لَكم عَدُوٌّ ) أيْ: أعْداءٌ. وأفْرَدَهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالمَصادِرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ( هُمُ العَدُوُّ ) [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ وتَسْتَبْدِلُونَ بِمَن خَلَقَكم وأنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، بِمَن لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ مَنفَعَةٌ قَطُّ، بَلْ هو عَدُوٌّ لَكم يَتَرَقَّبُ حُصُولَ ما يَضُرُّكم في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُسْتَبْدِلِينَ بِطاعَةِ رَبِّهِمْ طاعَةَ الشَّيْطانِ، فَبِئْسَ ذَلِكَ البَدَلُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوهُ بَدَلًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلشُّرَكاءِ، والمَعْنى: أنَّهم لَوْ كانُوا شُرَكاءَ لِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ لَكانُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ ذَلِكَ مُشارِكِينَ لِي فِيهِ، ولَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ ولا أشْهَدْتُهم إيّاهُ أنا فَلَيْسُوا لِي بِشُرَكاءَ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ المُساوِي عَلى انْتِفاءِ اللّازِمِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ التَمَسُوا طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّهم ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وما اعْتَضَدْتُ بِهِمْ، بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، والأوَّلُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أوْلى لِما يَلْزَمُ في الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ما أشْهَدْناهم ) وقَرَأ الباقُونَ ( ما أشْهَدْتُهم ) ويُؤَيِّدُهُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيًرًا في مَعْنى العَوْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَضُدَ قِوامُ اليَدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُعِينُكَ ونُقَوِّيكَ بِهِ، ويُقالُ: أعَضَدْتُ بِفُلانٍ: إذا اسْتَعَنْتَ بِهِ، وذَكَرَ العَضُدَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، وخَصَّ المُضِلِّينَ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ. والمَعْنى: ما اسْتَعَنْتُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِمْ ولا شاوَرْتُهم وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الشَّياطِينَ أوِ الكافِرِينَ أعْوانًا، ووَحَّدَ العَضُدَ لِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الجَحْدَرِيُّ: ( وما كُنْتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ مُتَّخِذًا لَهم عَضُدًا ولا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ. وفي ( عَضُدَ ) لُغاتٌ ثَمانٍ أفْصَحُها فَتْحُ العَيْنِ وضَمُّ الضّادِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( عُضُدًا ) بِضَمِّ العَيْنِ والضّادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ بِفَتْحِهِما، ولُغَةُ تَمِيمٍ فَتْحُ العَيْنِ وسُكُونُ الضّادِ. ثُمَّ عادَ إلى تَرْهِيبِهِمْ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ: أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُفّارِ تَوْبِيخًا لَهم وتَقْرِيعًا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَنْفَعُونَكم ويَشْفَعُونَ لَكم، وأضافَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ جَرْيًا عَلى ما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ( فَدَعَوْهم ) أيْ: فَعَلُوْا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن دُعاءِ الشُّرَكاءِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذْ ذاكَ أيْ: لَمْ يَقَعْ مِنهم مُجَرَّدُ الِاسْتِجابَةِ لَهم، فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْفَعُوهم أوْ يَدْفَعُوا عَنْهم ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ مَن جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ مَوْبِقًا، ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ اسْمُ وادٍ عَمِيقٍ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ - تَعالى - بَيْنَهم، وعَلى هَذا فَهو اسْمُ مَكانٍ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ حاجِزٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو مَوْبِقٌ. وقالَ الفَرّاءُ: المَوْبِقُ المُهْلِكُ. والمَعْنى: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مُهْلِكًا لَهم في الآخِرَةِ، يُقالُ: وبِقَ يَوْبَقُ فَهو وبَقٌ، هَكَذا ذَكَرَهُ الفَرّاءُ في المَصادِرِ. وحَكى الكِسائِيُّ وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا فَهو وابِقٌ، والمُرادُ بِالمُهْلِكِ عَلى هَذا هو عَذابُ النّارِ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما زَعَمُوا أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرَ والمَسِيحَ، فالمَوْبِقُ هو المَكانُ الحائِلُ بَيْنَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَوْبِقُ هُنا المَوْعِدُ لِلْهَلاكِ، وقَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ أوْبَقَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ عَنْ كُلِّ شَنْعاءَ مَوْبِقِ ولَكِنَّ المُناسِبَ لِمَعْنى الآيَةِ هو المَعْنى الأوَّلُ. ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ المُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ الذَّمِّ لَهم بِهَذا الوَصْفِ المُسَجَّلِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ. والمُواقَعَةُ المُخالَطَةُ بِالوُقُوعِ فِيها، وقِيلَ: إنِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ ظَنًّا ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ إلَيْهِ، أوِ انْصِرافًا؛ لِأنَّ النّارَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ الواحِدِيُّ: المَصْرِفُ المَوْضِعُ الَّذِي يُنْصَرَفُ إلَيْهِ. وقالَ القُتَيْبِيُّ، أيْ: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، (p-٨٦٥)وقِيلَ: مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ في الجَمِيعِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ قالَ: لَيْسَ عَلَيْها بِناءٌ ولا شَجَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ الضَّحِكُ. وزادَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ. وأقُولُ: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِصِغَرٍ، وكُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِالكِبَرِ، فَلا يَبْقى مِنَ الذُّنُوبِ شَيْءٌ إلّا أحْصاهُ اللَّهُ وما كانَ مِنَ الذُّنُوبِ مُلْتَبِسًا بَيْنَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، فَذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ قَبِيلَةً يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، فَكانَ إبْلِيسُ مِنهم، وكانَ يُوَسْوِسُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعَصى فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطانًا رَجِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانَ خازِنَ الجِنانِ، فَسُمِّيَ بِالجانِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرَفِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ يَقُولُ: ( كانَ مِنَ الجِنِّ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصَّلُ الإنْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يَقُولُ: ما أشْهَدْتُ الشَّياطِينَ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمْ مَعِي هَذا ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قالَ: الشَّياطِينُ عَضُدًا، قالَ: ولا اتَّخَذْتُهم عَضُدًا عَلى شَيْءٍ عَضَّدُونِي عَلَيْهِ فَأعانُونِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ يَقُولُ: مُهْلِكًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ في النّارِ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ قالَ: عَلِمُوا.

الكهف 18:48

. وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( تُسَيَّرُ ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الجِبالِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ ( تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الجِبالَ فاعِلٌ. وقَرَأ الباقُونَ ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والجِبالَ مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويُناسِبُ القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويُناسِبُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، واخْتارَ القِراءَةَ الثّالِثَةَ أبُو عُبَيْدَةَ لِأنَّها المُناسِبَةُ لِقَوْلِهِ: ( وحَشَرْناهم ) قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: التَّقْدِيرُ: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ. وقِيلَ: العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ، ومَعْنى تَسْيِيرِ الجِبالِ إزالَتُها مِن أماكِنِها وتَسْيِيرُها كَما تَسِيرُ السَّحابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثُمَّ تَعُودُ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ كَما قالَ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، ومَعْنى بُرُوزِها ظُهُورُها وزَوالُ ما يَسْتُرُها مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والبُنْيانِ، وقِيلَ: المَعْنى بِبُرُوزِها: بُرُوزُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وقالَ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] فَيَكُونُ المَعْنى: وتَرى الأرْضَ بارِزًا ما في جَوْفِها ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: الخَلائِقَ، ومَعْنى الحَشْرِ الجَمْعُ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ: إذا تَرَكَهُ، قالَ عَنْتَرَةُ: ؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَنْدَلِ أيْ: تَرَكْتُهُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّ الغادِرَ تَرَكَ الوَفاءَ لِلْمَغْدُورِ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَ الغَدِيرُ غَدِيرًا؛ لِأنَّ الماءَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنهُ غَدائِرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ انْتِصابُ ( صَفًّا ) عَلى الحالِ أيْ: مَصْفُوفِينَ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ، وقِيلَ: عُرِضُوا صَفًّا واحَدًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أيْ: جَمِيعًا، وقِيلَ: قِيامًا. وفِي الآيَةِ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ الجَيْشِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى السُّلْطانِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، والكافُ في ( كَما خَلَقْناكم ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ أنْ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ كائِنَيْنِ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: حُفاةً عُراةً غُرُلًّا، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بَعَثْناكم وأعَدْناكم كَما خَلَقْناكم، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( لَقَدْ جِئْتُمُونا ) مَعْناهُ: بَعَثْناكم ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ هَذا إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وهو خِطابٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنْ لَنْ تُبْعَثُوا، وأنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا نُجازِيكم بِأعْمالِكم ونُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والعَذابِ. وجُمْلَةُ ( ووُضِعَ الكِتابُ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى عُرِضُوا، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ، وأفْرَدَهُ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والوَضْعُ إمّا حِسِّيٌّ بِأنْ يُوضَعَ صَحِيفَةُ كُلِّ واحِدٍ في يَدِهِ، السَّعِيدُ في يَمِينِهِ، والشَّقِيُّ في شِمالِهِ، أوْ في المِيزانِ. وإمّا عَقْلِيٌّ أيْ: أظْهَرَ عَمَلَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ بِالحِسابِ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا في الكِتابِ المَوْضُوعِ لِما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن الِافْتِضاحِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، والمُجازاةِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا﴾ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ لِوُقُوعِهِمْ في الهَلاكِ، ومَعْنى هَذا النِّداءِ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في المائِدَةِ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ لَهُ، لا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً إلّا حَواها وضَبَطَها وأثْبَتَها ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، أوْ وجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا ﴿حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ أيْ: لا يُعاقِبُ أحَدًا مِن عِبادِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُنْقِصُ فاعِلَ الطّاعَةِ مِن أجْرِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى أرْبابِ الخُيَلاءِ مِن (p-٨٦٤)قُرَيْشٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ واسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمُ: اسْجُدُوا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ( فَسَجَدُوا ) طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ وامْتِثالًا لِطَلَبِهِ السُّجُودَ ( إلّا إبْلِيسَ ) فَإنَّهُ أبى واسْتَكْبَرَ ولَمْ يَسْجُدْ، وجُمْلَةُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ سَبَبِ عِصْيانِهِ، وأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِهَذا عَصى، ومَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِها لِخُرُوجِها مِنهُ. قالَ النَّحّاسُ: اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ المَعْنى: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ الفِسْقِ أمْرَ رَبِّهِ. كَما تَقُولُ: أُطْعِمُهُ عَنْ جُوعٍ. والقَوْلُ الآخَرُ قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّ المَعْنى عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: فَسَقَ عَنْ تَرْكِ أمْرِهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَجَّبَ مِن حالِ مَن أطاعَ إبْلِيسَ في الكُفْرِ والمَعاصِي وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أعُقَيْبَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الإباءِ والفِسْقِ تَتَّخِذُونَهُ وتَتَّخِذُونَ ذُرِّيَّتَهُ أيْ: أوْلادَهُ، وقِيلَ: أتْباعُهُ، مَجازًا ( أوْلِياءَ مِن دُونِي ) فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي، والحالُ أنَّهم، أيْ: إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ( لَكم عَدُوٌّ ) أيْ: أعْداءٌ. وأفْرَدَهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالمَصادِرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ( هُمُ العَدُوُّ ) [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ وتَسْتَبْدِلُونَ بِمَن خَلَقَكم وأنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، بِمَن لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ مَنفَعَةٌ قَطُّ، بَلْ هو عَدُوٌّ لَكم يَتَرَقَّبُ حُصُولَ ما يَضُرُّكم في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُسْتَبْدِلِينَ بِطاعَةِ رَبِّهِمْ طاعَةَ الشَّيْطانِ، فَبِئْسَ ذَلِكَ البَدَلُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوهُ بَدَلًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلشُّرَكاءِ، والمَعْنى: أنَّهم لَوْ كانُوا شُرَكاءَ لِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ لَكانُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ ذَلِكَ مُشارِكِينَ لِي فِيهِ، ولَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ ولا أشْهَدْتُهم إيّاهُ أنا فَلَيْسُوا لِي بِشُرَكاءَ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ المُساوِي عَلى انْتِفاءِ اللّازِمِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ التَمَسُوا طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّهم ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وما اعْتَضَدْتُ بِهِمْ، بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، والأوَّلُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أوْلى لِما يَلْزَمُ في الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ما أشْهَدْناهم ) وقَرَأ الباقُونَ ( ما أشْهَدْتُهم ) ويُؤَيِّدُهُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيًرًا في مَعْنى العَوْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَضُدَ قِوامُ اليَدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُعِينُكَ ونُقَوِّيكَ بِهِ، ويُقالُ: أعَضَدْتُ بِفُلانٍ: إذا اسْتَعَنْتَ بِهِ، وذَكَرَ العَضُدَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، وخَصَّ المُضِلِّينَ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ. والمَعْنى: ما اسْتَعَنْتُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِمْ ولا شاوَرْتُهم وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الشَّياطِينَ أوِ الكافِرِينَ أعْوانًا، ووَحَّدَ العَضُدَ لِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الجَحْدَرِيُّ: ( وما كُنْتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ مُتَّخِذًا لَهم عَضُدًا ولا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ. وفي ( عَضُدَ ) لُغاتٌ ثَمانٍ أفْصَحُها فَتْحُ العَيْنِ وضَمُّ الضّادِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( عُضُدًا ) بِضَمِّ العَيْنِ والضّادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ بِفَتْحِهِما، ولُغَةُ تَمِيمٍ فَتْحُ العَيْنِ وسُكُونُ الضّادِ. ثُمَّ عادَ إلى تَرْهِيبِهِمْ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ: أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُفّارِ تَوْبِيخًا لَهم وتَقْرِيعًا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَنْفَعُونَكم ويَشْفَعُونَ لَكم، وأضافَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ جَرْيًا عَلى ما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ( فَدَعَوْهم ) أيْ: فَعَلُوْا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن دُعاءِ الشُّرَكاءِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذْ ذاكَ أيْ: لَمْ يَقَعْ مِنهم مُجَرَّدُ الِاسْتِجابَةِ لَهم، فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْفَعُوهم أوْ يَدْفَعُوا عَنْهم ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ مَن جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ مَوْبِقًا، ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ اسْمُ وادٍ عَمِيقٍ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ - تَعالى - بَيْنَهم، وعَلى هَذا فَهو اسْمُ مَكانٍ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ حاجِزٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو مَوْبِقٌ. وقالَ الفَرّاءُ: المَوْبِقُ المُهْلِكُ. والمَعْنى: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مُهْلِكًا لَهم في الآخِرَةِ، يُقالُ: وبِقَ يَوْبَقُ فَهو وبَقٌ، هَكَذا ذَكَرَهُ الفَرّاءُ في المَصادِرِ. وحَكى الكِسائِيُّ وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا فَهو وابِقٌ، والمُرادُ بِالمُهْلِكِ عَلى هَذا هو عَذابُ النّارِ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما زَعَمُوا أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرَ والمَسِيحَ، فالمَوْبِقُ هو المَكانُ الحائِلُ بَيْنَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَوْبِقُ هُنا المَوْعِدُ لِلْهَلاكِ، وقَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ أوْبَقَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ عَنْ كُلِّ شَنْعاءَ مَوْبِقِ ولَكِنَّ المُناسِبَ لِمَعْنى الآيَةِ هو المَعْنى الأوَّلُ. ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ المُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ الذَّمِّ لَهم بِهَذا الوَصْفِ المُسَجَّلِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ. والمُواقَعَةُ المُخالَطَةُ بِالوُقُوعِ فِيها، وقِيلَ: إنِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ ظَنًّا ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ إلَيْهِ، أوِ انْصِرافًا؛ لِأنَّ النّارَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ الواحِدِيُّ: المَصْرِفُ المَوْضِعُ الَّذِي يُنْصَرَفُ إلَيْهِ. وقالَ القُتَيْبِيُّ، أيْ: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، (p-٨٦٥)وقِيلَ: مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ في الجَمِيعِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ قالَ: لَيْسَ عَلَيْها بِناءٌ ولا شَجَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ الضَّحِكُ. وزادَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ. وأقُولُ: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِصِغَرٍ، وكُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِالكِبَرِ، فَلا يَبْقى مِنَ الذُّنُوبِ شَيْءٌ إلّا أحْصاهُ اللَّهُ وما كانَ مِنَ الذُّنُوبِ مُلْتَبِسًا بَيْنَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، فَذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ قَبِيلَةً يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، فَكانَ إبْلِيسُ مِنهم، وكانَ يُوَسْوِسُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعَصى فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطانًا رَجِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانَ خازِنَ الجِنانِ، فَسُمِّيَ بِالجانِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرَفِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ يَقُولُ: ( كانَ مِنَ الجِنِّ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصَّلُ الإنْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يَقُولُ: ما أشْهَدْتُ الشَّياطِينَ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمْ مَعِي هَذا ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قالَ: الشَّياطِينُ عَضُدًا، قالَ: ولا اتَّخَذْتُهم عَضُدًا عَلى شَيْءٍ عَضَّدُونِي عَلَيْهِ فَأعانُونِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ يَقُولُ: مُهْلِكًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ في النّارِ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ قالَ: عَلِمُوا.

الكهف 18:49

. وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( تُسَيَّرُ ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الجِبالِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ ( تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الجِبالَ فاعِلٌ. وقَرَأ الباقُونَ ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والجِبالَ مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويُناسِبُ القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويُناسِبُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، واخْتارَ القِراءَةَ الثّالِثَةَ أبُو عُبَيْدَةَ لِأنَّها المُناسِبَةُ لِقَوْلِهِ: ( وحَشَرْناهم ) قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: التَّقْدِيرُ: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ. وقِيلَ: العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ، ومَعْنى تَسْيِيرِ الجِبالِ إزالَتُها مِن أماكِنِها وتَسْيِيرُها كَما تَسِيرُ السَّحابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثُمَّ تَعُودُ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ كَما قالَ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، ومَعْنى بُرُوزِها ظُهُورُها وزَوالُ ما يَسْتُرُها مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والبُنْيانِ، وقِيلَ: المَعْنى بِبُرُوزِها: بُرُوزُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وقالَ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] فَيَكُونُ المَعْنى: وتَرى الأرْضَ بارِزًا ما في جَوْفِها ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: الخَلائِقَ، ومَعْنى الحَشْرِ الجَمْعُ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ: إذا تَرَكَهُ، قالَ عَنْتَرَةُ: ؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَنْدَلِ أيْ: تَرَكْتُهُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّ الغادِرَ تَرَكَ الوَفاءَ لِلْمَغْدُورِ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَ الغَدِيرُ غَدِيرًا؛ لِأنَّ الماءَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنهُ غَدائِرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ انْتِصابُ ( صَفًّا ) عَلى الحالِ أيْ: مَصْفُوفِينَ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ، وقِيلَ: عُرِضُوا صَفًّا واحَدًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أيْ: جَمِيعًا، وقِيلَ: قِيامًا. وفِي الآيَةِ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ الجَيْشِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى السُّلْطانِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، والكافُ في ( كَما خَلَقْناكم ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ أنْ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ كائِنَيْنِ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: حُفاةً عُراةً غُرُلًّا، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بَعَثْناكم وأعَدْناكم كَما خَلَقْناكم، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( لَقَدْ جِئْتُمُونا ) مَعْناهُ: بَعَثْناكم ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ هَذا إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وهو خِطابٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنْ لَنْ تُبْعَثُوا، وأنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا نُجازِيكم بِأعْمالِكم ونُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والعَذابِ. وجُمْلَةُ ( ووُضِعَ الكِتابُ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى عُرِضُوا، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ، وأفْرَدَهُ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والوَضْعُ إمّا حِسِّيٌّ بِأنْ يُوضَعَ صَحِيفَةُ كُلِّ واحِدٍ في يَدِهِ، السَّعِيدُ في يَمِينِهِ، والشَّقِيُّ في شِمالِهِ، أوْ في المِيزانِ. وإمّا عَقْلِيٌّ أيْ: أظْهَرَ عَمَلَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ بِالحِسابِ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا في الكِتابِ المَوْضُوعِ لِما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن الِافْتِضاحِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، والمُجازاةِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا﴾ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ لِوُقُوعِهِمْ في الهَلاكِ، ومَعْنى هَذا النِّداءِ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في المائِدَةِ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ لَهُ، لا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً إلّا حَواها وضَبَطَها وأثْبَتَها ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، أوْ وجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا ﴿حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ أيْ: لا يُعاقِبُ أحَدًا مِن عِبادِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُنْقِصُ فاعِلَ الطّاعَةِ مِن أجْرِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى أرْبابِ الخُيَلاءِ مِن (p-٨٦٤)قُرَيْشٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ واسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمُ: اسْجُدُوا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ( فَسَجَدُوا ) طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ وامْتِثالًا لِطَلَبِهِ السُّجُودَ ( إلّا إبْلِيسَ ) فَإنَّهُ أبى واسْتَكْبَرَ ولَمْ يَسْجُدْ، وجُمْلَةُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ سَبَبِ عِصْيانِهِ، وأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِهَذا عَصى، ومَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِها لِخُرُوجِها مِنهُ. قالَ النَّحّاسُ: اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ المَعْنى: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ الفِسْقِ أمْرَ رَبِّهِ. كَما تَقُولُ: أُطْعِمُهُ عَنْ جُوعٍ. والقَوْلُ الآخَرُ قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّ المَعْنى عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: فَسَقَ عَنْ تَرْكِ أمْرِهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَجَّبَ مِن حالِ مَن أطاعَ إبْلِيسَ في الكُفْرِ والمَعاصِي وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أعُقَيْبَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الإباءِ والفِسْقِ تَتَّخِذُونَهُ وتَتَّخِذُونَ ذُرِّيَّتَهُ أيْ: أوْلادَهُ، وقِيلَ: أتْباعُهُ، مَجازًا ( أوْلِياءَ مِن دُونِي ) فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي، والحالُ أنَّهم، أيْ: إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ( لَكم عَدُوٌّ ) أيْ: أعْداءٌ. وأفْرَدَهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالمَصادِرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ( هُمُ العَدُوُّ ) [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ وتَسْتَبْدِلُونَ بِمَن خَلَقَكم وأنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، بِمَن لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ مَنفَعَةٌ قَطُّ، بَلْ هو عَدُوٌّ لَكم يَتَرَقَّبُ حُصُولَ ما يَضُرُّكم في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُسْتَبْدِلِينَ بِطاعَةِ رَبِّهِمْ طاعَةَ الشَّيْطانِ، فَبِئْسَ ذَلِكَ البَدَلُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوهُ بَدَلًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلشُّرَكاءِ، والمَعْنى: أنَّهم لَوْ كانُوا شُرَكاءَ لِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ لَكانُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ ذَلِكَ مُشارِكِينَ لِي فِيهِ، ولَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ ولا أشْهَدْتُهم إيّاهُ أنا فَلَيْسُوا لِي بِشُرَكاءَ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ المُساوِي عَلى انْتِفاءِ اللّازِمِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ التَمَسُوا طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّهم ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وما اعْتَضَدْتُ بِهِمْ، بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، والأوَّلُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أوْلى لِما يَلْزَمُ في الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ما أشْهَدْناهم ) وقَرَأ الباقُونَ ( ما أشْهَدْتُهم ) ويُؤَيِّدُهُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيًرًا في مَعْنى العَوْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَضُدَ قِوامُ اليَدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُعِينُكَ ونُقَوِّيكَ بِهِ، ويُقالُ: أعَضَدْتُ بِفُلانٍ: إذا اسْتَعَنْتَ بِهِ، وذَكَرَ العَضُدَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، وخَصَّ المُضِلِّينَ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ. والمَعْنى: ما اسْتَعَنْتُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِمْ ولا شاوَرْتُهم وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الشَّياطِينَ أوِ الكافِرِينَ أعْوانًا، ووَحَّدَ العَضُدَ لِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الجَحْدَرِيُّ: ( وما كُنْتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ مُتَّخِذًا لَهم عَضُدًا ولا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ. وفي ( عَضُدَ ) لُغاتٌ ثَمانٍ أفْصَحُها فَتْحُ العَيْنِ وضَمُّ الضّادِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( عُضُدًا ) بِضَمِّ العَيْنِ والضّادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ بِفَتْحِهِما، ولُغَةُ تَمِيمٍ فَتْحُ العَيْنِ وسُكُونُ الضّادِ. ثُمَّ عادَ إلى تَرْهِيبِهِمْ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ: أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُفّارِ تَوْبِيخًا لَهم وتَقْرِيعًا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَنْفَعُونَكم ويَشْفَعُونَ لَكم، وأضافَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ جَرْيًا عَلى ما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ( فَدَعَوْهم ) أيْ: فَعَلُوْا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن دُعاءِ الشُّرَكاءِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذْ ذاكَ أيْ: لَمْ يَقَعْ مِنهم مُجَرَّدُ الِاسْتِجابَةِ لَهم، فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْفَعُوهم أوْ يَدْفَعُوا عَنْهم ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ مَن جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ مَوْبِقًا، ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ اسْمُ وادٍ عَمِيقٍ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ - تَعالى - بَيْنَهم، وعَلى هَذا فَهو اسْمُ مَكانٍ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ حاجِزٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو مَوْبِقٌ. وقالَ الفَرّاءُ: المَوْبِقُ المُهْلِكُ. والمَعْنى: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مُهْلِكًا لَهم في الآخِرَةِ، يُقالُ: وبِقَ يَوْبَقُ فَهو وبَقٌ، هَكَذا ذَكَرَهُ الفَرّاءُ في المَصادِرِ. وحَكى الكِسائِيُّ وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا فَهو وابِقٌ، والمُرادُ بِالمُهْلِكِ عَلى هَذا هو عَذابُ النّارِ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما زَعَمُوا أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرَ والمَسِيحَ، فالمَوْبِقُ هو المَكانُ الحائِلُ بَيْنَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَوْبِقُ هُنا المَوْعِدُ لِلْهَلاكِ، وقَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ أوْبَقَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ عَنْ كُلِّ شَنْعاءَ مَوْبِقِ ولَكِنَّ المُناسِبَ لِمَعْنى الآيَةِ هو المَعْنى الأوَّلُ. ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ المُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ الذَّمِّ لَهم بِهَذا الوَصْفِ المُسَجَّلِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ. والمُواقَعَةُ المُخالَطَةُ بِالوُقُوعِ فِيها، وقِيلَ: إنِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ ظَنًّا ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ إلَيْهِ، أوِ انْصِرافًا؛ لِأنَّ النّارَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ الواحِدِيُّ: المَصْرِفُ المَوْضِعُ الَّذِي يُنْصَرَفُ إلَيْهِ. وقالَ القُتَيْبِيُّ، أيْ: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، (p-٨٦٥)وقِيلَ: مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ في الجَمِيعِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ قالَ: لَيْسَ عَلَيْها بِناءٌ ولا شَجَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ الضَّحِكُ. وزادَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ. وأقُولُ: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِصِغَرٍ، وكُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِالكِبَرِ، فَلا يَبْقى مِنَ الذُّنُوبِ شَيْءٌ إلّا أحْصاهُ اللَّهُ وما كانَ مِنَ الذُّنُوبِ مُلْتَبِسًا بَيْنَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، فَذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ قَبِيلَةً يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، فَكانَ إبْلِيسُ مِنهم، وكانَ يُوَسْوِسُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعَصى فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطانًا رَجِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانَ خازِنَ الجِنانِ، فَسُمِّيَ بِالجانِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرَفِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ يَقُولُ: ( كانَ مِنَ الجِنِّ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصَّلُ الإنْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يَقُولُ: ما أشْهَدْتُ الشَّياطِينَ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمْ مَعِي هَذا ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قالَ: الشَّياطِينُ عَضُدًا، قالَ: ولا اتَّخَذْتُهم عَضُدًا عَلى شَيْءٍ عَضَّدُونِي عَلَيْهِ فَأعانُونِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ يَقُولُ: مُهْلِكًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ في النّارِ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ قالَ: عَلِمُوا.

