Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — مريم 19:21 – مريم 19:50

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. مريم 19:21
  2. مريم 19:22
  3. مريم 19:23
  4. مريم 19:24
  5. مريم 19:25
  6. مريم 19:26
  7. مريم 19:27
  8. مريم 19:28
  9. مريم 19:29
  10. مريم 19:30
  11. مريم 19:31
  12. مريم 19:32
  13. مريم 19:33
  14. مريم 19:34
  15. مريم 19:35
  16. مريم 19:36
  17. مريم 19:37
  18. مريم 19:38
  19. مريم 19:39
  20. مريم 19:40
  21. مريم 19:41
  22. مريم 19:42
  23. مريم 19:43
  24. مريم 19:44
  25. مريم 19:45
  26. مريم 19:46
  27. مريم 19:47
  28. مريم 19:48
  29. مريم 19:49
  30. مريم 19:50

مريم 19:21

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:22

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:23

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:24

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:25

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:26

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:27

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:28

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:29

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:30

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:31

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:32

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:33

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:34

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:35

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:36

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:37

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:38

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:39

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:40

. لَمّا اطْمَأنَّتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَّلامُ بِما رَأتْ مِنَ الآياتِ وفَرَغَتْ مِن نِفاسِها أتَتْ بِهِ أيْ: بِعِيسى، وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وكانَ إتْيانُها إلَيْهِمْ مِنَ المَكانِ القَصِيِّ الَّذِي انْتَبَذَتْ فِيهِ، فَلَمّا رَأوُا الوَلَدَ مَعَها حَزِنُوا، وكانُوا أهْلَ بَيْتٍ صالِحِينَ قالُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ ﴿يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أيْ: فَعَلْتِ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفَرِيُّ العَجِيبُ النّادِرُ، وكَذا قالَ الأخْفَشُ. والفَرْيُ القَطْعُ، كَأنَّهُ مِمّا يَخْرِقُ العادَةَ، أوْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نادِرًا. وقالَ قُطْرُبٌ: الفَرِيُّ الجَدِيدُ مِنَ الأسْقِيَةِ أيْ: جِئْتِ بِأمْرٍ بَدِيعٍ جَدِيدٍ لَمْ تُسْبَقِي إلَيْهِ وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ: الفَرِيُّ المُخْتَلَقُ المُفْتَعَلُ، يُقالُ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، والوَلَدُ مِنَ الزِّنا كالشَّيْءِ المُفْتَرى، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقالَ مُجاهِدٌ: الفَرِيُّ العَظِيمُ. ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ . قَدْ وقَعَ الخِلافُ في مَعْنى هَذِهِ الأُخُوَّةِ، وفي هارُونَ المَذْكُورِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: هو هارُونُ أخُو مُوسى، والمَعْنى: أنَّ مَن كانَتْ نَظُنُّها مِثْلَ هارُونَ في العِبادَةِ كَيْفَ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذا ؟ وقِيلَ: كانَتْ مَرْيَمُ مِن ولَدِ هارُونَ أخِي مُوسى، فَقِيلَ لَها يا أُخْتَ هارُونَ، كَما يُقالُ لِمَن كانَ مِنَ العَرَبِ: يا أخا العَرَبِ، وقِيلَ: كانَ لَها أخٌ مِن أبِيها اسْمُهُ هارُونَ، وقِيلَ: هارُونُ هَذا رَجُلٌ صالِحٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ رَجُلٌ فاجِرٌ اسْمُهُ هارُونُ، فَنَسَبُوها إلَيْهِ عَلى جِهَةِ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ وهو ضَعِيفٌ ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ هَذا فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنْ الفاحِشَةَ مِن ذُرِّيَّةِ الصّالِحِينَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ أيْ إلى عِيسى، وإنَّما اكْتَفَتْ بِالإشارَةِ ولَمْ تَأْمُرْهُ بِالنُّطْقِ؛ لِأنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا عَنِ الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها كانَتْ إذْ ذاكَ في أيّامِ نَذْرِها، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن أيّامِ نَذْرِها، فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اقْتِصارَها عَلى الإشارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، وأنَّ هَذا المَوْلُودَ يَفْهَمُ الإشارَةَ ويَقْدِرُ عَلى العِبارَةِ ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن إشارَتِها إلى ذَلِكَ المَوْلُودِ بِأنْ يُكَلِّمَهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الكَلامِ حَشْوٌ زائِدٌ. والمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وجِيرانٌ لَنا كانُوا كِرامِ وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ( مَن ) في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، والمَعْنى: مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ( كانَ ) زائِدَةٌ، وقَدْ نَصَبَتْ ( صَبِيًّا ) ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القائِلَ بِزِيادَتِها يَجْعَلُ النّاصِبَ لَهُ الفِعْلَ، وهو ( نُكَلِّمُ ) كَما سَبَقَ تَقْدِيرُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( كانَ ) هُنا هي التّامَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ، ورُدَّ بِأنَّها لَوْ كانَتْ تامَّةً لاسْتَغْنَتْ عَنِ الخَبَرِ، والمَهْدُ هو شَيْءٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ لِتَنْوِيمِ الصَّبِيِّ. والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن سَبِيلُهُ أنْ يُنَوَّمَ في المَهْدِ لِصِغَرِهِ، وقِيلَ: هو هُنا حِجْرُ الأُمِّ، وقِيلَ: سَرِيرٌ كالمَهْدِ. فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهم ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فَكانَ أوَّلَ ما نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِالعُبُودِيَّةِ لَهُ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ الإنْجِيلَ، أيْ: حَكَمَ لِي بِإيتائِي الكِتابَ والنُّبُوَّةَ في الأزَلِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالِ ولا قَدْ صارَ نَبِيًّا، وقِيلَ: إنَّهُ آتاهُ الكِتابَ وجَعَلَهُ نَبِيًّا في تِلْكَ الحالِ، وهو بَعِيدٌ. ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ أيْ: حَيْثُما كُنْتُ، والبَرَكَةُ أصْلُها مِن بُرُوكِ البَعِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَنِي ثابِتًا في دِينِ اللَّهِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ هي الزِّيادَةُ والعُلُوُّ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأشْياءِ زائِدًا عالِيًا مُنْجَحًا، وقِيلَ: مَعْنى المُبارَكِ: النَّفّاعُ لِلْعِبادِ، وقِيلَ: المُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ، وقِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ النّاهِي عَنِ المُنْكَرِ ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ أيْ: أمَرَنِي بِها والزَّكاةِ زَكاةِ المالِ، أوْ تَطْهِيرِ النَّفْسِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوامِ حَياتِي، وهَذِهِ الأفْعالُ الماضِيَةُ هي مِن بابِ تَنْزِيلِ ما لَمْ يَقَعْ مَنزِلَةَ الواقِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِكَوْنِهِ قَدْ سَبَقَ في القَضاءِ المُبْرَمِ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( مُبارَكًا )، واقْتَصَرَ عَلى البِرِّ بِوالِدَتِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ في تِلْكَ الحالِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أبٌ، وقُرِئَ ( وبِرًّا ) بِكَسْرِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ الجَبّارُ المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، والشَّقِيُّ العاصِي لِرَبِّهِ، (p-٨٨٩)وقِيلَ: الخائِبُ، وقِيلَ: العاقُّ. ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: السَّلامُ هُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ أيْ: السَّلامَةُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ، فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولا أغْوانِي عِنْدَ المَوْتِ ولا عِنْدَ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّحِيَّةُ. قِيلَ: واللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: لِلْعَهْدِ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في هَذِهِ المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمِ المَسِيحُ بَعْدَ هَذا الكَلامِ حَتّى بَلَغَ المُدَّةَ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيها الصِّبْيانُ في العادَةِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ قالَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا بَعْدَما تَعالَّتْ مِن نِفاسِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا، قالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِالأنْبِياءِ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» وهَذا التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ يُغْنِي عَنْ سائِرِ ما رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ عِيسى قَدْ دَرَسَ الإنْجِيلَ وأحْكامَها في بَطْنِ أُمِّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: قَضى أنْ أكُونَ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ الإسْماعِيلِيُّ في مُعْجَمِهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ عِيسى ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ قالَ: جَعَلَنِي نَفّاعًا لِلنّاسِ أيْنَما اتَّجَهْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ «النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ: مُعَلِّمًا ومُؤَدِّبًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ يَقُولُ: عَصِيًّا. ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ.﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى المُتَّصِفِ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما تَقُولُهُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ. فَوَجْهُ القِراءَةِ الأُولى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِ ( قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) قالَهُ الزَّجّاجُ. ووَجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنَّهُ نَعْتٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ، قالَهُ الكِسائِيُّ. وسُمِّيَ قَوْلَ الحَقِّ كَما سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ، والحَقُّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: المَعْنى: هو قَوْلُ الحَقِّ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هَذا الكَلامُ قَوْلُ الحَقِّ، وهو مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ حَقِّ اليَقِينِ، وقِيلَ: الإضافَةُ لِلْبَيانِ، وقُرِئَ ( قالَ الحَقَّ ) ورُوِيَ ذَلِكَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَرَأ الحَسَنُ ( قُولُ الحَقِّ ) بِضَمِّ القافِ، والقَوْلُ والقُولُ والقالُ والمَقالُ بِمَعْنًى واحِدٍ، و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ لِعِيسى، أيْ: ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ قَوْلَ الحَقِّ، ومَعْنى يَمْتَرُونَ يَخْتَلِفُونَ، عَلى أنَّهُ مِنَ المُماراةِ، أوْ يَشُكُّوا عَلى أنَّهُ مِنَ المِرْيَةِ. وقَدْ وقَعَ الِاخْتِلافُ في عِيسى، فَقالَتِ اليَهُودُ: هو ساحِرٌ، وقالَتِ النَّصارى: هو ابْنُ اللَّهِ. ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، فَ ( أنْ ) في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها اسْمُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ: ( مِن ) في مِن ولَدٍ مُؤَكِّدَةٌ تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ والجَماعَةِ، ثُمَّ نَزَّهَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ فَقالَ: سُبْحانَهُ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِما هو شَأْنُهُ تَعالى سُلْطانُهُ فَقالَ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: إذا قَضى أمْرًا مِنَ الأُمُورِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ بِلا تَأْخِيرٍ. وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ عَلى هَذا مُسْتَوْفًى في البَقَرَةِ، وفي إيرادِهِ في هَذا المَوْضِعِ تَبْكِيتٌ عَظِيمٌ لِلنَّصارى، أيْ: مَن كانَ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ ؟ ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ ( أنْ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، وهو مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى، وقَرَأ أُبَيٌّ ( إنَّ اللَّهَ ) بِغَيْرِ واوٍ، قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: في تَوْجِيهِ قِراءَةِ النَّصْبِ بِأنَّ المَعْنى: ولِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، وأجازَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى الصَّلاةِ، وجَوَّزَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ عَطْفَهُ عَلى ( أمْرًا ) ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكم مِن أنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم، هو الطَّرِيقُ القَيِّمُ الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ ولا يَضِلُّ سالِكُهُ. ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ ( مِن ) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، والأحْزابُ اليَهُودُ والنَّصارى أيْ: فاخْتَلَفَتِ الفِرَقُ مِن أهْلِ الكِتابِ في أمْرِ عِيسى، فاليَهُودُ قالُوا: إنَّهُ ساحِرٌ كَما تَقَدَّمَ، وقالُوا: إنَّهُ ابْنُ يُوسُفَ النَّجّارِ، والنَّصارى اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فِيهِ، فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ مِنهم: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ المَلِكِيَّةُ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وقالَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ: هو اللَّهُ تَعالى. فَأفْرَطَتِ النَّصارى وغَلَتْ، وفَرَّطَتِ اليَهُودُ وقَصَّرَتْ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهُمُ المُخْتَلِفُونَ في أمْرِهِ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ: مِن شُهُودِ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعِقابِ، أوْ مِن مَكانِ الشُّهُودِ فِيهِ، أوْ مِن شَهادَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى: فَوَيْلٌ لَهم مِن حُضُورِهِمُ المَشْهَدَ العَظِيمَ الَّذِي اجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشاوُرِ. ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ قالَ أبُو عَبّاسٍ: العَرَبُ تَقُولُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعَجُّبِ، فَيَقُولُونَ: أسْمِعْ - تُرِيدُ: وأبْصِرْ - بِهِ. أيْ: ما أسْمَعُهُ وأبْصَرُهُ، فَعَجَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ أيْ: لِلْحِسابِ والجَزاءِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: واضِحٍ ظاهِرٍ ولَكِنَّهم (p-٨٩٠)أغْفَلُوا التَّفَكُّرَ والِاعْتِبارَ والنَّظَرَ في الآثارِ. ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ أيْ: يَوْمَ يَتَحَسَّرُونَ جَمِيعًا، فالمُسِيءُ يَتَحَسَّرُ عَلى إساءَتِهِ، والمُحْسِنُ عَلى عَدَمِ اسْتِكْثارِهِ مِنَ الخَيْرِ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ مِنَ الحِسابِ وطُوِيَتِ الصُّحُفُ، وصارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ وأهْلُ النّارِ في النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: غافِلِينَ عَمّا يُعْمَلُ بِهِمْ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ أيْ: نُمِيتُ سُكّانَها فَلا يَبْقى بِها أحَدٌ يَرِثُ الأمْواتَ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ ورِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها حَيْثُ أماتَهم جَمِيعًا ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: يُرَدُّونَ إلَيْنا يَوْمَ القِيامَةِ فَنُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ قالَ: اللَّهُ الحَقُّ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قالَ: اجْتَمَعَ بَنُو إسْرائِيلَ وأخْرَجُوا مِنهم أرْبَعَةَ نَفَرٍ، مِن كُلِّ قَوْمٍ عالِمَهم، فامْتَرَوْا في عِيسى حِينَ رُفِعَ، فَقالَ أحَدُهم: هو اللَّهُ هَبَطَ إلى الأرْضِ وأحْيا مَن أحْيا وأماتَ مَن أماتَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، فَقالَتِ الثَّلاثَةُ: كَذَبْتَ. ثُمَّ قالَ اثْنانِ مِنهم لِلثّالِثِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ابْنُ اللَّهِ، وهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، فَقالَ: اثْنانِ كَذَبْتَ، ثُمَّ قالَ أحَدُ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ: قُلْ فِيهِ، فَقالَ: هو ثالِثُ ثَلاثَةٍ، اللَّهُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، وأُمُّهُ إلَهٌ، وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةُ، وهم مُلُوكُ النَّصارى، فَقالَ الرّابِعُ: كَذَبْتَ، هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ورُوحُهُ مِن كَلِمَتِهِ، وهُمُ المُسْلِمُونَ، فَكانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم أتْباعٌ عَلى ما قالَ فاقْتَتَلُوا، فَظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] ١٠٣ . قالَ قَتادَةُ: وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ قالَ: اخْتَلَفُوا فِيهِ فَصارُوا أحْزابًا، فاخْتَصَمَ القَوْمُ، فَقالَ المَرْءُ المُسْلِمُ: أُنْشِدُكم بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ الطَّعامَ، وأنَّ اللَّهَ لا يَطْعَمُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَنامُ وأنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَخَصَمَهُمُ المُسْلِمُونَ فاقْتَتَلَ القَوْمُ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ ظَهَرَتْ يَوْمَئِذٍ وأُصِيبَ المُسْلِمُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ يَقُولُ: الكُفّارُ يَوْمَئِذٍ أسْمَعُ شَيْءٍ وأبْصَرُهُ، وهُمُ اليَوْمَ لا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ، يُجاءُ بِالمَوْتِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيْشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي أهْلَ النّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا ؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ هَذا المَوْتُ، وكُلُّهم قَدْ رَآهُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ ويُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾» الآيَةَ، وأشارَ بِيَدِهِ قالَ: أهْلُ الدُّنْيا في غَفْلَةٍ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَرَأ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ ياحَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وعَلِيٌّ هَذا ضَعِيفٌ، والآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها ابْنُ عَبّاسٍ لا تَدُلُّ عَلى المَطْلُوبِ لا بِمُطابَقَةٍ ولا تَضَمُّنٍ ولا التِزامٍ.

مريم 19:41

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

مريم 19:42

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

مريم 19:43

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

مريم 19:44

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

مريم 19:45

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

مريم 19:46

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

مريم 19:47

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

مريم 19:48

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

مريم 19:49

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.

مريم 19:50

. قَوْلُهُ: واذْكُرْ مَعْطُوفٌ عَلى وأنْذِرْ، والمُرادُ بِذِكْرِ الرَّسُولِ إيّاهُ في الكِتابِ أنْ يَتْلُوَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]، وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَذْكُرَهُ، وهي مُعْتَرِضَةٌ ما بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، والصِّدِّيقُ كَثِيرُ الصِّدْقِ، وانْتِصابُ ( نَبِيًّا ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِ ( كانَ ): أيِ اذْكُرْ إبْراهِيمَ الجامِعَ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ. وإذْ قالَ لِأبِيهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرِ بِالوَقْتِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ لِلْمُبالَغَةِ، وأبُو إبْراهِيمَ هو آزَرُ عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، والتّاءُ في ( يا أبَتِ ) عِوَضٌ عَنِ الياءِ، ولِهَذا لا يَجْتَمِعانِ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ ﴿ما لا يَسْمَعُ﴾ ما تَقُولُهُ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ ﴿ولا يُبْصِرُ﴾ ما تَفْعَلُهُ مِن عِبادَتِهِ ومِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَفْعَلُها مُرِيدًا بِها الثَّوابَ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ نَفْيُ السَّمْعِ والإبْصارِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أيْ: لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِنَ المَسْمُوعاتِ، ولا يُبْصِرُ شَيْئًا مِنَ المُبْصَراتِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَلا يَجْلِبُ لَكَ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْكَ ضَرَرًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها آزَرُ، أوْرَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أبِيهِ الدَّلائِلَ والنَّصائِحَ، وصَدَّرَ كُلًّا مِنها بِالنِّداءِ المُتَضَمِّنِ لِلرِّفْقِ واللِّينِ اسْتِمالَةً لِقَلْبِهِ، وامْتِثالًا لِأمْرِ رَبِّهِ. ثُمَّ كَرَّرَ دَعْوَتَهُ إلى الحَقِّ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ فَأخْبَرَ أنَّهُ قَدْ وصَلَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ نَصِيبٌ لَمْ يَصِلْ إلى أبِيهِ، وأنَّهُ قَدْ تَجَدَّدَ لَهُ حُصُولُ ما يَتَوَصَّلُ بِهِ مِنهُ إلى الحَقِّ، ويَقْتَدِرُ (p-٨٩١)بِهِ عَلى إرْشادِ الضّالِّ، ولِهَذا أمَرَهُ بِاتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ مُسْتَوِيًا مُوَصِّلًا إلى المَطْلُوبِ مُنَجِّيًا مِنَ المَكْرُوهِ. ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِنَصِيحَةٍ أُخْرى زاجِرَةٍ لَهُ عَمّا هو فِيهِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ أيْ: لا تُطِعْهُ، فَإنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ هي مِن طاعَةِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ حِينَ تَرَكَ ما أمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، ومَن أطاعَ مَن هو عاصٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو عاصٍ لِلَّهِ، والعاصِي حَقِيقٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ النِّعَمُ وتَحِلَّ بِهِ النِّقَمُ. قالَ الكِسائِيُّ: العَصِيُّ والعاصِي بِمَعْنًى واحِدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ الباعِثَ عَلى هَذِهِ النَّصائِحِ فَقالَ: ﴿ياأبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى ( أخافُ ) هُنا أعْلَمُ. وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ الخَوْفَ هُنا مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّ إبْراهِيمَ غَيْرُ جازِمٍ بِمَوْتِ أبِيهِ عَلى الكُفْرِ، إذْ لَوْ كانَ جازِمًا بِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِنُصْحِهِ، ومَعْنى الخَوْفِ عَلى الغَيْرِ: هو أنْ يَظُنَّ وُصُولَ الضَّرَرِ إلى ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ أيْ: إنَّكَ إذا أطَعْتَ الشَّيْطانَ كُنْتَ مَعَهُ في النّارِ واللَّعْنَةِ، فَتَكُونُ بِهَذا السَّبَبِ مُوالِيًا، أوْ تَكُونُ بِسَبَبِ مُوالاتِهِ في العَذابِ مَعَهُ، ولَيْسَ هُناكَ ولايَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى التّالِي، وقِيلَ: الوَلِيُّ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْ: تَكُونَ لِلشَّيْطانِ قَرِيبًا مِنهُ في النّارِ. فَلَمّا مَرَّتْ هَذِهِ النَّصائِحُ النّافِعَةُ والمَواعِظُ المَقْبُولَةُ بِسَمْعِ آزَرَ قابَلَها بِالغِلْظَةِ والفَظاظَةِ والقَسْوَةِ، فَ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ، والمَعْنى: أمُعْرِضٌ أنْتَ عَنْ ذَلِكَ ومُنْصَرِفٌ إلى غَيْرِهِ ؟ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فَقالَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ: بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: بِاللِّسانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُ لَأشْتُمَنَّكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَأضْرِبَنَّكَ، وقِيلَ: لَأُظْهِرَنَّ أمْرَكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أيْ: زَمانًا طَوِيلًا. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: هَجَرْتُهُ مَلِيًّا ومَلْوَةً ومَلاوَةً، بِمَعْنى المَلاوَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهو الطَّوِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ: ؎فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لِمَوْتِهِ وبَكَتْ عَلَيْهِ المُرَمَّلاتُ مَلِيّا وقِيلَ: مَعْناهُ اعْتَزِلْنِي سالِمَ العِرْضِ لا تُصِيبُكَ مِنِّي مَعَرَّةٌ، واخْتارَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ، فَمَلِيًّا عَلى هَذا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ إصْرارَ أبِيهِ عَلى العِنادِ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ: تَحِيَّةُ تَوْدِيعٍ ومُتارَكَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقِيلَ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وإنَّما أمَّنَهُ مَعَ كُفْرِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالِهِ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الدُّعاءُ لَهُ بِالسَّلامَةِ، اسْتِمالَةً لَهُ ورِفْقًا بِهِ ثُمَّ وعَدَهُ بِأنْ يَطْلُبَ لَهُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَألُّفًا لَهُ وطَمَعًا في لِينِهِ وذَهابِ قَسْوَتِهِ ؎والشَّيْخُ لا يَتْرُكُ أخْلاقَهُ ∗∗∗ حَتّى يُوارى في ثَرى رَمْسِهِ وكانَ مِنهُ هَذا الوَعْدُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ وتَحِقُّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَعْنى سَأطْلُبُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ كانَ بِي كَثِيرَ البِرِّ واللُّطْفِ، يُقالُ: حَفِيَ بِهِ وتَحَفّى: إذا بَرَّهُ. قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ: حَفِيَ بِي حَفاوَةً وحَفْوَةً. وقالَ الفَرّاءُ: ( ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ) أيْ: عالِمًا لَطِيفًا يُجِيبُنِي إذا دَعَوْتُهُ. ثُمَّ صَرَّحَ الخَلِيلُ بِما تَضَمَّنَهُ سَلامُهُ مِنَ التَّوْدِيعِ والمُتارَكَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أُهاجِرُ بِدِينِي عَنْكم وعَنْ مَعْبُوداتِكم؛ حَيْثُ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي ولا نَجَعَتْ فِيكم دَعْوَتِي وأدْعُو رَبِّي وحْدَهُ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أيْ: خائِبًا، وقِيلَ: عاصِيًا. قِيلَ: أرادَ بِهَذا الدُّعاءِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ولَدًا وأهْلًا يَسْتَأْنِسُ بِهِمْ في اعْتِزالِهِ ويَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ وحْشَتِهِ، وقِيلَ: أرادَ دُعاءَهُ لِأبِيهِ بِالهِدايَةِ، و( عَسى ) لِلشَّكِّ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَدْرِي هَلْ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِ أمْ لا. والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: جَعَلْنا هَؤُلاءِ المَوْهُوبِينَ لَهُ أهْلًا ووَلَدًا بَدَلَ الأهْلِ الَّذِينَ فارَقَهم ﴿وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، وانْتِصابُ ( كُلًّا ) عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلْنا قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَعَلْنا نَبِيًّا، لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ. ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ بِأنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ، وذَكَرَ هَذا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ لِبَيانِ أنَّ النُّبُوَّةَ هي مِن بابِ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المالُ، وقِيلَ: الأوْلادُ، وقِيلَ: الكِتابُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَها جَمِيعُ هَذِهِ الأُمُورِ ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ لِسانُ الصِّدْقِ: الثَّناءُ الحَسَنُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِاللِّسانِ لِكَوْنِهِ يُوجَدُ بِهِ كَما عَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ العَطِيَّةِ، وإضافَتُهُ إلى الصِّدْقِ ووَصْفُهُ بِالعُلُوِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أحِقّاءُ بِما يُقالُ فِيهِمْ مِنَ الثَّناءِ عَلى ألْسُنِ العِبادِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ﴾ قالَ: لَأشْتُمَنَّكَ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: حِينًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قالَ: اجْتَنِبْنِي سَوِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: اجْتَنِبْنِي سالِمًا قَبْلَ أنْ تُصِيبَكَ مِنِّي عُقُوبَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ ﴿مَلِيًّا﴾ دَهْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: سالِمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ قالَ: لَطِيفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ قالَ: يَقُولُ: وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ.