Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الكهف 18:106 – مريم 19:20

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الكهف 18:106
  2. الكهف 18:107
  3. الكهف 18:108
  4. الكهف 18:109
  5. الكهف 18:110
  6. مريم 19:1
  7. مريم 19:2
  8. مريم 19:3
  9. مريم 19:4
  10. مريم 19:5
  11. مريم 19:6
  12. مريم 19:7
  13. مريم 19:8
  14. مريم 19:9
  15. مريم 19:10
  16. مريم 19:11
  17. مريم 19:12
  18. مريم 19:13
  19. مريم 19:14
  20. مريم 19:15
  21. مريم 19:16
  22. مريم 19:17
  23. مريم 19:18
  24. مريم 19:19
  25. مريم 19:20

الكهف 18:106

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:107

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:108

. قَوْلُهُ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ كَلامِ ذِي القَرْنَيْنِ، والضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أيْ: تَرَكْنا بَعْضَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ مَجِيءِ الوَعْدِ، أوْ يَوْمَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَمُوجُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنهم، يُقالُ: ماجَ النّاسُ: إذا دَخَلَ بَعْضُهم في بَعْضِ حَيارى كَمَوْجِ الماءِ. والمَعْنى أنَّهم يَضْطَرِبُونَ ويَخْتَلِطُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ( بَعْضِهِمْ ) لِلْخَلْقِ، واليَوْمُ يَوْمُ القِيامَةِ أيْ: وجَعَلْنا بَعْضَ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقِيلَ: المَعْنى: وتَرَكْنا يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ يَوْمَ (p-٨٧٨)كَمالِ السَّدِّ وتَمامِ عِمارَتِهِ بَعْضُهم يَمُوجُ في بَعْضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ في الأنْعامِ، قِيلَ: هي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ فَإنَّ الفاءَ تُشْعِرُ بِذَلِكَ، ولَمْ يَذْكُرِ النَّفْخَةَ الأُولى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا ذِكْرُ أحْوالِ القِيامَةِ. والمَعْنى: جَمَعْنا الخَلائِقَ بَعْدَ تَلاشِي أبْدانِهِمْ، ومَصِيرِها تُرابًا جَمْعًا تامًّا عَلى أكْمَلِ صِفَةٍ وأبْدَعِ هَيْئَةٍ وأعْجَبِ أُسْلُوبٍ. ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ المُرادُ بِالعَرْضِ هُنا الإظْهارُ أيْ: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ حَتّى شاهَدُوها يَوْمَ جَمْعِنا لَهم، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ مَعَهم عِنْدَ مُشاهَدَتِها مِنَ الفَزَعِ والرَّوْعَةِ. ثُمَّ وصَفَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أيْ: كانَتْ أعْيُنُهم في الدُّنْيا في غِطاءٍ وهو ما غَطّى الشَّيْءَ وسَتَرَهُ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ ( عَنْ ذِكْرِي ) عَنْ سَبَبِ ذِكْرِي وهو الآياتُ الَّتِي يُشاهِدُها مَن لَهُ تَفَكُّرٌ واعْتِبارٌ فَيَذْكُرُ اللَّهَ بِالتَّوْحِيدِ والتَّمْجِيدِ، فَأطْلَقَ المُسَبَّبَ عَلى السَّبَبِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَأمُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ فَوائِدِهِ. ثُمَّ لَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالعَمى عَنِ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ أوِ التَّنْزِيلِيَةِ أوْ مَجْمُوعِهِما، أرادَ أنْ يَصِفَهم بِالصَّمَمِ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ فَقالَ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِماعِ لِما فِيهِ الحَقُّ مِن كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ رَسُولِهِ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالَ: وكانُوا صُمًّا؛ لَأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ، وهَؤُلاءِ لا اسْتِطاعَةَ لَهم بِالكُلِّيَّةِ، وفي ذِكْرِ غِطاءِ الأعْيُنِ وعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّماعِ تَمْثِيلٌ لِتَعامِيهِمْ عَنِ المُشاهَدَةِ بِالأبْصارِ وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الحُسْبانُ هُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَنَظائِرِهِ. والمَعْنى: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ومَعْنى ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي﴾ أيْ: يَتَّخِذُوهم مِن دُونِ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ والمَسِيحُ والشَّياطِينُ أوْلِياءَ أيْ: مَعْبُودِينَ، قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أيَحْسَبُونَ أنْ يَنْفَعَهم ذَلِكَ، وقُرِئَ ( أفَحَسْبَ ) بِسُكُونِ السِّينِ، ومَعْناهُ: أكافِيهِمْ ومُحْسِبُهم أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِيهِمْ ولا يَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ كَما حَسِبُوا ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أيْ: هَيَّأْناها لَهم نُزُلًا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عِنْدَ وُرُودِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: النُّزُلُ المَأْوى والمَنزِلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الَّذِي يُعَدُّ لِلضَّيْفِ، فَيَكُونُ تَهْكُّمًا بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، والمَعْنى: أنَّ جَهَنَّمَ مُعَدَّةٌ لَهم عِنْدَنا كَما يُعَدُّ النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ انْتِصابُ ( أعْمالًا ) عَلى التَّمْيِيزِ، والجَمْعُ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الأنْواعِ مِنها. ومَحَلُّ المَوْصُولِ وهو ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم، والمُرادُ بِضَلالِ السَّعْيِ بُطْلانُهُ وضَياعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الذَّمِّ. ويَكُونُ الجَوابُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْأخْسَرِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ويَكُونُ الجَوابُ أيْضًا هو ( أُولَئِكَ ) وما بَعْدَهُ، وأوَّلُ هَذِهِ الوُجُوهِ هو أوْلاها، وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ( ضَلَّ ) أيْ: والحالُ أنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ في ذَلِكَ مُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِتَكْمِيلِ الخُسْرانِ وبَيانِ سَبَبِهِ. هَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ الرّاجِحِ لا عَلى الوُجُوهِ الأُخْرى؛ فَإنَّها هي الجَوابُ كَما قَدَّمْنا، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ: كُفْرُهم بِدَلائِلِ تَوْحِيدِهِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِلِقائِهِ: كُفْرُهم بِالبَعْثِ وما بَعْدَهُ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ: الَّتِي عَمِلُوها مِمّا يَظُنُّونَهُ حَسَنًا، وهو خُسْرانٌ وضَلالٌ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ: لا يَكُونُ لَهم عِنْدَنا قَدْرٌ ولا نَعْبَأُ بِهِمْ، وقِيلَ: لا يُقامُ لَهم مِيزانٌ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، وهَؤُلاءِ لا حَسَناتٍ لَهم. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: العَرَبُ تَقُولُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ: أيْ قَدْرٌ، لِخِسَّتِهِ، ويُوصَفُ الرَّجُلُ بِأنَّهُ لا وزْنَ لَهُ لِخِفَّتِهِ، وسُرْعَةِ طَيْشِهِ، وقِلَّةِ تَثَبُّتِهِ. والمَعْنى عَلى هَذا: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يُقِيمُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: فَلا يُقِيمُ اللَّهُ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ عاقِبَةَ هَؤُلاءِ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم فَقالَ: ( ذَلِكَ ) أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ جَزاؤُهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ( جَهَنَّمُ ) عَطْفَ بَيانٍ لِلْجَزاءِ، أوْ جُمْلَةُ ( جَزاؤُهم جَهَنَّمُ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ ذَلِكَ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهم ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اتِّخاذَ آياتِ اللَّهِ واتِّخاذَ رُسُلِهِ هُزُوًا، فالباءُ في بِما كَفَرُوا لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ هُزُوًا: أنَّهم مَهْزُوءٌ بِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ أعْمالًا، فَقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، وقِيلَ: الخَوارِجُ، وقِيلَ: الرُّهْبانُ أصْحابُ الصَّوامِعِ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى العُمُومِ لِكُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا الوَعِيدِ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الوَعْدَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَهُما حَتّى كانُوا عَلى ضِدِّ صِفَةِ مَن قَبْلَهم كانَتْ لَهم قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( كانَتْ ) فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ كانَتْ لِأهْلِ طاعَتِهِ ﴿جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. واخْتارَ الزَّجّاجُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ: إنَّ الفِرْدَوْسَ البُسْتانُ بِاللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ النُّزُلِ، وانْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ. والمَعْنى: كانَتْ لَهم ثِمارُ جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا مُعَدًّا لَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ. وانْتِصابُ خالِدِينَ فِيها عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والحِوَلُ مَصْدَرٌ أيْ: لا يَطْلُبُونَ تَحَوُّلًا عَنْها؛ إذْ هي أعْزُ مِن أنْ يَطْلُبُوا غَيْرَها، أوْ تَشْتاقَ أنْفُسُهم إلى سِواها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ قُتَيْبَةَ (p-٨٧٩)والأزْهَرِيُّ: الحِوَلُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّحَوُّلِ يَقُومُ مَقامَ المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: إنَّ الحِوَلَ التَّحْوِيلُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ هارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ الآيَةَ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ سَمْعًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ ( أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ بِجَزْمِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ أهُمُ الحَرُورِيَّةُ ؟ قالَ: لا، هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، أمّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ فِيها ولا شَرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، وكانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الفاسِقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ مُصْعَبٍ قالَ: قُلْتُ لِأبِي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ الحَرُورِيَّةُ هم ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم أصْحابُ الصَّوامِعِ، والحَرُورِيَّةُ قَوْمٌ زاغُوا فَأزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي حُمَيْصَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾: إنَّهُمُ الرُّهْبانُ الَّذِينَ حَبَسُوا أنْفُسَهم في السَّوارِي. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وسَألَهُ ابْنُ الكَوّاءِ فَقالَ: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: فَجَرَةُ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ قالَ: لا أظُنُّ إلّا أنَّ الخَوارِجَ مِنهم، وفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، وقالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «سَلُوا اللَّهَ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّها سُرَّةُ الجَنَّةِ، وإنَّ أهْلَ الفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أطِيطَ العَرْشِ» . وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ وسَطُ الجَنَّةِ، وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، كُلُّ دَرَجَةٍ مِنها ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِن فَوْقِها يَكُونُ العَرْشُ، ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ الأرْبَعَةُ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ»، والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفِرْدَوْسُ بُسْتانٌ بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هو الكَرْمُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ كَعْبًا عَنِ الفِرْدَوْسِ قالَ: هي جَنّاتُ الأعْنابِ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا.

الكهف 18:109

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنْواعَ الدَّلائِلِ نَبَّهَ عَلى كَمالِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ المِدادُ مِدادًا لِإمْدادِهِ الكاتِبَ، وأصْلُهُ مِنَ الزِّيادَةِ ومَجِيءِ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ، ويُقالُ لِلزَّيْتِ الَّذِي يُوقَدُ بِهِ السِّراجُ مِدادٌ، والمُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الجِنْسُ. والمَعْنى: لَوْ كُتِبَتْ كَلِماتُ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهُ، وفُرِضَ أنَّ جِنْسَ البَحْرِ مِدادٌ لَها لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ نُفُودِ الكَلِماتِ، ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِ البَحْرِ مِدادًا لَنَفِدَ أيْضًا، وقِيلَ في بَيانِ المَعْنى: لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِلْقَلَمِ والقَلَمُ يَكْتُبُ ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ كَلامٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ قَوْلِهِ قُلْ لَوْ كانَ وفِيهِ زِيادَةُ مُبالَغَةٍ وتَأْكِيدٍ، والواوُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ مَدْلُولٍ عَلَيْها بِما قَبْلَها أيْ: لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُهُ لَوْ لَمْ يَجِئْ بِمِثْلِهِ مَدَدًا ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا، والمَدَدُ الزِّيادَةُ، وقِيلَ: عَنى سُبْحانَهُ بِالكَلِماتِ الكَلامَ القَدِيمَ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ ولا مُنْتَهًى، وهو وإنْ كانَ واحِدًا فَيَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ، وقَدْ عَبَّرَتِ العَرَبُ عَنِ الفَرْدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، قالَ الأعْشى: ؎ووَجْهٌ نَقِيُّ اللَّوْنِ صافٍ يُزَيِّنُهُ مَعَ الجِيدِ لُبّاتٌ لَها ومَعاصِمُ فَعَبَّرَ بِاللُّبّاتِ عَنِ اللُّبَّةِ. قالَ الجِبائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِماتِهِ قَدْ تَنْفَدُ في الجُمْلَةِ، وما ثَبَتَ عَدَمُهُ امْتَنَعَ قِدَمُهُ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى مُتَعَلِّقاتِ تِلْكَ الصِّفَةِ الأزَلِيَّةِ، وقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ نَفادَ شَيْءٍ قَبْلَ نَفادِ شَيْءٍ آخَرَ لا يَدُلُّ عَلى نَفادِ الشَّيْءِ الآخَرِ، ولا عَلى عَدَمِ نَفادِهِ، فَلا يُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ إلّا كَثْرَةُ كَلِماتِ اللَّهِ بِحَيْثُ لا تَضْبِطُها عُقُولُ البَشَرِ، أمّا أنَّها مُتَناهِيَةٌ، أوْ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ فَلا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ في الآيَةِ. والحَقُّ أنَّ كَلِماتِ اللَّهِ تابِعَةٌ لِمَعْلُوماتِهِ، وهي غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فالكَلِماتُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ( ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مِدادًا ) وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقَرَأ الباقُونَ: مَدَدًا وقَرَأ حَمْزَةُ (p-٨٨٠)والكِسائِيُّ: ( قَبْلَ أنْ يَنْفَدَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ. ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَ التَّواضُعِ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: إنَّ حالِي مَقْصُورٌ عَلى البَشَرِيَّةِ لا يَتَخَطّاها إلى المَلَكِيَّةِ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَدَّعِي الإحاطَةَ بِكَلِماتِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ امْتازَ عَنْهم بِالوَحْيِ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَقالَ: يُوحى إلَيَّ وكَفى بِهَذا الوَصْفِ فارِقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ أنْواعِ البَشَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ في أُلُوهِيَّتِهِ، وفي هَذا إرْشادٌ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالعَمَلِ الصّالِحِ والتَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الرَّجاءُ تَوَقُّعُ حُصُولِ الخَيْرِ في المُسْتَقْبَلِ، والمَعْنى: مَن كانَ لَهُ هَذا الرَّجاءُ الَّذِي هو شَأْنُ المُؤْمِنِينَ ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ وهو ما دَلَّ الشَّرْعُ عَلى أنَّهُ عَمَلُ خَيْرٍ يُثابُ عَلَيْهِ فاعِلُهُ ﴿ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهِ سَواءٌ كانَ صالِحًا، أوْ طالِحًا، حَيَوانًا أوْ جَمادًا، قالَ الماوَرْدِيُّ: قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَّأْوِيلِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المَعْنى لا يُرائِي بِعَمَلِهِ أحَدًا. وأقُولُ: إنَّ دُخُولَ الشِّرْكِ الجَلِيِّ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ هو المُقَدَّمُ عَلى دُخُولِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ الَّذِي هو الرِّياءُ، ولا مانِعَ مِن دُخُولِ هَذا الخَفِيِّ تَحْتَها، إنَّما المانِعُ مِن كَوْنِهِ هو المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: عِلْمُ رَبِّيَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ: يَنْفَدُ ماءُ البَحْرِ قَبْلَ أنْ يَنْفَدَ كَلامُ اللَّهِ وحِكْمَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: أُنْزِلَتْ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ في المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي أقِفُ المَواقِفَ أبْتَغِي وجْهَ اللَّهِ، وأُحِبُّ أنْ يُرى مَوْطِنِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ جُنْدُبُ بْنُ زُهَيْرٍ إذا صَلّى أوْ صامَ أوْ تَصَدَّقَ فَذُكِرَ بِخَيْرٍ ارْتاحَ لَهُ، فَزادَ في ذَلِكَ: لِقالَةِ النّاسِ، فَلا يُرِيدُ بِهِ اللَّهُ، فَنَزَلَ في ذَلِكَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أعْتِقُ وأُحِبُّ أنْ يُرى، وأتَصَدَّقُ وأُحِبُّ أنْ يُرى، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ»، وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَهُ هَنّادٌ في الزُّهْدِ عَنْهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ أبِي فَضالَةَ الأنْصارِيِّ وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، نادى مُنادٍ: مَن كانَ أشْرَكَ في عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ وهو يَبْتَغِي عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ؟ فَقالَ: لا أجْرَ لَهُ، فَأعْظَمَ النّاسُ ذَلِكَ، فَعادَ الرَّجُلُ فَقالَ: لا أجْرَ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الإخْلاصِ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: كُنّا نَعُدُّ الرِّياءَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الشِّرْكَ الأصْغَرَ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أيْضًا قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَن صَلّى يُرائِي فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن صامَ يُرائِي فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَصَدَّقَ يُرائِي فَقَدْ أشْرَكَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، عَنْ شَدّادٍ أيْضًا قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أنا خَيْرُ قَسِيمٍ لِمَن أشْرَكَ بِي، مَن أشْرَكَ بِي شَيْئًا فَإنَّ عَمَلَهُ قَلِيلَهُ وكَثِيرَهُ لِشَرِيكِهِ الَّذِي أشْرَكَهُ، أنا عَنْهُ غَنِيٌّ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أُخْبِرُكم بِما هو أخْوَفُ عَلَيْكم عِنْدِي مِنَ المَسِيخِ، الشِّرْكُ الخَفِيُّ، أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي لِمَكانِ رَجُلٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «أتَخَوَّفُ عَلى أُمَّتِي الشِّرْكَ والشَّهْوَةَ الخَفِيَّةَ، قُلْتُ: أتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِن بَعْدِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما إنَّهم لا يَعْبُدُونَ شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا حَجَرًا ولا وثَنًا، ولَكِنْ يُراءُونَ النّاسَ بِأعْمالِهِمْ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ ؟ قالَ: يُصْبِحُ أحَدُهم صائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِن شَهَواتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ ويُواقِعُ شَهْوَتَهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: ( «أنا خَيْرُ الشُّرَكاءِ، فَمَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأنا بَرِيءٌ مِنهُ، وهو لِلَّذِي أشْرَكَ» ) وفي لَفْظٍ: ( «فَمَن أشْرَكَ بِي أحَدًا فَهو لَهُ كُلُّهُ» ) . وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في التَّحْذِيرِ مِنَ الرِّياءِ، وأنَّهُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُهُ، وقَدِ اسْتَوْفاها صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ في هَذا المَوْضِعِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالآيَةِ، بَلِ الشِّرْكُ الجَلِيُّ يَدْخُلُ تَحْتَها دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى فَرْضِ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو الرِّياءُ كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما قَدَّمْنا، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ. وقَدْ ورَدَ في فَضائِلِ هَذِهِ الآيَةِ بِخُصُوصِها ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي حَكِيمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلى أُمَّتِي إلّا خاتِمَةُ سُورَةِ الكَهْفِ لَكَفَتْهم» . وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ والبَزّارُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ، كانَ لَهُ نُورٌ مِن عَدَنِ أبْيَنَ إلى مَكَّةَ حَشْوُهُ المَلائِكَةُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ جِدًّا. (p-٨٨١)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: مَن حَفِظَ خاتِمَةَ الكَهْفِ كانَ لَهُ نُورٌ يَوْمَ القِيامَةِ مِن لَدُنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ وقالَ: إنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا أثَرٌ مُشْكِلٌ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي آخِرُ سُورَةِ الكَهْفِ، والكَهْفُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ، ولَعَلَّ مُعاوِيَةَ أرادَ أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَها ما يَنْسَخُها ولا يُغِيِّرُ حُكْمَها، بَلْ هي مُثْبَتَةٌ مُحْكَمَةٌ، فاشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ الرُّواةِ فَرَوى بِالمَعْنى عَلى ما فَهِمَهُ.

الكهف 18:110

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنْواعَ الدَّلائِلِ نَبَّهَ عَلى كَمالِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ المِدادُ مِدادًا لِإمْدادِهِ الكاتِبَ، وأصْلُهُ مِنَ الزِّيادَةِ ومَجِيءِ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ، ويُقالُ لِلزَّيْتِ الَّذِي يُوقَدُ بِهِ السِّراجُ مِدادٌ، والمُرادُ بِالبَحْرِ هُنا الجِنْسُ. والمَعْنى: لَوْ كُتِبَتْ كَلِماتُ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهُ، وفُرِضَ أنَّ جِنْسَ البَحْرِ مِدادٌ لَها لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ نُفُودِ الكَلِماتِ، ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِ البَحْرِ مِدادًا لَنَفِدَ أيْضًا، وقِيلَ في بَيانِ المَعْنى: لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِلْقَلَمِ والقَلَمُ يَكْتُبُ ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ كَلامٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ قَوْلِهِ قُلْ لَوْ كانَ وفِيهِ زِيادَةُ مُبالَغَةٍ وتَأْكِيدٍ، والواوُ لِعَطْفِ ما بَعْدَهُ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ مَدْلُولٍ عَلَيْها بِما قَبْلَها أيْ: لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُهُ لَوْ لَمْ يَجِئْ بِمِثْلِهِ مَدَدًا ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا، والمَدَدُ الزِّيادَةُ، وقِيلَ: عَنى سُبْحانَهُ بِالكَلِماتِ الكَلامَ القَدِيمَ الَّذِي لا غايَةَ لَهُ ولا مُنْتَهًى، وهو وإنْ كانَ واحِدًا فَيَجُوزُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ، وقَدْ عَبَّرَتِ العَرَبُ عَنِ الفَرْدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، قالَ الأعْشى: ؎ووَجْهٌ نَقِيُّ اللَّوْنِ صافٍ يُزَيِّنُهُ مَعَ الجِيدِ لُبّاتٌ لَها ومَعاصِمُ فَعَبَّرَ بِاللُّبّاتِ عَنِ اللُّبَّةِ. قالَ الجِبائِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِماتِهِ قَدْ تَنْفَدُ في الجُمْلَةِ، وما ثَبَتَ عَدَمُهُ امْتَنَعَ قِدَمُهُ. وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ الألْفاظُ الدّالَّةُ عَلى مُتَعَلِّقاتِ تِلْكَ الصِّفَةِ الأزَلِيَّةِ، وقِيلَ: في الجَوابِ إنَّ نَفادَ شَيْءٍ قَبْلَ نَفادِ شَيْءٍ آخَرَ لا يَدُلُّ عَلى نَفادِ الشَّيْءِ الآخَرِ، ولا عَلى عَدَمِ نَفادِهِ، فَلا يُسْتَفادُ مِنَ الآيَةِ إلّا كَثْرَةُ كَلِماتِ اللَّهِ بِحَيْثُ لا تَضْبِطُها عُقُولُ البَشَرِ، أمّا أنَّها مُتَناهِيَةٌ، أوْ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ فَلا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ في الآيَةِ. والحَقُّ أنَّ كَلِماتِ اللَّهِ تابِعَةٌ لِمَعْلُوماتِهِ، وهي غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، فالكَلِماتُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ ( ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مِدادًا ) وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وقَرَأ الباقُونَ: مَدَدًا وقَرَأ حَمْزَةُ (p-٨٨٠)والكِسائِيُّ: ( قَبْلَ أنْ يَنْفَدَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ. ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَ التَّواضُعِ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ: إنَّ حالِي مَقْصُورٌ عَلى البَشَرِيَّةِ لا يَتَخَطّاها إلى المَلَكِيَّةِ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَدَّعِي الإحاطَةَ بِكَلِماتِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ امْتازَ عَنْهم بِالوَحْيِ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَقالَ: يُوحى إلَيَّ وكَفى بِهَذا الوَصْفِ فارِقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ أنْواعِ البَشَرِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ في أُلُوهِيَّتِهِ، وفي هَذا إرْشادٌ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالعَمَلِ الصّالِحِ والتَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الرَّجاءُ تَوَقُّعُ حُصُولِ الخَيْرِ في المُسْتَقْبَلِ، والمَعْنى: مَن كانَ لَهُ هَذا الرَّجاءُ الَّذِي هو شَأْنُ المُؤْمِنِينَ ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا﴾ وهو ما دَلَّ الشَّرْعُ عَلى أنَّهُ عَمَلُ خَيْرٍ يُثابُ عَلَيْهِ فاعِلُهُ ﴿ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ مِن خَلْقِهِ سَواءٌ كانَ صالِحًا، أوْ طالِحًا، حَيَوانًا أوْ جَمادًا، قالَ الماوَرْدِيُّ: قالَ جَمِيعُ أهْلِ التَّأْوِيلِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ المَعْنى لا يُرائِي بِعَمَلِهِ أحَدًا. وأقُولُ: إنَّ دُخُولَ الشِّرْكِ الجَلِيِّ الَّذِي كانَ يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ هو المُقَدَّمُ عَلى دُخُولِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ الَّذِي هو الرِّياءُ، ولا مانِعَ مِن دُخُولِ هَذا الخَفِيِّ تَحْتَها، إنَّما المانِعُ مِن كَوْنِهِ هو المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ يَقُولُ: عِلْمُ رَبِّيَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ: يَنْفَدُ ماءُ البَحْرِ قَبْلَ أنْ يَنْفَدَ كَلامُ اللَّهِ وحِكْمَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ قالَ: أُنْزِلَتْ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ، ولَيْسَتْ هَذِهِ في المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنِّي أقِفُ المَواقِفَ أبْتَغِي وجْهَ اللَّهِ، وأُحِبُّ أنْ يُرى مَوْطِنِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في الصَّحابَةِ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ جُنْدُبُ بْنُ زُهَيْرٍ إذا صَلّى أوْ صامَ أوْ تَصَدَّقَ فَذُكِرَ بِخَيْرٍ ارْتاحَ لَهُ، فَزادَ في ذَلِكَ: لِقالَةِ النّاسِ، فَلا يُرِيدُ بِهِ اللَّهُ، فَنَزَلَ في ذَلِكَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أعْتِقُ وأُحِبُّ أنْ يُرى، وأتَصَدَّقُ وأُحِبُّ أنْ يُرى، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ»، وهو مُرْسَلٌ. وأخْرَجَهُ هَنّادٌ في الزُّهْدِ عَنْهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ أبِي فَضالَةَ الأنْصارِيِّ وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، نادى مُنادٍ: مَن كانَ أشْرَكَ في عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ وهو يَبْتَغِي عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا ؟ فَقالَ: لا أجْرَ لَهُ، فَأعْظَمَ النّاسُ ذَلِكَ، فَعادَ الرَّجُلُ فَقالَ: لا أجْرَ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الإخْلاصِ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: كُنّا نَعُدُّ الرِّياءَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الشِّرْكَ الأصْغَرَ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أيْضًا قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَن صَلّى يُرائِي فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن صامَ يُرائِي فَقَدْ أشْرَكَ، ومَن تَصَدَّقَ يُرائِي فَقَدْ أشْرَكَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ، عَنْ شَدّادٍ أيْضًا قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أنا خَيْرُ قَسِيمٍ لِمَن أشْرَكَ بِي، مَن أشْرَكَ بِي شَيْئًا فَإنَّ عَمَلَهُ قَلِيلَهُ وكَثِيرَهُ لِشَرِيكِهِ الَّذِي أشْرَكَهُ، أنا عَنْهُ غَنِيٌّ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أُخْبِرُكم بِما هو أخْوَفُ عَلَيْكم عِنْدِي مِنَ المَسِيخِ، الشِّرْكُ الخَفِيُّ، أنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي لِمَكانِ رَجُلٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «أتَخَوَّفُ عَلى أُمَّتِي الشِّرْكَ والشَّهْوَةَ الخَفِيَّةَ، قُلْتُ: أتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِن بَعْدِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما إنَّهم لا يَعْبُدُونَ شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا حَجَرًا ولا وثَنًا، ولَكِنْ يُراءُونَ النّاسَ بِأعْمالِهِمْ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ ؟ قالَ: يُصْبِحُ أحَدُهم صائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِن شَهَواتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ ويُواقِعُ شَهْوَتَهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: ( «أنا خَيْرُ الشُّرَكاءِ، فَمَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأنا بَرِيءٌ مِنهُ، وهو لِلَّذِي أشْرَكَ» ) وفي لَفْظٍ: ( «فَمَن أشْرَكَ بِي أحَدًا فَهو لَهُ كُلُّهُ» ) . وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في التَّحْذِيرِ مِنَ الرِّياءِ، وأنَّهُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ، وأنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُهُ، وقَدِ اسْتَوْفاها صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ في هَذا المَوْضِعِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ، ولَكِنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالآيَةِ، بَلِ الشِّرْكُ الجَلِيُّ يَدْخُلُ تَحْتَها دُخُولًا أوَّلِيًّا، وعَلى فَرْضِ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ هو الرِّياءُ كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ ما قَدَّمْنا، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو مُقَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ. وقَدْ ورَدَ في فَضائِلِ هَذِهِ الآيَةِ بِخُصُوصِها ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي حَكِيمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «لَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلى أُمَّتِي إلّا خاتِمَةُ سُورَةِ الكَهْفِ لَكَفَتْهم» . وأخْرَجَ ابْنُ راهَوَيْهِ والبَزّارُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والشِّيرازِيُّ في الألْقابِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ في لَيْلَةٍ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ، كانَ لَهُ نُورٌ مِن عَدَنِ أبْيَنَ إلى مَكَّةَ حَشْوُهُ المَلائِكَةُ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: بَعْدَ إخْراجِهِ: غَرِيبٌ جِدًّا. (p-٨٨١)وأخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: مَن حَفِظَ خاتِمَةَ الكَهْفِ كانَ لَهُ نُورٌ يَوْمَ القِيامَةِ مِن لَدُنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ﴾ وقالَ: إنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا أثَرٌ مُشْكِلٌ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي آخِرُ سُورَةِ الكَهْفِ، والكَهْفُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ، ولَعَلَّ مُعاوِيَةَ أرادَ أنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَها ما يَنْسَخُها ولا يُغِيِّرُ حُكْمَها، بَلْ هي مُثْبَتَةٌ مُحْكَمَةٌ، فاشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ الرُّواةِ فَرَوى بِالمَعْنى عَلى ما فَهِمَهُ.

مريم 19:1

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:2

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:3

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:4

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:5

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:6

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:7

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:8

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:9

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:10

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:11

أخْرَجَ النَّحّاسُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ( كهيعص ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ، يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن ( كهيعص ) فَبَكى النَّجاشِيُّ حَتّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ القِصَّةَ بِطُولِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَوْلُهُ ﴿كهيعص﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ هَذِهِ الحُرُوفَ مُقَطَّعَةً، ووَصَلَها الباقُونَ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو الهاءَ وفَتَحَ الباءَ، وعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ، وأمالَهُما جَمِيعًا الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ وخَلَفٌ، وقَرَأهُما بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أهْلُ المَدِينَةِ وفَتْحَهُما الباقُونَ. وعَنْ خارِجَةَ أنَّ الحَسَنَ كانَ يَضُمُّ ( كافَ ) وحَكى عَنْ غَيْرِهِ أنَّهُ كانَ يَضُمُّ ( ها ) . وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ضَمُّ الكافِ ولا الهاءِ ولا الياءِ. قالَ النَّحّاسُ: قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أحْسَنِ ما في هَذا، والإمالَةُ جائِزَةٌ في ( ها ) وفي ( يا ) وقَدِ اعْتَرَضَ عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ جَماعَةٌ. وقِيلَ: في تَأْوِيلِها أنَّهُ كانَ يُشِمُّ الرَّفْعَ فَقَطْ. وأظْهَرَ الدّالَ مِن هِجاءَ ( صادْ ) نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ، وهو اخْتِيارُ أبُو عُبَيْدَةَ وأدْغَمَها الباقُونَ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ التَّفْخِيمَ هو الأصْلُ، والإمالَةَ فَرْعٌ عَنْهُ، فَمَن قَرَأ بِتَفْخِيمِ الهاءِ والياءِ فَقَدْ عَمِلَ بِالأصْلِ، ومَن أمالَهُما فَقَدْ عَمِلَ بِالفَرْعِ، ومَن أمالَ أحَدَهُما وفَخَّمَ الآخَرَ فَقَدْ عَمِلَ بِالأمْرَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في فَواتِحِ السُّوَرِ مُسْتَوْفًى في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَحِلِّ هَذِهِ الفاتِحَةِ إنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ الرَّفْعُ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ خَبَرُها ما بَعْدَها، قالَهُ الفَرّاءُ. واعْتَرَضَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: هَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ ( ﴿كهيعص﴾ ) لَيْسَ هو مِمّا أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنْهُ وعَمّا بُشِّرَ بِهِ، ولَيْسَ ( ﴿كهيعص﴾ ) مِن قِصَّتِهِ. أوْ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وإنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيما يُتْلى عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( ذِكْرُ ) مُرْتِفِعٌ بِالضَّمِيرِ، والمَعَنى: هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴿عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ يَعْنِي إجابَتَهُ إيّاهُ حِينَ دَعاهُ وسَألَهُ الوَلَدَ، وانْتِصابُ ( عَبْدَهُ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلرَّحْمَةِ قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: لِلذِّكْرِ. ومَعْنى ذِكْرِ الرَّحْمَةِ بُلُوغُها وإصابَتُها، كَما يُقالُ: ذَكَرَنِي مَعْرُوفُ فُلانٍ أيْ: بَلَغَنِي. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( ذِكْرَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ ( عَبْدُهُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ المَصْدَرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وفاعِلُ الذِّكْرِ هو ( عَبْدُهُ ) وزَكَرِيّا عَلى القِراءَتَيْنِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقَرَأ الكَلْبِيُّ ( ذَكَرَ ) عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي مُشَدَّدًا ومُخَفَّفًا عَلى أنَّ الفاعِلَ ( عَبَدُهُ ) وقَرَأ ابْنُ مَعْمَرٍ عَلى الأمْرِ، وتَكُونُ الرَّحْمَةُ عَلى هَذا عِبارَةٌ عَنْ زَكَرِيّا، لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ. ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ ( رَحْمَةِ )، وقِيلَ: ( ذِكْرُ )، وقِيلَ: هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن زَكَرِيّا، واخْتُلِفَ في وجْهِ كَوْنِ نِدائِهِ هَذا خَفِيًّا، فَقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وقِيلَ: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِهِ لِلْوَلَدِ في غَيْرِ وقْتِهِ، ولِكَوْنِهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أخْفاهُ مَخافَةً مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِنهُ لِكَوْنِهِ قَدْ صارَ ضَعِيفًا هَرِمًا لا يَقْدِرُ عَلى الجَهْرِ. ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: نادى رَبَّهُ. يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا إذا ضَعُفَ فَهو واهِنٌ، وقُرِئَ بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ، أرادَ أنَّ عِظامَهُ فَتَرَتْ وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وذَكَرَ العَظْمَ؛ لِأنَّهُ عَمُودُ البَدَنِ، وبِهِ قِوامُهُ، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَإذا وهَنَ تَداعى وتَساقَطَتْ قُوَّتُهُ، ولِأنَّ أشَدَّ ما في الإنْسانِ صُلْبُهُ، فَإذا وهَنَ كانَ ما وراءَهُ أوْهَنَ، ووَحَّدَ العَظْمَ قاصِدًا إلى الجِنْسِ المُفِيدِ لِشُمُولِ الوَهَنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِظامِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ السِّينِ في الشِّينِ، والباقُونَ بِعَدَمِهِ، والِاشْتِعالُ في الأصْلِ انْتِشارُ شُعاعِ النّارِ، فَشَبَّهَ بِهِ انْتِشارَ بَياضِ شَعَرِ الرَّأْسِ في سَوادِهِ بِجامِعِ البَياضِ والإنارَةِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، بِأنْ (p-٨٨٢)حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ وأداةَ التَّشْبِيهِ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مِن أبْدَعِ الِاسْتِعاراتِ وأحْسَنِها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ، وأنْشَدَ لِلَبِيدٍ: ؎فَإنْ تَرِي رَأْسِي أمْسى واضِحًا سُلِّطَ الشَّيْبُ عَلَيْهِ فاشْتَعَلَ وانْتِصابُ ( شَيْبًا ) عَلى التَّمْيِيزِ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ: انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنًى اشْتَعَلَ: شابَ. قالَ النَّحّاسُ: قَوْلُ الأخْفَشِ أوْلى لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ( فَعَلَ ) والمَصْدَرِيَّةُ أظْهَرُ فِيما كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأصْلُ: اشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي، فَأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ لِإفادَةِ الشُّمُولِ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أيْ: لَمْ أكُنْ بِدُعائِي إيّاكَ خائِبًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ كُلَّما دَعَوْتُكَ اسْتَجَبْتَ لِي. قالَ العُلَماءُ: يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْءِ أنْ يَجْمَعَ في دُعائِهِ بَيْنَ الخُضُوعِ، وذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ زَكَرِيّا هاهُنا، فَإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غايَةَ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ وإظْهارِ الضَّعْفِ والقُصُورِ عَنْ نَيْلِ مَطالِبِهِ وبُلُوغِ مَآرِبِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذِكْرُ ما عَوَّدَهُ اللَّهُ مِنَ الإنْعامِ عَلَيْهِ بِإجابَةِ أدْعِيَتِهِ، يُقالُ شَقِيَ بِكَذا، أيْ: تَعِبَ فِيهِ ولَمْ يُحَصِّلْ مَقْصُودَهُ مِنهُ. ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وأبُوهُ عَلِيٌّ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ( خَفَّتِ ) بِفَتْحِ الخاءِ وتَشْدِيدِ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ وفاعِلُهُ ﴿المَوالِيَ﴾ أيْ: قَلُّوا وعَجَزُوا عَنِ القِيامِ بِأمْرِ الدِّينِ بَعْدِي، أوِ انْقَطَعُوا بِالمَوْتِ، مَأْخُوذٌ مِن خَفَّتَ القَوْمُ: إذا ارْتَحَلُوا، وهَذِهِ القِراءَةُ شاذَّةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ الصَّوابِ. وقَرَأ الباقُونَ خِفْتُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الفاءِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى زَكَرِيّا ومَفْعُولَهُ ( المَوالِيَ ) و( مِن ورائِي ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لا بِخِفْتُ، وتَقْدِيرُهُ: خِفْتُ فِعْلَ المَوالِي مِن بَعْدِي. قَرَأ الجُمْهُورُ ورائِي بِالهَمْزِ والمَدِّ وسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالهَمْزِ والمَدِّ وفَتْحِ الياءِ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالقَصْرِ مَفْتُوحَ الياءِ، مِثْلَ: عَصايَ، و( المَوالِيَ ) هُنا هُمُ الأقارِبُ الَّذِينَ يَرِثُونَ وسائِرُ العَصَباتِ مِن بَنِي العَمِّ ونَحْوِهم، والعَرَبُ تُسَمِّي هَؤُلاءِ مَوالِيَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا ∗∗∗ لا تَنْشُرُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا قِيلَ: المَوالِي النّاصِرُونَ لَهُ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ المَخافَةِ مِن زَكَرِيّا لِمَوالِيهِ مِن بَعْدِهِ، فَقِيلَ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ، وأرادَ أنْ يَرِثَهُ ولَدُهُ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم كانُوا مُهْمِلِينَ لِأمْرِ الدِّينِ فَخافَ أنْ يَضِيعَ الدِّينُ بِمَوْتِهِ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُوَرَّثُونَ وهم أجَلُّ مِن أنْ يَعْتَنُوا بِأُمُورِ الدُّنْيا، فَلَيْسَ المُرادُ هُنا وِراثَةَ المالِ، بَلِ المُرادُ وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ، والقِيامُ بِأمْرِ الدِّينِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «نَحْنُ مَعاشِرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرَّثُ، ما تَرَكْناهُ صَدَقَةٌ»، ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ العاقِرُ: هي الَّتِي لا تَلِدُ لِكِبَرِ سِنِّها، والَّتِي لا تَلِدُ أيْضًا لِغَيْرِ كِبَرٍ وهي المُرادَةُ هُنا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَلِدُ عاقِرًا أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: ؎لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتَ أعْوَرَ عاقِرا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ اسْمُ امْرَأتِهِ أشاعَ بِنْتَ فاقُودَ بْنِ مَيْلَ، وهي أُخْتُ حَنَّةَ، وحَنَّةُ هي أُمُّ مَرْيَمَ. وقالَ القُتَيْبِيُّ: هي أشاعُ بِنْتُ عِمْرانَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ابْنَ خالَةِ أُمِّ عِيسى، وعَلى القَوْلِ الثّانِي يَكُونانِ ابْنَيْ خالَةٍ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ. ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: أعْطِنِي مِن فَضْلِكَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ بِطَلَبِ الوَلَدِ لِما عَلِمَ مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ قَدْ صارَ هو وامْرَأتُهُ في حالَةٍ لا يَجُوزُ فِيها حُدُوثُ الوَلَدِ بَيْنَهُما وحُصُولُهُ مِنهُما. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ ابْنَ بِضْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: بَلْ أرادَ بِالوَلِيِّ الَّذِي طَلَبَهُ الوَلَدَ، ولا مانِعَ مِن سُؤالِ ما كانَ مِثْلَهُ لِما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يُكْرِمُ رُسُلَهُ بِما يَكُونُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ. ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ قَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ والحَسَنُ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ويَحْيى بْنُ المُبارَكِ اليَزِيدِيُّ بِالرَّفْعِ في الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا عَلى أنَّهُما صِفَتانِ لِلْوَلِيِّ ولَيْسا بِجَوابٍ لِلدُّعاءِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ فِيهِما عَلى أنَّهُما جَوابٌ لِلدُّعاءِ. ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ وقالَ: هي أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ ولِيًّا هَذِهِ صِفَتُهُ فَقالَ: هَبْ لِي الَّذِي يَكُونُ وارِثِي. ورَجَّحَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ والمُجازاةِ، تَقُولُ: أطِعِ اللَّهَ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، أيْ: إنْ تُطِعْهُ يُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، وكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِهَذا، أعْنِي كَوْنَهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ولِيًّا يَرِثُهُ، وهو أعْلَمُ بِذَلِكَ، والوِراثَةُ هُنا هي وِراثَةُ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ عَلى ما هو الرّاجِحُ كَما سَلَفَ. وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ يَعْقُوبَ المَذْكُورَ هُنا هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ. وزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ أخُو عِمْرانَ بْنِ ماثانَ، وبِهِ قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، و( آلِ يَعْقُوبَ ) هم خاصَّتُهُ الَّذِينَ يَؤُولُ أمْرُهم إلَيْهِ لِلْقَرابَةِ أوِ الصُّحْبَةِ أوِ المُوافَقَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ أنْبِياءُ ومُلُوكٌ، وقُرِئَ ( يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ ) عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَرِثُنِي. وقُرِئَ ( وأرِثُ آلَ يَعْقُوبَ ) أيْ: أنا. وقُرِئَ ( أُوَيْرِثُ آلِ يَعْقُوبَ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ عَلى أنَّ هَذا المُصَغَّرَ فاعِلُ ( يَرِثُنِي ) وهَذِهِ القِراءاتُ في غايَةِ الشُّذُوذِ لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أيْ: مَرْضِيًّا في أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، وقِيلَ: راضِيًا بِقَضائِكَ وقَدَرِكَ، وقِيلَ: رَجُلًا صالِحًا تَرْضى عَنْهُ، وقِيلَ: نَبِيًّا كَما جَعَلْتَ آباءَهُ أنْبِياءَ. ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ قالَ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، لِقَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فاسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، فَقالَ يا زَكَرِيّاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ بِيَحْيى وزَكَرِيّاءَ. قالَ الزَّجّاجُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (p-٨٨٣)قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ لَمْ نُسَمِّ أحَدًا قَبْلَهُ يَحْيى. وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: مَعْنى ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مِثْلًا ولا نَظِيرًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ أوِ السُّمُوِّ، ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى، وقِيلَ: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدْ عاقِرٌ مِثْلَهُ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي إخْبارِهِ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَهُ أحَدٌ فَضِيلَةٌ لَهُ مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ بِهِ، ولَمْ يَكِلْها إلى الأبَوَيْنِ. والجِهَةُ الثّانِيَةُ أنَّ تَسْمِيَتَهُ بِاسْمٍ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِ يُفِيدُ تَشْرِيفَهُ وتَعْظِيمَهُ. ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ لِي غُلامٌ ؟ ولَيْسَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارَ، بَلِ التَّعَجُّبَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وبَدِيعِ صُنْعِهِ؛ حَيْثُ يُخْرِجُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ عاقِرٍ وشَيْخٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في آلِ عِمْرانَ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يُقالُ: عَتا الشَّيْخُ يَعْتُو عِتِيًّا: إذا انْتَهى سِنُّهُ وكَبُرَ، وشَيْخٌ عاتٍ: إذا صارَ إلى حالِ اليُبْسِ والجَفافِ، والأصْلُ ( عِتُوًّا ) لِأنَّهُ مِن ذَواتِ الواوِ فَأبْدَلُوهُ ياءً لِكَوْنِها أخَفَّ، ومِثْلُ ما في الآيَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْ ∗∗∗ ذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيّا وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والأعْمَشُ عِتِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ العَيْنِ وهُما لُغَتانِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، ومَحَلُّ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ النَّصْبُ أيْضًا عَلى الحالِ، وكِلا الجُمْلَتَيْنِ لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَحْصُلُ بَيْنَنا ولَدٌ الآنَ، وقَدْ كانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا لَمْ تَلِدْ في شَبابِها وشَبابِي وهي الآنَ عَجُوزٌ، وأنا شَيْخٌ هَرِمٌ ؟ ثُمَّ أجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ المُشْعِرِ بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ أيْ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والإشارَةُ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا، ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: قالَ رَبُّكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ النَّصْبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: قالَ قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِـ ( ذَلِكَ ) إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِإزالَةِ اسْتِبْعادِ زَكَرِيّا بَعْدَ تَقْرِيرِهِ أيْ قالَ: هو مَعَ بُعْدِهِ عِنْدَكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ: إذا لَمْ يَصْعُبْ ولَمْ يَمْتَنِعْ مِنَ المُرادِ. قالَ الفَرّاءُ، أيْ: خَلْقُهُ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِكَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ ابْتِداءً وأوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ، فَإيجادُ الوَلَدِ لَهُ بِطْرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ أهْوَنُ مِن ذَلِكَ وأسْهَلُ مِنهُ، وإنَّما لَمْ يَنْسِبْ ذَلِكَ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ المَخْلُوقَ مِنَ العَدَمِ حَقِيقَةً بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشاءِ آدَمَ مِنَ العَدَمِ. قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ والبَصْرَةَ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ وقَرَأ سائِرُ الكُوفِيِّينَ ( وقَدْ خَلَقْناكَ مِن قَبْلُ ) . ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِ المَسْئُولِ وتَحَقُّقِهِ وحُصُولِ الحَبَلِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ تَعْرِيفُهُ وقْتَ العُلُوقِ حَيْثُ كانَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً عَنْ تَعْيِينِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّ نَفْسَهُ تاقَتْ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ فَسَألَ اللَّهَ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى قُرْبِ ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: طَلَبَ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّ البُشْرى مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ أوْهَمَهُ بِذَلِكَ. كَذا قالَ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وهو بِعِيدٌ جِدًّا ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في آلِ عِمْرانَ مُسْتَوْفًى، وانْتِصابُ ( سَوِيًّا ) عَلى الحالِ، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ والحالُ أنَّكَ سَوِيُّ الخَلْقِ لَيْسَ بِكَ آفَةٌ قَدْ تَمْنَعُكَ مِنهُ، وقَدْ دَلَّ بِذِكْرِ اللَّيالِي هُنا والأيّامِ في آلِ عِمْرانَ أنَّ المُرادَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ. ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ وهو مُصَلّاهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَّيْطانَ، وقِيلَ: مِنَ الحَرَبِ مُحَرَّكًا، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى حَرَبًا وتَعَبًا ونَصَبًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ قِيلَ: مَعْنى أوْحى: أوْمَأ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وبِالأوَّلِ قالَ الكَلْبِيُّ والقُرَظِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ مُنَبِّهٍ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ، وقَدْ يُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى الكِتابَةِ ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةُ وحْيٍ في بُطُونِ الصَّحائِفِ وقالَ عَنْتَرَةُ: ؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طُمْطُمِيِّ و( أنْ ) في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ، والمَعْنى: فَأوْحى إلَيْهِمْ بِأنْ صَلُّوا، أوْ أيْ صَلُّوا، وانْتِصابُ ( بُكْرَةً وعَشِيًّا ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الفَرّاءُ: العَشِيُّ يُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ تَذْكِيرُهُ إذا أُبْهِمَ. قالَ: وقَدْ يُقالُ: العَشِيُّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ، قِيلَ: والمُرادُ صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ هو قَوْلُهم: سُبْحانَ اللَّهِ في الوَقْتَيْنِ أيْ: نَزِّهُوا رَبَّكم طَرَفَيِ النَّهارِ. وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كهيعص﴾ كَبِيرٌ هادٍ أمِينٌ عَزِيزٌ صادِقٌ، وفي لَفْظٍ ( كافٍ ) بَدَلُ ( كَبِيرٍ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وعُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ في التَّوْحِيدِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كهيعص﴾ قالَ: كافٌ مِن كِرِيمٍ، وهاءٌ مِن هادٍ، وياءٌ مِن حَكِيمٍ، وعَيْنٌ مِن عَلِيمٍ، وصادٌ مَن صادِقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ ﴿كهيعص﴾ هو الهِجاءُ المُقَطَّعُ، الكافُ مِنَ المَلِكِ، والهاءُ مِنَ اللَّهِ، والياءُ والعَيْنُ مِنَ العَزِيزِ، والصّادُ مِنَ المُصَوِّرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ﴿كهيعص﴾ فَحَدَّثَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ عَنْ (p-٨٨٤)رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كافٌ هادٍ عالِمٌ صادِقٌ» . وأخْرَجَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ ابْنَةِ عَلِيٍّ قالَتْ: كانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: يا كهيعص اغْفِرْ لِي. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في ﴿كهيعص﴾ قالَ: الكافُ الكافِي، والهاءُ الهادِي، والعَيْنُ العالِمُ، والصّادُ الصّادِقُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ في ( كهيعص، وحم، ويس ) وأشْباهِ هَذا: هو اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ. وكَما وقَعَ الخِلافُ في هَذا وأمْثالِهِ بَيْنَ الصَّحابَةِ وقَعَ بَيْنَ مَن بَعْدَهم ولَمْ يَصِحَّ مَرْفُوعًا في ذَلِكَ شَيْءٌ، ومَن رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ ما يُخالِفُهُ، وقَدْ يُرْوى عَنِ الصَّحابِيِّ نَفْسِهِ التَّفاسِيرُ المُتَخالِفَةُ المُتَناقِضَةُ في هَذِهِ الفَواتِحِ. فَلا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ حُجَّةً، بَلِ الحَقُّ الوَقْفُ، ورَدُّ العِلْمِ في مِثْلِها إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ هَذا في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «كانَ زَكَرِيّا نَجّارًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ آخِرَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ زَكَرِيّا بْنُ أزَرَ بْنِ مُسْلِمٍ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ دَعا رَبَّهُ سِرًّا ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خِفْتُ المَوالِيَ﴾ قالَ: وهُمُ العَصَبَةُ يَرِثُنِي يَرِثُ نُبُوَّتِي ونُبُوَّةَ آلِ يَعْقُوبَ، فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ، وهو جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ فَلَمّا سَمِعَ النِّداءَ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: يا زَكَرِيّا إنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ إنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ سَخِرَ بِكَ، فَشَكَّ وقالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يَقُولُ: مِن أيْنَ يَكُونُ وقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ، قالَ اللَّهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْهُ قالَ: كانَ زَكَرِيّا لا يُولَدُ لَهُ فَسَألَ رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ قالَ: يَرِثُ مالِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قالَ: مِثْلًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ عِتِيًّا أوْ عِسِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: عِتِيًّا قالَ: لَبِثَ زَمانًا في الكِبَرِ. وأخْرَجَ أيْضًا، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هَرِمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ قالَ: اعْتُقِلَ لِسانُهُ مِن غَيْرِ مَرَضٍ، وفي لَفْظٍ: مِن غَيْرِ خَرَسٍ، أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ لَهم كِتابًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ قالَ: أمَرَهم بِالصَّلاةِ ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

مريم 19:12

. قَوْلُهُ: يا يَحْيى هاهُنا حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ: وقالَ اللَّهُ لِلْمَوْلُودِ يا يَحْيى، أوْ فَوُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَبَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ فِيهِ، فَقُلْنا لَهُ: يا يَحْيى. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فَوَهَبْنا لَهُ وقُلْنا لَهُ: يا يَحْيى. والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ؛ لِأنَّهُ المَعْهُودُ حِينَئِذٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا مُخْتَصًّا بِهِ وإنْ كُنّا لا نَعْرِفُهُ الآنَ، والمُرادُ بِالأخْذِ إمّا الأخْذُ الحِسِّيُّ أوِ الأخْذُ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهو القِيامُ بِما فِيهِ كَما يَنْبَغِي، وذَلِكَ بِتَحْصِيلِ مَلَكَةٍ تَقْتَضِي سُهُولَةَ الإقْدامِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، والإحْجامِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: بِقُوَّةٍ أيْ: بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ واجْتِهادٍ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ المُرادُ بِالحُكْمِ الحِكْمَةُ، وهي الفَهْمُ لِلْكِتابِ الَّذِي أُمِرَ بِأخْذِهِ وفَهْمُ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، وقِيلَ: هي العِلْمُ وحِفْظُهُ والعَمَلُ بِهِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: العَقْلُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الحُكْمُ صالِحًا لِحَمْلِهِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ. قِيلَ: كانَ يَحْيى عِنْدَ هَذا الخِطابِ لَهُ ابْنَ سَنَتَيْنِ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ. ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحُكْمِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الحَنانُ الرَّحْمَةُ والشَّفَقَةُ والعَطْفُ والمَحَبَّةُ، وأصْلُهُ تَوَقانُ النَّفْسِ، مَأْخُوذٌ مِن حَنِينِ النّاقَةِ عَلى ولَدِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ: حَنانُكَ يا رَبِّ وحَنانَيْكَ يا رَبِّ. بِمَعْنًى واحِدٍ، يُرِيدُ رَحْمَتَكَ. قالَ طَرَفَةُ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ويَمْنَحُها بَنُو سَلْخِ بْنِ بَكْرٍ ∗∗∗ مَعِيزَهم حَنانَكَ ذا الحَنانِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحَنّانُ مُشَدَّدًا مِن صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والحَنانُ مُخَفَّفًا: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، والحَنانُ الرِّزْقُ والبَرَكَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحَنانُ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا ما عَظُمَ مِنَ الأُمُورِ في ذاتِ اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، واللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذا العَبْدَ لَأتَّخِذَنَّ قَبْرَهُ حَنانًا، يَعْنِي بِلالًا لَمّا مَرَّ بِهِ وهو يُعَذَّبُ، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ لِذَلِكَ هو ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ. قالَ الأزْهَرِيُّ: مَعْنى ذَلِكَ: لَأتَرَحَّمَنَّ عَلَيْهِ، ولَأتَعَطَّفَنَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎تَحَنَّنْ عَلَيَّ هَداكَ المَلِيكُ ∗∗∗ فَإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا ومَعْنى مِن لَدُنّا مِن جانِبْنا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْطَيْناهُ رَحْمَةً مِن لَدُنّا كائِنَةً في قَلْبِهِ يَتَحَنَّنُ بِها عَلى النّاسِ، ومِنهم أبَواهُ وقَرابَتُهُ حَتّى يُخَلِّصَهم مِنَ الكُفْرِ وزَكاةً مَعْطُوفٌ عَلى مَن قَبْلَهُ، والزَّكاةُ التَّطْهِيرُ والبَرَكَةُ والتَّنْمِيَةُ والبِرُّ. أيْ: جَعَلْناهُ مُبارَكًا لِلنّاسِ يَهْدِيهِمْ إلى الخَيْرِ، وقِيلَ: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ كَتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ، وقِيلَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقْنا بِهِ عَلى أبَوَيْهِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ (p-٨٨٥)أيْ: مُتَجَنِّبًا لِمَعاصِي اللَّهِ مُطِيعًا لَهُ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مَعْصِيَةً قَطُّ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( تَقِيًّا )، البَرُّ هُنا بِمَعْنى البارِّ، فَعْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والمَعْنى: لَطِيفًا بِهِما مُحْسِنًا إلَيْهِما ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ مُتَكَبِّرًا ولا عاصِيًا لِوالِدَيْهِ أوْ لِرَبِّهِ، وهَذا وصْفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلِينِ الجانِبِ وخَفْضِ الجَناحِ. ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أمانٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها التَّحِيَّةُ المُتَعارَفَةُ، فَهي أشْرَفُ وأنْبَهُ مِنَ الأمانِ؛ لِأنَّ الأمانَ مُتَحَصِّلٌ لَهُ بِنَفْيِ العِصْيانِ عَنْهُ، وهو أقَلُّ دَرَجاتِهِ، وإنَّما الشَّرَفُ في أنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ أنَّهُ أُمِّنَ مِنَ الشَّيْطانِ وغَيْرِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ حَيّاهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهَكَذا مَعْنى يَوْمَ يَمُوتُ وهَكَذا مَعْنى ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ قِيلَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ الإنْسانُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ: يَوْمَ وُلِدَ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِمّا كانَ فِيهِ، ويَوْمَ يَمُوتُ؛ لِأنَّهُ يَرى قَوْمًا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَهم، وأحْكامًا لَيْسَ لَهُ بِها عَهْدٌ. ويَوْمَ يُبْعَثُ؛ لِأنَّهُ يَرى هَوْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَخَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَحْيى بِالكَرامَةِ والسَّلامَةِ في المَواطِنِ الثَّلاثَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ قالَ: بِجِدٍّ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالَ: الفَهْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: يَقُولُ: اعْمَلْ بِما فِيهِ مِن فَرائِضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: اللُّبُّ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ والعِبادَةَ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: بَدْلَةٌ وهو ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ الغِلْمانُ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا: اذْهَبْ بِنا نَلْعَبْ، فَقالَ يَحْيى: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا، اذْهَبُوا نُصَلِّي فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَحْتَلِمَ فَهو مِمَّنْ أُوتِيَ الحُكْمَ صَبِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وحَنانًا قالَ: لا أدْرِي ما هو إلّا أنِّي أظُنُّهُ يَعْطِفُ عَلى عَبْدِهِ بِالرَّحْمَةِ، وقَدْ فَسَّرَها جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِالرَّحْمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وزَكاةً قالَ: بَرَكَةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ قالَ: طَهُرَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِذَنْبٍ.

مريم 19:13

. قَوْلُهُ: يا يَحْيى هاهُنا حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ: وقالَ اللَّهُ لِلْمَوْلُودِ يا يَحْيى، أوْ فَوُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَبَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ فِيهِ، فَقُلْنا لَهُ: يا يَحْيى. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فَوَهَبْنا لَهُ وقُلْنا لَهُ: يا يَحْيى. والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ؛ لِأنَّهُ المَعْهُودُ حِينَئِذٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا مُخْتَصًّا بِهِ وإنْ كُنّا لا نَعْرِفُهُ الآنَ، والمُرادُ بِالأخْذِ إمّا الأخْذُ الحِسِّيُّ أوِ الأخْذُ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهو القِيامُ بِما فِيهِ كَما يَنْبَغِي، وذَلِكَ بِتَحْصِيلِ مَلَكَةٍ تَقْتَضِي سُهُولَةَ الإقْدامِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، والإحْجامِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: بِقُوَّةٍ أيْ: بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ واجْتِهادٍ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ المُرادُ بِالحُكْمِ الحِكْمَةُ، وهي الفَهْمُ لِلْكِتابِ الَّذِي أُمِرَ بِأخْذِهِ وفَهْمُ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، وقِيلَ: هي العِلْمُ وحِفْظُهُ والعَمَلُ بِهِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: العَقْلُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الحُكْمُ صالِحًا لِحَمْلِهِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ. قِيلَ: كانَ يَحْيى عِنْدَ هَذا الخِطابِ لَهُ ابْنَ سَنَتَيْنِ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ. ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحُكْمِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الحَنانُ الرَّحْمَةُ والشَّفَقَةُ والعَطْفُ والمَحَبَّةُ، وأصْلُهُ تَوَقانُ النَّفْسِ، مَأْخُوذٌ مِن حَنِينِ النّاقَةِ عَلى ولَدِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ: حَنانُكَ يا رَبِّ وحَنانَيْكَ يا رَبِّ. بِمَعْنًى واحِدٍ، يُرِيدُ رَحْمَتَكَ. قالَ طَرَفَةُ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ويَمْنَحُها بَنُو سَلْخِ بْنِ بَكْرٍ ∗∗∗ مَعِيزَهم حَنانَكَ ذا الحَنانِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحَنّانُ مُشَدَّدًا مِن صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والحَنانُ مُخَفَّفًا: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، والحَنانُ الرِّزْقُ والبَرَكَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحَنانُ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا ما عَظُمَ مِنَ الأُمُورِ في ذاتِ اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، واللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذا العَبْدَ لَأتَّخِذَنَّ قَبْرَهُ حَنانًا، يَعْنِي بِلالًا لَمّا مَرَّ بِهِ وهو يُعَذَّبُ، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ لِذَلِكَ هو ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ. قالَ الأزْهَرِيُّ: مَعْنى ذَلِكَ: لَأتَرَحَّمَنَّ عَلَيْهِ، ولَأتَعَطَّفَنَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎تَحَنَّنْ عَلَيَّ هَداكَ المَلِيكُ ∗∗∗ فَإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا ومَعْنى مِن لَدُنّا مِن جانِبْنا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْطَيْناهُ رَحْمَةً مِن لَدُنّا كائِنَةً في قَلْبِهِ يَتَحَنَّنُ بِها عَلى النّاسِ، ومِنهم أبَواهُ وقَرابَتُهُ حَتّى يُخَلِّصَهم مِنَ الكُفْرِ وزَكاةً مَعْطُوفٌ عَلى مَن قَبْلَهُ، والزَّكاةُ التَّطْهِيرُ والبَرَكَةُ والتَّنْمِيَةُ والبِرُّ. أيْ: جَعَلْناهُ مُبارَكًا لِلنّاسِ يَهْدِيهِمْ إلى الخَيْرِ، وقِيلَ: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ كَتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ، وقِيلَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقْنا بِهِ عَلى أبَوَيْهِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ (p-٨٨٥)أيْ: مُتَجَنِّبًا لِمَعاصِي اللَّهِ مُطِيعًا لَهُ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مَعْصِيَةً قَطُّ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( تَقِيًّا )، البَرُّ هُنا بِمَعْنى البارِّ، فَعْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والمَعْنى: لَطِيفًا بِهِما مُحْسِنًا إلَيْهِما ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ مُتَكَبِّرًا ولا عاصِيًا لِوالِدَيْهِ أوْ لِرَبِّهِ، وهَذا وصْفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلِينِ الجانِبِ وخَفْضِ الجَناحِ. ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أمانٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها التَّحِيَّةُ المُتَعارَفَةُ، فَهي أشْرَفُ وأنْبَهُ مِنَ الأمانِ؛ لِأنَّ الأمانَ مُتَحَصِّلٌ لَهُ بِنَفْيِ العِصْيانِ عَنْهُ، وهو أقَلُّ دَرَجاتِهِ، وإنَّما الشَّرَفُ في أنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ أنَّهُ أُمِّنَ مِنَ الشَّيْطانِ وغَيْرِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ حَيّاهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهَكَذا مَعْنى يَوْمَ يَمُوتُ وهَكَذا مَعْنى ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ قِيلَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ الإنْسانُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ: يَوْمَ وُلِدَ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِمّا كانَ فِيهِ، ويَوْمَ يَمُوتُ؛ لِأنَّهُ يَرى قَوْمًا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَهم، وأحْكامًا لَيْسَ لَهُ بِها عَهْدٌ. ويَوْمَ يُبْعَثُ؛ لِأنَّهُ يَرى هَوْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَخَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَحْيى بِالكَرامَةِ والسَّلامَةِ في المَواطِنِ الثَّلاثَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ قالَ: بِجِدٍّ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالَ: الفَهْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: يَقُولُ: اعْمَلْ بِما فِيهِ مِن فَرائِضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: اللُّبُّ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ والعِبادَةَ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: بَدْلَةٌ وهو ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ الغِلْمانُ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا: اذْهَبْ بِنا نَلْعَبْ، فَقالَ يَحْيى: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا، اذْهَبُوا نُصَلِّي فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَحْتَلِمَ فَهو مِمَّنْ أُوتِيَ الحُكْمَ صَبِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وحَنانًا قالَ: لا أدْرِي ما هو إلّا أنِّي أظُنُّهُ يَعْطِفُ عَلى عَبْدِهِ بِالرَّحْمَةِ، وقَدْ فَسَّرَها جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِالرَّحْمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وزَكاةً قالَ: بَرَكَةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ قالَ: طَهُرَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِذَنْبٍ.

مريم 19:14

. قَوْلُهُ: يا يَحْيى هاهُنا حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ: وقالَ اللَّهُ لِلْمَوْلُودِ يا يَحْيى، أوْ فَوُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَبَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ فِيهِ، فَقُلْنا لَهُ: يا يَحْيى. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فَوَهَبْنا لَهُ وقُلْنا لَهُ: يا يَحْيى. والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ؛ لِأنَّهُ المَعْهُودُ حِينَئِذٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا مُخْتَصًّا بِهِ وإنْ كُنّا لا نَعْرِفُهُ الآنَ، والمُرادُ بِالأخْذِ إمّا الأخْذُ الحِسِّيُّ أوِ الأخْذُ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهو القِيامُ بِما فِيهِ كَما يَنْبَغِي، وذَلِكَ بِتَحْصِيلِ مَلَكَةٍ تَقْتَضِي سُهُولَةَ الإقْدامِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، والإحْجامِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: بِقُوَّةٍ أيْ: بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ واجْتِهادٍ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ المُرادُ بِالحُكْمِ الحِكْمَةُ، وهي الفَهْمُ لِلْكِتابِ الَّذِي أُمِرَ بِأخْذِهِ وفَهْمُ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، وقِيلَ: هي العِلْمُ وحِفْظُهُ والعَمَلُ بِهِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: العَقْلُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الحُكْمُ صالِحًا لِحَمْلِهِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ. قِيلَ: كانَ يَحْيى عِنْدَ هَذا الخِطابِ لَهُ ابْنَ سَنَتَيْنِ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ. ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحُكْمِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الحَنانُ الرَّحْمَةُ والشَّفَقَةُ والعَطْفُ والمَحَبَّةُ، وأصْلُهُ تَوَقانُ النَّفْسِ، مَأْخُوذٌ مِن حَنِينِ النّاقَةِ عَلى ولَدِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ: حَنانُكَ يا رَبِّ وحَنانَيْكَ يا رَبِّ. بِمَعْنًى واحِدٍ، يُرِيدُ رَحْمَتَكَ. قالَ طَرَفَةُ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ويَمْنَحُها بَنُو سَلْخِ بْنِ بَكْرٍ ∗∗∗ مَعِيزَهم حَنانَكَ ذا الحَنانِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحَنّانُ مُشَدَّدًا مِن صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والحَنانُ مُخَفَّفًا: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، والحَنانُ الرِّزْقُ والبَرَكَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحَنانُ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا ما عَظُمَ مِنَ الأُمُورِ في ذاتِ اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، واللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذا العَبْدَ لَأتَّخِذَنَّ قَبْرَهُ حَنانًا، يَعْنِي بِلالًا لَمّا مَرَّ بِهِ وهو يُعَذَّبُ، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ لِذَلِكَ هو ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ. قالَ الأزْهَرِيُّ: مَعْنى ذَلِكَ: لَأتَرَحَّمَنَّ عَلَيْهِ، ولَأتَعَطَّفَنَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎تَحَنَّنْ عَلَيَّ هَداكَ المَلِيكُ ∗∗∗ فَإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا ومَعْنى مِن لَدُنّا مِن جانِبْنا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْطَيْناهُ رَحْمَةً مِن لَدُنّا كائِنَةً في قَلْبِهِ يَتَحَنَّنُ بِها عَلى النّاسِ، ومِنهم أبَواهُ وقَرابَتُهُ حَتّى يُخَلِّصَهم مِنَ الكُفْرِ وزَكاةً مَعْطُوفٌ عَلى مَن قَبْلَهُ، والزَّكاةُ التَّطْهِيرُ والبَرَكَةُ والتَّنْمِيَةُ والبِرُّ. أيْ: جَعَلْناهُ مُبارَكًا لِلنّاسِ يَهْدِيهِمْ إلى الخَيْرِ، وقِيلَ: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ كَتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ، وقِيلَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقْنا بِهِ عَلى أبَوَيْهِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ (p-٨٨٥)أيْ: مُتَجَنِّبًا لِمَعاصِي اللَّهِ مُطِيعًا لَهُ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مَعْصِيَةً قَطُّ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( تَقِيًّا )، البَرُّ هُنا بِمَعْنى البارِّ، فَعْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والمَعْنى: لَطِيفًا بِهِما مُحْسِنًا إلَيْهِما ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ مُتَكَبِّرًا ولا عاصِيًا لِوالِدَيْهِ أوْ لِرَبِّهِ، وهَذا وصْفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلِينِ الجانِبِ وخَفْضِ الجَناحِ. ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أمانٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها التَّحِيَّةُ المُتَعارَفَةُ، فَهي أشْرَفُ وأنْبَهُ مِنَ الأمانِ؛ لِأنَّ الأمانَ مُتَحَصِّلٌ لَهُ بِنَفْيِ العِصْيانِ عَنْهُ، وهو أقَلُّ دَرَجاتِهِ، وإنَّما الشَّرَفُ في أنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ أنَّهُ أُمِّنَ مِنَ الشَّيْطانِ وغَيْرِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ حَيّاهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهَكَذا مَعْنى يَوْمَ يَمُوتُ وهَكَذا مَعْنى ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ قِيلَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ الإنْسانُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ: يَوْمَ وُلِدَ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِمّا كانَ فِيهِ، ويَوْمَ يَمُوتُ؛ لِأنَّهُ يَرى قَوْمًا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَهم، وأحْكامًا لَيْسَ لَهُ بِها عَهْدٌ. ويَوْمَ يُبْعَثُ؛ لِأنَّهُ يَرى هَوْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَخَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَحْيى بِالكَرامَةِ والسَّلامَةِ في المَواطِنِ الثَّلاثَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ قالَ: بِجِدٍّ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالَ: الفَهْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: يَقُولُ: اعْمَلْ بِما فِيهِ مِن فَرائِضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: اللُّبُّ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ والعِبادَةَ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: بَدْلَةٌ وهو ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ الغِلْمانُ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا: اذْهَبْ بِنا نَلْعَبْ، فَقالَ يَحْيى: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا، اذْهَبُوا نُصَلِّي فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَحْتَلِمَ فَهو مِمَّنْ أُوتِيَ الحُكْمَ صَبِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وحَنانًا قالَ: لا أدْرِي ما هو إلّا أنِّي أظُنُّهُ يَعْطِفُ عَلى عَبْدِهِ بِالرَّحْمَةِ، وقَدْ فَسَّرَها جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِالرَّحْمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وزَكاةً قالَ: بَرَكَةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ قالَ: طَهُرَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِذَنْبٍ.

مريم 19:15

. قَوْلُهُ: يا يَحْيى هاهُنا حَذْفٌ، وتَقْدِيرُهُ: وقالَ اللَّهُ لِلْمَوْلُودِ يا يَحْيى، أوْ فَوُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَبَلَغَ المَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ فِيهِ، فَقُلْنا لَهُ: يا يَحْيى. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فَوَهَبْنا لَهُ وقُلْنا لَهُ: يا يَحْيى. والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ؛ لِأنَّهُ المَعْهُودُ حِينَئِذٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِتابًا مُخْتَصًّا بِهِ وإنْ كُنّا لا نَعْرِفُهُ الآنَ، والمُرادُ بِالأخْذِ إمّا الأخْذُ الحِسِّيُّ أوِ الأخْذُ مِن حَيْثُ المَعْنى، وهو القِيامُ بِما فِيهِ كَما يَنْبَغِي، وذَلِكَ بِتَحْصِيلِ مَلَكَةٍ تَقْتَضِي سُهُولَةَ الإقْدامِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ، والإحْجامِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: بِقُوَّةٍ أيْ: بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ واجْتِهادٍ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ المُرادُ بِالحُكْمِ الحِكْمَةُ، وهي الفَهْمُ لِلْكِتابِ الَّذِي أُمِرَ بِأخْذِهِ وفَهْمُ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، وقِيلَ: هي العِلْمُ وحِفْظُهُ والعَمَلُ بِهِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: العَقْلُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ الحُكْمُ صالِحًا لِحَمْلِهِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ. قِيلَ: كانَ يَحْيى عِنْدَ هَذا الخِطابِ لَهُ ابْنَ سَنَتَيْنِ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ. ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الحُكْمِ. قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الحَنانُ الرَّحْمَةُ والشَّفَقَةُ والعَطْفُ والمَحَبَّةُ، وأصْلُهُ تَوَقانُ النَّفْسِ، مَأْخُوذٌ مِن حَنِينِ النّاقَةِ عَلى ولَدِها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ: حَنانُكَ يا رَبِّ وحَنانَيْكَ يا رَبِّ. بِمَعْنًى واحِدٍ، يُرِيدُ رَحْمَتَكَ. قالَ طَرَفَةُ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎ويَمْنَحُها بَنُو سَلْخِ بْنِ بَكْرٍ ∗∗∗ مَعِيزَهم حَنانَكَ ذا الحَنانِ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحَنّانُ مُشَدَّدًا مِن صِفاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والحَنانُ مُخَفَّفًا: العَطْفُ والرَّحْمَةُ، والحَنانُ الرِّزْقُ والبَرَكَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحَنانُ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا ما عَظُمَ مِنَ الأُمُورِ في ذاتِ اللَّهِ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، واللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذا العَبْدَ لَأتَّخِذَنَّ قَبْرَهُ حَنانًا، يَعْنِي بِلالًا لَمّا مَرَّ بِهِ وهو يُعَذَّبُ، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ لِذَلِكَ هو ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ. قالَ الأزْهَرِيُّ: مَعْنى ذَلِكَ: لَأتَرَحَّمَنَّ عَلَيْهِ، ولَأتَعَطَّفَنَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎تَحَنَّنْ عَلَيَّ هَداكَ المَلِيكُ ∗∗∗ فَإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالا ومَعْنى مِن لَدُنّا مِن جانِبْنا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْطَيْناهُ رَحْمَةً مِن لَدُنّا كائِنَةً في قَلْبِهِ يَتَحَنَّنُ بِها عَلى النّاسِ، ومِنهم أبَواهُ وقَرابَتُهُ حَتّى يُخَلِّصَهم مِنَ الكُفْرِ وزَكاةً مَعْطُوفٌ عَلى مَن قَبْلَهُ، والزَّكاةُ التَّطْهِيرُ والبَرَكَةُ والتَّنْمِيَةُ والبِرُّ. أيْ: جَعَلْناهُ مُبارَكًا لِلنّاسِ يَهْدِيهِمْ إلى الخَيْرِ، وقِيلَ: زَكَّيْناهُ بِحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْهِ كَتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ، وقِيلَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقْنا بِهِ عَلى أبَوَيْهِ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ (p-٨٨٥)أيْ: مُتَجَنِّبًا لِمَعاصِي اللَّهِ مُطِيعًا لَهُ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مَعْصِيَةً قَطُّ. ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( تَقِيًّا )، البَرُّ هُنا بِمَعْنى البارِّ، فَعْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والمَعْنى: لَطِيفًا بِهِما مُحْسِنًا إلَيْهِما ﴿ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ مُتَكَبِّرًا ولا عاصِيًا لِوالِدَيْهِ أوْ لِرَبِّهِ، وهَذا وصْفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلِينِ الجانِبِ وخَفْضِ الجَناحِ. ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أمانٌ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها التَّحِيَّةُ المُتَعارَفَةُ، فَهي أشْرَفُ وأنْبَهُ مِنَ الأمانِ؛ لِأنَّ الأمانَ مُتَحَصِّلٌ لَهُ بِنَفْيِ العِصْيانِ عَنْهُ، وهو أقَلُّ دَرَجاتِهِ، وإنَّما الشَّرَفُ في أنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ومَعْنى ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ أنَّهُ أُمِّنَ مِنَ الشَّيْطانِ وغَيْرِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ أنَّ اللَّهَ حَيّاهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهَكَذا مَعْنى يَوْمَ يَمُوتُ وهَكَذا مَعْنى ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ قِيلَ: أوْحَشُ ما يَكُونُ الإنْسانُ في ثَلاثَةِ مَواطِنَ: يَوْمَ وُلِدَ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِمّا كانَ فِيهِ، ويَوْمَ يَمُوتُ؛ لِأنَّهُ يَرى قَوْمًا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَهم، وأحْكامًا لَيْسَ لَهُ بِها عَهْدٌ. ويَوْمَ يُبْعَثُ؛ لِأنَّهُ يَرى هَوْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. فَخَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ يَحْيى بِالكَرامَةِ والسَّلامَةِ في المَواطِنِ الثَّلاثَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ قالَ: بِجِدٍّ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالَ: الفَهْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: يَقُولُ: اعْمَلْ بِما فِيهِ مِن فَرائِضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: اللُّبُّ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قالَ: أُعْطِيَ الفَهْمَ والعِبادَةَ وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: بَدْلَةٌ وهو ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ مِن طَرِيقِ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ الغِلْمانُ لِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا: اذْهَبْ بِنا نَلْعَبْ، فَقالَ يَحْيى: ما لِلَّعِبِ خُلِقْنا، اذْهَبُوا نُصَلِّي فَهو قَوْلُ اللَّهِ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن قَرَأ القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَحْتَلِمَ فَهو مِمَّنْ أُوتِيَ الحُكْمَ صَبِيًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وحَنانًا قالَ: لا أدْرِي ما هو إلّا أنِّي أظُنُّهُ يَعْطِفُ عَلى عَبْدِهِ بِالرَّحْمَةِ، وقَدْ فَسَّرَها جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِالرَّحْمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: وزَكاةً قالَ: بَرَكَةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ تَقِيًّا﴾ قالَ: طَهُرَ فَلَمْ يَعْمَلْ بِذَنْبٍ.

مريم 19:16

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:17

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:18

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:19

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .

مريم 19:20

. قَوْلُهُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ هَذا شُرُوعٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ عِيسى، والمُرادُ بِالكِتابِ هَذِهِ السُّورَةُ: أيِ: اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِلنّاسِ في هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ جِنْسُ القُرْآنِ، وهَذِهِ السُّورَةُ مِنهُ، ولَمّا كانَ الذِّكْرُ لا يَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الذِّكْرُ، وهو قِصَّةُ مَرْيَمَ، أوْ خَبَرُ مَرْيَمَ ﴿إذِ انْتَبَذَتْ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ هو ذَلِكَ المُضافُ المُقَدَّرُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن مَرْيَمَ؛ لِأنَّ الأزْمانَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما فِيها، ويَكُونُ المُرادُ بِمَرْيَمَ خَبَرَها، وفي هَذا الإبْدالِ دَلالَةٌ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ الوَقْتِ لِوُقُوعِ قِصَّتِها العَجِيبَةِ فِيهِ، والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والرَّمْيُ. قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والمَعْنى: أنَّها تَنَحَّتْ وتَباعَدَتْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اعْتَزَلَتْ، وقِيلَ: انْفَرَدَتْ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ. واخْتَلَفُوا في سَبَبِ انْتِباذِها، فَقِيلَ: لِأجْلِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: لِتَطْهُرَ مِن حَيْضِها، ومِن أهْلِها مُتَعْلِّقٌ بِانْتَبَذَتْ، وانْتِصابُ ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مَكانًا مِن جانِبِ الشَّرْقِ، والشَّرْقُ بِسُكُونِ الرّاءِ المَكانُ الَّذِي تَشْرُقُ فِيهِ الشَّمْسُ، وإنَّما خَصَّ المَكانَ بِالشَّرْقِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ جِهَةَ الشَّرْقِ؛ لِأنَّها مَطْلَعُ الأنْوارِ، حَكى مَعْناهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ في نُبُوَّةِ مَرْيَمَ، فَقِيلَ: إنَّها نَبِيَّةٌ بِمُجَرَّدِ هَذا الإرْسالِ إلَيْها ومُخاطَبَتِها لِلْمَلَكِ، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً؛ لِأنَّهُ إنَّما كَلَّمَها المَلَكُ وهو عَلى مِثالِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ في آلِ عِمْرانَ. ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾ أيِ: اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا يَسْتُرُها عَنْهم؛ لِئَلّا يَرَوْها حالَ العِبادَةِ، أوْ حالَ التَّطَهُّرِ مِنَ الحَيْضِ. والحِجابُ: السِّتْرُ والحاجِزُ ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو رُوحُ عِيسى؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسادِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أيْ: تَمَثَّلَ جِبْرِيلُ لَها بَشَرًا مُسْتَوِيَ الخَلْقِ لَمْ يَفْقِدْ مِن نُعُوتِ بَنِي آدَمَ شَيْئًا، قِيلَ: ووَجْهُ تَمَثُّلِ المَلَكِ لَها بَشَرًا؛ أنَّها لا تُطِيقُ أنْ تَنْظُرَ إلى المَلَكِ وهو عَلى صُورَتِهِ. فَلَمّا رَأتْهُ في صُورَةِ إنْسانٍ حَسَنٍ كامِلِ الخَلْقِ قَدْ خَرَقَ عَلَيْها الحِجابَ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها بِسُوءٍ، فاسْتَعاذَتْ بِاللَّهِ مِنهُ، و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أيْ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ويَخافُهُ، وقِيلَ: إنَّ ( تَقِيًّا ) اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، فَتَعَوَّذَتْ مِنهُ تَعَجُّبًا، وقِيلَ: (p-٨٨٦)إنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ فاجِرٍ مَعْرُوفٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والأوَّلُ أوْلى. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ: فَلا تَتَعَرَّضْ لِي. ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيْ: قالَ لَها جِبْرِيلُ: إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ الَّذِي اسْتَعَذْتِ بِهِ، ولَسْتُ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنهُ ما خَطَرَ بِبالِكِ مِن إرادَةِ السُّوءِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ جَعَلَ الهِبَةَ مِن قِبَلِهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِيها مِن جِهَةِ كَوْنِ الإعْلامِ لَها مِن جِهَتِهِ، أوْ مِن جِهَةِ كَوْنِ النَّفْخِ قامَ بِهِ في الظّاهِرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ووَرْشٌ، عَنْ نافِعٍ ( لِيَهَبَ ) عَلى مَعْنى أرْسَلَنِي لِيَهَبَ لَكِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ. والزَّكِيُّ الطّاهِرُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّذِي يَنْمُو عَلى النَّزاهَةِ والعِفَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزَّكِيِّ النَّبِيِّ. ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ: لَمْ يَقْرُبْنِي زَوْجٌ ولا غَيْرُهُ ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ البَغِيُّ هي الزّانِيَةُ الَّتِي تَبْغِي الرِّجالَ. قالَ المُبَرِّدُ: أصْلُهُ بَغُويٌ عَلى فَعُولٍ قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتْ في الياءِ وكُسِرَتِ الغَيْنُ لِلْمُناسَبَةِ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: إنَّهُ فَعِيلٌ. وزِيادَةُ ذِكْرِ كَوْنِها لَمْ تَكُ بَغِيًّا مَعَ كَوْنِ قَوْلِها: لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يَتَناوَلُ الحَلالَ والحَرامَ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لِجانِبِها مِنَ الفَحْشاءِ، وقِيلَ: ما اسْتَبْعَدَتْ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَكِنْ أرادَتْ كَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ هَلْ مِن قِبَلِ زَوْجٍ تَتَزَوَّجُهُ في المُسْتَقْبَلِ أمْ يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ابْتِداءً ؟ وقِيلَ: إنَّ المَسَّ عِبارَةٌ عَنِ النِّكاحِ الحَلالِ، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى بَيانِ وجْهِ قَوْلِها: ولَمْ أكُ بَغِيًّا، وما ذَكَرْناهُ مِن شُمُولِهِ أوْلى بِاسْتِعْمالاتِ أهْلِ اللُّغَةِ، وما يُوجَدُ في مُحاوَراتِهِمْ مِمّا يَطُولُ تِعْدادُهُ. اهـ. ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ: ولِنَجْعَلَ هَذا الغُلامَ أوْ خَلْقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ آيَةً لِلنّاسِ يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وهو عِلَّةٌ لِمُعَلَّلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ خَلَقْناهُ لِنَجْعَلَهُ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُضْمَرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ هو المَلَكُ، والكَلامُ فِيها كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ زَكَرِيّا. وقَوْلُهُ: ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( آيَةً ) أيْ: ولِنَجْعَلَهُ رَحْمَةً عَظِيمَةً كائِنَةً مِنّا لِلنّاسِ لِما يَنالُونَهُ مِنَ الهِدايَةِ والخَيْرِ الكَثِيِرِ؛ لِأنَّ كُلَّ نَبِيٍّ رَحْمَةٌ لِأُمَّتِهِ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ: وكانَ ذَلِكَ المَذْكُورُ أمْرًا مُقَدَّرًا قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وجَفَّ بِهِ القَلَمُ. فَحَمَلَتْهُ هاهُنا كَلامٌ مَطْوِيٌّ، والتَّقْدِيرُ: فاطْمَأنَّتْ إلى قَوْلِهِ فَدَنا مِنها فَنَفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إلى بَطْنِها فَحَمَلَتْهُ، وقِيلَ: كانَتِ النَّفْخَةُ في ذَيْلِها، وقِيلَ: في فَمِها. قِيلَ: إنَّ وضْعَها كانَ مُتَّصِلًا بِهَذا الحَمْلِ مِن غَيْرِ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِلْحَمْلِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ: تَنَحَّتْ واعْتَزَلَتْ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والقَصِيُّ هو البَعِيدُ. قِيلَ: كانَ هَذا المَكانُ وراءَ الجَبَلِ، وقِيلَ: أبْعَدُ مَكانٍ في تِلْكَ الدّارِ، وقِيلَ: أقْصى الوادِي، وقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ سِتَّةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً. ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أيْ: ألْجَأها واضْطَرَّها، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ وقَرَأ شِبْلٌ ( فاجَأها ) مِنَ المُفاجَأةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( فَلَمّا أجاءَها ) قالَ في الكَشّافِ: إنَّ أجاءَها مَنقُولٌ مِن جاءَ، إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ قَدْ تَعَيَّنَ بَعْدَ النَّقْلِ إلى مَعْنى الإلْجاءِ، وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَوْضُوعٌ بِوَضْعٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَخاضُ مَصْدَرُ مَخَضَتِ المَرْأةُ تَمْخُضُ مَخْضًا ومَخاضًا: إذا دَنا وِلادُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِها. والجِذْعُ ساقُ النَّخْلَةِ اليابِسَةِ، كَأنَّها طَلَبَتْ شَيْئًا تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وتَتَعَلَّقُ بِهِ كَما تَتَعَلَّقُ الحامِلُ لِشِدَّةِ وجَعِ الطَّلْقِ بِشَيْءٍ مِمّا تَجِدُهُ عِنْدَها، والتَّعْرِيفُ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ ﴿قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ أيْ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ. تَمَنَّتِ المَوْتَ لِأنَّها خافَتْ أنْ يُظَنَّ بِها السُّوءُ في دِينِها، أوْ لِئَلّا يَقَعَ قَوْمٌ بِسَبَبِها في البُهْتانِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ النَّسْيُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ولا يُذْكُرَ ولا يُتَألَّمَ لِفَقْدِهِ، كالوَتَدِ والحَبْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ؎أتَجْعَلُنا خِسْرًا لِكَلْبِ قَضاعَةَ ∗∗∗ ولَسْنا بِنَسْيٍ في مَعْدٍ ولا دَخْلِ وقالَ الفَرّاءُ: النَّسْيُ ما تُلْقِيهِ المَرْأةُ مِن خِرَقِ اعْتِلالِها، فَتَقُولُ مَرْيَمُ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ أيْ: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ الحِجْرِ والحَجْرِ، والوِتْرِ والوَتْرِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ( نِساءً ) بِالهَمْزِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ. وقَرَأ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ بِالهَمْزِ مَعَ فَتْحِ النُّونِ. وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ ( نَسِيًّا ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الياءِ بِدُونِ هَمْزٍ، والمَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُذَكَرُ ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ. ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ أيْ: جِبْرِيلُ لَمّا سَمِعَ قَوْلَها، وكانَ أسْفَلَ مِنها تَحْتَ الأكَمَةِ، وقِيلَ: تَحْتَ النَّخْلَةِ، وقِيلَ: المُنادِي هو عِيسى. وقَدْ قُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ مِن ( مِن ) وكَسْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ أيْ: لا تَحْزَنِي أوِ المَعْنى بِأنْ لا تَحْزَنِي، عَلى أنَّها المَصْدَرِيَّةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: السَّرِيُّ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، والمَعْنى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَ قَدَمِكِ نَهْرًا. قِيلَ: كانَ نَهْرًا قَدِ انْقَطَعَ عَنْهُ الماءُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ فِيهِ الماءَ لِمَرْيَمَ، وأحْيا بِهِ ذَلِكَ الجِذْعَ اليابِسَ الَّذِي اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ حَتّى أوْرَقَ وأثْمَرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّرِيِّ هُنا عِيسى، والسَّرِيُّ: العَظِيمُ مِنَ الرِّجالِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ سَرِيٌّ أيْ: عَظِيمٌ، ومِن قَوْمٍ سُراةٍ أيْ: عِظامٍ. ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الهَزُّ التَّحْرِيكُ: يُقالُ هَزَّهُ فاهْتَزَّ، والباءُ في ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ هَزَّهُ وهَزَّ بِهِ، والجِذْعُ هو أسْفَلُ الشَّجَرَةِ. قالَ قُطْرُبٌ: كُلُّ خَشَبَةٍ في أصْلِ شَجَرَةٍ فَهي جِذْعٌ، ومَعْنى ( إلَيْكِ ): إلى جِهَتِكِ، وأصْلُ ( تَسّاقَطُ ) تَتَساقَطُ فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ ( تَساقَطْ ) مُخَفَّفًا. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ والحَسَنُ بِضَمِّ التّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ وكَسْرِ القافِ وقُرِئَ ( تَتَساقَطْ ) بِإظْهارِ التّاءَيْنِ. وقُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ. وقُرِئَ ( تَسْقُطُ، ويَسْقُطُ ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِ التّاءِ في السِّينِ، فَمَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلنَّخْلَةِ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْجِذْعِ. وانْتِصابُ رُطَبًا عَلى بَعْضِ هَذِهِ القِراءاتِ لِلتَّمْيِيزِ، وعَلى (p-٨٨٧)البَعْضِ الآخَرِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ ( تُساقِطْ ) . قالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: يَجُوزُ انْتِصابُ ( رُطَبًا ) بِهُزِّي أيْ: هُزِّي إلَيْكِ رُطَبًا ﴿جَنِيًّا﴾ ( بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) أيْ: عَلى جِذْعِها، وضَعَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والجَنِيُّ المَأْخُوذُ طَرِيًّا، وقِيلَ: هو ما طُلِبَ وصَلُحَ لِلِاجْتِناءِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ الفَرّاءُ: الجَنِيُّ والمَجْنِيُّ واحِدٌ، وقِيلَ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ أيْ: رُطَبًا طَرِيًّا طَيِّبًا. فَكُلِي واشْرَبِي أيْ: مِن ذَلِكَ الرُّطَبِ وذَلِكَ الماءِ، أوْ مِنَ الرُّطَبِ وعَصِيرِهِ، وقَدَّمَ الأكْلَ مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّهْرِ مُقَدَّمٌ عَلى الرُّطَبِ، لِأنَّ احْتِياجَ النُّفَساءِ إلى أكْلِ الرُّطَبِ أشَدُّ مِنِ احْتِياجِها إلى شُرْبِ الماءِ، ثُمَّ قالَ ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ القافِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِها قالَ: وهي لُغَةُ نَجْدٍ. والمَعْنى: طِيبِي نَفْسًا وارْفُضِي عَنْكِ الحُزْنَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَرِّ والقُرَّةِ وهُما البَرْدُ، والمَسْرُورُ بارِدُ القَلْبِ ساكِنُ الجَوارِحِ، وقِيلَ: المَعْنى: وقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الوَلَدِ المَوْهُوبِ لَكِ. وقالَ الشَّيْبانِيُّ: مَعْناهُ نامِي. قالَ أبُو عَمْرٍو: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، أيْ: أنامَ عَيْنَهُ وأذْهَبَ سَهَرَهُ ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ أصْلُهُ تَرْءَيِينَ، مِثْلَ تَسْمَعِينَ خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وسَقَطَتِ النُّونُ لِلْجَزْمِ وياءُ الضَّمِيرِ لِلسّاكِنَيْنِ بَعْدَ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ومِثْلُ هَذا مَعَ عَدَمِ لُحُوقِ نُونِ التَّوْكِيدِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ: ؎إمّا تَرَيْ رَأْسِيَ حاكِي لَوْنُهُ ∗∗∗ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيالِ الدُّجى وقَرَأ طَلْحَةُ وشَيْبَةُ ( تَرَيْنَ ) بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ مُخَفَّفَةً. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي شاذَّةٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ قَوْلِي: إنْ طَلَبَ مِنكِ الكَلامَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ: إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا أيْ: صَمْتًا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ، وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ، والأوَّلُ أوْلى. وفِي قِراءَةِ أُبَيٍّ ( إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا ) بِالجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وكَذا رُوِيَ عَنْ أنَسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا وصَمْتًا ) بِالواوِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الصَّوْمَ هُنا الصَّمْتُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ ومَعْنى الصَّوْمِ في اللُّغَةِ أوْسَعُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مُمْسِكٍ عَنْ طَعامٍ أوْ كَلامٍ أوْ سَيْرٍ فَهو صائِمٌ. وقِراءَةُ أُبَيٍّ تَدَلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّوْمِ هُنا الصَّمْتُ؛ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلصَّوْمِ. وقِراءَةُ أنَسٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ هُنا غَيْرُ الصَّمْتِ كَما تُفِيدُهُ الواوُ، ومَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ أنَّها لا تُكَلِّمُ أحَدًا مِنَ الإنْسِ بَعْدَ إخْبارِهِمْ بِهَذا الخَبَرِ، بَلْ إنَّما تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ وتُناجِي رَبَّها، وقِيلَ: إنَّها لَمْ تُخْبِرْهم هُنا بِاللَّفْظِ، بَلْ بِالإشارَةِ المُفِيدَةِ لِلنَّذْرِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ قالَ: مَكانًا أظَلَّها الشَّمْسَ أنْ يَراها أحَدٌ مِنهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنَّما اتَّخَذَتِ النَّصارى المَشْرِقَ قِبْلَةً؛ لِأنَّ مَرْيَمَ اتَّخَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا، فاتَّخَذُوا مِيلادَهُ قِبْلَةً، وإنَّما سَجَدَتِ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ حِينَ نَتَقَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ، فَجَعَلُوا يَنْحَرِفُونَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، يَتَخَوَّفُونَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ، فاتَّخَذُوها سُنَّةً. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ‌ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالا: خَرَجَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ إلى جانِبِ المِحْرابِ لِحَيْضٍ أصابَها، فَلَمّا طَهُرَتْ إذا هي بِرَجُلٍ مَعَها ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا﴾ فَفَزِعَتْ و﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فَخَرَجَتْ وعَلَيْها جِلْبابُها، فَأخَذَ بِكُمِّها فَنَفَخَ في جَنْبِ دِرْعِها، وكانَ مَشْقُوقًا مِن قُدّامِها، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَها فَحَمَلَتْ، فَأتَتْها أُخْتُها امْرَأةُ زَكَرِيّا لَيْلَةً تَزُورُها، فَلَمّا فَتَحَتْ لَها البابَ التَزَمَتْها، فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: يا مَرْيَمُ أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ قالَتْ مَرْيَمُ: أشَعَرْتِ أنِّي حُبْلى ؟ فَقالَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا: فَإنِّي وجَدْتُ ما في بَطْنِي سَجَدَ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فَوَلَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ولَمّا بَلَغَ أنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إلى جانِبِ المِحْرابِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَناداها جِبْرِيلُ مِن تَحْتِها أنْ لا تَحْزَنِي فَلَمّا ولَدَتْهُ ذَهَبَ الشَّيْطانُ، فَأخْبَرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ، فَلَمّا أرادُوها عَلى الكَلامِ أشارَتْ إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ فَ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ الآياتِ، ولَمّا وُلِدَ لَمْ يَبْقَ في الأرْضِ صَنَمٌ إلّا خَرَّ لِوَجْهِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في مَرْيَمَ قالَ: حِينَ حَمَلَتْ وضَعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: وضَعَتْ لِثَمانِيَةَ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ قالَ: جِبْرِيلُ وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: تَمَثَّلَ لَها رُوحُ عِيسى في صُورَةِ بَشَرٍ فَحَمَلَتْهُ، قالَ: حَمَلَتِ الَّذِي خاطَبَها دَخَلَ في فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ قالَ: نائِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قالَ: كانَ جِذْعًا يابِسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: لَمْ أُخْلَقْ ولَمْ أكُ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ قالَ: حَيْضَةً مُلْقاةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَوْفٍ الَبِكالِيِّ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ قالَ: الَّذِي ناداها جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي ناداها مِن تَحْتِها جِبْرِيلُ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عِيسى حَتّى أتَتْ بِهِ قَوْمَها. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ، هَلْ هَذا المُنادِي هو جِبْرِيلُ أوْ عِيسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: قَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ ﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ بِالنَّصْبِ، قالَ: وقالَ عاصِمٌ مَن قَرَأ (p-٨٨٨)بِالنَّصْبِ فَهو عِيسى، ومَن قَرَأ بِالخَفْضِ فَهو جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ السِّرِيَّ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِمَرْيَمَ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نَهْرٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَها لِتَشْرَبَ مِنهُ» . وفِي إسْنادِهِ أيُّوبُ بْنُ نَهِيكٍ الجَبَلِيُّ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ: ضَعِيفٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ، وقالَ أبُو فَتْحٍ الأزَدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: إنَّهُ غَرِيبٌ جِدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، «عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قالَ: النَّهْرُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ البَراءِ قالَ في الآيَةِ: هو الجَدْوَلُ، وهو النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَظَهَرَ بِهَذا أنَّ المَوْقُوفَ أصَحُّ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعَيْنِ أنَّ السِّرِيَّ هو عِيسى، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قالَ: طَرِيًّا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قالَ: صَمْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( صَوْمًا صَمْتًا ) .