الكهف 18:50

. وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( تُسَيَّرُ ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الجِبالِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ ( تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الجِبالَ فاعِلٌ. وقَرَأ الباقُونَ ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والجِبالَ مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويُناسِبُ القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويُناسِبُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، واخْتارَ القِراءَةَ الثّالِثَةَ أبُو عُبَيْدَةَ لِأنَّها المُناسِبَةُ لِقَوْلِهِ: ( وحَشَرْناهم ) قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: التَّقْدِيرُ: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ. وقِيلَ: العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ، ومَعْنى تَسْيِيرِ الجِبالِ إزالَتُها مِن أماكِنِها وتَسْيِيرُها كَما تَسِيرُ السَّحابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثُمَّ تَعُودُ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ كَما قالَ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، ومَعْنى بُرُوزِها ظُهُورُها وزَوالُ ما يَسْتُرُها مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والبُنْيانِ، وقِيلَ: المَعْنى بِبُرُوزِها: بُرُوزُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وقالَ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] فَيَكُونُ المَعْنى: وتَرى الأرْضَ بارِزًا ما في جَوْفِها ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: الخَلائِقَ، ومَعْنى الحَشْرِ الجَمْعُ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ: إذا تَرَكَهُ، قالَ عَنْتَرَةُ: ؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَنْدَلِ أيْ: تَرَكْتُهُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّ الغادِرَ تَرَكَ الوَفاءَ لِلْمَغْدُورِ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَ الغَدِيرُ غَدِيرًا؛ لِأنَّ الماءَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنهُ غَدائِرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ انْتِصابُ ( صَفًّا ) عَلى الحالِ أيْ: مَصْفُوفِينَ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ، وقِيلَ: عُرِضُوا صَفًّا واحَدًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أيْ: جَمِيعًا، وقِيلَ: قِيامًا. وفِي الآيَةِ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ الجَيْشِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى السُّلْطانِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، والكافُ في ( كَما خَلَقْناكم ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ أنْ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ كائِنَيْنِ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: حُفاةً عُراةً غُرُلًّا، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بَعَثْناكم وأعَدْناكم كَما خَلَقْناكم، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( لَقَدْ جِئْتُمُونا ) مَعْناهُ: بَعَثْناكم ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ هَذا إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وهو خِطابٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنْ لَنْ تُبْعَثُوا، وأنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا نُجازِيكم بِأعْمالِكم ونُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والعَذابِ. وجُمْلَةُ ( ووُضِعَ الكِتابُ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى عُرِضُوا، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ، وأفْرَدَهُ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والوَضْعُ إمّا حِسِّيٌّ بِأنْ يُوضَعَ صَحِيفَةُ كُلِّ واحِدٍ في يَدِهِ، السَّعِيدُ في يَمِينِهِ، والشَّقِيُّ في شِمالِهِ، أوْ في المِيزانِ. وإمّا عَقْلِيٌّ أيْ: أظْهَرَ عَمَلَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ بِالحِسابِ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا في الكِتابِ المَوْضُوعِ لِما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن الِافْتِضاحِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، والمُجازاةِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا﴾ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ لِوُقُوعِهِمْ في الهَلاكِ، ومَعْنى هَذا النِّداءِ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في المائِدَةِ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ لَهُ، لا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً إلّا حَواها وضَبَطَها وأثْبَتَها ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، أوْ وجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا ﴿حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ أيْ: لا يُعاقِبُ أحَدًا مِن عِبادِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُنْقِصُ فاعِلَ الطّاعَةِ مِن أجْرِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى أرْبابِ الخُيَلاءِ مِن (p-٨٦٤)قُرَيْشٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ واسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمُ: اسْجُدُوا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ( فَسَجَدُوا ) طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ وامْتِثالًا لِطَلَبِهِ السُّجُودَ ( إلّا إبْلِيسَ ) فَإنَّهُ أبى واسْتَكْبَرَ ولَمْ يَسْجُدْ، وجُمْلَةُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ سَبَبِ عِصْيانِهِ، وأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِهَذا عَصى، ومَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِها لِخُرُوجِها مِنهُ. قالَ النَّحّاسُ: اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ المَعْنى: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ الفِسْقِ أمْرَ رَبِّهِ. كَما تَقُولُ: أُطْعِمُهُ عَنْ جُوعٍ. والقَوْلُ الآخَرُ قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّ المَعْنى عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: فَسَقَ عَنْ تَرْكِ أمْرِهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَجَّبَ مِن حالِ مَن أطاعَ إبْلِيسَ في الكُفْرِ والمَعاصِي وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أعُقَيْبَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الإباءِ والفِسْقِ تَتَّخِذُونَهُ وتَتَّخِذُونَ ذُرِّيَّتَهُ أيْ: أوْلادَهُ، وقِيلَ: أتْباعُهُ، مَجازًا ( أوْلِياءَ مِن دُونِي ) فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي، والحالُ أنَّهم، أيْ: إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ( لَكم عَدُوٌّ ) أيْ: أعْداءٌ. وأفْرَدَهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالمَصادِرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ( هُمُ العَدُوُّ ) [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ وتَسْتَبْدِلُونَ بِمَن خَلَقَكم وأنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، بِمَن لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ مَنفَعَةٌ قَطُّ، بَلْ هو عَدُوٌّ لَكم يَتَرَقَّبُ حُصُولَ ما يَضُرُّكم في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُسْتَبْدِلِينَ بِطاعَةِ رَبِّهِمْ طاعَةَ الشَّيْطانِ، فَبِئْسَ ذَلِكَ البَدَلُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوهُ بَدَلًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلشُّرَكاءِ، والمَعْنى: أنَّهم لَوْ كانُوا شُرَكاءَ لِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ لَكانُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ ذَلِكَ مُشارِكِينَ لِي فِيهِ، ولَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ ولا أشْهَدْتُهم إيّاهُ أنا فَلَيْسُوا لِي بِشُرَكاءَ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ المُساوِي عَلى انْتِفاءِ اللّازِمِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ التَمَسُوا طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّهم ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وما اعْتَضَدْتُ بِهِمْ، بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، والأوَّلُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أوْلى لِما يَلْزَمُ في الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ما أشْهَدْناهم ) وقَرَأ الباقُونَ ( ما أشْهَدْتُهم ) ويُؤَيِّدُهُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيًرًا في مَعْنى العَوْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَضُدَ قِوامُ اليَدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُعِينُكَ ونُقَوِّيكَ بِهِ، ويُقالُ: أعَضَدْتُ بِفُلانٍ: إذا اسْتَعَنْتَ بِهِ، وذَكَرَ العَضُدَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، وخَصَّ المُضِلِّينَ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ. والمَعْنى: ما اسْتَعَنْتُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِمْ ولا شاوَرْتُهم وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الشَّياطِينَ أوِ الكافِرِينَ أعْوانًا، ووَحَّدَ العَضُدَ لِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الجَحْدَرِيُّ: ( وما كُنْتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ مُتَّخِذًا لَهم عَضُدًا ولا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ. وفي ( عَضُدَ ) لُغاتٌ ثَمانٍ أفْصَحُها فَتْحُ العَيْنِ وضَمُّ الضّادِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( عُضُدًا ) بِضَمِّ العَيْنِ والضّادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ بِفَتْحِهِما، ولُغَةُ تَمِيمٍ فَتْحُ العَيْنِ وسُكُونُ الضّادِ. ثُمَّ عادَ إلى تَرْهِيبِهِمْ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ: أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُفّارِ تَوْبِيخًا لَهم وتَقْرِيعًا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَنْفَعُونَكم ويَشْفَعُونَ لَكم، وأضافَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ جَرْيًا عَلى ما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ( فَدَعَوْهم ) أيْ: فَعَلُوْا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن دُعاءِ الشُّرَكاءِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذْ ذاكَ أيْ: لَمْ يَقَعْ مِنهم مُجَرَّدُ الِاسْتِجابَةِ لَهم، فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْفَعُوهم أوْ يَدْفَعُوا عَنْهم ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ مَن جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ مَوْبِقًا، ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ اسْمُ وادٍ عَمِيقٍ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ - تَعالى - بَيْنَهم، وعَلى هَذا فَهو اسْمُ مَكانٍ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ حاجِزٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو مَوْبِقٌ. وقالَ الفَرّاءُ: المَوْبِقُ المُهْلِكُ. والمَعْنى: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مُهْلِكًا لَهم في الآخِرَةِ، يُقالُ: وبِقَ يَوْبَقُ فَهو وبَقٌ، هَكَذا ذَكَرَهُ الفَرّاءُ في المَصادِرِ. وحَكى الكِسائِيُّ وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا فَهو وابِقٌ، والمُرادُ بِالمُهْلِكِ عَلى هَذا هو عَذابُ النّارِ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما زَعَمُوا أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرَ والمَسِيحَ، فالمَوْبِقُ هو المَكانُ الحائِلُ بَيْنَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَوْبِقُ هُنا المَوْعِدُ لِلْهَلاكِ، وقَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ أوْبَقَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ عَنْ كُلِّ شَنْعاءَ مَوْبِقِ ولَكِنَّ المُناسِبَ لِمَعْنى الآيَةِ هو المَعْنى الأوَّلُ. ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ المُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ الذَّمِّ لَهم بِهَذا الوَصْفِ المُسَجَّلِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ. والمُواقَعَةُ المُخالَطَةُ بِالوُقُوعِ فِيها، وقِيلَ: إنِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ ظَنًّا ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ إلَيْهِ، أوِ انْصِرافًا؛ لِأنَّ النّارَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ الواحِدِيُّ: المَصْرِفُ المَوْضِعُ الَّذِي يُنْصَرَفُ إلَيْهِ. وقالَ القُتَيْبِيُّ، أيْ: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، (p-٨٦٥)وقِيلَ: مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ في الجَمِيعِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ قالَ: لَيْسَ عَلَيْها بِناءٌ ولا شَجَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ الضَّحِكُ. وزادَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ. وأقُولُ: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِصِغَرٍ، وكُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِالكِبَرِ، فَلا يَبْقى مِنَ الذُّنُوبِ شَيْءٌ إلّا أحْصاهُ اللَّهُ وما كانَ مِنَ الذُّنُوبِ مُلْتَبِسًا بَيْنَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، فَذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ قَبِيلَةً يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، فَكانَ إبْلِيسُ مِنهم، وكانَ يُوَسْوِسُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعَصى فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطانًا رَجِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانَ خازِنَ الجِنانِ، فَسُمِّيَ بِالجانِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرَفِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ يَقُولُ: ( كانَ مِنَ الجِنِّ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصَّلُ الإنْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يَقُولُ: ما أشْهَدْتُ الشَّياطِينَ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمْ مَعِي هَذا ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قالَ: الشَّياطِينُ عَضُدًا، قالَ: ولا اتَّخَذْتُهم عَضُدًا عَلى شَيْءٍ عَضَّدُونِي عَلَيْهِ فَأعانُونِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ يَقُولُ: مُهْلِكًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ في النّارِ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ قالَ: عَلِمُوا.

الكهف 18:51

. وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( تُسَيَّرُ ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الجِبالِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ ( تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الجِبالَ فاعِلٌ. وقَرَأ الباقُونَ ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والجِبالَ مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويُناسِبُ القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويُناسِبُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، واخْتارَ القِراءَةَ الثّالِثَةَ أبُو عُبَيْدَةَ لِأنَّها المُناسِبَةُ لِقَوْلِهِ: ( وحَشَرْناهم ) قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: التَّقْدِيرُ: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ. وقِيلَ: العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ، ومَعْنى تَسْيِيرِ الجِبالِ إزالَتُها مِن أماكِنِها وتَسْيِيرُها كَما تَسِيرُ السَّحابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثُمَّ تَعُودُ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ كَما قالَ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، ومَعْنى بُرُوزِها ظُهُورُها وزَوالُ ما يَسْتُرُها مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والبُنْيانِ، وقِيلَ: المَعْنى بِبُرُوزِها: بُرُوزُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وقالَ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] فَيَكُونُ المَعْنى: وتَرى الأرْضَ بارِزًا ما في جَوْفِها ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: الخَلائِقَ، ومَعْنى الحَشْرِ الجَمْعُ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ: إذا تَرَكَهُ، قالَ عَنْتَرَةُ: ؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَنْدَلِ أيْ: تَرَكْتُهُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّ الغادِرَ تَرَكَ الوَفاءَ لِلْمَغْدُورِ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَ الغَدِيرُ غَدِيرًا؛ لِأنَّ الماءَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنهُ غَدائِرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ انْتِصابُ ( صَفًّا ) عَلى الحالِ أيْ: مَصْفُوفِينَ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ، وقِيلَ: عُرِضُوا صَفًّا واحَدًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أيْ: جَمِيعًا، وقِيلَ: قِيامًا. وفِي الآيَةِ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ الجَيْشِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى السُّلْطانِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، والكافُ في ( كَما خَلَقْناكم ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ أنْ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ كائِنَيْنِ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: حُفاةً عُراةً غُرُلًّا، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بَعَثْناكم وأعَدْناكم كَما خَلَقْناكم، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( لَقَدْ جِئْتُمُونا ) مَعْناهُ: بَعَثْناكم ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ هَذا إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وهو خِطابٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنْ لَنْ تُبْعَثُوا، وأنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا نُجازِيكم بِأعْمالِكم ونُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والعَذابِ. وجُمْلَةُ ( ووُضِعَ الكِتابُ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى عُرِضُوا، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ، وأفْرَدَهُ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والوَضْعُ إمّا حِسِّيٌّ بِأنْ يُوضَعَ صَحِيفَةُ كُلِّ واحِدٍ في يَدِهِ، السَّعِيدُ في يَمِينِهِ، والشَّقِيُّ في شِمالِهِ، أوْ في المِيزانِ. وإمّا عَقْلِيٌّ أيْ: أظْهَرَ عَمَلَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ بِالحِسابِ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا في الكِتابِ المَوْضُوعِ لِما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن الِافْتِضاحِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، والمُجازاةِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا﴾ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ لِوُقُوعِهِمْ في الهَلاكِ، ومَعْنى هَذا النِّداءِ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في المائِدَةِ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ لَهُ، لا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً إلّا حَواها وضَبَطَها وأثْبَتَها ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، أوْ وجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا ﴿حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ أيْ: لا يُعاقِبُ أحَدًا مِن عِبادِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُنْقِصُ فاعِلَ الطّاعَةِ مِن أجْرِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى أرْبابِ الخُيَلاءِ مِن (p-٨٦٤)قُرَيْشٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ واسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمُ: اسْجُدُوا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ( فَسَجَدُوا ) طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ وامْتِثالًا لِطَلَبِهِ السُّجُودَ ( إلّا إبْلِيسَ ) فَإنَّهُ أبى واسْتَكْبَرَ ولَمْ يَسْجُدْ، وجُمْلَةُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ سَبَبِ عِصْيانِهِ، وأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِهَذا عَصى، ومَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِها لِخُرُوجِها مِنهُ. قالَ النَّحّاسُ: اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ المَعْنى: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ الفِسْقِ أمْرَ رَبِّهِ. كَما تَقُولُ: أُطْعِمُهُ عَنْ جُوعٍ. والقَوْلُ الآخَرُ قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّ المَعْنى عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: فَسَقَ عَنْ تَرْكِ أمْرِهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَجَّبَ مِن حالِ مَن أطاعَ إبْلِيسَ في الكُفْرِ والمَعاصِي وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أعُقَيْبَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الإباءِ والفِسْقِ تَتَّخِذُونَهُ وتَتَّخِذُونَ ذُرِّيَّتَهُ أيْ: أوْلادَهُ، وقِيلَ: أتْباعُهُ، مَجازًا ( أوْلِياءَ مِن دُونِي ) فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي، والحالُ أنَّهم، أيْ: إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ( لَكم عَدُوٌّ ) أيْ: أعْداءٌ. وأفْرَدَهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالمَصادِرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ( هُمُ العَدُوُّ ) [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ وتَسْتَبْدِلُونَ بِمَن خَلَقَكم وأنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، بِمَن لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ مَنفَعَةٌ قَطُّ، بَلْ هو عَدُوٌّ لَكم يَتَرَقَّبُ حُصُولَ ما يَضُرُّكم في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُسْتَبْدِلِينَ بِطاعَةِ رَبِّهِمْ طاعَةَ الشَّيْطانِ، فَبِئْسَ ذَلِكَ البَدَلُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوهُ بَدَلًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلشُّرَكاءِ، والمَعْنى: أنَّهم لَوْ كانُوا شُرَكاءَ لِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ لَكانُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ ذَلِكَ مُشارِكِينَ لِي فِيهِ، ولَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ ولا أشْهَدْتُهم إيّاهُ أنا فَلَيْسُوا لِي بِشُرَكاءَ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ المُساوِي عَلى انْتِفاءِ اللّازِمِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ التَمَسُوا طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّهم ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وما اعْتَضَدْتُ بِهِمْ، بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، والأوَّلُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أوْلى لِما يَلْزَمُ في الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ما أشْهَدْناهم ) وقَرَأ الباقُونَ ( ما أشْهَدْتُهم ) ويُؤَيِّدُهُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيًرًا في مَعْنى العَوْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَضُدَ قِوامُ اليَدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُعِينُكَ ونُقَوِّيكَ بِهِ، ويُقالُ: أعَضَدْتُ بِفُلانٍ: إذا اسْتَعَنْتَ بِهِ، وذَكَرَ العَضُدَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، وخَصَّ المُضِلِّينَ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ. والمَعْنى: ما اسْتَعَنْتُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِمْ ولا شاوَرْتُهم وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الشَّياطِينَ أوِ الكافِرِينَ أعْوانًا، ووَحَّدَ العَضُدَ لِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الجَحْدَرِيُّ: ( وما كُنْتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ مُتَّخِذًا لَهم عَضُدًا ولا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ. وفي ( عَضُدَ ) لُغاتٌ ثَمانٍ أفْصَحُها فَتْحُ العَيْنِ وضَمُّ الضّادِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( عُضُدًا ) بِضَمِّ العَيْنِ والضّادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ بِفَتْحِهِما، ولُغَةُ تَمِيمٍ فَتْحُ العَيْنِ وسُكُونُ الضّادِ. ثُمَّ عادَ إلى تَرْهِيبِهِمْ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ: أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُفّارِ تَوْبِيخًا لَهم وتَقْرِيعًا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَنْفَعُونَكم ويَشْفَعُونَ لَكم، وأضافَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ جَرْيًا عَلى ما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ( فَدَعَوْهم ) أيْ: فَعَلُوْا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن دُعاءِ الشُّرَكاءِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذْ ذاكَ أيْ: لَمْ يَقَعْ مِنهم مُجَرَّدُ الِاسْتِجابَةِ لَهم، فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْفَعُوهم أوْ يَدْفَعُوا عَنْهم ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ مَن جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ مَوْبِقًا، ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ اسْمُ وادٍ عَمِيقٍ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ - تَعالى - بَيْنَهم، وعَلى هَذا فَهو اسْمُ مَكانٍ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ حاجِزٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو مَوْبِقٌ. وقالَ الفَرّاءُ: المَوْبِقُ المُهْلِكُ. والمَعْنى: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مُهْلِكًا لَهم في الآخِرَةِ، يُقالُ: وبِقَ يَوْبَقُ فَهو وبَقٌ، هَكَذا ذَكَرَهُ الفَرّاءُ في المَصادِرِ. وحَكى الكِسائِيُّ وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا فَهو وابِقٌ، والمُرادُ بِالمُهْلِكِ عَلى هَذا هو عَذابُ النّارِ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما زَعَمُوا أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرَ والمَسِيحَ، فالمَوْبِقُ هو المَكانُ الحائِلُ بَيْنَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَوْبِقُ هُنا المَوْعِدُ لِلْهَلاكِ، وقَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ أوْبَقَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ عَنْ كُلِّ شَنْعاءَ مَوْبِقِ ولَكِنَّ المُناسِبَ لِمَعْنى الآيَةِ هو المَعْنى الأوَّلُ. ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ المُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ الذَّمِّ لَهم بِهَذا الوَصْفِ المُسَجَّلِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ. والمُواقَعَةُ المُخالَطَةُ بِالوُقُوعِ فِيها، وقِيلَ: إنِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ ظَنًّا ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ إلَيْهِ، أوِ انْصِرافًا؛ لِأنَّ النّارَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ الواحِدِيُّ: المَصْرِفُ المَوْضِعُ الَّذِي يُنْصَرَفُ إلَيْهِ. وقالَ القُتَيْبِيُّ، أيْ: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، (p-٨٦٥)وقِيلَ: مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ في الجَمِيعِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ قالَ: لَيْسَ عَلَيْها بِناءٌ ولا شَجَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ الضَّحِكُ. وزادَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ. وأقُولُ: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِصِغَرٍ، وكُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِالكِبَرِ، فَلا يَبْقى مِنَ الذُّنُوبِ شَيْءٌ إلّا أحْصاهُ اللَّهُ وما كانَ مِنَ الذُّنُوبِ مُلْتَبِسًا بَيْنَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، فَذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ قَبِيلَةً يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، فَكانَ إبْلِيسُ مِنهم، وكانَ يُوَسْوِسُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعَصى فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطانًا رَجِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانَ خازِنَ الجِنانِ، فَسُمِّيَ بِالجانِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرَفِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ يَقُولُ: ( كانَ مِنَ الجِنِّ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصَّلُ الإنْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يَقُولُ: ما أشْهَدْتُ الشَّياطِينَ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمْ مَعِي هَذا ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قالَ: الشَّياطِينُ عَضُدًا، قالَ: ولا اتَّخَذْتُهم عَضُدًا عَلى شَيْءٍ عَضَّدُونِي عَلَيْهِ فَأعانُونِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ يَقُولُ: مُهْلِكًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ في النّارِ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ قالَ: عَلِمُوا.

الكهف 18:52

. وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( تُسَيَّرُ ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الجِبالِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ ( تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الجِبالَ فاعِلٌ. وقَرَأ الباقُونَ ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والجِبالَ مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويُناسِبُ القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويُناسِبُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، واخْتارَ القِراءَةَ الثّالِثَةَ أبُو عُبَيْدَةَ لِأنَّها المُناسِبَةُ لِقَوْلِهِ: ( وحَشَرْناهم ) قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: التَّقْدِيرُ: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ. وقِيلَ: العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ، ومَعْنى تَسْيِيرِ الجِبالِ إزالَتُها مِن أماكِنِها وتَسْيِيرُها كَما تَسِيرُ السَّحابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثُمَّ تَعُودُ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ كَما قالَ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، ومَعْنى بُرُوزِها ظُهُورُها وزَوالُ ما يَسْتُرُها مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والبُنْيانِ، وقِيلَ: المَعْنى بِبُرُوزِها: بُرُوزُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وقالَ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] فَيَكُونُ المَعْنى: وتَرى الأرْضَ بارِزًا ما في جَوْفِها ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: الخَلائِقَ، ومَعْنى الحَشْرِ الجَمْعُ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ: إذا تَرَكَهُ، قالَ عَنْتَرَةُ: ؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَنْدَلِ أيْ: تَرَكْتُهُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّ الغادِرَ تَرَكَ الوَفاءَ لِلْمَغْدُورِ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَ الغَدِيرُ غَدِيرًا؛ لِأنَّ الماءَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنهُ غَدائِرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ انْتِصابُ ( صَفًّا ) عَلى الحالِ أيْ: مَصْفُوفِينَ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ، وقِيلَ: عُرِضُوا صَفًّا واحَدًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أيْ: جَمِيعًا، وقِيلَ: قِيامًا. وفِي الآيَةِ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ الجَيْشِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى السُّلْطانِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، والكافُ في ( كَما خَلَقْناكم ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ أنْ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ كائِنَيْنِ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: حُفاةً عُراةً غُرُلًّا، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بَعَثْناكم وأعَدْناكم كَما خَلَقْناكم، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( لَقَدْ جِئْتُمُونا ) مَعْناهُ: بَعَثْناكم ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ هَذا إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وهو خِطابٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنْ لَنْ تُبْعَثُوا، وأنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا نُجازِيكم بِأعْمالِكم ونُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والعَذابِ. وجُمْلَةُ ( ووُضِعَ الكِتابُ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى عُرِضُوا، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ، وأفْرَدَهُ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والوَضْعُ إمّا حِسِّيٌّ بِأنْ يُوضَعَ صَحِيفَةُ كُلِّ واحِدٍ في يَدِهِ، السَّعِيدُ في يَمِينِهِ، والشَّقِيُّ في شِمالِهِ، أوْ في المِيزانِ. وإمّا عَقْلِيٌّ أيْ: أظْهَرَ عَمَلَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ بِالحِسابِ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا في الكِتابِ المَوْضُوعِ لِما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن الِافْتِضاحِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، والمُجازاةِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا﴾ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ لِوُقُوعِهِمْ في الهَلاكِ، ومَعْنى هَذا النِّداءِ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في المائِدَةِ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ لَهُ، لا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً إلّا حَواها وضَبَطَها وأثْبَتَها ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، أوْ وجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا ﴿حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ أيْ: لا يُعاقِبُ أحَدًا مِن عِبادِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُنْقِصُ فاعِلَ الطّاعَةِ مِن أجْرِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى أرْبابِ الخُيَلاءِ مِن (p-٨٦٤)قُرَيْشٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ واسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمُ: اسْجُدُوا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ( فَسَجَدُوا ) طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ وامْتِثالًا لِطَلَبِهِ السُّجُودَ ( إلّا إبْلِيسَ ) فَإنَّهُ أبى واسْتَكْبَرَ ولَمْ يَسْجُدْ، وجُمْلَةُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ سَبَبِ عِصْيانِهِ، وأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِهَذا عَصى، ومَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِها لِخُرُوجِها مِنهُ. قالَ النَّحّاسُ: اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ المَعْنى: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ الفِسْقِ أمْرَ رَبِّهِ. كَما تَقُولُ: أُطْعِمُهُ عَنْ جُوعٍ. والقَوْلُ الآخَرُ قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّ المَعْنى عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: فَسَقَ عَنْ تَرْكِ أمْرِهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَجَّبَ مِن حالِ مَن أطاعَ إبْلِيسَ في الكُفْرِ والمَعاصِي وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أعُقَيْبَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الإباءِ والفِسْقِ تَتَّخِذُونَهُ وتَتَّخِذُونَ ذُرِّيَّتَهُ أيْ: أوْلادَهُ، وقِيلَ: أتْباعُهُ، مَجازًا ( أوْلِياءَ مِن دُونِي ) فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي، والحالُ أنَّهم، أيْ: إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ( لَكم عَدُوٌّ ) أيْ: أعْداءٌ. وأفْرَدَهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالمَصادِرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ( هُمُ العَدُوُّ ) [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ وتَسْتَبْدِلُونَ بِمَن خَلَقَكم وأنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، بِمَن لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ مَنفَعَةٌ قَطُّ، بَلْ هو عَدُوٌّ لَكم يَتَرَقَّبُ حُصُولَ ما يَضُرُّكم في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُسْتَبْدِلِينَ بِطاعَةِ رَبِّهِمْ طاعَةَ الشَّيْطانِ، فَبِئْسَ ذَلِكَ البَدَلُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوهُ بَدَلًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلشُّرَكاءِ، والمَعْنى: أنَّهم لَوْ كانُوا شُرَكاءَ لِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ لَكانُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ ذَلِكَ مُشارِكِينَ لِي فِيهِ، ولَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ ولا أشْهَدْتُهم إيّاهُ أنا فَلَيْسُوا لِي بِشُرَكاءَ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ المُساوِي عَلى انْتِفاءِ اللّازِمِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ التَمَسُوا طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّهم ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وما اعْتَضَدْتُ بِهِمْ، بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، والأوَّلُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أوْلى لِما يَلْزَمُ في الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ما أشْهَدْناهم ) وقَرَأ الباقُونَ ( ما أشْهَدْتُهم ) ويُؤَيِّدُهُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيًرًا في مَعْنى العَوْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَضُدَ قِوامُ اليَدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُعِينُكَ ونُقَوِّيكَ بِهِ، ويُقالُ: أعَضَدْتُ بِفُلانٍ: إذا اسْتَعَنْتَ بِهِ، وذَكَرَ العَضُدَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، وخَصَّ المُضِلِّينَ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ. والمَعْنى: ما اسْتَعَنْتُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِمْ ولا شاوَرْتُهم وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الشَّياطِينَ أوِ الكافِرِينَ أعْوانًا، ووَحَّدَ العَضُدَ لِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الجَحْدَرِيُّ: ( وما كُنْتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ مُتَّخِذًا لَهم عَضُدًا ولا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ. وفي ( عَضُدَ ) لُغاتٌ ثَمانٍ أفْصَحُها فَتْحُ العَيْنِ وضَمُّ الضّادِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( عُضُدًا ) بِضَمِّ العَيْنِ والضّادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ بِفَتْحِهِما، ولُغَةُ تَمِيمٍ فَتْحُ العَيْنِ وسُكُونُ الضّادِ. ثُمَّ عادَ إلى تَرْهِيبِهِمْ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ: أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُفّارِ تَوْبِيخًا لَهم وتَقْرِيعًا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَنْفَعُونَكم ويَشْفَعُونَ لَكم، وأضافَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ جَرْيًا عَلى ما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ( فَدَعَوْهم ) أيْ: فَعَلُوْا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن دُعاءِ الشُّرَكاءِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذْ ذاكَ أيْ: لَمْ يَقَعْ مِنهم مُجَرَّدُ الِاسْتِجابَةِ لَهم، فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْفَعُوهم أوْ يَدْفَعُوا عَنْهم ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ مَن جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ مَوْبِقًا، ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ اسْمُ وادٍ عَمِيقٍ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ - تَعالى - بَيْنَهم، وعَلى هَذا فَهو اسْمُ مَكانٍ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ حاجِزٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو مَوْبِقٌ. وقالَ الفَرّاءُ: المَوْبِقُ المُهْلِكُ. والمَعْنى: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مُهْلِكًا لَهم في الآخِرَةِ، يُقالُ: وبِقَ يَوْبَقُ فَهو وبَقٌ، هَكَذا ذَكَرَهُ الفَرّاءُ في المَصادِرِ. وحَكى الكِسائِيُّ وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا فَهو وابِقٌ، والمُرادُ بِالمُهْلِكِ عَلى هَذا هو عَذابُ النّارِ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما زَعَمُوا أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرَ والمَسِيحَ، فالمَوْبِقُ هو المَكانُ الحائِلُ بَيْنَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَوْبِقُ هُنا المَوْعِدُ لِلْهَلاكِ، وقَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ أوْبَقَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ عَنْ كُلِّ شَنْعاءَ مَوْبِقِ ولَكِنَّ المُناسِبَ لِمَعْنى الآيَةِ هو المَعْنى الأوَّلُ. ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ المُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ الذَّمِّ لَهم بِهَذا الوَصْفِ المُسَجَّلِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ. والمُواقَعَةُ المُخالَطَةُ بِالوُقُوعِ فِيها، وقِيلَ: إنِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ ظَنًّا ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ إلَيْهِ، أوِ انْصِرافًا؛ لِأنَّ النّارَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ الواحِدِيُّ: المَصْرِفُ المَوْضِعُ الَّذِي يُنْصَرَفُ إلَيْهِ. وقالَ القُتَيْبِيُّ، أيْ: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، (p-٨٦٥)وقِيلَ: مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ في الجَمِيعِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ قالَ: لَيْسَ عَلَيْها بِناءٌ ولا شَجَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ الضَّحِكُ. وزادَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ. وأقُولُ: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِصِغَرٍ، وكُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِالكِبَرِ، فَلا يَبْقى مِنَ الذُّنُوبِ شَيْءٌ إلّا أحْصاهُ اللَّهُ وما كانَ مِنَ الذُّنُوبِ مُلْتَبِسًا بَيْنَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، فَذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ قَبِيلَةً يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، فَكانَ إبْلِيسُ مِنهم، وكانَ يُوَسْوِسُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعَصى فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطانًا رَجِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانَ خازِنَ الجِنانِ، فَسُمِّيَ بِالجانِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرَفِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ يَقُولُ: ( كانَ مِنَ الجِنِّ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصَّلُ الإنْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يَقُولُ: ما أشْهَدْتُ الشَّياطِينَ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمْ مَعِي هَذا ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قالَ: الشَّياطِينُ عَضُدًا، قالَ: ولا اتَّخَذْتُهم عَضُدًا عَلى شَيْءٍ عَضَّدُونِي عَلَيْهِ فَأعانُونِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ يَقُولُ: مُهْلِكًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ في النّارِ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ قالَ: عَلِمُوا.

الكهف 18:53

. وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ( تُسَيَّرُ ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ الجِبالِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ ( تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الجِبالَ فاعِلٌ. وقَرَأ الباقُونَ ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، والجِبالَ مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويُناسِبُ القِراءَةَ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣]، ويُناسِبُ القِراءَةَ الثّانِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠]، واخْتارَ القِراءَةَ الثّالِثَةَ أبُو عُبَيْدَةَ لِأنَّها المُناسِبَةُ لِقَوْلِهِ: ( وحَشَرْناهم ) قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: التَّقْدِيرُ: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ. وقِيلَ: العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ، ومَعْنى تَسْيِيرِ الجِبالِ إزالَتُها مِن أماكِنِها وتَسْيِيرُها كَما تَسِيرُ السَّحابُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثُمَّ تَعُودُ إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها اللَّهُ كَما قالَ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥ - ٦]، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ، ومَعْنى بُرُوزِها ظُهُورُها وزَوالُ ما يَسْتُرُها مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والبُنْيانِ، وقِيلَ: المَعْنى بِبُرُوزِها: بُرُوزُ ما فِيها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: ٤]، وقالَ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] فَيَكُونُ المَعْنى: وتَرى الأرْضَ بارِزًا ما في جَوْفِها ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ أيْ: الخَلائِقَ، ومَعْنى الحَشْرِ الجَمْعُ أيْ: جَمَعْناهم إلى المَوْقِفِ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنهم أحَدًا، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ: إذا تَرَكَهُ، قالَ عَنْتَرَةُ: ؎غادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أوْصالُهُ والقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ ومُجَنْدَلِ أيْ: تَرَكْتُهُ، ومِنهُ الغَدْرُ؛ لِأنَّ الغادِرَ تَرَكَ الوَفاءَ لِلْمَغْدُورِ، قالُوا: وإنَّما سُمِّيَ الغَدِيرُ غَدِيرًا؛ لِأنَّ الماءَ ذَهَبَ وتَرَكَهُ، ومِنهُ غَدائِرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها. ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ انْتِصابُ ( صَفًّا ) عَلى الحالِ أيْ: مَصْفُوفِينَ كُلُّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ، وقِيلَ: عُرِضُوا صَفًّا واحَدًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه: ٦٤] أيْ: جَمِيعًا، وقِيلَ: قِيامًا. وفِي الآيَةِ تَشْبِيهُ حالِهِمْ بِحالِ الجَيْشِ الَّذِي يُعْرَضُ عَلى السُّلْطانِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ: قُلْنا لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، والكافُ في ( كَما خَلَقْناكم ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: مَجِيئًا كائِنًا كَمَجِيئِكم عِنْدَ أنْ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ، أوْ كائِنَيْنِ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: حُفاةً عُراةً غُرُلًّا، كَما ورَدَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: بَعَثْناكم وأعَدْناكم كَما خَلَقْناكم، لِأنَّ قَوْلَهُ: ( لَقَدْ جِئْتُمُونا ) مَعْناهُ: بَعَثْناكم ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ هَذا إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وهو خِطابٌ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أيْ: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا أنْ لَنْ تُبْعَثُوا، وأنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا نُجازِيكم بِأعْمالِكم ونُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ مِنَ البَعْثِ والعَذابِ. وجُمْلَةُ ( ووُضِعَ الكِتابُ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى عُرِضُوا، والمُرادُ بِالكِتابِ صَحائِفُ الأعْمالِ، وأفْرَدَهُ لِكَوْنِ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والوَضْعُ إمّا حِسِّيٌّ بِأنْ يُوضَعَ صَحِيفَةُ كُلِّ واحِدٍ في يَدِهِ، السَّعِيدُ في يَمِينِهِ، والشَّقِيُّ في شِمالِهِ، أوْ في المِيزانِ. وإمّا عَقْلِيٌّ أيْ: أظْهَرَ عَمَلَ كُلِّ واحِدٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ بِالحِسابِ الكائِنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ: خائِفِينَ وجِلِينَ مِمّا في الكِتابِ المَوْضُوعِ لِما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن الِافْتِضاحِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، والمُجازاةِ بِالعَذابِ الألِيمِ ﴿ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا﴾ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ لِوُقُوعِهِمْ في الهَلاكِ، ومَعْنى هَذا النِّداءِ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في المائِدَةِ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ لَهُ، لا يَتْرُكُ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً إلّا حَواها وضَبَطَها وأثْبَتَها ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَةِ، أوْ وجَدُوا جَزاءَ ما عَمِلُوا ﴿حاضِرًا﴾ مَكْتُوبًا مُثْبَتًا ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ أيْ: لا يُعاقِبُ أحَدًا مِن عِبادِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ولا يُنْقِصُ فاعِلَ الطّاعَةِ مِن أجْرِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عادَ إلى الرَّدِّ عَلى أرْبابِ الخُيَلاءِ مِن (p-٨٦٤)قُرَيْشٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ واسْتِكْبارَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهُمُ: اسْجُدُوا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وتَكْرِيمٍ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ ( فَسَجَدُوا ) طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ وامْتِثالًا لِطَلَبِهِ السُّجُودَ ( إلّا إبْلِيسَ ) فَإنَّهُ أبى واسْتَكْبَرَ ولَمْ يَسْجُدْ، وجُمْلَةُ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ سَبَبِ عِصْيانِهِ، وأنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَلِهَذا عَصى، ومَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أنَّهُ خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِها لِخُرُوجِها مِنهُ. قالَ النَّحّاسُ: اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّ المَعْنى: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ الفِسْقِ أمْرَ رَبِّهِ. كَما تَقُولُ: أُطْعِمُهُ عَنْ جُوعٍ. والقَوْلُ الآخَرُ قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّ المَعْنى عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: فَسَقَ عَنْ تَرْكِ أمْرِهِ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَجَّبَ مِن حالِ مَن أطاعَ إبْلِيسَ في الكُفْرِ والمَعاصِي وخالَفَ أمْرَ اللَّهِ فَقالَ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أعُقَيْبَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ الإباءِ والفِسْقِ تَتَّخِذُونَهُ وتَتَّخِذُونَ ذُرِّيَّتَهُ أيْ: أوْلادَهُ، وقِيلَ: أتْباعُهُ، مَجازًا ( أوْلِياءَ مِن دُونِي ) فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي، والحالُ أنَّهم، أيْ: إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ( لَكم عَدُوٌّ ) أيْ: أعْداءٌ. وأفْرَدَهُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالمَصادِرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، وقَوْلِهِ: ( هُمُ العَدُوُّ ) [المنافقون: ٤] أيْ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ هَذا الصُّنْعَ وتَسْتَبْدِلُونَ بِمَن خَلَقَكم وأنْعَمَ عَلَيْكم بِجَمِيعِ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، بِمَن لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ مَنفَعَةٌ قَطُّ، بَلْ هو عَدُوٌّ لَكم يَتَرَقَّبُ حُصُولَ ما يَضُرُّكم في كُلِّ وقْتٍ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ: الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ المُسْتَبْدِلِينَ بِطاعَةِ رَبِّهِمْ طاعَةَ الشَّيْطانِ، فَبِئْسَ ذَلِكَ البَدَلُ الَّذِي اسْتَبْدَلُوهُ بَدَلًا عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الضَّمِيرَ لِلشُّرَكاءِ، والمَعْنى: أنَّهم لَوْ كانُوا شُرَكاءَ لِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ لَكانُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ ذَلِكَ مُشارِكِينَ لِي فِيهِ، ولَمْ يُشاهِدُوا ذَلِكَ ولا أشْهَدْتُهم إيّاهُ أنا فَلَيْسُوا لِي بِشُرَكاءَ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِانْتِفاءِ المَلْزُومِ المُساوِي عَلى انْتِفاءِ اللّازِمِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ التَمَسُوا طَرْدَ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ أنَّهم ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ أنِّي ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وما اعْتَضَدْتُ بِهِمْ، بَلْ هم كَسائِرِ الخَلْقِ، وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ جاهِلُونَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ خَلْقَ العالَمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهم أنْ يَحْكُمُوا بِحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، والأوَّلُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أوْلى لِما يَلْزَمُ في الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ مِن تَفْكِيكِ الضَّمِيرَيْنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( ما أشْهَدْناهم ) وقَرَأ الباقُونَ ( ما أشْهَدْتُهم ) ويُؤَيِّدُهُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيًرًا في مَعْنى العَوْنِ، وذَلِكَ أنَّ العَضُدَ قِوامُ اليَدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥] أيْ: سَنُعِينُكَ ونُقَوِّيكَ بِهِ، ويُقالُ: أعَضَدْتُ بِفُلانٍ: إذا اسْتَعَنْتَ بِهِ، وذَكَرَ العَضُدَ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، وخَصَّ المُضِلِّينَ بِالذِّكْرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ والتَّوْبِيخِ. والمَعْنى: ما اسْتَعَنْتُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِمْ ولا شاوَرْتُهم وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الشَّياطِينَ أوِ الكافِرِينَ أعْوانًا، ووَحَّدَ العَضُدَ لِمُوافَقَةِ الفَواصِلِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الجَحْدَرِيُّ: ( وما كُنْتَ ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ مُتَّخِذًا لَهم عَضُدًا ولا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ. وفي ( عَضُدَ ) لُغاتٌ ثَمانٍ أفْصَحُها فَتْحُ العَيْنِ وضَمُّ الضّادِ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( عُضُدًا ) بِضَمِّ العَيْنِ والضّادِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى ابْنُ عُمَرَ بِفَتْحِهِما، ولُغَةُ تَمِيمٍ فَتْحُ العَيْنِ وسُكُونُ الضّادِ. ثُمَّ عادَ إلى تَرْهِيبِهِمْ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( نَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ: أيِ اذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُفّارِ تَوْبِيخًا لَهم وتَقْرِيعًا: نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم يَنْفَعُونَكم ويَشْفَعُونَ لَكم، وأضافَهم سُبْحانَهُ إلى نَفْسِهِ جَرْيًا عَلى ما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، ( فَدَعَوْهم ) أيْ: فَعَلُوْا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن دُعاءِ الشُّرَكاءِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ إذْ ذاكَ أيْ: لَمْ يَقَعْ مِنهم مُجَرَّدُ الِاسْتِجابَةِ لَهم، فَضْلًا عَنْ أنْ يَنْفَعُوهم أوْ يَدْفَعُوا عَنْهم ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ أيْ: جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ مَن جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ مَوْبِقًا، ذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ اسْمُ وادٍ عَمِيقٍ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ - تَعالى - بَيْنَهم، وعَلى هَذا فَهو اسْمُ مَكانٍ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كُلُّ حاجِزٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَهو مَوْبِقٌ. وقالَ الفَرّاءُ: المَوْبِقُ المُهْلِكُ. والمَعْنى: جَعَلْنا تَواصُلَهم في الدُّنْيا مُهْلِكًا لَهم في الآخِرَةِ، يُقالُ: وبِقَ يَوْبَقُ فَهو وبَقٌ، هَكَذا ذَكَرَهُ الفَرّاءُ في المَصادِرِ. وحَكى الكِسائِيُّ وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا فَهو وابِقٌ، والمُرادُ بِالمُهْلِكِ عَلى هَذا هو عَذابُ النّارِ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ. والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما زَعَمُوا أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ المَلائِكَةَ وعُزَيْرَ والمَسِيحَ، فالمَوْبِقُ هو المَكانُ الحائِلُ بَيْنَهم. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَوْبِقُ هُنا المَوْعِدُ لِلْهَلاكِ، وقَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ أوْبَقَهُ بِمَعْنى أهْلَكَهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎ومَن يَشْتَرِي حُسْنَ الثَّناءِ بِمالِهِ ∗∗∗ يَصُنْ عِرْضَهُ عَنْ كُلِّ شَنْعاءَ مَوْبِقِ ولَكِنَّ المُناسِبَ لِمَعْنى الآيَةِ هو المَعْنى الأوَّلُ. ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ المُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى زِيادَةِ الذَّمِّ لَهم بِهَذا الوَصْفِ المُسَجَّلِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ. والمُواقَعَةُ المُخالَطَةُ بِالوُقُوعِ فِيها، وقِيلَ: إنِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَيَظُنُّونَ ذَلِكَ ظَنًّا ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ: مَعْدِلًا يَعْدِلُونَ إلَيْهِ، أوِ انْصِرافًا؛ لِأنَّ النّارَ قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ. قالَ الواحِدِيُّ: المَصْرِفُ المَوْضِعُ الَّذِي يُنْصَرَفُ إلَيْهِ. وقالَ القُتَيْبِيُّ، أيْ: مَعْدِلًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، (p-٨٦٥)وقِيلَ: مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ في الجَمِيعِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ قالَ: لَيْسَ عَلَيْها بِناءٌ ولا شَجَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ الضَّحِكُ. وزادَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمُ بِالِاسْتِهْزاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ. وأقُولُ: صَغِيرَةٌ وكَبِيرَةٌ نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ كُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِصِغَرٍ، وكُلُّ ذَنْبٍ يَتَّصِفُ بِالكِبَرِ، فَلا يَبْقى مِنَ الذُّنُوبِ شَيْءٌ إلّا أحْصاهُ اللَّهُ وما كانَ مِنَ الذُّنُوبِ مُلْتَبِسًا بَيْنَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا، فَذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى العِبادِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ قَبِيلَةً يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، فَكانَ إبْلِيسُ مِنهم، وكانَ يُوَسْوِسُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَعَصى فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطانًا رَجِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ﴾ قالَ: كانَ خازِنَ الجِنانِ، فَسُمِّيَ بِالجانِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرَفِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ يَقُولُ: ( كانَ مِنَ الجِنِّ ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما كانَ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، إنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصَّلُ الإنْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: يَقُولُ: ما أشْهَدْتُ الشَّياطِينَ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمْ مَعِي هَذا ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قالَ: الشَّياطِينُ عَضُدًا، قالَ: ولا اتَّخَذْتُهم عَضُدًا عَلى شَيْءٍ عَضَّدُونِي عَلَيْهِ فَأعانُونِي. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ يَقُولُ: مُهْلِكًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ في النّارِ فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ قالَ: عَلِمُوا.

الكهف 18:54

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِخارَ الكَفَرَةِ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِأمْوالِهِمْ وعَشائِرِهِمْ وأجابَهم عَنْ ذَلِكَ وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثِلَةَ الواضِحَةَ، حَكى بَعْضَ أهْوالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ ) أيْ: كَرَّرْنا ورَدَّدْنا ﴿فِي هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِرِعايَةِ مَصْلَحَتِهِمْ ومَنفَعَتِهِمْ مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْثالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الكُفّارُ ما هم فِيهِ مِنَ الجِدالِ بِالباطِلِ، خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكافِرُ، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الكافِرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ في الآيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، والظّاهِرُ العُمُومُ وأنَّ هَذا النَّوْعَ أكْثَرُ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجِدالُ جَدَلًا، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَرَقَهُ وفاطِمَةَ لَيْلًا، فَقالَ: ألا تُصَلِّيانِ ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا. فانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ ولَمْ يُرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَضْرِبُ فَخْذَهُ ويَقُولُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾» وانْتِصابُ ( جَدَلًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرْنا أنَّ ( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ، والثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والهُدى القُرْآنُ ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والنّاسُ هُنا هم أهْلُ مَكَّةَ، والمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إلّا طَلَبُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، أوِ انْتِظارُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، وزادَ الِاسْتِغْفارَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ هُنا ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها جِدالُهم بِالباطِلِ، و( ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ) هو أنَّهم إذا لَمْ يُؤْمِنُوا عُذِّبُوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ. قالَ الزَّجّاجُ: سُنَّتُهُمُ هو قَوْلُهم: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الآخِرَةِ ( قُبُلًا ) قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُبُلًا جَمْعُ قَبِيْلٍ أيْ: مُتَفَرِّقًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: عِيانًا، وقِيلَ: فَجْأةً. ويُناسِبُ ما قالَهُ الفَرّاءُ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ وخَلَفٍ ( قُبُلًا ) بِضَمَّتَيْنِ فَإنَّهُ جَمْعُ قَبَيْلٍ، نَحْوُ سَبِيلٍ وسُبُلٍ، والمُرادُ أصْنافُ العَذابِ، ويُناسِبُ التَّفْسِيرَ الثّانِيَ أيْ: عِيانًا، (p-٨٦٦)قِراءَةُ الباقِينَ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: مُقابَلَةً ومُعايَنَةً، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى مَعْنى أوْ يَأْتِيهِمُ العَذابُ مُسْتَقْبَلًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. فَحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الدُّنْيا المُسْتَأْصِلِ لَهم، أوْ عِنْدَ إتْيانِ أصْنافِ عَذابِ الآخِرَةِ أوْ مُعايَنَتِهِ. ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ مِن رُسُلِنا إلى الأُمَمِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنْذِرِينَ لِلْكافِرِينَ، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا بِالجِدالِ بِالباطِلِ الحَقَّ ويُبْطِلُوهُ وأصْلُ الدَّحْضِ الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُهُ أيْ: زَلِقَتْ تَدْحَضُ دَحْضًا، ودَحَضَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ: زالَتْ، ودَحَضَتْ حُجَّتُهُ دُحُوضًا: بَطَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ: أبا مُنْذِرٍ ؎رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ ومِن مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِالباطِلِ قَوْلُهم لِلرُّسُلِ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] ونَحْوَ ذَلِكَ. ( ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ ) أيْ: القُرْآنَ ( ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ ) بِهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ ( هُزُوًا ) أيْ: لَعِبًا وباطِلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ وُعِظَ بِآياتِ رَبِّهِ التَّنْزِيلِيَّةِ أوِ التَّكْوِينِيَّةِ أوْ مَجْمُوعِهِما فَتَهاوَنَ بِها وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِها، ولَمْ يَتَدَبَّرْها حَقَّ التَّدَبُّرِ ويَتَفَكَّرْ فِيها حَقَّ التَّفَكُّرِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلَمْ يَتُبْ عَنْها. قِيلَ والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: أغْطِيَةً، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا في آذانِهِمْ ثِقَلًا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ. ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، وصاحِبُ الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَلَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الكُفْرُ والمُجادَلَةُ والإعْراضُ ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ ( بَلْ ) جُعِلَ ( ﴿لَهم مَوْعِدٌ﴾ ) أيْ: أجَلٌ مُقَدَّرٌ لِعَذابِهِمْ، قِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ: مَلْجَأً يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَنجًا، وقِيلَ: مَحِيصًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا وألَتْ نَفْسُكِ خَلِيَّتِها ∗∗∗ لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ وقالَ الأعْشى: ؎وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثَمَّ ما يَئِلُ أيْ: ما يَنْجُو. ( ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ ) أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودٍ وأمْثالُها ( أهْلَكْناهم ) هَذا خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ والقُرى صِفَتُهُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أهْلُ القُرى أهْلَكْناهم ( ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ ) أيْ: وقْتَ وُقُوعِ الظُّلْمِ مِنهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا، وقَرَأ عاصِمٌ ( مَهْلَكِهِمْ ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وهو مَصْدَرُ هَلَكَ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ كَسْرَ اللّامِ وفَتْحَ المِيمِ، وبِذَلِكَ قَرَأ حَفْصٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( مَهْلِكٌ ) اسْمٌ لِلزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: لِوَقْتِ مَهْلِكِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ( قُبُلًا ) قالَ: جَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فَجْأةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ قالَ: نَسِيَ ما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ الكَثِيرَةِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( ﴿بِما كَسَبُوا﴾ ) يَقُولُ: بِما عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ قالَ: المَوْعِدُ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَلْجَأً، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَحْرَزًا.

الكهف 18:55

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِخارَ الكَفَرَةِ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِأمْوالِهِمْ وعَشائِرِهِمْ وأجابَهم عَنْ ذَلِكَ وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثِلَةَ الواضِحَةَ، حَكى بَعْضَ أهْوالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ ) أيْ: كَرَّرْنا ورَدَّدْنا ﴿فِي هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِرِعايَةِ مَصْلَحَتِهِمْ ومَنفَعَتِهِمْ مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْثالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الكُفّارُ ما هم فِيهِ مِنَ الجِدالِ بِالباطِلِ، خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكافِرُ، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الكافِرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ في الآيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، والظّاهِرُ العُمُومُ وأنَّ هَذا النَّوْعَ أكْثَرُ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجِدالُ جَدَلًا، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَرَقَهُ وفاطِمَةَ لَيْلًا، فَقالَ: ألا تُصَلِّيانِ ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا. فانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ ولَمْ يُرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَضْرِبُ فَخْذَهُ ويَقُولُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾» وانْتِصابُ ( جَدَلًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرْنا أنَّ ( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ، والثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والهُدى القُرْآنُ ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والنّاسُ هُنا هم أهْلُ مَكَّةَ، والمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إلّا طَلَبُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، أوِ انْتِظارُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، وزادَ الِاسْتِغْفارَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ هُنا ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها جِدالُهم بِالباطِلِ، و( ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ) هو أنَّهم إذا لَمْ يُؤْمِنُوا عُذِّبُوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ. قالَ الزَّجّاجُ: سُنَّتُهُمُ هو قَوْلُهم: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الآخِرَةِ ( قُبُلًا ) قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُبُلًا جَمْعُ قَبِيْلٍ أيْ: مُتَفَرِّقًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: عِيانًا، وقِيلَ: فَجْأةً. ويُناسِبُ ما قالَهُ الفَرّاءُ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ وخَلَفٍ ( قُبُلًا ) بِضَمَّتَيْنِ فَإنَّهُ جَمْعُ قَبَيْلٍ، نَحْوُ سَبِيلٍ وسُبُلٍ، والمُرادُ أصْنافُ العَذابِ، ويُناسِبُ التَّفْسِيرَ الثّانِيَ أيْ: عِيانًا، (p-٨٦٦)قِراءَةُ الباقِينَ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: مُقابَلَةً ومُعايَنَةً، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى مَعْنى أوْ يَأْتِيهِمُ العَذابُ مُسْتَقْبَلًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. فَحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الدُّنْيا المُسْتَأْصِلِ لَهم، أوْ عِنْدَ إتْيانِ أصْنافِ عَذابِ الآخِرَةِ أوْ مُعايَنَتِهِ. ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ مِن رُسُلِنا إلى الأُمَمِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنْذِرِينَ لِلْكافِرِينَ، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا بِالجِدالِ بِالباطِلِ الحَقَّ ويُبْطِلُوهُ وأصْلُ الدَّحْضِ الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُهُ أيْ: زَلِقَتْ تَدْحَضُ دَحْضًا، ودَحَضَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ: زالَتْ، ودَحَضَتْ حُجَّتُهُ دُحُوضًا: بَطَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ: أبا مُنْذِرٍ ؎رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ ومِن مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِالباطِلِ قَوْلُهم لِلرُّسُلِ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] ونَحْوَ ذَلِكَ. ( ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ ) أيْ: القُرْآنَ ( ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ ) بِهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ ( هُزُوًا ) أيْ: لَعِبًا وباطِلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ وُعِظَ بِآياتِ رَبِّهِ التَّنْزِيلِيَّةِ أوِ التَّكْوِينِيَّةِ أوْ مَجْمُوعِهِما فَتَهاوَنَ بِها وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِها، ولَمْ يَتَدَبَّرْها حَقَّ التَّدَبُّرِ ويَتَفَكَّرْ فِيها حَقَّ التَّفَكُّرِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلَمْ يَتُبْ عَنْها. قِيلَ والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: أغْطِيَةً، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا في آذانِهِمْ ثِقَلًا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ. ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، وصاحِبُ الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَلَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الكُفْرُ والمُجادَلَةُ والإعْراضُ ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ ( بَلْ ) جُعِلَ ( ﴿لَهم مَوْعِدٌ﴾ ) أيْ: أجَلٌ مُقَدَّرٌ لِعَذابِهِمْ، قِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ: مَلْجَأً يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَنجًا، وقِيلَ: مَحِيصًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا وألَتْ نَفْسُكِ خَلِيَّتِها ∗∗∗ لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ وقالَ الأعْشى: ؎وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثَمَّ ما يَئِلُ أيْ: ما يَنْجُو. ( ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ ) أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودٍ وأمْثالُها ( أهْلَكْناهم ) هَذا خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ والقُرى صِفَتُهُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أهْلُ القُرى أهْلَكْناهم ( ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ ) أيْ: وقْتَ وُقُوعِ الظُّلْمِ مِنهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا، وقَرَأ عاصِمٌ ( مَهْلَكِهِمْ ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وهو مَصْدَرُ هَلَكَ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ كَسْرَ اللّامِ وفَتْحَ المِيمِ، وبِذَلِكَ قَرَأ حَفْصٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( مَهْلِكٌ ) اسْمٌ لِلزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: لِوَقْتِ مَهْلِكِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ( قُبُلًا ) قالَ: جَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فَجْأةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ قالَ: نَسِيَ ما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ الكَثِيرَةِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( ﴿بِما كَسَبُوا﴾ ) يَقُولُ: بِما عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ قالَ: المَوْعِدُ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَلْجَأً، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَحْرَزًا.

الكهف 18:56

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِخارَ الكَفَرَةِ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِأمْوالِهِمْ وعَشائِرِهِمْ وأجابَهم عَنْ ذَلِكَ وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثِلَةَ الواضِحَةَ، حَكى بَعْضَ أهْوالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ ) أيْ: كَرَّرْنا ورَدَّدْنا ﴿فِي هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِرِعايَةِ مَصْلَحَتِهِمْ ومَنفَعَتِهِمْ مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْثالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الكُفّارُ ما هم فِيهِ مِنَ الجِدالِ بِالباطِلِ، خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكافِرُ، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الكافِرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ في الآيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، والظّاهِرُ العُمُومُ وأنَّ هَذا النَّوْعَ أكْثَرُ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجِدالُ جَدَلًا، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَرَقَهُ وفاطِمَةَ لَيْلًا، فَقالَ: ألا تُصَلِّيانِ ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا. فانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ ولَمْ يُرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَضْرِبُ فَخْذَهُ ويَقُولُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾» وانْتِصابُ ( جَدَلًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرْنا أنَّ ( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ، والثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والهُدى القُرْآنُ ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والنّاسُ هُنا هم أهْلُ مَكَّةَ، والمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إلّا طَلَبُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، أوِ انْتِظارُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، وزادَ الِاسْتِغْفارَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ هُنا ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها جِدالُهم بِالباطِلِ، و( ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ) هو أنَّهم إذا لَمْ يُؤْمِنُوا عُذِّبُوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ. قالَ الزَّجّاجُ: سُنَّتُهُمُ هو قَوْلُهم: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الآخِرَةِ ( قُبُلًا ) قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُبُلًا جَمْعُ قَبِيْلٍ أيْ: مُتَفَرِّقًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: عِيانًا، وقِيلَ: فَجْأةً. ويُناسِبُ ما قالَهُ الفَرّاءُ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ وخَلَفٍ ( قُبُلًا ) بِضَمَّتَيْنِ فَإنَّهُ جَمْعُ قَبَيْلٍ، نَحْوُ سَبِيلٍ وسُبُلٍ، والمُرادُ أصْنافُ العَذابِ، ويُناسِبُ التَّفْسِيرَ الثّانِيَ أيْ: عِيانًا، (p-٨٦٦)قِراءَةُ الباقِينَ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: مُقابَلَةً ومُعايَنَةً، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى مَعْنى أوْ يَأْتِيهِمُ العَذابُ مُسْتَقْبَلًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. فَحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الدُّنْيا المُسْتَأْصِلِ لَهم، أوْ عِنْدَ إتْيانِ أصْنافِ عَذابِ الآخِرَةِ أوْ مُعايَنَتِهِ. ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ مِن رُسُلِنا إلى الأُمَمِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنْذِرِينَ لِلْكافِرِينَ، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا بِالجِدالِ بِالباطِلِ الحَقَّ ويُبْطِلُوهُ وأصْلُ الدَّحْضِ الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُهُ أيْ: زَلِقَتْ تَدْحَضُ دَحْضًا، ودَحَضَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ: زالَتْ، ودَحَضَتْ حُجَّتُهُ دُحُوضًا: بَطَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ: أبا مُنْذِرٍ ؎رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ ومِن مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِالباطِلِ قَوْلُهم لِلرُّسُلِ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] ونَحْوَ ذَلِكَ. ( ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ ) أيْ: القُرْآنَ ( ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ ) بِهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ ( هُزُوًا ) أيْ: لَعِبًا وباطِلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ وُعِظَ بِآياتِ رَبِّهِ التَّنْزِيلِيَّةِ أوِ التَّكْوِينِيَّةِ أوْ مَجْمُوعِهِما فَتَهاوَنَ بِها وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِها، ولَمْ يَتَدَبَّرْها حَقَّ التَّدَبُّرِ ويَتَفَكَّرْ فِيها حَقَّ التَّفَكُّرِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلَمْ يَتُبْ عَنْها. قِيلَ والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: أغْطِيَةً، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا في آذانِهِمْ ثِقَلًا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ. ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، وصاحِبُ الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَلَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الكُفْرُ والمُجادَلَةُ والإعْراضُ ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ ( بَلْ ) جُعِلَ ( ﴿لَهم مَوْعِدٌ﴾ ) أيْ: أجَلٌ مُقَدَّرٌ لِعَذابِهِمْ، قِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ: مَلْجَأً يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَنجًا، وقِيلَ: مَحِيصًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا وألَتْ نَفْسُكِ خَلِيَّتِها ∗∗∗ لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ وقالَ الأعْشى: ؎وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثَمَّ ما يَئِلُ أيْ: ما يَنْجُو. ( ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ ) أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودٍ وأمْثالُها ( أهْلَكْناهم ) هَذا خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ والقُرى صِفَتُهُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أهْلُ القُرى أهْلَكْناهم ( ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ ) أيْ: وقْتَ وُقُوعِ الظُّلْمِ مِنهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا، وقَرَأ عاصِمٌ ( مَهْلَكِهِمْ ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وهو مَصْدَرُ هَلَكَ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ كَسْرَ اللّامِ وفَتْحَ المِيمِ، وبِذَلِكَ قَرَأ حَفْصٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( مَهْلِكٌ ) اسْمٌ لِلزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: لِوَقْتِ مَهْلِكِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ( قُبُلًا ) قالَ: جَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فَجْأةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ قالَ: نَسِيَ ما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ الكَثِيرَةِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( ﴿بِما كَسَبُوا﴾ ) يَقُولُ: بِما عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ قالَ: المَوْعِدُ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَلْجَأً، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَحْرَزًا.

الكهف 18:57

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِخارَ الكَفَرَةِ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِأمْوالِهِمْ وعَشائِرِهِمْ وأجابَهم عَنْ ذَلِكَ وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثِلَةَ الواضِحَةَ، حَكى بَعْضَ أهْوالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ ) أيْ: كَرَّرْنا ورَدَّدْنا ﴿فِي هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِرِعايَةِ مَصْلَحَتِهِمْ ومَنفَعَتِهِمْ مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْثالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الكُفّارُ ما هم فِيهِ مِنَ الجِدالِ بِالباطِلِ، خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكافِرُ، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الكافِرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ في الآيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، والظّاهِرُ العُمُومُ وأنَّ هَذا النَّوْعَ أكْثَرُ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجِدالُ جَدَلًا، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَرَقَهُ وفاطِمَةَ لَيْلًا، فَقالَ: ألا تُصَلِّيانِ ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا. فانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ ولَمْ يُرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَضْرِبُ فَخْذَهُ ويَقُولُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾» وانْتِصابُ ( جَدَلًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرْنا أنَّ ( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ، والثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والهُدى القُرْآنُ ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والنّاسُ هُنا هم أهْلُ مَكَّةَ، والمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إلّا طَلَبُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، أوِ انْتِظارُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، وزادَ الِاسْتِغْفارَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ هُنا ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها جِدالُهم بِالباطِلِ، و( ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ) هو أنَّهم إذا لَمْ يُؤْمِنُوا عُذِّبُوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ. قالَ الزَّجّاجُ: سُنَّتُهُمُ هو قَوْلُهم: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الآخِرَةِ ( قُبُلًا ) قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُبُلًا جَمْعُ قَبِيْلٍ أيْ: مُتَفَرِّقًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: عِيانًا، وقِيلَ: فَجْأةً. ويُناسِبُ ما قالَهُ الفَرّاءُ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ وخَلَفٍ ( قُبُلًا ) بِضَمَّتَيْنِ فَإنَّهُ جَمْعُ قَبَيْلٍ، نَحْوُ سَبِيلٍ وسُبُلٍ، والمُرادُ أصْنافُ العَذابِ، ويُناسِبُ التَّفْسِيرَ الثّانِيَ أيْ: عِيانًا، (p-٨٦٦)قِراءَةُ الباقِينَ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: مُقابَلَةً ومُعايَنَةً، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى مَعْنى أوْ يَأْتِيهِمُ العَذابُ مُسْتَقْبَلًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. فَحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الدُّنْيا المُسْتَأْصِلِ لَهم، أوْ عِنْدَ إتْيانِ أصْنافِ عَذابِ الآخِرَةِ أوْ مُعايَنَتِهِ. ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ مِن رُسُلِنا إلى الأُمَمِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنْذِرِينَ لِلْكافِرِينَ، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا بِالجِدالِ بِالباطِلِ الحَقَّ ويُبْطِلُوهُ وأصْلُ الدَّحْضِ الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُهُ أيْ: زَلِقَتْ تَدْحَضُ دَحْضًا، ودَحَضَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ: زالَتْ، ودَحَضَتْ حُجَّتُهُ دُحُوضًا: بَطَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ: أبا مُنْذِرٍ ؎رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ ومِن مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِالباطِلِ قَوْلُهم لِلرُّسُلِ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] ونَحْوَ ذَلِكَ. ( ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ ) أيْ: القُرْآنَ ( ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ ) بِهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ ( هُزُوًا ) أيْ: لَعِبًا وباطِلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ وُعِظَ بِآياتِ رَبِّهِ التَّنْزِيلِيَّةِ أوِ التَّكْوِينِيَّةِ أوْ مَجْمُوعِهِما فَتَهاوَنَ بِها وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِها، ولَمْ يَتَدَبَّرْها حَقَّ التَّدَبُّرِ ويَتَفَكَّرْ فِيها حَقَّ التَّفَكُّرِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلَمْ يَتُبْ عَنْها. قِيلَ والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: أغْطِيَةً، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا في آذانِهِمْ ثِقَلًا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ. ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، وصاحِبُ الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَلَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الكُفْرُ والمُجادَلَةُ والإعْراضُ ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ ( بَلْ ) جُعِلَ ( ﴿لَهم مَوْعِدٌ﴾ ) أيْ: أجَلٌ مُقَدَّرٌ لِعَذابِهِمْ، قِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ: مَلْجَأً يَلْجَأُونَ إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَنجًا، وقِيلَ: مَحِيصًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لا وألَتْ نَفْسُكِ خَلِيَّتِها ∗∗∗ لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ وقالَ الأعْشى: ؎وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثَمَّ ما يَئِلُ أيْ: ما يَنْجُو. ( ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ ) أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودٍ وأمْثالُها ( أهْلَكْناهم ) هَذا خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ والقُرى صِفَتُهُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أهْلُ القُرى أهْلَكْناهم ( ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ ) أيْ: وقْتَ وُقُوعِ الظُّلْمِ مِنهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا، وقَرَأ عاصِمٌ ( مَهْلَكِهِمْ ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وهو مَصْدَرُ هَلَكَ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ كَسْرَ اللّامِ وفَتْحَ المِيمِ، وبِذَلِكَ قَرَأ حَفْصٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( مَهْلِكٌ ) اسْمٌ لِلزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: لِوَقْتِ مَهْلِكِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ( قُبُلًا ) قالَ: جَهارًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فَجْأةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ قالَ: نَسِيَ ما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ الكَثِيرَةِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( ﴿بِما كَسَبُوا﴾ ) يَقُولُ: بِما عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ قالَ: المَوْعِدُ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَلْجَأً، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَحْرَزًا.