Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الأنبياء 21:108 – الحج 22:17
المحتويات
الأنبياء 21:108
.
بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ مَعْبُودِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وهَذا خِطابٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ وما تَعْبُدُونَ: الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ حَصَبُ بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ: أيْ وقُودُ جَهَنَّمَ وحَطَبُها، وكُلُّ ما أوْقَدْتَ بِهِ النّارَ أوْ هَيَّجْتَها بِهِ فَهو حَصَبٌ، كَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ ما قَذَفْتَهُ في النّارِ فَقَدْ حَصَبْتَها بِهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعائِشَةُ ( حَطَبُ ) جَهَنَّمَ بِالطّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الحَضَبَ في لُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ الحَطَبُ، ووَجْهُ إلْقاءِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ ذَلِكَ ولا تُحِسُّ بِهِ: التَّبْكِيتُ لِمَن عَبَدَها وزِيادَةُ التَّوْبِيخِ لَهم وتَضاعُفُ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها تُحْمى فَتُلْصَقُ بِهِمْ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ بَدَلٌ مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ، والخِطابُ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا، واللّامُ في لَها لِلتَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عَلى، والمُرادُ بِالوُرُودِ هُنا الدُّخُولُ. قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: ولا يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، لِأنَّ ما لِمَن لا يَعْقِلُ، ولَوْ أرادَ العُمُومَ لَقالَ ومَن يَعْبُدُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ولِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُشْرِكُو مَكَّةَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ أيْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأصْنامُ آلِهَةً كَما تَزْعُمُونَ ما ورَدُوها: أيْ ما ورَدَ العابِدُونَ هم والمَعْبُودُونَ النّارَ، وقِيلَ: ما ورَدَ العابِدُونَ فَقَطْ، لَكِنَّهم ورَدُوها فَلَمْ يَكُونُوا آلِهَةً، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لِعُبّادِ الأصْنامِ وتَوْبِيخٌ شَدِيدٌ ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ كُلُّ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ في النّارِ خالِدُونَ لا يَخْرُجُونَ مِنها.
﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ورَدُوا النّارَ، والزَّفِيرُ صَوْتُ نَفَسِ المَغْمُومِ، والمُرادُ هُنا الأنِينُ والتَّنَفُّسُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَسْمَعُ بَعْضُهم زَفِيرَ بَعْضٍ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، لِأنَّهم يُحْشَرُونَ صُمًّا كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وإنَّما سُلِبُوا السَّماعَ، لِأنَّ فِيهِ بَعْضَ تَرَوُّحٍ وتَأنُّسٍ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ ما يَسُرُّهم، بَلْ يَسْمَعُونَ ما يَسُوءُهم. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ هَؤُلاءِ الأشْقِياءِ شَرَعَ في بَيانِ حالِ السُّعَداءِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحُسْنى الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ وهي السَّعادَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ، أوِ التَّبْشِيرُ بِالجَنَّةِ، أوْ نَفْسُ الجَنَّةِ ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ عَنْها أيْ عَنْ جَهَنَّمَ مُبْعَدُونَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ (p-٩٤٩)الحِسُّ والحَسِيسُ الصَّوْتُ تَسْمَعُهُ مِنَ الشَّيْءِ يَمُرُّ قَرِيبًا مِنكَ. والمَعْنى: لا يَسْمَعُونَ حَرَكَةَ النّارِ وحَرَكَةَ أهْلِها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن مُبْعَدُونَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ أيْ دائِمُونَ، وفي الجَنَّةِ ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ بِهِ الأعْيُنُ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] .
﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( لا يُحْزِنُهم ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزَنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والفَزَعُ الأكْبَرُ: أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والعِقابِ ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ تَسْتَقْبِلُهم عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ يُهَنِّئُونَهم ويَقُولُونَ لَهم ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ تُوعَدُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتُبَشَّرُونَ بِما فِيهِ، هَكَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ إلى هُنا هم كافَّةُ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لا المَسِيحُ وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ الآيَةَ، أتى ابْنُ الزِّبَعْرى إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ عِيسى رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ مَرْيَمَ امْرَأةٌ صالِحَةٌ ؟ قالَ بَلى، فَقالَ: فَإنَّ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا ومَرْيَمَ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَهَؤُلاءِ في النّارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾» وسَيَأْتِي بَيانُ مَن أخْرَجَ هَذا قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ ( تُطْوى ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ السَّماءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يَطْوِي ) بِالتَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ عَلى مَعْنى يَطْوِي اللَّهُ السَّماءَ وقَرَأ الباقُونَ نَطْوِي بِنُونِ العَظَمَةِ وانْتِصابِ يَوْمَ بِقَوْلِهِ: نُعِيدُهُ أيْ نُعِيدُهُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في تُوعَدُونَ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تُوعَدُونَهُ يَوْمَ نَطْوِي، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَتَلَقّاهم، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ، وهَذا أظْهَرُ وأوْضَحُ، والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ، وقِيلَ: المَحْوُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ الجِنْسُ، والسِّجِلِّ الصَّحِيفَةُ: أيْ طَيًّا كَطَيِّ الطُّومارِ، وقِيلَ: السِّجِلُّ الصَّكُّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المُساجَلَةِ وهي المُكاتَبَةُ، وأصْلُها مِنَ السَّجْلِ، وهو الدَّلْوُ، يُقالُ: ساجَلْتُ الرَّجُلَ إذا نَزَعْتَ دَلْوًا ونَزَعَ دَلْوًا، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْمُكاتَبَةِ والمُراجَعَةِ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَضْلِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبِ
وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ جَرِيرٍ ( السُّجُلِّ ) بِضَمِّ السِّينِ والجِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، والطَّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الطَّيُّ الَّذِي هو ضِدُّ النَّشْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . والثّانِي الإخْفاءُ والتَّعْمِيَةُ والمَحْوُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَمْحُو ويَطْمِسُ رُسُومَها ويُكَدِّرُ نُجُومَها. وقِيلَ: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ، وهو الَّذِي يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: هو اسْمُ كاتِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى وخَلَفٌ لِلْكُتُبِ جَمِيعًا، وقَرَأ الباقُونَ ( لِلْكِتابِ ) وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِنَ السِّجِلِّ: أيْ كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ: أيِ الكائِنُ لِلْكُتُبِ، فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها، فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالكِتابُ مَصْدَرٌ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ كَما يُطْوى الطُّومارُ لِلْكِتابَةِ: أيْ لِيُكْتَبَ فِيهِ، أوْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّ المَعْنى الأوَّلُ، وهو ضِدُّ النَّشْرِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أيْ كَما بَدَأْناهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ وأخْرَجْناهم إلى الأرْضِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَذَلِكَ نُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأوَّلَ خَلْقٍ مَفْعُولُ نُعِيدُ مُقَدَّرًا يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ المَذْكُورُ، أوْ مَفْعُولٌ لِ بَدَأْنا، وما كافَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ نُعِيدُهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ ( أوَّلَ ) ظَرْفًا لِبَدَأْنا، أوْ حالًا، وإنَّما خَصَّ أوَّلَ الخَلْقِ بِالذِّكْرِ تَصْوِيرًا لِلْإيجادِ عَنِ العَدَمِ، والمَقْصُودُ بَيانُ صِحَّةِ الإعادَةِ بِالقِياسِ عَلى المَبْدَأِ لِشُمُولِ الإمْكانِ الذّاتِيِّ لَهُما، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: نُهْلِكُ كُلَّ نَفْسٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ، وعَلى هَذا فالكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ وقِيلَ: المَعْنى نُغَيِّرُ السَّماءَ، ثُمَّ نُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ طَيِّها وزَوالِها، والأوَّلُ أوْلى، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ انْتِصابُ وعْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: أيْ وعَدْنا وعْدًا عَلَيْنا إنْجازُهُ والوَفاءُ بِهِ. وهو البَعْثُ والإعادَةُ، ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى إنّا كُنّا فاعِلِينَ: إنّا كُنّا قادِرِينَ عَلى ما نَشاءُ، وقِيلَ: إنّا كُنّا فاعِلِينَ ما وعَدْناكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . ١٠٥ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ الزُّبُرُ في الأصْلِ الكُتُبُ، يُقالُ زَبَرْتُ: أيْ كَتَبْتُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ إطْلاقُ الزَّبُورِ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى كِتابِ داوُدَ المُسَمّى بِالزَّبُورِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا كِتابُ داوُدَ، ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: هو التَّوْراةُ: أيْ واللَّهِ ولَقَدْ كَتَبْنا في كِتابِ داوُدَ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في التَّوْراةِ أوْ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: الزَّبُورُ جَمْعُ الكُتُبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الزَّبُورَ والكِتابَ في مَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ زَبَرْتُ وكَتَبْتُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ في ( الزُّبُورِ ) بِضَمِّ الزّايِ، فَإنَّهُ جَمْعُ زُبُرٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِهَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] وقِيلَ: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، وقِيلَ: هي أرْضُ الأُمَمِ الكافِرَةِ يَرِثُها نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ بِفَتْحِها، وقِيلَ: (p-٩٥٠)المُرادُ بِذَلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَبْشِيرٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِوِراثَةِ أرْضِ الكافِرِينَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ ( عِبادِي ) بِتَسْكِينِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْرِيكِها.
﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا﴾ أيْ فِيما جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الوَعْظِ والتَّنْبِيهِ لَبَلاغًا لَكِفايَةً، يُقالُ في هَذا الشَّيْءِ بَلاغٌ وبُلْغَةٌ وتَبْلِيغٌ: أيْ كِفايَةٌ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في هَذا إلى القُرْآنِ ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أيْ مَشْغُولِينَ بِعِبادَةِ اللَّهِ مُهْتَمِّينَ بِها، والعِبادَةُ هي الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ورَأسُ العِبادَةِ الصَّلاةُ. ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ وما أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ بِالشَّرائِعِ والأحْكامِ إلّا رَحْمَةً لِجَمِيعِ النّاسِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والعِلَلِ: أيْ ما أرْسَلْناكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِرَحْمَتِنا الواسِعَةِ، فَإنَّ ما بُعِثْتَ بِهِ سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. قِيلَ ومَعْنى كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ: أنَّهم أمِنُوا بِهِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والِاسْتِئْصالِ: وقِيلَ: المُرادُ بِالعالَمِينَ المُؤْمِنُونَ خاصَّةً، والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ أصْلَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ هو التَّوْحِيدُ والبَراءَةُ مِنَ الشِّرْكِ فَقالَ: قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ إنْ كانَتْ ما مَوْصُولَةً فالمَعْنى: أنَّ الَّذِي يُوحى إلَيَّ هو أنَّ وصْفَهُ تَعالى مَقْصُورٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لا يَتَجاوَزُها إلى ما يُناقِضُها أوْ يُضادُّها، وإنْ كانَتْ ما كافَّةً فالمَعْنى: أنَّ الوَحْيَ إلَيَّ مَقْصُورٌ عَلى اسْتِئْثارِ اللَّهِ بِالوَحْدَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ أبَدًا يَكُونُ لِما يَلِي إنَّما، فَإنَّما الأُولى لِقَصْرِ الوَصْفِ عَلى الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ: أيْ ما يَقُومُ إلّا زَيْدٌ. والثّانِيَةُ لِقَصْرِ الشَّيْءِ عَلى الحُكْمِ كَقَوْلِكَ إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ: أيْ لَيْسَ بِهِ إلّا صِفَةُ القِيامِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ لِلْعِبادَةِ ولِتَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ فَقُلْ لَهم ﴿آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم أنّا وإيّاكم حَرْبٌ لا صُلْحَ بَيْنَنا كائِنِينَ عَلى سَواءٍ في الإعْلامِ لَمْ أخُصَّ بِهِ بَعْضَكم دُونَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ أعْلِمْهم أنَّكَ نَقَضْتَ العَهْدَ نَقْضًا سَوَّيْتَ بَيْنَهم فِيهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أعْلَمْتُكم ما يُوحى إلَيَّ عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِهِ، ولا أُظْهِرُ لِأحَدٍ شَيْئًا كَتَمْتُهُ عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ ما أدْرِي أما تُوعَدُونَ بِهِ قَرِيبٌ حُصُولُهُ أمْ بَعِيدٌ، وهو غَلَبَةُ الإسْلامِ أهْلَهَ عَلى الكُفْرِ وأهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما تُوعَدُونَ القِيامَةُ، وقِيلَ: آذَنْتُكم بِالحَرْبِ ولَكِنْ لا أدْرِي ما يُؤْذَنُ لِي في مُحارَبَتِكم.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ما تُجاهِرُونَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والطَّعْنِ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ وما تَكْتُمُونَهُ مِن ذَلِكَ وتُخْفُونَهُ. ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيْ ما أدْرِي لَعَلَّ الإمْهالَ فِتْنَةٌ لَكم واخْتِبارٌ لِيَرى كَيْفَ صُنْعُكم ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ وتَمْتِيعٌ إلى وقْتٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ وتَعالى دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ أيِ احْكم بَيْنِي وبَيْنَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ فَفَوَّضَ الأمْرَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ. وقالَ النَّحّاسُ: وهَذا لَحْنٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لا يَجُوزُ عِنْدَهم رَجُلٌ أقْبَلَ حَتّى يَقُولَ يا رَجُلُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وطَلْحَةُ ويَعْقُوبُ ( أحْكَمُ ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الكافِ وضَمِّ المِيمِ: أيْ قالَ مُحَمَّدٌ رَبِّي أحْكَمُ بِالحَقِّ. وقُرِئَ ( قُلْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ. ورَبِّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّهُ مُنادًى مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ، وقَدِ اسْتَجابَ سُبْحانَهُ دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَعَذَّبَهم بِبَدْرٍ، ثُمَّ جَعَلَ العاقِبَةَ والغَلَبَةَ والنَّصْرَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُتَمِّمًا لِتِلْكَ الحِكايَةِ ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَرَبُّنا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الرَّحْمَنُ: أيْ هو كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، والمُسْتَعانُ خَبَرٌ آخَرُ: أيِ المُسْتَعانُ بِهِ في الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَصِفُونَهُ مِن أنَّ الشَّوْكَةَ تَكُونُ لَكم، ومِن قَوْلِكم: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] وقَوْلِكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [ الأنْبِياءِ: ٢٦ - مَرْيَمَ: ٨٨ ] وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الوَصْفُ في كِتابِ اللَّهِ بِمَعْنى الكَذِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم﴾ [الأنعام: ١٣٩] وقَرَأ المُفَضَّلُ والسُّلَمِيُّ ( عَلى ما يَصِفُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: فالمَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ قالَ: «جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: قَدْ عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والمَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ كُلُّ هَؤُلاءِ في النّارِ مَعَ آلِهَتِنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨]، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «(p-٩٥١)﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: شَجَرُ جَهَنَّمَ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ أنَّ ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقُودُها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَطَبُ جَهَنَّمَ بِالزِّنْجِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَقُولُ حَسِّ حَسِّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَلْسَعُهم، فَإذا لَسَعَتْهم قالُوا حَسِّ حَسِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: هو عُثْمانُ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ يَقُولُ: لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنزِلَهم مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قالَ: النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثَةٌ عَلى كُثْبانِ المِسْكِ لا يَهُولُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أمَّ قَوْمًا وهم لَهُ راضُونَ، ورَجُلٌ كانَ يُؤَذِّنُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وعَبْدٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ مَوالِيهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ قالَ: مَلَكٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطِيَّةَ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ، فَإذا صَعِدَ بِالِاسْتِغْفارِ قالَ اكْتُبُوها نُورًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُسَمّى السِّجِلَّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» . قالَ: كَما يَطْوِي السِّجِلُّ الكِتابَ كَذَلِكَ نَطْوِي السَّماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُقالُ لَهُ السِّجِلُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: وهَذا مُنْكَرٌ جِدًّا مِن حَدِيثِ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لا يَصِحُّ أصْلًا. قالَ: وكَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ لا يَصِحُّ أيْضًا. وقَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِنِ الحُفّاظِ بِوَضْعِهِ، وإنْ كانَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ مِنهم شَيْخُنا الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو الحَجّاجِ المُزَنِيُّ، وقَدْ أفْرَدْتُ بِهَذا الحَدِيثِ جُزْءًا لَهُ عَلى حِدَةٍ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
قالَ: وقَدْ تَصَدّى الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ لِلْإنْكارِ عَلى هَذا الحَدِيثِ ورَدَّهُ أتَمَّ رَدٍّ، وقالَ: ولا نَعْرِفُ في الصَّحابَةِ أحَدًا اسْمُهُ سِجِلُّ، وكُتّابُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ وصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ وهو مِن أقْوى الأدِلَّةِ عَلى نَكارَةِ هَذا الحَدِيثِ، وأمّا مَن ذَكَرَ في أسْماءِ الصَّحابَةِ هَذا فَإنَّما اعْتَمَدَ عَلى هَذا الحَدِيثِ لا عَلى غَيْرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ: والصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ هو الصَّحِيفَةُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنْهُ. ونَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ: أيْ عَلى الكِتابِ، يَعْنِي المَكْتُوبَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أيْ عَلى الجَبِينِ، ولَهُ نَظائِرُ في اللُّغَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. قُلْتُ: أمّا كَوْنُ هَذا هو الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَلا، فَإنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيَّ ضَعِيفانِ، فالأوْلى التَّعْوِيلُ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ والمَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ هو الرَّجُلُ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلى الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ يَقُولُ: نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: القُرْآنِ أنَّ الأرْضَ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ قالَ: الكُتُبِ ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: التَّوْراةِ وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: الزَّبُورُ والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ.
والذِّكْرُ: الأصْلُ الَّذِي نُسِخَتْ مِنهُ هَذِهِ الكُتُبُ الَّذِي في السَّماءِ، والأرْضُ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّوْراةِ والزَّبُورِ وسابِقِ عَمَلِهِ قَبْلَ أنْ تَكُونَ السَّماواتُ والأرْضُ أنْ يُورِثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ الأرْضَ، ويُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، وهُمُ الصّالِحُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: عالِمِينَ، وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: في الصَّلَواتِ الخَمْسِ شُغْلًا لِلْعِبادَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ في المَسْجِدِ الحَرامِ جَماعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ: مَن آمَنَ (p-٩٥٢)تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن عُوفِيَ مِمّا كانَ يُصِيبُ الأُمَمَ في عاجِلِ الدُّنْيا مِنَ العَذابِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والقَذْفِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ، إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وهُدًى لِلْمُتَّقِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَلْمانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً في غَضَبِي أوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً، فَإنَّما أنا رَجُلٌ مِن ولَدِ آدَمَ أغْضَبُ كَما يَغْضَبُونَ، وإنَّما بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فاجْعَلْها عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ»، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأى فُلانًا، وهو بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ النّاسَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ يَقُولُ: هَذا المُلْكُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم﴾ يَقُولُ: ما أخْبَرَكم بِهِ مِنَ العَذابِ والسّاعَةِ، لَعَلَّ تَأْخِيرَ ذَلِكَ عَنْكم فِتْنَةٌ لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: لا يَحْكُمُ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا يَسْألُ رَبَّهُ.
الأنبياء 21:109
.
بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ مَعْبُودِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وهَذا خِطابٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ وما تَعْبُدُونَ: الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ حَصَبُ بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ: أيْ وقُودُ جَهَنَّمَ وحَطَبُها، وكُلُّ ما أوْقَدْتَ بِهِ النّارَ أوْ هَيَّجْتَها بِهِ فَهو حَصَبٌ، كَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ ما قَذَفْتَهُ في النّارِ فَقَدْ حَصَبْتَها بِهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعائِشَةُ ( حَطَبُ ) جَهَنَّمَ بِالطّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الحَضَبَ في لُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ الحَطَبُ، ووَجْهُ إلْقاءِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ ذَلِكَ ولا تُحِسُّ بِهِ: التَّبْكِيتُ لِمَن عَبَدَها وزِيادَةُ التَّوْبِيخِ لَهم وتَضاعُفُ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها تُحْمى فَتُلْصَقُ بِهِمْ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ بَدَلٌ مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ، والخِطابُ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا، واللّامُ في لَها لِلتَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عَلى، والمُرادُ بِالوُرُودِ هُنا الدُّخُولُ. قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: ولا يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، لِأنَّ ما لِمَن لا يَعْقِلُ، ولَوْ أرادَ العُمُومَ لَقالَ ومَن يَعْبُدُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ولِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُشْرِكُو مَكَّةَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ أيْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأصْنامُ آلِهَةً كَما تَزْعُمُونَ ما ورَدُوها: أيْ ما ورَدَ العابِدُونَ هم والمَعْبُودُونَ النّارَ، وقِيلَ: ما ورَدَ العابِدُونَ فَقَطْ، لَكِنَّهم ورَدُوها فَلَمْ يَكُونُوا آلِهَةً، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لِعُبّادِ الأصْنامِ وتَوْبِيخٌ شَدِيدٌ ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ كُلُّ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ في النّارِ خالِدُونَ لا يَخْرُجُونَ مِنها.
﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ورَدُوا النّارَ، والزَّفِيرُ صَوْتُ نَفَسِ المَغْمُومِ، والمُرادُ هُنا الأنِينُ والتَّنَفُّسُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَسْمَعُ بَعْضُهم زَفِيرَ بَعْضٍ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، لِأنَّهم يُحْشَرُونَ صُمًّا كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وإنَّما سُلِبُوا السَّماعَ، لِأنَّ فِيهِ بَعْضَ تَرَوُّحٍ وتَأنُّسٍ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ ما يَسُرُّهم، بَلْ يَسْمَعُونَ ما يَسُوءُهم. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ هَؤُلاءِ الأشْقِياءِ شَرَعَ في بَيانِ حالِ السُّعَداءِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحُسْنى الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ وهي السَّعادَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ، أوِ التَّبْشِيرُ بِالجَنَّةِ، أوْ نَفْسُ الجَنَّةِ ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ عَنْها أيْ عَنْ جَهَنَّمَ مُبْعَدُونَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ (p-٩٤٩)الحِسُّ والحَسِيسُ الصَّوْتُ تَسْمَعُهُ مِنَ الشَّيْءِ يَمُرُّ قَرِيبًا مِنكَ. والمَعْنى: لا يَسْمَعُونَ حَرَكَةَ النّارِ وحَرَكَةَ أهْلِها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن مُبْعَدُونَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ أيْ دائِمُونَ، وفي الجَنَّةِ ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ بِهِ الأعْيُنُ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] .
﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( لا يُحْزِنُهم ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزَنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والفَزَعُ الأكْبَرُ: أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والعِقابِ ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ تَسْتَقْبِلُهم عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ يُهَنِّئُونَهم ويَقُولُونَ لَهم ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ تُوعَدُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتُبَشَّرُونَ بِما فِيهِ، هَكَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ إلى هُنا هم كافَّةُ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لا المَسِيحُ وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ الآيَةَ، أتى ابْنُ الزِّبَعْرى إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ عِيسى رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ مَرْيَمَ امْرَأةٌ صالِحَةٌ ؟ قالَ بَلى، فَقالَ: فَإنَّ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا ومَرْيَمَ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَهَؤُلاءِ في النّارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾» وسَيَأْتِي بَيانُ مَن أخْرَجَ هَذا قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ ( تُطْوى ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ السَّماءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يَطْوِي ) بِالتَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ عَلى مَعْنى يَطْوِي اللَّهُ السَّماءَ وقَرَأ الباقُونَ نَطْوِي بِنُونِ العَظَمَةِ وانْتِصابِ يَوْمَ بِقَوْلِهِ: نُعِيدُهُ أيْ نُعِيدُهُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في تُوعَدُونَ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تُوعَدُونَهُ يَوْمَ نَطْوِي، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَتَلَقّاهم، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ، وهَذا أظْهَرُ وأوْضَحُ، والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ، وقِيلَ: المَحْوُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ الجِنْسُ، والسِّجِلِّ الصَّحِيفَةُ: أيْ طَيًّا كَطَيِّ الطُّومارِ، وقِيلَ: السِّجِلُّ الصَّكُّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المُساجَلَةِ وهي المُكاتَبَةُ، وأصْلُها مِنَ السَّجْلِ، وهو الدَّلْوُ، يُقالُ: ساجَلْتُ الرَّجُلَ إذا نَزَعْتَ دَلْوًا ونَزَعَ دَلْوًا، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْمُكاتَبَةِ والمُراجَعَةِ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَضْلِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبِ
وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ جَرِيرٍ ( السُّجُلِّ ) بِضَمِّ السِّينِ والجِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، والطَّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الطَّيُّ الَّذِي هو ضِدُّ النَّشْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . والثّانِي الإخْفاءُ والتَّعْمِيَةُ والمَحْوُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَمْحُو ويَطْمِسُ رُسُومَها ويُكَدِّرُ نُجُومَها. وقِيلَ: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ، وهو الَّذِي يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: هو اسْمُ كاتِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى وخَلَفٌ لِلْكُتُبِ جَمِيعًا، وقَرَأ الباقُونَ ( لِلْكِتابِ ) وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِنَ السِّجِلِّ: أيْ كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ: أيِ الكائِنُ لِلْكُتُبِ، فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها، فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالكِتابُ مَصْدَرٌ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ كَما يُطْوى الطُّومارُ لِلْكِتابَةِ: أيْ لِيُكْتَبَ فِيهِ، أوْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّ المَعْنى الأوَّلُ، وهو ضِدُّ النَّشْرِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أيْ كَما بَدَأْناهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ وأخْرَجْناهم إلى الأرْضِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَذَلِكَ نُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأوَّلَ خَلْقٍ مَفْعُولُ نُعِيدُ مُقَدَّرًا يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ المَذْكُورُ، أوْ مَفْعُولٌ لِ بَدَأْنا، وما كافَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ نُعِيدُهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ ( أوَّلَ ) ظَرْفًا لِبَدَأْنا، أوْ حالًا، وإنَّما خَصَّ أوَّلَ الخَلْقِ بِالذِّكْرِ تَصْوِيرًا لِلْإيجادِ عَنِ العَدَمِ، والمَقْصُودُ بَيانُ صِحَّةِ الإعادَةِ بِالقِياسِ عَلى المَبْدَأِ لِشُمُولِ الإمْكانِ الذّاتِيِّ لَهُما، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: نُهْلِكُ كُلَّ نَفْسٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ، وعَلى هَذا فالكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ وقِيلَ: المَعْنى نُغَيِّرُ السَّماءَ، ثُمَّ نُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ طَيِّها وزَوالِها، والأوَّلُ أوْلى، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ انْتِصابُ وعْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: أيْ وعَدْنا وعْدًا عَلَيْنا إنْجازُهُ والوَفاءُ بِهِ. وهو البَعْثُ والإعادَةُ، ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى إنّا كُنّا فاعِلِينَ: إنّا كُنّا قادِرِينَ عَلى ما نَشاءُ، وقِيلَ: إنّا كُنّا فاعِلِينَ ما وعَدْناكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . ١٠٥ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ الزُّبُرُ في الأصْلِ الكُتُبُ، يُقالُ زَبَرْتُ: أيْ كَتَبْتُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ إطْلاقُ الزَّبُورِ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى كِتابِ داوُدَ المُسَمّى بِالزَّبُورِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا كِتابُ داوُدَ، ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: هو التَّوْراةُ: أيْ واللَّهِ ولَقَدْ كَتَبْنا في كِتابِ داوُدَ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في التَّوْراةِ أوْ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: الزَّبُورُ جَمْعُ الكُتُبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الزَّبُورَ والكِتابَ في مَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ زَبَرْتُ وكَتَبْتُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ في ( الزُّبُورِ ) بِضَمِّ الزّايِ، فَإنَّهُ جَمْعُ زُبُرٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِهَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] وقِيلَ: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، وقِيلَ: هي أرْضُ الأُمَمِ الكافِرَةِ يَرِثُها نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ بِفَتْحِها، وقِيلَ: (p-٩٥٠)المُرادُ بِذَلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَبْشِيرٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِوِراثَةِ أرْضِ الكافِرِينَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ ( عِبادِي ) بِتَسْكِينِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْرِيكِها.
﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا﴾ أيْ فِيما جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الوَعْظِ والتَّنْبِيهِ لَبَلاغًا لَكِفايَةً، يُقالُ في هَذا الشَّيْءِ بَلاغٌ وبُلْغَةٌ وتَبْلِيغٌ: أيْ كِفايَةٌ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في هَذا إلى القُرْآنِ ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أيْ مَشْغُولِينَ بِعِبادَةِ اللَّهِ مُهْتَمِّينَ بِها، والعِبادَةُ هي الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ورَأسُ العِبادَةِ الصَّلاةُ. ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ وما أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ بِالشَّرائِعِ والأحْكامِ إلّا رَحْمَةً لِجَمِيعِ النّاسِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والعِلَلِ: أيْ ما أرْسَلْناكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِرَحْمَتِنا الواسِعَةِ، فَإنَّ ما بُعِثْتَ بِهِ سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. قِيلَ ومَعْنى كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ: أنَّهم أمِنُوا بِهِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والِاسْتِئْصالِ: وقِيلَ: المُرادُ بِالعالَمِينَ المُؤْمِنُونَ خاصَّةً، والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ أصْلَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ هو التَّوْحِيدُ والبَراءَةُ مِنَ الشِّرْكِ فَقالَ: قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ إنْ كانَتْ ما مَوْصُولَةً فالمَعْنى: أنَّ الَّذِي يُوحى إلَيَّ هو أنَّ وصْفَهُ تَعالى مَقْصُورٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لا يَتَجاوَزُها إلى ما يُناقِضُها أوْ يُضادُّها، وإنْ كانَتْ ما كافَّةً فالمَعْنى: أنَّ الوَحْيَ إلَيَّ مَقْصُورٌ عَلى اسْتِئْثارِ اللَّهِ بِالوَحْدَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ أبَدًا يَكُونُ لِما يَلِي إنَّما، فَإنَّما الأُولى لِقَصْرِ الوَصْفِ عَلى الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ: أيْ ما يَقُومُ إلّا زَيْدٌ. والثّانِيَةُ لِقَصْرِ الشَّيْءِ عَلى الحُكْمِ كَقَوْلِكَ إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ: أيْ لَيْسَ بِهِ إلّا صِفَةُ القِيامِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ لِلْعِبادَةِ ولِتَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ فَقُلْ لَهم ﴿آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم أنّا وإيّاكم حَرْبٌ لا صُلْحَ بَيْنَنا كائِنِينَ عَلى سَواءٍ في الإعْلامِ لَمْ أخُصَّ بِهِ بَعْضَكم دُونَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ أعْلِمْهم أنَّكَ نَقَضْتَ العَهْدَ نَقْضًا سَوَّيْتَ بَيْنَهم فِيهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أعْلَمْتُكم ما يُوحى إلَيَّ عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِهِ، ولا أُظْهِرُ لِأحَدٍ شَيْئًا كَتَمْتُهُ عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ ما أدْرِي أما تُوعَدُونَ بِهِ قَرِيبٌ حُصُولُهُ أمْ بَعِيدٌ، وهو غَلَبَةُ الإسْلامِ أهْلَهَ عَلى الكُفْرِ وأهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما تُوعَدُونَ القِيامَةُ، وقِيلَ: آذَنْتُكم بِالحَرْبِ ولَكِنْ لا أدْرِي ما يُؤْذَنُ لِي في مُحارَبَتِكم.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ما تُجاهِرُونَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والطَّعْنِ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ وما تَكْتُمُونَهُ مِن ذَلِكَ وتُخْفُونَهُ. ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيْ ما أدْرِي لَعَلَّ الإمْهالَ فِتْنَةٌ لَكم واخْتِبارٌ لِيَرى كَيْفَ صُنْعُكم ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ وتَمْتِيعٌ إلى وقْتٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ وتَعالى دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ أيِ احْكم بَيْنِي وبَيْنَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ فَفَوَّضَ الأمْرَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ. وقالَ النَّحّاسُ: وهَذا لَحْنٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لا يَجُوزُ عِنْدَهم رَجُلٌ أقْبَلَ حَتّى يَقُولَ يا رَجُلُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وطَلْحَةُ ويَعْقُوبُ ( أحْكَمُ ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الكافِ وضَمِّ المِيمِ: أيْ قالَ مُحَمَّدٌ رَبِّي أحْكَمُ بِالحَقِّ. وقُرِئَ ( قُلْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ. ورَبِّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّهُ مُنادًى مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ، وقَدِ اسْتَجابَ سُبْحانَهُ دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَعَذَّبَهم بِبَدْرٍ، ثُمَّ جَعَلَ العاقِبَةَ والغَلَبَةَ والنَّصْرَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُتَمِّمًا لِتِلْكَ الحِكايَةِ ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَرَبُّنا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الرَّحْمَنُ: أيْ هو كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، والمُسْتَعانُ خَبَرٌ آخَرُ: أيِ المُسْتَعانُ بِهِ في الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَصِفُونَهُ مِن أنَّ الشَّوْكَةَ تَكُونُ لَكم، ومِن قَوْلِكم: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] وقَوْلِكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [ الأنْبِياءِ: ٢٦ - مَرْيَمَ: ٨٨ ] وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الوَصْفُ في كِتابِ اللَّهِ بِمَعْنى الكَذِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم﴾ [الأنعام: ١٣٩] وقَرَأ المُفَضَّلُ والسُّلَمِيُّ ( عَلى ما يَصِفُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: فالمَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ قالَ: «جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: قَدْ عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والمَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ كُلُّ هَؤُلاءِ في النّارِ مَعَ آلِهَتِنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨]، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «(p-٩٥١)﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: شَجَرُ جَهَنَّمَ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ أنَّ ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقُودُها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَطَبُ جَهَنَّمَ بِالزِّنْجِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَقُولُ حَسِّ حَسِّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَلْسَعُهم، فَإذا لَسَعَتْهم قالُوا حَسِّ حَسِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: هو عُثْمانُ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ يَقُولُ: لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنزِلَهم مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قالَ: النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثَةٌ عَلى كُثْبانِ المِسْكِ لا يَهُولُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أمَّ قَوْمًا وهم لَهُ راضُونَ، ورَجُلٌ كانَ يُؤَذِّنُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وعَبْدٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ مَوالِيهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ قالَ: مَلَكٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطِيَّةَ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ، فَإذا صَعِدَ بِالِاسْتِغْفارِ قالَ اكْتُبُوها نُورًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُسَمّى السِّجِلَّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» . قالَ: كَما يَطْوِي السِّجِلُّ الكِتابَ كَذَلِكَ نَطْوِي السَّماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُقالُ لَهُ السِّجِلُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: وهَذا مُنْكَرٌ جِدًّا مِن حَدِيثِ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لا يَصِحُّ أصْلًا. قالَ: وكَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ لا يَصِحُّ أيْضًا. وقَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِنِ الحُفّاظِ بِوَضْعِهِ، وإنْ كانَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ مِنهم شَيْخُنا الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو الحَجّاجِ المُزَنِيُّ، وقَدْ أفْرَدْتُ بِهَذا الحَدِيثِ جُزْءًا لَهُ عَلى حِدَةٍ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
قالَ: وقَدْ تَصَدّى الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ لِلْإنْكارِ عَلى هَذا الحَدِيثِ ورَدَّهُ أتَمَّ رَدٍّ، وقالَ: ولا نَعْرِفُ في الصَّحابَةِ أحَدًا اسْمُهُ سِجِلُّ، وكُتّابُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ وصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ وهو مِن أقْوى الأدِلَّةِ عَلى نَكارَةِ هَذا الحَدِيثِ، وأمّا مَن ذَكَرَ في أسْماءِ الصَّحابَةِ هَذا فَإنَّما اعْتَمَدَ عَلى هَذا الحَدِيثِ لا عَلى غَيْرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ: والصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ هو الصَّحِيفَةُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنْهُ. ونَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ: أيْ عَلى الكِتابِ، يَعْنِي المَكْتُوبَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أيْ عَلى الجَبِينِ، ولَهُ نَظائِرُ في اللُّغَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. قُلْتُ: أمّا كَوْنُ هَذا هو الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَلا، فَإنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيَّ ضَعِيفانِ، فالأوْلى التَّعْوِيلُ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ والمَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ هو الرَّجُلُ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلى الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ يَقُولُ: نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: القُرْآنِ أنَّ الأرْضَ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ قالَ: الكُتُبِ ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: التَّوْراةِ وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: الزَّبُورُ والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ.
والذِّكْرُ: الأصْلُ الَّذِي نُسِخَتْ مِنهُ هَذِهِ الكُتُبُ الَّذِي في السَّماءِ، والأرْضُ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّوْراةِ والزَّبُورِ وسابِقِ عَمَلِهِ قَبْلَ أنْ تَكُونَ السَّماواتُ والأرْضُ أنْ يُورِثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ الأرْضَ، ويُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، وهُمُ الصّالِحُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: عالِمِينَ، وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: في الصَّلَواتِ الخَمْسِ شُغْلًا لِلْعِبادَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ في المَسْجِدِ الحَرامِ جَماعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ: مَن آمَنَ (p-٩٥٢)تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن عُوفِيَ مِمّا كانَ يُصِيبُ الأُمَمَ في عاجِلِ الدُّنْيا مِنَ العَذابِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والقَذْفِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ، إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وهُدًى لِلْمُتَّقِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَلْمانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً في غَضَبِي أوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً، فَإنَّما أنا رَجُلٌ مِن ولَدِ آدَمَ أغْضَبُ كَما يَغْضَبُونَ، وإنَّما بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فاجْعَلْها عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ»، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأى فُلانًا، وهو بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ النّاسَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ يَقُولُ: هَذا المُلْكُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم﴾ يَقُولُ: ما أخْبَرَكم بِهِ مِنَ العَذابِ والسّاعَةِ، لَعَلَّ تَأْخِيرَ ذَلِكَ عَنْكم فِتْنَةٌ لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: لا يَحْكُمُ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا يَسْألُ رَبَّهُ.
الأنبياء 21:110
.
بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ مَعْبُودِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وهَذا خِطابٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ وما تَعْبُدُونَ: الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ حَصَبُ بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ: أيْ وقُودُ جَهَنَّمَ وحَطَبُها، وكُلُّ ما أوْقَدْتَ بِهِ النّارَ أوْ هَيَّجْتَها بِهِ فَهو حَصَبٌ، كَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ ما قَذَفْتَهُ في النّارِ فَقَدْ حَصَبْتَها بِهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعائِشَةُ ( حَطَبُ ) جَهَنَّمَ بِالطّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الحَضَبَ في لُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ الحَطَبُ، ووَجْهُ إلْقاءِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ ذَلِكَ ولا تُحِسُّ بِهِ: التَّبْكِيتُ لِمَن عَبَدَها وزِيادَةُ التَّوْبِيخِ لَهم وتَضاعُفُ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها تُحْمى فَتُلْصَقُ بِهِمْ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ بَدَلٌ مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ، والخِطابُ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا، واللّامُ في لَها لِلتَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عَلى، والمُرادُ بِالوُرُودِ هُنا الدُّخُولُ. قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: ولا يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، لِأنَّ ما لِمَن لا يَعْقِلُ، ولَوْ أرادَ العُمُومَ لَقالَ ومَن يَعْبُدُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ولِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُشْرِكُو مَكَّةَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ أيْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأصْنامُ آلِهَةً كَما تَزْعُمُونَ ما ورَدُوها: أيْ ما ورَدَ العابِدُونَ هم والمَعْبُودُونَ النّارَ، وقِيلَ: ما ورَدَ العابِدُونَ فَقَطْ، لَكِنَّهم ورَدُوها فَلَمْ يَكُونُوا آلِهَةً، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لِعُبّادِ الأصْنامِ وتَوْبِيخٌ شَدِيدٌ ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ كُلُّ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ في النّارِ خالِدُونَ لا يَخْرُجُونَ مِنها.
﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ورَدُوا النّارَ، والزَّفِيرُ صَوْتُ نَفَسِ المَغْمُومِ، والمُرادُ هُنا الأنِينُ والتَّنَفُّسُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَسْمَعُ بَعْضُهم زَفِيرَ بَعْضٍ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، لِأنَّهم يُحْشَرُونَ صُمًّا كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وإنَّما سُلِبُوا السَّماعَ، لِأنَّ فِيهِ بَعْضَ تَرَوُّحٍ وتَأنُّسٍ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ ما يَسُرُّهم، بَلْ يَسْمَعُونَ ما يَسُوءُهم. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ هَؤُلاءِ الأشْقِياءِ شَرَعَ في بَيانِ حالِ السُّعَداءِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحُسْنى الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ وهي السَّعادَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ، أوِ التَّبْشِيرُ بِالجَنَّةِ، أوْ نَفْسُ الجَنَّةِ ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ عَنْها أيْ عَنْ جَهَنَّمَ مُبْعَدُونَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ (p-٩٤٩)الحِسُّ والحَسِيسُ الصَّوْتُ تَسْمَعُهُ مِنَ الشَّيْءِ يَمُرُّ قَرِيبًا مِنكَ. والمَعْنى: لا يَسْمَعُونَ حَرَكَةَ النّارِ وحَرَكَةَ أهْلِها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن مُبْعَدُونَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ أيْ دائِمُونَ، وفي الجَنَّةِ ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ بِهِ الأعْيُنُ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] .
﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( لا يُحْزِنُهم ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزَنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والفَزَعُ الأكْبَرُ: أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والعِقابِ ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ تَسْتَقْبِلُهم عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ يُهَنِّئُونَهم ويَقُولُونَ لَهم ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ تُوعَدُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتُبَشَّرُونَ بِما فِيهِ، هَكَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ إلى هُنا هم كافَّةُ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لا المَسِيحُ وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ الآيَةَ، أتى ابْنُ الزِّبَعْرى إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ عِيسى رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ مَرْيَمَ امْرَأةٌ صالِحَةٌ ؟ قالَ بَلى، فَقالَ: فَإنَّ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا ومَرْيَمَ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَهَؤُلاءِ في النّارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾» وسَيَأْتِي بَيانُ مَن أخْرَجَ هَذا قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ ( تُطْوى ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ السَّماءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يَطْوِي ) بِالتَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ عَلى مَعْنى يَطْوِي اللَّهُ السَّماءَ وقَرَأ الباقُونَ نَطْوِي بِنُونِ العَظَمَةِ وانْتِصابِ يَوْمَ بِقَوْلِهِ: نُعِيدُهُ أيْ نُعِيدُهُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في تُوعَدُونَ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تُوعَدُونَهُ يَوْمَ نَطْوِي، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَتَلَقّاهم، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ، وهَذا أظْهَرُ وأوْضَحُ، والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ، وقِيلَ: المَحْوُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ الجِنْسُ، والسِّجِلِّ الصَّحِيفَةُ: أيْ طَيًّا كَطَيِّ الطُّومارِ، وقِيلَ: السِّجِلُّ الصَّكُّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المُساجَلَةِ وهي المُكاتَبَةُ، وأصْلُها مِنَ السَّجْلِ، وهو الدَّلْوُ، يُقالُ: ساجَلْتُ الرَّجُلَ إذا نَزَعْتَ دَلْوًا ونَزَعَ دَلْوًا، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْمُكاتَبَةِ والمُراجَعَةِ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَضْلِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبِ
وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ جَرِيرٍ ( السُّجُلِّ ) بِضَمِّ السِّينِ والجِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، والطَّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الطَّيُّ الَّذِي هو ضِدُّ النَّشْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . والثّانِي الإخْفاءُ والتَّعْمِيَةُ والمَحْوُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَمْحُو ويَطْمِسُ رُسُومَها ويُكَدِّرُ نُجُومَها. وقِيلَ: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ، وهو الَّذِي يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: هو اسْمُ كاتِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى وخَلَفٌ لِلْكُتُبِ جَمِيعًا، وقَرَأ الباقُونَ ( لِلْكِتابِ ) وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِنَ السِّجِلِّ: أيْ كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ: أيِ الكائِنُ لِلْكُتُبِ، فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها، فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالكِتابُ مَصْدَرٌ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ كَما يُطْوى الطُّومارُ لِلْكِتابَةِ: أيْ لِيُكْتَبَ فِيهِ، أوْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّ المَعْنى الأوَّلُ، وهو ضِدُّ النَّشْرِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أيْ كَما بَدَأْناهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ وأخْرَجْناهم إلى الأرْضِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَذَلِكَ نُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأوَّلَ خَلْقٍ مَفْعُولُ نُعِيدُ مُقَدَّرًا يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ المَذْكُورُ، أوْ مَفْعُولٌ لِ بَدَأْنا، وما كافَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ نُعِيدُهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ ( أوَّلَ ) ظَرْفًا لِبَدَأْنا، أوْ حالًا، وإنَّما خَصَّ أوَّلَ الخَلْقِ بِالذِّكْرِ تَصْوِيرًا لِلْإيجادِ عَنِ العَدَمِ، والمَقْصُودُ بَيانُ صِحَّةِ الإعادَةِ بِالقِياسِ عَلى المَبْدَأِ لِشُمُولِ الإمْكانِ الذّاتِيِّ لَهُما، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: نُهْلِكُ كُلَّ نَفْسٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ، وعَلى هَذا فالكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ وقِيلَ: المَعْنى نُغَيِّرُ السَّماءَ، ثُمَّ نُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ طَيِّها وزَوالِها، والأوَّلُ أوْلى، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ انْتِصابُ وعْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: أيْ وعَدْنا وعْدًا عَلَيْنا إنْجازُهُ والوَفاءُ بِهِ. وهو البَعْثُ والإعادَةُ، ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى إنّا كُنّا فاعِلِينَ: إنّا كُنّا قادِرِينَ عَلى ما نَشاءُ، وقِيلَ: إنّا كُنّا فاعِلِينَ ما وعَدْناكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . ١٠٥ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ الزُّبُرُ في الأصْلِ الكُتُبُ، يُقالُ زَبَرْتُ: أيْ كَتَبْتُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ إطْلاقُ الزَّبُورِ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى كِتابِ داوُدَ المُسَمّى بِالزَّبُورِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا كِتابُ داوُدَ، ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: هو التَّوْراةُ: أيْ واللَّهِ ولَقَدْ كَتَبْنا في كِتابِ داوُدَ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في التَّوْراةِ أوْ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: الزَّبُورُ جَمْعُ الكُتُبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الزَّبُورَ والكِتابَ في مَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ زَبَرْتُ وكَتَبْتُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ في ( الزُّبُورِ ) بِضَمِّ الزّايِ، فَإنَّهُ جَمْعُ زُبُرٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِهَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] وقِيلَ: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، وقِيلَ: هي أرْضُ الأُمَمِ الكافِرَةِ يَرِثُها نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ بِفَتْحِها، وقِيلَ: (p-٩٥٠)المُرادُ بِذَلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَبْشِيرٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِوِراثَةِ أرْضِ الكافِرِينَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ ( عِبادِي ) بِتَسْكِينِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْرِيكِها.
﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا﴾ أيْ فِيما جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الوَعْظِ والتَّنْبِيهِ لَبَلاغًا لَكِفايَةً، يُقالُ في هَذا الشَّيْءِ بَلاغٌ وبُلْغَةٌ وتَبْلِيغٌ: أيْ كِفايَةٌ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في هَذا إلى القُرْآنِ ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أيْ مَشْغُولِينَ بِعِبادَةِ اللَّهِ مُهْتَمِّينَ بِها، والعِبادَةُ هي الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ورَأسُ العِبادَةِ الصَّلاةُ. ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ وما أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ بِالشَّرائِعِ والأحْكامِ إلّا رَحْمَةً لِجَمِيعِ النّاسِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والعِلَلِ: أيْ ما أرْسَلْناكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِرَحْمَتِنا الواسِعَةِ، فَإنَّ ما بُعِثْتَ بِهِ سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. قِيلَ ومَعْنى كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ: أنَّهم أمِنُوا بِهِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والِاسْتِئْصالِ: وقِيلَ: المُرادُ بِالعالَمِينَ المُؤْمِنُونَ خاصَّةً، والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ أصْلَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ هو التَّوْحِيدُ والبَراءَةُ مِنَ الشِّرْكِ فَقالَ: قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ إنْ كانَتْ ما مَوْصُولَةً فالمَعْنى: أنَّ الَّذِي يُوحى إلَيَّ هو أنَّ وصْفَهُ تَعالى مَقْصُورٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لا يَتَجاوَزُها إلى ما يُناقِضُها أوْ يُضادُّها، وإنْ كانَتْ ما كافَّةً فالمَعْنى: أنَّ الوَحْيَ إلَيَّ مَقْصُورٌ عَلى اسْتِئْثارِ اللَّهِ بِالوَحْدَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ أبَدًا يَكُونُ لِما يَلِي إنَّما، فَإنَّما الأُولى لِقَصْرِ الوَصْفِ عَلى الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ: أيْ ما يَقُومُ إلّا زَيْدٌ. والثّانِيَةُ لِقَصْرِ الشَّيْءِ عَلى الحُكْمِ كَقَوْلِكَ إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ: أيْ لَيْسَ بِهِ إلّا صِفَةُ القِيامِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ لِلْعِبادَةِ ولِتَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ فَقُلْ لَهم ﴿آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم أنّا وإيّاكم حَرْبٌ لا صُلْحَ بَيْنَنا كائِنِينَ عَلى سَواءٍ في الإعْلامِ لَمْ أخُصَّ بِهِ بَعْضَكم دُونَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ أعْلِمْهم أنَّكَ نَقَضْتَ العَهْدَ نَقْضًا سَوَّيْتَ بَيْنَهم فِيهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أعْلَمْتُكم ما يُوحى إلَيَّ عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِهِ، ولا أُظْهِرُ لِأحَدٍ شَيْئًا كَتَمْتُهُ عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ ما أدْرِي أما تُوعَدُونَ بِهِ قَرِيبٌ حُصُولُهُ أمْ بَعِيدٌ، وهو غَلَبَةُ الإسْلامِ أهْلَهَ عَلى الكُفْرِ وأهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما تُوعَدُونَ القِيامَةُ، وقِيلَ: آذَنْتُكم بِالحَرْبِ ولَكِنْ لا أدْرِي ما يُؤْذَنُ لِي في مُحارَبَتِكم.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ما تُجاهِرُونَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والطَّعْنِ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ وما تَكْتُمُونَهُ مِن ذَلِكَ وتُخْفُونَهُ. ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيْ ما أدْرِي لَعَلَّ الإمْهالَ فِتْنَةٌ لَكم واخْتِبارٌ لِيَرى كَيْفَ صُنْعُكم ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ وتَمْتِيعٌ إلى وقْتٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ وتَعالى دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ أيِ احْكم بَيْنِي وبَيْنَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ فَفَوَّضَ الأمْرَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ. وقالَ النَّحّاسُ: وهَذا لَحْنٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لا يَجُوزُ عِنْدَهم رَجُلٌ أقْبَلَ حَتّى يَقُولَ يا رَجُلُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وطَلْحَةُ ويَعْقُوبُ ( أحْكَمُ ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الكافِ وضَمِّ المِيمِ: أيْ قالَ مُحَمَّدٌ رَبِّي أحْكَمُ بِالحَقِّ. وقُرِئَ ( قُلْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ. ورَبِّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّهُ مُنادًى مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ، وقَدِ اسْتَجابَ سُبْحانَهُ دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَعَذَّبَهم بِبَدْرٍ، ثُمَّ جَعَلَ العاقِبَةَ والغَلَبَةَ والنَّصْرَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُتَمِّمًا لِتِلْكَ الحِكايَةِ ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَرَبُّنا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الرَّحْمَنُ: أيْ هو كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، والمُسْتَعانُ خَبَرٌ آخَرُ: أيِ المُسْتَعانُ بِهِ في الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَصِفُونَهُ مِن أنَّ الشَّوْكَةَ تَكُونُ لَكم، ومِن قَوْلِكم: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] وقَوْلِكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [ الأنْبِياءِ: ٢٦ - مَرْيَمَ: ٨٨ ] وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الوَصْفُ في كِتابِ اللَّهِ بِمَعْنى الكَذِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم﴾ [الأنعام: ١٣٩] وقَرَأ المُفَضَّلُ والسُّلَمِيُّ ( عَلى ما يَصِفُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: فالمَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ قالَ: «جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: قَدْ عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والمَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ كُلُّ هَؤُلاءِ في النّارِ مَعَ آلِهَتِنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨]، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «(p-٩٥١)﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: شَجَرُ جَهَنَّمَ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ أنَّ ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقُودُها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَطَبُ جَهَنَّمَ بِالزِّنْجِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَقُولُ حَسِّ حَسِّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَلْسَعُهم، فَإذا لَسَعَتْهم قالُوا حَسِّ حَسِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: هو عُثْمانُ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ يَقُولُ: لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنزِلَهم مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قالَ: النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثَةٌ عَلى كُثْبانِ المِسْكِ لا يَهُولُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أمَّ قَوْمًا وهم لَهُ راضُونَ، ورَجُلٌ كانَ يُؤَذِّنُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وعَبْدٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ مَوالِيهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ قالَ: مَلَكٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطِيَّةَ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ، فَإذا صَعِدَ بِالِاسْتِغْفارِ قالَ اكْتُبُوها نُورًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُسَمّى السِّجِلَّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» . قالَ: كَما يَطْوِي السِّجِلُّ الكِتابَ كَذَلِكَ نَطْوِي السَّماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُقالُ لَهُ السِّجِلُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: وهَذا مُنْكَرٌ جِدًّا مِن حَدِيثِ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لا يَصِحُّ أصْلًا. قالَ: وكَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ لا يَصِحُّ أيْضًا. وقَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِنِ الحُفّاظِ بِوَضْعِهِ، وإنْ كانَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ مِنهم شَيْخُنا الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو الحَجّاجِ المُزَنِيُّ، وقَدْ أفْرَدْتُ بِهَذا الحَدِيثِ جُزْءًا لَهُ عَلى حِدَةٍ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
قالَ: وقَدْ تَصَدّى الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ لِلْإنْكارِ عَلى هَذا الحَدِيثِ ورَدَّهُ أتَمَّ رَدٍّ، وقالَ: ولا نَعْرِفُ في الصَّحابَةِ أحَدًا اسْمُهُ سِجِلُّ، وكُتّابُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ وصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ وهو مِن أقْوى الأدِلَّةِ عَلى نَكارَةِ هَذا الحَدِيثِ، وأمّا مَن ذَكَرَ في أسْماءِ الصَّحابَةِ هَذا فَإنَّما اعْتَمَدَ عَلى هَذا الحَدِيثِ لا عَلى غَيْرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ: والصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ هو الصَّحِيفَةُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنْهُ. ونَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ: أيْ عَلى الكِتابِ، يَعْنِي المَكْتُوبَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أيْ عَلى الجَبِينِ، ولَهُ نَظائِرُ في اللُّغَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. قُلْتُ: أمّا كَوْنُ هَذا هو الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَلا، فَإنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيَّ ضَعِيفانِ، فالأوْلى التَّعْوِيلُ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ والمَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ هو الرَّجُلُ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلى الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ يَقُولُ: نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: القُرْآنِ أنَّ الأرْضَ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ قالَ: الكُتُبِ ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: التَّوْراةِ وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: الزَّبُورُ والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ.
والذِّكْرُ: الأصْلُ الَّذِي نُسِخَتْ مِنهُ هَذِهِ الكُتُبُ الَّذِي في السَّماءِ، والأرْضُ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّوْراةِ والزَّبُورِ وسابِقِ عَمَلِهِ قَبْلَ أنْ تَكُونَ السَّماواتُ والأرْضُ أنْ يُورِثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ الأرْضَ، ويُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، وهُمُ الصّالِحُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: عالِمِينَ، وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: في الصَّلَواتِ الخَمْسِ شُغْلًا لِلْعِبادَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ في المَسْجِدِ الحَرامِ جَماعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ: مَن آمَنَ (p-٩٥٢)تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن عُوفِيَ مِمّا كانَ يُصِيبُ الأُمَمَ في عاجِلِ الدُّنْيا مِنَ العَذابِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والقَذْفِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ، إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وهُدًى لِلْمُتَّقِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَلْمانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً في غَضَبِي أوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً، فَإنَّما أنا رَجُلٌ مِن ولَدِ آدَمَ أغْضَبُ كَما يَغْضَبُونَ، وإنَّما بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فاجْعَلْها عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ»، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأى فُلانًا، وهو بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ النّاسَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ يَقُولُ: هَذا المُلْكُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم﴾ يَقُولُ: ما أخْبَرَكم بِهِ مِنَ العَذابِ والسّاعَةِ، لَعَلَّ تَأْخِيرَ ذَلِكَ عَنْكم فِتْنَةٌ لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: لا يَحْكُمُ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا يَسْألُ رَبَّهُ.
الأنبياء 21:111
.
بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ مَعْبُودِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وهَذا خِطابٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ وما تَعْبُدُونَ: الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ حَصَبُ بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ: أيْ وقُودُ جَهَنَّمَ وحَطَبُها، وكُلُّ ما أوْقَدْتَ بِهِ النّارَ أوْ هَيَّجْتَها بِهِ فَهو حَصَبٌ، كَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ ما قَذَفْتَهُ في النّارِ فَقَدْ حَصَبْتَها بِهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعائِشَةُ ( حَطَبُ ) جَهَنَّمَ بِالطّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الحَضَبَ في لُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ الحَطَبُ، ووَجْهُ إلْقاءِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ ذَلِكَ ولا تُحِسُّ بِهِ: التَّبْكِيتُ لِمَن عَبَدَها وزِيادَةُ التَّوْبِيخِ لَهم وتَضاعُفُ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها تُحْمى فَتُلْصَقُ بِهِمْ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ بَدَلٌ مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ، والخِطابُ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا، واللّامُ في لَها لِلتَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عَلى، والمُرادُ بِالوُرُودِ هُنا الدُّخُولُ. قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: ولا يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، لِأنَّ ما لِمَن لا يَعْقِلُ، ولَوْ أرادَ العُمُومَ لَقالَ ومَن يَعْبُدُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ولِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُشْرِكُو مَكَّةَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ أيْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأصْنامُ آلِهَةً كَما تَزْعُمُونَ ما ورَدُوها: أيْ ما ورَدَ العابِدُونَ هم والمَعْبُودُونَ النّارَ، وقِيلَ: ما ورَدَ العابِدُونَ فَقَطْ، لَكِنَّهم ورَدُوها فَلَمْ يَكُونُوا آلِهَةً، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لِعُبّادِ الأصْنامِ وتَوْبِيخٌ شَدِيدٌ ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ كُلُّ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ في النّارِ خالِدُونَ لا يَخْرُجُونَ مِنها.
﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ورَدُوا النّارَ، والزَّفِيرُ صَوْتُ نَفَسِ المَغْمُومِ، والمُرادُ هُنا الأنِينُ والتَّنَفُّسُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَسْمَعُ بَعْضُهم زَفِيرَ بَعْضٍ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، لِأنَّهم يُحْشَرُونَ صُمًّا كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وإنَّما سُلِبُوا السَّماعَ، لِأنَّ فِيهِ بَعْضَ تَرَوُّحٍ وتَأنُّسٍ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ ما يَسُرُّهم، بَلْ يَسْمَعُونَ ما يَسُوءُهم. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ هَؤُلاءِ الأشْقِياءِ شَرَعَ في بَيانِ حالِ السُّعَداءِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحُسْنى الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ وهي السَّعادَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ، أوِ التَّبْشِيرُ بِالجَنَّةِ، أوْ نَفْسُ الجَنَّةِ ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ عَنْها أيْ عَنْ جَهَنَّمَ مُبْعَدُونَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ (p-٩٤٩)الحِسُّ والحَسِيسُ الصَّوْتُ تَسْمَعُهُ مِنَ الشَّيْءِ يَمُرُّ قَرِيبًا مِنكَ. والمَعْنى: لا يَسْمَعُونَ حَرَكَةَ النّارِ وحَرَكَةَ أهْلِها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن مُبْعَدُونَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ أيْ دائِمُونَ، وفي الجَنَّةِ ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ بِهِ الأعْيُنُ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] .
﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( لا يُحْزِنُهم ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزَنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والفَزَعُ الأكْبَرُ: أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والعِقابِ ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ تَسْتَقْبِلُهم عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ يُهَنِّئُونَهم ويَقُولُونَ لَهم ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ تُوعَدُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتُبَشَّرُونَ بِما فِيهِ، هَكَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ إلى هُنا هم كافَّةُ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لا المَسِيحُ وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ الآيَةَ، أتى ابْنُ الزِّبَعْرى إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ عِيسى رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ مَرْيَمَ امْرَأةٌ صالِحَةٌ ؟ قالَ بَلى، فَقالَ: فَإنَّ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا ومَرْيَمَ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَهَؤُلاءِ في النّارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾» وسَيَأْتِي بَيانُ مَن أخْرَجَ هَذا قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ ( تُطْوى ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ السَّماءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يَطْوِي ) بِالتَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ عَلى مَعْنى يَطْوِي اللَّهُ السَّماءَ وقَرَأ الباقُونَ نَطْوِي بِنُونِ العَظَمَةِ وانْتِصابِ يَوْمَ بِقَوْلِهِ: نُعِيدُهُ أيْ نُعِيدُهُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في تُوعَدُونَ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تُوعَدُونَهُ يَوْمَ نَطْوِي، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَتَلَقّاهم، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ، وهَذا أظْهَرُ وأوْضَحُ، والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ، وقِيلَ: المَحْوُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ الجِنْسُ، والسِّجِلِّ الصَّحِيفَةُ: أيْ طَيًّا كَطَيِّ الطُّومارِ، وقِيلَ: السِّجِلُّ الصَّكُّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المُساجَلَةِ وهي المُكاتَبَةُ، وأصْلُها مِنَ السَّجْلِ، وهو الدَّلْوُ، يُقالُ: ساجَلْتُ الرَّجُلَ إذا نَزَعْتَ دَلْوًا ونَزَعَ دَلْوًا، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْمُكاتَبَةِ والمُراجَعَةِ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَضْلِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبِ
وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ جَرِيرٍ ( السُّجُلِّ ) بِضَمِّ السِّينِ والجِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، والطَّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الطَّيُّ الَّذِي هو ضِدُّ النَّشْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . والثّانِي الإخْفاءُ والتَّعْمِيَةُ والمَحْوُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَمْحُو ويَطْمِسُ رُسُومَها ويُكَدِّرُ نُجُومَها. وقِيلَ: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ، وهو الَّذِي يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: هو اسْمُ كاتِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى وخَلَفٌ لِلْكُتُبِ جَمِيعًا، وقَرَأ الباقُونَ ( لِلْكِتابِ ) وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِنَ السِّجِلِّ: أيْ كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ: أيِ الكائِنُ لِلْكُتُبِ، فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها، فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالكِتابُ مَصْدَرٌ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ كَما يُطْوى الطُّومارُ لِلْكِتابَةِ: أيْ لِيُكْتَبَ فِيهِ، أوْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّ المَعْنى الأوَّلُ، وهو ضِدُّ النَّشْرِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أيْ كَما بَدَأْناهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ وأخْرَجْناهم إلى الأرْضِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَذَلِكَ نُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأوَّلَ خَلْقٍ مَفْعُولُ نُعِيدُ مُقَدَّرًا يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ المَذْكُورُ، أوْ مَفْعُولٌ لِ بَدَأْنا، وما كافَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ نُعِيدُهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ ( أوَّلَ ) ظَرْفًا لِبَدَأْنا، أوْ حالًا، وإنَّما خَصَّ أوَّلَ الخَلْقِ بِالذِّكْرِ تَصْوِيرًا لِلْإيجادِ عَنِ العَدَمِ، والمَقْصُودُ بَيانُ صِحَّةِ الإعادَةِ بِالقِياسِ عَلى المَبْدَأِ لِشُمُولِ الإمْكانِ الذّاتِيِّ لَهُما، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: نُهْلِكُ كُلَّ نَفْسٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ، وعَلى هَذا فالكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ وقِيلَ: المَعْنى نُغَيِّرُ السَّماءَ، ثُمَّ نُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ طَيِّها وزَوالِها، والأوَّلُ أوْلى، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ انْتِصابُ وعْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: أيْ وعَدْنا وعْدًا عَلَيْنا إنْجازُهُ والوَفاءُ بِهِ. وهو البَعْثُ والإعادَةُ، ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى إنّا كُنّا فاعِلِينَ: إنّا كُنّا قادِرِينَ عَلى ما نَشاءُ، وقِيلَ: إنّا كُنّا فاعِلِينَ ما وعَدْناكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . ١٠٥ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ الزُّبُرُ في الأصْلِ الكُتُبُ، يُقالُ زَبَرْتُ: أيْ كَتَبْتُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ إطْلاقُ الزَّبُورِ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى كِتابِ داوُدَ المُسَمّى بِالزَّبُورِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا كِتابُ داوُدَ، ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: هو التَّوْراةُ: أيْ واللَّهِ ولَقَدْ كَتَبْنا في كِتابِ داوُدَ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في التَّوْراةِ أوْ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: الزَّبُورُ جَمْعُ الكُتُبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الزَّبُورَ والكِتابَ في مَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ زَبَرْتُ وكَتَبْتُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ في ( الزُّبُورِ ) بِضَمِّ الزّايِ، فَإنَّهُ جَمْعُ زُبُرٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِهَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] وقِيلَ: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، وقِيلَ: هي أرْضُ الأُمَمِ الكافِرَةِ يَرِثُها نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ بِفَتْحِها، وقِيلَ: (p-٩٥٠)المُرادُ بِذَلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَبْشِيرٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِوِراثَةِ أرْضِ الكافِرِينَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ ( عِبادِي ) بِتَسْكِينِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْرِيكِها.
﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا﴾ أيْ فِيما جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الوَعْظِ والتَّنْبِيهِ لَبَلاغًا لَكِفايَةً، يُقالُ في هَذا الشَّيْءِ بَلاغٌ وبُلْغَةٌ وتَبْلِيغٌ: أيْ كِفايَةٌ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في هَذا إلى القُرْآنِ ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أيْ مَشْغُولِينَ بِعِبادَةِ اللَّهِ مُهْتَمِّينَ بِها، والعِبادَةُ هي الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ورَأسُ العِبادَةِ الصَّلاةُ. ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ وما أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ بِالشَّرائِعِ والأحْكامِ إلّا رَحْمَةً لِجَمِيعِ النّاسِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والعِلَلِ: أيْ ما أرْسَلْناكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِرَحْمَتِنا الواسِعَةِ، فَإنَّ ما بُعِثْتَ بِهِ سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. قِيلَ ومَعْنى كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ: أنَّهم أمِنُوا بِهِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والِاسْتِئْصالِ: وقِيلَ: المُرادُ بِالعالَمِينَ المُؤْمِنُونَ خاصَّةً، والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ أصْلَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ هو التَّوْحِيدُ والبَراءَةُ مِنَ الشِّرْكِ فَقالَ: قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ إنْ كانَتْ ما مَوْصُولَةً فالمَعْنى: أنَّ الَّذِي يُوحى إلَيَّ هو أنَّ وصْفَهُ تَعالى مَقْصُورٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لا يَتَجاوَزُها إلى ما يُناقِضُها أوْ يُضادُّها، وإنْ كانَتْ ما كافَّةً فالمَعْنى: أنَّ الوَحْيَ إلَيَّ مَقْصُورٌ عَلى اسْتِئْثارِ اللَّهِ بِالوَحْدَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ أبَدًا يَكُونُ لِما يَلِي إنَّما، فَإنَّما الأُولى لِقَصْرِ الوَصْفِ عَلى الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ: أيْ ما يَقُومُ إلّا زَيْدٌ. والثّانِيَةُ لِقَصْرِ الشَّيْءِ عَلى الحُكْمِ كَقَوْلِكَ إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ: أيْ لَيْسَ بِهِ إلّا صِفَةُ القِيامِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ لِلْعِبادَةِ ولِتَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ فَقُلْ لَهم ﴿آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم أنّا وإيّاكم حَرْبٌ لا صُلْحَ بَيْنَنا كائِنِينَ عَلى سَواءٍ في الإعْلامِ لَمْ أخُصَّ بِهِ بَعْضَكم دُونَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ أعْلِمْهم أنَّكَ نَقَضْتَ العَهْدَ نَقْضًا سَوَّيْتَ بَيْنَهم فِيهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أعْلَمْتُكم ما يُوحى إلَيَّ عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِهِ، ولا أُظْهِرُ لِأحَدٍ شَيْئًا كَتَمْتُهُ عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ ما أدْرِي أما تُوعَدُونَ بِهِ قَرِيبٌ حُصُولُهُ أمْ بَعِيدٌ، وهو غَلَبَةُ الإسْلامِ أهْلَهَ عَلى الكُفْرِ وأهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما تُوعَدُونَ القِيامَةُ، وقِيلَ: آذَنْتُكم بِالحَرْبِ ولَكِنْ لا أدْرِي ما يُؤْذَنُ لِي في مُحارَبَتِكم.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ما تُجاهِرُونَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والطَّعْنِ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ وما تَكْتُمُونَهُ مِن ذَلِكَ وتُخْفُونَهُ. ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيْ ما أدْرِي لَعَلَّ الإمْهالَ فِتْنَةٌ لَكم واخْتِبارٌ لِيَرى كَيْفَ صُنْعُكم ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ وتَمْتِيعٌ إلى وقْتٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ وتَعالى دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ أيِ احْكم بَيْنِي وبَيْنَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ فَفَوَّضَ الأمْرَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ. وقالَ النَّحّاسُ: وهَذا لَحْنٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لا يَجُوزُ عِنْدَهم رَجُلٌ أقْبَلَ حَتّى يَقُولَ يا رَجُلُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وطَلْحَةُ ويَعْقُوبُ ( أحْكَمُ ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الكافِ وضَمِّ المِيمِ: أيْ قالَ مُحَمَّدٌ رَبِّي أحْكَمُ بِالحَقِّ. وقُرِئَ ( قُلْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ. ورَبِّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّهُ مُنادًى مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ، وقَدِ اسْتَجابَ سُبْحانَهُ دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَعَذَّبَهم بِبَدْرٍ، ثُمَّ جَعَلَ العاقِبَةَ والغَلَبَةَ والنَّصْرَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُتَمِّمًا لِتِلْكَ الحِكايَةِ ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَرَبُّنا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الرَّحْمَنُ: أيْ هو كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، والمُسْتَعانُ خَبَرٌ آخَرُ: أيِ المُسْتَعانُ بِهِ في الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَصِفُونَهُ مِن أنَّ الشَّوْكَةَ تَكُونُ لَكم، ومِن قَوْلِكم: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] وقَوْلِكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [ الأنْبِياءِ: ٢٦ - مَرْيَمَ: ٨٨ ] وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الوَصْفُ في كِتابِ اللَّهِ بِمَعْنى الكَذِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم﴾ [الأنعام: ١٣٩] وقَرَأ المُفَضَّلُ والسُّلَمِيُّ ( عَلى ما يَصِفُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: فالمَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ قالَ: «جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: قَدْ عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والمَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ كُلُّ هَؤُلاءِ في النّارِ مَعَ آلِهَتِنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨]، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «(p-٩٥١)﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: شَجَرُ جَهَنَّمَ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ أنَّ ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقُودُها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَطَبُ جَهَنَّمَ بِالزِّنْجِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَقُولُ حَسِّ حَسِّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَلْسَعُهم، فَإذا لَسَعَتْهم قالُوا حَسِّ حَسِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: هو عُثْمانُ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ يَقُولُ: لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنزِلَهم مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قالَ: النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثَةٌ عَلى كُثْبانِ المِسْكِ لا يَهُولُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أمَّ قَوْمًا وهم لَهُ راضُونَ، ورَجُلٌ كانَ يُؤَذِّنُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وعَبْدٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ مَوالِيهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ قالَ: مَلَكٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطِيَّةَ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ، فَإذا صَعِدَ بِالِاسْتِغْفارِ قالَ اكْتُبُوها نُورًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُسَمّى السِّجِلَّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» . قالَ: كَما يَطْوِي السِّجِلُّ الكِتابَ كَذَلِكَ نَطْوِي السَّماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُقالُ لَهُ السِّجِلُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: وهَذا مُنْكَرٌ جِدًّا مِن حَدِيثِ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لا يَصِحُّ أصْلًا. قالَ: وكَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ لا يَصِحُّ أيْضًا. وقَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِنِ الحُفّاظِ بِوَضْعِهِ، وإنْ كانَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ مِنهم شَيْخُنا الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو الحَجّاجِ المُزَنِيُّ، وقَدْ أفْرَدْتُ بِهَذا الحَدِيثِ جُزْءًا لَهُ عَلى حِدَةٍ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
قالَ: وقَدْ تَصَدّى الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ لِلْإنْكارِ عَلى هَذا الحَدِيثِ ورَدَّهُ أتَمَّ رَدٍّ، وقالَ: ولا نَعْرِفُ في الصَّحابَةِ أحَدًا اسْمُهُ سِجِلُّ، وكُتّابُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ وصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ وهو مِن أقْوى الأدِلَّةِ عَلى نَكارَةِ هَذا الحَدِيثِ، وأمّا مَن ذَكَرَ في أسْماءِ الصَّحابَةِ هَذا فَإنَّما اعْتَمَدَ عَلى هَذا الحَدِيثِ لا عَلى غَيْرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ: والصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ هو الصَّحِيفَةُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنْهُ. ونَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ: أيْ عَلى الكِتابِ، يَعْنِي المَكْتُوبَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أيْ عَلى الجَبِينِ، ولَهُ نَظائِرُ في اللُّغَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. قُلْتُ: أمّا كَوْنُ هَذا هو الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَلا، فَإنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيَّ ضَعِيفانِ، فالأوْلى التَّعْوِيلُ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ والمَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ هو الرَّجُلُ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلى الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ يَقُولُ: نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: القُرْآنِ أنَّ الأرْضَ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ قالَ: الكُتُبِ ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: التَّوْراةِ وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: الزَّبُورُ والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ.
والذِّكْرُ: الأصْلُ الَّذِي نُسِخَتْ مِنهُ هَذِهِ الكُتُبُ الَّذِي في السَّماءِ، والأرْضُ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّوْراةِ والزَّبُورِ وسابِقِ عَمَلِهِ قَبْلَ أنْ تَكُونَ السَّماواتُ والأرْضُ أنْ يُورِثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ الأرْضَ، ويُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، وهُمُ الصّالِحُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: عالِمِينَ، وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: في الصَّلَواتِ الخَمْسِ شُغْلًا لِلْعِبادَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ في المَسْجِدِ الحَرامِ جَماعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ: مَن آمَنَ (p-٩٥٢)تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن عُوفِيَ مِمّا كانَ يُصِيبُ الأُمَمَ في عاجِلِ الدُّنْيا مِنَ العَذابِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والقَذْفِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ، إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وهُدًى لِلْمُتَّقِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَلْمانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً في غَضَبِي أوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً، فَإنَّما أنا رَجُلٌ مِن ولَدِ آدَمَ أغْضَبُ كَما يَغْضَبُونَ، وإنَّما بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فاجْعَلْها عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ»، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأى فُلانًا، وهو بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ النّاسَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ يَقُولُ: هَذا المُلْكُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم﴾ يَقُولُ: ما أخْبَرَكم بِهِ مِنَ العَذابِ والسّاعَةِ، لَعَلَّ تَأْخِيرَ ذَلِكَ عَنْكم فِتْنَةٌ لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: لا يَحْكُمُ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا يَسْألُ رَبَّهُ.
الأنبياء 21:112
.
بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ مَعْبُودِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وهَذا خِطابٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِأهْلِ مَكَّةَ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ وما تَعْبُدُونَ: الأصْنامُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ حَصَبُ بِالصّادِّ المُهْمَلَةِ: أيْ وقُودُ جَهَنَّمَ وحَطَبُها، وكُلُّ ما أوْقَدْتَ بِهِ النّارَ أوْ هَيَّجْتَها بِهِ فَهو حَصَبٌ، كَذا قالَ الجَوْهَرِيُّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ ما قَذَفْتَهُ في النّارِ فَقَدْ حَصَبْتَها بِهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعائِشَةُ ( حَطَبُ ) جَهَنَّمَ بِالطّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( حَضَبُ ) بِالضّادِ المُعْجَمَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الحَضَبَ في لُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ الحَطَبُ، ووَجْهُ إلْقاءِ الأصْنامِ في النّارِ مَعَ كَوْنِها جَماداتٍ لا تَعْقِلُ ذَلِكَ ولا تُحِسُّ بِهِ: التَّبْكِيتُ لِمَن عَبَدَها وزِيادَةُ التَّوْبِيخِ لَهم وتَضاعُفُ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها تُحْمى فَتُلْصَقُ بِهِمْ زِيادَةً في تَعْذِيبِهِمْ، وجُمْلَةُ ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ بَدَلٌ مِن حَصَبِ جَهَنَّمَ، والخِطابُ لَهم ولِما يَعْبُدُونَ تَغْلِيبًا، واللّامُ في لَها لِلتَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ عَمَلِ اسْمِ الفاعِلِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى عَلى، والمُرادُ بِالوُرُودِ هُنا الدُّخُولُ. قالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: ولا يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، لِأنَّ ما لِمَن لا يَعْقِلُ، ولَوْ أرادَ العُمُومَ لَقالَ ومَن يَعْبُدُونَ. قالَ الزَّجّاجُ: ولِأنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ مُشْرِكُو مَكَّةَ دُونَ غَيْرِهِمْ.
﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ أيْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الأصْنامُ آلِهَةً كَما تَزْعُمُونَ ما ورَدُوها: أيْ ما ورَدَ العابِدُونَ هم والمَعْبُودُونَ النّارَ، وقِيلَ: ما ورَدَ العابِدُونَ فَقَطْ، لَكِنَّهم ورَدُوها فَلَمْ يَكُونُوا آلِهَةً، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لِعُبّادِ الأصْنامِ وتَوْبِيخٌ شَدِيدٌ ﴿وكُلٌّ فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ كُلُّ العابِدِينَ والمَعْبُودِينَ في النّارِ خالِدُونَ لا يَخْرُجُونَ مِنها.
﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ورَدُوا النّارَ، والزَّفِيرُ صَوْتُ نَفَسِ المَغْمُومِ، والمُرادُ هُنا الأنِينُ والتَّنَفُّسُ الشَّدِيدُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا في هُودٍ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ لا يَسْمَعُ بَعْضُهم زَفِيرَ بَعْضٍ لِشِدَّةِ الهَوْلِ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا، لِأنَّهم يُحْشَرُونَ صُمًّا كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وإنَّما سُلِبُوا السَّماعَ، لِأنَّ فِيهِ بَعْضَ تَرَوُّحٍ وتَأنُّسٍ، وقِيلَ: لا يَسْمَعُونَ ما يَسُرُّهم، بَلْ يَسْمَعُونَ ما يَسُوءُهم. ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ هَؤُلاءِ الأشْقِياءِ شَرَعَ في بَيانِ حالِ السُّعَداءِ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحُسْنى الَّتِي هي أحْسَنُ الخِصالِ وهي السَّعادَةُ، وقِيلَ: التَّوْفِيقُ، أوِ التَّبْشِيرُ بِالجَنَّةِ، أوْ نَفْسُ الجَنَّةِ ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ عَنْها أيْ عَنْ جَهَنَّمَ مُبْعَدُونَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في الجَنَّةِ.
﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ (p-٩٤٩)الحِسُّ والحَسِيسُ الصَّوْتُ تَسْمَعُهُ مِنَ الشَّيْءِ يَمُرُّ قَرِيبًا مِنكَ. والمَعْنى: لا يَسْمَعُونَ حَرَكَةَ النّارِ وحَرَكَةَ أهْلِها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن مُبْعَدُونَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ ﴿وهم في ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ أيْ دائِمُونَ، وفي الجَنَّةِ ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ بِهِ الأعْيُنُ كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] .
﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( لا يُحْزِنُهم ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وقَرَأ الباقُونَ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. قالَ اليَزِيدِيُّ: حَزَنَهُ لُغَةُ قُرَيْشٍ، وأحْزَنَهُ لُغَةُ تَمِيمٍ، والفَزَعُ الأكْبَرُ: أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والعِقابِ ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ تَسْتَقْبِلُهم عَلى أبْوابِ الجَنَّةِ يُهَنِّئُونَهم ويَقُولُونَ لَهم ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أيْ تُوعَدُونَ بِهِ في الدُّنْيا وتُبَشَّرُونَ بِما فِيهِ، هَكَذا قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ إلى هُنا هم كافَّةُ المَوْصُوفِينَ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لا المَسِيحُ وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ «لَمّا نَزَلَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ الآيَةَ، أتى ابْنُ الزِّبَعْرى إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ عِيسى رَجُلٌ صالِحٌ، وأنَّ مَرْيَمَ امْرَأةٌ صالِحَةٌ ؟ قالَ بَلى، فَقالَ: فَإنَّ المَلائِكَةَ وعِيسى وعُزَيْرًا ومَرْيَمَ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَهَؤُلاءِ في النّارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾» وسَيَأْتِي بَيانُ مَن أخْرَجَ هَذا قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ ( تُطْوى ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ورَفْعِ السَّماءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ ( يَطْوِي ) بِالتَّحْتِيَّةِ المَفْتُوحَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ عَلى مَعْنى يَطْوِي اللَّهُ السَّماءَ وقَرَأ الباقُونَ نَطْوِي بِنُونِ العَظَمَةِ وانْتِصابِ يَوْمَ بِقَوْلِهِ: نُعِيدُهُ أيْ نُعِيدُهُ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في تُوعَدُونَ، والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ كُنْتُمْ تُوعَدُونَهُ يَوْمَ نَطْوِي، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَتَلَقّاهم، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وهو اذْكُرْ، وهَذا أظْهَرُ وأوْضَحُ، والطَّيُّ ضِدُّ النَّشْرِ، وقِيلَ: المَحْوُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ الجِنْسُ، والسِّجِلِّ الصَّحِيفَةُ: أيْ طَيًّا كَطَيِّ الطُّومارِ، وقِيلَ: السِّجِلُّ الصَّكُّ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المُساجَلَةِ وهي المُكاتَبَةُ، وأصْلُها مِنَ السَّجْلِ، وهو الدَّلْوُ، يُقالُ: ساجَلْتُ الرَّجُلَ إذا نَزَعْتَ دَلْوًا ونَزَعَ دَلْوًا، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلْمُكاتَبَةِ والمُراجَعَةِ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَضْلِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبِ
وقَرَأ أبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرٍو وابْنُ جَرِيرٍ ( السُّجُلِّ ) بِضَمِّ السِّينِ والجِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللّامِ، والطَّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الطَّيُّ الَّذِي هو ضِدُّ النَّشْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . والثّانِي الإخْفاءُ والتَّعْمِيَةُ والمَحْوُ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَمْحُو ويَطْمِسُ رُسُومَها ويُكَدِّرُ نُجُومَها. وقِيلَ: السِّجِلُّ اسْمُ مَلَكٍ، وهو الَّذِي يَطْوِي كُتُبَ بَنِي آدَمَ، وقِيلَ: هو اسْمُ كاتِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الأعْمَشُ وحَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَحْيى وخَلَفٌ لِلْكُتُبِ جَمِيعًا، وقَرَأ الباقُونَ ( لِلْكِتابِ ) وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حالٌ مِنَ السِّجِلِّ: أيْ كَطَيِّ السِّجِلِّ كائِنًا لِلْكُتُبِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ: أيِ الكائِنُ لِلْكُتُبِ، فَإنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الصَّحائِفِ وما كُتِبَ فِيها، فَسِجِلُّها بَعْضُ أجْزائِها، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الطَّيُّ حَقِيقَةً. وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فالكِتابُ مَصْدَرٌ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ: أيْ كَما يُطْوى الطُّومارُ لِلْكِتابَةِ: أيْ لِيُكْتَبَ فِيهِ، أوْ لِما يُكْتَبُ فِيهِ مِنَ المَعانِي الكَثِيرَةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ بِالطَّيِّ المَعْنى الأوَّلُ، وهو ضِدُّ النَّشْرِ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أيْ كَما بَدَأْناهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ وأخْرَجْناهم إلى الأرْضِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا كَذَلِكَ نُعِيدُهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأوَّلَ خَلْقٍ مَفْعُولُ نُعِيدُ مُقَدَّرًا يُفَسِّرُهُ نُعِيدُهُ المَذْكُورُ، أوْ مَفْعُولٌ لِ بَدَأْنا، وما كافَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ نُعِيدُ مِثْلَ الَّذِي بَدَأْناهُ نُعِيدُهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ ( أوَّلَ ) ظَرْفًا لِبَدَأْنا، أوْ حالًا، وإنَّما خَصَّ أوَّلَ الخَلْقِ بِالذِّكْرِ تَصْوِيرًا لِلْإيجادِ عَنِ العَدَمِ، والمَقْصُودُ بَيانُ صِحَّةِ الإعادَةِ بِالقِياسِ عَلى المَبْدَأِ لِشُمُولِ الإمْكانِ الذّاتِيِّ لَهُما، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: نُهْلِكُ كُلَّ نَفْسٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ، وعَلى هَذا فالكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ وقِيلَ: المَعْنى نُغَيِّرُ السَّماءَ، ثُمَّ نُعِيدُها مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ طَيِّها وزَوالِها، والأوَّلُ أوْلى، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤]، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ انْتِصابُ وعْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ: أيْ وعَدْنا وعْدًا عَلَيْنا إنْجازُهُ والوَفاءُ بِهِ. وهو البَعْثُ والإعادَةُ، ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى إنّا كُنّا فاعِلِينَ: إنّا كُنّا قادِرِينَ عَلى ما نَشاءُ، وقِيلَ: إنّا كُنّا فاعِلِينَ ما وعَدْناكم، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿كانَ وعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] . ١٠٥ ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ الزُّبُرُ في الأصْلِ الكُتُبُ، يُقالُ زَبَرْتُ: أيْ كَتَبْتُ، وعَلى هَذا يَصِحُّ إطْلاقُ الزَّبُورِ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وعَلى كِتابِ داوُدَ المُسَمّى بِالزَّبُورِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا كِتابُ داوُدَ، ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: هو التَّوْراةُ: أيْ واللَّهِ ولَقَدْ كَتَبْنا في كِتابِ داوُدَ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في التَّوْراةِ أوْ مِن بَعْدِ ما كَتَبْنا في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ: الزَّبُورُ جَمْعُ الكُتُبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، لِأنَّ الزَّبُورَ والكِتابَ في مَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ زَبَرْتُ وكَتَبْتُ، ويُؤَيِّدُ ما قالَهُ قِراءَةُ حَمْزَةَ في ( الزُّبُورِ ) بِضَمِّ الزّايِ، فَإنَّهُ جَمْعُ زُبُرٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ فَقِيلَ المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِهَذا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] وقِيلَ: هي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، وقِيلَ: هي أرْضُ الأُمَمِ الكافِرَةِ يَرِثُها نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ بِفَتْحِها، وقِيلَ: (p-٩٥٠)المُرادُ بِذَلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧] والظّاهِرُ أنَّ هَذا تَبْشِيرٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِوِراثَةِ أرْضِ الكافِرِينَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ. وقَرَأ حَمْزَةُ ( عِبادِي ) بِتَسْكِينِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْرِيكِها.
﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا﴾ أيْ فِيما جَرى ذِكْرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الوَعْظِ والتَّنْبِيهِ لَبَلاغًا لَكِفايَةً، يُقالُ في هَذا الشَّيْءِ بَلاغٌ وبُلْغَةٌ وتَبْلِيغٌ: أيْ كِفايَةٌ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: إنَّ في هَذا إلى القُرْآنِ ﴿لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ أيْ مَشْغُولِينَ بِعِبادَةِ اللَّهِ مُهْتَمِّينَ بِها، والعِبادَةُ هي الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، وهم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ورَأسُ العِبادَةِ الصَّلاةُ. ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ وما أرْسَلْناكَ يا مُحَمَّدُ بِالشَّرائِعِ والأحْكامِ إلّا رَحْمَةً لِجَمِيعِ النّاسِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ والعِلَلِ: أيْ ما أرْسَلْناكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِرَحْمَتِنا الواسِعَةِ، فَإنَّ ما بُعِثْتَ بِهِ سَبَبٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ. قِيلَ ومَعْنى كَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ: أنَّهم أمِنُوا بِهِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والِاسْتِئْصالِ: وقِيلَ: المُرادُ بِالعالَمِينَ المُؤْمِنُونَ خاصَّةً، والأوَّلُ أوْلى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ أصْلَ تِلْكَ الرَّحْمَةِ هو التَّوْحِيدُ والبَراءَةُ مِنَ الشِّرْكِ فَقالَ: قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ إنْ كانَتْ ما مَوْصُولَةً فالمَعْنى: أنَّ الَّذِي يُوحى إلَيَّ هو أنَّ وصْفَهُ تَعالى مَقْصُورٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لا يَتَجاوَزُها إلى ما يُناقِضُها أوْ يُضادُّها، وإنْ كانَتْ ما كافَّةً فالمَعْنى: أنَّ الوَحْيَ إلَيَّ مَقْصُورٌ عَلى اسْتِئْثارِ اللَّهِ بِالوَحْدَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ أبَدًا يَكُونُ لِما يَلِي إنَّما، فَإنَّما الأُولى لِقَصْرِ الوَصْفِ عَلى الشَّيْءِ كَقَوْلِكَ إنَّما يَقُومُ زَيْدٌ: أيْ ما يَقُومُ إلّا زَيْدٌ. والثّانِيَةُ لِقَصْرِ الشَّيْءِ عَلى الحُكْمِ كَقَوْلِكَ إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ: أيْ لَيْسَ بِهِ إلّا صِفَةُ القِيامِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ لِلْعِبادَةِ ولِتَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ فَقُلْ لَهم ﴿آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم أنّا وإيّاكم حَرْبٌ لا صُلْحَ بَيْنَنا كائِنِينَ عَلى سَواءٍ في الإعْلامِ لَمْ أخُصَّ بِهِ بَعْضَكم دُونَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ أعْلِمْهم أنَّكَ نَقَضْتَ العَهْدَ نَقْضًا سَوَّيْتَ بَيْنَهم فِيهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أعْلَمْتُكم ما يُوحى إلَيَّ عَلى اسْتِواءٍ في العِلْمِ بِهِ، ولا أُظْهِرُ لِأحَدٍ شَيْئًا كَتَمْتُهُ عَلى غَيْرِهِ ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ ما أدْرِي أما تُوعَدُونَ بِهِ قَرِيبٌ حُصُولُهُ أمْ بَعِيدٌ، وهو غَلَبَةُ الإسْلامِ أهْلَهَ عَلى الكُفْرِ وأهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِما تُوعَدُونَ القِيامَةُ، وقِيلَ: آذَنْتُكم بِالحَرْبِ ولَكِنْ لا أدْرِي ما يُؤْذَنُ لِي في مُحارَبَتِكم.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ما تُجاهِرُونَ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والطَّعْنِ عَلى الإسْلامِ وأهْلِهِ وما تَكْتُمُونَهُ مِن ذَلِكَ وتُخْفُونَهُ. ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيْ ما أدْرِي لَعَلَّ الإمْهالَ فِتْنَةٌ لَكم واخْتِبارٌ لِيَرى كَيْفَ صُنْعُكم ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ أيْ وتَمْتِيعٌ إلى وقْتٍ مُقَدَّرٍ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ.
ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ وتَعالى دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ أيِ احْكم بَيْنِي وبَيْنَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ فَفَوَّضَ الأمْرَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( رَبُّ ) بِضَمِّ الباءِ. وقالَ النَّحّاسُ: وهَذا لَحْنٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لا يَجُوزُ عِنْدَهم رَجُلٌ أقْبَلَ حَتّى يَقُولَ يا رَجُلُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ وطَلْحَةُ ويَعْقُوبُ ( أحْكَمُ ) بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الكافِ وضَمِّ المِيمِ: أيْ قالَ مُحَمَّدٌ رَبِّي أحْكَمُ بِالحَقِّ. وقُرِئَ ( قُلْ ) بِصِيغَةِ الأمْرِ: أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ. ورَبِّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّهُ مُنادًى مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ، وقَدِ اسْتَجابَ سُبْحانَهُ دُعاءَ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَعَذَّبَهم بِبَدْرٍ، ثُمَّ جَعَلَ العاقِبَةَ والغَلَبَةَ والنَّصْرَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُتَمِّمًا لِتِلْكَ الحِكايَةِ ﴿ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَرَبُّنا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الرَّحْمَنُ: أيْ هو كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِعِبادِهِ، والمُسْتَعانُ خَبَرٌ آخَرُ: أيِ المُسْتَعانُ بِهِ في الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَصِفُونَهُ مِن أنَّ الشَّوْكَةَ تَكُونُ لَكم، ومِن قَوْلِكم: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] وقَوْلِكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [ الأنْبِياءِ: ٢٦ - مَرْيَمَ: ٨٨ ] وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الوَصْفُ في كِتابِ اللَّهِ بِمَعْنى الكَذِبِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم﴾ [الأنعام: ١٣٩] وقَرَأ المُفَضَّلُ والسُّلَمِيُّ ( عَلى ما يَصِفُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: فالمَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ يُعْبَدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ قالَ: «جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: قَدْ عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والمَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ كُلُّ هَؤُلاءِ في النّارِ مَعَ آلِهَتِنا، فَنَزَلَتْ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ - ٥٨]، ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: «(p-٩٥١)﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: شَجَرُ جَهَنَّمَ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ أنَّ ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ وقُودُها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو حَطَبُ جَهَنَّمَ بِالزِّنْجِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَقُولُ حَسِّ حَسِّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ قالَ: حَيّاتٌ عَلى الصِّراطِ تَلْسَعُهم، فَإذا لَسَعَتْهم قالُوا حَسِّ حَسِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حاطِبٍ قالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ قالَ: هو عُثْمانُ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ يَقُولُ: لا يَسْمَعُ أهْلُ الجَنَّةِ حَسِيسَ النّارِ إذا نَزَلُوا مَنزِلَهم مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ قالَ: النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ثَلاثَةٌ عَلى كُثْبانِ المِسْكِ لا يَهُولُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يَوْمَ القِيامَةِ: رَجُلٌ أمَّ قَوْمًا وهم لَهُ راضُونَ، ورَجُلٌ كانَ يُؤَذِّنُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وعَبْدٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ مَوالِيهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ قالَ: مَلَكٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطِيَّةَ مِثْلَهُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ، فَإذا صَعِدَ بِالِاسْتِغْفارِ قالَ اكْتُبُوها نُورًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الباقِرِ قالَ: السِّجِلُّ مَلَكٌ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ كاتِبٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُسَمّى السِّجِلَّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» . قالَ: كَما يَطْوِي السِّجِلُّ الكِتابَ كَذَلِكَ نَطْوِي السَّماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كاتِبٌ يُقالُ لَهُ السِّجِلُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِ هَذا الحَدِيثِ: وهَذا مُنْكَرٌ جِدًّا مِن حَدِيثِ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لا يَصِحُّ أصْلًا. قالَ: وكَذَلِكَ ما تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِ لا يَصِحُّ أيْضًا. وقَدْ صَرَّحَ جَماعَةٌ مِنِ الحُفّاظِ بِوَضْعِهِ، وإنْ كانَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ مِنهم شَيْخُنا الحافِظُ الكَبِيرُ أبُو الحَجّاجِ المُزَنِيُّ، وقَدْ أفْرَدْتُ بِهَذا الحَدِيثِ جُزْءًا لَهُ عَلى حِدَةٍ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
قالَ: وقَدْ تَصَدّى الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ لِلْإنْكارِ عَلى هَذا الحَدِيثِ ورَدَّهُ أتَمَّ رَدٍّ، وقالَ: ولا نَعْرِفُ في الصَّحابَةِ أحَدًا اسْمُهُ سِجِلُّ، وكُتّابُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا مَعْرُوفِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ اسْمُهُ السِّجِلُّ وصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ وهو مِن أقْوى الأدِلَّةِ عَلى نَكارَةِ هَذا الحَدِيثِ، وأمّا مَن ذَكَرَ في أسْماءِ الصَّحابَةِ هَذا فَإنَّما اعْتَمَدَ عَلى هَذا الحَدِيثِ لا عَلى غَيْرِهِ واللَّهُ أعْلَمُ. قالَ: والصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ السِّجِلَّ هو الصَّحِيفَةُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيُّ عَنْهُ. ونَصَّ عَلى ذَلِكَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِأنَّهُ المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ: أيْ عَلى الكِتابِ، يَعْنِي المَكْتُوبَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أيْ عَلى الجَبِينِ، ولَهُ نَظائِرُ في اللُّغَةِ واللَّهُ أعْلَمُ. قُلْتُ: أمّا كَوْنُ هَذا هو الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَلا، فَإنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَلْحَةَ والعَوْفِيَّ ضَعِيفانِ، فالأوْلى التَّعْوِيلُ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ والمَصِيرُ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السِّجِلُّ هو الرَّجُلُ، زادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ قالَ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلى الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ يَقُولُ: نُهْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ كَما كانَ أوَّلَ مَرَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: القُرْآنِ أنَّ الأرْضَ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ﴾ قالَ: الكُتُبِ ﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قالَ: التَّوْراةِ وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْهُ أيْضًا، قالَ: الزَّبُورُ والتَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ.
والذِّكْرُ: الأصْلُ الَّذِي نُسِخَتْ مِنهُ هَذِهِ الكُتُبُ الَّذِي في السَّماءِ، والأرْضُ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ قالَ: أرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في التَّوْراةِ والزَّبُورِ وسابِقِ عَمَلِهِ قَبْلَ أنْ تَكُونَ السَّماواتُ والأرْضُ أنْ يُورِثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ الأرْضَ، ويُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، وهُمُ الصّالِحُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: عالِمِينَ، وفي إسْنادِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: الصَّلَواتِ الخَمْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿إنَّ في هَذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: في الصَّلَواتِ الخَمْسِ شُغْلًا لِلْعِبادَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ في المَسْجِدِ الحَرامِ جَماعَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ: مَن آمَنَ (p-٩٥٢)تَمَّتْ لَهُ الرَّحْمَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن عُوفِيَ مِمّا كانَ يُصِيبُ الأُمَمَ في عاجِلِ الدُّنْيا مِنَ العَذابِ مِنَ الخَسْفِ والمَسْخِ والقَذْفِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ، إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وهُدًى لِلْمُتَّقِينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَلْمانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «أيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتِي سَبَبْتُهُ سَبَّةً في غَضَبِي أوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً، فَإنَّما أنا رَجُلٌ مِن ولَدِ آدَمَ أغْضَبُ كَما يَغْضَبُونَ، وإنَّما بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، فاجْعَلْها عَلَيْهِ صَلاةً يَوْمَ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إنَّما أنا رَحْمَةٌ مُهْداةٌ»، وقَدْ رُوِيَ مَعْنى هَذا مِن طُرُقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «لَمّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - رَأى فُلانًا، وهو بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى المِنبَرِ يَخْطُبُ النّاسَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ يَقُولُ: هَذا المُلْكُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم﴾ يَقُولُ: ما أخْبَرَكم بِهِ مِنَ العَذابِ والسّاعَةِ، لَعَلَّ تَأْخِيرَ ذَلِكَ عَنْكم فِتْنَةٌ لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ قالَ: لا يَحْكُمُ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، وإنَّما يَسْتَعْجِلُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا يَسْألُ رَبَّهُ.
الحج 22:1
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، هَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنَ القُرْآنِ الحَجُّ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ مَكِّيّاتٍ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ وقِيلَ: أرْبَعُ آياتٍ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ .
وحُكِيَ عَنِ النَّقّاشِ أنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنها عَشْرُ آياتٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ السُّورَةَ مُخْتَلِطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ، ومِنها مَدَنِيٌّ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ. قالَ العَزِيزِيُّ: وهي مِن أعاجِيبِ السُّورِ نَزَلَتْ لَيْلًا ونَهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، سِلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنسُوخًا، مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنادُهُ بِالقَوِيِّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإسْماعِيلِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ في الحَجِّ وقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَّتْ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ، وبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبارَكِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها سَجْدَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ . لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ في خاتِمَةِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى ذِكْرِ الإعادَةِ وما قَبْلَها وما بَعْدَها، بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ القِيامَةِ وأهْوالِها حَثًّا عَلى التَّقْوى الَّتِي هي أنْفَعُ زادٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَهُ بِفِعْلِ ما أمَرَكم بِهِ مِنَ الواجِباتِ وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولَفْظُ النّاسِ يَشْمَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المَوْجُودِينَ ومَن سَيُوجَدُ عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن تَحْقِيقِ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، والزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، وأصْلُها مِن زَلَّ عَنِ المَوْضِعِ: أيْ زالَ عَنْهُ وتَحَرَّكَ، وزَلْزَلَ اللَّهُ قَدَمَهُ: أيْ حَرَّكَها، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ المَعْنى، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، وهي عَلى هَذا: الزَّلْزَلَةُ الَّتِي هي أحَدُ أشْراطِ السّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إنَّها تَكُونُ في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، ومِن بَعْدِها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّ المَصْدَرَ هُنا مُضافٌ إلى الظَّرْفِ، وهو السّاعَةُ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ، أوْ بِتَقْدِيرِ في كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] قِيلَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ (p-٩٥٣)انْتِصابُ الظَّرْفِ بِما بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الزَّلْزَلَةِ: أيْ وقْتَ رُؤْيَتِكم لَها تَذْهَلُ كُلُّ ذاتِ رَضاعٍ عَنْ رَضِيعِها وتَغْفُلُ عَنْهُ. قالَ قُطْرُبٌ: تَذْهَلُ تَشْتَغِلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ضَرْبٌ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
وقِيلَ: تَنْسى، وقِيلَ: تَلْهُو، وقِيلَ: تَسْلُو، وهَذِهِ مَعانِيها مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ما فِيما أرْضَعَتْ بِمَعْنى المَصْدَرِ: أيْ تَذْهَلُ عَنِ الإرْضاعِ، قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ في الدُّنْيا، إذْ لَيْسَ بَعْدَ القِيامَةِ حَمْلٌ وإرْضاعٌ، إلّا أنْ يُقالَ: مَن ماتَتْ حامِلًا فَتَضَعُ حَمْلَها لِلْهَوْلِ، ومَن ماتَتْ مُرْضِعَةً بُعِثَتْ كَذَلِكَ، ويُقالُ هَذا مَثَلٌ كَما يُقالُ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وقِيلَ: يَكُونُ مِنَ النَّفْخَةِ الأُولى، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السّاعَةُ عِبارَةً عَنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾ ومَعْنى [البقرة: ٢١٤] ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أنَّها تُلْقِي جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما أنَّ المُرْضِعَةَ تَتْرُكُ ولَدَها بِغَيْرِ رَضاعٍ لِذَلِكَ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ: أيْ يَراهُمُ الرّائِي كَأنَّهم سُكارى ﴿وما هم بِسُكارى﴾ حَقِيقَةً، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سَكْرى ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها وهُما لُغَتانِ يُجْمَعُ بِهِما سَكْرانُ، مِثْلُ كَسْلى وكُسالى، ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ عَنْهُمُ السُّكْرَ أوْضَحَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ شابَهُوا السُّكارى فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَبِسَبَبِ هَذِهِ الشِّدَّةِ والهَوْلِ العَظِيمِ طاشَتْ عُقُولُهم، واضْطَرَبَتْ أفْهامُهم فَصارُوا كالسُّكارى، بِجامِعِ سَلْبِ كَمالِ التَّمْيِيزِ وصِحَّةِ الإدْراكِ وقُرِئَ وتُرى بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن أرَأيْتُكَ: أيْ تَظُنُّهم سُكارى. قالَ الفَرّاءُ ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ. ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً تَشْمَلُ أهْلَ الجِدالِ كُلَّهم فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] ومَعْنى في اللَّهِ في شَأْنِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ، ومَحَلُّ بِغَيْرِ عِلْمٍ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخاصِمُ في قُدْرَةِ اللَّهِ فَيَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى البَعْثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ، ولا حُجَّةٍ يُدْلِي بِها ويَتَّبِعُ فِيما يَقُولُهُ ويَتَعاطاهُ ويَحْتَجُّ بِهِ ويُجادِلُ عَنْهُ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ أيْ مُتَمَرِّدٍ عَلى اللَّهِ وهو العاتِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والمُرادُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ أوْ رُؤَساءُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَدْعُونَ أشْياعَهم إلى الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ كَثِيرَ الجِدالِ، وكانَ يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ أيْ كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ، وفاعِلُ كُتِبَ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ: أيْ مَنِ اتَّخَذَ ولِيًّا ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ أيْ فَشَأْنُ الشَّيْطانِ أنْ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ جَوابُ الشَّرْطِ إنْ جُعِلَتْ مَن شَرْطِيَّةً أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، فَقَدْ وُصِفَ الشَّيْطانُ بِوَصْفَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ مَرِيدٌ، والثّانِي ما أفادَهُ جُمْلَةُ كُتِبَ عَلَيْهِ إلَخْ. وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يُضِلُّهُ: أيْ يَحْمِلُهُ عَلى مُباشَرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ في عَذابِ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ البَعَثُ بِفَتْحِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، وشَكُّهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وُقُوعِهِ أوْ في إمْكانِهِ. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنَ الإعادَةِ فانْظُرُوا في مَبْدَأِ خَلْقِكم أيْ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ لِيَزُولَ عَنْكُمُ الرَّيْبُ ويَرْتَفِعَ الشَّكُّ وتُدْحَضُ الشُّبْهَةُ الباطِلَةُ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ ثُمَّ خَلَقْناكم مِن نُطْفَةٍ أيْ مِن مَنِيٍّ، سُمِّيَ نُطْفَةً لِقِلَّتِهِ، والنُّطْفَةُ: القَلِيلُ مِنَ الماءِ. وقَدْ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ، والنُّطْفَةُ: القَطْرَةُ، يُقالُ نَطَفَ يَنْطِفُ: أيْ قَطَرَ، ولَيْلَةً نَطُوفٌ: أيْ دائِمَةُ القَطْرِ ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ والعَلَقَةُ: الدَّمُ الجامِدُ، والعَلَقُ: الدَّمُ العَبِيطُ: أيِ الطَّرِيُّ أوِ المُتَجَمِّدِ، وقِيلَ: الشَّدِيدُ الحُمْرَةِ والمُرادُ الدَّمُ الجامِدُ المُتَكَوِّنُ مِنَ المَنِيِّ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ قَدْرُ ما يَمْضُغُ الماضِغُ تَتَكَوَّنُ مِنَ العَلَقَةِ مُخَلَّقَةٍ بِالجَرِّ صِفَةً لِمُضْغَةٍ: أيْ مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ ظاهِرَةِ التَّصْوِيرِ ﴿وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها ولا ظَهَرَ تَصْوِيرُها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّقَةٌ يُرِيدُ قَدْ بَدا خَلْقُهُ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تُصَوَّرْ. قالَ الأكْثَرُ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَهو المُخَلَّقَةُ وهو الَّذِي وُلِدَ لِتَمامٍ، وما سَقَطَ كانَ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ أيْ غَيْرَ حَيٍّ بِإكْمالِ خِلْقَتِهِ بِالرُّوحِ. قالَ الفَرّاءُ: مُخَلَّقَةٌ تامُّ الخَلْقِ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ: السَّقْطُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ ∗∗∗ فَأيْنَ الحَزْمُ ويْحَكَ والحَياءُ
واللّامُ في ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقْنا: أيْ خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِنا بِتَصْرِيفِنا أطْوارَ خَلْقِكم ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ رَوى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ نُقِرَّ عَطْفًا عَلى نُبَيِّنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ نُقِرُّ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ: أيْ ونَحْنُ نُقِرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: نُقِرُّ بِالرَّفْعِ لا غَيْرُ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِرَّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ، ومَعْنى الآيَةِ: ونُثَبِّتُ في الأرْحامِ ما نَشاءُ فَلا يَكُونُ سَقْطًا ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الوِلادَةِ، وقالَ ما نَشاءُ ولَمْ يَقُلْ مَن نَشاءُ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الحَمْلِ وهو جَمادٌ قَبْلَ أنْ يَنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقُرِئَ ( لِيُبَيِّنَ ) ( ويُقِرُّ ) و( يُخْرِجُكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي وثّابٍ ( ما نَشاءُ ) بِكَسْرِ النُّونِ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ أيْ نُخْرِجُكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم طِفْلًا: أيْ أطْفالًا، وإنَّما أفْرَدَهُ إرادَةً لِلْجِنْسِ الشّامِلِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ. قالَ الزَّجّاجُ طِفْلًا في مَعْنى أطْفالًا، ودَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الجَماعَةِ: يَعْنِي في نُخْرِجُكم، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُطْلِقُ اسْمَ الواحِدِ عَلى الجَماعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْحَيْنَنِي مِن حُبِّها ويَلُمْنَنِي ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَسْنَ لِي بِأمِيرٍ
(p-٩٥٤)وقالَ المُبَرِّدُ: هو اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا كالرِّضا والعَدْلِ، فَيَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ١٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ، والطِّفْلُ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ مِن وقْتِ انْفِصالِهِ إلى البُلُوغِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ قِيلَ هو عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناسِبَةٍ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا شَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا إلى الأشُدِّ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ لِتَبْلُغُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى نُبَيِّنَ، والأشُدُّ هو كَمالُ العَقْلِ وكَمالُ القُوَّةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا مُسْتَوْفًى في الأنْعامِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ يَعْنِي قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقُرِئَ ( يَتَوَفّى ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُتَوَفّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ أخَسِّهِ وأدْوَنِهِ، وهو الهَرَمُ والخَرَفُ حَتّى لا يَعْقِلَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَصِيرُ مِن بَعْدِ أنْ كانَ ذا عِلْمٍ بِالأشْياءِ وفَهْمٍ لَها، لا عِلْمَ لَهُ ولا فَهْمَ، ومِثْلهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ﴾ ﴿رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى البَعْثِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ بِإحْياءِ الأرْضِ بِإنْزالِ الماءِ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، والهامِدَةُ اليابِسَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ مَيْتَةٌ يابِسَةٌ كالنّارِ إذا طُفِئَتْ، وقِيلَ: دارِسَةٌ، والهُمُودُ الدُّرُوسُ، ومِنهُ قَوْلِ الأعْشى:
؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ∗∗∗ وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمُودًا
وقِيلَ: هي الَّتِي ذَهَبَ عَنْها النَّدى، وقِيلَ: هالِكَةٌ، ومَعْنى هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ المُرادُ بِالماءِ هُنا المَطَرُ، ومَعْنى اهْتَزَّتْ تَحَرَّكَتْ، والِاهْتِزازُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، يُقالُ هَزَزْتُ الشَّيْءَ فاهْتَزَّ: أيْ حَرَّكْتُهُ فَتَحَرَّكَ: والمَعْنى: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، لِأنَّ النَّباتَ لا يُخْرَجُ مِنها حَتّى يُزِيلَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ إزالَةً حَقِيقَةً، فَسَمّاهُ اهْتِزازًا مَجازًا. وقالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى اهْتَزَّ نَباتُها فَحَذَفَ المُضافَ، واهْتِزازُهُ شِدَّةُ حَرَكَتِهِ، والِاهْتِزازُ في النَّباتِ أظْهَرُ مِنهُ في الأرْضِ، ومَعْنى رَبَتِ ارْتَفَعَتْ، وقِيلَ: انْتَفَخَتْ. والمَعْنى واحِدٌ، وأصْلُهُ الزِّيادَةُ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو رَبْوًا إذا زادَ ومِنهُ الرِّبا والرَّبْوَةُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ ( ورَبَأتْ ) أيِ ارْتَفَعَتْ حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الرّابِيَةِ، وهو الَّذِي يَحْفَظُ القَوْمَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ يُقالُ لَهُ رابِئٌ ورابِئَةٌ ورَبِيئَةٌ وأنْبَتَتْ أيْ أخْرَجَتْ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ ولَوْنٍ مُسْتَحْسَنٍ، والبَهْجَةُ الحُسْنُ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، لَمّا ذَكَرَ افْتِقارَ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَسْخِيرِها عَلى وفْقِ إرادَتِهِ واقْتِدارِهِ. قالَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالاتِ، وهي إثْباتُ أنَّهُ سُبْحانَهُ الحَقُّ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِإحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. والمَعْنى: أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِهَذِهِ الأُمُورِ وأنَّها مِن شَأْنِهِ لا يَدَّعِي غَيْرَهُ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَدَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى أنَّهُ الحَقُّ الحَقِيقِيُّ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وأنَّ وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ مُسْتَفادٌ مِنهُ، والحَقُّ هو المَوْجُودُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَزُولُ، وقِيلَ: ذُو الحَقِّ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ في أفْعالِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ ما وصَفَهُ لَكم وبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ﴿السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، قِيلَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ لا شَكَّ فِيها ولا تَرَدُّدَ، وجُمْلَةُ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلسّاعَةِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ البَعْثِ فَقالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وهو في سَفَرٍ، فَقالَ: أتُدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، قالَ: يا رَبِّ وما بَعَثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، وواحِدًا إلى الجَنَّةِ، فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كَمُلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ، وما مَثَلُكم والأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ، أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وقالَ في آخِرِهِ: «اعْمَلُوا وأبْشِرُوا فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّكم لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتْ مَعَ شَيْءٍ إلّا كَثَّرَتاهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَن ماتَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن بَنِي إبْلِيسَ، فَسُرِّيَ عَنِ القَوْمِ بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ قالَ: اعْمَلُوا وأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما أنْتُمْ في النّاسِ إلّا كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أوْ كالرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ (p-٩٥٥)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وفي آخِرِهِ فَقالَ: «مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفٌ ومِنكم واحِدٌ، وهَلْ أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثَّوْرِ الأبْيَضِ، أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ قالَ: اتَّبَعَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ وشَقِّيٌّ أوْ سَعِيدٌ، فَوالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَها» والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قالَ: المُخَلَّقَةُ ما كانَ حَيًّا، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ ما كانَ سَقْطًا. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قالَ: حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
الحج 22:2
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، هَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنَ القُرْآنِ الحَجُّ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ مَكِّيّاتٍ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ وقِيلَ: أرْبَعُ آياتٍ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ .
وحُكِيَ عَنِ النَّقّاشِ أنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنها عَشْرُ آياتٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ السُّورَةَ مُخْتَلِطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ، ومِنها مَدَنِيٌّ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ. قالَ العَزِيزِيُّ: وهي مِن أعاجِيبِ السُّورِ نَزَلَتْ لَيْلًا ونَهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، سِلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنسُوخًا، مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنادُهُ بِالقَوِيِّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإسْماعِيلِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ في الحَجِّ وقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَّتْ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ، وبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبارَكِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها سَجْدَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ . لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ في خاتِمَةِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى ذِكْرِ الإعادَةِ وما قَبْلَها وما بَعْدَها، بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ القِيامَةِ وأهْوالِها حَثًّا عَلى التَّقْوى الَّتِي هي أنْفَعُ زادٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَهُ بِفِعْلِ ما أمَرَكم بِهِ مِنَ الواجِباتِ وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولَفْظُ النّاسِ يَشْمَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المَوْجُودِينَ ومَن سَيُوجَدُ عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن تَحْقِيقِ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، والزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، وأصْلُها مِن زَلَّ عَنِ المَوْضِعِ: أيْ زالَ عَنْهُ وتَحَرَّكَ، وزَلْزَلَ اللَّهُ قَدَمَهُ: أيْ حَرَّكَها، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ المَعْنى، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، وهي عَلى هَذا: الزَّلْزَلَةُ الَّتِي هي أحَدُ أشْراطِ السّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إنَّها تَكُونُ في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، ومِن بَعْدِها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّ المَصْدَرَ هُنا مُضافٌ إلى الظَّرْفِ، وهو السّاعَةُ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ، أوْ بِتَقْدِيرِ في كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] قِيلَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ (p-٩٥٣)انْتِصابُ الظَّرْفِ بِما بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الزَّلْزَلَةِ: أيْ وقْتَ رُؤْيَتِكم لَها تَذْهَلُ كُلُّ ذاتِ رَضاعٍ عَنْ رَضِيعِها وتَغْفُلُ عَنْهُ. قالَ قُطْرُبٌ: تَذْهَلُ تَشْتَغِلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ضَرْبٌ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
وقِيلَ: تَنْسى، وقِيلَ: تَلْهُو، وقِيلَ: تَسْلُو، وهَذِهِ مَعانِيها مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ما فِيما أرْضَعَتْ بِمَعْنى المَصْدَرِ: أيْ تَذْهَلُ عَنِ الإرْضاعِ، قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ في الدُّنْيا، إذْ لَيْسَ بَعْدَ القِيامَةِ حَمْلٌ وإرْضاعٌ، إلّا أنْ يُقالَ: مَن ماتَتْ حامِلًا فَتَضَعُ حَمْلَها لِلْهَوْلِ، ومَن ماتَتْ مُرْضِعَةً بُعِثَتْ كَذَلِكَ، ويُقالُ هَذا مَثَلٌ كَما يُقالُ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وقِيلَ: يَكُونُ مِنَ النَّفْخَةِ الأُولى، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السّاعَةُ عِبارَةً عَنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾ ومَعْنى [البقرة: ٢١٤] ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أنَّها تُلْقِي جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما أنَّ المُرْضِعَةَ تَتْرُكُ ولَدَها بِغَيْرِ رَضاعٍ لِذَلِكَ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ: أيْ يَراهُمُ الرّائِي كَأنَّهم سُكارى ﴿وما هم بِسُكارى﴾ حَقِيقَةً، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سَكْرى ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها وهُما لُغَتانِ يُجْمَعُ بِهِما سَكْرانُ، مِثْلُ كَسْلى وكُسالى، ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ عَنْهُمُ السُّكْرَ أوْضَحَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ شابَهُوا السُّكارى فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَبِسَبَبِ هَذِهِ الشِّدَّةِ والهَوْلِ العَظِيمِ طاشَتْ عُقُولُهم، واضْطَرَبَتْ أفْهامُهم فَصارُوا كالسُّكارى، بِجامِعِ سَلْبِ كَمالِ التَّمْيِيزِ وصِحَّةِ الإدْراكِ وقُرِئَ وتُرى بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن أرَأيْتُكَ: أيْ تَظُنُّهم سُكارى. قالَ الفَرّاءُ ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ. ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً تَشْمَلُ أهْلَ الجِدالِ كُلَّهم فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] ومَعْنى في اللَّهِ في شَأْنِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ، ومَحَلُّ بِغَيْرِ عِلْمٍ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخاصِمُ في قُدْرَةِ اللَّهِ فَيَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى البَعْثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ، ولا حُجَّةٍ يُدْلِي بِها ويَتَّبِعُ فِيما يَقُولُهُ ويَتَعاطاهُ ويَحْتَجُّ بِهِ ويُجادِلُ عَنْهُ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ أيْ مُتَمَرِّدٍ عَلى اللَّهِ وهو العاتِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والمُرادُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ أوْ رُؤَساءُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَدْعُونَ أشْياعَهم إلى الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ كَثِيرَ الجِدالِ، وكانَ يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ أيْ كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ، وفاعِلُ كُتِبَ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ: أيْ مَنِ اتَّخَذَ ولِيًّا ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ أيْ فَشَأْنُ الشَّيْطانِ أنْ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ جَوابُ الشَّرْطِ إنْ جُعِلَتْ مَن شَرْطِيَّةً أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، فَقَدْ وُصِفَ الشَّيْطانُ بِوَصْفَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ مَرِيدٌ، والثّانِي ما أفادَهُ جُمْلَةُ كُتِبَ عَلَيْهِ إلَخْ. وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يُضِلُّهُ: أيْ يَحْمِلُهُ عَلى مُباشَرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ في عَذابِ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ البَعَثُ بِفَتْحِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، وشَكُّهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وُقُوعِهِ أوْ في إمْكانِهِ. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنَ الإعادَةِ فانْظُرُوا في مَبْدَأِ خَلْقِكم أيْ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ لِيَزُولَ عَنْكُمُ الرَّيْبُ ويَرْتَفِعَ الشَّكُّ وتُدْحَضُ الشُّبْهَةُ الباطِلَةُ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ ثُمَّ خَلَقْناكم مِن نُطْفَةٍ أيْ مِن مَنِيٍّ، سُمِّيَ نُطْفَةً لِقِلَّتِهِ، والنُّطْفَةُ: القَلِيلُ مِنَ الماءِ. وقَدْ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ، والنُّطْفَةُ: القَطْرَةُ، يُقالُ نَطَفَ يَنْطِفُ: أيْ قَطَرَ، ولَيْلَةً نَطُوفٌ: أيْ دائِمَةُ القَطْرِ ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ والعَلَقَةُ: الدَّمُ الجامِدُ، والعَلَقُ: الدَّمُ العَبِيطُ: أيِ الطَّرِيُّ أوِ المُتَجَمِّدِ، وقِيلَ: الشَّدِيدُ الحُمْرَةِ والمُرادُ الدَّمُ الجامِدُ المُتَكَوِّنُ مِنَ المَنِيِّ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ قَدْرُ ما يَمْضُغُ الماضِغُ تَتَكَوَّنُ مِنَ العَلَقَةِ مُخَلَّقَةٍ بِالجَرِّ صِفَةً لِمُضْغَةٍ: أيْ مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ ظاهِرَةِ التَّصْوِيرِ ﴿وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها ولا ظَهَرَ تَصْوِيرُها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّقَةٌ يُرِيدُ قَدْ بَدا خَلْقُهُ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تُصَوَّرْ. قالَ الأكْثَرُ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَهو المُخَلَّقَةُ وهو الَّذِي وُلِدَ لِتَمامٍ، وما سَقَطَ كانَ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ أيْ غَيْرَ حَيٍّ بِإكْمالِ خِلْقَتِهِ بِالرُّوحِ. قالَ الفَرّاءُ: مُخَلَّقَةٌ تامُّ الخَلْقِ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ: السَّقْطُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ ∗∗∗ فَأيْنَ الحَزْمُ ويْحَكَ والحَياءُ
واللّامُ في ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقْنا: أيْ خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِنا بِتَصْرِيفِنا أطْوارَ خَلْقِكم ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ رَوى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ نُقِرَّ عَطْفًا عَلى نُبَيِّنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ نُقِرُّ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ: أيْ ونَحْنُ نُقِرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: نُقِرُّ بِالرَّفْعِ لا غَيْرُ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِرَّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ، ومَعْنى الآيَةِ: ونُثَبِّتُ في الأرْحامِ ما نَشاءُ فَلا يَكُونُ سَقْطًا ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الوِلادَةِ، وقالَ ما نَشاءُ ولَمْ يَقُلْ مَن نَشاءُ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الحَمْلِ وهو جَمادٌ قَبْلَ أنْ يَنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقُرِئَ ( لِيُبَيِّنَ ) ( ويُقِرُّ ) و( يُخْرِجُكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي وثّابٍ ( ما نَشاءُ ) بِكَسْرِ النُّونِ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ أيْ نُخْرِجُكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم طِفْلًا: أيْ أطْفالًا، وإنَّما أفْرَدَهُ إرادَةً لِلْجِنْسِ الشّامِلِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ. قالَ الزَّجّاجُ طِفْلًا في مَعْنى أطْفالًا، ودَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الجَماعَةِ: يَعْنِي في نُخْرِجُكم، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُطْلِقُ اسْمَ الواحِدِ عَلى الجَماعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْحَيْنَنِي مِن حُبِّها ويَلُمْنَنِي ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَسْنَ لِي بِأمِيرٍ
(p-٩٥٤)وقالَ المُبَرِّدُ: هو اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا كالرِّضا والعَدْلِ، فَيَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ١٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ، والطِّفْلُ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ مِن وقْتِ انْفِصالِهِ إلى البُلُوغِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ قِيلَ هو عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناسِبَةٍ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا شَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا إلى الأشُدِّ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ لِتَبْلُغُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى نُبَيِّنَ، والأشُدُّ هو كَمالُ العَقْلِ وكَمالُ القُوَّةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا مُسْتَوْفًى في الأنْعامِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ يَعْنِي قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقُرِئَ ( يَتَوَفّى ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُتَوَفّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ أخَسِّهِ وأدْوَنِهِ، وهو الهَرَمُ والخَرَفُ حَتّى لا يَعْقِلَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَصِيرُ مِن بَعْدِ أنْ كانَ ذا عِلْمٍ بِالأشْياءِ وفَهْمٍ لَها، لا عِلْمَ لَهُ ولا فَهْمَ، ومِثْلهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ﴾ ﴿رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى البَعْثِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ بِإحْياءِ الأرْضِ بِإنْزالِ الماءِ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، والهامِدَةُ اليابِسَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ مَيْتَةٌ يابِسَةٌ كالنّارِ إذا طُفِئَتْ، وقِيلَ: دارِسَةٌ، والهُمُودُ الدُّرُوسُ، ومِنهُ قَوْلِ الأعْشى:
؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ∗∗∗ وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمُودًا
وقِيلَ: هي الَّتِي ذَهَبَ عَنْها النَّدى، وقِيلَ: هالِكَةٌ، ومَعْنى هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ المُرادُ بِالماءِ هُنا المَطَرُ، ومَعْنى اهْتَزَّتْ تَحَرَّكَتْ، والِاهْتِزازُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، يُقالُ هَزَزْتُ الشَّيْءَ فاهْتَزَّ: أيْ حَرَّكْتُهُ فَتَحَرَّكَ: والمَعْنى: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، لِأنَّ النَّباتَ لا يُخْرَجُ مِنها حَتّى يُزِيلَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ إزالَةً حَقِيقَةً، فَسَمّاهُ اهْتِزازًا مَجازًا. وقالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى اهْتَزَّ نَباتُها فَحَذَفَ المُضافَ، واهْتِزازُهُ شِدَّةُ حَرَكَتِهِ، والِاهْتِزازُ في النَّباتِ أظْهَرُ مِنهُ في الأرْضِ، ومَعْنى رَبَتِ ارْتَفَعَتْ، وقِيلَ: انْتَفَخَتْ. والمَعْنى واحِدٌ، وأصْلُهُ الزِّيادَةُ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو رَبْوًا إذا زادَ ومِنهُ الرِّبا والرَّبْوَةُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ ( ورَبَأتْ ) أيِ ارْتَفَعَتْ حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الرّابِيَةِ، وهو الَّذِي يَحْفَظُ القَوْمَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ يُقالُ لَهُ رابِئٌ ورابِئَةٌ ورَبِيئَةٌ وأنْبَتَتْ أيْ أخْرَجَتْ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ ولَوْنٍ مُسْتَحْسَنٍ، والبَهْجَةُ الحُسْنُ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، لَمّا ذَكَرَ افْتِقارَ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَسْخِيرِها عَلى وفْقِ إرادَتِهِ واقْتِدارِهِ. قالَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالاتِ، وهي إثْباتُ أنَّهُ سُبْحانَهُ الحَقُّ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِإحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. والمَعْنى: أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِهَذِهِ الأُمُورِ وأنَّها مِن شَأْنِهِ لا يَدَّعِي غَيْرَهُ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَدَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى أنَّهُ الحَقُّ الحَقِيقِيُّ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وأنَّ وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ مُسْتَفادٌ مِنهُ، والحَقُّ هو المَوْجُودُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَزُولُ، وقِيلَ: ذُو الحَقِّ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ في أفْعالِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ ما وصَفَهُ لَكم وبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ﴿السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، قِيلَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ لا شَكَّ فِيها ولا تَرَدُّدَ، وجُمْلَةُ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلسّاعَةِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ البَعْثِ فَقالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وهو في سَفَرٍ، فَقالَ: أتُدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، قالَ: يا رَبِّ وما بَعَثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، وواحِدًا إلى الجَنَّةِ، فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كَمُلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ، وما مَثَلُكم والأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ، أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وقالَ في آخِرِهِ: «اعْمَلُوا وأبْشِرُوا فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّكم لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتْ مَعَ شَيْءٍ إلّا كَثَّرَتاهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَن ماتَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن بَنِي إبْلِيسَ، فَسُرِّيَ عَنِ القَوْمِ بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ قالَ: اعْمَلُوا وأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما أنْتُمْ في النّاسِ إلّا كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أوْ كالرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ (p-٩٥٥)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وفي آخِرِهِ فَقالَ: «مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفٌ ومِنكم واحِدٌ، وهَلْ أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثَّوْرِ الأبْيَضِ، أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ قالَ: اتَّبَعَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ وشَقِّيٌّ أوْ سَعِيدٌ، فَوالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَها» والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قالَ: المُخَلَّقَةُ ما كانَ حَيًّا، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ ما كانَ سَقْطًا. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قالَ: حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
الحج 22:3
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، هَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنَ القُرْآنِ الحَجُّ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ مَكِّيّاتٍ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ وقِيلَ: أرْبَعُ آياتٍ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ .
وحُكِيَ عَنِ النَّقّاشِ أنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنها عَشْرُ آياتٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ السُّورَةَ مُخْتَلِطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ، ومِنها مَدَنِيٌّ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ. قالَ العَزِيزِيُّ: وهي مِن أعاجِيبِ السُّورِ نَزَلَتْ لَيْلًا ونَهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، سِلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنسُوخًا، مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنادُهُ بِالقَوِيِّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإسْماعِيلِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ في الحَجِّ وقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَّتْ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ، وبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبارَكِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها سَجْدَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ . لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ في خاتِمَةِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى ذِكْرِ الإعادَةِ وما قَبْلَها وما بَعْدَها، بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ القِيامَةِ وأهْوالِها حَثًّا عَلى التَّقْوى الَّتِي هي أنْفَعُ زادٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَهُ بِفِعْلِ ما أمَرَكم بِهِ مِنَ الواجِباتِ وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولَفْظُ النّاسِ يَشْمَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المَوْجُودِينَ ومَن سَيُوجَدُ عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن تَحْقِيقِ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، والزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، وأصْلُها مِن زَلَّ عَنِ المَوْضِعِ: أيْ زالَ عَنْهُ وتَحَرَّكَ، وزَلْزَلَ اللَّهُ قَدَمَهُ: أيْ حَرَّكَها، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ المَعْنى، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، وهي عَلى هَذا: الزَّلْزَلَةُ الَّتِي هي أحَدُ أشْراطِ السّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إنَّها تَكُونُ في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، ومِن بَعْدِها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّ المَصْدَرَ هُنا مُضافٌ إلى الظَّرْفِ، وهو السّاعَةُ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ، أوْ بِتَقْدِيرِ في كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] قِيلَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ (p-٩٥٣)انْتِصابُ الظَّرْفِ بِما بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الزَّلْزَلَةِ: أيْ وقْتَ رُؤْيَتِكم لَها تَذْهَلُ كُلُّ ذاتِ رَضاعٍ عَنْ رَضِيعِها وتَغْفُلُ عَنْهُ. قالَ قُطْرُبٌ: تَذْهَلُ تَشْتَغِلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ضَرْبٌ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
وقِيلَ: تَنْسى، وقِيلَ: تَلْهُو، وقِيلَ: تَسْلُو، وهَذِهِ مَعانِيها مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ما فِيما أرْضَعَتْ بِمَعْنى المَصْدَرِ: أيْ تَذْهَلُ عَنِ الإرْضاعِ، قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ في الدُّنْيا، إذْ لَيْسَ بَعْدَ القِيامَةِ حَمْلٌ وإرْضاعٌ، إلّا أنْ يُقالَ: مَن ماتَتْ حامِلًا فَتَضَعُ حَمْلَها لِلْهَوْلِ، ومَن ماتَتْ مُرْضِعَةً بُعِثَتْ كَذَلِكَ، ويُقالُ هَذا مَثَلٌ كَما يُقالُ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وقِيلَ: يَكُونُ مِنَ النَّفْخَةِ الأُولى، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السّاعَةُ عِبارَةً عَنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾ ومَعْنى [البقرة: ٢١٤] ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أنَّها تُلْقِي جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما أنَّ المُرْضِعَةَ تَتْرُكُ ولَدَها بِغَيْرِ رَضاعٍ لِذَلِكَ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ: أيْ يَراهُمُ الرّائِي كَأنَّهم سُكارى ﴿وما هم بِسُكارى﴾ حَقِيقَةً، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سَكْرى ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها وهُما لُغَتانِ يُجْمَعُ بِهِما سَكْرانُ، مِثْلُ كَسْلى وكُسالى، ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ عَنْهُمُ السُّكْرَ أوْضَحَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ شابَهُوا السُّكارى فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَبِسَبَبِ هَذِهِ الشِّدَّةِ والهَوْلِ العَظِيمِ طاشَتْ عُقُولُهم، واضْطَرَبَتْ أفْهامُهم فَصارُوا كالسُّكارى، بِجامِعِ سَلْبِ كَمالِ التَّمْيِيزِ وصِحَّةِ الإدْراكِ وقُرِئَ وتُرى بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن أرَأيْتُكَ: أيْ تَظُنُّهم سُكارى. قالَ الفَرّاءُ ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ. ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً تَشْمَلُ أهْلَ الجِدالِ كُلَّهم فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] ومَعْنى في اللَّهِ في شَأْنِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ، ومَحَلُّ بِغَيْرِ عِلْمٍ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخاصِمُ في قُدْرَةِ اللَّهِ فَيَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى البَعْثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ، ولا حُجَّةٍ يُدْلِي بِها ويَتَّبِعُ فِيما يَقُولُهُ ويَتَعاطاهُ ويَحْتَجُّ بِهِ ويُجادِلُ عَنْهُ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ أيْ مُتَمَرِّدٍ عَلى اللَّهِ وهو العاتِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والمُرادُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ أوْ رُؤَساءُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَدْعُونَ أشْياعَهم إلى الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ كَثِيرَ الجِدالِ، وكانَ يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ أيْ كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ، وفاعِلُ كُتِبَ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ: أيْ مَنِ اتَّخَذَ ولِيًّا ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ أيْ فَشَأْنُ الشَّيْطانِ أنْ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ جَوابُ الشَّرْطِ إنْ جُعِلَتْ مَن شَرْطِيَّةً أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، فَقَدْ وُصِفَ الشَّيْطانُ بِوَصْفَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ مَرِيدٌ، والثّانِي ما أفادَهُ جُمْلَةُ كُتِبَ عَلَيْهِ إلَخْ. وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يُضِلُّهُ: أيْ يَحْمِلُهُ عَلى مُباشَرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ في عَذابِ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ البَعَثُ بِفَتْحِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، وشَكُّهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وُقُوعِهِ أوْ في إمْكانِهِ. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنَ الإعادَةِ فانْظُرُوا في مَبْدَأِ خَلْقِكم أيْ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ لِيَزُولَ عَنْكُمُ الرَّيْبُ ويَرْتَفِعَ الشَّكُّ وتُدْحَضُ الشُّبْهَةُ الباطِلَةُ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ ثُمَّ خَلَقْناكم مِن نُطْفَةٍ أيْ مِن مَنِيٍّ، سُمِّيَ نُطْفَةً لِقِلَّتِهِ، والنُّطْفَةُ: القَلِيلُ مِنَ الماءِ. وقَدْ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ، والنُّطْفَةُ: القَطْرَةُ، يُقالُ نَطَفَ يَنْطِفُ: أيْ قَطَرَ، ولَيْلَةً نَطُوفٌ: أيْ دائِمَةُ القَطْرِ ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ والعَلَقَةُ: الدَّمُ الجامِدُ، والعَلَقُ: الدَّمُ العَبِيطُ: أيِ الطَّرِيُّ أوِ المُتَجَمِّدِ، وقِيلَ: الشَّدِيدُ الحُمْرَةِ والمُرادُ الدَّمُ الجامِدُ المُتَكَوِّنُ مِنَ المَنِيِّ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ قَدْرُ ما يَمْضُغُ الماضِغُ تَتَكَوَّنُ مِنَ العَلَقَةِ مُخَلَّقَةٍ بِالجَرِّ صِفَةً لِمُضْغَةٍ: أيْ مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ ظاهِرَةِ التَّصْوِيرِ ﴿وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها ولا ظَهَرَ تَصْوِيرُها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّقَةٌ يُرِيدُ قَدْ بَدا خَلْقُهُ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تُصَوَّرْ. قالَ الأكْثَرُ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَهو المُخَلَّقَةُ وهو الَّذِي وُلِدَ لِتَمامٍ، وما سَقَطَ كانَ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ أيْ غَيْرَ حَيٍّ بِإكْمالِ خِلْقَتِهِ بِالرُّوحِ. قالَ الفَرّاءُ: مُخَلَّقَةٌ تامُّ الخَلْقِ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ: السَّقْطُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ ∗∗∗ فَأيْنَ الحَزْمُ ويْحَكَ والحَياءُ
واللّامُ في ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقْنا: أيْ خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِنا بِتَصْرِيفِنا أطْوارَ خَلْقِكم ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ رَوى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ نُقِرَّ عَطْفًا عَلى نُبَيِّنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ نُقِرُّ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ: أيْ ونَحْنُ نُقِرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: نُقِرُّ بِالرَّفْعِ لا غَيْرُ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِرَّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ، ومَعْنى الآيَةِ: ونُثَبِّتُ في الأرْحامِ ما نَشاءُ فَلا يَكُونُ سَقْطًا ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الوِلادَةِ، وقالَ ما نَشاءُ ولَمْ يَقُلْ مَن نَشاءُ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الحَمْلِ وهو جَمادٌ قَبْلَ أنْ يَنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقُرِئَ ( لِيُبَيِّنَ ) ( ويُقِرُّ ) و( يُخْرِجُكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي وثّابٍ ( ما نَشاءُ ) بِكَسْرِ النُّونِ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ أيْ نُخْرِجُكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم طِفْلًا: أيْ أطْفالًا، وإنَّما أفْرَدَهُ إرادَةً لِلْجِنْسِ الشّامِلِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ. قالَ الزَّجّاجُ طِفْلًا في مَعْنى أطْفالًا، ودَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الجَماعَةِ: يَعْنِي في نُخْرِجُكم، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُطْلِقُ اسْمَ الواحِدِ عَلى الجَماعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْحَيْنَنِي مِن حُبِّها ويَلُمْنَنِي ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَسْنَ لِي بِأمِيرٍ
(p-٩٥٤)وقالَ المُبَرِّدُ: هو اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا كالرِّضا والعَدْلِ، فَيَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ١٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ، والطِّفْلُ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ مِن وقْتِ انْفِصالِهِ إلى البُلُوغِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ قِيلَ هو عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناسِبَةٍ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا شَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا إلى الأشُدِّ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ لِتَبْلُغُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى نُبَيِّنَ، والأشُدُّ هو كَمالُ العَقْلِ وكَمالُ القُوَّةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا مُسْتَوْفًى في الأنْعامِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ يَعْنِي قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقُرِئَ ( يَتَوَفّى ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُتَوَفّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ أخَسِّهِ وأدْوَنِهِ، وهو الهَرَمُ والخَرَفُ حَتّى لا يَعْقِلَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَصِيرُ مِن بَعْدِ أنْ كانَ ذا عِلْمٍ بِالأشْياءِ وفَهْمٍ لَها، لا عِلْمَ لَهُ ولا فَهْمَ، ومِثْلهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ﴾ ﴿رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى البَعْثِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ بِإحْياءِ الأرْضِ بِإنْزالِ الماءِ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، والهامِدَةُ اليابِسَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ مَيْتَةٌ يابِسَةٌ كالنّارِ إذا طُفِئَتْ، وقِيلَ: دارِسَةٌ، والهُمُودُ الدُّرُوسُ، ومِنهُ قَوْلِ الأعْشى:
؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ∗∗∗ وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمُودًا
وقِيلَ: هي الَّتِي ذَهَبَ عَنْها النَّدى، وقِيلَ: هالِكَةٌ، ومَعْنى هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ المُرادُ بِالماءِ هُنا المَطَرُ، ومَعْنى اهْتَزَّتْ تَحَرَّكَتْ، والِاهْتِزازُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، يُقالُ هَزَزْتُ الشَّيْءَ فاهْتَزَّ: أيْ حَرَّكْتُهُ فَتَحَرَّكَ: والمَعْنى: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، لِأنَّ النَّباتَ لا يُخْرَجُ مِنها حَتّى يُزِيلَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ إزالَةً حَقِيقَةً، فَسَمّاهُ اهْتِزازًا مَجازًا. وقالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى اهْتَزَّ نَباتُها فَحَذَفَ المُضافَ، واهْتِزازُهُ شِدَّةُ حَرَكَتِهِ، والِاهْتِزازُ في النَّباتِ أظْهَرُ مِنهُ في الأرْضِ، ومَعْنى رَبَتِ ارْتَفَعَتْ، وقِيلَ: انْتَفَخَتْ. والمَعْنى واحِدٌ، وأصْلُهُ الزِّيادَةُ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو رَبْوًا إذا زادَ ومِنهُ الرِّبا والرَّبْوَةُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ ( ورَبَأتْ ) أيِ ارْتَفَعَتْ حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الرّابِيَةِ، وهو الَّذِي يَحْفَظُ القَوْمَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ يُقالُ لَهُ رابِئٌ ورابِئَةٌ ورَبِيئَةٌ وأنْبَتَتْ أيْ أخْرَجَتْ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ ولَوْنٍ مُسْتَحْسَنٍ، والبَهْجَةُ الحُسْنُ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، لَمّا ذَكَرَ افْتِقارَ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَسْخِيرِها عَلى وفْقِ إرادَتِهِ واقْتِدارِهِ. قالَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالاتِ، وهي إثْباتُ أنَّهُ سُبْحانَهُ الحَقُّ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِإحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. والمَعْنى: أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِهَذِهِ الأُمُورِ وأنَّها مِن شَأْنِهِ لا يَدَّعِي غَيْرَهُ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَدَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى أنَّهُ الحَقُّ الحَقِيقِيُّ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وأنَّ وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ مُسْتَفادٌ مِنهُ، والحَقُّ هو المَوْجُودُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَزُولُ، وقِيلَ: ذُو الحَقِّ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ في أفْعالِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ ما وصَفَهُ لَكم وبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ﴿السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، قِيلَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ لا شَكَّ فِيها ولا تَرَدُّدَ، وجُمْلَةُ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلسّاعَةِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ البَعْثِ فَقالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وهو في سَفَرٍ، فَقالَ: أتُدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، قالَ: يا رَبِّ وما بَعَثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، وواحِدًا إلى الجَنَّةِ، فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كَمُلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ، وما مَثَلُكم والأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ، أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وقالَ في آخِرِهِ: «اعْمَلُوا وأبْشِرُوا فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّكم لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتْ مَعَ شَيْءٍ إلّا كَثَّرَتاهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَن ماتَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن بَنِي إبْلِيسَ، فَسُرِّيَ عَنِ القَوْمِ بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ قالَ: اعْمَلُوا وأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما أنْتُمْ في النّاسِ إلّا كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أوْ كالرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ (p-٩٥٥)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وفي آخِرِهِ فَقالَ: «مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفٌ ومِنكم واحِدٌ، وهَلْ أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثَّوْرِ الأبْيَضِ، أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ قالَ: اتَّبَعَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ وشَقِّيٌّ أوْ سَعِيدٌ، فَوالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَها» والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قالَ: المُخَلَّقَةُ ما كانَ حَيًّا، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ ما كانَ سَقْطًا. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قالَ: حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
الحج 22:4
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، هَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنَ القُرْآنِ الحَجُّ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ مَكِّيّاتٍ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ وقِيلَ: أرْبَعُ آياتٍ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ .
وحُكِيَ عَنِ النَّقّاشِ أنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنها عَشْرُ آياتٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ السُّورَةَ مُخْتَلِطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ، ومِنها مَدَنِيٌّ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ. قالَ العَزِيزِيُّ: وهي مِن أعاجِيبِ السُّورِ نَزَلَتْ لَيْلًا ونَهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، سِلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنسُوخًا، مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنادُهُ بِالقَوِيِّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإسْماعِيلِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ في الحَجِّ وقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَّتْ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ، وبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبارَكِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها سَجْدَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ . لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ في خاتِمَةِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى ذِكْرِ الإعادَةِ وما قَبْلَها وما بَعْدَها، بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ القِيامَةِ وأهْوالِها حَثًّا عَلى التَّقْوى الَّتِي هي أنْفَعُ زادٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَهُ بِفِعْلِ ما أمَرَكم بِهِ مِنَ الواجِباتِ وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولَفْظُ النّاسِ يَشْمَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المَوْجُودِينَ ومَن سَيُوجَدُ عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن تَحْقِيقِ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، والزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، وأصْلُها مِن زَلَّ عَنِ المَوْضِعِ: أيْ زالَ عَنْهُ وتَحَرَّكَ، وزَلْزَلَ اللَّهُ قَدَمَهُ: أيْ حَرَّكَها، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ المَعْنى، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، وهي عَلى هَذا: الزَّلْزَلَةُ الَّتِي هي أحَدُ أشْراطِ السّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إنَّها تَكُونُ في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، ومِن بَعْدِها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّ المَصْدَرَ هُنا مُضافٌ إلى الظَّرْفِ، وهو السّاعَةُ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ، أوْ بِتَقْدِيرِ في كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] قِيلَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ (p-٩٥٣)انْتِصابُ الظَّرْفِ بِما بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الزَّلْزَلَةِ: أيْ وقْتَ رُؤْيَتِكم لَها تَذْهَلُ كُلُّ ذاتِ رَضاعٍ عَنْ رَضِيعِها وتَغْفُلُ عَنْهُ. قالَ قُطْرُبٌ: تَذْهَلُ تَشْتَغِلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ضَرْبٌ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
وقِيلَ: تَنْسى، وقِيلَ: تَلْهُو، وقِيلَ: تَسْلُو، وهَذِهِ مَعانِيها مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ما فِيما أرْضَعَتْ بِمَعْنى المَصْدَرِ: أيْ تَذْهَلُ عَنِ الإرْضاعِ، قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ في الدُّنْيا، إذْ لَيْسَ بَعْدَ القِيامَةِ حَمْلٌ وإرْضاعٌ، إلّا أنْ يُقالَ: مَن ماتَتْ حامِلًا فَتَضَعُ حَمْلَها لِلْهَوْلِ، ومَن ماتَتْ مُرْضِعَةً بُعِثَتْ كَذَلِكَ، ويُقالُ هَذا مَثَلٌ كَما يُقالُ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وقِيلَ: يَكُونُ مِنَ النَّفْخَةِ الأُولى، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السّاعَةُ عِبارَةً عَنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾ ومَعْنى [البقرة: ٢١٤] ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أنَّها تُلْقِي جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما أنَّ المُرْضِعَةَ تَتْرُكُ ولَدَها بِغَيْرِ رَضاعٍ لِذَلِكَ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ: أيْ يَراهُمُ الرّائِي كَأنَّهم سُكارى ﴿وما هم بِسُكارى﴾ حَقِيقَةً، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سَكْرى ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها وهُما لُغَتانِ يُجْمَعُ بِهِما سَكْرانُ، مِثْلُ كَسْلى وكُسالى، ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ عَنْهُمُ السُّكْرَ أوْضَحَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ شابَهُوا السُّكارى فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَبِسَبَبِ هَذِهِ الشِّدَّةِ والهَوْلِ العَظِيمِ طاشَتْ عُقُولُهم، واضْطَرَبَتْ أفْهامُهم فَصارُوا كالسُّكارى، بِجامِعِ سَلْبِ كَمالِ التَّمْيِيزِ وصِحَّةِ الإدْراكِ وقُرِئَ وتُرى بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن أرَأيْتُكَ: أيْ تَظُنُّهم سُكارى. قالَ الفَرّاءُ ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ. ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً تَشْمَلُ أهْلَ الجِدالِ كُلَّهم فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] ومَعْنى في اللَّهِ في شَأْنِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ، ومَحَلُّ بِغَيْرِ عِلْمٍ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخاصِمُ في قُدْرَةِ اللَّهِ فَيَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى البَعْثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ، ولا حُجَّةٍ يُدْلِي بِها ويَتَّبِعُ فِيما يَقُولُهُ ويَتَعاطاهُ ويَحْتَجُّ بِهِ ويُجادِلُ عَنْهُ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ أيْ مُتَمَرِّدٍ عَلى اللَّهِ وهو العاتِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والمُرادُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ أوْ رُؤَساءُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَدْعُونَ أشْياعَهم إلى الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ كَثِيرَ الجِدالِ، وكانَ يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ أيْ كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ، وفاعِلُ كُتِبَ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ: أيْ مَنِ اتَّخَذَ ولِيًّا ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ أيْ فَشَأْنُ الشَّيْطانِ أنْ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ جَوابُ الشَّرْطِ إنْ جُعِلَتْ مَن شَرْطِيَّةً أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، فَقَدْ وُصِفَ الشَّيْطانُ بِوَصْفَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ مَرِيدٌ، والثّانِي ما أفادَهُ جُمْلَةُ كُتِبَ عَلَيْهِ إلَخْ. وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يُضِلُّهُ: أيْ يَحْمِلُهُ عَلى مُباشَرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ في عَذابِ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ البَعَثُ بِفَتْحِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، وشَكُّهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وُقُوعِهِ أوْ في إمْكانِهِ. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنَ الإعادَةِ فانْظُرُوا في مَبْدَأِ خَلْقِكم أيْ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ لِيَزُولَ عَنْكُمُ الرَّيْبُ ويَرْتَفِعَ الشَّكُّ وتُدْحَضُ الشُّبْهَةُ الباطِلَةُ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ ثُمَّ خَلَقْناكم مِن نُطْفَةٍ أيْ مِن مَنِيٍّ، سُمِّيَ نُطْفَةً لِقِلَّتِهِ، والنُّطْفَةُ: القَلِيلُ مِنَ الماءِ. وقَدْ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ، والنُّطْفَةُ: القَطْرَةُ، يُقالُ نَطَفَ يَنْطِفُ: أيْ قَطَرَ، ولَيْلَةً نَطُوفٌ: أيْ دائِمَةُ القَطْرِ ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ والعَلَقَةُ: الدَّمُ الجامِدُ، والعَلَقُ: الدَّمُ العَبِيطُ: أيِ الطَّرِيُّ أوِ المُتَجَمِّدِ، وقِيلَ: الشَّدِيدُ الحُمْرَةِ والمُرادُ الدَّمُ الجامِدُ المُتَكَوِّنُ مِنَ المَنِيِّ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ قَدْرُ ما يَمْضُغُ الماضِغُ تَتَكَوَّنُ مِنَ العَلَقَةِ مُخَلَّقَةٍ بِالجَرِّ صِفَةً لِمُضْغَةٍ: أيْ مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ ظاهِرَةِ التَّصْوِيرِ ﴿وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها ولا ظَهَرَ تَصْوِيرُها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّقَةٌ يُرِيدُ قَدْ بَدا خَلْقُهُ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تُصَوَّرْ. قالَ الأكْثَرُ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَهو المُخَلَّقَةُ وهو الَّذِي وُلِدَ لِتَمامٍ، وما سَقَطَ كانَ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ أيْ غَيْرَ حَيٍّ بِإكْمالِ خِلْقَتِهِ بِالرُّوحِ. قالَ الفَرّاءُ: مُخَلَّقَةٌ تامُّ الخَلْقِ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ: السَّقْطُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ ∗∗∗ فَأيْنَ الحَزْمُ ويْحَكَ والحَياءُ
واللّامُ في ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقْنا: أيْ خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِنا بِتَصْرِيفِنا أطْوارَ خَلْقِكم ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ رَوى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ نُقِرَّ عَطْفًا عَلى نُبَيِّنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ نُقِرُّ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ: أيْ ونَحْنُ نُقِرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: نُقِرُّ بِالرَّفْعِ لا غَيْرُ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِرَّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ، ومَعْنى الآيَةِ: ونُثَبِّتُ في الأرْحامِ ما نَشاءُ فَلا يَكُونُ سَقْطًا ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الوِلادَةِ، وقالَ ما نَشاءُ ولَمْ يَقُلْ مَن نَشاءُ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الحَمْلِ وهو جَمادٌ قَبْلَ أنْ يَنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقُرِئَ ( لِيُبَيِّنَ ) ( ويُقِرُّ ) و( يُخْرِجُكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي وثّابٍ ( ما نَشاءُ ) بِكَسْرِ النُّونِ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ أيْ نُخْرِجُكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم طِفْلًا: أيْ أطْفالًا، وإنَّما أفْرَدَهُ إرادَةً لِلْجِنْسِ الشّامِلِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ. قالَ الزَّجّاجُ طِفْلًا في مَعْنى أطْفالًا، ودَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الجَماعَةِ: يَعْنِي في نُخْرِجُكم، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُطْلِقُ اسْمَ الواحِدِ عَلى الجَماعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْحَيْنَنِي مِن حُبِّها ويَلُمْنَنِي ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَسْنَ لِي بِأمِيرٍ
(p-٩٥٤)وقالَ المُبَرِّدُ: هو اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا كالرِّضا والعَدْلِ، فَيَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ١٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ، والطِّفْلُ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ مِن وقْتِ انْفِصالِهِ إلى البُلُوغِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ قِيلَ هو عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناسِبَةٍ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا شَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا إلى الأشُدِّ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ لِتَبْلُغُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى نُبَيِّنَ، والأشُدُّ هو كَمالُ العَقْلِ وكَمالُ القُوَّةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا مُسْتَوْفًى في الأنْعامِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ يَعْنِي قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقُرِئَ ( يَتَوَفّى ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُتَوَفّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ أخَسِّهِ وأدْوَنِهِ، وهو الهَرَمُ والخَرَفُ حَتّى لا يَعْقِلَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَصِيرُ مِن بَعْدِ أنْ كانَ ذا عِلْمٍ بِالأشْياءِ وفَهْمٍ لَها، لا عِلْمَ لَهُ ولا فَهْمَ، ومِثْلهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ﴾ ﴿رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى البَعْثِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ بِإحْياءِ الأرْضِ بِإنْزالِ الماءِ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، والهامِدَةُ اليابِسَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ مَيْتَةٌ يابِسَةٌ كالنّارِ إذا طُفِئَتْ، وقِيلَ: دارِسَةٌ، والهُمُودُ الدُّرُوسُ، ومِنهُ قَوْلِ الأعْشى:
؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ∗∗∗ وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمُودًا
وقِيلَ: هي الَّتِي ذَهَبَ عَنْها النَّدى، وقِيلَ: هالِكَةٌ، ومَعْنى هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ المُرادُ بِالماءِ هُنا المَطَرُ، ومَعْنى اهْتَزَّتْ تَحَرَّكَتْ، والِاهْتِزازُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، يُقالُ هَزَزْتُ الشَّيْءَ فاهْتَزَّ: أيْ حَرَّكْتُهُ فَتَحَرَّكَ: والمَعْنى: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، لِأنَّ النَّباتَ لا يُخْرَجُ مِنها حَتّى يُزِيلَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ إزالَةً حَقِيقَةً، فَسَمّاهُ اهْتِزازًا مَجازًا. وقالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى اهْتَزَّ نَباتُها فَحَذَفَ المُضافَ، واهْتِزازُهُ شِدَّةُ حَرَكَتِهِ، والِاهْتِزازُ في النَّباتِ أظْهَرُ مِنهُ في الأرْضِ، ومَعْنى رَبَتِ ارْتَفَعَتْ، وقِيلَ: انْتَفَخَتْ. والمَعْنى واحِدٌ، وأصْلُهُ الزِّيادَةُ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو رَبْوًا إذا زادَ ومِنهُ الرِّبا والرَّبْوَةُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ ( ورَبَأتْ ) أيِ ارْتَفَعَتْ حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الرّابِيَةِ، وهو الَّذِي يَحْفَظُ القَوْمَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ يُقالُ لَهُ رابِئٌ ورابِئَةٌ ورَبِيئَةٌ وأنْبَتَتْ أيْ أخْرَجَتْ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ ولَوْنٍ مُسْتَحْسَنٍ، والبَهْجَةُ الحُسْنُ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، لَمّا ذَكَرَ افْتِقارَ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَسْخِيرِها عَلى وفْقِ إرادَتِهِ واقْتِدارِهِ. قالَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالاتِ، وهي إثْباتُ أنَّهُ سُبْحانَهُ الحَقُّ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِإحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. والمَعْنى: أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِهَذِهِ الأُمُورِ وأنَّها مِن شَأْنِهِ لا يَدَّعِي غَيْرَهُ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَدَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى أنَّهُ الحَقُّ الحَقِيقِيُّ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وأنَّ وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ مُسْتَفادٌ مِنهُ، والحَقُّ هو المَوْجُودُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَزُولُ، وقِيلَ: ذُو الحَقِّ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ في أفْعالِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ ما وصَفَهُ لَكم وبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ﴿السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، قِيلَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ لا شَكَّ فِيها ولا تَرَدُّدَ، وجُمْلَةُ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلسّاعَةِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ البَعْثِ فَقالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وهو في سَفَرٍ، فَقالَ: أتُدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، قالَ: يا رَبِّ وما بَعَثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، وواحِدًا إلى الجَنَّةِ، فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كَمُلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ، وما مَثَلُكم والأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ، أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وقالَ في آخِرِهِ: «اعْمَلُوا وأبْشِرُوا فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّكم لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتْ مَعَ شَيْءٍ إلّا كَثَّرَتاهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَن ماتَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن بَنِي إبْلِيسَ، فَسُرِّيَ عَنِ القَوْمِ بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ قالَ: اعْمَلُوا وأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما أنْتُمْ في النّاسِ إلّا كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أوْ كالرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ (p-٩٥٥)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وفي آخِرِهِ فَقالَ: «مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفٌ ومِنكم واحِدٌ، وهَلْ أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثَّوْرِ الأبْيَضِ، أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ قالَ: اتَّبَعَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ وشَقِّيٌّ أوْ سَعِيدٌ، فَوالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَها» والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قالَ: المُخَلَّقَةُ ما كانَ حَيًّا، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ ما كانَ سَقْطًا. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قالَ: حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
الحج 22:5
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، هَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنَ القُرْآنِ الحَجُّ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ مَكِّيّاتٍ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ وقِيلَ: أرْبَعُ آياتٍ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ .
وحُكِيَ عَنِ النَّقّاشِ أنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنها عَشْرُ آياتٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ السُّورَةَ مُخْتَلِطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ، ومِنها مَدَنِيٌّ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ. قالَ العَزِيزِيُّ: وهي مِن أعاجِيبِ السُّورِ نَزَلَتْ لَيْلًا ونَهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، سِلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنسُوخًا، مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنادُهُ بِالقَوِيِّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإسْماعِيلِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ في الحَجِّ وقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَّتْ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ، وبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبارَكِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها سَجْدَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ . لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ في خاتِمَةِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى ذِكْرِ الإعادَةِ وما قَبْلَها وما بَعْدَها، بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ القِيامَةِ وأهْوالِها حَثًّا عَلى التَّقْوى الَّتِي هي أنْفَعُ زادٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَهُ بِفِعْلِ ما أمَرَكم بِهِ مِنَ الواجِباتِ وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولَفْظُ النّاسِ يَشْمَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المَوْجُودِينَ ومَن سَيُوجَدُ عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن تَحْقِيقِ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، والزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، وأصْلُها مِن زَلَّ عَنِ المَوْضِعِ: أيْ زالَ عَنْهُ وتَحَرَّكَ، وزَلْزَلَ اللَّهُ قَدَمَهُ: أيْ حَرَّكَها، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ المَعْنى، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، وهي عَلى هَذا: الزَّلْزَلَةُ الَّتِي هي أحَدُ أشْراطِ السّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إنَّها تَكُونُ في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، ومِن بَعْدِها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّ المَصْدَرَ هُنا مُضافٌ إلى الظَّرْفِ، وهو السّاعَةُ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ، أوْ بِتَقْدِيرِ في كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] قِيلَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ (p-٩٥٣)انْتِصابُ الظَّرْفِ بِما بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الزَّلْزَلَةِ: أيْ وقْتَ رُؤْيَتِكم لَها تَذْهَلُ كُلُّ ذاتِ رَضاعٍ عَنْ رَضِيعِها وتَغْفُلُ عَنْهُ. قالَ قُطْرُبٌ: تَذْهَلُ تَشْتَغِلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ضَرْبٌ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
وقِيلَ: تَنْسى، وقِيلَ: تَلْهُو، وقِيلَ: تَسْلُو، وهَذِهِ مَعانِيها مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ما فِيما أرْضَعَتْ بِمَعْنى المَصْدَرِ: أيْ تَذْهَلُ عَنِ الإرْضاعِ، قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ في الدُّنْيا، إذْ لَيْسَ بَعْدَ القِيامَةِ حَمْلٌ وإرْضاعٌ، إلّا أنْ يُقالَ: مَن ماتَتْ حامِلًا فَتَضَعُ حَمْلَها لِلْهَوْلِ، ومَن ماتَتْ مُرْضِعَةً بُعِثَتْ كَذَلِكَ، ويُقالُ هَذا مَثَلٌ كَما يُقالُ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وقِيلَ: يَكُونُ مِنَ النَّفْخَةِ الأُولى، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السّاعَةُ عِبارَةً عَنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾ ومَعْنى [البقرة: ٢١٤] ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أنَّها تُلْقِي جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما أنَّ المُرْضِعَةَ تَتْرُكُ ولَدَها بِغَيْرِ رَضاعٍ لِذَلِكَ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ: أيْ يَراهُمُ الرّائِي كَأنَّهم سُكارى ﴿وما هم بِسُكارى﴾ حَقِيقَةً، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سَكْرى ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها وهُما لُغَتانِ يُجْمَعُ بِهِما سَكْرانُ، مِثْلُ كَسْلى وكُسالى، ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ عَنْهُمُ السُّكْرَ أوْضَحَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ شابَهُوا السُّكارى فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَبِسَبَبِ هَذِهِ الشِّدَّةِ والهَوْلِ العَظِيمِ طاشَتْ عُقُولُهم، واضْطَرَبَتْ أفْهامُهم فَصارُوا كالسُّكارى، بِجامِعِ سَلْبِ كَمالِ التَّمْيِيزِ وصِحَّةِ الإدْراكِ وقُرِئَ وتُرى بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن أرَأيْتُكَ: أيْ تَظُنُّهم سُكارى. قالَ الفَرّاءُ ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ. ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً تَشْمَلُ أهْلَ الجِدالِ كُلَّهم فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] ومَعْنى في اللَّهِ في شَأْنِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ، ومَحَلُّ بِغَيْرِ عِلْمٍ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخاصِمُ في قُدْرَةِ اللَّهِ فَيَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى البَعْثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ، ولا حُجَّةٍ يُدْلِي بِها ويَتَّبِعُ فِيما يَقُولُهُ ويَتَعاطاهُ ويَحْتَجُّ بِهِ ويُجادِلُ عَنْهُ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ أيْ مُتَمَرِّدٍ عَلى اللَّهِ وهو العاتِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والمُرادُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ أوْ رُؤَساءُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَدْعُونَ أشْياعَهم إلى الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ كَثِيرَ الجِدالِ، وكانَ يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ أيْ كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ، وفاعِلُ كُتِبَ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ: أيْ مَنِ اتَّخَذَ ولِيًّا ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ أيْ فَشَأْنُ الشَّيْطانِ أنْ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ جَوابُ الشَّرْطِ إنْ جُعِلَتْ مَن شَرْطِيَّةً أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، فَقَدْ وُصِفَ الشَّيْطانُ بِوَصْفَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ مَرِيدٌ، والثّانِي ما أفادَهُ جُمْلَةُ كُتِبَ عَلَيْهِ إلَخْ. وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يُضِلُّهُ: أيْ يَحْمِلُهُ عَلى مُباشَرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ في عَذابِ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ البَعَثُ بِفَتْحِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، وشَكُّهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وُقُوعِهِ أوْ في إمْكانِهِ. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنَ الإعادَةِ فانْظُرُوا في مَبْدَأِ خَلْقِكم أيْ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ لِيَزُولَ عَنْكُمُ الرَّيْبُ ويَرْتَفِعَ الشَّكُّ وتُدْحَضُ الشُّبْهَةُ الباطِلَةُ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ ثُمَّ خَلَقْناكم مِن نُطْفَةٍ أيْ مِن مَنِيٍّ، سُمِّيَ نُطْفَةً لِقِلَّتِهِ، والنُّطْفَةُ: القَلِيلُ مِنَ الماءِ. وقَدْ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ، والنُّطْفَةُ: القَطْرَةُ، يُقالُ نَطَفَ يَنْطِفُ: أيْ قَطَرَ، ولَيْلَةً نَطُوفٌ: أيْ دائِمَةُ القَطْرِ ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ والعَلَقَةُ: الدَّمُ الجامِدُ، والعَلَقُ: الدَّمُ العَبِيطُ: أيِ الطَّرِيُّ أوِ المُتَجَمِّدِ، وقِيلَ: الشَّدِيدُ الحُمْرَةِ والمُرادُ الدَّمُ الجامِدُ المُتَكَوِّنُ مِنَ المَنِيِّ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ قَدْرُ ما يَمْضُغُ الماضِغُ تَتَكَوَّنُ مِنَ العَلَقَةِ مُخَلَّقَةٍ بِالجَرِّ صِفَةً لِمُضْغَةٍ: أيْ مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ ظاهِرَةِ التَّصْوِيرِ ﴿وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها ولا ظَهَرَ تَصْوِيرُها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّقَةٌ يُرِيدُ قَدْ بَدا خَلْقُهُ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تُصَوَّرْ. قالَ الأكْثَرُ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَهو المُخَلَّقَةُ وهو الَّذِي وُلِدَ لِتَمامٍ، وما سَقَطَ كانَ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ أيْ غَيْرَ حَيٍّ بِإكْمالِ خِلْقَتِهِ بِالرُّوحِ. قالَ الفَرّاءُ: مُخَلَّقَةٌ تامُّ الخَلْقِ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ: السَّقْطُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ ∗∗∗ فَأيْنَ الحَزْمُ ويْحَكَ والحَياءُ
واللّامُ في ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقْنا: أيْ خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِنا بِتَصْرِيفِنا أطْوارَ خَلْقِكم ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ رَوى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ نُقِرَّ عَطْفًا عَلى نُبَيِّنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ نُقِرُّ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ: أيْ ونَحْنُ نُقِرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: نُقِرُّ بِالرَّفْعِ لا غَيْرُ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِرَّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ، ومَعْنى الآيَةِ: ونُثَبِّتُ في الأرْحامِ ما نَشاءُ فَلا يَكُونُ سَقْطًا ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الوِلادَةِ، وقالَ ما نَشاءُ ولَمْ يَقُلْ مَن نَشاءُ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الحَمْلِ وهو جَمادٌ قَبْلَ أنْ يَنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقُرِئَ ( لِيُبَيِّنَ ) ( ويُقِرُّ ) و( يُخْرِجُكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي وثّابٍ ( ما نَشاءُ ) بِكَسْرِ النُّونِ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ أيْ نُخْرِجُكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم طِفْلًا: أيْ أطْفالًا، وإنَّما أفْرَدَهُ إرادَةً لِلْجِنْسِ الشّامِلِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ. قالَ الزَّجّاجُ طِفْلًا في مَعْنى أطْفالًا، ودَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الجَماعَةِ: يَعْنِي في نُخْرِجُكم، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُطْلِقُ اسْمَ الواحِدِ عَلى الجَماعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْحَيْنَنِي مِن حُبِّها ويَلُمْنَنِي ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَسْنَ لِي بِأمِيرٍ
(p-٩٥٤)وقالَ المُبَرِّدُ: هو اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا كالرِّضا والعَدْلِ، فَيَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ١٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ، والطِّفْلُ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ مِن وقْتِ انْفِصالِهِ إلى البُلُوغِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ قِيلَ هو عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناسِبَةٍ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا شَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا إلى الأشُدِّ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ لِتَبْلُغُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى نُبَيِّنَ، والأشُدُّ هو كَمالُ العَقْلِ وكَمالُ القُوَّةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا مُسْتَوْفًى في الأنْعامِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ يَعْنِي قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقُرِئَ ( يَتَوَفّى ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُتَوَفّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ أخَسِّهِ وأدْوَنِهِ، وهو الهَرَمُ والخَرَفُ حَتّى لا يَعْقِلَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَصِيرُ مِن بَعْدِ أنْ كانَ ذا عِلْمٍ بِالأشْياءِ وفَهْمٍ لَها، لا عِلْمَ لَهُ ولا فَهْمَ، ومِثْلهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ﴾ ﴿رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى البَعْثِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ بِإحْياءِ الأرْضِ بِإنْزالِ الماءِ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، والهامِدَةُ اليابِسَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ مَيْتَةٌ يابِسَةٌ كالنّارِ إذا طُفِئَتْ، وقِيلَ: دارِسَةٌ، والهُمُودُ الدُّرُوسُ، ومِنهُ قَوْلِ الأعْشى:
؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ∗∗∗ وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمُودًا
وقِيلَ: هي الَّتِي ذَهَبَ عَنْها النَّدى، وقِيلَ: هالِكَةٌ، ومَعْنى هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ المُرادُ بِالماءِ هُنا المَطَرُ، ومَعْنى اهْتَزَّتْ تَحَرَّكَتْ، والِاهْتِزازُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، يُقالُ هَزَزْتُ الشَّيْءَ فاهْتَزَّ: أيْ حَرَّكْتُهُ فَتَحَرَّكَ: والمَعْنى: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، لِأنَّ النَّباتَ لا يُخْرَجُ مِنها حَتّى يُزِيلَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ إزالَةً حَقِيقَةً، فَسَمّاهُ اهْتِزازًا مَجازًا. وقالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى اهْتَزَّ نَباتُها فَحَذَفَ المُضافَ، واهْتِزازُهُ شِدَّةُ حَرَكَتِهِ، والِاهْتِزازُ في النَّباتِ أظْهَرُ مِنهُ في الأرْضِ، ومَعْنى رَبَتِ ارْتَفَعَتْ، وقِيلَ: انْتَفَخَتْ. والمَعْنى واحِدٌ، وأصْلُهُ الزِّيادَةُ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو رَبْوًا إذا زادَ ومِنهُ الرِّبا والرَّبْوَةُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ ( ورَبَأتْ ) أيِ ارْتَفَعَتْ حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الرّابِيَةِ، وهو الَّذِي يَحْفَظُ القَوْمَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ يُقالُ لَهُ رابِئٌ ورابِئَةٌ ورَبِيئَةٌ وأنْبَتَتْ أيْ أخْرَجَتْ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ ولَوْنٍ مُسْتَحْسَنٍ، والبَهْجَةُ الحُسْنُ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، لَمّا ذَكَرَ افْتِقارَ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَسْخِيرِها عَلى وفْقِ إرادَتِهِ واقْتِدارِهِ. قالَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالاتِ، وهي إثْباتُ أنَّهُ سُبْحانَهُ الحَقُّ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِإحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. والمَعْنى: أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِهَذِهِ الأُمُورِ وأنَّها مِن شَأْنِهِ لا يَدَّعِي غَيْرَهُ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَدَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى أنَّهُ الحَقُّ الحَقِيقِيُّ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وأنَّ وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ مُسْتَفادٌ مِنهُ، والحَقُّ هو المَوْجُودُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَزُولُ، وقِيلَ: ذُو الحَقِّ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ في أفْعالِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ ما وصَفَهُ لَكم وبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ﴿السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، قِيلَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ لا شَكَّ فِيها ولا تَرَدُّدَ، وجُمْلَةُ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلسّاعَةِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ البَعْثِ فَقالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وهو في سَفَرٍ، فَقالَ: أتُدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، قالَ: يا رَبِّ وما بَعَثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، وواحِدًا إلى الجَنَّةِ، فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كَمُلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ، وما مَثَلُكم والأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ، أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وقالَ في آخِرِهِ: «اعْمَلُوا وأبْشِرُوا فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّكم لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتْ مَعَ شَيْءٍ إلّا كَثَّرَتاهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَن ماتَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن بَنِي إبْلِيسَ، فَسُرِّيَ عَنِ القَوْمِ بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ قالَ: اعْمَلُوا وأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما أنْتُمْ في النّاسِ إلّا كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أوْ كالرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ (p-٩٥٥)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وفي آخِرِهِ فَقالَ: «مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفٌ ومِنكم واحِدٌ، وهَلْ أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثَّوْرِ الأبْيَضِ، أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ قالَ: اتَّبَعَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ وشَقِّيٌّ أوْ سَعِيدٌ، فَوالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَها» والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قالَ: المُخَلَّقَةُ ما كانَ حَيًّا، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ ما كانَ سَقْطًا. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قالَ: حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
الحج 22:6
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، هَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنَ القُرْآنِ الحَجُّ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ مَكِّيّاتٍ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ وقِيلَ: أرْبَعُ آياتٍ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ .
وحُكِيَ عَنِ النَّقّاشِ أنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنها عَشْرُ آياتٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ السُّورَةَ مُخْتَلِطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ، ومِنها مَدَنِيٌّ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ. قالَ العَزِيزِيُّ: وهي مِن أعاجِيبِ السُّورِ نَزَلَتْ لَيْلًا ونَهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، سِلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنسُوخًا، مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنادُهُ بِالقَوِيِّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإسْماعِيلِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ في الحَجِّ وقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَّتْ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ، وبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبارَكِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها سَجْدَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ . لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ في خاتِمَةِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى ذِكْرِ الإعادَةِ وما قَبْلَها وما بَعْدَها، بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ القِيامَةِ وأهْوالِها حَثًّا عَلى التَّقْوى الَّتِي هي أنْفَعُ زادٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَهُ بِفِعْلِ ما أمَرَكم بِهِ مِنَ الواجِباتِ وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولَفْظُ النّاسِ يَشْمَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المَوْجُودِينَ ومَن سَيُوجَدُ عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن تَحْقِيقِ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، والزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، وأصْلُها مِن زَلَّ عَنِ المَوْضِعِ: أيْ زالَ عَنْهُ وتَحَرَّكَ، وزَلْزَلَ اللَّهُ قَدَمَهُ: أيْ حَرَّكَها، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ المَعْنى، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، وهي عَلى هَذا: الزَّلْزَلَةُ الَّتِي هي أحَدُ أشْراطِ السّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إنَّها تَكُونُ في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، ومِن بَعْدِها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّ المَصْدَرَ هُنا مُضافٌ إلى الظَّرْفِ، وهو السّاعَةُ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ، أوْ بِتَقْدِيرِ في كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] قِيلَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ (p-٩٥٣)انْتِصابُ الظَّرْفِ بِما بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الزَّلْزَلَةِ: أيْ وقْتَ رُؤْيَتِكم لَها تَذْهَلُ كُلُّ ذاتِ رَضاعٍ عَنْ رَضِيعِها وتَغْفُلُ عَنْهُ. قالَ قُطْرُبٌ: تَذْهَلُ تَشْتَغِلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ضَرْبٌ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
وقِيلَ: تَنْسى، وقِيلَ: تَلْهُو، وقِيلَ: تَسْلُو، وهَذِهِ مَعانِيها مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ما فِيما أرْضَعَتْ بِمَعْنى المَصْدَرِ: أيْ تَذْهَلُ عَنِ الإرْضاعِ، قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ في الدُّنْيا، إذْ لَيْسَ بَعْدَ القِيامَةِ حَمْلٌ وإرْضاعٌ، إلّا أنْ يُقالَ: مَن ماتَتْ حامِلًا فَتَضَعُ حَمْلَها لِلْهَوْلِ، ومَن ماتَتْ مُرْضِعَةً بُعِثَتْ كَذَلِكَ، ويُقالُ هَذا مَثَلٌ كَما يُقالُ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وقِيلَ: يَكُونُ مِنَ النَّفْخَةِ الأُولى، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السّاعَةُ عِبارَةً عَنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾ ومَعْنى [البقرة: ٢١٤] ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أنَّها تُلْقِي جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما أنَّ المُرْضِعَةَ تَتْرُكُ ولَدَها بِغَيْرِ رَضاعٍ لِذَلِكَ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ: أيْ يَراهُمُ الرّائِي كَأنَّهم سُكارى ﴿وما هم بِسُكارى﴾ حَقِيقَةً، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سَكْرى ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها وهُما لُغَتانِ يُجْمَعُ بِهِما سَكْرانُ، مِثْلُ كَسْلى وكُسالى، ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ عَنْهُمُ السُّكْرَ أوْضَحَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ شابَهُوا السُّكارى فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَبِسَبَبِ هَذِهِ الشِّدَّةِ والهَوْلِ العَظِيمِ طاشَتْ عُقُولُهم، واضْطَرَبَتْ أفْهامُهم فَصارُوا كالسُّكارى، بِجامِعِ سَلْبِ كَمالِ التَّمْيِيزِ وصِحَّةِ الإدْراكِ وقُرِئَ وتُرى بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن أرَأيْتُكَ: أيْ تَظُنُّهم سُكارى. قالَ الفَرّاءُ ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ. ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً تَشْمَلُ أهْلَ الجِدالِ كُلَّهم فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] ومَعْنى في اللَّهِ في شَأْنِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ، ومَحَلُّ بِغَيْرِ عِلْمٍ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخاصِمُ في قُدْرَةِ اللَّهِ فَيَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى البَعْثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ، ولا حُجَّةٍ يُدْلِي بِها ويَتَّبِعُ فِيما يَقُولُهُ ويَتَعاطاهُ ويَحْتَجُّ بِهِ ويُجادِلُ عَنْهُ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ أيْ مُتَمَرِّدٍ عَلى اللَّهِ وهو العاتِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والمُرادُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ أوْ رُؤَساءُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَدْعُونَ أشْياعَهم إلى الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ كَثِيرَ الجِدالِ، وكانَ يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ أيْ كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ، وفاعِلُ كُتِبَ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ: أيْ مَنِ اتَّخَذَ ولِيًّا ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ أيْ فَشَأْنُ الشَّيْطانِ أنْ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ جَوابُ الشَّرْطِ إنْ جُعِلَتْ مَن شَرْطِيَّةً أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، فَقَدْ وُصِفَ الشَّيْطانُ بِوَصْفَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ مَرِيدٌ، والثّانِي ما أفادَهُ جُمْلَةُ كُتِبَ عَلَيْهِ إلَخْ. وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يُضِلُّهُ: أيْ يَحْمِلُهُ عَلى مُباشَرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ في عَذابِ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ البَعَثُ بِفَتْحِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، وشَكُّهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وُقُوعِهِ أوْ في إمْكانِهِ. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنَ الإعادَةِ فانْظُرُوا في مَبْدَأِ خَلْقِكم أيْ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ لِيَزُولَ عَنْكُمُ الرَّيْبُ ويَرْتَفِعَ الشَّكُّ وتُدْحَضُ الشُّبْهَةُ الباطِلَةُ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ ثُمَّ خَلَقْناكم مِن نُطْفَةٍ أيْ مِن مَنِيٍّ، سُمِّيَ نُطْفَةً لِقِلَّتِهِ، والنُّطْفَةُ: القَلِيلُ مِنَ الماءِ. وقَدْ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ، والنُّطْفَةُ: القَطْرَةُ، يُقالُ نَطَفَ يَنْطِفُ: أيْ قَطَرَ، ولَيْلَةً نَطُوفٌ: أيْ دائِمَةُ القَطْرِ ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ والعَلَقَةُ: الدَّمُ الجامِدُ، والعَلَقُ: الدَّمُ العَبِيطُ: أيِ الطَّرِيُّ أوِ المُتَجَمِّدِ، وقِيلَ: الشَّدِيدُ الحُمْرَةِ والمُرادُ الدَّمُ الجامِدُ المُتَكَوِّنُ مِنَ المَنِيِّ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ قَدْرُ ما يَمْضُغُ الماضِغُ تَتَكَوَّنُ مِنَ العَلَقَةِ مُخَلَّقَةٍ بِالجَرِّ صِفَةً لِمُضْغَةٍ: أيْ مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ ظاهِرَةِ التَّصْوِيرِ ﴿وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها ولا ظَهَرَ تَصْوِيرُها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّقَةٌ يُرِيدُ قَدْ بَدا خَلْقُهُ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تُصَوَّرْ. قالَ الأكْثَرُ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَهو المُخَلَّقَةُ وهو الَّذِي وُلِدَ لِتَمامٍ، وما سَقَطَ كانَ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ أيْ غَيْرَ حَيٍّ بِإكْمالِ خِلْقَتِهِ بِالرُّوحِ. قالَ الفَرّاءُ: مُخَلَّقَةٌ تامُّ الخَلْقِ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ: السَّقْطُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ ∗∗∗ فَأيْنَ الحَزْمُ ويْحَكَ والحَياءُ
واللّامُ في ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقْنا: أيْ خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِنا بِتَصْرِيفِنا أطْوارَ خَلْقِكم ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ رَوى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ نُقِرَّ عَطْفًا عَلى نُبَيِّنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ نُقِرُّ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ: أيْ ونَحْنُ نُقِرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: نُقِرُّ بِالرَّفْعِ لا غَيْرُ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِرَّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ، ومَعْنى الآيَةِ: ونُثَبِّتُ في الأرْحامِ ما نَشاءُ فَلا يَكُونُ سَقْطًا ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الوِلادَةِ، وقالَ ما نَشاءُ ولَمْ يَقُلْ مَن نَشاءُ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الحَمْلِ وهو جَمادٌ قَبْلَ أنْ يَنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقُرِئَ ( لِيُبَيِّنَ ) ( ويُقِرُّ ) و( يُخْرِجُكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي وثّابٍ ( ما نَشاءُ ) بِكَسْرِ النُّونِ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ أيْ نُخْرِجُكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم طِفْلًا: أيْ أطْفالًا، وإنَّما أفْرَدَهُ إرادَةً لِلْجِنْسِ الشّامِلِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ. قالَ الزَّجّاجُ طِفْلًا في مَعْنى أطْفالًا، ودَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الجَماعَةِ: يَعْنِي في نُخْرِجُكم، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُطْلِقُ اسْمَ الواحِدِ عَلى الجَماعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْحَيْنَنِي مِن حُبِّها ويَلُمْنَنِي ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَسْنَ لِي بِأمِيرٍ
(p-٩٥٤)وقالَ المُبَرِّدُ: هو اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا كالرِّضا والعَدْلِ، فَيَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ١٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ، والطِّفْلُ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ مِن وقْتِ انْفِصالِهِ إلى البُلُوغِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ قِيلَ هو عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناسِبَةٍ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا شَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا إلى الأشُدِّ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ لِتَبْلُغُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى نُبَيِّنَ، والأشُدُّ هو كَمالُ العَقْلِ وكَمالُ القُوَّةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا مُسْتَوْفًى في الأنْعامِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ يَعْنِي قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقُرِئَ ( يَتَوَفّى ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُتَوَفّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ أخَسِّهِ وأدْوَنِهِ، وهو الهَرَمُ والخَرَفُ حَتّى لا يَعْقِلَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَصِيرُ مِن بَعْدِ أنْ كانَ ذا عِلْمٍ بِالأشْياءِ وفَهْمٍ لَها، لا عِلْمَ لَهُ ولا فَهْمَ، ومِثْلهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ﴾ ﴿رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى البَعْثِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ بِإحْياءِ الأرْضِ بِإنْزالِ الماءِ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، والهامِدَةُ اليابِسَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ مَيْتَةٌ يابِسَةٌ كالنّارِ إذا طُفِئَتْ، وقِيلَ: دارِسَةٌ، والهُمُودُ الدُّرُوسُ، ومِنهُ قَوْلِ الأعْشى:
؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ∗∗∗ وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمُودًا
وقِيلَ: هي الَّتِي ذَهَبَ عَنْها النَّدى، وقِيلَ: هالِكَةٌ، ومَعْنى هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ المُرادُ بِالماءِ هُنا المَطَرُ، ومَعْنى اهْتَزَّتْ تَحَرَّكَتْ، والِاهْتِزازُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، يُقالُ هَزَزْتُ الشَّيْءَ فاهْتَزَّ: أيْ حَرَّكْتُهُ فَتَحَرَّكَ: والمَعْنى: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، لِأنَّ النَّباتَ لا يُخْرَجُ مِنها حَتّى يُزِيلَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ إزالَةً حَقِيقَةً، فَسَمّاهُ اهْتِزازًا مَجازًا. وقالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى اهْتَزَّ نَباتُها فَحَذَفَ المُضافَ، واهْتِزازُهُ شِدَّةُ حَرَكَتِهِ، والِاهْتِزازُ في النَّباتِ أظْهَرُ مِنهُ في الأرْضِ، ومَعْنى رَبَتِ ارْتَفَعَتْ، وقِيلَ: انْتَفَخَتْ. والمَعْنى واحِدٌ، وأصْلُهُ الزِّيادَةُ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو رَبْوًا إذا زادَ ومِنهُ الرِّبا والرَّبْوَةُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ ( ورَبَأتْ ) أيِ ارْتَفَعَتْ حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الرّابِيَةِ، وهو الَّذِي يَحْفَظُ القَوْمَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ يُقالُ لَهُ رابِئٌ ورابِئَةٌ ورَبِيئَةٌ وأنْبَتَتْ أيْ أخْرَجَتْ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ ولَوْنٍ مُسْتَحْسَنٍ، والبَهْجَةُ الحُسْنُ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، لَمّا ذَكَرَ افْتِقارَ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَسْخِيرِها عَلى وفْقِ إرادَتِهِ واقْتِدارِهِ. قالَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالاتِ، وهي إثْباتُ أنَّهُ سُبْحانَهُ الحَقُّ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِإحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. والمَعْنى: أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِهَذِهِ الأُمُورِ وأنَّها مِن شَأْنِهِ لا يَدَّعِي غَيْرَهُ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَدَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى أنَّهُ الحَقُّ الحَقِيقِيُّ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وأنَّ وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ مُسْتَفادٌ مِنهُ، والحَقُّ هو المَوْجُودُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَزُولُ، وقِيلَ: ذُو الحَقِّ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ في أفْعالِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ ما وصَفَهُ لَكم وبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ﴿السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، قِيلَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ لا شَكَّ فِيها ولا تَرَدُّدَ، وجُمْلَةُ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلسّاعَةِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ البَعْثِ فَقالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وهو في سَفَرٍ، فَقالَ: أتُدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، قالَ: يا رَبِّ وما بَعَثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، وواحِدًا إلى الجَنَّةِ، فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كَمُلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ، وما مَثَلُكم والأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ، أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وقالَ في آخِرِهِ: «اعْمَلُوا وأبْشِرُوا فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّكم لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتْ مَعَ شَيْءٍ إلّا كَثَّرَتاهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَن ماتَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن بَنِي إبْلِيسَ، فَسُرِّيَ عَنِ القَوْمِ بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ قالَ: اعْمَلُوا وأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما أنْتُمْ في النّاسِ إلّا كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أوْ كالرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ (p-٩٥٥)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وفي آخِرِهِ فَقالَ: «مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفٌ ومِنكم واحِدٌ، وهَلْ أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثَّوْرِ الأبْيَضِ، أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ قالَ: اتَّبَعَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ وشَقِّيٌّ أوْ سَعِيدٌ، فَوالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَها» والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قالَ: المُخَلَّقَةُ ما كانَ حَيًّا، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ ما كانَ سَقْطًا. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قالَ: حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
الحج 22:7
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، هَلْ هي مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ ؟ فَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنَ القُرْآنِ الحَجُّ غَيْرَ أرْبَعِ آياتٍ مَكِّيّاتٍ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ وقِيلَ: أرْبَعُ آياتٍ إلى قَوْلِهِ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ .
وحُكِيَ عَنِ النَّقّاشِ أنَّهُ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ مِنها عَشْرُ آياتٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ السُّورَةَ مُخْتَلِطَةٌ، مِنها مَكِّيٌّ، ومِنها مَدَنِيٌّ. قالَ: وهَذا هو الصَّحِيحُ. قالَ العَزِيزِيُّ: وهي مِن أعاجِيبِ السُّورِ نَزَلَتْ لَيْلًا ونَهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، مَكِّيًّا ومَدَنِيًّا، سِلْمِيًّا وحَرْبِيًّا، ناسِخًا ومَنسُوخًا، مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أفُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَمَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنادُهُ بِالقَوِيِّ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ عَلى القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والإسْماعِيلِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ في الحَجِّ وقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ فُضِّلَّتْ عَلى سائِرِ القُرْآنِ بِسَجْدَتَيْنِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ، وبِهِ يَقُولُ ابْنُ المُبارَكِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّ فِيها سَجْدَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ فَأنَّهُ يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ . لَمّا انْجَرَّ الكَلامُ في خاتِمَةِ السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ إلى ذِكْرِ الإعادَةِ وما قَبْلَها وما بَعْدَها، بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِذِكْرِ القِيامَةِ وأهْوالِها حَثًّا عَلى التَّقْوى الَّتِي هي أنْفَعُ زادٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَهُ بِفِعْلِ ما أمَرَكم بِهِ مِنَ الواجِباتِ وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولَفْظُ النّاسِ يَشْمَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المَوْجُودِينَ ومَن سَيُوجَدُ عَلى ما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ، وقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن تَحْقِيقِ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، والزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، وأصْلُها مِن زَلَّ عَنِ المَوْضِعِ: أيْ زالَ عَنْهُ وتَحَرَّكَ، وزَلْزَلَ اللَّهُ قَدَمَهُ: أيْ حَرَّكَها، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ المَعْنى، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، وهي عَلى هَذا: الزَّلْزَلَةُ الَّتِي هي أحَدُ أشْراطِ السّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إنَّها تَكُونُ في النِّصْفِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، ومِن بَعْدِها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّ المَصْدَرَ هُنا مُضافٌ إلى الظَّرْفِ، وهو السّاعَةُ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ، أوْ بِتَقْدِيرِ في كَما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] قِيلَ وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ (p-٩٥٣)انْتِصابُ الظَّرْفِ بِما بَعْدَهُ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الزَّلْزَلَةِ: أيْ وقْتَ رُؤْيَتِكم لَها تَذْهَلُ كُلُّ ذاتِ رَضاعٍ عَنْ رَضِيعِها وتَغْفُلُ عَنْهُ. قالَ قُطْرُبٌ: تَذْهَلُ تَشْتَغِلُ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ضَرْبٌ يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
وقِيلَ: تَنْسى، وقِيلَ: تَلْهُو، وقِيلَ: تَسْلُو، وهَذِهِ مَعانِيها مُتَقارِبَةٌ. قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ما فِيما أرْضَعَتْ بِمَعْنى المَصْدَرِ: أيْ تَذْهَلُ عَنِ الإرْضاعِ، قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ في الدُّنْيا، إذْ لَيْسَ بَعْدَ القِيامَةِ حَمْلٌ وإرْضاعٌ، إلّا أنْ يُقالَ: مَن ماتَتْ حامِلًا فَتَضَعُ حَمْلَها لِلْهَوْلِ، ومَن ماتَتْ مُرْضِعَةً بُعِثَتْ كَذَلِكَ، ويُقالُ هَذا مَثَلٌ كَما يُقالُ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وقِيلَ: يَكُونُ مِنَ النَّفْخَةِ الأُولى، قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ السّاعَةُ عِبارَةً عَنْ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا﴾ ومَعْنى [البقرة: ٢١٤] ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أنَّها تُلْقِي جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، كَما أنَّ المُرْضِعَةَ تَتْرُكُ ولَدَها بِغَيْرِ رَضاعٍ لِذَلِكَ ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ خِطابٌ لِكُلِّ واحِدٍ: أيْ يَراهُمُ الرّائِي كَأنَّهم سُكارى ﴿وما هم بِسُكارى﴾ حَقِيقَةً، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( سَكْرى ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِها وهُما لُغَتانِ يُجْمَعُ بِهِما سَكْرانُ، مِثْلُ كَسْلى وكُسالى، ولَمّا نَفى سُبْحانَهُ عَنْهُمُ السُّكْرَ أوْضَحَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ شابَهُوا السُّكارى فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَبِسَبَبِ هَذِهِ الشِّدَّةِ والهَوْلِ العَظِيمِ طاشَتْ عُقُولُهم، واضْطَرَبَتْ أفْهامُهم فَصارُوا كالسُّكارى، بِجامِعِ سَلْبِ كَمالِ التَّمْيِيزِ وصِحَّةِ الإدْراكِ وقُرِئَ وتُرى بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن أرَأيْتُكَ: أيْ تَظُنُّهم سُكارى. قالَ الفَرّاءُ ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهٌ جَيِّدٌ في العَرَبِيَّةِ. ثُمَّ لَمّا أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ قَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ مُقَدِّمَةً تَشْمَلُ أهْلَ الجِدالِ كُلَّهم فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ إعْرابُ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ [البقرة: ٨] ومَعْنى في اللَّهِ في شَأْنِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ، ومَحَلُّ بِغَيْرِ عِلْمٍ النَّصْبُ عَلى الحالِ. والمَعْنى: أنَّهُ يُخاصِمُ في قُدْرَةِ اللَّهِ فَيَزْعُمُ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى البَعْثِ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ، ولا حُجَّةٍ يُدْلِي بِها ويَتَّبِعُ فِيما يَقُولُهُ ويَتَعاطاهُ ويَحْتَجُّ بِهِ ويُجادِلُ عَنْهُ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ أيْ مُتَمَرِّدٍ عَلى اللَّهِ وهو العاتِي، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُلُوِّهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والمُرادُ إبْلِيسُ وجُنُودُهُ أوْ رُؤَساءُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَدْعُونَ أشْياعَهم إلى الكُفْرِ. وقالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ كَثِيرَ الجِدالِ، وكانَ يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ.
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ أيْ كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ، وفاعِلُ كُتِبَ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ: أيْ مَنِ اتَّخَذَ ولِيًّا ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ أيْ فَشَأْنُ الشَّيْطانِ أنْ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ أنَّهُ يُضِلُّهُ جَوابُ الشَّرْطِ إنْ جُعِلَتْ مَن شَرْطِيَّةً أوْ خَبَرُ المَوْصُولِ إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، فَقَدْ وُصِفَ الشَّيْطانُ بِوَصْفَيْنِ: الأوَّلُ أنَّهُ مَرِيدٌ، والثّانِي ما أفادَهُ جُمْلَةُ كُتِبَ عَلَيْهِ إلَخْ. وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يُضِلُّهُ: أيْ يَحْمِلُهُ عَلى مُباشَرَةِ ما يَصِيرُ بِهِ في عَذابِ السَّعِيرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ بَعْدَ فَراغِهِ مِن تِلْكَ المُقَدِّمَةِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ قَرَأ الحَسَنُ البَعَثُ بِفَتْحِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالسُّكُونِ، وشَكُّهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وُقُوعِهِ أوْ في إمْكانِهِ. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنَ الإعادَةِ فانْظُرُوا في مَبْدَأِ خَلْقِكم أيْ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ لِيَزُولَ عَنْكُمُ الرَّيْبُ ويَرْتَفِعَ الشَّكُّ وتُدْحَضُ الشُّبْهَةُ الباطِلَةُ ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ أبِيكم آدَمَ ثُمَّ خَلَقْناكم مِن نُطْفَةٍ أيْ مِن مَنِيٍّ، سُمِّيَ نُطْفَةً لِقِلَّتِهِ، والنُّطْفَةُ: القَلِيلُ مِنَ الماءِ. وقَدْ يَقَعُ عَلى الكَثِيرِ مِنهُ، والنُّطْفَةُ: القَطْرَةُ، يُقالُ نَطَفَ يَنْطِفُ: أيْ قَطَرَ، ولَيْلَةً نَطُوفٌ: أيْ دائِمَةُ القَطْرِ ﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ والعَلَقَةُ: الدَّمُ الجامِدُ، والعَلَقُ: الدَّمُ العَبِيطُ: أيِ الطَّرِيُّ أوِ المُتَجَمِّدِ، وقِيلَ: الشَّدِيدُ الحُمْرَةِ والمُرادُ الدَّمُ الجامِدُ المُتَكَوِّنُ مِنَ المَنِيِّ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ وهي القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ قَدْرُ ما يَمْضُغُ الماضِغُ تَتَكَوَّنُ مِنَ العَلَقَةِ مُخَلَّقَةٍ بِالجَرِّ صِفَةً لِمُضْغَةٍ: أيْ مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ ظاهِرَةِ التَّصْوِيرِ ﴿وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها ولا ظَهَرَ تَصْوِيرُها. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: مُخَلَّقَةٌ يُرِيدُ قَدْ بَدا خَلْقُهُ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تُصَوَّرْ. قالَ الأكْثَرُ: ما أُكْمِلَ خَلْقُهُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَهو المُخَلَّقَةُ وهو الَّذِي وُلِدَ لِتَمامٍ، وما سَقَطَ كانَ غَيْرَ مُخَلَّقَةٍ أيْ غَيْرَ حَيٍّ بِإكْمالِ خِلْقَتِهِ بِالرُّوحِ. قالَ الفَرّاءُ: مُخَلَّقَةٌ تامُّ الخَلْقِ، وغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ: السَّقْطُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أفِي غَيْرِ المُخَلَّقَةِ البُكاءُ ∗∗∗ فَأيْنَ الحَزْمُ ويْحَكَ والحَياءُ
واللّامُ في ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلَقْنا: أيْ خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ لِنُبَيِّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِنا بِتَصْرِيفِنا أطْوارَ خَلْقِكم ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ رَوى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ نُقِرَّ عَطْفًا عَلى نُبَيِّنَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ نُقِرُّ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ: أيْ ونَحْنُ نُقِرُّ. قالَ الزَّجّاجُ: نُقِرُّ بِالرَّفْعِ لا غَيْرُ، لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِرَّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ، ومَعْنى الآيَةِ: ونُثَبِّتُ في الأرْحامِ ما نَشاءُ فَلا يَكُونُ سَقْطًا ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ الوِلادَةِ، وقالَ ما نَشاءُ ولَمْ يَقُلْ مَن نَشاءُ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى الحَمْلِ وهو جَمادٌ قَبْلَ أنْ يَنْفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وقُرِئَ ( لِيُبَيِّنَ ) ( ويُقِرُّ ) و( يُخْرِجُكم ) بِالتَّحْتِيَّةِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي وثّابٍ ( ما نَشاءُ ) بِكَسْرِ النُّونِ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ أيْ نُخْرِجُكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم طِفْلًا: أيْ أطْفالًا، وإنَّما أفْرَدَهُ إرادَةً لِلْجِنْسِ الشّامِلِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ. قالَ الزَّجّاجُ طِفْلًا في مَعْنى أطْفالًا، ودَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الجَماعَةِ: يَعْنِي في نُخْرِجُكم، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُطْلِقُ اسْمَ الواحِدِ عَلى الجَماعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يَلْحَيْنَنِي مِن حُبِّها ويَلُمْنَنِي ∗∗∗ إنَّ العَواذِلَ لَسْنَ لِي بِأمِيرٍ
(p-٩٥٤)وقالَ المُبَرِّدُ: هو اسْمٌ يُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا كالرِّضا والعَدْلِ، فَيَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ١٣] . قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ بِالتَّأْوِيلِ المَذْكُورِ، والطِّفْلُ يُطْلَقُ عَلى الصَّغِيرِ مِن وقْتِ انْفِصالِهِ إلى البُلُوغِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ قِيلَ هو عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مُناسِبَةٍ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا شَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا إلى الأشُدِّ، وقِيلَ: إنَّ ثُمَّ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ لِتَبْلُغُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى نُبَيِّنَ، والأشُدُّ هو كَمالُ العَقْلِ وكَمالُ القُوَّةِ والتَّمْيِيزِ، قِيلَ وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا مُسْتَوْفًى في الأنْعامِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ يَعْنِي قَبْلَ بُلُوغِ الأشُدِّ، وقُرِئَ ( يَتَوَفّى ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُتَوَفّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ أيْ أخَسِّهِ وأدْوَنِهِ، وهو الهَرَمُ والخَرَفُ حَتّى لا يَعْقِلَ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَصِيرُ مِن بَعْدِ أنْ كانَ ذا عِلْمٍ بِالأشْياءِ وفَهْمٍ لَها، لا عِلْمَ لَهُ ولا فَهْمَ، ومِثْلهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ﴾ ﴿رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾ [يس: ٦٨]، ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى البَعْثِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ بِإحْياءِ الأرْضِ بِإنْزالِ الماءِ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ، والهامِدَةُ اليابِسَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ مَيْتَةٌ يابِسَةٌ كالنّارِ إذا طُفِئَتْ، وقِيلَ: دارِسَةٌ، والهُمُودُ الدُّرُوسُ، ومِنهُ قَوْلِ الأعْشى:
؎قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبًا ∗∗∗ وأرى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمُودًا
وقِيلَ: هي الَّتِي ذَهَبَ عَنْها النَّدى، وقِيلَ: هالِكَةٌ، ومَعْنى هَذِهِ الأقْوالُ مُتَقارِبَةٌ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ المُرادُ بِالماءِ هُنا المَطَرُ، ومَعْنى اهْتَزَّتْ تَحَرَّكَتْ، والِاهْتِزازُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، يُقالُ هَزَزْتُ الشَّيْءَ فاهْتَزَّ: أيْ حَرَّكْتُهُ فَتَحَرَّكَ: والمَعْنى: تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، لِأنَّ النَّباتَ لا يُخْرَجُ مِنها حَتّى يُزِيلَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ إزالَةً حَقِيقَةً، فَسَمّاهُ اهْتِزازًا مَجازًا. وقالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى اهْتَزَّ نَباتُها فَحَذَفَ المُضافَ، واهْتِزازُهُ شِدَّةُ حَرَكَتِهِ، والِاهْتِزازُ في النَّباتِ أظْهَرُ مِنهُ في الأرْضِ، ومَعْنى رَبَتِ ارْتَفَعَتْ، وقِيلَ: انْتَفَخَتْ. والمَعْنى واحِدٌ، وأصْلُهُ الزِّيادَةُ، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو رَبْوًا إذا زادَ ومِنهُ الرِّبا والرَّبْوَةُ. وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ وخالِدُ بْنُ إلْياسَ ( ورَبَأتْ ) أيِ ارْتَفَعَتْ حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الرّابِيَةِ، وهو الَّذِي يَحْفَظُ القَوْمَ عَلى مَكانٍ مُشْرِفٍ يُقالُ لَهُ رابِئٌ ورابِئَةٌ ورَبِيئَةٌ وأنْبَتَتْ أيْ أخْرَجَتْ ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أيْ مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ ولَوْنٍ مُسْتَحْسَنٍ، والبَهْجَةُ الحُسْنُ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، لَمّا ذَكَرَ افْتِقارَ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَسْخِيرِها عَلى وفْقِ إرادَتِهِ واقْتِدارِهِ. قالَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالاتِ، وهي إثْباتُ أنَّهُ سُبْحانَهُ الحَقُّ، وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِإحْياءِ المَوْتى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. والمَعْنى: أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِهَذِهِ الأُمُورِ وأنَّها مِن شَأْنِهِ لا يَدَّعِي غَيْرَهُ أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَدَلَّ سُبْحانَهُ بِهَذا عَلى أنَّهُ الحَقُّ الحَقِيقِيُّ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، وأنَّ وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ مُسْتَفادٌ مِنهُ، والحَقُّ هو المَوْجُودُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ ولا يَزُولُ، وقِيلَ: ذُو الحَقِّ عَلى عِبادِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ في أفْعالِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ذَلِكَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ ما وصَفَهُ لَكم وبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّ ﴿السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، قِيلَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ فِعْلٍ: أيْ ولِتَعْلَمُوا أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ أيْ لا شَكَّ فِيها ولا تَرَدُّدَ، وجُمْلَةُ ﴿لا رَيْبَ فِيها﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلسّاعَةِ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنِ البَعْثِ فَقالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وهو في سَفَرٍ، فَقالَ: أتُدْرُونَ أيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ ابْعَثْ بَعْثَ النّارِ، قالَ: يا رَبِّ وما بَعَثُ النّارِ ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ إلى النّارِ، وواحِدًا إلى الجَنَّةِ، فَأنْشَأ المُسْلِمُونَ يَبْكُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: قارِبُوا وسَدِّدُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إلّا كانَ بَيْنَ يَدَيْها جاهِلِيَّةٌ فَتُؤْخَذُ العُدَّةُ مِنَ الجاهِلِيَّةِ، فَإنْ تَمَّتْ وإلّا كَمُلَتْ مِنَ المُنافِقِينَ، وما مَثَلُكم والأُمَمِ إلّا كَمَثَلِ الرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ، أوْ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي أرْجُو أنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ قالَ: إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَبَّرُوا، قالَ: ولا أدْرِي قالَ الثُّلُثَيْنِ أمْ لا» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وقالَ في آخِرِهِ: «اعْمَلُوا وأبْشِرُوا فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّكم لَمَعَ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتْ مَعَ شَيْءٍ إلّا كَثَّرَتاهُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَن ماتَ مِن بَنِي آدَمَ ومِن بَنِي إبْلِيسَ، فَسُرِّيَ عَنِ القَوْمِ بَعْضُ الَّذِي يَجِدُونَ قالَ: اعْمَلُوا وأبْشِرُوا، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما أنْتُمْ في النّاسِ إلّا كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أوْ كالرَّقْمَةِ في ذِراعِ الدّابَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ النَّبِيُّ (p-٩٥٥)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وفي آخِرِهِ فَقالَ: «مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفٌ ومِنكم واحِدٌ، وهَلْ أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثَّوْرِ الأبْيَضِ، أوْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قالَ: كُتِبَ عَلى الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ ﴿أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ﴾ قالَ: اتَّبَعَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهو الصّادِقُ المَصْدُوقُ «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إلَيْهِ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ وشَقِّيٌّ أوْ سَعِيدٌ، فَوالَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَها» والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قالَ: المُخَلَّقَةُ ما كانَ حَيًّا، وغَيْرُ المُخَلَّقَةِ ما كانَ سَقْطًا. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قالَ: حَسَنٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ دَخَلَ الجَنَّةَ.
الحج 22:8
.
قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِ اللَّهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا. ومَعْنى اللَّفْظِ: ومِنَ النّاسِ فَرِيقٌ يُجادِلُ في اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُجادِلٍ في ذاتِ اللَّهِ، أوْ صِفاتِهِ أوْ شَرائِعِهِ الواضِحَةِ، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ والمُرادُ بِالعِلْمِ هو العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ الِاسْتِدْلالِيُّ. والأوْلى حَمْلُ العَمَلِ عَلى العُمُومِ، وحَمْلُ الهُدى عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وهو الإرْشادُ. والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ هو القُرْآنُ، والمُنِيرُ النَّيِّرُ البَيِّنُ الحُجَّةِ الواضِحُ البُرْهانِ، وهو وإنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ كَإفْرادِ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ الفَرْدَ الكامِلَ الفائِقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العِلْمِ. وأمّا مَن حَمَلَ العِلْمَ عَلى الضَّرُورِيِّ والهُدى عَلى الِاسْتِدْلالِيِّ، فَقَدْ حَمَلَ الكِتابَ هُنا عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ضَرُورِيًّا كانَ أوِ اسْتِدْلالِيًّا، ومُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِأقْسامِهِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. قِيلَ والمُرادُ بِهَذا المُجادِلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو المُجادِلُ في الآيَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وبِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تَذُمُّهُ وتُوَبِّخُهُ أنْتَ فَعَلَتْ هَذا أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِكَوْنِهِ وصَفَهُ في كُلِّ آيَةٍ بِزِيادَةٍ عَلى ما وصَفَهُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في المُقَلِّدِينَ اسْمُ فاعِلٍ. والثّانِيَةُ في المُقَلِّدِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ. والثّانِيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ إضْلالٍ وجِدالٍ، وانْتِصابُ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُجادِلُ، والعِطْفُ الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ جانِباهُ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْوِي عُنُقَهُ مَرَحًا وتَكَبُّرًا، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. قالَ وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ. والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ مُتَكَبِّرًا. قالَ المُبَرِّدُ: العِطْفُ ما انْثَنى مِنَ العُنُقِ. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ الإعْراضُ: أيْ مُعْرِضًا عَنِ الذَّكَرِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ وغَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ: أيْ إنَّ غَرَضَهُ هو الإضْلالُ عَنِ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنْ تَكُونَ اللّامُ هي لامَ العاقِبَةِ كَأنَّهُ جَعَلَ ضَلالَهُ غايَةً لِجِدالِهِ، وجُمْلَةُ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ جِدالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ. والخِزْيُ الذُّلُّ، وذَلِكَ بِما يَنالُهُ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وسُوءِ الذِّكْرِ عَلى ألْسُنِ النّاسَ. وقِيلَ: الخِزْيُ الدُّنْيَوِيُّ هو القَتْلُ كَما وقَعَ في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ عَذابَ النّارِ المُحْرِقَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ (p-٩٥٦)والأُخْرَوِيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ . والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ ذَلِكَ العَذابُ النّازِلُ بِكَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنْ جُمْلَةِ البَدَنِ لِكَوْنِ مُباشَرَةِ المَعاصِي تَكُونُ بِها في الغالِبِ، ومَحَلُّ أنَّ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ عِبادَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُهُ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هَذا بَيانٌ لِشِقاقِ أهْلِ الشِّقاقِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الحَرْفُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مِن حَرْفِ الشَّيْءِ وهو طَرَفُهُ، مِثْلُ حَرْفِ الجَبَلِ والحائِطِ، فَإنَّ القائِمَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي هو عَلى حَرْفِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا ويَضْعُفُ قِيامُهُ، فَقِيلَ لِلشّاكِّ في دِينِهِ إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ يَقِينٍ مِن وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ لِأنَّهُ يَعْبُدُهُ عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلى حَرْفٍ. وقِيلَ: الحَرْفُ الشَّرْطُ: أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى شَرْطٍ، والشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ خَيْرٌ دُنْيَوِيٌّ مِن رَخاءٍ وعافِيَةٍ وخِصْبٍ وكَثْرَةِ مالٍ، ومَعْنى اطْمَأنَّ بِهِ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ واسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ، أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِذَلِكَ الخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ في أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ نَفْسِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لِبانِ الأدْهَمِ
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ: أيْ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدَّعُوهُ وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى يَدْعُو، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ لَبِئْسَ المَوْلى. قالَ: وهَذا لِأنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ فَجَعَلَها أوَّلَ الكَلامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو مُكَرَّرَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى جِهَةِ تَكْثِيرِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّعاءُ: أيْ يَدْعُو ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو. مِثْلَ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ القَسَمُ، واللّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، والتَّقْدِيرُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَيَدْعُو، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، ومِنَ التَّصَرُّفِ في اللّامِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎خالِيَ لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأخْوالا
أيْ لَخالِي أنْتَ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى لَنا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ إلَهًا. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُ هَذا القَوْلَ غَلَطًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ ما قَبْلَ اللّامِ هَذِهِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا والقَفّالُ اللّامُ صِلَةٌ: أيْ زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: أيْ يَعْبُدُهُ، وهَكَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللّامِ، وتَكُونُ اللّامُ في لَبِئْسَ المَوْلى وفي لَبِئْسَ العَشِيرُ عَلى هَذا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَمّا فَرَغَ مَن ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حِرَفٍ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم هَذِهِ الجَنّاتِ المُتَّصِفَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَيُثِيبُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ النَّصْرَ الَّذِي (p-٩٥٧)أُوتِيَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْ حِيلَةً يَصِلُ بِها إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعَ أيْ ثُمَّ لِيَقْطَعَ النَّصْرَ إنْ تَهَيَّأ لَهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ مِن نَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ ثُمَّ لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، والمَعْنى: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتّى يَمُوتَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ ومُظْهِرُهُ، ولا يَنْفَعَهُ غَيْظُهُ، ومَعْنى فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ: أيْ صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ: أيْ غَيْظَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في يَنْصُرُهُ يَعُودُ إلى مَن، والمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَرْزُقُهُ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الدِّينِ: أيْ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ دِينَهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإسْكانِ اللّامِ في ثُمَّ لِيَقْطَعْ قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْناهُ آياتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَدْلُولاتِها ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتُهُ ابْتِداءً أوْ زِيادَةً فِيها لِمَن كانَ مَهْدِيًّا مِن قَبْلُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: لاوِيَ عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المُعْرِضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وأنْتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتَهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْلِمُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى بِلادِهِمْ، فَإنْ وجَدُوا عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ قالُوا: إنَّ دِينَنا هَذا لِصالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وإنْ وجَدُوا عامَ جَدْبٍ وعامَ وِلادِ سُوءٍ وعامَ قَحْطٍ قالُوا: ما في دِينِنا هَذا خَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أقِلْنِي أقِلْنِي، قالَ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي، فَقالَ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارَ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَنَزَلَتْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قالَ: فَلْيُرْبَطْ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَّماءِ﴾ قالَ: إلى سَماءِ بَيْتِهِ السَّقْفُ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قالَ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتّى يَمُوتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَأْخُذْ حَبْلًا فَلْيَرْبُطْهُ في سَماءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أوْ يَأْتِيهِ بِرِزْقٍ.
الحج 22:9
.
قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِ اللَّهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا. ومَعْنى اللَّفْظِ: ومِنَ النّاسِ فَرِيقٌ يُجادِلُ في اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُجادِلٍ في ذاتِ اللَّهِ، أوْ صِفاتِهِ أوْ شَرائِعِهِ الواضِحَةِ، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ والمُرادُ بِالعِلْمِ هو العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ الِاسْتِدْلالِيُّ. والأوْلى حَمْلُ العَمَلِ عَلى العُمُومِ، وحَمْلُ الهُدى عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وهو الإرْشادُ. والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ هو القُرْآنُ، والمُنِيرُ النَّيِّرُ البَيِّنُ الحُجَّةِ الواضِحُ البُرْهانِ، وهو وإنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ كَإفْرادِ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ الفَرْدَ الكامِلَ الفائِقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العِلْمِ. وأمّا مَن حَمَلَ العِلْمَ عَلى الضَّرُورِيِّ والهُدى عَلى الِاسْتِدْلالِيِّ، فَقَدْ حَمَلَ الكِتابَ هُنا عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ضَرُورِيًّا كانَ أوِ اسْتِدْلالِيًّا، ومُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِأقْسامِهِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. قِيلَ والمُرادُ بِهَذا المُجادِلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو المُجادِلُ في الآيَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وبِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تَذُمُّهُ وتُوَبِّخُهُ أنْتَ فَعَلَتْ هَذا أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِكَوْنِهِ وصَفَهُ في كُلِّ آيَةٍ بِزِيادَةٍ عَلى ما وصَفَهُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في المُقَلِّدِينَ اسْمُ فاعِلٍ. والثّانِيَةُ في المُقَلِّدِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ. والثّانِيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ إضْلالٍ وجِدالٍ، وانْتِصابُ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُجادِلُ، والعِطْفُ الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ جانِباهُ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْوِي عُنُقَهُ مَرَحًا وتَكَبُّرًا، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. قالَ وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ. والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ مُتَكَبِّرًا. قالَ المُبَرِّدُ: العِطْفُ ما انْثَنى مِنَ العُنُقِ. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ الإعْراضُ: أيْ مُعْرِضًا عَنِ الذَّكَرِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ وغَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ: أيْ إنَّ غَرَضَهُ هو الإضْلالُ عَنِ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنْ تَكُونَ اللّامُ هي لامَ العاقِبَةِ كَأنَّهُ جَعَلَ ضَلالَهُ غايَةً لِجِدالِهِ، وجُمْلَةُ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ جِدالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ. والخِزْيُ الذُّلُّ، وذَلِكَ بِما يَنالُهُ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وسُوءِ الذِّكْرِ عَلى ألْسُنِ النّاسَ. وقِيلَ: الخِزْيُ الدُّنْيَوِيُّ هو القَتْلُ كَما وقَعَ في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ عَذابَ النّارِ المُحْرِقَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ (p-٩٥٦)والأُخْرَوِيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ . والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ ذَلِكَ العَذابُ النّازِلُ بِكَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنْ جُمْلَةِ البَدَنِ لِكَوْنِ مُباشَرَةِ المَعاصِي تَكُونُ بِها في الغالِبِ، ومَحَلُّ أنَّ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ عِبادَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُهُ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هَذا بَيانٌ لِشِقاقِ أهْلِ الشِّقاقِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الحَرْفُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مِن حَرْفِ الشَّيْءِ وهو طَرَفُهُ، مِثْلُ حَرْفِ الجَبَلِ والحائِطِ، فَإنَّ القائِمَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي هو عَلى حَرْفِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا ويَضْعُفُ قِيامُهُ، فَقِيلَ لِلشّاكِّ في دِينِهِ إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ يَقِينٍ مِن وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ لِأنَّهُ يَعْبُدُهُ عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلى حَرْفٍ. وقِيلَ: الحَرْفُ الشَّرْطُ: أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى شَرْطٍ، والشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ خَيْرٌ دُنْيَوِيٌّ مِن رَخاءٍ وعافِيَةٍ وخِصْبٍ وكَثْرَةِ مالٍ، ومَعْنى اطْمَأنَّ بِهِ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ واسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ، أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِذَلِكَ الخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ في أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ نَفْسِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لِبانِ الأدْهَمِ
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ: أيْ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدَّعُوهُ وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى يَدْعُو، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ لَبِئْسَ المَوْلى. قالَ: وهَذا لِأنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ فَجَعَلَها أوَّلَ الكَلامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو مُكَرَّرَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى جِهَةِ تَكْثِيرِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّعاءُ: أيْ يَدْعُو ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو. مِثْلَ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ القَسَمُ، واللّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، والتَّقْدِيرُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَيَدْعُو، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، ومِنَ التَّصَرُّفِ في اللّامِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎خالِيَ لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأخْوالا
أيْ لَخالِي أنْتَ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى لَنا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ إلَهًا. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُ هَذا القَوْلَ غَلَطًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ ما قَبْلَ اللّامِ هَذِهِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا والقَفّالُ اللّامُ صِلَةٌ: أيْ زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: أيْ يَعْبُدُهُ، وهَكَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللّامِ، وتَكُونُ اللّامُ في لَبِئْسَ المَوْلى وفي لَبِئْسَ العَشِيرُ عَلى هَذا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَمّا فَرَغَ مَن ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حِرَفٍ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم هَذِهِ الجَنّاتِ المُتَّصِفَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَيُثِيبُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ النَّصْرَ الَّذِي (p-٩٥٧)أُوتِيَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْ حِيلَةً يَصِلُ بِها إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعَ أيْ ثُمَّ لِيَقْطَعَ النَّصْرَ إنْ تَهَيَّأ لَهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ مِن نَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ ثُمَّ لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، والمَعْنى: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتّى يَمُوتَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ ومُظْهِرُهُ، ولا يَنْفَعَهُ غَيْظُهُ، ومَعْنى فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ: أيْ صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ: أيْ غَيْظَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في يَنْصُرُهُ يَعُودُ إلى مَن، والمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَرْزُقُهُ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الدِّينِ: أيْ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ دِينَهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإسْكانِ اللّامِ في ثُمَّ لِيَقْطَعْ قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْناهُ آياتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَدْلُولاتِها ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتُهُ ابْتِداءً أوْ زِيادَةً فِيها لِمَن كانَ مَهْدِيًّا مِن قَبْلُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: لاوِيَ عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المُعْرِضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وأنْتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتَهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْلِمُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى بِلادِهِمْ، فَإنْ وجَدُوا عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ قالُوا: إنَّ دِينَنا هَذا لِصالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وإنْ وجَدُوا عامَ جَدْبٍ وعامَ وِلادِ سُوءٍ وعامَ قَحْطٍ قالُوا: ما في دِينِنا هَذا خَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أقِلْنِي أقِلْنِي، قالَ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي، فَقالَ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارَ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَنَزَلَتْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قالَ: فَلْيُرْبَطْ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَّماءِ﴾ قالَ: إلى سَماءِ بَيْتِهِ السَّقْفُ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قالَ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتّى يَمُوتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَأْخُذْ حَبْلًا فَلْيَرْبُطْهُ في سَماءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أوْ يَأْتِيهِ بِرِزْقٍ.
الحج 22:10
.
قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِ اللَّهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا. ومَعْنى اللَّفْظِ: ومِنَ النّاسِ فَرِيقٌ يُجادِلُ في اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُجادِلٍ في ذاتِ اللَّهِ، أوْ صِفاتِهِ أوْ شَرائِعِهِ الواضِحَةِ، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ والمُرادُ بِالعِلْمِ هو العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ الِاسْتِدْلالِيُّ. والأوْلى حَمْلُ العَمَلِ عَلى العُمُومِ، وحَمْلُ الهُدى عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وهو الإرْشادُ. والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ هو القُرْآنُ، والمُنِيرُ النَّيِّرُ البَيِّنُ الحُجَّةِ الواضِحُ البُرْهانِ، وهو وإنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ كَإفْرادِ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ الفَرْدَ الكامِلَ الفائِقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العِلْمِ. وأمّا مَن حَمَلَ العِلْمَ عَلى الضَّرُورِيِّ والهُدى عَلى الِاسْتِدْلالِيِّ، فَقَدْ حَمَلَ الكِتابَ هُنا عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ضَرُورِيًّا كانَ أوِ اسْتِدْلالِيًّا، ومُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِأقْسامِهِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. قِيلَ والمُرادُ بِهَذا المُجادِلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو المُجادِلُ في الآيَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وبِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تَذُمُّهُ وتُوَبِّخُهُ أنْتَ فَعَلَتْ هَذا أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِكَوْنِهِ وصَفَهُ في كُلِّ آيَةٍ بِزِيادَةٍ عَلى ما وصَفَهُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في المُقَلِّدِينَ اسْمُ فاعِلٍ. والثّانِيَةُ في المُقَلِّدِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ. والثّانِيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ إضْلالٍ وجِدالٍ، وانْتِصابُ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُجادِلُ، والعِطْفُ الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ جانِباهُ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْوِي عُنُقَهُ مَرَحًا وتَكَبُّرًا، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. قالَ وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ. والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ مُتَكَبِّرًا. قالَ المُبَرِّدُ: العِطْفُ ما انْثَنى مِنَ العُنُقِ. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ الإعْراضُ: أيْ مُعْرِضًا عَنِ الذَّكَرِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ وغَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ: أيْ إنَّ غَرَضَهُ هو الإضْلالُ عَنِ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنْ تَكُونَ اللّامُ هي لامَ العاقِبَةِ كَأنَّهُ جَعَلَ ضَلالَهُ غايَةً لِجِدالِهِ، وجُمْلَةُ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ جِدالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ. والخِزْيُ الذُّلُّ، وذَلِكَ بِما يَنالُهُ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وسُوءِ الذِّكْرِ عَلى ألْسُنِ النّاسَ. وقِيلَ: الخِزْيُ الدُّنْيَوِيُّ هو القَتْلُ كَما وقَعَ في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ عَذابَ النّارِ المُحْرِقَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ (p-٩٥٦)والأُخْرَوِيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ . والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ ذَلِكَ العَذابُ النّازِلُ بِكَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنْ جُمْلَةِ البَدَنِ لِكَوْنِ مُباشَرَةِ المَعاصِي تَكُونُ بِها في الغالِبِ، ومَحَلُّ أنَّ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ عِبادَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُهُ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هَذا بَيانٌ لِشِقاقِ أهْلِ الشِّقاقِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الحَرْفُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مِن حَرْفِ الشَّيْءِ وهو طَرَفُهُ، مِثْلُ حَرْفِ الجَبَلِ والحائِطِ، فَإنَّ القائِمَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي هو عَلى حَرْفِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا ويَضْعُفُ قِيامُهُ، فَقِيلَ لِلشّاكِّ في دِينِهِ إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ يَقِينٍ مِن وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ لِأنَّهُ يَعْبُدُهُ عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلى حَرْفٍ. وقِيلَ: الحَرْفُ الشَّرْطُ: أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى شَرْطٍ، والشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ خَيْرٌ دُنْيَوِيٌّ مِن رَخاءٍ وعافِيَةٍ وخِصْبٍ وكَثْرَةِ مالٍ، ومَعْنى اطْمَأنَّ بِهِ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ واسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ، أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِذَلِكَ الخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ في أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ نَفْسِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لِبانِ الأدْهَمِ
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ: أيْ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدَّعُوهُ وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى يَدْعُو، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ لَبِئْسَ المَوْلى. قالَ: وهَذا لِأنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ فَجَعَلَها أوَّلَ الكَلامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو مُكَرَّرَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى جِهَةِ تَكْثِيرِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّعاءُ: أيْ يَدْعُو ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو. مِثْلَ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ القَسَمُ، واللّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، والتَّقْدِيرُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَيَدْعُو، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، ومِنَ التَّصَرُّفِ في اللّامِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎خالِيَ لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأخْوالا
أيْ لَخالِي أنْتَ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى لَنا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ إلَهًا. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُ هَذا القَوْلَ غَلَطًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ ما قَبْلَ اللّامِ هَذِهِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا والقَفّالُ اللّامُ صِلَةٌ: أيْ زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: أيْ يَعْبُدُهُ، وهَكَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللّامِ، وتَكُونُ اللّامُ في لَبِئْسَ المَوْلى وفي لَبِئْسَ العَشِيرُ عَلى هَذا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَمّا فَرَغَ مَن ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حِرَفٍ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم هَذِهِ الجَنّاتِ المُتَّصِفَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَيُثِيبُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ النَّصْرَ الَّذِي (p-٩٥٧)أُوتِيَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْ حِيلَةً يَصِلُ بِها إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعَ أيْ ثُمَّ لِيَقْطَعَ النَّصْرَ إنْ تَهَيَّأ لَهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ مِن نَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ ثُمَّ لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، والمَعْنى: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتّى يَمُوتَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ ومُظْهِرُهُ، ولا يَنْفَعَهُ غَيْظُهُ، ومَعْنى فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ: أيْ صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ: أيْ غَيْظَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في يَنْصُرُهُ يَعُودُ إلى مَن، والمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَرْزُقُهُ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الدِّينِ: أيْ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ دِينَهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإسْكانِ اللّامِ في ثُمَّ لِيَقْطَعْ قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْناهُ آياتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَدْلُولاتِها ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتُهُ ابْتِداءً أوْ زِيادَةً فِيها لِمَن كانَ مَهْدِيًّا مِن قَبْلُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: لاوِيَ عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المُعْرِضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وأنْتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتَهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْلِمُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى بِلادِهِمْ، فَإنْ وجَدُوا عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ قالُوا: إنَّ دِينَنا هَذا لِصالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وإنْ وجَدُوا عامَ جَدْبٍ وعامَ وِلادِ سُوءٍ وعامَ قَحْطٍ قالُوا: ما في دِينِنا هَذا خَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أقِلْنِي أقِلْنِي، قالَ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي، فَقالَ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارَ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَنَزَلَتْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قالَ: فَلْيُرْبَطْ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَّماءِ﴾ قالَ: إلى سَماءِ بَيْتِهِ السَّقْفُ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قالَ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتّى يَمُوتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَأْخُذْ حَبْلًا فَلْيَرْبُطْهُ في سَماءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أوْ يَأْتِيهِ بِرِزْقٍ.
الحج 22:11
.
قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِ اللَّهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا. ومَعْنى اللَّفْظِ: ومِنَ النّاسِ فَرِيقٌ يُجادِلُ في اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُجادِلٍ في ذاتِ اللَّهِ، أوْ صِفاتِهِ أوْ شَرائِعِهِ الواضِحَةِ، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ والمُرادُ بِالعِلْمِ هو العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ الِاسْتِدْلالِيُّ. والأوْلى حَمْلُ العَمَلِ عَلى العُمُومِ، وحَمْلُ الهُدى عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وهو الإرْشادُ. والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ هو القُرْآنُ، والمُنِيرُ النَّيِّرُ البَيِّنُ الحُجَّةِ الواضِحُ البُرْهانِ، وهو وإنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ كَإفْرادِ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ الفَرْدَ الكامِلَ الفائِقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العِلْمِ. وأمّا مَن حَمَلَ العِلْمَ عَلى الضَّرُورِيِّ والهُدى عَلى الِاسْتِدْلالِيِّ، فَقَدْ حَمَلَ الكِتابَ هُنا عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ضَرُورِيًّا كانَ أوِ اسْتِدْلالِيًّا، ومُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِأقْسامِهِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. قِيلَ والمُرادُ بِهَذا المُجادِلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو المُجادِلُ في الآيَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وبِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تَذُمُّهُ وتُوَبِّخُهُ أنْتَ فَعَلَتْ هَذا أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِكَوْنِهِ وصَفَهُ في كُلِّ آيَةٍ بِزِيادَةٍ عَلى ما وصَفَهُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في المُقَلِّدِينَ اسْمُ فاعِلٍ. والثّانِيَةُ في المُقَلِّدِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ. والثّانِيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ إضْلالٍ وجِدالٍ، وانْتِصابُ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُجادِلُ، والعِطْفُ الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ جانِباهُ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْوِي عُنُقَهُ مَرَحًا وتَكَبُّرًا، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. قالَ وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ. والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ مُتَكَبِّرًا. قالَ المُبَرِّدُ: العِطْفُ ما انْثَنى مِنَ العُنُقِ. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ الإعْراضُ: أيْ مُعْرِضًا عَنِ الذَّكَرِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ وغَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ: أيْ إنَّ غَرَضَهُ هو الإضْلالُ عَنِ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنْ تَكُونَ اللّامُ هي لامَ العاقِبَةِ كَأنَّهُ جَعَلَ ضَلالَهُ غايَةً لِجِدالِهِ، وجُمْلَةُ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ جِدالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ. والخِزْيُ الذُّلُّ، وذَلِكَ بِما يَنالُهُ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وسُوءِ الذِّكْرِ عَلى ألْسُنِ النّاسَ. وقِيلَ: الخِزْيُ الدُّنْيَوِيُّ هو القَتْلُ كَما وقَعَ في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ عَذابَ النّارِ المُحْرِقَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ (p-٩٥٦)والأُخْرَوِيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ . والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ ذَلِكَ العَذابُ النّازِلُ بِكَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنْ جُمْلَةِ البَدَنِ لِكَوْنِ مُباشَرَةِ المَعاصِي تَكُونُ بِها في الغالِبِ، ومَحَلُّ أنَّ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ عِبادَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُهُ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هَذا بَيانٌ لِشِقاقِ أهْلِ الشِّقاقِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الحَرْفُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مِن حَرْفِ الشَّيْءِ وهو طَرَفُهُ، مِثْلُ حَرْفِ الجَبَلِ والحائِطِ، فَإنَّ القائِمَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي هو عَلى حَرْفِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا ويَضْعُفُ قِيامُهُ، فَقِيلَ لِلشّاكِّ في دِينِهِ إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ يَقِينٍ مِن وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ لِأنَّهُ يَعْبُدُهُ عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلى حَرْفٍ. وقِيلَ: الحَرْفُ الشَّرْطُ: أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى شَرْطٍ، والشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ خَيْرٌ دُنْيَوِيٌّ مِن رَخاءٍ وعافِيَةٍ وخِصْبٍ وكَثْرَةِ مالٍ، ومَعْنى اطْمَأنَّ بِهِ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ واسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ، أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِذَلِكَ الخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ في أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ نَفْسِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لِبانِ الأدْهَمِ
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ: أيْ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدَّعُوهُ وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى يَدْعُو، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ لَبِئْسَ المَوْلى. قالَ: وهَذا لِأنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ فَجَعَلَها أوَّلَ الكَلامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو مُكَرَّرَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى جِهَةِ تَكْثِيرِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّعاءُ: أيْ يَدْعُو ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو. مِثْلَ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ القَسَمُ، واللّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، والتَّقْدِيرُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَيَدْعُو، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، ومِنَ التَّصَرُّفِ في اللّامِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎خالِيَ لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأخْوالا
أيْ لَخالِي أنْتَ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى لَنا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ إلَهًا. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُ هَذا القَوْلَ غَلَطًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ ما قَبْلَ اللّامِ هَذِهِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا والقَفّالُ اللّامُ صِلَةٌ: أيْ زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: أيْ يَعْبُدُهُ، وهَكَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللّامِ، وتَكُونُ اللّامُ في لَبِئْسَ المَوْلى وفي لَبِئْسَ العَشِيرُ عَلى هَذا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَمّا فَرَغَ مَن ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حِرَفٍ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم هَذِهِ الجَنّاتِ المُتَّصِفَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَيُثِيبُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ النَّصْرَ الَّذِي (p-٩٥٧)أُوتِيَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْ حِيلَةً يَصِلُ بِها إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعَ أيْ ثُمَّ لِيَقْطَعَ النَّصْرَ إنْ تَهَيَّأ لَهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ مِن نَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ ثُمَّ لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، والمَعْنى: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتّى يَمُوتَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ ومُظْهِرُهُ، ولا يَنْفَعَهُ غَيْظُهُ، ومَعْنى فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ: أيْ صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ: أيْ غَيْظَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في يَنْصُرُهُ يَعُودُ إلى مَن، والمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَرْزُقُهُ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الدِّينِ: أيْ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ دِينَهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإسْكانِ اللّامِ في ثُمَّ لِيَقْطَعْ قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْناهُ آياتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَدْلُولاتِها ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتُهُ ابْتِداءً أوْ زِيادَةً فِيها لِمَن كانَ مَهْدِيًّا مِن قَبْلُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: لاوِيَ عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المُعْرِضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وأنْتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتَهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْلِمُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى بِلادِهِمْ، فَإنْ وجَدُوا عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ قالُوا: إنَّ دِينَنا هَذا لِصالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وإنْ وجَدُوا عامَ جَدْبٍ وعامَ وِلادِ سُوءٍ وعامَ قَحْطٍ قالُوا: ما في دِينِنا هَذا خَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أقِلْنِي أقِلْنِي، قالَ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي، فَقالَ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارَ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَنَزَلَتْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قالَ: فَلْيُرْبَطْ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَّماءِ﴾ قالَ: إلى سَماءِ بَيْتِهِ السَّقْفُ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قالَ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتّى يَمُوتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَأْخُذْ حَبْلًا فَلْيَرْبُطْهُ في سَماءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أوْ يَأْتِيهِ بِرِزْقٍ.
الحج 22:12
.
قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِ اللَّهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا. ومَعْنى اللَّفْظِ: ومِنَ النّاسِ فَرِيقٌ يُجادِلُ في اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُجادِلٍ في ذاتِ اللَّهِ، أوْ صِفاتِهِ أوْ شَرائِعِهِ الواضِحَةِ، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ والمُرادُ بِالعِلْمِ هو العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ الِاسْتِدْلالِيُّ. والأوْلى حَمْلُ العَمَلِ عَلى العُمُومِ، وحَمْلُ الهُدى عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وهو الإرْشادُ. والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ هو القُرْآنُ، والمُنِيرُ النَّيِّرُ البَيِّنُ الحُجَّةِ الواضِحُ البُرْهانِ، وهو وإنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ كَإفْرادِ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ الفَرْدَ الكامِلَ الفائِقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العِلْمِ. وأمّا مَن حَمَلَ العِلْمَ عَلى الضَّرُورِيِّ والهُدى عَلى الِاسْتِدْلالِيِّ، فَقَدْ حَمَلَ الكِتابَ هُنا عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ضَرُورِيًّا كانَ أوِ اسْتِدْلالِيًّا، ومُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِأقْسامِهِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. قِيلَ والمُرادُ بِهَذا المُجادِلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو المُجادِلُ في الآيَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وبِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تَذُمُّهُ وتُوَبِّخُهُ أنْتَ فَعَلَتْ هَذا أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِكَوْنِهِ وصَفَهُ في كُلِّ آيَةٍ بِزِيادَةٍ عَلى ما وصَفَهُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في المُقَلِّدِينَ اسْمُ فاعِلٍ. والثّانِيَةُ في المُقَلِّدِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ. والثّانِيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ إضْلالٍ وجِدالٍ، وانْتِصابُ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُجادِلُ، والعِطْفُ الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ جانِباهُ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْوِي عُنُقَهُ مَرَحًا وتَكَبُّرًا، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. قالَ وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ. والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ مُتَكَبِّرًا. قالَ المُبَرِّدُ: العِطْفُ ما انْثَنى مِنَ العُنُقِ. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ الإعْراضُ: أيْ مُعْرِضًا عَنِ الذَّكَرِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ وغَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ: أيْ إنَّ غَرَضَهُ هو الإضْلالُ عَنِ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنْ تَكُونَ اللّامُ هي لامَ العاقِبَةِ كَأنَّهُ جَعَلَ ضَلالَهُ غايَةً لِجِدالِهِ، وجُمْلَةُ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ جِدالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ. والخِزْيُ الذُّلُّ، وذَلِكَ بِما يَنالُهُ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وسُوءِ الذِّكْرِ عَلى ألْسُنِ النّاسَ. وقِيلَ: الخِزْيُ الدُّنْيَوِيُّ هو القَتْلُ كَما وقَعَ في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ عَذابَ النّارِ المُحْرِقَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ (p-٩٥٦)والأُخْرَوِيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ . والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ ذَلِكَ العَذابُ النّازِلُ بِكَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنْ جُمْلَةِ البَدَنِ لِكَوْنِ مُباشَرَةِ المَعاصِي تَكُونُ بِها في الغالِبِ، ومَحَلُّ أنَّ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ عِبادَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُهُ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هَذا بَيانٌ لِشِقاقِ أهْلِ الشِّقاقِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الحَرْفُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مِن حَرْفِ الشَّيْءِ وهو طَرَفُهُ، مِثْلُ حَرْفِ الجَبَلِ والحائِطِ، فَإنَّ القائِمَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي هو عَلى حَرْفِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا ويَضْعُفُ قِيامُهُ، فَقِيلَ لِلشّاكِّ في دِينِهِ إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ يَقِينٍ مِن وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ لِأنَّهُ يَعْبُدُهُ عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلى حَرْفٍ. وقِيلَ: الحَرْفُ الشَّرْطُ: أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى شَرْطٍ، والشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ خَيْرٌ دُنْيَوِيٌّ مِن رَخاءٍ وعافِيَةٍ وخِصْبٍ وكَثْرَةِ مالٍ، ومَعْنى اطْمَأنَّ بِهِ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ واسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ، أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِذَلِكَ الخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ في أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ نَفْسِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لِبانِ الأدْهَمِ
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ: أيْ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدَّعُوهُ وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى يَدْعُو، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ لَبِئْسَ المَوْلى. قالَ: وهَذا لِأنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ فَجَعَلَها أوَّلَ الكَلامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو مُكَرَّرَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى جِهَةِ تَكْثِيرِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّعاءُ: أيْ يَدْعُو ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو. مِثْلَ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ القَسَمُ، واللّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، والتَّقْدِيرُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَيَدْعُو، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، ومِنَ التَّصَرُّفِ في اللّامِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎خالِيَ لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأخْوالا
أيْ لَخالِي أنْتَ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى لَنا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ إلَهًا. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُ هَذا القَوْلَ غَلَطًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ ما قَبْلَ اللّامِ هَذِهِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا والقَفّالُ اللّامُ صِلَةٌ: أيْ زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: أيْ يَعْبُدُهُ، وهَكَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللّامِ، وتَكُونُ اللّامُ في لَبِئْسَ المَوْلى وفي لَبِئْسَ العَشِيرُ عَلى هَذا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَمّا فَرَغَ مَن ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حِرَفٍ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم هَذِهِ الجَنّاتِ المُتَّصِفَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَيُثِيبُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ النَّصْرَ الَّذِي (p-٩٥٧)أُوتِيَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْ حِيلَةً يَصِلُ بِها إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعَ أيْ ثُمَّ لِيَقْطَعَ النَّصْرَ إنْ تَهَيَّأ لَهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ مِن نَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ ثُمَّ لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، والمَعْنى: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتّى يَمُوتَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ ومُظْهِرُهُ، ولا يَنْفَعَهُ غَيْظُهُ، ومَعْنى فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ: أيْ صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ: أيْ غَيْظَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في يَنْصُرُهُ يَعُودُ إلى مَن، والمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَرْزُقُهُ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الدِّينِ: أيْ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ دِينَهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإسْكانِ اللّامِ في ثُمَّ لِيَقْطَعْ قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْناهُ آياتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَدْلُولاتِها ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتُهُ ابْتِداءً أوْ زِيادَةً فِيها لِمَن كانَ مَهْدِيًّا مِن قَبْلُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: لاوِيَ عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المُعْرِضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وأنْتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتَهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْلِمُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى بِلادِهِمْ، فَإنْ وجَدُوا عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ قالُوا: إنَّ دِينَنا هَذا لِصالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وإنْ وجَدُوا عامَ جَدْبٍ وعامَ وِلادِ سُوءٍ وعامَ قَحْطٍ قالُوا: ما في دِينِنا هَذا خَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أقِلْنِي أقِلْنِي، قالَ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي، فَقالَ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارَ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَنَزَلَتْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قالَ: فَلْيُرْبَطْ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَّماءِ﴾ قالَ: إلى سَماءِ بَيْتِهِ السَّقْفُ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قالَ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتّى يَمُوتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَأْخُذْ حَبْلًا فَلْيَرْبُطْهُ في سَماءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أوْ يَأْتِيهِ بِرِزْقٍ.
الحج 22:13
.
قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِ اللَّهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا. ومَعْنى اللَّفْظِ: ومِنَ النّاسِ فَرِيقٌ يُجادِلُ في اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُجادِلٍ في ذاتِ اللَّهِ، أوْ صِفاتِهِ أوْ شَرائِعِهِ الواضِحَةِ، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ والمُرادُ بِالعِلْمِ هو العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ الِاسْتِدْلالِيُّ. والأوْلى حَمْلُ العَمَلِ عَلى العُمُومِ، وحَمْلُ الهُدى عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وهو الإرْشادُ. والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ هو القُرْآنُ، والمُنِيرُ النَّيِّرُ البَيِّنُ الحُجَّةِ الواضِحُ البُرْهانِ، وهو وإنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ كَإفْرادِ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ الفَرْدَ الكامِلَ الفائِقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العِلْمِ. وأمّا مَن حَمَلَ العِلْمَ عَلى الضَّرُورِيِّ والهُدى عَلى الِاسْتِدْلالِيِّ، فَقَدْ حَمَلَ الكِتابَ هُنا عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ضَرُورِيًّا كانَ أوِ اسْتِدْلالِيًّا، ومُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِأقْسامِهِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. قِيلَ والمُرادُ بِهَذا المُجادِلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو المُجادِلُ في الآيَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وبِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تَذُمُّهُ وتُوَبِّخُهُ أنْتَ فَعَلَتْ هَذا أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِكَوْنِهِ وصَفَهُ في كُلِّ آيَةٍ بِزِيادَةٍ عَلى ما وصَفَهُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في المُقَلِّدِينَ اسْمُ فاعِلٍ. والثّانِيَةُ في المُقَلِّدِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ. والثّانِيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ إضْلالٍ وجِدالٍ، وانْتِصابُ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُجادِلُ، والعِطْفُ الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ جانِباهُ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْوِي عُنُقَهُ مَرَحًا وتَكَبُّرًا، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. قالَ وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ. والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ مُتَكَبِّرًا. قالَ المُبَرِّدُ: العِطْفُ ما انْثَنى مِنَ العُنُقِ. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ الإعْراضُ: أيْ مُعْرِضًا عَنِ الذَّكَرِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ وغَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ: أيْ إنَّ غَرَضَهُ هو الإضْلالُ عَنِ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنْ تَكُونَ اللّامُ هي لامَ العاقِبَةِ كَأنَّهُ جَعَلَ ضَلالَهُ غايَةً لِجِدالِهِ، وجُمْلَةُ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ جِدالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ. والخِزْيُ الذُّلُّ، وذَلِكَ بِما يَنالُهُ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وسُوءِ الذِّكْرِ عَلى ألْسُنِ النّاسَ. وقِيلَ: الخِزْيُ الدُّنْيَوِيُّ هو القَتْلُ كَما وقَعَ في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ عَذابَ النّارِ المُحْرِقَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ (p-٩٥٦)والأُخْرَوِيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ . والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ ذَلِكَ العَذابُ النّازِلُ بِكَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنْ جُمْلَةِ البَدَنِ لِكَوْنِ مُباشَرَةِ المَعاصِي تَكُونُ بِها في الغالِبِ، ومَحَلُّ أنَّ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ عِبادَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُهُ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هَذا بَيانٌ لِشِقاقِ أهْلِ الشِّقاقِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الحَرْفُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مِن حَرْفِ الشَّيْءِ وهو طَرَفُهُ، مِثْلُ حَرْفِ الجَبَلِ والحائِطِ، فَإنَّ القائِمَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي هو عَلى حَرْفِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا ويَضْعُفُ قِيامُهُ، فَقِيلَ لِلشّاكِّ في دِينِهِ إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ يَقِينٍ مِن وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ لِأنَّهُ يَعْبُدُهُ عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلى حَرْفٍ. وقِيلَ: الحَرْفُ الشَّرْطُ: أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى شَرْطٍ، والشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ خَيْرٌ دُنْيَوِيٌّ مِن رَخاءٍ وعافِيَةٍ وخِصْبٍ وكَثْرَةِ مالٍ، ومَعْنى اطْمَأنَّ بِهِ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ واسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ، أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِذَلِكَ الخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ في أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ نَفْسِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لِبانِ الأدْهَمِ
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ: أيْ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدَّعُوهُ وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى يَدْعُو، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ لَبِئْسَ المَوْلى. قالَ: وهَذا لِأنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ فَجَعَلَها أوَّلَ الكَلامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو مُكَرَّرَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى جِهَةِ تَكْثِيرِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّعاءُ: أيْ يَدْعُو ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو. مِثْلَ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ القَسَمُ، واللّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، والتَّقْدِيرُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَيَدْعُو، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، ومِنَ التَّصَرُّفِ في اللّامِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎خالِيَ لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأخْوالا
أيْ لَخالِي أنْتَ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى لَنا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ إلَهًا. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُ هَذا القَوْلَ غَلَطًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ ما قَبْلَ اللّامِ هَذِهِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا والقَفّالُ اللّامُ صِلَةٌ: أيْ زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: أيْ يَعْبُدُهُ، وهَكَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللّامِ، وتَكُونُ اللّامُ في لَبِئْسَ المَوْلى وفي لَبِئْسَ العَشِيرُ عَلى هَذا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَمّا فَرَغَ مَن ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حِرَفٍ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم هَذِهِ الجَنّاتِ المُتَّصِفَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَيُثِيبُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ النَّصْرَ الَّذِي (p-٩٥٧)أُوتِيَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْ حِيلَةً يَصِلُ بِها إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعَ أيْ ثُمَّ لِيَقْطَعَ النَّصْرَ إنْ تَهَيَّأ لَهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ مِن نَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ ثُمَّ لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، والمَعْنى: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتّى يَمُوتَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ ومُظْهِرُهُ، ولا يَنْفَعَهُ غَيْظُهُ، ومَعْنى فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ: أيْ صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ: أيْ غَيْظَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في يَنْصُرُهُ يَعُودُ إلى مَن، والمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَرْزُقُهُ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الدِّينِ: أيْ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ دِينَهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإسْكانِ اللّامِ في ثُمَّ لِيَقْطَعْ قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْناهُ آياتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَدْلُولاتِها ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتُهُ ابْتِداءً أوْ زِيادَةً فِيها لِمَن كانَ مَهْدِيًّا مِن قَبْلُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: لاوِيَ عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المُعْرِضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وأنْتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتَهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْلِمُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى بِلادِهِمْ، فَإنْ وجَدُوا عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ قالُوا: إنَّ دِينَنا هَذا لِصالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وإنْ وجَدُوا عامَ جَدْبٍ وعامَ وِلادِ سُوءٍ وعامَ قَحْطٍ قالُوا: ما في دِينِنا هَذا خَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أقِلْنِي أقِلْنِي، قالَ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي، فَقالَ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارَ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَنَزَلَتْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قالَ: فَلْيُرْبَطْ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَّماءِ﴾ قالَ: إلى سَماءِ بَيْتِهِ السَّقْفُ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قالَ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتّى يَمُوتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَأْخُذْ حَبْلًا فَلْيَرْبُطْهُ في سَماءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أوْ يَأْتِيهِ بِرِزْقٍ.
الحج 22:14
.
قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِ اللَّهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا. ومَعْنى اللَّفْظِ: ومِنَ النّاسِ فَرِيقٌ يُجادِلُ في اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُجادِلٍ في ذاتِ اللَّهِ، أوْ صِفاتِهِ أوْ شَرائِعِهِ الواضِحَةِ، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ والمُرادُ بِالعِلْمِ هو العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ الِاسْتِدْلالِيُّ. والأوْلى حَمْلُ العَمَلِ عَلى العُمُومِ، وحَمْلُ الهُدى عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وهو الإرْشادُ. والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ هو القُرْآنُ، والمُنِيرُ النَّيِّرُ البَيِّنُ الحُجَّةِ الواضِحُ البُرْهانِ، وهو وإنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ كَإفْرادِ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ الفَرْدَ الكامِلَ الفائِقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العِلْمِ. وأمّا مَن حَمَلَ العِلْمَ عَلى الضَّرُورِيِّ والهُدى عَلى الِاسْتِدْلالِيِّ، فَقَدْ حَمَلَ الكِتابَ هُنا عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ضَرُورِيًّا كانَ أوِ اسْتِدْلالِيًّا، ومُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِأقْسامِهِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. قِيلَ والمُرادُ بِهَذا المُجادِلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو المُجادِلُ في الآيَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وبِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تَذُمُّهُ وتُوَبِّخُهُ أنْتَ فَعَلَتْ هَذا أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِكَوْنِهِ وصَفَهُ في كُلِّ آيَةٍ بِزِيادَةٍ عَلى ما وصَفَهُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في المُقَلِّدِينَ اسْمُ فاعِلٍ. والثّانِيَةُ في المُقَلِّدِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ. والثّانِيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ إضْلالٍ وجِدالٍ، وانْتِصابُ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُجادِلُ، والعِطْفُ الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ جانِباهُ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْوِي عُنُقَهُ مَرَحًا وتَكَبُّرًا، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. قالَ وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ. والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ مُتَكَبِّرًا. قالَ المُبَرِّدُ: العِطْفُ ما انْثَنى مِنَ العُنُقِ. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ الإعْراضُ: أيْ مُعْرِضًا عَنِ الذَّكَرِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ وغَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ: أيْ إنَّ غَرَضَهُ هو الإضْلالُ عَنِ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنْ تَكُونَ اللّامُ هي لامَ العاقِبَةِ كَأنَّهُ جَعَلَ ضَلالَهُ غايَةً لِجِدالِهِ، وجُمْلَةُ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ جِدالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ. والخِزْيُ الذُّلُّ، وذَلِكَ بِما يَنالُهُ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وسُوءِ الذِّكْرِ عَلى ألْسُنِ النّاسَ. وقِيلَ: الخِزْيُ الدُّنْيَوِيُّ هو القَتْلُ كَما وقَعَ في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ عَذابَ النّارِ المُحْرِقَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ (p-٩٥٦)والأُخْرَوِيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ . والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ ذَلِكَ العَذابُ النّازِلُ بِكَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنْ جُمْلَةِ البَدَنِ لِكَوْنِ مُباشَرَةِ المَعاصِي تَكُونُ بِها في الغالِبِ، ومَحَلُّ أنَّ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ عِبادَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُهُ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هَذا بَيانٌ لِشِقاقِ أهْلِ الشِّقاقِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الحَرْفُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مِن حَرْفِ الشَّيْءِ وهو طَرَفُهُ، مِثْلُ حَرْفِ الجَبَلِ والحائِطِ، فَإنَّ القائِمَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي هو عَلى حَرْفِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا ويَضْعُفُ قِيامُهُ، فَقِيلَ لِلشّاكِّ في دِينِهِ إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ يَقِينٍ مِن وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ لِأنَّهُ يَعْبُدُهُ عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلى حَرْفٍ. وقِيلَ: الحَرْفُ الشَّرْطُ: أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى شَرْطٍ، والشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ خَيْرٌ دُنْيَوِيٌّ مِن رَخاءٍ وعافِيَةٍ وخِصْبٍ وكَثْرَةِ مالٍ، ومَعْنى اطْمَأنَّ بِهِ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ واسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ، أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِذَلِكَ الخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ في أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ نَفْسِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لِبانِ الأدْهَمِ
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ: أيْ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدَّعُوهُ وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى يَدْعُو، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ لَبِئْسَ المَوْلى. قالَ: وهَذا لِأنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ فَجَعَلَها أوَّلَ الكَلامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو مُكَرَّرَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى جِهَةِ تَكْثِيرِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّعاءُ: أيْ يَدْعُو ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو. مِثْلَ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ القَسَمُ، واللّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، والتَّقْدِيرُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَيَدْعُو، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، ومِنَ التَّصَرُّفِ في اللّامِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎خالِيَ لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأخْوالا
أيْ لَخالِي أنْتَ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى لَنا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ إلَهًا. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُ هَذا القَوْلَ غَلَطًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ ما قَبْلَ اللّامِ هَذِهِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا والقَفّالُ اللّامُ صِلَةٌ: أيْ زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: أيْ يَعْبُدُهُ، وهَكَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللّامِ، وتَكُونُ اللّامُ في لَبِئْسَ المَوْلى وفي لَبِئْسَ العَشِيرُ عَلى هَذا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَمّا فَرَغَ مَن ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حِرَفٍ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم هَذِهِ الجَنّاتِ المُتَّصِفَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَيُثِيبُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ النَّصْرَ الَّذِي (p-٩٥٧)أُوتِيَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْ حِيلَةً يَصِلُ بِها إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعَ أيْ ثُمَّ لِيَقْطَعَ النَّصْرَ إنْ تَهَيَّأ لَهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ مِن نَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ ثُمَّ لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، والمَعْنى: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتّى يَمُوتَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ ومُظْهِرُهُ، ولا يَنْفَعَهُ غَيْظُهُ، ومَعْنى فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ: أيْ صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ: أيْ غَيْظَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في يَنْصُرُهُ يَعُودُ إلى مَن، والمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَرْزُقُهُ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الدِّينِ: أيْ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ دِينَهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإسْكانِ اللّامِ في ثُمَّ لِيَقْطَعْ قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْناهُ آياتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَدْلُولاتِها ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتُهُ ابْتِداءً أوْ زِيادَةً فِيها لِمَن كانَ مَهْدِيًّا مِن قَبْلُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: لاوِيَ عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المُعْرِضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وأنْتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتَهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْلِمُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى بِلادِهِمْ، فَإنْ وجَدُوا عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ قالُوا: إنَّ دِينَنا هَذا لِصالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وإنْ وجَدُوا عامَ جَدْبٍ وعامَ وِلادِ سُوءٍ وعامَ قَحْطٍ قالُوا: ما في دِينِنا هَذا خَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أقِلْنِي أقِلْنِي، قالَ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي، فَقالَ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارَ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَنَزَلَتْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قالَ: فَلْيُرْبَطْ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَّماءِ﴾ قالَ: إلى سَماءِ بَيْتِهِ السَّقْفُ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قالَ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتّى يَمُوتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَأْخُذْ حَبْلًا فَلْيَرْبُطْهُ في سَماءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أوْ يَأْتِيهِ بِرِزْقٍ.
الحج 22:15
.
قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِ اللَّهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا. ومَعْنى اللَّفْظِ: ومِنَ النّاسِ فَرِيقٌ يُجادِلُ في اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُجادِلٍ في ذاتِ اللَّهِ، أوْ صِفاتِهِ أوْ شَرائِعِهِ الواضِحَةِ، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ والمُرادُ بِالعِلْمِ هو العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ الِاسْتِدْلالِيُّ. والأوْلى حَمْلُ العَمَلِ عَلى العُمُومِ، وحَمْلُ الهُدى عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وهو الإرْشادُ. والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ هو القُرْآنُ، والمُنِيرُ النَّيِّرُ البَيِّنُ الحُجَّةِ الواضِحُ البُرْهانِ، وهو وإنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ كَإفْرادِ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ الفَرْدَ الكامِلَ الفائِقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العِلْمِ. وأمّا مَن حَمَلَ العِلْمَ عَلى الضَّرُورِيِّ والهُدى عَلى الِاسْتِدْلالِيِّ، فَقَدْ حَمَلَ الكِتابَ هُنا عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ضَرُورِيًّا كانَ أوِ اسْتِدْلالِيًّا، ومُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِأقْسامِهِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. قِيلَ والمُرادُ بِهَذا المُجادِلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو المُجادِلُ في الآيَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وبِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تَذُمُّهُ وتُوَبِّخُهُ أنْتَ فَعَلَتْ هَذا أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِكَوْنِهِ وصَفَهُ في كُلِّ آيَةٍ بِزِيادَةٍ عَلى ما وصَفَهُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في المُقَلِّدِينَ اسْمُ فاعِلٍ. والثّانِيَةُ في المُقَلِّدِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ. والثّانِيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ إضْلالٍ وجِدالٍ، وانْتِصابُ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُجادِلُ، والعِطْفُ الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ جانِباهُ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْوِي عُنُقَهُ مَرَحًا وتَكَبُّرًا، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. قالَ وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ. والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ مُتَكَبِّرًا. قالَ المُبَرِّدُ: العِطْفُ ما انْثَنى مِنَ العُنُقِ. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ الإعْراضُ: أيْ مُعْرِضًا عَنِ الذَّكَرِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ وغَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ: أيْ إنَّ غَرَضَهُ هو الإضْلالُ عَنِ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنْ تَكُونَ اللّامُ هي لامَ العاقِبَةِ كَأنَّهُ جَعَلَ ضَلالَهُ غايَةً لِجِدالِهِ، وجُمْلَةُ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ جِدالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ. والخِزْيُ الذُّلُّ، وذَلِكَ بِما يَنالُهُ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وسُوءِ الذِّكْرِ عَلى ألْسُنِ النّاسَ. وقِيلَ: الخِزْيُ الدُّنْيَوِيُّ هو القَتْلُ كَما وقَعَ في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ عَذابَ النّارِ المُحْرِقَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ (p-٩٥٦)والأُخْرَوِيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ . والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ ذَلِكَ العَذابُ النّازِلُ بِكَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنْ جُمْلَةِ البَدَنِ لِكَوْنِ مُباشَرَةِ المَعاصِي تَكُونُ بِها في الغالِبِ، ومَحَلُّ أنَّ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ عِبادَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُهُ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هَذا بَيانٌ لِشِقاقِ أهْلِ الشِّقاقِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الحَرْفُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مِن حَرْفِ الشَّيْءِ وهو طَرَفُهُ، مِثْلُ حَرْفِ الجَبَلِ والحائِطِ، فَإنَّ القائِمَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي هو عَلى حَرْفِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا ويَضْعُفُ قِيامُهُ، فَقِيلَ لِلشّاكِّ في دِينِهِ إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ يَقِينٍ مِن وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ لِأنَّهُ يَعْبُدُهُ عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلى حَرْفٍ. وقِيلَ: الحَرْفُ الشَّرْطُ: أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى شَرْطٍ، والشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ خَيْرٌ دُنْيَوِيٌّ مِن رَخاءٍ وعافِيَةٍ وخِصْبٍ وكَثْرَةِ مالٍ، ومَعْنى اطْمَأنَّ بِهِ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ واسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ، أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِذَلِكَ الخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ في أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ نَفْسِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لِبانِ الأدْهَمِ
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ: أيْ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدَّعُوهُ وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى يَدْعُو، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ لَبِئْسَ المَوْلى. قالَ: وهَذا لِأنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ فَجَعَلَها أوَّلَ الكَلامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو مُكَرَّرَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى جِهَةِ تَكْثِيرِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّعاءُ: أيْ يَدْعُو ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو. مِثْلَ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ القَسَمُ، واللّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، والتَّقْدِيرُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَيَدْعُو، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، ومِنَ التَّصَرُّفِ في اللّامِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎خالِيَ لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأخْوالا
أيْ لَخالِي أنْتَ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى لَنا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ إلَهًا. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُ هَذا القَوْلَ غَلَطًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ ما قَبْلَ اللّامِ هَذِهِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا والقَفّالُ اللّامُ صِلَةٌ: أيْ زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: أيْ يَعْبُدُهُ، وهَكَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللّامِ، وتَكُونُ اللّامُ في لَبِئْسَ المَوْلى وفي لَبِئْسَ العَشِيرُ عَلى هَذا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَمّا فَرَغَ مَن ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حِرَفٍ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم هَذِهِ الجَنّاتِ المُتَّصِفَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَيُثِيبُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ النَّصْرَ الَّذِي (p-٩٥٧)أُوتِيَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْ حِيلَةً يَصِلُ بِها إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعَ أيْ ثُمَّ لِيَقْطَعَ النَّصْرَ إنْ تَهَيَّأ لَهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ مِن نَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ ثُمَّ لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، والمَعْنى: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتّى يَمُوتَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ ومُظْهِرُهُ، ولا يَنْفَعَهُ غَيْظُهُ، ومَعْنى فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ: أيْ صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ: أيْ غَيْظَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في يَنْصُرُهُ يَعُودُ إلى مَن، والمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَرْزُقُهُ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الدِّينِ: أيْ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ دِينَهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإسْكانِ اللّامِ في ثُمَّ لِيَقْطَعْ قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْناهُ آياتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَدْلُولاتِها ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتُهُ ابْتِداءً أوْ زِيادَةً فِيها لِمَن كانَ مَهْدِيًّا مِن قَبْلُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: لاوِيَ عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المُعْرِضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وأنْتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتَهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْلِمُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى بِلادِهِمْ، فَإنْ وجَدُوا عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ قالُوا: إنَّ دِينَنا هَذا لِصالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وإنْ وجَدُوا عامَ جَدْبٍ وعامَ وِلادِ سُوءٍ وعامَ قَحْطٍ قالُوا: ما في دِينِنا هَذا خَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أقِلْنِي أقِلْنِي، قالَ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي، فَقالَ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارَ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَنَزَلَتْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قالَ: فَلْيُرْبَطْ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَّماءِ﴾ قالَ: إلى سَماءِ بَيْتِهِ السَّقْفُ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قالَ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتّى يَمُوتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَأْخُذْ حَبْلًا فَلْيَرْبُطْهُ في سَماءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أوْ يَأْتِيهِ بِرِزْقٍ.
الحج 22:16
.
قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في شَأْنِ اللَّهِ، كَقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. قِيلَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، وقِيلَ: في أبِي جَهْلٍ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ لِكُلِّ مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا. ومَعْنى اللَّفْظِ: ومِنَ النّاسِ فَرِيقٌ يُجادِلُ في اللَّهِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُجادِلٍ في ذاتِ اللَّهِ، أوْ صِفاتِهِ أوْ شَرائِعِهِ الواضِحَةِ، و﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. قِيلَ والمُرادُ بِالعِلْمِ هو العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى هو العِلْمُ النَّظَرِيُّ الِاسْتِدْلالِيُّ. والأوْلى حَمْلُ العَمَلِ عَلى العُمُومِ، وحَمْلُ الهُدى عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، وهو الإرْشادُ. والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ هو القُرْآنُ، والمُنِيرُ النَّيِّرُ البَيِّنُ الحُجَّةِ الواضِحُ البُرْهانِ، وهو وإنْ دَخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فَإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ كَإفْرادِ جِبْرِيلَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ الفَرْدَ الكامِلَ الفائِقَ عَلى غَيْرِهِ مِن أفْرادِ العِلْمِ. وأمّا مَن حَمَلَ العِلْمَ عَلى الضَّرُورِيِّ والهُدى عَلى الِاسْتِدْلالِيِّ، فَقَدْ حَمَلَ الكِتابَ هُنا عَلى الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ ضَرُورِيًّا كانَ أوِ اسْتِدْلالِيًّا، ومُتَضَمِّنَةً لِنَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِأقْسامِهِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى. قِيلَ والمُرادُ بِهَذا المُجادِلِ في هَذِهِ الآيَةِ هو المُجادِلُ في الآيَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣]، وبِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والتَّكْرِيرُ لِلْمُبالَغَةِ في الذَّمِّ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تَذُمُّهُ وتُوَبِّخُهُ أنْتَ فَعَلَتْ هَذا أنْتَ فَعَلَتْ هَذا ؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِكَوْنِهِ وصَفَهُ في كُلِّ آيَةٍ بِزِيادَةٍ عَلى ما وصَفَهُ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اهـ. وقِيلَ: الآيَةُ الأُولى في المُقَلِّدِينَ اسْمُ فاعِلٍ. والثّانِيَةُ في المُقَلِّدِينَ اسْمُ مَفْعُولٍ. والثّانِيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ إضْلالٍ وجِدالٍ، وانْتِصابُ ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يُجادِلُ، والعِطْفُ الجانِبُ، وعِطْفا الرَّجُلِ جانِباهُ مِن يَمِينٍ وشِمالٍ، وفي تَفْسِيرِهِ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّ المُرادَ بِهِ مَن يَلْوِي عُنُقَهُ مَرَحًا وتَكَبُّرًا، ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ. قالَ وهَذا يُوصَفُ بِهِ المُتَكَبِّرُ. والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ مُتَكَبِّرًا. قالَ المُبَرِّدُ: العِطْفُ ما انْثَنى مِنَ العُنُقِ. والوَجْهُ الثّانِي أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ الإعْراضُ: أيْ مُعْرِضًا عَنِ الذَّكَرِ، كَذا قالَ الفَرّاءُ والمُفَضَّلُ وغَيْرُهُما كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] وقَوْلِهِ: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٤٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، واللّامُ في ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ: أيْ إنَّ غَرَضَهُ هو الإضْلالُ عَنِ السَّبِيلِ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وقُرِئَ ( لِيَضِلَّ ) بِفَتْحِ الياءِ عَلى أنْ تَكُونَ اللّامُ هي لامَ العاقِبَةِ كَأنَّهُ جَعَلَ ضَلالَهُ غايَةً لِجِدالِهِ، وجُمْلَةُ ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِ جِدالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ. والخِزْيُ الذُّلُّ، وذَلِكَ بِما يَنالُهُ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ المُعَجَّلِ وسُوءِ الذِّكْرِ عَلى ألْسُنِ النّاسَ. وقِيلَ: الخِزْيُ الدُّنْيَوِيُّ هو القَتْلُ كَما وقَعَ في يَوْمِ بَدْرٍ ﴿ونُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ عَذابَ النّارِ المُحْرِقَةِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ (p-٩٥٦)والأُخْرَوِيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ . والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ: أيْ ذَلِكَ العَذابُ النّازِلُ بِكَ بِسَبَبِ ما قَدَّمَتْهُ يَداكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وعَبَّرَ بِاليَدِ عَنْ جُمْلَةِ البَدَنِ لِكَوْنِ مُباشَرَةِ المَعاصِي تَكُونُ بِها في الغالِبِ، ومَحَلُّ أنَّ وما بَعْدَها في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ والأمْرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ عِبادَهُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وقَدْ مَرَّ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ آلِ عِمْرانَ فَلا نُعِيدُهُ. ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ هَذا بَيانٌ لِشِقاقِ أهْلِ الشِّقاقِ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الحَرْفُ الشَّكُّ، وأصْلُهُ مِن حَرْفِ الشَّيْءِ وهو طَرَفُهُ، مِثْلُ حَرْفِ الجَبَلِ والحائِطِ، فَإنَّ القائِمَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٌّ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قَلِقٌ في دِينِهِ عَلى غَيْرِ ثَباتٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي هو عَلى حَرْفِ الجَبَلِ ونَحْوِهِ يَضْطَرِبُ اضْطِرابًا ويَضْعُفُ قِيامُهُ، فَقِيلَ لِلشّاكِّ في دِينِهِ إنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ، لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ يَقِينٍ مِن وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِ لِأنَّهُ يَعْبُدُهُ عَلى يَقِينٍ وبَصِيرَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلى حَرْفٍ. وقِيلَ: الحَرْفُ الشَّرْطُ: أيْ ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى شَرْطٍ، والشَّرْطُ هو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ خَيْرٌ دُنْيَوِيٌّ مِن رَخاءٍ وعافِيَةٍ وخِصْبٍ وكَثْرَةِ مالٍ، ومَعْنى اطْمَأنَّ بِهِ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ واسْتَمَرَّ عَلى عِبادَتِهِ، أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِذَلِكَ الخَيْرِ الَّذِي أصابَهُ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يَفْتَتَنُ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُ في أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ نَفْسِهِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ أيِ ارْتَدَّ ورَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ بَعْدَ انْقِلابِهِ عَلى وجْهِهِ فَقالَ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ أيْ ذَهَبا مِنهُ وفَقَدَهُما، فَلا حَظَّ لَهُ في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والثَّناءِ الحَسَنِ، ولا في الآخِرَةِ مِنَ الأجْرِ وما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ والأعْرَجُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ خاسِرًا الدُّنْيا والآخِرَةَ عَلى صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى خُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ أيِ الواضِحُ الظّاهِرُ الَّذِي لا خُسْرانَ مِثْلُهُ. ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ إلى الكُفْرِ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ: أيْ يَعْبُدُ مُتَجاوِزًا عِبادَةَ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ ما لا يَضُرُّهُ إنْ تَرَكَ عِبادَتَهُ، ولا يَنْفَعُهُ إنْ عَبَدَهُ لِكَوْنِ ذَلِكَ المَعْبُودُ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى ضُرٍّ ولا نَفْعٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الدُّعاءِ المَفْهُومِ مِنِ الفِعْلِ وهو يَدْعُو، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿هُوَ الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ مُسْتَعارٌ مِن ضَلالِ مَن سَلَكَ غَيْرَ الطَّرِيقِ فَصارَ بِضَلالِهِ بَعِيدًا عَنْها. قالَ الفَرّاءُ: البَعِيدُ الطَّوِيلُ. ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ يَدْعُو بِمَعْنى يَقُولُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مَن كَوْنِ ذَلِكَ الدُّعاءَ ضَلالًا بَعِيدًا. والأصْنامُ لا نَفْعَ فِيها بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بَلْ هي ضَرَرٌ بَحْتٌ لِمَن يَعْبُدُها، لِأنَّهُ دَخَلَ النّارَ بِسَبَبِ عِبادَتِها، وإيرادُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ عَدَمِ النَّفْعِ بِالمَرَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ حالِ ذَلِكَ الدّاعِي، أوْ ذَلِكَ مِن بابِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أقْرَبُ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَعْبُودِهِ الَّذِي ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: لَبِئْسَ المَوْلى أنْتَ ولَبِئْسَ العَشِيرُ. والمَوْلى النّاصِرُ، والعَشِيرُ الصّاحِبُ، ومِثْلَ ما في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرَ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لِبانِ الأدْهَمِ
وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو في مَوْضِعِ الحالِ، وفِيهِ هاءٌ مَحْذُوفَةٌ: أيْ ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدَّعُوهُ وعَلى هَذا يُوقَفُ عَلى يَدْعُو، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ لَبِئْسَ المَوْلى. قالَ: وهَذا لِأنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ والتَّوْكِيدِ فَجَعَلَها أوَّلَ الكَلامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَدْعُو مُكَرَّرَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى جِهَةِ تَكْثِيرِ هَذا الفِعْلِ الَّذِي هو الدُّعاءُ: أيْ يَدْعُو ما لا يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُهُ يَدْعُو. مِثْلَ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرَبْتُ. وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ والزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ القَسَمُ، واللّامُ مُقَدَّمَةٌ عَلى مَوْضِعِها، والتَّقْدِيرُ: يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، فَمَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَيَدْعُو، واللّامُ جَوابُ القَسَمِ وضَرُّهُ مُبْتَدَأٌ، وأقْرَبُ خَبَرُهُ، ومِنَ التَّصَرُّفِ في اللّامِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎خالِيَ لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأخْوالا
أيْ لَخالِي أنْتَ. قالَ النَّحّاسُ: وحَكى لَنا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والمَعْنى: يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ إلَهًا. قالَ النَّحّاسُ: وأحْسَبُ هَذا القَوْلَ غَلَطًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، ولَعَلَّ وجْهَهُ أنَّ ما قَبْلَ اللّامِ هَذِهِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا والقَفّالُ اللّامُ صِلَةٌ: أيْ زائِدَةٌ، والمَعْنى: يَدْعُو مَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ: أيْ يَعْبُدُهُ، وهَكَذا في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللّامِ، وتَكُونُ اللّامُ في لَبِئْسَ المَوْلى وفي لَبِئْسَ العَشِيرُ عَلى هَذا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ لَمّا فَرَغَ مَن ذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ، ومَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حِرَفٍ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ يُدْخِلُهم هَذِهِ الجَنّاتِ المُتَّصِفَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرْيِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ: أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الأفْعالِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَيُثِيبُ مَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قالَ النَّحّاسُ: مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَقْطَعَ النَّصْرَ الَّذِي (p-٩٥٧)أُوتِيَهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَطْلُبْ حِيلَةً يَصِلُ بِها إلى السَّماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعَ أيْ ثُمَّ لِيَقْطَعَ النَّصْرَ إنْ تَهَيَّأ لَهُ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ مِن نَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ أيْ فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِ بَيْتِهِ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ ثُمَّ لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، والمَعْنى: فَلْيَخْتَنِقْ غَيْظًا حَتّى يَمُوتَ، فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ ومُظْهِرُهُ، ولا يَنْفَعَهُ غَيْظُهُ، ومَعْنى فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ: أيْ صَنِيعُهُ وحِيلَتُهُ ما يَغِيظُ: أيْ غَيْظَهُ، وما مَصْدَرِيَّةٌ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في يَنْصُرُهُ يَعُودُ إلى مَن، والمَعْنى: مَن كانَ يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَرْزُقُهُ فَلْيَقْتُلْ نَفْسَهُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الدِّينِ: أيْ مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ دِينَهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِإسْكانِ اللّامِ في ثُمَّ لِيَقْطَعْ قالَ النَّحّاسُ: وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ البَدِيعِ أنْزَلْناهُ آياتٍ واضِحاتٍ ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مَدْلُولاتِها ﴿وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ هِدايَتُهُ ابْتِداءً أوْ زِيادَةً فِيها لِمَن كانَ مَهْدِيًّا مِن قَبْلُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: لاوِيَ عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ المُعْرِضُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا وأنْتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتَهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يُسْلِمُونَ، فَإذا رَجَعُوا إلى بِلادِهِمْ، فَإنْ وجَدُوا عامَ غَيْثٍ وعامَ خِصْبٍ وعامَ وِلادٍ حَسَنٍ قالُوا: إنَّ دِينَنا هَذا لِصالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وإنْ وجَدُوا عامَ جَدْبٍ وعامَ وِلادِ سُوءٍ وعامَ قَحْطٍ قالُوا: ما في دِينِنا هَذا خَيْرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا نَحْوَهُ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِهِ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «أسْلَمَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ومالُهُ ووَلَدُهُ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، فَأتى النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: أقِلْنِي أقِلْنِي، قالَ: إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ، فَقالَ: لَمْ أُصِبْ مِن دِينِي هَذا خَيْرًا ذَهَبَ بَصَرِي ومالِي وماتَ ولَدِي، فَقالَ: يا يَهُودِيُّ الإسْلامُ يَسْبِكُ الرِّجالَ كَما تَسْبِكُ النّارَ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَنَزَلَتْ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ قالَ: مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ قالَ: فَلْيُرْبَطْ بِحَبْلٍ ﴿إلى السَّماءِ﴾ قالَ: إلى سَماءِ بَيْتِهِ السَّقْفُ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ قالَ: ثُمَّ لِيَخْتَنِقْ بِهِ حَتّى يَمُوتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ فَلْيَأْخُذْ حَبْلًا فَلْيَرْبُطْهُ في سَماءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ قالَ: فَلْيَنْظُرْ هَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ أوْ يَأْتِيهِ بِرِزْقٍ.
الحج 22:17
.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ مُوسى والصّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، وقِيلَ: هم مِن جِنْسِ النَّصارى ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ هم فِرْقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا تَرْجِعُ إلى مِلَّةٍ مِنِ المِلَلِ المُنْتَسِبَةِ إلى الأنْبِياءِ والنَّصارى هُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ عِيسى والمَجُوسُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ، ويَقُولُونَ إنَّ العالَمَ أصْلَيْنِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ. وقِيلَ: هم يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم يَسْتَعْمِلُونَ النَّجاساتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: إنَّهم أخَذُوا بَعْضَ دِينِ اليَهُودِ وبَعْضَ دِينِ النَّصارى والَّذِينَ أشْرَكُوا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في البَقَرَةِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ هُنالِكَ النَّصارى عَلى الصّابِئِينَ، وأخَّرَهم عَنْهم هُنا. فَقِيلَ وجْهُ تَقْدِيمِ النَّصارى هُنالِكَ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ الصّابِئِينَ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الصّابِئِينَ هُنا أنَّ زَمَنَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى زَمَنِ النَّصارى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ، ومَعْنى الفَصْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي بَيْنَهم فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مِنهم (p-٩٥٨)الجَنَّةَ والكافِرِينَ مِنهُمُ النّارَ. وقِيلَ: الفَصْلُ هو أنْ يُمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ خَلْقِهِ وأقْوالِهِمْ شَهِيدٌ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم﴾ خَبَرًا لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ. وقالَ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا إنَّ أخاهُ مُنْطَلِقٌ، ورَدَّ الزَّجّاجُ ما قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْكَرَهُ وأنْكَرَ ما جَعَلَهُ مُماثِلًا لِلْآيَةِ، ولا شَكَّ في جَوازِ قَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا الخَيْرُ عِنْدَهُ، وإنَّ زَيْدًا إنَّهُ مُنْطَلَقٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ: أيْ ألَمْ تَعْلَمْ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ هُنا هو الِانْقِيادُ الكامِلُ، لا سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءً جُعِلْتَ كَلِمَةُ مَن خاصَّةً بِالعُقَلاءِ، أوْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ، ولِهَذا عَطَفَ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ عَلى مَن، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ السُّجُودَ هو الِانْقِيادُ لا الطّاعَةُ الخاصَّةُ بِالعُقَلاءِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ الأُمُورَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً تَحْتَ مَن، عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عامَّةً لِكَوْنِ قِيامِ السُّجُودِ بِها مُسْتَبْعَدًا في العادَةِ، وارْتِفاعُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وإنَّما لَمْ يَرْتَفِعْ بِالعَطْفِ عَلى مَن، لِأنَّ سُجُودَ هَؤُلاءِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ هو سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ المُتَقَدِّمِ هو الِانْقِيادُ، فَلَوِ ارْتَفَعَ بِالعَطْفِ عَلى مَن لَكانَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في لَفْظٍ واحِدٍ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُلْجِئَ إلى هَذا بَعْدَ حَمْلِ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِن سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ هو انْقِيادُهم لا نَفْسُ السُّجُودِ الخاصِّ، فارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ أبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَثِيرٍ الأوَّلِ ويَكُونُ المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْجُدُ وكَثِيرٌ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ، وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، هَكَذا حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ مَن أهانَهُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهُ كافِرًا شَقِيًّا، فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ يُكْرِمُهُ فَيَصِيرُ سَعِيدًا عَزِيزًا. وحَكى الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾: أيْ إكْرامٍ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ. ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الخَصْمانِ أحَدُهُما أنْجَسُ الفِرَقِ اليَهُودُ والنَّصارى والصّابِئُونَ والمَجُوسُ والَّذِينَ أشْرَكُوا، والخَصْمُ الآخَرُ المُسْلِمُونَ، فَهُما فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ. قالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي لِرَحْمَتِهِ، وقالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي لِعُقُوبَتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ هُمُ الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَمِنَ المُؤْمِنِينَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ، ومِنَ الكافِرِينَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وقَدْ كانَ أبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ المُتَبارِزِينَ كَما ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهم أعْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ بِأسْبابِ النُّزُولِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وقالَ سُبْحانَهُ: اخْتَصَمُوا ولَمْ يَقُلِ اخْتَصَما. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّهم جَمْعٌ، ولَوْ قالَ اخْتَصَما لَجازَ، ومَعْنى في رَبِّهِمْ في شَأْنِ رَبِّهِمْ: أيْ في دِينِهِ، أوْ في ذاتِهِ، أوْ في صِفاتِهِ، أوْ في شَرِيعَتِهِ لِعِبادِهِ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ ما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: أيْ سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لَهم، شُبِّهَتِ النّارُ بِالثِّيابِ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ الثِّيابِ، وعَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ قَدْ أُذِيبَ فَصارَ كالنّارِ، وهي السَّرابِيلُ المَذْكُورَةُ في آيَةٍ أُخْرى. وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ: أحاطَتِ النّارُ بِهِمْ، وقُرِئَ ( قُطِعَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ والحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ بِنارِ جَهَنَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ هي خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ.
﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الصَّهْرُ الإذابَةُ، والصُّهارَةُ ما ذابَ مِنهُ، يُقالُ صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ: أيْ أذَبْتُهُ فَذابَ فَهو صَهِيرٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذابُ بِذَلِكَ الحَمِيمِ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ والجُلُودِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما: أيْ ويُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنِ الجُلُودَ لا تُذابُ، بَلْ تُحْرَقُ، فَيُقَدَّرُ فِعْلٌ يُناسِبُ ذَلِكَ، ويُقالُ وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وسَقَيْتُها ماءً، ولا يَخْفى أنَّهُ لا مُلْجِئَ لِهَذا، فَإنَّ الحَمِيمَ إذا كانَ يُذِيبُ ما في البُطُونِ فَإذابَتُهُ لِلْجِلْدِ الظّاهِرِ بِالأوْلى.
﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ المَقامِعُ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ ومَقْمَعٌ قَمَعْتُهُ ضَرَبْتُهُ بِالمِقْمَعَةِ، وهي قِطْعَةٌ مِن حَدِيدٍ. والمَعْنى: لَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ يُضْرَبُونَ بِها: أيْ لِلْكَفَرَةِ، وسُمِّيَتِ المَقامِعُ مَقامِعَ لِأنَّها تَقْمَعُ المَضْرُوبَ: أيْ تُذَلِّلُهُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أقَمَعْتُ الرَّجُلَ عَنِّي إقْماعًا: إذا طَلَعَ عَلَيْكَ فَرَدَدْتُهُ عَنْكَ.
﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ النّارِ أُعِيدُوا فِيها أيْ في النّارِ بِالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ، ومِن غَمٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مِنها بِإعادَةِ الجارِّ أوْ مَفْعُولٍ لَهُ: أيْ لِأجْلِ غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومُ النّارِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ: لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ: أيِ العَذابَ المُحْرِقَ، وأصْلُ الحَرِيقِ الِاسْمُ مِنَ الِاحْتِراقِ، تَحْرِقُ الشَّيْءَ بِالنّارِ واحْتَرَقَ حُرْقَةً واحْتِراقًا، والذَّوْقُ مُماسَّةٌ يَحْصُلُ مَعَها إدْراكُ الطَّعْمِ، وهو هُنا تَوَسُّعٌ، والمُرادُ بِهِ إدْراكُ الألَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ. (p-٩٥٩)وقالَ في الخَصْمِ الآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. ﴿إنِ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِهِ لِحالِ الكافِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ فَقالَ: يُحَلَّونَ فِيها قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُحَلَّونَ ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا: أيْ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ أوِ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ. ومِن في قَوْلِهِ: مِن أساوِرَ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ يُحَلَّونَ بَعْضَ أساوِرَ، أوْ لِلْبَيانِ، أوْ زائِدَةً، ومِن في مِن ذَهَبٍ لِلْبَيانِ، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ، وفي السُّوارِ لُغَتانِ: كَسْرُ السِّينِ وضَمُّها، وفِيهِ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي أسْوارٌ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وشَيْبَةُ ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ أساوِرَ: أيْ ويُحَلُّونَ لُؤْلُؤًا، أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِنَصْبِهِ، وهَكَذا قَرَأ بِالنَّصْبِ يَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ فَإنَّ هَذا الحَرْفَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ: أيْ يُحَلُّونَ مِن أساوِرَ ومِن لُؤْلُؤٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ سُوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ مُصْمَتٍ كَما أنَّ فِيها أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يَلْبَسُونَهُ حَرِيرٌ كَما تُفِيدُهُ هَذِهِ الإضافَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَلْبُوسِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا حَلالٌ لَهم في الآخِرَةِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَلْبَسُونَهُ فِيها، فَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعْطى ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ ويَنالُ ما يُرِيدُهُ.
﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ أُرْشِدُوا إلَيْهِ، قِيلَ هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: هو ما يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ البِشاراتِ. وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ المُجْمَلِ هُنا، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أنَّهم أُرْشِدُوا إلى الصِّراطِ المَحْمُودِ وهو طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوْ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو دِينُهُ القَوِيمُ، وهو الإسْلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والصّابِئِينَ قالَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ﴿والمَجُوسَ﴾ عَبْدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنِّيرانِ، ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَبْدَةُ الأوْثانِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، فَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، ودِينُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: فَصَلَ قَضاءَهُ بَيْنَهم فَجَعَلَ الخَمْسَةَ مُشْتَرِكَةً وجَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ واحِدَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، والصّابِئُونَ: لَيْسَ لَهم كِتابٌ، والمَجُوسُ: أصْحابُ الأصْنامِ والمُشْرِكُونَ: نَصارى العَرَبِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالَ عَلِيٌّ: وأنا أوَّلُ مَن يَجْثُو في الخُصُومَةِ عَلى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وهَكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ: مِن نُحاسٍ، ولَيْسَ مِنَ الآنِيَةِ شَيْءٌ إذا حَمِيَ أشَدُّ حَرًّا مِنهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ قالَ: النَّحّاسُ يُذابُ عَلى رُءُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: تَسِيلُ أمْعاؤُهم ﴿والجُلُودُ﴾ قالَ: تَتَناثَرُ جُلُودُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ مِن قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: يَمْشُونَ وأمْعاؤُهم تَتَساقَطُ وجُلُودُهم.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ قالَ: يَضْرِبُونَ بِها، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلى حِيالِهِ فَيَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُسْقَونَ ماءً إذا دَخَلَ في بُطُونِهِمْ أذابَها والجُلُودُ مَعَ البُطُونِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ مَقْمَعًا مِن حَدِيدٍ وُضِعَ في الأرْضِ فاجْتَمَعَ الثَّقَلانِ ما أقَلُّوهُ مِنَ الأرْضِ، ولَوْ ضُرِبَ الجَبَلُ بِمَقْمَعٍ مِن حَدِيدٍ لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عادَ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: النّارُ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُضِيءُ لَهَبُها ولا جَمْرُها، ثُمَّ قَرَأ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ . وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: أُلْهِمُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ في الخُصُومَةِ إذْ قالُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إسْماعِيلَ ابْنِ أبِي خالِدٍ في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي (p-٩٦٠)حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .