Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الكهف 18:58 – الكهف 18:80
المحتويات
الكهف 18:58
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِخارَ الكَفَرَةِ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِأمْوالِهِمْ وعَشائِرِهِمْ وأجابَهم عَنْ ذَلِكَ وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثِلَةَ الواضِحَةَ، حَكى بَعْضَ أهْوالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ ) أيْ: كَرَّرْنا ورَدَّدْنا ﴿فِي هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِرِعايَةِ مَصْلَحَتِهِمْ ومَنفَعَتِهِمْ مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْثالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الكُفّارُ ما هم فِيهِ مِنَ الجِدالِ بِالباطِلِ، خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكافِرُ، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الكافِرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ في الآيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، والظّاهِرُ العُمُومُ وأنَّ هَذا النَّوْعَ أكْثَرُ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجِدالُ جَدَلًا، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَرَقَهُ وفاطِمَةَ لَيْلًا، فَقالَ: ألا تُصَلِّيانِ ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا. فانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ ولَمْ يُرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَضْرِبُ فَخْذَهُ ويَقُولُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾» وانْتِصابُ ( جَدَلًا ) عَلى التَّمْيِيزِ.
﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرْنا أنَّ ( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ، والثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والهُدى القُرْآنُ ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والنّاسُ هُنا هم أهْلُ مَكَّةَ، والمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إلّا طَلَبُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، أوِ انْتِظارُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، وزادَ الِاسْتِغْفارَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ هُنا ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها جِدالُهم بِالباطِلِ، و( ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ) هو أنَّهم إذا لَمْ يُؤْمِنُوا عُذِّبُوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُنَّتُهُمُ هو قَوْلُهم: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الآخِرَةِ ( قُبُلًا ) قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُبُلًا جَمْعُ قَبِيْلٍ أيْ: مُتَفَرِّقًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: عِيانًا، وقِيلَ: فَجْأةً.
ويُناسِبُ ما قالَهُ الفَرّاءُ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ وخَلَفٍ ( قُبُلًا ) بِضَمَّتَيْنِ فَإنَّهُ جَمْعُ قَبَيْلٍ، نَحْوُ سَبِيلٍ وسُبُلٍ، والمُرادُ أصْنافُ العَذابِ، ويُناسِبُ التَّفْسِيرَ الثّانِيَ أيْ: عِيانًا، (p-٨٦٦)قِراءَةُ الباقِينَ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: مُقابَلَةً ومُعايَنَةً، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى مَعْنى أوْ يَأْتِيهِمُ العَذابُ مُسْتَقْبَلًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ.
فَحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الدُّنْيا المُسْتَأْصِلِ لَهم، أوْ عِنْدَ إتْيانِ أصْنافِ عَذابِ الآخِرَةِ أوْ مُعايَنَتِهِ.
﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ مِن رُسُلِنا إلى الأُمَمِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنْذِرِينَ لِلْكافِرِينَ، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا بِالجِدالِ بِالباطِلِ الحَقَّ ويُبْطِلُوهُ وأصْلُ الدَّحْضِ الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُهُ أيْ: زَلِقَتْ تَدْحَضُ دَحْضًا، ودَحَضَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ: زالَتْ، ودَحَضَتْ حُجَّتُهُ دُحُوضًا: بَطَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ: أبا مُنْذِرٍ
؎رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ
ومِن مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِالباطِلِ قَوْلُهم لِلرُّسُلِ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] ونَحْوَ ذَلِكَ.
( ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ ) أيْ: القُرْآنَ ( ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ ) بِهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ ( هُزُوًا ) أيْ: لَعِبًا وباطِلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ وُعِظَ بِآياتِ رَبِّهِ التَّنْزِيلِيَّةِ أوِ التَّكْوِينِيَّةِ أوْ مَجْمُوعِهِما فَتَهاوَنَ بِها وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِها، ولَمْ يَتَدَبَّرْها حَقَّ التَّدَبُّرِ ويَتَفَكَّرْ فِيها حَقَّ التَّفَكُّرِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلَمْ يَتُبْ عَنْها.
قِيلَ والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: أغْطِيَةً، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا في آذانِهِمْ ثِقَلًا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.
﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، وصاحِبُ الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَلَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الكُفْرُ والمُجادَلَةُ والإعْراضُ ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ ( بَلْ ) جُعِلَ ( ﴿لَهم مَوْعِدٌ﴾ ) أيْ: أجَلٌ مُقَدَّرٌ لِعَذابِهِمْ، قِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ: مَلْجَأً يَلْجَأُونَ إلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَنجًا، وقِيلَ: مَحِيصًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا وألَتْ نَفْسُكِ خَلِيَّتِها ∗∗∗ لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ
وقالَ الأعْشى:
؎وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثَمَّ ما يَئِلُ
أيْ: ما يَنْجُو. ( ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ ) أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودٍ وأمْثالُها ( أهْلَكْناهم ) هَذا خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ والقُرى صِفَتُهُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أهْلُ القُرى أهْلَكْناهم ( ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ ) أيْ: وقْتَ وُقُوعِ الظُّلْمِ مِنهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا، وقَرَأ عاصِمٌ ( مَهْلَكِهِمْ ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وهو مَصْدَرُ هَلَكَ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ كَسْرَ اللّامِ وفَتْحَ المِيمِ، وبِذَلِكَ قَرَأ حَفْصٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ( مَهْلِكٌ ) اسْمٌ لِلزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: لِوَقْتِ مَهْلِكِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ( قُبُلًا ) قالَ: جَهارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فَجْأةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ قالَ: نَسِيَ ما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ الكَثِيرَةِ.
وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( ﴿بِما كَسَبُوا﴾ ) يَقُولُ: بِما عَمِلُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ قالَ: المَوْعِدُ يَوْمُ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَلْجَأً، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَحْرَزًا.
الكهف 18:59
.
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ افْتِخارَ الكَفَرَةِ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِأمْوالِهِمْ وعَشائِرِهِمْ وأجابَهم عَنْ ذَلِكَ وضَرَبَ لَهُمُ الأمْثِلَةَ الواضِحَةَ، حَكى بَعْضَ أهْوالِ الآخِرَةِ فَقالَ: ( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ ) أيْ: كَرَّرْنا ورَدَّدْنا ﴿فِي هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ ولِرِعايَةِ مَصْلَحَتِهِمْ ومَنفَعَتِهِمْ مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْثالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الكُفّارُ ما هم فِيهِ مِنَ الجِدالِ بِالباطِلِ، خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِالإنْسانِ الكافِرُ، واسْتَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الكافِرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ في الآيَةِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، والظّاهِرُ العُمُومُ وأنَّ هَذا النَّوْعَ أكْثَرُ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجِدالُ جَدَلًا، ويُؤَيِّدُ هَذا ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - طَرَقَهُ وفاطِمَةَ لَيْلًا، فَقالَ: ألا تُصَلِّيانِ ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا. فانْصَرَفَ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ ولَمْ يُرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَضْرِبُ فَخْذَهُ ويَقُولُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾» وانْتِصابُ ( جَدَلًا ) عَلى التَّمْيِيزِ.
﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرْنا أنَّ ( أنْ ) الأُولى في مَحَلِّ نَصْبٍ، والثّانِيَةَ في مَحَلِّ رَفْعٍ، والهُدى القُرْآنُ ومُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والنّاسُ هُنا هم أهْلُ مَكَّةَ، والمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: ما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ إلّا طَلَبُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، أوِ انْتِظارُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، وزادَ الِاسْتِغْفارَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ هُنا ما فَرَطَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها جِدالُهم بِالباطِلِ، و( ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ ) هو أنَّهم إذا لَمْ يُؤْمِنُوا عُذِّبُوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ.
قالَ الزَّجّاجُ: سُنَّتُهُمُ هو قَوْلُهم: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: عَذابُ الآخِرَةِ ( قُبُلًا ) قالَ الفَرّاءُ: إنَّ قُبُلًا جَمْعُ قَبِيْلٍ أيْ: مُتَفَرِّقًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: عِيانًا، وقِيلَ: فَجْأةً.
ويُناسِبُ ما قالَهُ الفَرّاءُ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ وخَلَفٍ ( قُبُلًا ) بِضَمَّتَيْنِ فَإنَّهُ جَمْعُ قَبَيْلٍ، نَحْوُ سَبِيلٍ وسُبُلٍ، والمُرادُ أصْنافُ العَذابِ، ويُناسِبُ التَّفْسِيرَ الثّانِيَ أيْ: عِيانًا، (p-٨٦٦)قِراءَةُ الباقِينَ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: مُقابَلَةً ومُعايَنَةً، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلى مَعْنى أوْ يَأْتِيهِمُ العَذابُ مُسْتَقْبَلًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ.
فَحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الدُّنْيا المُسْتَأْصِلِ لَهم، أوْ عِنْدَ إتْيانِ أصْنافِ عَذابِ الآخِرَةِ أوْ مُعايَنَتِهِ.
﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ مِن رُسُلِنا إلى الأُمَمِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُنْذِرِينَ لِلْكافِرِينَ، فالِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ أيْ: لِيُزِيلُوا بِالجِدالِ بِالباطِلِ الحَقَّ ويُبْطِلُوهُ وأصْلُ الدَّحْضِ الزَّلَقُ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُهُ أيْ: زَلِقَتْ تَدْحَضُ دَحْضًا، ودَحَضَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ: زالَتْ، ودَحَضَتْ حُجَّتُهُ دُحُوضًا: بَطَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ: أبا مُنْذِرٍ
؎رُمْتَ الوَفاءَ فَهِبْتَهُ وحِدْتَ كَما حادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ
ومِن مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِالباطِلِ قَوْلُهم لِلرُّسُلِ: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] ونَحْوَ ذَلِكَ.
( ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ ) أيْ: القُرْآنَ ( ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ ) بِهِ مِنَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ ( هُزُوًا ) أيْ: لَعِبًا وباطِلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ وُعِظَ بِآياتِ رَبِّهِ التَّنْزِيلِيَّةِ أوِ التَّكْوِينِيَّةِ أوْ مَجْمُوعِهِما فَتَهاوَنَ بِها وأعْرَضَ عَنْ قَبُولِها، ولَمْ يَتَدَبَّرْها حَقَّ التَّدَبُّرِ ويَتَفَكَّرْ فِيها حَقَّ التَّفَكُّرِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلَمْ يَتُبْ عَنْها.
قِيلَ والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى التَّرْكِ، وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: أغْطِيَةً، والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإعْراضِهِمْ ونِسْيانِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّ هَؤُلاءِ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: وجَعَلْنا في آذانِهِمْ ثِقَلًا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِماعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأنْعامِ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.
﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ، وصاحِبُ الرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَلَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها الكُفْرُ والمُجادَلَةُ والإعْراضُ ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ ( بَلْ ) جُعِلَ ( ﴿لَهم مَوْعِدٌ﴾ ) أيْ: أجَلٌ مُقَدَّرٌ لِعَذابِهِمْ، قِيلَ: هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ: مَلْجَأً يَلْجَأُونَ إلَيْهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَنجًا، وقِيلَ: مَحِيصًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا وألَتْ نَفْسُكِ خَلِيَّتِها ∗∗∗ لِلْعامِرِيِّينَ ولَمْ تُكْلَمِ
وقالَ الأعْشى:
؎وقَدْ أُخالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ∗∗∗ وقَدْ يُحاذِرُ مِنِّي ثَمَّ ما يَئِلُ
أيْ: ما يَنْجُو. ( ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ ) أيْ: قُرى عادٍ وثَمُودٍ وأمْثالُها ( أهْلَكْناهم ) هَذا خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ والقُرى صِفَتُهُ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أهْلُ القُرى أهْلَكْناهم ( ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ ) أيْ: وقْتَ وُقُوعِ الظُّلْمِ مِنهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ: وقْتًا مُعَيَّنًا، وقَرَأ عاصِمٌ ( مَهْلَكِهِمْ ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وهو مَصْدَرُ هَلَكَ، وأجازَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ كَسْرَ اللّامِ وفَتْحَ المِيمِ، وبِذَلِكَ قَرَأ حَفْصٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: ( مَهْلِكٌ ) اسْمٌ لِلزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: لِوَقْتِ مَهْلِكِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ قالَ: عُقُوبَةُ الأوَّلِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ( قُبُلًا ) قالَ: جَهارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فَجْأةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ قالَ: نَسِيَ ما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ الكَثِيرَةِ.
وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( ﴿بِما كَسَبُوا﴾ ) يَقُولُ: بِما عَمِلُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ قالَ: المَوْعِدُ يَوْمُ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَلْجَأً، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( مَوْئِلًا ) قالَ: مَحْرَزًا.
الكهف 18:60
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:61
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:62
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:63
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:64
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:65
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:66
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:67
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:68
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:69
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:70
.
الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ( وإذْ قالَ ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قِيلَ: ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقالُوا: إنْ أخْبَرَكم فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا. ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّبِيَّ لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والأخْبارِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ مُوسى المَذْكُورَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ إلى فِرْعَوْنَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ - لا التِفاتَ إلى ما تَقُولُهُ - مِنهم نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ ابْنَ عِمْرانَ، وإنَّما هو مُوسى بْنُ مِيشى بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ نَبِيًّا قَبْلَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وهَذا باطِلٌ قَدْ رَدَّهُ السَّلَفُ الصّالِحُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ، والمُرادُ بِفَتاهُ هُنا هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.
قالَ الواحِدِيُّ: (p-٨٦٧)أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقَدْ مَضى ذِكْرُهُ في المائِدَةِ، وفي آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ مُوسى هو ابْنُ مِيشى قالَ: إنَّ هَذا الفَتى لَمْ يَكُنْ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما سُمِّيَ فَتى مُوسى لِأنَّهُ كانَ مُلازِمًا لَهُ يَأْخُذُ عَنْهُ العِلْمَ ويَخْدِمُهُ، ومَعْنى ( لا أبْرَحُ ) لا أزالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ﴾ [طه: ٩١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا
وبَرِحَ إذا كانَ بِمَعْنى زالَ فَهو مِنَ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، وخَبَرُهُ هُنا مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما بَعْدَهُ وهو ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ( لا أبْرَحُ ) بِمَعْنى لا أزالُ، وقَدْ حُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ حالِ السَّفَرِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ( حَتّى أبْلُغَ ) غايَةٌ مَضْرُوبَةٌ، فَلا بُدَّ لَها مِن ذِي غايَةٍ، فالمَعْنى: لا أزالُ أسِيرُ إلى أنْ أبْلُغَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ لا يَبْرَحُ مَسِيرِي حَتّى أبْلُغَ، وقِيلَ: مَعْنى لا أبْرَحُ: لا أُفارِقُكَ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ( بَرِحَ ) التّامِّ، بِمَعْنى زالَ يَزالُ، و( مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ) مُلْتَقاهُما.
قِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وقِيلَ: بَحْرُ الأُرْدُنِّ وبَحْرُ القُلْزُمِ، وقِيلَ: مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ طَنْجَةَ، وقِيلَ: بِإفْرِيقِيَّةَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ بِالبَحْرَيْنِ مُوسى والخَضِرُ، وهو مِنَ الضَّعْفِ بِمَكانٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولا يَصِحُّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ أيْ: أسِيرُ زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الجَوْهَرِيُّ: الحُقْبُ بِالضَّمِّ ثَمانُونَ سَنَةً.
وقالَ النَّحّاسُ: الَّذِي يَعَرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الحُقْبَ والحُقْبَةَ زَمانٌ مِنَ الدَّهْرِ مُبْهَمٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، كَما أنَّ رَهْطًا وقَوْمًا مِنهم غَيْرُ مَحْدُودٍ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ العَزِيمَةِ عَلى السَّيْرِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ أنَّهُ سُئِلَ مُوسى مَن أعْلَمُ النّاسِ ؟ فَقالَ: أنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ أعْلَمَ مِنكَ عَبْدٌ لِي عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ.
( فَلَمّا بَلَغا ) أيْ: مُوسى وفَتاهُ مَجْمَعَ بَيْنِهُما أيْ: بَيْنِ البَحْرِينِ، وأُضِيفَ مَجْمَعُ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، وقِيلَ: البَيْنُ بِمَعْنى الِافْتِراقِ أيِ: البَحْرانِ المُفْتَرِقانِ يَجْتَمِعانِ هُناكَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى والخَضِرِ أيْ: وصَلا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ اجْتِماعُ شَمْلِهِما، ويَكُونُ البَيْنُ عَلى هَذا بِمَعْنى الوَصْلِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ، والأوَّلُ أوْلى ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُما تَزَوَّدا حُوتًا مُمَلَحًا في زِنْبِيلٍ، وكانا يُصِيبانِ مِنهُ عِنْدَ حاجَتِهِما إلى الطَّعامِ، وكانَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فُقْدانَهُ أمارَةً لَهُما عَلى وِجْدانِ المَطْلُوبِ.
والمَعْنى: أنَّهُما نَسِيا بِفَقْدِ أمْرِهِ، وقِيلَ: الَّذِي نَسِيَ إنَّما هو فَتى مُوسى، لِأنَّهُ وكَّلَ أمْرَ الحُوتِ إلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهُ إذا فَقَدَهُ، فَلَمّا انْتَهَيا إلى ساحِلِ البَحْرِ وضَعَ فَتاهُ المِكْتَلَ الَّذِي فِيهِ الحُوتُ فَأحْياهُ اللَّهُ، فَتَحَرَّكَ واضْطَرَبَ في المِكْتَلِ، ثُمَّ انْسَرَبَ في البَحْرِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ انْتِصابُ ( سَرَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِ ( اتَّخَذَ ) أيِ: اتَّخَذَ سَبِيلًا سَرَبًا، والسَّرَبُ النَّفَقُ الَّذِي يَكُونُ في الأرْضِ لِلضَّبِّ ونَحْوِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أمْسَكَ جَرْيَةَ الماءِ عَلى المَوْضِعِ الَّذِي انْسَرَبَ فِيهِ الحُوتُ فَصارَ كالطّاقِ فَشَبَّهَ مَسْلَكِ الحُوتِ في البَحْرِ مَعَ بَقائِهِ وانْجِيابِ الماءِ عَنْهُ بِالسَّرَبِ الَّذِي هو الكُوَّةُ المَحْفُورَةُ في الأرْضِ.
قالَ الفَرّاءُ: لَمّا وقَعَ في الماءِ جَمَدَ مَذْهَبُهُ في البَحْرِ فَكانَ كالسَّرَبِ، فَلَمّا جاوَزا ذَلِكَ المَكانَ الَّذِي كانَتْ عِنْدَهُ الصَّخْرَةُ وذَهَبَ الحُوتُ فِيهِ انْطَلَقا، فَأصابَهُما ما يُصِيبُ المُسافِرَ مِنَ النَّصَبِ والكَلالِ، ولَمْ يَجِدا النَّصَبَ حَتّى جاوَزا المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ.
ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ( فَلَمّا جاوَزا ) أيْ: مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ الَّذِي جُعِلَ مَوْعِدًا لِلْمُلاقاةِ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا﴾ وهو ما يُؤْكَلُ بِالغَداةِ، وأرادَ مُوسى أنْ يَأْتِيَهُ بِالحُوتِ الَّذِي حَمَلاهُ مَعَهُما ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ أيْ: تَعَبًا وإعْياءً، قالَ المُفَسِّرُونَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( سَفَرِنا هَذا ) إلى السَّفَرِ الكائِنِ مِنهُما بَعْدَ مُجاوَزَةِ المَكانِ المَذْكُورِ، فَإنَّهُما لَمْ يَجِدا النَّصَبَ إلّا في ذَلِكَ دُونَ ما قَبْلَهُ.
﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ أيْ: قالَ فَتى مُوسى لِمُوسى، ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبُهُ لِمُوسى مِمّا وقَعَ لَهُ مِنَ النِّسْيانِ هُناكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ الأمْرِ مِمّا لا يُنْسى؛ لِأنَّهُ قَدْ شاهَدَ أمْرًا عَظِيمًا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ الباهِرَةِ، ومَفْعُولُ ( أرَأيْتَ ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ النِّسْيانِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَ ما دَهانِي، أوْ نابَنِي في ذَلِكَ الوَقْتِ والمَكانِ.
وتِلْكَ الصَّخْرَةُ كانَتْ عِنْدَ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي هو المَوْعِدُ، وإنَّما ذَكَرَها دُونَ أنْ يَذْكُرَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ لِكَوْنِها مُتَضَمِّنَةً لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المَكانِ، لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَجْمَعُ مَكانًا مُتَّسِعًا، يَتَناوَلُ مَكانَ الصَّخْرَةِ وغَيْرَهُ، وأوْقَعَ النِّسْيانَ عَلى الحُوتِ دُونَ الغَداءِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الغَداءَ المَطْلُوبَ هو ذَلِكَ الحُوتُ الَّذِي جَعَلاهُ زادًا لَهُما، وأمارَةً لِوَجَدانِ مَطْلُوبِهِما.
ثُمَّ ذَكَرَ ما يَجْرِي مَجْرى السَّبَبِ في وُقُوعِ ذَلِكَ النِّسْيانِ فَقالَ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ﴾ بِما يَقَعُ مِنهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ، و( أنْ أذْكُرَهُ ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ( أنْسانِيهِ )، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وما أنْسانِيهِ أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ ) ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ انْتِصابُ ( عَجَبًا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي كَما مَرَّ في ( سَرَبًا ) والظَّرْفُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ يُوشَعَ، أخْبَرَ مُوسى أنَّ الحُوتَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ومَوْضِعُ التَّعَجُّبِ أنْ يَحْيا حُوتٌ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقُّهُ، ثُمَّ يَثِبُ إلى البَحْرِ ويَبْقى أثَرُ جَرْيَتِهِ في الماءِ لا يَمْحُو أثَرَها جَرَيانُ ماءِ البَحْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِبَيانِ طَرَفٍ آخَرَ مِن أمْرِ الحُوتِ، فَيَكُونُ ما بَيْنَ الكَلامَيْنِ اعْتِراضًا.
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِفَتاهُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن فَقْدِ الحُوتِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ الَّذِي نُرِيدُهُ هو هُنالِكَ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أيْ: رَجَعا عَلى الطَّرِيقِ الَّتِي جاءا مِنها يَقُصّانِ أثَرَهُما؛ لِئَلّا يُخْطِئا طَرِيقَهُما، وانْتِصابُ ( قَصَصًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ: قاصِّينَ أوْ مُقْتَصِّينَ، والقَصَصُ في اللُّغَةِ اتِّباعُ الأثَرِ.
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ هو الخَضِرُ في قَوْلِ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، وخالَفَ في ذَلِكَ مَن لا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ، فَقالَ: لَيْسَ هو الخَضِرَ بَلْ عالِمٌ آخَرُ، قِيلَ سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ (p-٨٦٨)كانَ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، قِيلَ: واسْمُهُ بَلِيا بْنُ مِلْكانَ، ثُمَّ وصَفَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قِيلَ: الرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: النِّعْمَةُ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ( مِن لَدُنّا ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ ذَلِكَ العِلْمِ، وتَعْظِيمٌ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وفِيما فَعَلَ مُوسى - وهو مِن جُمْلَةِ الأنْبِياءِ - مِن طَلَبِ العِلْمِ، والرِّحْلَةِ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.
ثُمَّ قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْنا ما دارَ بَيْنَ مُوسى والخَضِرِ بَعْدَ اجْتِماعِهِما فَقالَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ في هَذا السُّؤالِ مُلاطَفَةٌ ومُبالَغَةٌ في حُسْنِ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ أنْ يَكُونَ تابِعًا لَهُ عَلى أنْ يُعْلِّمَهُ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ.
والرُّشْدُ الوُقُوفُ عَلى الخَيْرِ وإصابَةُ الصَّوابِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتُعَلِّمَنِي أيْ: عِلْمًا ذا رُشْدٍ أرْشُدُ بِهِ، وقُرِئَ ( رَشَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالبُخْلِ والبَخَلِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ المُتَعَلِّمَ تَبَعٌ لِلْعالِمِ وإنْ تَفاوَتَتِ المَراتِبُ. ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَضِرَ أفْضَلُ مِن مُوسى، فَقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ الفاضِلِ، وقَدْ يَأْخُذُ الفاضِلُ عَنِ المَفْضُولِ إذا اخْتَصَّ أحَدُهُما بِعِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ الآخَرُ.
فَقَدْ كانَ عِلْمُ مُوسى عِلْمَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والقَضاءِ بِظاهِرِها، وكانَ عِلْمُ الخَضِرِ عِلْمَ بَعْضِ الغَيْبِ ومَعْرِفَةِ البَواطِنِ.
﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ: قالَ الخَضِرُ لِمُوسى: إنَّكَ لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عِلْمِي؛ لِأنَّ الظَّواهِرَ الَّتِي هي عِلْمُكَ لا تُوافِقُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى عِلَّةِ عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ: كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى عِلْمٍ ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ، وأنْتَ لا تَعْلَمُ، ومِثْلُكَ مَعَ كَوْنِكَ صاحِبَ شَرْعٍ لا يَسُوغُ لَهُ السُّكُوتُ عَلى مُنْكَرٍ والإقْرارُ عَلَيْهِ، و( خُبْرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أيْ: لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَكَ، والخُبْرُ العِلْمُ بِالشَّيْءِ، والخَبِيرُ بِالأُمُورِ هو العالِمُ بِخَفاياها، وبِما يَحْتاجُ إلى الِاخْتِبارِ مِنها.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْخَضِرِ: سَتَجِدُنِي صابِرًا مَعَكَ، مُلْتَزِمًا طاعَتَكَ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ فَجُمْلَةُ ولا أعْصِي مَعْطُوفَةٌ عَلى ( صابِرًا ) فَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: ( إنْ شاءَ اللَّهُ ) شامِلًا لِلصَّبْرِ ونَفِيِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ مُخْتَصٌّ بِالصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ لا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ فِيهِ، ونَفْيُ المَعْصِيَةِ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ في الحالِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الصَّبْرَ ونَفْيَ المَعْصِيَةِ مُتَّفِقانِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعْزُومًا عَلَيْهِ في الحالِ، وفي كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لا يَدْرِي كَيْفَ حالُهُ فِيهِ في المُسْتَقْبَلِ.
قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ مِمّا تُشاهِدُهُ مِن أفْعالِي المُخالِفَةِ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الشَّرْعِ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: حَتّى أكُونَ أنا المُبْتَدِئَ لَكَ بِذِكْرِهِ، وبَيانِ وجْهِهِ وما يَئُولُ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المُعَنْوَنَةُ بِـ ( قّالَ وقالَ ) مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لِأنَّها جَواباتٌ عَنْ سُؤالاتٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ واحِدَةٍ يَنْشَأُ السُّؤالُ عَنْها مِمّا قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ونُسِئَ لَهُ في أجْلِهِ حَتّى يُكَذِّبَ الدَّجّالَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ بَيْضاءَ، فَإذا هي تَهْتَزُّ مِن خَلْفِهِ خَضْراءٌ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ إنَّما سُمِّيَ الخَضِرُ لِأنَّهُ إذا صَلّى اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: حَتّى أنْتَهِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ . قالَ: بَحْرُ فارِسَ والرُّومِ، وهُما نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: ( مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ ) إفْرِيقِيَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: طَنْجَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ قالَ: سَبْعِينَ خَرِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: دَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( نَسِيا حُوتَهُما ) قالَ: كانَ مَمْلُوحًا مَشْقُوقَ البَطْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ قالَ: أثَرُهُ يابِسٌ في البَحْرِ كَأنَّهُ في حَجَرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ قالَ: عَوْدُهُما عَلى بَدْئِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا﴾ قالَ: أعْطَيْناهُ الهُدى والنُّبُوَّةَ.
واعْلَمْ أنَّها قَدْ رُوِيَتْ في قِصَّةِ الخَضِرِ مَعَ مُوسى المَذْكُورَةِ في الكِتابِ العَزِيزِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وأتَمُّها وأكْمَلُها ما رُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّها اخْتَلَفَتْ في بَعْضِ الألْفاظِ، وكُلُّها مَرْوِيَّةٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، وبَعْضُها في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبَعْضُها في أحَدِهِما، وبَعْضُها خارِجٌ عَنْهُما.
وقَدْ رُوِيَتْ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، ومِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والخَطِيبِ وابْنِ عَساكِرَ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى الرِّوايَةِ الَّتِي هي أتَمُّ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، فَفي ذَلِكَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ، وهي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ نَوْفًا الَبِكالِيَّ يَزْعُمُ أنَّ مُوسى صاحِبَ الخَضِرِ لَيْسَ مُوسى صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ. حَدَّثَنا أُبِيُّ بْنُ كَعْبٍ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ مُوسى قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَسُئِلَ أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ مُوسى: يا رَبِّ فَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ قالَ: (p-٨٦٩)تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ في مِكْتَلٍ فَحَيْثُما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ. ثُمَّ انْطَلَقَ وانْطَلَقَ مَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتّى أتَيا الصَّخْرَةَ ووَضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ، فَصارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانا مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، ولِمُوسى وفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا قالَ سُفْيانُ: يَزْعُمُ ناسٌ أنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ عِنْدَها عَيْنُ الحَياةِ لا يُصِيبُ ماؤُها مَيْتًا إلّا عاشَ، قالَ: وكانَ الحُوتُ قَدْ أُكِلَ مِنهُ، فَلَمّا قُطِّرَ عَلَيْهِ الماءُ عاشَ، قالَ: فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسْجًى بِثَوْبٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ ؟ قالَ: أنا مُوسى قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، يا مُوسى إنِّي عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُهُ، قالَ مُوسى: سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إلّا والخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِ السَّفِينَةِ بِالقَدُومِ، فَقالَ لَهُ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا ؟ قالَ: ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قالَ: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا.
قالَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: فَكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا.
قالَ: وجاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ في البَحْرِ نَقْرَةً، فَقالَ لَهُ الخَضِرُ: ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا مِثْلَ ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ الَّذِي وقَعَ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ مِن هَذا البَحْرِ.
ثُمَّ خَرَجا مِنَ السَّفِينَةِ فَبَيْنَما هُما يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ إذْ أبْصَرَ الخَضِرُ غُلامًا يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمانِ فَأخَذَ الخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ مُوسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قالَ: وهَذِهِ أشَدُّ مِنَ الأُولى قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ: مائِلٌ، فَقالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذا فَأقامَهُ، فَ ( قالَ ) مُوسى: قَوْمٌ آتَيْناهم فَلَمْ يُطْعِمُونا ولِمَ يُضَيِّفُونا لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ودِدْنا أنَّ مُوسى كانَ صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِما» .
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) وكانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنِينَ )وبَقِيَّةُ رِواياتِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هي مُوافِقَةٌ لِهَذِهِ الرِّوايَةِ في المَعْنى وإنْ تَفاوَتَتِ الألْفاظُ في بَعْضِها فَلا فائِدَةَ في الإطالَةِ بِذِكْرِها، وكَذَلِكَ رِواياتُ غَيْرِ سَعِيدٍ عَنْهُ.
الكهف 18:71
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
الكهف 18:72
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
الكهف 18:73
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
الكهف 18:74
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
الكهف 18:75
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
الكهف 18:76
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
الكهف 18:77
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
الكهف 18:78
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
الكهف 18:79
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
الكهف 18:80
.
قَوْلُهُ: ( فانْطَلَقا ) أيْ: مُوسى والخَضِرُ عَلى ساحِلِ البَحْرِ يَطْلُبانِ السَّفِينَةَ، فَمَرَّتْ بِهِمْ سَفِينَةٌ فَكَلَّمُوهم أنْ يَحْمِلُوهم فَحَمَلُوهم ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ قِيلَ: قَلَعَ لَوْحًا مِن ألْواحِها، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، وقِيلَ: خَرَقَ جِدارَ السَّفِينَةِ لِيَعِيبَها ولا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها ( قالَ ) مُوسى: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: لَقَدْ أتَيْتَ أمْرًا عَظِيمًا، يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ: إذا كَبُرَ، والأمْرُ الِاسْمُ مِنهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأمْرُ: الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ وأنْشَدَ:
؎قَدْ لَقِيَ الأقْرانُ مِنِّي نُكْرًا داهِيَةً دَهْيًا وأمْرًا إمْرًا
وقالَ القُتَيْبِيُّ: الأمْرُ: العَجَبُ. وقالَ الأخْفَشُ: أمِرَ أمْرُهُ يَأْمُرُ: إذا اشْتَدَّ، والِاسْمُ الأمْرُ.
قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَغْرَقَ أهْلُها ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ، ورَفْعِ أهْلِها عَلى أنَّهُ فاعِلٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ أهْلِها عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
قالَ أيْ الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أذْكَرَهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ لَهُ سابِقًا ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ .
فَقالَ لَهُ مُوسى (p-٨٧٠)﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَصْدَرِيَّةً، أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي أوْ مَوْصُولَةً أيْ: لا تُؤاخِذْنِي بِالَّذِي نَسِيتُهُ، وهو قَوْلُ الخَضِرِ ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ فالنِّسْيانُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ مُوسى نَسِيَ ذَلِكَ، أوْ بِمَعْنى التَّرْكِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ ما قالَهُ لَهُ، ولَكِنَّهُ تَرَكَ العَمَلَ بِهِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ قالَ أبُو زَيْدٍ: أرْهَقْتُهُ عُسْرًا: إذا كَلَّفْتَهُ ذَلِكَ، والمَعْنى: عامِلْنِي بِاليُسْرِ لا بِالعُسْرِ.
وقُرِئَ ( عُسُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ أيْ: الخَضِرُ، ولَفْظُ الغُلامِ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ كَما يَتَناوَلُ الصَّغِيرَ، قِيلَ: كانَ الغُلامُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ فاقْتَلَعَ الخَضِرُ رَأْسَهُ ( قالَ ) مُوسى: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأُوَيْسٌ بِألِفٍ بَعْدَ الزّايِ وتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن دُونِ ألِفٍ، الزّاكِيَةُ: البَرِيئَةُ مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ أبُو عَمْرٍو: الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبْ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ. وقالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ.
وقالَ الفَرّاءُ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ مِثْلُ القاسِيَةِ والقَسِيَّةِ، ومَعْنى ( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ حَتّى يَكُونَ قَتْلُ هَذِهِ قِصاصًا ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أيْ: فَظِيعًا مُنْكَرًا لا يُعْرَفُ في الشَّرْعِ.
قِيلَ: مَعْناهُ أنْكَرُ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ لِكَوْنِ القَتْلِ لا يُمَكِنُ تَدارُكُهُ، بِخِلافِ نَزْعِ اللَّوْحِ مِنَ السَّفِينَةِ فَإنَّهُ يُمْكِنُ تَدارُكُهُ بِإرْجاعِهِ، وقِيلَ: النُّكْرُ أقَلُّ مِنَ الإمْرِ؛ لِأنَّ قَتْلَ نَفْسٍ واحِدَةٍ أهْوَنُ مِن إغْراقِ أهْلِ السَّفِينَةِ.
قِيلَ: اسْتَبْعَدَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، ولَمْ يَتَأوَّلْ لِلْخَضِرِ بِأنَّهُ يُحِلُّ القَتْلَ بِأسْبابٍ أُخَرَ.
( قالَ ) الخَضِرُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ زادَ هُنا لَفْظَ ( لَكَ ) لِأنَّ سَبَبَ العِتابِ أكْثَرُ، ومُوجِبَهُ أقْوى، وقِيلَ: زادَ لَفْظُ ( لَكَ ) لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما تَقُولُ لِمَن تُوَبِّخُهُ: لَكَ أقُولُ وإيّاكَ أعْنِي.
قالَ مُوسى ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ، أوْ بَعْدَ هَذِهِ النَّفْسِ المَقْتُولَةِ ( فَلا تُصاحِبْنِي ) أيْ: لا تَجْعَلْنِي صاحِبًا لَكَ، نَهاهُ عَنْ مُصاحَبَتِهِ مَعَ حِرْصِهِ عَلى التَّعَلُّمِ لِظُهُورِ عُذْرِهِ، ولِذا قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ يُرِيدُ أنَّكَ قَدْ أعْذَرْتَ حَيْثُ خالَفْتُكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ، اضْطَرَّهُ الحالُ إلى الِاعْتِرافِ وسُلُوكِ سَبِيلِ الإنْصافِ.
قَرَأ الأعْرَجُ ( تَصْحَبَنِّي ) بِفَتْحِ التّاءِ والباءِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( تُصاحِبْنِي ) وقَرَأ يَعْقُوبُ ( تُصْحِبْنِي ) بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ ورَواها سَهْلٌ، عَنْ أبِي عَمْرٍو.
قالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ: لا تَتْرُكْنِي أصْحَبُكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( لَدُنِّي ) بِضَمِّ الدّالِ إلّا أنَّ نافِعًا وعاصِمًا خَفَّفا النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ ( لُدْنِي ) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: وهي غَلَطٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا التَّغْلِيطُ لَعَلَّهُ مِن جِهَةِ الرِّوايَةِ، فَأمّا عَلى قِياسِ العَرَبِيَّةِ فَصَحِيحَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ( عُذْرًا ) بِسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الذّالِ.
وحَكى الدّانِيُّ أنَّ أُبَيًّا رَوى عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِكَسْرِ الرّاءِ وياءٍ بَعْدَها بِإضافَةِ العُذْرِ إلى نَفْسِهِ.
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ قِيلَ: هي أيْلَةُ وقِيلَ: أنْطاكِيَةُ، وقِيلَ: بَرْقَةُ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ مِن قُرى الرُّومِ ( اسْتَطْعَما أهْلَها ) هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِ ( قَرْيَةٍ ) ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ، أوْ لِكَراهَةِ اجْتِماعِ الضَّمِيرَيْنِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ، أوْ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ بِإظْهارِهِمْ ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ: أبَوْا أنْ يُعْطُوهُما ما هو حَقٌّ واجِبٌ عَلَيْهِمْ مِن ضِيافَتِهِما، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ السُّؤالِ وحِلِّ الكُدْيَةِ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً بَيِّنًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الأُدَباءِ الَّذِينَ يَسْألُونَ النّاسَ:
؎فَإنْ رُدِدْتُ فَما في الرَّدِّ مَنقَصَةٌ ∗∗∗ عَلِيَّ قَدْ رُدَّ مُوسى قَبْلُ والخَضِرُ
وقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ تَحْرِيمُ السُّؤالِ بِما لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ مِنَ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ ( فَوَجَدا فِيها ) أيْ في القَرْيَةِ ﴿جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ إسْنادُ الإرادَةِ إلى الجِدارِ مَجازٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً إلّا أنَّ هَيْئَةَ السُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ فِيهِ كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاعِي:
؎فِي مَهْمَهٍ قَلَقَتْ بِهِ هاماتُها ∗∗∗ قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولا
ومَعْنى الِانْقِضاضِ: السُّقُوطُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: انْقَضَّ الحائِطُ: إذا وقَعَ، وانْقَضَّ الطّائِرُ: إذا هَوى مِن طَيَرانِهِ فَسَقَطَ عَلى شَيْءٍ، ومَعْنى ( فَأقامَهُ ) فَسَوّاهُ؛ لِأنَّهُ وجَدَهُ مائِلًا فَرَدَّهُ كَما كانَ، وقِيلَ: نَقَضَهُ وبَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِعَمُودٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ قالَ مُوسى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ: عَلى إقامَتِهِ وإصْلاحِهِ، تَحْرِيضًا مِن مُوسى لِلْخَضِرِ عَلى أخْذِ الأجْرِ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْهُ حَتّى يُقْرُونا. فَهو الأجْرُ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ واليَزِيدِيُّ والحَسَنُ ( لَتَخَذْتَ ) يُقالُ: تَخَذَ فُلانٌ يَتْخَذُ تَخْذًا، مِثْلُ اتَّخَذَ.
وقَرَأ الباقُونَ ( لاتَّخَذْتَ ) .
قالَ الخَضِرُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ عَلى إضافَةِ ( فِراقُ ) إلى الظَّرْفِ اتِّساعًا أيْ: هَذا الكَلامُ والإنْكارُ مِنكَ عَلى تَرْكِ الأجْرِ هو المُفَرِّقُ بَيْنَنا.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيْ: هَذا فِراقُ اتِّصالِنا، وكَرَّرَ ( بَيْنَ ) تَأْكِيدًا، ولَمّا قالَ الخَضِرُ لِمُوسى بِهَذا أخَذَ في بَيانِ الوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ بِسَبَبِهِ تِلْكَ الأفْعالَ الَّتِي أنْكَرَها مُوسى فَقالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والتَّأْوِيلُ: رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى مَآلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ في البَيانِ لَهُ فَقالَ: ( أمّا السَّفِينَةُ ) يَعْنِي الَّتِي خَرَقَها ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ ) لِضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ مَن أرادَ ظُلْمَهم ﴿يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾ ولَمْ يَكُنْ لَهم مالٌ غَيْرَ تِلْكَ السَّفِينَةِ يَكْرُونَها مِنَ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ البَحْرَ ويَأْخُذُونَ الأُجْرَةَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ أيْ: أجْعَلَها ذاتَ عَيْبٍ بِنَزْعِ ما نَزَعْتُهُ مِنها ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي أمامَهم، و( وراءَ ) يَكُونُ بِمَعْنى أمامَ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] وقِيلَ: أرادَ خَلْفَهم، وكانَ طَرِيقُهم في الرُّجُوعِ (p-٨٧١)عَلَيْهِ، وما كانَ عِنْدَهم خَبَرٌ بِأنَّهُ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ أيْ: كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ لا مَعِيبَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِزِيادَةِ ( صالِحَةٍ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ وابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ جَماعَةٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ مِن ( مَساكِينَ )، واخْتُلِفَ في مَعْناها، فَقِيلَ: هم مَلّاحُو السَّفِينَةِ، وذَلِكَ أنَّ المَسّاكَ هو الَّذِي يُمْسِكُ السَّفِينَةَ، والأظْهَرُ قِراءَةٌ الجُمْهُورِ بِالتَّخْفِيفِ.
( وأمّا الغُلامُ ) يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أيْ: ولَمْ يَكُنْ هو كَذَلِكَ ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ: يُرْهِقَ الغُلامُ أبَوَيْهِ، يُقالُ: رَهَقَهُ أيْ: غَشِيَهُ، وأرْهَقَهُ أغَشاهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ خَشِينا أنْ يَحْمِلَهُما حُبُّهُ عَلى أنْ يَتَّبِعاهُ في دِينِهِ، وهو الكُفْرُ، و( طُغْيانًا ) مَفْعُولُ ( يُرْهِقَهُما ) ( وكُفْرًا ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَ الوالِدَيْنِ طُغْيانًا عَلَيْهِما وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِما بِعُقُوقِهِ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( فَخَشِينا ) مِن كَلامِ اللَّهِ، ويَكُونَ المَعْنى: كَرِهْنا كَراهَةَ مَن خَشِيَ سُوءَ عاقِبَةِ أمْرِهِ فَغَيَّرَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا، فالكَلامُ كَلامُ الخَضِرِ.
وقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ قَتْلَ الخَضِرِ لِهَذا الغُلامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ بالِغًا وقَدِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِكُفْرِهِ، وقِيلَ: كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فاسْتَحَقَّ القَتْلَ لِذَلِكَ، ويَكُونُ مَعْنى ( فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ): أنَّ الخَضِرَ خافَ عَلى الأبَوَيْنِ أنْ يَذُبّا عَنْهُ ويَتَعَصَّبا لَهُ فَيَقَعا في المَعْصِيَةِ، وقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الكُفْرِ والِارْتِدادِ.
والحاصِلُ أنَّهُ لا إشْكالَ في قَتْلِ الخَضِرِ لَهُ إذا كانَ بالِغًا كافِرًا أوْ قاطِعًا لِلطَّرِيقِ. هَذا فِيما تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْخَضِرِ شَرِيعَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ تُسَوِّغُ لَهُ ذَلِكَ، وأمّا إذا كانَ الغُلامُ صَبِيًّا غَيْرَ بالِغٍ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ لَهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا لَكانَ كافِرًا يَتَسَبَّبُ عَنْ كُفْرِهِ إضْلالُ أبَوَيْهِ وكُفْرُهُما، وهَذا وإنْ كانَ ظاهِرُ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ يَأْباهُ، فَإنَّ قَتْلَ مَن لا ذَنْبَ لَهُ ولا قَدْ جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ التَّكْلِيفِ لِخَشْيَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ما يَجُوزُ بِهِ قَتْلُهُ لا يَحِلُّ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ولَكِنَّهُ حَلَّ في شَرِيعَةٍ أُخْرى، فَلا إشْكالَ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الخَضِرَ كانَ نَبِيًّا.
﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، والمَعْنى: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ بَدَلَ هَذا الوَلَدِ ولَدًا ( خَيْرًا مِنهُ زَكاةً ) أيْ: دِينًا وصَلاحًا وطَهارَةً مِنَ الذُّنُوبِ ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرِ وابْنُ عامِرٍ ( رُحُمًا ) بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، ومَعْنى الرُحْمِ الرَّحْمَةُ، يُقالُ: رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً رُحْمى، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ.
( وأمّا الجِدارُ ) يَعْنِي الَّذِي أصْلَحَهُ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ﴾ هي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ سابِقًا، وفِيهِ جَوازُ إطْلاقِ اسْمِ المَدِينَةِ عَلى القَرْيَةِ لُغَةً ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قِيلَ: كانَ مالًا جَسِيمًا كَما يُفِيدُهُ اسْمُ الكَنْزِ، إذْ هو المالُ المَجْمُوعُ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ مالًا قِيلَ: كَنْزُ عِلْمٍ وكَنْزُ فَهْمٍ.
وقِيلَ: لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: صُحُفٌ مَكْتُوبَةٌ.
﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ فَكانَ صَلاحُهُ مُقْتَضِيًا لِرِعايَةِ ولَدَيْهِ وحِفْظِ مالِهِما، قِيلَ هو الَّذِي دَفَنَهُ، وقِيلَ: هو الأبُ السّابِعُ مِن عِنْدِ الدّافِنِ لَهُ، وقِيلَ: العاشِرُ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أيْ: مالِكُكَ ومُدَبِّرُ أمْرِكَ، وأضافَ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِ مُوسى تَشْرِيفًا لَهُ ﴿أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾ أيْ: كَمالَهُما وتَمامَ نُمُوِّهِما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ الجِدارُ، ولَوِ انْقَضَّ لَخَرَجَ الكَنْزُ مِن تَحْتِهِ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ لَهُما، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مَرْحُومَيْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ أيْ: عَنِ اجْتِهادِي ورَأْيِي، وهو تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، فَقَدْ عَلِمَ بِقَوْلِهِ ( فَأرادَ رَبُّكَ ) أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الخَضِرُ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تِلْكَ البَيِّناتِ الَّتِي بَيَّنْتُها لَكَ وأوْضَحْتُ وُجُوهَها تَأْوِيلُ ما ضاقَ صَبْرُكَ عَنْهُ ولَمْ تُطِقِ السُّكُوتَ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّأْوِيلِ هُنا هو المَآلُ الَّذِي آلَتْ إلَيْهِ تِلْكَ الأُمُورُ، وهو اتِّضاحُ ما كانَ مُشْتَبِهًا عَلى مُوسى وظُهُورِ وجْهِهِ، وحُذِفَ التّاءُ مِن ( تَسْطِعْ ) تَخْفِيفًا.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ يَقُولُ: نُكْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( إمْرًا ) قالَ: عَجَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ قالَ: لَمْ يَنْسَ، ولَكِنَّها مَن مَعارِيضِ الكَلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَ الخَضِرُ عَبْدًا لا تَراهُ الأعْيُنُ، إلّا مَن أرادَ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاهُ، فَلَمْ يَرَهُ مِنَ القَوْمِ إلّا مُوسى، ولَوْ رَآهُ القَوْمُ لَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَرْقِ السَّفِينَةِ وبَيْنَ قَتْلِ الغُلامِ، وأقُولُ: يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِن أيْنَ لَهُ هَذا ؟ فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُهُ إلّا قَوْلَهُ: ولَوْ رَآهُ القَوْمُ إلَخْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِما ذَكَرَهُ، أمّا أوَّلًا: فَإنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَراهُ أهْلُ السَّفِينَةِ وأهْلُ الغُلامِ، لا لِكَوْنِهِ لا تَراهُ الأعْيُنُ، بَلْ لِكَوْنِهِ فَعَلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ اطِّلاعِهِمْ.
وأمّا ثانِيًا: فَيُمْكِنُ أنَّ أهَلَ السَّفِينَةِ وأهْلَ الغُلامِ قَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ كَما يَفْعَلُ الأنْبِياءُ، فَسَلَّمُوا لِأمْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( نَفْسًا زَكِيَّةً ) قالَ: مُسْلِمَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: لَمْ تَبْلُغِ الخَطايا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( شَيْئًا نُكْرًا ) قالَ: النُّكْرُ أنْكَرُ مِنَ العَجَبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ قَتْلِ الصِّبْيانِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ كُنْتَ الخَضِرَ تَعْرِفُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ فاقْتُلْهم.
وزادَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْهُ: ولَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ، قَدْ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ فاعْتَزِلْهم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ المُسْنَدِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «الغُلامُ الَّذِي (p-٨٧٢)قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ أدْرَكَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ مُثَقَّلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( أنْ يُضِيِّفُوهُما ) مُشَدَّدَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: ورِوايَةُ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّهُ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أوْلى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أُبَيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ: ( لَوْ شِئْتَ لَتَخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا ) مُخَفَّفَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى، لَوْ صَبَرَ لَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن خَبَرِهِ، ولَكِنْ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقْرَأُ: ( وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا )» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ قالَ: كَتَبَ عُثْمانُ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( وأمّا الغُلامُ فَكانَ كافِرًا وكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ هي في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ( فَخافَ رَبُّكَ أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ قالَ: دِينًا ( وأقْرَبَ رُحْمًا ) قالَ: مَوَدَّةً، فَأُبْدِلا جارِيَةً ولَدَتْ نَبِيًّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: كانَ الكَنْزُ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا، وحُرِّمَتِ الغَنِيمَةُ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا وأُحِلَّتْ لَنا، فَلا يَعْجَبَنَّ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ فَما شَأْنُ الكَنْزِ، أُحِلَّ لِمَن قَبْلَنا وحُرِّمَ عَلَيْنا ؟ فَإنَّ اللَّهَ يُحِلُّ مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ، وهي السُّنَنُ والفَرائِضُ، يُحِلُّ لِأُمَّةٍ ويُحْرِّمُ عَلى أُخْرى.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: ذَهَبٌ وفِضَّةٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الكُنُوزُ وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الغَنائِمُ، وأُحِلَّتْ لَنا الغَنائِمُ وحُرِّمَتْ عَلَيْنا الكُنُوزُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ رَفَعَهُ قالَ: «إنَّ الكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ لَوْحٌ مِن ذَهَبٍ مُصْمَتٌ، فِيهِ: عَجِبْتُ لِمَن أيْقَنَ بِالقَدَرِ ثُمَّ نَصِبَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ النّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وعَجِبْتُ لِمَن ذَكَرَ المَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ»، وفي نَحْوِ هَذا رِواياتٌ كَثِيرَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِذِكْرِها فائِدَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ قالَ: حُفِظا بِصَلاحِ أبِيهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ الصّالِحِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ وأهْلَ دُوَيْرَتِهِ وأهْلَ دُوَيْراتٍ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في حِفْظِ اللَّهِ تَعالى ما دامَ فِيهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بِصَلاحِ الرَّجُلِ ولَدَهُ ووَلَدَ ولَدِهِ، ويَحْفَظُهُ في دُوَيْرَتِهِ والدُّوَيْراتِ حَوْلَهُ، فَما يَزالُونَ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ وعافِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ عِمارَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ نَسْمَعْ لِفَتى مُوسى بِذِكْرٍ وقَدْ كانَ مَعَهُ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ فِيما يَذْكُرُ مِن حَدِيثِ الفَتى: إنَّهُ شَرِبَ مِنَ الماءِ فَخُلِّدَ، فَأخَذَهُ العالِمُ فَطابَقَ بِهِ سَفِينَةً ثُمَّ أرْسَلَهُ في البَحْرِ، فَإنَّها لَتَمُوجُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ ضَعِيفٌ، الحَسَنُ مَتْرُوكٌ وأبُوهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.