Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الحج 22:18 – الحج 22:49

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الحج 22:18
  2. الحج 22:19
  3. الحج 22:20
  4. الحج 22:21
  5. الحج 22:22
  6. الحج 22:23
  7. الحج 22:24
  8. الحج 22:25
  9. الحج 22:26
  10. الحج 22:27
  11. الحج 22:28
  12. الحج 22:29
  13. الحج 22:30
  14. الحج 22:31
  15. الحج 22:32
  16. الحج 22:33
  17. الحج 22:34
  18. الحج 22:35
  19. الحج 22:36
  20. الحج 22:37
  21. الحج 22:38
  22. الحج 22:39
  23. الحج 22:40
  24. الحج 22:41
  25. الحج 22:42
  26. الحج 22:43
  27. الحج 22:44
  28. الحج 22:45
  29. الحج 22:46
  30. الحج 22:47
  31. الحج 22:48
  32. الحج 22:49

الحج 22:18

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ مُوسى والصّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، وقِيلَ: هم مِن جِنْسِ النَّصارى ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ هم فِرْقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا تَرْجِعُ إلى مِلَّةٍ مِنِ المِلَلِ المُنْتَسِبَةِ إلى الأنْبِياءِ والنَّصارى هُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ عِيسى والمَجُوسُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ، ويَقُولُونَ إنَّ العالَمَ أصْلَيْنِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ. وقِيلَ: هم يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم يَسْتَعْمِلُونَ النَّجاساتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: إنَّهم أخَذُوا بَعْضَ دِينِ اليَهُودِ وبَعْضَ دِينِ النَّصارى والَّذِينَ أشْرَكُوا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في البَقَرَةِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ هُنالِكَ النَّصارى عَلى الصّابِئِينَ، وأخَّرَهم عَنْهم هُنا. فَقِيلَ وجْهُ تَقْدِيمِ النَّصارى هُنالِكَ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ الصّابِئِينَ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الصّابِئِينَ هُنا أنَّ زَمَنَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى زَمَنِ النَّصارى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ، ومَعْنى الفَصْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي بَيْنَهم فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مِنهم (p-٩٥٨)الجَنَّةَ والكافِرِينَ مِنهُمُ النّارَ. وقِيلَ: الفَصْلُ هو أنْ يُمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ خَلْقِهِ وأقْوالِهِمْ شَهِيدٌ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم﴾ خَبَرًا لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ. وقالَ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا إنَّ أخاهُ مُنْطَلِقٌ، ورَدَّ الزَّجّاجُ ما قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْكَرَهُ وأنْكَرَ ما جَعَلَهُ مُماثِلًا لِلْآيَةِ، ولا شَكَّ في جَوازِ قَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا الخَيْرُ عِنْدَهُ، وإنَّ زَيْدًا إنَّهُ مُنْطَلَقٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ: أيْ ألَمْ تَعْلَمْ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ هُنا هو الِانْقِيادُ الكامِلُ، لا سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءً جُعِلْتَ كَلِمَةُ مَن خاصَّةً بِالعُقَلاءِ، أوْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ، ولِهَذا عَطَفَ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ عَلى مَن، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ السُّجُودَ هو الِانْقِيادُ لا الطّاعَةُ الخاصَّةُ بِالعُقَلاءِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ الأُمُورَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً تَحْتَ مَن، عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عامَّةً لِكَوْنِ قِيامِ السُّجُودِ بِها مُسْتَبْعَدًا في العادَةِ، وارْتِفاعُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وإنَّما لَمْ يَرْتَفِعْ بِالعَطْفِ عَلى مَن، لِأنَّ سُجُودَ هَؤُلاءِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ هو سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ المُتَقَدِّمِ هو الِانْقِيادُ، فَلَوِ ارْتَفَعَ بِالعَطْفِ عَلى مَن لَكانَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في لَفْظٍ واحِدٍ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُلْجِئَ إلى هَذا بَعْدَ حَمْلِ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِن سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ هو انْقِيادُهم لا نَفْسُ السُّجُودِ الخاصِّ، فارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ أبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَثِيرٍ الأوَّلِ ويَكُونُ المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْجُدُ وكَثِيرٌ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ، وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، هَكَذا حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ مَن أهانَهُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهُ كافِرًا شَقِيًّا، فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ يُكْرِمُهُ فَيَصِيرُ سَعِيدًا عَزِيزًا. وحَكى الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾: أيْ إكْرامٍ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ. ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الخَصْمانِ أحَدُهُما أنْجَسُ الفِرَقِ اليَهُودُ والنَّصارى والصّابِئُونَ والمَجُوسُ والَّذِينَ أشْرَكُوا، والخَصْمُ الآخَرُ المُسْلِمُونَ، فَهُما فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ. قالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي لِرَحْمَتِهِ، وقالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي لِعُقُوبَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ هُمُ الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَمِنَ المُؤْمِنِينَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ، ومِنَ الكافِرِينَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وقَدْ كانَ أبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ المُتَبارِزِينَ كَما ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهم أعْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ بِأسْبابِ النُّزُولِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وقالَ سُبْحانَهُ: اخْتَصَمُوا ولَمْ يَقُلِ اخْتَصَما. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّهم جَمْعٌ، ولَوْ قالَ اخْتَصَما لَجازَ، ومَعْنى في رَبِّهِمْ في شَأْنِ رَبِّهِمْ: أيْ في دِينِهِ، أوْ في ذاتِهِ، أوْ في صِفاتِهِ، أوْ في شَرِيعَتِهِ لِعِبادِهِ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ ما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: أيْ سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لَهم، شُبِّهَتِ النّارُ بِالثِّيابِ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ الثِّيابِ، وعَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ قَدْ أُذِيبَ فَصارَ كالنّارِ، وهي السَّرابِيلُ المَذْكُورَةُ في آيَةٍ أُخْرى. وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ: أحاطَتِ النّارُ بِهِمْ، وقُرِئَ ( قُطِعَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ والحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ بِنارِ جَهَنَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ هي خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ. ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الصَّهْرُ الإذابَةُ، والصُّهارَةُ ما ذابَ مِنهُ، يُقالُ صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ: أيْ أذَبْتُهُ فَذابَ فَهو صَهِيرٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذابُ بِذَلِكَ الحَمِيمِ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ والجُلُودِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما: أيْ ويُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنِ الجُلُودَ لا تُذابُ، بَلْ تُحْرَقُ، فَيُقَدَّرُ فِعْلٌ يُناسِبُ ذَلِكَ، ويُقالُ وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وسَقَيْتُها ماءً، ولا يَخْفى أنَّهُ لا مُلْجِئَ لِهَذا، فَإنَّ الحَمِيمَ إذا كانَ يُذِيبُ ما في البُطُونِ فَإذابَتُهُ لِلْجِلْدِ الظّاهِرِ بِالأوْلى. ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ المَقامِعُ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ ومَقْمَعٌ قَمَعْتُهُ ضَرَبْتُهُ بِالمِقْمَعَةِ، وهي قِطْعَةٌ مِن حَدِيدٍ. والمَعْنى: لَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ يُضْرَبُونَ بِها: أيْ لِلْكَفَرَةِ، وسُمِّيَتِ المَقامِعُ مَقامِعَ لِأنَّها تَقْمَعُ المَضْرُوبَ: أيْ تُذَلِّلُهُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أقَمَعْتُ الرَّجُلَ عَنِّي إقْماعًا: إذا طَلَعَ عَلَيْكَ فَرَدَدْتُهُ عَنْكَ. ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ النّارِ أُعِيدُوا فِيها أيْ في النّارِ بِالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ، ومِن غَمٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مِنها بِإعادَةِ الجارِّ أوْ مَفْعُولٍ لَهُ: أيْ لِأجْلِ غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومُ النّارِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ: لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ: أيِ العَذابَ المُحْرِقَ، وأصْلُ الحَرِيقِ الِاسْمُ مِنَ الِاحْتِراقِ، تَحْرِقُ الشَّيْءَ بِالنّارِ واحْتَرَقَ حُرْقَةً واحْتِراقًا، والذَّوْقُ مُماسَّةٌ يَحْصُلُ مَعَها إدْراكُ الطَّعْمِ، وهو هُنا تَوَسُّعٌ، والمُرادُ بِهِ إدْراكُ الألَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ. (p-٩٥٩)وقالَ في الخَصْمِ الآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. ﴿إنِ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِهِ لِحالِ الكافِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ فَقالَ: يُحَلَّونَ فِيها قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُحَلَّونَ ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا: أيْ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ أوِ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ. ومِن في قَوْلِهِ: مِن أساوِرَ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ يُحَلَّونَ بَعْضَ أساوِرَ، أوْ لِلْبَيانِ، أوْ زائِدَةً، ومِن في مِن ذَهَبٍ لِلْبَيانِ، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ، وفي السُّوارِ لُغَتانِ: كَسْرُ السِّينِ وضَمُّها، وفِيهِ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي أسْوارٌ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وشَيْبَةُ ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ أساوِرَ: أيْ ويُحَلُّونَ لُؤْلُؤًا، أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِنَصْبِهِ، وهَكَذا قَرَأ بِالنَّصْبِ يَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ فَإنَّ هَذا الحَرْفَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ: أيْ يُحَلُّونَ مِن أساوِرَ ومِن لُؤْلُؤٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ سُوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ مُصْمَتٍ كَما أنَّ فِيها أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يَلْبَسُونَهُ حَرِيرٌ كَما تُفِيدُهُ هَذِهِ الإضافَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَلْبُوسِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا حَلالٌ لَهم في الآخِرَةِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَلْبَسُونَهُ فِيها، فَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعْطى ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ ويَنالُ ما يُرِيدُهُ. ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ أُرْشِدُوا إلَيْهِ، قِيلَ هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: هو ما يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ البِشاراتِ. وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ المُجْمَلِ هُنا، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أنَّهم أُرْشِدُوا إلى الصِّراطِ المَحْمُودِ وهو طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوْ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو دِينُهُ القَوِيمُ، وهو الإسْلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والصّابِئِينَ قالَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ﴿والمَجُوسَ﴾ عَبْدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنِّيرانِ، ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَبْدَةُ الأوْثانِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، فَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، ودِينُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: فَصَلَ قَضاءَهُ بَيْنَهم فَجَعَلَ الخَمْسَةَ مُشْتَرِكَةً وجَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ واحِدَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، والصّابِئُونَ: لَيْسَ لَهم كِتابٌ، والمَجُوسُ: أصْحابُ الأصْنامِ والمُشْرِكُونَ: نَصارى العَرَبِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالَ عَلِيٌّ: وأنا أوَّلُ مَن يَجْثُو في الخُصُومَةِ عَلى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وهَكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ: مِن نُحاسٍ، ولَيْسَ مِنَ الآنِيَةِ شَيْءٌ إذا حَمِيَ أشَدُّ حَرًّا مِنهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ قالَ: النَّحّاسُ يُذابُ عَلى رُءُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: تَسِيلُ أمْعاؤُهم ﴿والجُلُودُ﴾ قالَ: تَتَناثَرُ جُلُودُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ مِن قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: يَمْشُونَ وأمْعاؤُهم تَتَساقَطُ وجُلُودُهم. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ قالَ: يَضْرِبُونَ بِها، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلى حِيالِهِ فَيَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُسْقَونَ ماءً إذا دَخَلَ في بُطُونِهِمْ أذابَها والجُلُودُ مَعَ البُطُونِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ مَقْمَعًا مِن حَدِيدٍ وُضِعَ في الأرْضِ فاجْتَمَعَ الثَّقَلانِ ما أقَلُّوهُ مِنَ الأرْضِ، ولَوْ ضُرِبَ الجَبَلُ بِمَقْمَعٍ مِن حَدِيدٍ لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عادَ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: النّارُ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُضِيءُ لَهَبُها ولا جَمْرُها، ثُمَّ قَرَأ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ . وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: أُلْهِمُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ في الخُصُومَةِ إذْ قالُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إسْماعِيلَ ابْنِ أبِي خالِدٍ في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي (p-٩٦٠)حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .

الحج 22:19

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ مُوسى والصّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، وقِيلَ: هم مِن جِنْسِ النَّصارى ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ هم فِرْقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا تَرْجِعُ إلى مِلَّةٍ مِنِ المِلَلِ المُنْتَسِبَةِ إلى الأنْبِياءِ والنَّصارى هُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ عِيسى والمَجُوسُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ، ويَقُولُونَ إنَّ العالَمَ أصْلَيْنِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ. وقِيلَ: هم يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم يَسْتَعْمِلُونَ النَّجاساتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: إنَّهم أخَذُوا بَعْضَ دِينِ اليَهُودِ وبَعْضَ دِينِ النَّصارى والَّذِينَ أشْرَكُوا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في البَقَرَةِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ هُنالِكَ النَّصارى عَلى الصّابِئِينَ، وأخَّرَهم عَنْهم هُنا. فَقِيلَ وجْهُ تَقْدِيمِ النَّصارى هُنالِكَ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ الصّابِئِينَ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الصّابِئِينَ هُنا أنَّ زَمَنَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى زَمَنِ النَّصارى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ، ومَعْنى الفَصْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي بَيْنَهم فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مِنهم (p-٩٥٨)الجَنَّةَ والكافِرِينَ مِنهُمُ النّارَ. وقِيلَ: الفَصْلُ هو أنْ يُمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ خَلْقِهِ وأقْوالِهِمْ شَهِيدٌ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم﴾ خَبَرًا لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ. وقالَ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا إنَّ أخاهُ مُنْطَلِقٌ، ورَدَّ الزَّجّاجُ ما قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْكَرَهُ وأنْكَرَ ما جَعَلَهُ مُماثِلًا لِلْآيَةِ، ولا شَكَّ في جَوازِ قَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا الخَيْرُ عِنْدَهُ، وإنَّ زَيْدًا إنَّهُ مُنْطَلَقٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ: أيْ ألَمْ تَعْلَمْ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ هُنا هو الِانْقِيادُ الكامِلُ، لا سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءً جُعِلْتَ كَلِمَةُ مَن خاصَّةً بِالعُقَلاءِ، أوْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ، ولِهَذا عَطَفَ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ عَلى مَن، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ السُّجُودَ هو الِانْقِيادُ لا الطّاعَةُ الخاصَّةُ بِالعُقَلاءِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ الأُمُورَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً تَحْتَ مَن، عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عامَّةً لِكَوْنِ قِيامِ السُّجُودِ بِها مُسْتَبْعَدًا في العادَةِ، وارْتِفاعُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وإنَّما لَمْ يَرْتَفِعْ بِالعَطْفِ عَلى مَن، لِأنَّ سُجُودَ هَؤُلاءِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ هو سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ المُتَقَدِّمِ هو الِانْقِيادُ، فَلَوِ ارْتَفَعَ بِالعَطْفِ عَلى مَن لَكانَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في لَفْظٍ واحِدٍ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُلْجِئَ إلى هَذا بَعْدَ حَمْلِ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِن سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ هو انْقِيادُهم لا نَفْسُ السُّجُودِ الخاصِّ، فارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ أبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَثِيرٍ الأوَّلِ ويَكُونُ المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْجُدُ وكَثِيرٌ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ، وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، هَكَذا حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ مَن أهانَهُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهُ كافِرًا شَقِيًّا، فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ يُكْرِمُهُ فَيَصِيرُ سَعِيدًا عَزِيزًا. وحَكى الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾: أيْ إكْرامٍ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ. ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الخَصْمانِ أحَدُهُما أنْجَسُ الفِرَقِ اليَهُودُ والنَّصارى والصّابِئُونَ والمَجُوسُ والَّذِينَ أشْرَكُوا، والخَصْمُ الآخَرُ المُسْلِمُونَ، فَهُما فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ. قالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي لِرَحْمَتِهِ، وقالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي لِعُقُوبَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ هُمُ الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَمِنَ المُؤْمِنِينَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ، ومِنَ الكافِرِينَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وقَدْ كانَ أبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ المُتَبارِزِينَ كَما ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهم أعْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ بِأسْبابِ النُّزُولِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وقالَ سُبْحانَهُ: اخْتَصَمُوا ولَمْ يَقُلِ اخْتَصَما. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّهم جَمْعٌ، ولَوْ قالَ اخْتَصَما لَجازَ، ومَعْنى في رَبِّهِمْ في شَأْنِ رَبِّهِمْ: أيْ في دِينِهِ، أوْ في ذاتِهِ، أوْ في صِفاتِهِ، أوْ في شَرِيعَتِهِ لِعِبادِهِ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ ما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: أيْ سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لَهم، شُبِّهَتِ النّارُ بِالثِّيابِ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ الثِّيابِ، وعَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ قَدْ أُذِيبَ فَصارَ كالنّارِ، وهي السَّرابِيلُ المَذْكُورَةُ في آيَةٍ أُخْرى. وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ: أحاطَتِ النّارُ بِهِمْ، وقُرِئَ ( قُطِعَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ والحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ بِنارِ جَهَنَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ هي خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ. ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الصَّهْرُ الإذابَةُ، والصُّهارَةُ ما ذابَ مِنهُ، يُقالُ صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ: أيْ أذَبْتُهُ فَذابَ فَهو صَهِيرٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذابُ بِذَلِكَ الحَمِيمِ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ والجُلُودِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما: أيْ ويُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنِ الجُلُودَ لا تُذابُ، بَلْ تُحْرَقُ، فَيُقَدَّرُ فِعْلٌ يُناسِبُ ذَلِكَ، ويُقالُ وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وسَقَيْتُها ماءً، ولا يَخْفى أنَّهُ لا مُلْجِئَ لِهَذا، فَإنَّ الحَمِيمَ إذا كانَ يُذِيبُ ما في البُطُونِ فَإذابَتُهُ لِلْجِلْدِ الظّاهِرِ بِالأوْلى. ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ المَقامِعُ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ ومَقْمَعٌ قَمَعْتُهُ ضَرَبْتُهُ بِالمِقْمَعَةِ، وهي قِطْعَةٌ مِن حَدِيدٍ. والمَعْنى: لَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ يُضْرَبُونَ بِها: أيْ لِلْكَفَرَةِ، وسُمِّيَتِ المَقامِعُ مَقامِعَ لِأنَّها تَقْمَعُ المَضْرُوبَ: أيْ تُذَلِّلُهُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أقَمَعْتُ الرَّجُلَ عَنِّي إقْماعًا: إذا طَلَعَ عَلَيْكَ فَرَدَدْتُهُ عَنْكَ. ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ النّارِ أُعِيدُوا فِيها أيْ في النّارِ بِالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ، ومِن غَمٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مِنها بِإعادَةِ الجارِّ أوْ مَفْعُولٍ لَهُ: أيْ لِأجْلِ غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومُ النّارِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ: لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ: أيِ العَذابَ المُحْرِقَ، وأصْلُ الحَرِيقِ الِاسْمُ مِنَ الِاحْتِراقِ، تَحْرِقُ الشَّيْءَ بِالنّارِ واحْتَرَقَ حُرْقَةً واحْتِراقًا، والذَّوْقُ مُماسَّةٌ يَحْصُلُ مَعَها إدْراكُ الطَّعْمِ، وهو هُنا تَوَسُّعٌ، والمُرادُ بِهِ إدْراكُ الألَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ. (p-٩٥٩)وقالَ في الخَصْمِ الآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. ﴿إنِ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِهِ لِحالِ الكافِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ فَقالَ: يُحَلَّونَ فِيها قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُحَلَّونَ ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا: أيْ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ أوِ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ. ومِن في قَوْلِهِ: مِن أساوِرَ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ يُحَلَّونَ بَعْضَ أساوِرَ، أوْ لِلْبَيانِ، أوْ زائِدَةً، ومِن في مِن ذَهَبٍ لِلْبَيانِ، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ، وفي السُّوارِ لُغَتانِ: كَسْرُ السِّينِ وضَمُّها، وفِيهِ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي أسْوارٌ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وشَيْبَةُ ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ أساوِرَ: أيْ ويُحَلُّونَ لُؤْلُؤًا، أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِنَصْبِهِ، وهَكَذا قَرَأ بِالنَّصْبِ يَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ فَإنَّ هَذا الحَرْفَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ: أيْ يُحَلُّونَ مِن أساوِرَ ومِن لُؤْلُؤٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ سُوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ مُصْمَتٍ كَما أنَّ فِيها أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يَلْبَسُونَهُ حَرِيرٌ كَما تُفِيدُهُ هَذِهِ الإضافَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَلْبُوسِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا حَلالٌ لَهم في الآخِرَةِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَلْبَسُونَهُ فِيها، فَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعْطى ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ ويَنالُ ما يُرِيدُهُ. ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ أُرْشِدُوا إلَيْهِ، قِيلَ هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: هو ما يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ البِشاراتِ. وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ المُجْمَلِ هُنا، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أنَّهم أُرْشِدُوا إلى الصِّراطِ المَحْمُودِ وهو طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوْ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو دِينُهُ القَوِيمُ، وهو الإسْلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والصّابِئِينَ قالَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ﴿والمَجُوسَ﴾ عَبْدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنِّيرانِ، ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَبْدَةُ الأوْثانِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، فَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، ودِينُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: فَصَلَ قَضاءَهُ بَيْنَهم فَجَعَلَ الخَمْسَةَ مُشْتَرِكَةً وجَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ واحِدَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، والصّابِئُونَ: لَيْسَ لَهم كِتابٌ، والمَجُوسُ: أصْحابُ الأصْنامِ والمُشْرِكُونَ: نَصارى العَرَبِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالَ عَلِيٌّ: وأنا أوَّلُ مَن يَجْثُو في الخُصُومَةِ عَلى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وهَكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ: مِن نُحاسٍ، ولَيْسَ مِنَ الآنِيَةِ شَيْءٌ إذا حَمِيَ أشَدُّ حَرًّا مِنهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ قالَ: النَّحّاسُ يُذابُ عَلى رُءُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: تَسِيلُ أمْعاؤُهم ﴿والجُلُودُ﴾ قالَ: تَتَناثَرُ جُلُودُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ مِن قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: يَمْشُونَ وأمْعاؤُهم تَتَساقَطُ وجُلُودُهم. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ قالَ: يَضْرِبُونَ بِها، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلى حِيالِهِ فَيَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُسْقَونَ ماءً إذا دَخَلَ في بُطُونِهِمْ أذابَها والجُلُودُ مَعَ البُطُونِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ مَقْمَعًا مِن حَدِيدٍ وُضِعَ في الأرْضِ فاجْتَمَعَ الثَّقَلانِ ما أقَلُّوهُ مِنَ الأرْضِ، ولَوْ ضُرِبَ الجَبَلُ بِمَقْمَعٍ مِن حَدِيدٍ لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عادَ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: النّارُ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُضِيءُ لَهَبُها ولا جَمْرُها، ثُمَّ قَرَأ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ . وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: أُلْهِمُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ في الخُصُومَةِ إذْ قالُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إسْماعِيلَ ابْنِ أبِي خالِدٍ في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي (p-٩٦٠)حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .

الحج 22:20

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ مُوسى والصّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، وقِيلَ: هم مِن جِنْسِ النَّصارى ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ هم فِرْقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا تَرْجِعُ إلى مِلَّةٍ مِنِ المِلَلِ المُنْتَسِبَةِ إلى الأنْبِياءِ والنَّصارى هُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ عِيسى والمَجُوسُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ، ويَقُولُونَ إنَّ العالَمَ أصْلَيْنِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ. وقِيلَ: هم يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم يَسْتَعْمِلُونَ النَّجاساتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: إنَّهم أخَذُوا بَعْضَ دِينِ اليَهُودِ وبَعْضَ دِينِ النَّصارى والَّذِينَ أشْرَكُوا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في البَقَرَةِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ هُنالِكَ النَّصارى عَلى الصّابِئِينَ، وأخَّرَهم عَنْهم هُنا. فَقِيلَ وجْهُ تَقْدِيمِ النَّصارى هُنالِكَ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ الصّابِئِينَ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الصّابِئِينَ هُنا أنَّ زَمَنَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى زَمَنِ النَّصارى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ، ومَعْنى الفَصْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي بَيْنَهم فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مِنهم (p-٩٥٨)الجَنَّةَ والكافِرِينَ مِنهُمُ النّارَ. وقِيلَ: الفَصْلُ هو أنْ يُمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ خَلْقِهِ وأقْوالِهِمْ شَهِيدٌ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم﴾ خَبَرًا لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ. وقالَ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا إنَّ أخاهُ مُنْطَلِقٌ، ورَدَّ الزَّجّاجُ ما قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْكَرَهُ وأنْكَرَ ما جَعَلَهُ مُماثِلًا لِلْآيَةِ، ولا شَكَّ في جَوازِ قَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا الخَيْرُ عِنْدَهُ، وإنَّ زَيْدًا إنَّهُ مُنْطَلَقٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ: أيْ ألَمْ تَعْلَمْ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ هُنا هو الِانْقِيادُ الكامِلُ، لا سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءً جُعِلْتَ كَلِمَةُ مَن خاصَّةً بِالعُقَلاءِ، أوْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ، ولِهَذا عَطَفَ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ عَلى مَن، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ السُّجُودَ هو الِانْقِيادُ لا الطّاعَةُ الخاصَّةُ بِالعُقَلاءِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ الأُمُورَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً تَحْتَ مَن، عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عامَّةً لِكَوْنِ قِيامِ السُّجُودِ بِها مُسْتَبْعَدًا في العادَةِ، وارْتِفاعُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وإنَّما لَمْ يَرْتَفِعْ بِالعَطْفِ عَلى مَن، لِأنَّ سُجُودَ هَؤُلاءِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ هو سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ المُتَقَدِّمِ هو الِانْقِيادُ، فَلَوِ ارْتَفَعَ بِالعَطْفِ عَلى مَن لَكانَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في لَفْظٍ واحِدٍ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُلْجِئَ إلى هَذا بَعْدَ حَمْلِ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِن سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ هو انْقِيادُهم لا نَفْسُ السُّجُودِ الخاصِّ، فارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ أبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَثِيرٍ الأوَّلِ ويَكُونُ المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْجُدُ وكَثِيرٌ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ، وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، هَكَذا حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ مَن أهانَهُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهُ كافِرًا شَقِيًّا، فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ يُكْرِمُهُ فَيَصِيرُ سَعِيدًا عَزِيزًا. وحَكى الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾: أيْ إكْرامٍ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ. ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الخَصْمانِ أحَدُهُما أنْجَسُ الفِرَقِ اليَهُودُ والنَّصارى والصّابِئُونَ والمَجُوسُ والَّذِينَ أشْرَكُوا، والخَصْمُ الآخَرُ المُسْلِمُونَ، فَهُما فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ. قالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي لِرَحْمَتِهِ، وقالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي لِعُقُوبَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ هُمُ الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَمِنَ المُؤْمِنِينَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ، ومِنَ الكافِرِينَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وقَدْ كانَ أبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ المُتَبارِزِينَ كَما ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهم أعْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ بِأسْبابِ النُّزُولِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وقالَ سُبْحانَهُ: اخْتَصَمُوا ولَمْ يَقُلِ اخْتَصَما. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّهم جَمْعٌ، ولَوْ قالَ اخْتَصَما لَجازَ، ومَعْنى في رَبِّهِمْ في شَأْنِ رَبِّهِمْ: أيْ في دِينِهِ، أوْ في ذاتِهِ، أوْ في صِفاتِهِ، أوْ في شَرِيعَتِهِ لِعِبادِهِ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ ما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: أيْ سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لَهم، شُبِّهَتِ النّارُ بِالثِّيابِ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ الثِّيابِ، وعَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ قَدْ أُذِيبَ فَصارَ كالنّارِ، وهي السَّرابِيلُ المَذْكُورَةُ في آيَةٍ أُخْرى. وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ: أحاطَتِ النّارُ بِهِمْ، وقُرِئَ ( قُطِعَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ والحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ بِنارِ جَهَنَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ هي خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ. ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الصَّهْرُ الإذابَةُ، والصُّهارَةُ ما ذابَ مِنهُ، يُقالُ صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ: أيْ أذَبْتُهُ فَذابَ فَهو صَهِيرٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذابُ بِذَلِكَ الحَمِيمِ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ والجُلُودِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما: أيْ ويُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنِ الجُلُودَ لا تُذابُ، بَلْ تُحْرَقُ، فَيُقَدَّرُ فِعْلٌ يُناسِبُ ذَلِكَ، ويُقالُ وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وسَقَيْتُها ماءً، ولا يَخْفى أنَّهُ لا مُلْجِئَ لِهَذا، فَإنَّ الحَمِيمَ إذا كانَ يُذِيبُ ما في البُطُونِ فَإذابَتُهُ لِلْجِلْدِ الظّاهِرِ بِالأوْلى. ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ المَقامِعُ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ ومَقْمَعٌ قَمَعْتُهُ ضَرَبْتُهُ بِالمِقْمَعَةِ، وهي قِطْعَةٌ مِن حَدِيدٍ. والمَعْنى: لَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ يُضْرَبُونَ بِها: أيْ لِلْكَفَرَةِ، وسُمِّيَتِ المَقامِعُ مَقامِعَ لِأنَّها تَقْمَعُ المَضْرُوبَ: أيْ تُذَلِّلُهُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أقَمَعْتُ الرَّجُلَ عَنِّي إقْماعًا: إذا طَلَعَ عَلَيْكَ فَرَدَدْتُهُ عَنْكَ. ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ النّارِ أُعِيدُوا فِيها أيْ في النّارِ بِالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ، ومِن غَمٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مِنها بِإعادَةِ الجارِّ أوْ مَفْعُولٍ لَهُ: أيْ لِأجْلِ غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومُ النّارِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ: لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ: أيِ العَذابَ المُحْرِقَ، وأصْلُ الحَرِيقِ الِاسْمُ مِنَ الِاحْتِراقِ، تَحْرِقُ الشَّيْءَ بِالنّارِ واحْتَرَقَ حُرْقَةً واحْتِراقًا، والذَّوْقُ مُماسَّةٌ يَحْصُلُ مَعَها إدْراكُ الطَّعْمِ، وهو هُنا تَوَسُّعٌ، والمُرادُ بِهِ إدْراكُ الألَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ. (p-٩٥٩)وقالَ في الخَصْمِ الآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. ﴿إنِ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِهِ لِحالِ الكافِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ فَقالَ: يُحَلَّونَ فِيها قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُحَلَّونَ ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا: أيْ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ أوِ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ. ومِن في قَوْلِهِ: مِن أساوِرَ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ يُحَلَّونَ بَعْضَ أساوِرَ، أوْ لِلْبَيانِ، أوْ زائِدَةً، ومِن في مِن ذَهَبٍ لِلْبَيانِ، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ، وفي السُّوارِ لُغَتانِ: كَسْرُ السِّينِ وضَمُّها، وفِيهِ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي أسْوارٌ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وشَيْبَةُ ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ أساوِرَ: أيْ ويُحَلُّونَ لُؤْلُؤًا، أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِنَصْبِهِ، وهَكَذا قَرَأ بِالنَّصْبِ يَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ فَإنَّ هَذا الحَرْفَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ: أيْ يُحَلُّونَ مِن أساوِرَ ومِن لُؤْلُؤٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ سُوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ مُصْمَتٍ كَما أنَّ فِيها أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يَلْبَسُونَهُ حَرِيرٌ كَما تُفِيدُهُ هَذِهِ الإضافَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَلْبُوسِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا حَلالٌ لَهم في الآخِرَةِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَلْبَسُونَهُ فِيها، فَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعْطى ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ ويَنالُ ما يُرِيدُهُ. ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ أُرْشِدُوا إلَيْهِ، قِيلَ هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: هو ما يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ البِشاراتِ. وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ المُجْمَلِ هُنا، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أنَّهم أُرْشِدُوا إلى الصِّراطِ المَحْمُودِ وهو طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوْ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو دِينُهُ القَوِيمُ، وهو الإسْلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والصّابِئِينَ قالَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ﴿والمَجُوسَ﴾ عَبْدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنِّيرانِ، ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَبْدَةُ الأوْثانِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، فَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، ودِينُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: فَصَلَ قَضاءَهُ بَيْنَهم فَجَعَلَ الخَمْسَةَ مُشْتَرِكَةً وجَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ واحِدَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، والصّابِئُونَ: لَيْسَ لَهم كِتابٌ، والمَجُوسُ: أصْحابُ الأصْنامِ والمُشْرِكُونَ: نَصارى العَرَبِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالَ عَلِيٌّ: وأنا أوَّلُ مَن يَجْثُو في الخُصُومَةِ عَلى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وهَكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ: مِن نُحاسٍ، ولَيْسَ مِنَ الآنِيَةِ شَيْءٌ إذا حَمِيَ أشَدُّ حَرًّا مِنهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ قالَ: النَّحّاسُ يُذابُ عَلى رُءُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: تَسِيلُ أمْعاؤُهم ﴿والجُلُودُ﴾ قالَ: تَتَناثَرُ جُلُودُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ مِن قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: يَمْشُونَ وأمْعاؤُهم تَتَساقَطُ وجُلُودُهم. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ قالَ: يَضْرِبُونَ بِها، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلى حِيالِهِ فَيَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُسْقَونَ ماءً إذا دَخَلَ في بُطُونِهِمْ أذابَها والجُلُودُ مَعَ البُطُونِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ مَقْمَعًا مِن حَدِيدٍ وُضِعَ في الأرْضِ فاجْتَمَعَ الثَّقَلانِ ما أقَلُّوهُ مِنَ الأرْضِ، ولَوْ ضُرِبَ الجَبَلُ بِمَقْمَعٍ مِن حَدِيدٍ لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عادَ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: النّارُ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُضِيءُ لَهَبُها ولا جَمْرُها، ثُمَّ قَرَأ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ . وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: أُلْهِمُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ في الخُصُومَةِ إذْ قالُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إسْماعِيلَ ابْنِ أبِي خالِدٍ في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي (p-٩٦٠)حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .

الحج 22:21

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ مُوسى والصّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، وقِيلَ: هم مِن جِنْسِ النَّصارى ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ هم فِرْقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا تَرْجِعُ إلى مِلَّةٍ مِنِ المِلَلِ المُنْتَسِبَةِ إلى الأنْبِياءِ والنَّصارى هُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ عِيسى والمَجُوسُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ، ويَقُولُونَ إنَّ العالَمَ أصْلَيْنِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ. وقِيلَ: هم يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم يَسْتَعْمِلُونَ النَّجاساتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: إنَّهم أخَذُوا بَعْضَ دِينِ اليَهُودِ وبَعْضَ دِينِ النَّصارى والَّذِينَ أشْرَكُوا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في البَقَرَةِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ هُنالِكَ النَّصارى عَلى الصّابِئِينَ، وأخَّرَهم عَنْهم هُنا. فَقِيلَ وجْهُ تَقْدِيمِ النَّصارى هُنالِكَ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ الصّابِئِينَ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الصّابِئِينَ هُنا أنَّ زَمَنَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى زَمَنِ النَّصارى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ، ومَعْنى الفَصْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي بَيْنَهم فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مِنهم (p-٩٥٨)الجَنَّةَ والكافِرِينَ مِنهُمُ النّارَ. وقِيلَ: الفَصْلُ هو أنْ يُمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ خَلْقِهِ وأقْوالِهِمْ شَهِيدٌ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم﴾ خَبَرًا لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ. وقالَ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا إنَّ أخاهُ مُنْطَلِقٌ، ورَدَّ الزَّجّاجُ ما قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْكَرَهُ وأنْكَرَ ما جَعَلَهُ مُماثِلًا لِلْآيَةِ، ولا شَكَّ في جَوازِ قَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا الخَيْرُ عِنْدَهُ، وإنَّ زَيْدًا إنَّهُ مُنْطَلَقٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ: أيْ ألَمْ تَعْلَمْ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ هُنا هو الِانْقِيادُ الكامِلُ، لا سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءً جُعِلْتَ كَلِمَةُ مَن خاصَّةً بِالعُقَلاءِ، أوْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ، ولِهَذا عَطَفَ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ عَلى مَن، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ السُّجُودَ هو الِانْقِيادُ لا الطّاعَةُ الخاصَّةُ بِالعُقَلاءِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ الأُمُورَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً تَحْتَ مَن، عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عامَّةً لِكَوْنِ قِيامِ السُّجُودِ بِها مُسْتَبْعَدًا في العادَةِ، وارْتِفاعُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وإنَّما لَمْ يَرْتَفِعْ بِالعَطْفِ عَلى مَن، لِأنَّ سُجُودَ هَؤُلاءِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ هو سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ المُتَقَدِّمِ هو الِانْقِيادُ، فَلَوِ ارْتَفَعَ بِالعَطْفِ عَلى مَن لَكانَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في لَفْظٍ واحِدٍ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُلْجِئَ إلى هَذا بَعْدَ حَمْلِ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِن سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ هو انْقِيادُهم لا نَفْسُ السُّجُودِ الخاصِّ، فارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ أبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَثِيرٍ الأوَّلِ ويَكُونُ المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْجُدُ وكَثِيرٌ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ، وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، هَكَذا حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ مَن أهانَهُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهُ كافِرًا شَقِيًّا، فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ يُكْرِمُهُ فَيَصِيرُ سَعِيدًا عَزِيزًا. وحَكى الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾: أيْ إكْرامٍ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ. ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الخَصْمانِ أحَدُهُما أنْجَسُ الفِرَقِ اليَهُودُ والنَّصارى والصّابِئُونَ والمَجُوسُ والَّذِينَ أشْرَكُوا، والخَصْمُ الآخَرُ المُسْلِمُونَ، فَهُما فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ. قالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي لِرَحْمَتِهِ، وقالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي لِعُقُوبَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ هُمُ الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَمِنَ المُؤْمِنِينَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ، ومِنَ الكافِرِينَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وقَدْ كانَ أبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ المُتَبارِزِينَ كَما ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهم أعْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ بِأسْبابِ النُّزُولِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وقالَ سُبْحانَهُ: اخْتَصَمُوا ولَمْ يَقُلِ اخْتَصَما. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّهم جَمْعٌ، ولَوْ قالَ اخْتَصَما لَجازَ، ومَعْنى في رَبِّهِمْ في شَأْنِ رَبِّهِمْ: أيْ في دِينِهِ، أوْ في ذاتِهِ، أوْ في صِفاتِهِ، أوْ في شَرِيعَتِهِ لِعِبادِهِ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ ما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: أيْ سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لَهم، شُبِّهَتِ النّارُ بِالثِّيابِ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ الثِّيابِ، وعَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ قَدْ أُذِيبَ فَصارَ كالنّارِ، وهي السَّرابِيلُ المَذْكُورَةُ في آيَةٍ أُخْرى. وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ: أحاطَتِ النّارُ بِهِمْ، وقُرِئَ ( قُطِعَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ والحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ بِنارِ جَهَنَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ هي خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ. ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الصَّهْرُ الإذابَةُ، والصُّهارَةُ ما ذابَ مِنهُ، يُقالُ صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ: أيْ أذَبْتُهُ فَذابَ فَهو صَهِيرٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذابُ بِذَلِكَ الحَمِيمِ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ والجُلُودِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما: أيْ ويُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنِ الجُلُودَ لا تُذابُ، بَلْ تُحْرَقُ، فَيُقَدَّرُ فِعْلٌ يُناسِبُ ذَلِكَ، ويُقالُ وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وسَقَيْتُها ماءً، ولا يَخْفى أنَّهُ لا مُلْجِئَ لِهَذا، فَإنَّ الحَمِيمَ إذا كانَ يُذِيبُ ما في البُطُونِ فَإذابَتُهُ لِلْجِلْدِ الظّاهِرِ بِالأوْلى. ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ المَقامِعُ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ ومَقْمَعٌ قَمَعْتُهُ ضَرَبْتُهُ بِالمِقْمَعَةِ، وهي قِطْعَةٌ مِن حَدِيدٍ. والمَعْنى: لَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ يُضْرَبُونَ بِها: أيْ لِلْكَفَرَةِ، وسُمِّيَتِ المَقامِعُ مَقامِعَ لِأنَّها تَقْمَعُ المَضْرُوبَ: أيْ تُذَلِّلُهُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أقَمَعْتُ الرَّجُلَ عَنِّي إقْماعًا: إذا طَلَعَ عَلَيْكَ فَرَدَدْتُهُ عَنْكَ. ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ النّارِ أُعِيدُوا فِيها أيْ في النّارِ بِالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ، ومِن غَمٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مِنها بِإعادَةِ الجارِّ أوْ مَفْعُولٍ لَهُ: أيْ لِأجْلِ غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومُ النّارِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ: لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ: أيِ العَذابَ المُحْرِقَ، وأصْلُ الحَرِيقِ الِاسْمُ مِنَ الِاحْتِراقِ، تَحْرِقُ الشَّيْءَ بِالنّارِ واحْتَرَقَ حُرْقَةً واحْتِراقًا، والذَّوْقُ مُماسَّةٌ يَحْصُلُ مَعَها إدْراكُ الطَّعْمِ، وهو هُنا تَوَسُّعٌ، والمُرادُ بِهِ إدْراكُ الألَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ. (p-٩٥٩)وقالَ في الخَصْمِ الآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. ﴿إنِ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِهِ لِحالِ الكافِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ فَقالَ: يُحَلَّونَ فِيها قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُحَلَّونَ ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا: أيْ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ أوِ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ. ومِن في قَوْلِهِ: مِن أساوِرَ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ يُحَلَّونَ بَعْضَ أساوِرَ، أوْ لِلْبَيانِ، أوْ زائِدَةً، ومِن في مِن ذَهَبٍ لِلْبَيانِ، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ، وفي السُّوارِ لُغَتانِ: كَسْرُ السِّينِ وضَمُّها، وفِيهِ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي أسْوارٌ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وشَيْبَةُ ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ أساوِرَ: أيْ ويُحَلُّونَ لُؤْلُؤًا، أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِنَصْبِهِ، وهَكَذا قَرَأ بِالنَّصْبِ يَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ فَإنَّ هَذا الحَرْفَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ: أيْ يُحَلُّونَ مِن أساوِرَ ومِن لُؤْلُؤٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ سُوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ مُصْمَتٍ كَما أنَّ فِيها أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يَلْبَسُونَهُ حَرِيرٌ كَما تُفِيدُهُ هَذِهِ الإضافَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَلْبُوسِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا حَلالٌ لَهم في الآخِرَةِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَلْبَسُونَهُ فِيها، فَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعْطى ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ ويَنالُ ما يُرِيدُهُ. ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ أُرْشِدُوا إلَيْهِ، قِيلَ هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: هو ما يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ البِشاراتِ. وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ المُجْمَلِ هُنا، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أنَّهم أُرْشِدُوا إلى الصِّراطِ المَحْمُودِ وهو طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوْ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو دِينُهُ القَوِيمُ، وهو الإسْلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والصّابِئِينَ قالَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ﴿والمَجُوسَ﴾ عَبْدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنِّيرانِ، ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَبْدَةُ الأوْثانِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، فَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، ودِينُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: فَصَلَ قَضاءَهُ بَيْنَهم فَجَعَلَ الخَمْسَةَ مُشْتَرِكَةً وجَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ واحِدَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، والصّابِئُونَ: لَيْسَ لَهم كِتابٌ، والمَجُوسُ: أصْحابُ الأصْنامِ والمُشْرِكُونَ: نَصارى العَرَبِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالَ عَلِيٌّ: وأنا أوَّلُ مَن يَجْثُو في الخُصُومَةِ عَلى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وهَكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ: مِن نُحاسٍ، ولَيْسَ مِنَ الآنِيَةِ شَيْءٌ إذا حَمِيَ أشَدُّ حَرًّا مِنهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ قالَ: النَّحّاسُ يُذابُ عَلى رُءُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: تَسِيلُ أمْعاؤُهم ﴿والجُلُودُ﴾ قالَ: تَتَناثَرُ جُلُودُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ مِن قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: يَمْشُونَ وأمْعاؤُهم تَتَساقَطُ وجُلُودُهم. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ قالَ: يَضْرِبُونَ بِها، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلى حِيالِهِ فَيَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُسْقَونَ ماءً إذا دَخَلَ في بُطُونِهِمْ أذابَها والجُلُودُ مَعَ البُطُونِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ مَقْمَعًا مِن حَدِيدٍ وُضِعَ في الأرْضِ فاجْتَمَعَ الثَّقَلانِ ما أقَلُّوهُ مِنَ الأرْضِ، ولَوْ ضُرِبَ الجَبَلُ بِمَقْمَعٍ مِن حَدِيدٍ لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عادَ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: النّارُ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُضِيءُ لَهَبُها ولا جَمْرُها، ثُمَّ قَرَأ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ . وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: أُلْهِمُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ في الخُصُومَةِ إذْ قالُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إسْماعِيلَ ابْنِ أبِي خالِدٍ في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي (p-٩٦٠)حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .

الحج 22:22

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ مُوسى والصّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، وقِيلَ: هم مِن جِنْسِ النَّصارى ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ هم فِرْقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا تَرْجِعُ إلى مِلَّةٍ مِنِ المِلَلِ المُنْتَسِبَةِ إلى الأنْبِياءِ والنَّصارى هُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ عِيسى والمَجُوسُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ، ويَقُولُونَ إنَّ العالَمَ أصْلَيْنِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ. وقِيلَ: هم يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم يَسْتَعْمِلُونَ النَّجاساتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: إنَّهم أخَذُوا بَعْضَ دِينِ اليَهُودِ وبَعْضَ دِينِ النَّصارى والَّذِينَ أشْرَكُوا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في البَقَرَةِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ هُنالِكَ النَّصارى عَلى الصّابِئِينَ، وأخَّرَهم عَنْهم هُنا. فَقِيلَ وجْهُ تَقْدِيمِ النَّصارى هُنالِكَ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ الصّابِئِينَ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الصّابِئِينَ هُنا أنَّ زَمَنَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى زَمَنِ النَّصارى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ، ومَعْنى الفَصْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي بَيْنَهم فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مِنهم (p-٩٥٨)الجَنَّةَ والكافِرِينَ مِنهُمُ النّارَ. وقِيلَ: الفَصْلُ هو أنْ يُمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ خَلْقِهِ وأقْوالِهِمْ شَهِيدٌ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم﴾ خَبَرًا لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ. وقالَ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا إنَّ أخاهُ مُنْطَلِقٌ، ورَدَّ الزَّجّاجُ ما قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْكَرَهُ وأنْكَرَ ما جَعَلَهُ مُماثِلًا لِلْآيَةِ، ولا شَكَّ في جَوازِ قَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا الخَيْرُ عِنْدَهُ، وإنَّ زَيْدًا إنَّهُ مُنْطَلَقٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ: أيْ ألَمْ تَعْلَمْ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ هُنا هو الِانْقِيادُ الكامِلُ، لا سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءً جُعِلْتَ كَلِمَةُ مَن خاصَّةً بِالعُقَلاءِ، أوْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ، ولِهَذا عَطَفَ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ عَلى مَن، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ السُّجُودَ هو الِانْقِيادُ لا الطّاعَةُ الخاصَّةُ بِالعُقَلاءِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ الأُمُورَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً تَحْتَ مَن، عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عامَّةً لِكَوْنِ قِيامِ السُّجُودِ بِها مُسْتَبْعَدًا في العادَةِ، وارْتِفاعُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وإنَّما لَمْ يَرْتَفِعْ بِالعَطْفِ عَلى مَن، لِأنَّ سُجُودَ هَؤُلاءِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ هو سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ المُتَقَدِّمِ هو الِانْقِيادُ، فَلَوِ ارْتَفَعَ بِالعَطْفِ عَلى مَن لَكانَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في لَفْظٍ واحِدٍ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُلْجِئَ إلى هَذا بَعْدَ حَمْلِ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِن سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ هو انْقِيادُهم لا نَفْسُ السُّجُودِ الخاصِّ، فارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ أبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَثِيرٍ الأوَّلِ ويَكُونُ المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْجُدُ وكَثِيرٌ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ، وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، هَكَذا حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ مَن أهانَهُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهُ كافِرًا شَقِيًّا، فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ يُكْرِمُهُ فَيَصِيرُ سَعِيدًا عَزِيزًا. وحَكى الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾: أيْ إكْرامٍ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ. ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الخَصْمانِ أحَدُهُما أنْجَسُ الفِرَقِ اليَهُودُ والنَّصارى والصّابِئُونَ والمَجُوسُ والَّذِينَ أشْرَكُوا، والخَصْمُ الآخَرُ المُسْلِمُونَ، فَهُما فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ. قالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي لِرَحْمَتِهِ، وقالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي لِعُقُوبَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ هُمُ الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَمِنَ المُؤْمِنِينَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ، ومِنَ الكافِرِينَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وقَدْ كانَ أبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ المُتَبارِزِينَ كَما ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهم أعْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ بِأسْبابِ النُّزُولِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وقالَ سُبْحانَهُ: اخْتَصَمُوا ولَمْ يَقُلِ اخْتَصَما. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّهم جَمْعٌ، ولَوْ قالَ اخْتَصَما لَجازَ، ومَعْنى في رَبِّهِمْ في شَأْنِ رَبِّهِمْ: أيْ في دِينِهِ، أوْ في ذاتِهِ، أوْ في صِفاتِهِ، أوْ في شَرِيعَتِهِ لِعِبادِهِ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ ما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: أيْ سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لَهم، شُبِّهَتِ النّارُ بِالثِّيابِ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ الثِّيابِ، وعَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ قَدْ أُذِيبَ فَصارَ كالنّارِ، وهي السَّرابِيلُ المَذْكُورَةُ في آيَةٍ أُخْرى. وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ: أحاطَتِ النّارُ بِهِمْ، وقُرِئَ ( قُطِعَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ والحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ بِنارِ جَهَنَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ هي خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ. ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الصَّهْرُ الإذابَةُ، والصُّهارَةُ ما ذابَ مِنهُ، يُقالُ صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ: أيْ أذَبْتُهُ فَذابَ فَهو صَهِيرٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذابُ بِذَلِكَ الحَمِيمِ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ والجُلُودِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما: أيْ ويُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنِ الجُلُودَ لا تُذابُ، بَلْ تُحْرَقُ، فَيُقَدَّرُ فِعْلٌ يُناسِبُ ذَلِكَ، ويُقالُ وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وسَقَيْتُها ماءً، ولا يَخْفى أنَّهُ لا مُلْجِئَ لِهَذا، فَإنَّ الحَمِيمَ إذا كانَ يُذِيبُ ما في البُطُونِ فَإذابَتُهُ لِلْجِلْدِ الظّاهِرِ بِالأوْلى. ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ المَقامِعُ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ ومَقْمَعٌ قَمَعْتُهُ ضَرَبْتُهُ بِالمِقْمَعَةِ، وهي قِطْعَةٌ مِن حَدِيدٍ. والمَعْنى: لَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ يُضْرَبُونَ بِها: أيْ لِلْكَفَرَةِ، وسُمِّيَتِ المَقامِعُ مَقامِعَ لِأنَّها تَقْمَعُ المَضْرُوبَ: أيْ تُذَلِّلُهُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أقَمَعْتُ الرَّجُلَ عَنِّي إقْماعًا: إذا طَلَعَ عَلَيْكَ فَرَدَدْتُهُ عَنْكَ. ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ النّارِ أُعِيدُوا فِيها أيْ في النّارِ بِالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ، ومِن غَمٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مِنها بِإعادَةِ الجارِّ أوْ مَفْعُولٍ لَهُ: أيْ لِأجْلِ غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومُ النّارِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ: لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ: أيِ العَذابَ المُحْرِقَ، وأصْلُ الحَرِيقِ الِاسْمُ مِنَ الِاحْتِراقِ، تَحْرِقُ الشَّيْءَ بِالنّارِ واحْتَرَقَ حُرْقَةً واحْتِراقًا، والذَّوْقُ مُماسَّةٌ يَحْصُلُ مَعَها إدْراكُ الطَّعْمِ، وهو هُنا تَوَسُّعٌ، والمُرادُ بِهِ إدْراكُ الألَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ. (p-٩٥٩)وقالَ في الخَصْمِ الآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. ﴿إنِ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِهِ لِحالِ الكافِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ فَقالَ: يُحَلَّونَ فِيها قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُحَلَّونَ ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا: أيْ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ أوِ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ. ومِن في قَوْلِهِ: مِن أساوِرَ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ يُحَلَّونَ بَعْضَ أساوِرَ، أوْ لِلْبَيانِ، أوْ زائِدَةً، ومِن في مِن ذَهَبٍ لِلْبَيانِ، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ، وفي السُّوارِ لُغَتانِ: كَسْرُ السِّينِ وضَمُّها، وفِيهِ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي أسْوارٌ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وشَيْبَةُ ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ أساوِرَ: أيْ ويُحَلُّونَ لُؤْلُؤًا، أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِنَصْبِهِ، وهَكَذا قَرَأ بِالنَّصْبِ يَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ فَإنَّ هَذا الحَرْفَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ: أيْ يُحَلُّونَ مِن أساوِرَ ومِن لُؤْلُؤٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ سُوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ مُصْمَتٍ كَما أنَّ فِيها أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يَلْبَسُونَهُ حَرِيرٌ كَما تُفِيدُهُ هَذِهِ الإضافَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَلْبُوسِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا حَلالٌ لَهم في الآخِرَةِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَلْبَسُونَهُ فِيها، فَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعْطى ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ ويَنالُ ما يُرِيدُهُ. ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ أُرْشِدُوا إلَيْهِ، قِيلَ هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: هو ما يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ البِشاراتِ. وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ المُجْمَلِ هُنا، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أنَّهم أُرْشِدُوا إلى الصِّراطِ المَحْمُودِ وهو طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوْ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو دِينُهُ القَوِيمُ، وهو الإسْلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والصّابِئِينَ قالَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ﴿والمَجُوسَ﴾ عَبْدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنِّيرانِ، ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَبْدَةُ الأوْثانِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، فَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، ودِينُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: فَصَلَ قَضاءَهُ بَيْنَهم فَجَعَلَ الخَمْسَةَ مُشْتَرِكَةً وجَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ واحِدَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، والصّابِئُونَ: لَيْسَ لَهم كِتابٌ، والمَجُوسُ: أصْحابُ الأصْنامِ والمُشْرِكُونَ: نَصارى العَرَبِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالَ عَلِيٌّ: وأنا أوَّلُ مَن يَجْثُو في الخُصُومَةِ عَلى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وهَكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ: مِن نُحاسٍ، ولَيْسَ مِنَ الآنِيَةِ شَيْءٌ إذا حَمِيَ أشَدُّ حَرًّا مِنهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ قالَ: النَّحّاسُ يُذابُ عَلى رُءُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: تَسِيلُ أمْعاؤُهم ﴿والجُلُودُ﴾ قالَ: تَتَناثَرُ جُلُودُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ مِن قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: يَمْشُونَ وأمْعاؤُهم تَتَساقَطُ وجُلُودُهم. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ قالَ: يَضْرِبُونَ بِها، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلى حِيالِهِ فَيَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُسْقَونَ ماءً إذا دَخَلَ في بُطُونِهِمْ أذابَها والجُلُودُ مَعَ البُطُونِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ مَقْمَعًا مِن حَدِيدٍ وُضِعَ في الأرْضِ فاجْتَمَعَ الثَّقَلانِ ما أقَلُّوهُ مِنَ الأرْضِ، ولَوْ ضُرِبَ الجَبَلُ بِمَقْمَعٍ مِن حَدِيدٍ لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عادَ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: النّارُ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُضِيءُ لَهَبُها ولا جَمْرُها، ثُمَّ قَرَأ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ . وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: أُلْهِمُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ في الخُصُومَةِ إذْ قالُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إسْماعِيلَ ابْنِ أبِي خالِدٍ في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي (p-٩٦٠)حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .

الحج 22:23

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ مُوسى والصّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، وقِيلَ: هم مِن جِنْسِ النَّصارى ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ هم فِرْقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا تَرْجِعُ إلى مِلَّةٍ مِنِ المِلَلِ المُنْتَسِبَةِ إلى الأنْبِياءِ والنَّصارى هُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ عِيسى والمَجُوسُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ، ويَقُولُونَ إنَّ العالَمَ أصْلَيْنِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ. وقِيلَ: هم يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم يَسْتَعْمِلُونَ النَّجاساتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: إنَّهم أخَذُوا بَعْضَ دِينِ اليَهُودِ وبَعْضَ دِينِ النَّصارى والَّذِينَ أشْرَكُوا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في البَقَرَةِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ هُنالِكَ النَّصارى عَلى الصّابِئِينَ، وأخَّرَهم عَنْهم هُنا. فَقِيلَ وجْهُ تَقْدِيمِ النَّصارى هُنالِكَ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ الصّابِئِينَ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الصّابِئِينَ هُنا أنَّ زَمَنَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى زَمَنِ النَّصارى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ، ومَعْنى الفَصْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي بَيْنَهم فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مِنهم (p-٩٥٨)الجَنَّةَ والكافِرِينَ مِنهُمُ النّارَ. وقِيلَ: الفَصْلُ هو أنْ يُمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ خَلْقِهِ وأقْوالِهِمْ شَهِيدٌ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم﴾ خَبَرًا لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ. وقالَ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا إنَّ أخاهُ مُنْطَلِقٌ، ورَدَّ الزَّجّاجُ ما قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْكَرَهُ وأنْكَرَ ما جَعَلَهُ مُماثِلًا لِلْآيَةِ، ولا شَكَّ في جَوازِ قَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا الخَيْرُ عِنْدَهُ، وإنَّ زَيْدًا إنَّهُ مُنْطَلَقٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ: أيْ ألَمْ تَعْلَمْ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ هُنا هو الِانْقِيادُ الكامِلُ، لا سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءً جُعِلْتَ كَلِمَةُ مَن خاصَّةً بِالعُقَلاءِ، أوْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ، ولِهَذا عَطَفَ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ عَلى مَن، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ السُّجُودَ هو الِانْقِيادُ لا الطّاعَةُ الخاصَّةُ بِالعُقَلاءِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ الأُمُورَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً تَحْتَ مَن، عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عامَّةً لِكَوْنِ قِيامِ السُّجُودِ بِها مُسْتَبْعَدًا في العادَةِ، وارْتِفاعُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وإنَّما لَمْ يَرْتَفِعْ بِالعَطْفِ عَلى مَن، لِأنَّ سُجُودَ هَؤُلاءِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ هو سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ المُتَقَدِّمِ هو الِانْقِيادُ، فَلَوِ ارْتَفَعَ بِالعَطْفِ عَلى مَن لَكانَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في لَفْظٍ واحِدٍ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُلْجِئَ إلى هَذا بَعْدَ حَمْلِ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِن سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ هو انْقِيادُهم لا نَفْسُ السُّجُودِ الخاصِّ، فارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ أبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَثِيرٍ الأوَّلِ ويَكُونُ المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْجُدُ وكَثِيرٌ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ، وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، هَكَذا حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ مَن أهانَهُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهُ كافِرًا شَقِيًّا، فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ يُكْرِمُهُ فَيَصِيرُ سَعِيدًا عَزِيزًا. وحَكى الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾: أيْ إكْرامٍ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ. ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الخَصْمانِ أحَدُهُما أنْجَسُ الفِرَقِ اليَهُودُ والنَّصارى والصّابِئُونَ والمَجُوسُ والَّذِينَ أشْرَكُوا، والخَصْمُ الآخَرُ المُسْلِمُونَ، فَهُما فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ. قالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي لِرَحْمَتِهِ، وقالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي لِعُقُوبَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ هُمُ الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَمِنَ المُؤْمِنِينَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ، ومِنَ الكافِرِينَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وقَدْ كانَ أبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ المُتَبارِزِينَ كَما ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهم أعْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ بِأسْبابِ النُّزُولِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وقالَ سُبْحانَهُ: اخْتَصَمُوا ولَمْ يَقُلِ اخْتَصَما. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّهم جَمْعٌ، ولَوْ قالَ اخْتَصَما لَجازَ، ومَعْنى في رَبِّهِمْ في شَأْنِ رَبِّهِمْ: أيْ في دِينِهِ، أوْ في ذاتِهِ، أوْ في صِفاتِهِ، أوْ في شَرِيعَتِهِ لِعِبادِهِ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ ما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: أيْ سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لَهم، شُبِّهَتِ النّارُ بِالثِّيابِ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ الثِّيابِ، وعَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ قَدْ أُذِيبَ فَصارَ كالنّارِ، وهي السَّرابِيلُ المَذْكُورَةُ في آيَةٍ أُخْرى. وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ: أحاطَتِ النّارُ بِهِمْ، وقُرِئَ ( قُطِعَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ والحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ بِنارِ جَهَنَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ هي خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ. ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الصَّهْرُ الإذابَةُ، والصُّهارَةُ ما ذابَ مِنهُ، يُقالُ صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ: أيْ أذَبْتُهُ فَذابَ فَهو صَهِيرٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذابُ بِذَلِكَ الحَمِيمِ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ والجُلُودِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما: أيْ ويُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنِ الجُلُودَ لا تُذابُ، بَلْ تُحْرَقُ، فَيُقَدَّرُ فِعْلٌ يُناسِبُ ذَلِكَ، ويُقالُ وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وسَقَيْتُها ماءً، ولا يَخْفى أنَّهُ لا مُلْجِئَ لِهَذا، فَإنَّ الحَمِيمَ إذا كانَ يُذِيبُ ما في البُطُونِ فَإذابَتُهُ لِلْجِلْدِ الظّاهِرِ بِالأوْلى. ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ المَقامِعُ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ ومَقْمَعٌ قَمَعْتُهُ ضَرَبْتُهُ بِالمِقْمَعَةِ، وهي قِطْعَةٌ مِن حَدِيدٍ. والمَعْنى: لَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ يُضْرَبُونَ بِها: أيْ لِلْكَفَرَةِ، وسُمِّيَتِ المَقامِعُ مَقامِعَ لِأنَّها تَقْمَعُ المَضْرُوبَ: أيْ تُذَلِّلُهُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أقَمَعْتُ الرَّجُلَ عَنِّي إقْماعًا: إذا طَلَعَ عَلَيْكَ فَرَدَدْتُهُ عَنْكَ. ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ النّارِ أُعِيدُوا فِيها أيْ في النّارِ بِالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ، ومِن غَمٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مِنها بِإعادَةِ الجارِّ أوْ مَفْعُولٍ لَهُ: أيْ لِأجْلِ غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومُ النّارِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ: لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ: أيِ العَذابَ المُحْرِقَ، وأصْلُ الحَرِيقِ الِاسْمُ مِنَ الِاحْتِراقِ، تَحْرِقُ الشَّيْءَ بِالنّارِ واحْتَرَقَ حُرْقَةً واحْتِراقًا، والذَّوْقُ مُماسَّةٌ يَحْصُلُ مَعَها إدْراكُ الطَّعْمِ، وهو هُنا تَوَسُّعٌ، والمُرادُ بِهِ إدْراكُ الألَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ. (p-٩٥٩)وقالَ في الخَصْمِ الآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. ﴿إنِ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِهِ لِحالِ الكافِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ فَقالَ: يُحَلَّونَ فِيها قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُحَلَّونَ ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا: أيْ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ أوِ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ. ومِن في قَوْلِهِ: مِن أساوِرَ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ يُحَلَّونَ بَعْضَ أساوِرَ، أوْ لِلْبَيانِ، أوْ زائِدَةً، ومِن في مِن ذَهَبٍ لِلْبَيانِ، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ، وفي السُّوارِ لُغَتانِ: كَسْرُ السِّينِ وضَمُّها، وفِيهِ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي أسْوارٌ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وشَيْبَةُ ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ أساوِرَ: أيْ ويُحَلُّونَ لُؤْلُؤًا، أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِنَصْبِهِ، وهَكَذا قَرَأ بِالنَّصْبِ يَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ فَإنَّ هَذا الحَرْفَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ: أيْ يُحَلُّونَ مِن أساوِرَ ومِن لُؤْلُؤٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ سُوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ مُصْمَتٍ كَما أنَّ فِيها أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يَلْبَسُونَهُ حَرِيرٌ كَما تُفِيدُهُ هَذِهِ الإضافَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَلْبُوسِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا حَلالٌ لَهم في الآخِرَةِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَلْبَسُونَهُ فِيها، فَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعْطى ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ ويَنالُ ما يُرِيدُهُ. ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ أُرْشِدُوا إلَيْهِ، قِيلَ هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: هو ما يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ البِشاراتِ. وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ المُجْمَلِ هُنا، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أنَّهم أُرْشِدُوا إلى الصِّراطِ المَحْمُودِ وهو طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوْ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو دِينُهُ القَوِيمُ، وهو الإسْلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والصّابِئِينَ قالَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ﴿والمَجُوسَ﴾ عَبْدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنِّيرانِ، ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَبْدَةُ الأوْثانِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، فَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، ودِينُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: فَصَلَ قَضاءَهُ بَيْنَهم فَجَعَلَ الخَمْسَةَ مُشْتَرِكَةً وجَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ واحِدَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، والصّابِئُونَ: لَيْسَ لَهم كِتابٌ، والمَجُوسُ: أصْحابُ الأصْنامِ والمُشْرِكُونَ: نَصارى العَرَبِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالَ عَلِيٌّ: وأنا أوَّلُ مَن يَجْثُو في الخُصُومَةِ عَلى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وهَكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ: مِن نُحاسٍ، ولَيْسَ مِنَ الآنِيَةِ شَيْءٌ إذا حَمِيَ أشَدُّ حَرًّا مِنهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ قالَ: النَّحّاسُ يُذابُ عَلى رُءُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: تَسِيلُ أمْعاؤُهم ﴿والجُلُودُ﴾ قالَ: تَتَناثَرُ جُلُودُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ مِن قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: يَمْشُونَ وأمْعاؤُهم تَتَساقَطُ وجُلُودُهم. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ قالَ: يَضْرِبُونَ بِها، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلى حِيالِهِ فَيَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُسْقَونَ ماءً إذا دَخَلَ في بُطُونِهِمْ أذابَها والجُلُودُ مَعَ البُطُونِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ مَقْمَعًا مِن حَدِيدٍ وُضِعَ في الأرْضِ فاجْتَمَعَ الثَّقَلانِ ما أقَلُّوهُ مِنَ الأرْضِ، ولَوْ ضُرِبَ الجَبَلُ بِمَقْمَعٍ مِن حَدِيدٍ لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عادَ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: النّارُ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُضِيءُ لَهَبُها ولا جَمْرُها، ثُمَّ قَرَأ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ . وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: أُلْهِمُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ في الخُصُومَةِ إذْ قالُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إسْماعِيلَ ابْنِ أبِي خالِدٍ في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي (p-٩٦٠)حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .

الحج 22:24

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ بِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ مُوسى والصّابِئِينَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ، وقِيلَ: هم مِن جِنْسِ النَّصارى ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ هم فِرْقَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا تَرْجِعُ إلى مِلَّةٍ مِنِ المِلَلِ المُنْتَسِبَةِ إلى الأنْبِياءِ والنَّصارى هُمُ المُنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ عِيسى والمَجُوسُ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النّارَ، ويَقُولُونَ إنَّ العالَمَ أصْلَيْنِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ. وقِيلَ: هم يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وقِيلَ: هم يَسْتَعْمِلُونَ النَّجاساتِ، وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى اعْتَزَلُوهم ولَبِسُوا المُسُوحَ، وقِيلَ: إنَّهم أخَذُوا بَعْضَ دِينِ اليَهُودِ وبَعْضَ دِينِ النَّصارى والَّذِينَ أشْرَكُوا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وقَدْ مَضى تَحْقِيقُ هَذا في البَقَرَةِ، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدَّمَ هُنالِكَ النَّصارى عَلى الصّابِئِينَ، وأخَّرَهم عَنْهم هُنا. فَقِيلَ وجْهُ تَقْدِيمِ النَّصارى هُنالِكَ أنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ الصّابِئِينَ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الصّابِئِينَ هُنا أنَّ زَمَنَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى زَمَنِ النَّصارى، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ، ومَعْنى الفَصْلِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَقْضِي بَيْنَهم فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مِنهم (p-٩٥٨)الجَنَّةَ والكافِرِينَ مِنهُمُ النّارَ. وقِيلَ: الفَصْلُ هو أنْ يُمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ بِعَلّامَةٍ يُعْرَفُ بِها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها: أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفْعالِ خَلْقِهِ وأقْوالِهِمْ شَهِيدٌ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها. وأنْكَرَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم﴾ خَبَرًا لَإنَّ المُتَقَدِّمَةِ. وقالَ لا يَجُوزُ في الكَلامِ: إنَّ زَيْدًا إنَّ أخاهُ مُنْطَلِقٌ، ورَدَّ الزَّجّاجُ ما قالَهُ الفَرّاءُ، وأنْكَرَهُ وأنْكَرَ ما جَعَلَهُ مُماثِلًا لِلْآيَةِ، ولا شَكَّ في جَوازِ قَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا الخَيْرُ عِنْدَهُ، وإنَّ زَيْدًا إنَّهُ مُنْطَلَقٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ الرُّؤْيَةُ هُنا هي القَلْبِيَّةُ لا البَصَرِيَّةُ: أيْ ألَمْ تَعْلَمْ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، وهو مَن تَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ هُنا هو الِانْقِيادُ الكامِلُ، لا سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، سَواءً جُعِلْتَ كَلِمَةُ مَن خاصَّةً بِالعُقَلاءِ، أوْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ، ولِهَذا عَطَفَ ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ﴾ عَلى مَن، فَإنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أنَّ السُّجُودَ هو الِانْقِيادُ لا الطّاعَةُ الخاصَّةُ بِالعُقَلاءِ، وإنَّما أفْرَدَ هَذِهِ الأُمُورَ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِها داخِلَةً تَحْتَ مَن، عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِها عامَّةً لِكَوْنِ قِيامِ السُّجُودِ بِها مُسْتَبْعَدًا في العادَةِ، وارْتِفاعُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ: أيْ ويَسْجُدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وإنَّما لَمْ يَرْتَفِعْ بِالعَطْفِ عَلى مَن، لِأنَّ سُجُودَ هَؤُلاءِ الكَثِيرِ مِنَ النّاسِ هو سُجُودُ الطّاعَةِ الخاصَّةِ بِالعُقَلاءِ، والمُرادُ بِالسُّجُودِ المُتَقَدِّمِ هو الِانْقِيادُ، فَلَوِ ارْتَفَعَ بِالعَطْفِ عَلى مَن لَكانَ في ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في لَفْظٍ واحِدٍ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُلْجِئَ إلى هَذا بَعْدَ حَمْلِ السُّجُودِ عَلى الِانْقِيادِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُرادَ مِن سُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ هو انْقِيادُهم لا نَفْسُ السُّجُودِ الخاصِّ، فارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ لا بَأْسَ بِهِ، وإنْ أبى ذَلِكَ صاحِبُ الكَشّافِ ومُتابِعُوهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَثِيرٍ الأوَّلِ ويَكُونُ المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْجُدُ وكَثِيرٌ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في الجَنَّةِ، وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، هَكَذا حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ أيْ مَن أهانَهُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهُ كافِرًا شَقِيًّا، فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ يُكْرِمُهُ فَيَصِيرُ سَعِيدًا عَزِيزًا. وحَكى الأخْفَشُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّ المَعْنى: ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾: أيْ إكْرامٍ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ والإكْرامِ والإهانَةِ. ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الخَصْمانِ أحَدُهُما أنْجَسُ الفِرَقِ اليَهُودُ والنَّصارى والصّابِئُونَ والمَجُوسُ والَّذِينَ أشْرَكُوا، والخَصْمُ الآخَرُ المُسْلِمُونَ، فَهُما فَرِيقانِ مُخْتَصِمانِ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ الجَنَّةُ والنّارُ. قالَتِ الجَنَّةُ: خَلَقَنِي لِرَحْمَتِهِ، وقالَتِ النّارُ: خَلَقَنِي لِعُقُوبَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالخَصْمَيْنِ هُمُ الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَمِنَ المُؤْمِنِينَ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وعُبَيْدَةُ، ومِنَ الكافِرِينَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وقَدْ كانَ أبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَؤُلاءِ المُتَبارِزِينَ كَما ثَبَتَ عَنْهُ في الصَّحِيحِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ، وهم أعْرَفُ مِن غَيْرِهِمْ بِأسْبابِ النُّزُولِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( هَذانِّ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وقالَ سُبْحانَهُ: اخْتَصَمُوا ولَمْ يَقُلِ اخْتَصَما. قالَ الفَرّاءُ: لِأنَّهم جَمْعٌ، ولَوْ قالَ اخْتَصَما لَجازَ، ومَعْنى في رَبِّهِمْ في شَأْنِ رَبِّهِمْ: أيْ في دِينِهِ، أوْ في ذاتِهِ، أوْ في صِفاتِهِ، أوْ في شَرِيعَتِهِ لِعِبادِهِ، أوْ في جَمِيعِ ذَلِكَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ ما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: أيْ سُوِّيَتْ وجُعِلَتْ لَبُوسًا لَهم، شُبِّهَتِ النّارُ بِالثِّيابِ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلَيْهِمْ كاشْتِمالِ الثِّيابِ، وعَبَّرَ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثِّيابَ مِن نُحاسٍ قَدْ أُذِيبَ فَصارَ كالنّارِ، وهي السَّرابِيلُ المَذْكُورَةُ في آيَةٍ أُخْرى. وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ: أحاطَتِ النّارُ بِهِمْ، وقُرِئَ ( قُطِعَتْ ) بِالتَّخْفِيفِ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ والحَمِيمُ هو الماءُ الحارُّ المَغْلِيُّ بِنارِ جَهَنَّمَ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ هي خَبَرٌ ثانٍ لِلْمَوْصُولِ. ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الصَّهْرُ الإذابَةُ، والصُّهارَةُ ما ذابَ مِنهُ، يُقالُ صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ: أيْ أذَبْتُهُ فَذابَ فَهو صَهِيرٌ، والمَعْنى: أنَّهُ يُذابُ بِذَلِكَ الحَمِيمِ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الأمْعاءِ والأحْشاءِ والجُلُودِ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما: أيْ ويُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنِ الجُلُودَ لا تُذابُ، بَلْ تُحْرَقُ، فَيُقَدَّرُ فِعْلٌ يُناسِبُ ذَلِكَ، ويُقالُ وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا أيْ وسَقَيْتُها ماءً، ولا يَخْفى أنَّهُ لا مُلْجِئَ لِهَذا، فَإنَّ الحَمِيمَ إذا كانَ يُذِيبُ ما في البُطُونِ فَإذابَتُهُ لِلْجِلْدِ الظّاهِرِ بِالأوْلى. ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ المَقامِعُ جَمْعُ مَقْمَعَةٍ ومَقْمَعٌ قَمَعْتُهُ ضَرَبْتُهُ بِالمِقْمَعَةِ، وهي قِطْعَةٌ مِن حَدِيدٍ. والمَعْنى: لَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ يُضْرَبُونَ بِها: أيْ لِلْكَفَرَةِ، وسُمِّيَتِ المَقامِعُ مَقامِعَ لِأنَّها تَقْمَعُ المَضْرُوبَ: أيْ تُذَلِّلُهُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أقَمَعْتُ الرَّجُلَ عَنِّي إقْماعًا: إذا طَلَعَ عَلَيْكَ فَرَدَدْتُهُ عَنْكَ. ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِنَ النّارِ أُعِيدُوا فِيها أيْ في النّارِ بِالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ، ومِن غَمٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مِنها بِإعادَةِ الجارِّ أوْ مَفْعُولٍ لَهُ: أيْ لِأجْلِ غَمٍّ شَدِيدٍ مِن غُمُومُ النّارِ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ هو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ أُعِيدُوا فِيها، وقِيلَ: لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ: أيِ العَذابَ المُحْرِقَ، وأصْلُ الحَرِيقِ الِاسْمُ مِنَ الِاحْتِراقِ، تَحْرِقُ الشَّيْءَ بِالنّارِ واحْتَرَقَ حُرْقَةً واحْتِراقًا، والذَّوْقُ مُماسَّةٌ يَحْصُلُ مَعَها إدْراكُ الطَّعْمِ، وهو هُنا تَوَسُّعٌ، والمُرادُ بِهِ إدْراكُ الألَمِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ. (p-٩٥٩)وقالَ في الخَصْمِ الآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. ﴿إنِ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِهِ لِحالِ الكافِرِينَ. ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما أعَدَّهُ لَهم مِنَ النَّعِيمِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ فَقالَ: يُحَلَّونَ فِيها قَرَأ الجُمْهُورُ ( يُحَلَّونَ ) بِالتَّشْدِيدِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا: أيْ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ أوِ المَلائِكَةُ بِأمْرِهِ. ومِن في قَوْلِهِ: مِن أساوِرَ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ يُحَلَّونَ بَعْضَ أساوِرَ، أوْ لِلْبَيانِ، أوْ زائِدَةً، ومِن في مِن ذَهَبٍ لِلْبَيانِ، والأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ والأسْوِرَةُ جَمْعُ سِوارٍ، وفي السُّوارِ لُغَتانِ: كَسْرُ السِّينِ وضَمُّها، وفِيهِ لُغَةٌ ثالِثَةٌ، وهي أسْوارٌ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وشَيْبَةُ ( ولُؤْلُؤًا ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ أساوِرَ: أيْ ويُحَلُّونَ لُؤْلُؤًا، أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِنَصْبِهِ، وهَكَذا قَرَأ بِالنَّصْبِ يَعْقُوبُ والجَحْدَرِيُّ وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ فَإنَّ هَذا الحَرْفَ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى أساوِرَ: أيْ يُحَلُّونَ مِن أساوِرَ ومِن لُؤْلُؤٍ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ سُوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ مُصْمَتٍ كَما أنَّ فِيها أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ أيْ جَمِيعُ ما يَلْبَسُونَهُ حَرِيرٌ كَما تُفِيدُهُ هَذِهِ الإضافَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ المَلْبُوسِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا حَلالٌ لَهم في الآخِرَةِ، وأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَلْبَسُونَهُ فِيها، فَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُعْطى ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ ويَنالُ ما يُرِيدُهُ. ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ أُرْشِدُوا إلَيْهِ، قِيلَ هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ، وقِيلَ: هو ما يَأْتِيهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ البِشاراتِ. وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ المُجْمَلِ هُنا، وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] ومَعْنى ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ أنَّهم أُرْشِدُوا إلى الصِّراطِ المَحْمُودِ وهو طَرِيقُ الجَنَّةِ، أوْ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي هو دِينُهُ القَوِيمُ، وهو الإسْلامُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: والصّابِئِينَ قالَ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ، ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ﴿والمَجُوسَ﴾ عَبْدَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنِّيرانِ، ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ عَبْدَةُ الأوْثانِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: الأدْيانُ سِتَّةٌ، فَخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، ودِينُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: فَصَلَ قَضاءَهُ بَيْنَهم فَجَعَلَ الخَمْسَةَ مُشْتَرِكَةً وجَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ واحِدَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ هادُوا: اليَهُودُ، والصّابِئُونَ: لَيْسَ لَهم كِتابٌ، والمَجُوسُ: أصْحابُ الأصْنامِ والمُشْرِكُونَ: نَصارى العَرَبِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ قَسَمًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ والثَّلاثَةِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، قالَ عَلِيٌّ: وأنا أوَّلُ مَن يَجْثُو في الخُصُومَةِ عَلى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ، وهَكَذا رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ قالَ: مِن نُحاسٍ، ولَيْسَ مِنَ الآنِيَةِ شَيْءٌ إذا حَمِيَ أشَدُّ حَرًّا مِنهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ قالَ: النَّحّاسُ يُذابُ عَلى رُءُوسِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: تَسِيلُ أمْعاؤُهم ﴿والجُلُودُ﴾ قالَ: تَتَناثَرُ جُلُودُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلى رُءُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَتّى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلِتُ ما في جَوْفِهِ حَتّى يَمْرُقَ مِن قَدَمَيْهِ وهو الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعادُ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ قالَ: يَمْشُونَ وأمْعاؤُهم تَتَساقَطُ وجُلُودُهم. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ قالَ: يَضْرِبُونَ بِها، فَيَقَعُ كُلُّ عُضْوٍ عَلى حِيالِهِ فَيَدْعُونَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: يُسْقَونَ ماءً إذا دَخَلَ في بُطُونِهِمْ أذابَها والجُلُودُ مَعَ البُطُونِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «لَوْ أنَّ مَقْمَعًا مِن حَدِيدٍ وُضِعَ في الأرْضِ فاجْتَمَعَ الثَّقَلانِ ما أقَلُّوهُ مِنَ الأرْضِ، ولَوْ ضُرِبَ الجَبَلُ بِمَقْمَعٍ مِن حَدِيدٍ لَتَفَتَّتَ ثُمَّ عادَ كَما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: النّارُ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ لا يُضِيءُ لَهَبُها ولا جَمْرُها، ثُمَّ قَرَأ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ . وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» . وفي البابِ أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: أُلْهِمُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ في الخُصُومَةِ إذْ قالُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إسْماعِيلَ ابْنِ أبِي خالِدٍ في الآيَةِ قالَ: القُرْآنُ ﴿وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي (p-٩٦٠)حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: الإسْلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] .

الحج 22:25

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطَفَ المُضارِعَ عَلى الماضِي، لِأنَّ المُرادَ بِالمُضارِعِ ما مَضى مِنَ الصَّدِّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ مُحَمَدٍ: ١ - النَّحْلِ: ٨٨ ]، أوِ المُرادُ بِالصَّدِّ هاهُنا الِاسْتِمْرارُ لا مُجَرَّدُ الِاسْتِقْبالِ، فَصَحَّ بِذَلِكَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ويَصُدُّونَ واوَ الحالِ: أيْ كَفَرُوا والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ. وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ والمُضارِعُ خَبَرُ إنَّ والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ خَبَرُ إنَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ( والبادِ ) وذَلِكَ نَحْوَ خَسِرُوا أوْ هَلَكُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الخَبَرَ ونُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَمْ يُجْزَمْ أيْضًا لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَبَقِيَ الشَّرْطُ وهو ومَن يُرِدْ بِغَيْرِ جَوابٍ فالأوْلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَما ذَكَرْنا والمُرادُ بِالصَّدِّ المَنعُ وسَبِيلُ اللَّهِ دِينُهُ: أيْ يَمْنَعُونَ مِن أرادَ الدُّخُولَ في دِينِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ المُرادُ بِهِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ كَما هو الظّاهِرُ مِن هَذا النَّظْمِ القُرْآنِيِّ وقِيلَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ عِنْدَ يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ يُصَلُّونَ فِيهِ ويَطُوفُونَ بِهِ مُسْتَوِيًا فِيهِ العاكِفُ، وهو المُقِيمُ فِيهِ المُلازِمُ لَهُ والبادِ أيِ الواصِلُ مِنَ البادِيَةِ، والمُرادُ بِهِ الطّارِئُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ مِن أهْلِ البادِيَةِ أوْ مِن غَيْرِهِمْ وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْناهُ، وهو بِمَعْنى مُسْتَوِيًا، والعاكِفُ مُرْتَفِعٌ بِهِ، وُصِفَ المَسْجِدُ الحَرامُ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلصّادِّينَ عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ سَواءً عَلى الحالِ. وهَذا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ، وبِها قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( سَواءٌ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ العاكِفُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ العاكِفُ أيِ العاكِفُ فِيهِ والبادِي سَواءٌ، وقُرِئَ بِنَصْبِ سَواءً وجَرِّ ( العاكِفِ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلنّاسِ: أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ العاكِفِ والبادِي سَواءً، وأثْبَتَ الياءَ في ( البادِي ) ابْنُ كَثِيرٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها أبُو عَمْرٍو في الوَقْفِ، وحَذَفَها نافِعٌ في الوَصْلِ والوَقْفِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ النّاسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ نَفْسَهُ. واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ فَذَهَبَ مُجاهِدٌ ومالِكٌ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها يَسْتَوِي فِيها المُقِيمُ والطّارِئُ. وذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ لِلْقادِمِ أنْ يَنْزِلَ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيِهِ شاءَ أمْ أبى. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها لَيْسَتْ كالمَسْجِدِ الحَرامِ، ولِأهْلِها مَنعُ الطّارِئِ مِنَ النُّزُولِ فِيها. والحاصِلُ أنَّ الكَلامَ في هَذا راجِعٌ إلى أصْلَيْنِ: الأصْلُ الأوَّلُ ما في هَذِهِ الآيَةِ هَلِ المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ. أوْ جَمِيعُ الحَرَمِ، أوْ مَكَّةُ عَلى الخُصُوصِ. والثّانِي هَلْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ صُلْحًا أوْ عَنْوَةً ؟ وعَلى فَرْضِ أنَّ فَتْحَها كانَ عَنْوَةً هَلْ أقَرَّها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في يَدِ أهْلِها عَلى الخُصُوصِ ؟ أوْ جَعَلَها لِمَن نَزَلَ بِها عَلى العُمُومِ ؟ وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ النّاظِرُ فِيهِ إلى زِيادَةٍ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا: أيْ مُرادٍ بِإلْحادٍ: أيْ بِعُدُولٍ عَنِ القَصْدِ، والإلْحادُ في اللُّغَةِ المَيْلُ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هُنا أنَّهُ المَيْلُ بِظُلْمٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الظُّلْمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشِّرْكُ والقَتْلُ، وقِيلَ: صَيْدُ حَيَواناتِهِ وقَطْعُ أشْجارِهِ، وقِيلَ: هو الحَلِفُ فِيهِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ المَعاصِي فِيهِ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعاقَبُ بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلْمَعْصِيَةِ في ذَلِكَ المَكانِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ والضَّحّاكِ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم حَتّى قالُوا لَوْ هَمَّ الرَّجُلُ في الحَرَمِ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِعَدَنَ لَعَذَّبَهُ اللَّهُ. والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن كانَ في البَيْتِ الحَرامِ مَأْخُوذًا بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلظُّلْمِ، فَهي مُخَصَّصَةٌ لِما ورَدَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها إلّا أنْ يُقالَ إنَّ الإرادَةَ فِيها زِيادَةٌ عَلى مُجَرَّدِ حَدِيثِ النَّفْسِ، وبِالجُمْلَةِ فالبَحْثُ عَنْ هَذا وتَقْرِيرُ الحَقِّ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ ويَرْفَعُ الإشْكالَ يَطُولُ جِدًّا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَدَخَلَ النّارَ هُنا بِسَبَبِ مُجَرَّدِ حِرْصِهِ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ. وقَدْ أفْرَدْنا هَذا البَحْثَ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، والباءُ في قَوْلِهِ بِإلْحادٍ إنْ كانَ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفًا كَما ذَكَرْنا فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ هُنا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجِ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ أيْ نَرْجُو الفَرَجَ، ومِثْلُهُ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تُنْمى ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ أيْ ما لاقَتْ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّها زائِدَةٌ الأخْفَشُ، والمَعْنى عِنْدَهُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ إلْحادًا بِظُلْمٍ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: دَخَلَتِ الباءُ لِأنَّ المَعْنى بِأنْ يُلْحِدَ، والباءُ مَعَ أنَّ تَدْخُلُ وتُحْذَفُ، ويَجُوزُ (p-٩٦١)أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدِ النّاسَ بِإلْحادٍ. وقِيلَ: إنْ يُرِدْ مُضَمَّنٌ مَعْنى يَهُمُّ، والمَعْنى: ومَن يَهُمُّ فِيهِ بِإلْحادٍ. وأمّا الباءُ في قَوْلِهِ بِظُلْمٍ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ، والمَعْنى: ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِسَبَبِ الظُّلْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِظُلْمٍ بَدَلًا مِن بِإلْحادٍ بِإعادَةِ الجارِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ. ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، يُقالُ بَوَّأْتُهُ مَنزِلًا وبَوَّأْتُ لَهُ كَما يُقالُ مَكَّنْتُكَ ومَكَّنْتُ لَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ جَعَلْنا مَكانَ البَيْتِ مُبَوَّأً لِإبْراهِيمَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: بَيَّنّا لَهُ مَكانَ البَيْتِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَمْ مِن أخٍ لِيَ ماجِدٍ ∗∗∗ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدًا وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ اللّامَ زائِدَةٌ ومَكانَ ظَرْفٌ: أيْ أنْزَلْناهُ فِيهِ ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ قِيلَ إنَّ هَذِهِ هي مُفَسِّرَةٌ لَبَوَّأْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَعَبَّدْنا؛ لِأنَّ التَّبْوِئَةَ هي لِلْعِبادَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لِأنْ لا تُشْرِكَ بِي. وقِيلَ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: وأوْحَيْنا إلَيْهِ أنْ لا تَعْبُدْ غَيْرِي. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ وحِّدْنِي في هَذا البَيْتِ؛ لِأنَّ مَعْنى لا تُشْرِكْ بِي: وحِّدْنِي ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ. وفِي الآيَةِ طَعْنٌ عَلى ما أشْرَكَ مِن قُطّانِ البَيْتِ أيْ: هَذا كانَ الشَّرْطَ عَلى أبِيكم فَمَن بَعْدَهُ وأنْتُمْ فَلَمْ تَفُوا بَلْ أشْرَكْتُمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: أنْ لا تُشْرِكْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. ومَعْنى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ تَطْهِيرُهُ مِنَ الكُفْرِ والأوْثانِ والدِّماءِ وسائِرِ النَّجاساتِ، وقِيلَ: عَنى بِهِ التَّطْهِيرَ عَنِ الأوْثانِ فَقَطْ، وذَلِكَ أنَّ جُرْهُمًا والعَمالِقَةَ كانَتْ لَهم أصْنامٌ في مَحَلِّ البَيْتِ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ بَراءَةٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ في هَذا المَعْنى، والمُرادُ بِالقائِمِينَ هُنا هُمُ المُصَلُّونَ وذِكْرُ ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ بَعْدَهُ لِبَيانِ أرْكانِ الصَّلاةِ دَلالَةً عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ العِبادَةِ، وقَرَنَ الطَّوافَ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُما لا يُشْرَعانِ إلّا في البَيْتِ، فالطَّوافُ عِنْدَهُ والصَّلاةُ إلَيْهِ. ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وآذِنْ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والمَدِّ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الذّالِ، والأذانُ الإعْلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ جاءَهُ جِبْرِيلُ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ، فَقالَ: يا رَبِّ مَن يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، فَعَلا المَقامَ فَأشْرَفَ بِهِ حَتّى صارَ كَأعْلى الجِبالِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ وأقْبَلَ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وشِمالًا وشَرْقًا وغَرْبًا وقالَ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ فَأجِيبُوا رَبَّكم، فَأجابَهُ مَن كانَ في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أعْلِمْهم يا مُحَمَّدُ بِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فالخِطابُ لِإبْراهِيمَ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقِيلَ: إنَّ خِطابَهُ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي﴾ وما بَعْدَهُ خِطابٌ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالحَجِّ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ في كُلِّ القُرْآنِ بِكَسْرِها ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، وعَدَ اللَّهُ إجابَةَ النّاسِ لَهُ إلى حَجِّ البَيْتِ ما بَيْنَ راجِلٍ وراكِبٍ، فَمَعْنى رِجالًا مُشاةً جَمْعُ راجِلٍ، وقِيلَ: جَمْعُ رَجُلٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ رُجالًا بِضَمِّ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ رُجالى عَلى وزْنِ فُعالى مِثْلِ كُسالى، وقَدَّمَ الرِّجالَ عَلى الرُّكْبانِ في الذِّكْرِ لِزِيادَةِ تَعَبِهِمْ في المَشْيِ، وقالَ: يَأْتُوكَ وإنْ كانُوا يَأْتُونَ البَيْتَ؛ لِأنَّ مَن أتى الكَعْبَةَ حاجًّا فَقَدْ أتى إبْراهِيمَ، لِأنَّهُ أجابَ نِداءَهُ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ عُطِفَ عَلى رِجالًا أيْ: ورُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ، والضّامِرُ البَعِيرُ المَهْزُولُ الَّذِي أتْعَبَهُ السَّفَرُ، ويُقالُ ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا، ووَصَفَ الضّامِرَ بِقَوْلِهِ يَأْتِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّ الضّامِرَ في مَعْنى ضَوامِرِ، وقَرَأ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والضَّحّاكُ يَأْتُونَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرِجالًا. والفَجُّ الطَّرِيقُ الواسِعُ، الجَمْعُ فِجاجٌ، والعَمِيقُ البَعِيدُ. واللّامُ في ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يَأْتُوكَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ وأذِّنْ، والشُّهُودُ الحُضُورُ، والمَنافِعُ هي تَعُمُّ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَناسِكُ، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ، وقِيلَ: التِّجارَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ أيْ يَذْكُرُوا عِنْدَ ذَبْحِ الهَدايا والضَّحايا اسْمَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الذِّكْرَ كِنايَةٌ عَنِ الذَّبْحِ لِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ. والأيّامُ المَعْلُوماتُ هي أيّامُ النَّحْرِ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وقِيلَ: عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ في البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، والكَلامُ في وقْتِ ذَبْحِ الأُضْحِيَّةِ مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الفِقْهِ وشُرُوحِ الحَدِيثِ، ومَعْنى: عَلى ما رَزَقَهم: عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الأنْعامُ فالإضافَةُ في هَذا كالإضافَةِ في قَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ وصَلاةُ الأُولى ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ الأمْرُ هُنا لِلنَّدْبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ البائِسُ ذُو البُؤْسِ وهو شِدَّةُ الفَقْرِ فَذَكَرالفَقِيرَ بَعْدَهُ لِمَزِيدِ الإيضاحِ، والأمْرُ هُنا لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: لِلنَّدْبِ. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ المُرادُ بِالقَضاءِ هُنا هو التَّأْدِيَةُ أيْ: لِيُؤَدُّوا إزالَةَ وسَخِهِمْ؛ لِأنَّ التَّفَثَ هو الوَسَخُ والقَذارَةُ مِن طُولِ الشَّعْرِ والأظْفارِ، وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ كَما حَكّاهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَأْتِ في الشِّعْرِ ما يُحْتَجُّ بِهِ في مَعْنى التَّفَثِ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّفَثِ في اللُّغَةِ كُلُّ قاذُورَةٍ تَلْحِقُ الإنْسانَ. وقِيلَ: قَضاؤُهُ ادِّهانُهُ؛ لِأنَّ الحاجَّ مُغَبَّرٌ شَعِثٌ لَمْ يَدَّهِنْ ولَمْ يَسْتَحِدَّ، فَإذا قَضى نُسُكَهُ وخَرَجَ مِن إحْرامِهِ حَلَقَ شَعْرَهُ ولَبِسَ ثِيابَهُ، فَهَذا هو قَضاءُ التَّفَثِ. قالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهُ خُرُوجٌ مِنَ الإحْرامِ إلى الحَلالِ ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ ما يَنْذُرُونَ بِهِ مِنَ البَرِّ في حَجِّهِمْ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنُّذُورِ هُنا أعْمالُ الحَجِّ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (p-٩٦٢)هَذا الطَّوافُ هو طَوافُ الإفاضَةِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُتَأوِّلِينَ، والعَتِيقُ القَدِيمُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآيَةَ، وقَدْ سُمِّيَ العَتِيقُ لِأنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِن أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ جَبّارٌ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يُعْتِقُ فِيهِ رِقابَ المُذْنِبِينَ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِن غَرَقِ الطُّوفانِ وقِيلَ: العَتِيقُ الكَرِيمُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو المَسْجِدُ الحَرامُ ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: خَلْقُ اللَّهِ فِيهِ سَواءٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم في مَنازِلِ مَكَّةَ سَواءٌ، فَيَنْبَغِي لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يُوَسِّعُوا لَهم حَتّى يَقْضُوا مَناسِكَهم. وقالَ البادِي وأهْلُ مَكَّةَ سَواءٌ، يَعْنِي في المَنزِلِ والحَرَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: مَن أخَذَ مَن أجُورِ بُيُوتِ مَكَّةَ إنَّما يَأْكُلُ في بُطُونِهِ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ عِنْدَ المَرْوَةِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أقْطِعْنِي مَكانًا لِي ولِعَقِبِي، فَأعْرَضَ عَنْهُ عُمَرُ وقالَ: هو حَرَمُ اللَّهِ سَواءٌ العاكِفُ فِيهِ والبادِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَ عُمَرُ يَمْنَعُ أهْلَ مَكَّةَ أنْ يَجْعَلُوا لَها أبْوابًا حَتّى يَنْزِلَ الحاجُّ في عَرَصاتِ الدُّورِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ اللَّهِ «﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: سَواءٌ المُقِيمُ والَّذِي يَدْخُلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَكَّةُ مُباحَةٌ لا تُؤَجَّرُ بُيُوتُها ولا تُباعُ رِباعُها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وما تُدْعى رِباعُ مَكَّةَ إلّا السَّوائِبَ، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرٍ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِيسى بْنِ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبِي حُفْرَةَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَلْقَمَةَ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَن أكَلَ كِراءَ بُيُوتِ مَكَّةَ أكْلَ نارًا» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ راهَوَيْهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإلْحادٍ وهو بِعَدَنِ أِبْيَنَ لَأذاقَهُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الإسْنادُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ووَقْفُهُ أشْبَهُ مِن رَفْعِهِ، ولِهَذا صَمَّمَ شُعْبَةُ عَلى وقْفِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها في سِوى البَيْتِ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَها، ومَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ في البَيْتِ لَمْ يُمِتْهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُذِيقَهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعَثَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ، أحَدُهُما مُهاجِرٌ والآخَرُ مِنَ الأنْصارِ، فافْتَخَرُوا في الأنْسابِ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقَتَلَ الأنْصارِيَّ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ يَعْنِي مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ بِإلْحادٍ، يَعْنِي بِمَيْلٍ عَنِ الإسْلامِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «احْتِكارُ الطَّعامِ في الحَرَمِ إلْحادٌ فِيهِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ بِظُلْمٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: بَيْعُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشِّعْبِ عَنْهُ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ بِبِناءِ البَيْتِ خَرَجَ مَعَهُ إسْماعِيلُ وهاجَرُ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ﴿والقائِمِينَ﴾ قالَ: المُصَلِّينَ عِنْدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مَعْناهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ مَنِيعٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ، فَقالَ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قالَ رَبِّ وما يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ قالَ أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، قالَ: رَبِّ كَيْفَ أقُولُ ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ العَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَن في السَّماءِ والأرْضِ، ألا تَرى أنَّهم يَجِيئُونَ مِن أقْصى الأرْضِ يُلَبُّونَ. وفي البابِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم﴾ قالَ: أسْواقًا كانَتْ لَهم، ما ذَكَرَ اللَّهُ مَنافِعَ إلّا الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَنافِعُ في الدُّنْيا ومَنافِعُ في الآخِرَةِ، فَأمّا مَنافِعُ الآخِرَةِ فَرِضْوانُ اللَّهِ، وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَمِمّا يُصِيبُونَ مِن لُحُومِ البُدْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ والذَّبائِحِ والتِّجاراتِ. وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ المَرْزَوِيُّ في كِتابِ العِيدَيْنِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في الأيّامِ المَعْلُوماتِ قالَ: قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ ويَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: البائِسُ الزَّمِنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (p-٩٦٣)قالَ: التَّفَثُ المَناسِكُ كُلُّها. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: التَّفَثُ حَلْقُ الرَّأْسِ والأخْذُ مِنَ العارِضَيْنِ ونَتْفُ الإبِطِ وحَلْقُ العانَةِ والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ الجِمارِ وقَصُّ الأظْفارِ وقَصُّ الشّارِبِ والذَّبْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ هو طَوافُ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ووَرَدَ في وجْهِ تَسْمِيَةِ البَيْتِ بِالعَتِيقِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ سابِقًا، ووَرَدَ في فَضْلِ الطَّوافِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.

الحج 22:26

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطَفَ المُضارِعَ عَلى الماضِي، لِأنَّ المُرادَ بِالمُضارِعِ ما مَضى مِنَ الصَّدِّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ مُحَمَدٍ: ١ - النَّحْلِ: ٨٨ ]، أوِ المُرادُ بِالصَّدِّ هاهُنا الِاسْتِمْرارُ لا مُجَرَّدُ الِاسْتِقْبالِ، فَصَحَّ بِذَلِكَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ويَصُدُّونَ واوَ الحالِ: أيْ كَفَرُوا والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ. وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ والمُضارِعُ خَبَرُ إنَّ والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ خَبَرُ إنَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ( والبادِ ) وذَلِكَ نَحْوَ خَسِرُوا أوْ هَلَكُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الخَبَرَ ونُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَمْ يُجْزَمْ أيْضًا لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَبَقِيَ الشَّرْطُ وهو ومَن يُرِدْ بِغَيْرِ جَوابٍ فالأوْلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَما ذَكَرْنا والمُرادُ بِالصَّدِّ المَنعُ وسَبِيلُ اللَّهِ دِينُهُ: أيْ يَمْنَعُونَ مِن أرادَ الدُّخُولَ في دِينِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ المُرادُ بِهِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ كَما هو الظّاهِرُ مِن هَذا النَّظْمِ القُرْآنِيِّ وقِيلَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ عِنْدَ يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ يُصَلُّونَ فِيهِ ويَطُوفُونَ بِهِ مُسْتَوِيًا فِيهِ العاكِفُ، وهو المُقِيمُ فِيهِ المُلازِمُ لَهُ والبادِ أيِ الواصِلُ مِنَ البادِيَةِ، والمُرادُ بِهِ الطّارِئُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ مِن أهْلِ البادِيَةِ أوْ مِن غَيْرِهِمْ وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْناهُ، وهو بِمَعْنى مُسْتَوِيًا، والعاكِفُ مُرْتَفِعٌ بِهِ، وُصِفَ المَسْجِدُ الحَرامُ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلصّادِّينَ عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ سَواءً عَلى الحالِ. وهَذا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ، وبِها قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( سَواءٌ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ العاكِفُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ العاكِفُ أيِ العاكِفُ فِيهِ والبادِي سَواءٌ، وقُرِئَ بِنَصْبِ سَواءً وجَرِّ ( العاكِفِ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلنّاسِ: أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ العاكِفِ والبادِي سَواءً، وأثْبَتَ الياءَ في ( البادِي ) ابْنُ كَثِيرٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها أبُو عَمْرٍو في الوَقْفِ، وحَذَفَها نافِعٌ في الوَصْلِ والوَقْفِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ النّاسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ نَفْسَهُ. واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ فَذَهَبَ مُجاهِدٌ ومالِكٌ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها يَسْتَوِي فِيها المُقِيمُ والطّارِئُ. وذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ لِلْقادِمِ أنْ يَنْزِلَ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيِهِ شاءَ أمْ أبى. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها لَيْسَتْ كالمَسْجِدِ الحَرامِ، ولِأهْلِها مَنعُ الطّارِئِ مِنَ النُّزُولِ فِيها. والحاصِلُ أنَّ الكَلامَ في هَذا راجِعٌ إلى أصْلَيْنِ: الأصْلُ الأوَّلُ ما في هَذِهِ الآيَةِ هَلِ المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ. أوْ جَمِيعُ الحَرَمِ، أوْ مَكَّةُ عَلى الخُصُوصِ. والثّانِي هَلْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ صُلْحًا أوْ عَنْوَةً ؟ وعَلى فَرْضِ أنَّ فَتْحَها كانَ عَنْوَةً هَلْ أقَرَّها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في يَدِ أهْلِها عَلى الخُصُوصِ ؟ أوْ جَعَلَها لِمَن نَزَلَ بِها عَلى العُمُومِ ؟ وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ النّاظِرُ فِيهِ إلى زِيادَةٍ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا: أيْ مُرادٍ بِإلْحادٍ: أيْ بِعُدُولٍ عَنِ القَصْدِ، والإلْحادُ في اللُّغَةِ المَيْلُ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هُنا أنَّهُ المَيْلُ بِظُلْمٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الظُّلْمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشِّرْكُ والقَتْلُ، وقِيلَ: صَيْدُ حَيَواناتِهِ وقَطْعُ أشْجارِهِ، وقِيلَ: هو الحَلِفُ فِيهِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ المَعاصِي فِيهِ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعاقَبُ بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلْمَعْصِيَةِ في ذَلِكَ المَكانِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ والضَّحّاكِ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم حَتّى قالُوا لَوْ هَمَّ الرَّجُلُ في الحَرَمِ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِعَدَنَ لَعَذَّبَهُ اللَّهُ. والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن كانَ في البَيْتِ الحَرامِ مَأْخُوذًا بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلظُّلْمِ، فَهي مُخَصَّصَةٌ لِما ورَدَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها إلّا أنْ يُقالَ إنَّ الإرادَةَ فِيها زِيادَةٌ عَلى مُجَرَّدِ حَدِيثِ النَّفْسِ، وبِالجُمْلَةِ فالبَحْثُ عَنْ هَذا وتَقْرِيرُ الحَقِّ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ ويَرْفَعُ الإشْكالَ يَطُولُ جِدًّا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَدَخَلَ النّارَ هُنا بِسَبَبِ مُجَرَّدِ حِرْصِهِ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ. وقَدْ أفْرَدْنا هَذا البَحْثَ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، والباءُ في قَوْلِهِ بِإلْحادٍ إنْ كانَ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفًا كَما ذَكَرْنا فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ هُنا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجِ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ أيْ نَرْجُو الفَرَجَ، ومِثْلُهُ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تُنْمى ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ أيْ ما لاقَتْ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّها زائِدَةٌ الأخْفَشُ، والمَعْنى عِنْدَهُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ إلْحادًا بِظُلْمٍ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: دَخَلَتِ الباءُ لِأنَّ المَعْنى بِأنْ يُلْحِدَ، والباءُ مَعَ أنَّ تَدْخُلُ وتُحْذَفُ، ويَجُوزُ (p-٩٦١)أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدِ النّاسَ بِإلْحادٍ. وقِيلَ: إنْ يُرِدْ مُضَمَّنٌ مَعْنى يَهُمُّ، والمَعْنى: ومَن يَهُمُّ فِيهِ بِإلْحادٍ. وأمّا الباءُ في قَوْلِهِ بِظُلْمٍ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ، والمَعْنى: ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِسَبَبِ الظُّلْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِظُلْمٍ بَدَلًا مِن بِإلْحادٍ بِإعادَةِ الجارِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ. ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، يُقالُ بَوَّأْتُهُ مَنزِلًا وبَوَّأْتُ لَهُ كَما يُقالُ مَكَّنْتُكَ ومَكَّنْتُ لَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ جَعَلْنا مَكانَ البَيْتِ مُبَوَّأً لِإبْراهِيمَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: بَيَّنّا لَهُ مَكانَ البَيْتِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَمْ مِن أخٍ لِيَ ماجِدٍ ∗∗∗ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدًا وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ اللّامَ زائِدَةٌ ومَكانَ ظَرْفٌ: أيْ أنْزَلْناهُ فِيهِ ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ قِيلَ إنَّ هَذِهِ هي مُفَسِّرَةٌ لَبَوَّأْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَعَبَّدْنا؛ لِأنَّ التَّبْوِئَةَ هي لِلْعِبادَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لِأنْ لا تُشْرِكَ بِي. وقِيلَ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: وأوْحَيْنا إلَيْهِ أنْ لا تَعْبُدْ غَيْرِي. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ وحِّدْنِي في هَذا البَيْتِ؛ لِأنَّ مَعْنى لا تُشْرِكْ بِي: وحِّدْنِي ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ. وفِي الآيَةِ طَعْنٌ عَلى ما أشْرَكَ مِن قُطّانِ البَيْتِ أيْ: هَذا كانَ الشَّرْطَ عَلى أبِيكم فَمَن بَعْدَهُ وأنْتُمْ فَلَمْ تَفُوا بَلْ أشْرَكْتُمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: أنْ لا تُشْرِكْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. ومَعْنى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ تَطْهِيرُهُ مِنَ الكُفْرِ والأوْثانِ والدِّماءِ وسائِرِ النَّجاساتِ، وقِيلَ: عَنى بِهِ التَّطْهِيرَ عَنِ الأوْثانِ فَقَطْ، وذَلِكَ أنَّ جُرْهُمًا والعَمالِقَةَ كانَتْ لَهم أصْنامٌ في مَحَلِّ البَيْتِ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ بَراءَةٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ في هَذا المَعْنى، والمُرادُ بِالقائِمِينَ هُنا هُمُ المُصَلُّونَ وذِكْرُ ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ بَعْدَهُ لِبَيانِ أرْكانِ الصَّلاةِ دَلالَةً عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ العِبادَةِ، وقَرَنَ الطَّوافَ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُما لا يُشْرَعانِ إلّا في البَيْتِ، فالطَّوافُ عِنْدَهُ والصَّلاةُ إلَيْهِ. ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وآذِنْ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والمَدِّ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الذّالِ، والأذانُ الإعْلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ جاءَهُ جِبْرِيلُ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ، فَقالَ: يا رَبِّ مَن يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، فَعَلا المَقامَ فَأشْرَفَ بِهِ حَتّى صارَ كَأعْلى الجِبالِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ وأقْبَلَ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وشِمالًا وشَرْقًا وغَرْبًا وقالَ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ فَأجِيبُوا رَبَّكم، فَأجابَهُ مَن كانَ في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أعْلِمْهم يا مُحَمَّدُ بِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فالخِطابُ لِإبْراهِيمَ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقِيلَ: إنَّ خِطابَهُ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي﴾ وما بَعْدَهُ خِطابٌ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالحَجِّ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ في كُلِّ القُرْآنِ بِكَسْرِها ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، وعَدَ اللَّهُ إجابَةَ النّاسِ لَهُ إلى حَجِّ البَيْتِ ما بَيْنَ راجِلٍ وراكِبٍ، فَمَعْنى رِجالًا مُشاةً جَمْعُ راجِلٍ، وقِيلَ: جَمْعُ رَجُلٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ رُجالًا بِضَمِّ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ رُجالى عَلى وزْنِ فُعالى مِثْلِ كُسالى، وقَدَّمَ الرِّجالَ عَلى الرُّكْبانِ في الذِّكْرِ لِزِيادَةِ تَعَبِهِمْ في المَشْيِ، وقالَ: يَأْتُوكَ وإنْ كانُوا يَأْتُونَ البَيْتَ؛ لِأنَّ مَن أتى الكَعْبَةَ حاجًّا فَقَدْ أتى إبْراهِيمَ، لِأنَّهُ أجابَ نِداءَهُ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ عُطِفَ عَلى رِجالًا أيْ: ورُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ، والضّامِرُ البَعِيرُ المَهْزُولُ الَّذِي أتْعَبَهُ السَّفَرُ، ويُقالُ ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا، ووَصَفَ الضّامِرَ بِقَوْلِهِ يَأْتِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّ الضّامِرَ في مَعْنى ضَوامِرِ، وقَرَأ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والضَّحّاكُ يَأْتُونَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرِجالًا. والفَجُّ الطَّرِيقُ الواسِعُ، الجَمْعُ فِجاجٌ، والعَمِيقُ البَعِيدُ. واللّامُ في ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يَأْتُوكَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ وأذِّنْ، والشُّهُودُ الحُضُورُ، والمَنافِعُ هي تَعُمُّ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَناسِكُ، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ، وقِيلَ: التِّجارَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ أيْ يَذْكُرُوا عِنْدَ ذَبْحِ الهَدايا والضَّحايا اسْمَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الذِّكْرَ كِنايَةٌ عَنِ الذَّبْحِ لِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ. والأيّامُ المَعْلُوماتُ هي أيّامُ النَّحْرِ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وقِيلَ: عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ في البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، والكَلامُ في وقْتِ ذَبْحِ الأُضْحِيَّةِ مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الفِقْهِ وشُرُوحِ الحَدِيثِ، ومَعْنى: عَلى ما رَزَقَهم: عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الأنْعامُ فالإضافَةُ في هَذا كالإضافَةِ في قَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ وصَلاةُ الأُولى ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ الأمْرُ هُنا لِلنَّدْبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ البائِسُ ذُو البُؤْسِ وهو شِدَّةُ الفَقْرِ فَذَكَرالفَقِيرَ بَعْدَهُ لِمَزِيدِ الإيضاحِ، والأمْرُ هُنا لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: لِلنَّدْبِ. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ المُرادُ بِالقَضاءِ هُنا هو التَّأْدِيَةُ أيْ: لِيُؤَدُّوا إزالَةَ وسَخِهِمْ؛ لِأنَّ التَّفَثَ هو الوَسَخُ والقَذارَةُ مِن طُولِ الشَّعْرِ والأظْفارِ، وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ كَما حَكّاهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَأْتِ في الشِّعْرِ ما يُحْتَجُّ بِهِ في مَعْنى التَّفَثِ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّفَثِ في اللُّغَةِ كُلُّ قاذُورَةٍ تَلْحِقُ الإنْسانَ. وقِيلَ: قَضاؤُهُ ادِّهانُهُ؛ لِأنَّ الحاجَّ مُغَبَّرٌ شَعِثٌ لَمْ يَدَّهِنْ ولَمْ يَسْتَحِدَّ، فَإذا قَضى نُسُكَهُ وخَرَجَ مِن إحْرامِهِ حَلَقَ شَعْرَهُ ولَبِسَ ثِيابَهُ، فَهَذا هو قَضاءُ التَّفَثِ. قالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهُ خُرُوجٌ مِنَ الإحْرامِ إلى الحَلالِ ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ ما يَنْذُرُونَ بِهِ مِنَ البَرِّ في حَجِّهِمْ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنُّذُورِ هُنا أعْمالُ الحَجِّ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (p-٩٦٢)هَذا الطَّوافُ هو طَوافُ الإفاضَةِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُتَأوِّلِينَ، والعَتِيقُ القَدِيمُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآيَةَ، وقَدْ سُمِّيَ العَتِيقُ لِأنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِن أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ جَبّارٌ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يُعْتِقُ فِيهِ رِقابَ المُذْنِبِينَ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِن غَرَقِ الطُّوفانِ وقِيلَ: العَتِيقُ الكَرِيمُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو المَسْجِدُ الحَرامُ ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: خَلْقُ اللَّهِ فِيهِ سَواءٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم في مَنازِلِ مَكَّةَ سَواءٌ، فَيَنْبَغِي لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يُوَسِّعُوا لَهم حَتّى يَقْضُوا مَناسِكَهم. وقالَ البادِي وأهْلُ مَكَّةَ سَواءٌ، يَعْنِي في المَنزِلِ والحَرَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: مَن أخَذَ مَن أجُورِ بُيُوتِ مَكَّةَ إنَّما يَأْكُلُ في بُطُونِهِ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ عِنْدَ المَرْوَةِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أقْطِعْنِي مَكانًا لِي ولِعَقِبِي، فَأعْرَضَ عَنْهُ عُمَرُ وقالَ: هو حَرَمُ اللَّهِ سَواءٌ العاكِفُ فِيهِ والبادِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَ عُمَرُ يَمْنَعُ أهْلَ مَكَّةَ أنْ يَجْعَلُوا لَها أبْوابًا حَتّى يَنْزِلَ الحاجُّ في عَرَصاتِ الدُّورِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ اللَّهِ «﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: سَواءٌ المُقِيمُ والَّذِي يَدْخُلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَكَّةُ مُباحَةٌ لا تُؤَجَّرُ بُيُوتُها ولا تُباعُ رِباعُها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وما تُدْعى رِباعُ مَكَّةَ إلّا السَّوائِبَ، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرٍ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِيسى بْنِ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبِي حُفْرَةَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَلْقَمَةَ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَن أكَلَ كِراءَ بُيُوتِ مَكَّةَ أكْلَ نارًا» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ راهَوَيْهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإلْحادٍ وهو بِعَدَنِ أِبْيَنَ لَأذاقَهُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الإسْنادُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ووَقْفُهُ أشْبَهُ مِن رَفْعِهِ، ولِهَذا صَمَّمَ شُعْبَةُ عَلى وقْفِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها في سِوى البَيْتِ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَها، ومَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ في البَيْتِ لَمْ يُمِتْهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُذِيقَهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعَثَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ، أحَدُهُما مُهاجِرٌ والآخَرُ مِنَ الأنْصارِ، فافْتَخَرُوا في الأنْسابِ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقَتَلَ الأنْصارِيَّ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ يَعْنِي مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ بِإلْحادٍ، يَعْنِي بِمَيْلٍ عَنِ الإسْلامِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «احْتِكارُ الطَّعامِ في الحَرَمِ إلْحادٌ فِيهِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ بِظُلْمٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: بَيْعُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشِّعْبِ عَنْهُ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ بِبِناءِ البَيْتِ خَرَجَ مَعَهُ إسْماعِيلُ وهاجَرُ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ﴿والقائِمِينَ﴾ قالَ: المُصَلِّينَ عِنْدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مَعْناهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ مَنِيعٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ، فَقالَ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قالَ رَبِّ وما يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ قالَ أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، قالَ: رَبِّ كَيْفَ أقُولُ ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ العَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَن في السَّماءِ والأرْضِ، ألا تَرى أنَّهم يَجِيئُونَ مِن أقْصى الأرْضِ يُلَبُّونَ. وفي البابِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم﴾ قالَ: أسْواقًا كانَتْ لَهم، ما ذَكَرَ اللَّهُ مَنافِعَ إلّا الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَنافِعُ في الدُّنْيا ومَنافِعُ في الآخِرَةِ، فَأمّا مَنافِعُ الآخِرَةِ فَرِضْوانُ اللَّهِ، وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَمِمّا يُصِيبُونَ مِن لُحُومِ البُدْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ والذَّبائِحِ والتِّجاراتِ. وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ المَرْزَوِيُّ في كِتابِ العِيدَيْنِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في الأيّامِ المَعْلُوماتِ قالَ: قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ ويَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: البائِسُ الزَّمِنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (p-٩٦٣)قالَ: التَّفَثُ المَناسِكُ كُلُّها. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: التَّفَثُ حَلْقُ الرَّأْسِ والأخْذُ مِنَ العارِضَيْنِ ونَتْفُ الإبِطِ وحَلْقُ العانَةِ والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ الجِمارِ وقَصُّ الأظْفارِ وقَصُّ الشّارِبِ والذَّبْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ هو طَوافُ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ووَرَدَ في وجْهِ تَسْمِيَةِ البَيْتِ بِالعَتِيقِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ سابِقًا، ووَرَدَ في فَضْلِ الطَّوافِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.

الحج 22:27

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطَفَ المُضارِعَ عَلى الماضِي، لِأنَّ المُرادَ بِالمُضارِعِ ما مَضى مِنَ الصَّدِّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ مُحَمَدٍ: ١ - النَّحْلِ: ٨٨ ]، أوِ المُرادُ بِالصَّدِّ هاهُنا الِاسْتِمْرارُ لا مُجَرَّدُ الِاسْتِقْبالِ، فَصَحَّ بِذَلِكَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ويَصُدُّونَ واوَ الحالِ: أيْ كَفَرُوا والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ. وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ والمُضارِعُ خَبَرُ إنَّ والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ خَبَرُ إنَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ( والبادِ ) وذَلِكَ نَحْوَ خَسِرُوا أوْ هَلَكُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الخَبَرَ ونُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَمْ يُجْزَمْ أيْضًا لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَبَقِيَ الشَّرْطُ وهو ومَن يُرِدْ بِغَيْرِ جَوابٍ فالأوْلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَما ذَكَرْنا والمُرادُ بِالصَّدِّ المَنعُ وسَبِيلُ اللَّهِ دِينُهُ: أيْ يَمْنَعُونَ مِن أرادَ الدُّخُولَ في دِينِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ المُرادُ بِهِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ كَما هو الظّاهِرُ مِن هَذا النَّظْمِ القُرْآنِيِّ وقِيلَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ عِنْدَ يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ يُصَلُّونَ فِيهِ ويَطُوفُونَ بِهِ مُسْتَوِيًا فِيهِ العاكِفُ، وهو المُقِيمُ فِيهِ المُلازِمُ لَهُ والبادِ أيِ الواصِلُ مِنَ البادِيَةِ، والمُرادُ بِهِ الطّارِئُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ مِن أهْلِ البادِيَةِ أوْ مِن غَيْرِهِمْ وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْناهُ، وهو بِمَعْنى مُسْتَوِيًا، والعاكِفُ مُرْتَفِعٌ بِهِ، وُصِفَ المَسْجِدُ الحَرامُ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلصّادِّينَ عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ سَواءً عَلى الحالِ. وهَذا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ، وبِها قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( سَواءٌ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ العاكِفُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ العاكِفُ أيِ العاكِفُ فِيهِ والبادِي سَواءٌ، وقُرِئَ بِنَصْبِ سَواءً وجَرِّ ( العاكِفِ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلنّاسِ: أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ العاكِفِ والبادِي سَواءً، وأثْبَتَ الياءَ في ( البادِي ) ابْنُ كَثِيرٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها أبُو عَمْرٍو في الوَقْفِ، وحَذَفَها نافِعٌ في الوَصْلِ والوَقْفِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ النّاسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ نَفْسَهُ. واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ فَذَهَبَ مُجاهِدٌ ومالِكٌ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها يَسْتَوِي فِيها المُقِيمُ والطّارِئُ. وذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ لِلْقادِمِ أنْ يَنْزِلَ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيِهِ شاءَ أمْ أبى. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها لَيْسَتْ كالمَسْجِدِ الحَرامِ، ولِأهْلِها مَنعُ الطّارِئِ مِنَ النُّزُولِ فِيها. والحاصِلُ أنَّ الكَلامَ في هَذا راجِعٌ إلى أصْلَيْنِ: الأصْلُ الأوَّلُ ما في هَذِهِ الآيَةِ هَلِ المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ. أوْ جَمِيعُ الحَرَمِ، أوْ مَكَّةُ عَلى الخُصُوصِ. والثّانِي هَلْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ صُلْحًا أوْ عَنْوَةً ؟ وعَلى فَرْضِ أنَّ فَتْحَها كانَ عَنْوَةً هَلْ أقَرَّها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في يَدِ أهْلِها عَلى الخُصُوصِ ؟ أوْ جَعَلَها لِمَن نَزَلَ بِها عَلى العُمُومِ ؟ وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ النّاظِرُ فِيهِ إلى زِيادَةٍ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا: أيْ مُرادٍ بِإلْحادٍ: أيْ بِعُدُولٍ عَنِ القَصْدِ، والإلْحادُ في اللُّغَةِ المَيْلُ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هُنا أنَّهُ المَيْلُ بِظُلْمٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الظُّلْمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشِّرْكُ والقَتْلُ، وقِيلَ: صَيْدُ حَيَواناتِهِ وقَطْعُ أشْجارِهِ، وقِيلَ: هو الحَلِفُ فِيهِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ المَعاصِي فِيهِ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعاقَبُ بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلْمَعْصِيَةِ في ذَلِكَ المَكانِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ والضَّحّاكِ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم حَتّى قالُوا لَوْ هَمَّ الرَّجُلُ في الحَرَمِ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِعَدَنَ لَعَذَّبَهُ اللَّهُ. والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن كانَ في البَيْتِ الحَرامِ مَأْخُوذًا بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلظُّلْمِ، فَهي مُخَصَّصَةٌ لِما ورَدَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها إلّا أنْ يُقالَ إنَّ الإرادَةَ فِيها زِيادَةٌ عَلى مُجَرَّدِ حَدِيثِ النَّفْسِ، وبِالجُمْلَةِ فالبَحْثُ عَنْ هَذا وتَقْرِيرُ الحَقِّ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ ويَرْفَعُ الإشْكالَ يَطُولُ جِدًّا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَدَخَلَ النّارَ هُنا بِسَبَبِ مُجَرَّدِ حِرْصِهِ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ. وقَدْ أفْرَدْنا هَذا البَحْثَ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، والباءُ في قَوْلِهِ بِإلْحادٍ إنْ كانَ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفًا كَما ذَكَرْنا فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ هُنا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجِ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ أيْ نَرْجُو الفَرَجَ، ومِثْلُهُ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تُنْمى ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ أيْ ما لاقَتْ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّها زائِدَةٌ الأخْفَشُ، والمَعْنى عِنْدَهُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ إلْحادًا بِظُلْمٍ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: دَخَلَتِ الباءُ لِأنَّ المَعْنى بِأنْ يُلْحِدَ، والباءُ مَعَ أنَّ تَدْخُلُ وتُحْذَفُ، ويَجُوزُ (p-٩٦١)أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدِ النّاسَ بِإلْحادٍ. وقِيلَ: إنْ يُرِدْ مُضَمَّنٌ مَعْنى يَهُمُّ، والمَعْنى: ومَن يَهُمُّ فِيهِ بِإلْحادٍ. وأمّا الباءُ في قَوْلِهِ بِظُلْمٍ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ، والمَعْنى: ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِسَبَبِ الظُّلْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِظُلْمٍ بَدَلًا مِن بِإلْحادٍ بِإعادَةِ الجارِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ. ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، يُقالُ بَوَّأْتُهُ مَنزِلًا وبَوَّأْتُ لَهُ كَما يُقالُ مَكَّنْتُكَ ومَكَّنْتُ لَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ جَعَلْنا مَكانَ البَيْتِ مُبَوَّأً لِإبْراهِيمَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: بَيَّنّا لَهُ مَكانَ البَيْتِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَمْ مِن أخٍ لِيَ ماجِدٍ ∗∗∗ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدًا وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ اللّامَ زائِدَةٌ ومَكانَ ظَرْفٌ: أيْ أنْزَلْناهُ فِيهِ ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ قِيلَ إنَّ هَذِهِ هي مُفَسِّرَةٌ لَبَوَّأْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَعَبَّدْنا؛ لِأنَّ التَّبْوِئَةَ هي لِلْعِبادَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لِأنْ لا تُشْرِكَ بِي. وقِيلَ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: وأوْحَيْنا إلَيْهِ أنْ لا تَعْبُدْ غَيْرِي. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ وحِّدْنِي في هَذا البَيْتِ؛ لِأنَّ مَعْنى لا تُشْرِكْ بِي: وحِّدْنِي ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ. وفِي الآيَةِ طَعْنٌ عَلى ما أشْرَكَ مِن قُطّانِ البَيْتِ أيْ: هَذا كانَ الشَّرْطَ عَلى أبِيكم فَمَن بَعْدَهُ وأنْتُمْ فَلَمْ تَفُوا بَلْ أشْرَكْتُمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: أنْ لا تُشْرِكْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. ومَعْنى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ تَطْهِيرُهُ مِنَ الكُفْرِ والأوْثانِ والدِّماءِ وسائِرِ النَّجاساتِ، وقِيلَ: عَنى بِهِ التَّطْهِيرَ عَنِ الأوْثانِ فَقَطْ، وذَلِكَ أنَّ جُرْهُمًا والعَمالِقَةَ كانَتْ لَهم أصْنامٌ في مَحَلِّ البَيْتِ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ بَراءَةٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ في هَذا المَعْنى، والمُرادُ بِالقائِمِينَ هُنا هُمُ المُصَلُّونَ وذِكْرُ ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ بَعْدَهُ لِبَيانِ أرْكانِ الصَّلاةِ دَلالَةً عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ العِبادَةِ، وقَرَنَ الطَّوافَ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُما لا يُشْرَعانِ إلّا في البَيْتِ، فالطَّوافُ عِنْدَهُ والصَّلاةُ إلَيْهِ. ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وآذِنْ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والمَدِّ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الذّالِ، والأذانُ الإعْلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ جاءَهُ جِبْرِيلُ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ، فَقالَ: يا رَبِّ مَن يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، فَعَلا المَقامَ فَأشْرَفَ بِهِ حَتّى صارَ كَأعْلى الجِبالِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ وأقْبَلَ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وشِمالًا وشَرْقًا وغَرْبًا وقالَ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ فَأجِيبُوا رَبَّكم، فَأجابَهُ مَن كانَ في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أعْلِمْهم يا مُحَمَّدُ بِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فالخِطابُ لِإبْراهِيمَ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقِيلَ: إنَّ خِطابَهُ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي﴾ وما بَعْدَهُ خِطابٌ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالحَجِّ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ في كُلِّ القُرْآنِ بِكَسْرِها ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، وعَدَ اللَّهُ إجابَةَ النّاسِ لَهُ إلى حَجِّ البَيْتِ ما بَيْنَ راجِلٍ وراكِبٍ، فَمَعْنى رِجالًا مُشاةً جَمْعُ راجِلٍ، وقِيلَ: جَمْعُ رَجُلٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ رُجالًا بِضَمِّ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ رُجالى عَلى وزْنِ فُعالى مِثْلِ كُسالى، وقَدَّمَ الرِّجالَ عَلى الرُّكْبانِ في الذِّكْرِ لِزِيادَةِ تَعَبِهِمْ في المَشْيِ، وقالَ: يَأْتُوكَ وإنْ كانُوا يَأْتُونَ البَيْتَ؛ لِأنَّ مَن أتى الكَعْبَةَ حاجًّا فَقَدْ أتى إبْراهِيمَ، لِأنَّهُ أجابَ نِداءَهُ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ عُطِفَ عَلى رِجالًا أيْ: ورُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ، والضّامِرُ البَعِيرُ المَهْزُولُ الَّذِي أتْعَبَهُ السَّفَرُ، ويُقالُ ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا، ووَصَفَ الضّامِرَ بِقَوْلِهِ يَأْتِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّ الضّامِرَ في مَعْنى ضَوامِرِ، وقَرَأ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والضَّحّاكُ يَأْتُونَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرِجالًا. والفَجُّ الطَّرِيقُ الواسِعُ، الجَمْعُ فِجاجٌ، والعَمِيقُ البَعِيدُ. واللّامُ في ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يَأْتُوكَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ وأذِّنْ، والشُّهُودُ الحُضُورُ، والمَنافِعُ هي تَعُمُّ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَناسِكُ، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ، وقِيلَ: التِّجارَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ أيْ يَذْكُرُوا عِنْدَ ذَبْحِ الهَدايا والضَّحايا اسْمَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الذِّكْرَ كِنايَةٌ عَنِ الذَّبْحِ لِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ. والأيّامُ المَعْلُوماتُ هي أيّامُ النَّحْرِ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وقِيلَ: عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ في البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، والكَلامُ في وقْتِ ذَبْحِ الأُضْحِيَّةِ مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الفِقْهِ وشُرُوحِ الحَدِيثِ، ومَعْنى: عَلى ما رَزَقَهم: عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الأنْعامُ فالإضافَةُ في هَذا كالإضافَةِ في قَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ وصَلاةُ الأُولى ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ الأمْرُ هُنا لِلنَّدْبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ البائِسُ ذُو البُؤْسِ وهو شِدَّةُ الفَقْرِ فَذَكَرالفَقِيرَ بَعْدَهُ لِمَزِيدِ الإيضاحِ، والأمْرُ هُنا لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: لِلنَّدْبِ. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ المُرادُ بِالقَضاءِ هُنا هو التَّأْدِيَةُ أيْ: لِيُؤَدُّوا إزالَةَ وسَخِهِمْ؛ لِأنَّ التَّفَثَ هو الوَسَخُ والقَذارَةُ مِن طُولِ الشَّعْرِ والأظْفارِ، وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ كَما حَكّاهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَأْتِ في الشِّعْرِ ما يُحْتَجُّ بِهِ في مَعْنى التَّفَثِ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّفَثِ في اللُّغَةِ كُلُّ قاذُورَةٍ تَلْحِقُ الإنْسانَ. وقِيلَ: قَضاؤُهُ ادِّهانُهُ؛ لِأنَّ الحاجَّ مُغَبَّرٌ شَعِثٌ لَمْ يَدَّهِنْ ولَمْ يَسْتَحِدَّ، فَإذا قَضى نُسُكَهُ وخَرَجَ مِن إحْرامِهِ حَلَقَ شَعْرَهُ ولَبِسَ ثِيابَهُ، فَهَذا هو قَضاءُ التَّفَثِ. قالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهُ خُرُوجٌ مِنَ الإحْرامِ إلى الحَلالِ ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ ما يَنْذُرُونَ بِهِ مِنَ البَرِّ في حَجِّهِمْ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنُّذُورِ هُنا أعْمالُ الحَجِّ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (p-٩٦٢)هَذا الطَّوافُ هو طَوافُ الإفاضَةِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُتَأوِّلِينَ، والعَتِيقُ القَدِيمُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآيَةَ، وقَدْ سُمِّيَ العَتِيقُ لِأنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِن أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ جَبّارٌ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يُعْتِقُ فِيهِ رِقابَ المُذْنِبِينَ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِن غَرَقِ الطُّوفانِ وقِيلَ: العَتِيقُ الكَرِيمُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو المَسْجِدُ الحَرامُ ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: خَلْقُ اللَّهِ فِيهِ سَواءٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم في مَنازِلِ مَكَّةَ سَواءٌ، فَيَنْبَغِي لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يُوَسِّعُوا لَهم حَتّى يَقْضُوا مَناسِكَهم. وقالَ البادِي وأهْلُ مَكَّةَ سَواءٌ، يَعْنِي في المَنزِلِ والحَرَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: مَن أخَذَ مَن أجُورِ بُيُوتِ مَكَّةَ إنَّما يَأْكُلُ في بُطُونِهِ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ عِنْدَ المَرْوَةِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أقْطِعْنِي مَكانًا لِي ولِعَقِبِي، فَأعْرَضَ عَنْهُ عُمَرُ وقالَ: هو حَرَمُ اللَّهِ سَواءٌ العاكِفُ فِيهِ والبادِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَ عُمَرُ يَمْنَعُ أهْلَ مَكَّةَ أنْ يَجْعَلُوا لَها أبْوابًا حَتّى يَنْزِلَ الحاجُّ في عَرَصاتِ الدُّورِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ اللَّهِ «﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: سَواءٌ المُقِيمُ والَّذِي يَدْخُلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَكَّةُ مُباحَةٌ لا تُؤَجَّرُ بُيُوتُها ولا تُباعُ رِباعُها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وما تُدْعى رِباعُ مَكَّةَ إلّا السَّوائِبَ، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرٍ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِيسى بْنِ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبِي حُفْرَةَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَلْقَمَةَ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَن أكَلَ كِراءَ بُيُوتِ مَكَّةَ أكْلَ نارًا» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ راهَوَيْهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإلْحادٍ وهو بِعَدَنِ أِبْيَنَ لَأذاقَهُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الإسْنادُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ووَقْفُهُ أشْبَهُ مِن رَفْعِهِ، ولِهَذا صَمَّمَ شُعْبَةُ عَلى وقْفِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها في سِوى البَيْتِ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَها، ومَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ في البَيْتِ لَمْ يُمِتْهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُذِيقَهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعَثَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ، أحَدُهُما مُهاجِرٌ والآخَرُ مِنَ الأنْصارِ، فافْتَخَرُوا في الأنْسابِ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقَتَلَ الأنْصارِيَّ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ يَعْنِي مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ بِإلْحادٍ، يَعْنِي بِمَيْلٍ عَنِ الإسْلامِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «احْتِكارُ الطَّعامِ في الحَرَمِ إلْحادٌ فِيهِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ بِظُلْمٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: بَيْعُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشِّعْبِ عَنْهُ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ بِبِناءِ البَيْتِ خَرَجَ مَعَهُ إسْماعِيلُ وهاجَرُ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ﴿والقائِمِينَ﴾ قالَ: المُصَلِّينَ عِنْدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مَعْناهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ مَنِيعٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ، فَقالَ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قالَ رَبِّ وما يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ قالَ أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، قالَ: رَبِّ كَيْفَ أقُولُ ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ العَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَن في السَّماءِ والأرْضِ، ألا تَرى أنَّهم يَجِيئُونَ مِن أقْصى الأرْضِ يُلَبُّونَ. وفي البابِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم﴾ قالَ: أسْواقًا كانَتْ لَهم، ما ذَكَرَ اللَّهُ مَنافِعَ إلّا الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَنافِعُ في الدُّنْيا ومَنافِعُ في الآخِرَةِ، فَأمّا مَنافِعُ الآخِرَةِ فَرِضْوانُ اللَّهِ، وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَمِمّا يُصِيبُونَ مِن لُحُومِ البُدْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ والذَّبائِحِ والتِّجاراتِ. وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ المَرْزَوِيُّ في كِتابِ العِيدَيْنِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في الأيّامِ المَعْلُوماتِ قالَ: قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ ويَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: البائِسُ الزَّمِنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (p-٩٦٣)قالَ: التَّفَثُ المَناسِكُ كُلُّها. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: التَّفَثُ حَلْقُ الرَّأْسِ والأخْذُ مِنَ العارِضَيْنِ ونَتْفُ الإبِطِ وحَلْقُ العانَةِ والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ الجِمارِ وقَصُّ الأظْفارِ وقَصُّ الشّارِبِ والذَّبْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ هو طَوافُ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ووَرَدَ في وجْهِ تَسْمِيَةِ البَيْتِ بِالعَتِيقِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ سابِقًا، ووَرَدَ في فَضْلِ الطَّوافِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.

الحج 22:28

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطَفَ المُضارِعَ عَلى الماضِي، لِأنَّ المُرادَ بِالمُضارِعِ ما مَضى مِنَ الصَّدِّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ مُحَمَدٍ: ١ - النَّحْلِ: ٨٨ ]، أوِ المُرادُ بِالصَّدِّ هاهُنا الِاسْتِمْرارُ لا مُجَرَّدُ الِاسْتِقْبالِ، فَصَحَّ بِذَلِكَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ويَصُدُّونَ واوَ الحالِ: أيْ كَفَرُوا والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ. وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ والمُضارِعُ خَبَرُ إنَّ والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ خَبَرُ إنَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ( والبادِ ) وذَلِكَ نَحْوَ خَسِرُوا أوْ هَلَكُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الخَبَرَ ونُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَمْ يُجْزَمْ أيْضًا لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَبَقِيَ الشَّرْطُ وهو ومَن يُرِدْ بِغَيْرِ جَوابٍ فالأوْلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَما ذَكَرْنا والمُرادُ بِالصَّدِّ المَنعُ وسَبِيلُ اللَّهِ دِينُهُ: أيْ يَمْنَعُونَ مِن أرادَ الدُّخُولَ في دِينِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ المُرادُ بِهِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ كَما هو الظّاهِرُ مِن هَذا النَّظْمِ القُرْآنِيِّ وقِيلَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ عِنْدَ يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ يُصَلُّونَ فِيهِ ويَطُوفُونَ بِهِ مُسْتَوِيًا فِيهِ العاكِفُ، وهو المُقِيمُ فِيهِ المُلازِمُ لَهُ والبادِ أيِ الواصِلُ مِنَ البادِيَةِ، والمُرادُ بِهِ الطّارِئُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ مِن أهْلِ البادِيَةِ أوْ مِن غَيْرِهِمْ وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْناهُ، وهو بِمَعْنى مُسْتَوِيًا، والعاكِفُ مُرْتَفِعٌ بِهِ، وُصِفَ المَسْجِدُ الحَرامُ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلصّادِّينَ عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ سَواءً عَلى الحالِ. وهَذا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ، وبِها قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( سَواءٌ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ العاكِفُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ العاكِفُ أيِ العاكِفُ فِيهِ والبادِي سَواءٌ، وقُرِئَ بِنَصْبِ سَواءً وجَرِّ ( العاكِفِ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلنّاسِ: أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ العاكِفِ والبادِي سَواءً، وأثْبَتَ الياءَ في ( البادِي ) ابْنُ كَثِيرٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها أبُو عَمْرٍو في الوَقْفِ، وحَذَفَها نافِعٌ في الوَصْلِ والوَقْفِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ النّاسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ نَفْسَهُ. واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ فَذَهَبَ مُجاهِدٌ ومالِكٌ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها يَسْتَوِي فِيها المُقِيمُ والطّارِئُ. وذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ لِلْقادِمِ أنْ يَنْزِلَ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيِهِ شاءَ أمْ أبى. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها لَيْسَتْ كالمَسْجِدِ الحَرامِ، ولِأهْلِها مَنعُ الطّارِئِ مِنَ النُّزُولِ فِيها. والحاصِلُ أنَّ الكَلامَ في هَذا راجِعٌ إلى أصْلَيْنِ: الأصْلُ الأوَّلُ ما في هَذِهِ الآيَةِ هَلِ المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ. أوْ جَمِيعُ الحَرَمِ، أوْ مَكَّةُ عَلى الخُصُوصِ. والثّانِي هَلْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ صُلْحًا أوْ عَنْوَةً ؟ وعَلى فَرْضِ أنَّ فَتْحَها كانَ عَنْوَةً هَلْ أقَرَّها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في يَدِ أهْلِها عَلى الخُصُوصِ ؟ أوْ جَعَلَها لِمَن نَزَلَ بِها عَلى العُمُومِ ؟ وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ النّاظِرُ فِيهِ إلى زِيادَةٍ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا: أيْ مُرادٍ بِإلْحادٍ: أيْ بِعُدُولٍ عَنِ القَصْدِ، والإلْحادُ في اللُّغَةِ المَيْلُ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هُنا أنَّهُ المَيْلُ بِظُلْمٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الظُّلْمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشِّرْكُ والقَتْلُ، وقِيلَ: صَيْدُ حَيَواناتِهِ وقَطْعُ أشْجارِهِ، وقِيلَ: هو الحَلِفُ فِيهِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ المَعاصِي فِيهِ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعاقَبُ بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلْمَعْصِيَةِ في ذَلِكَ المَكانِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ والضَّحّاكِ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم حَتّى قالُوا لَوْ هَمَّ الرَّجُلُ في الحَرَمِ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِعَدَنَ لَعَذَّبَهُ اللَّهُ. والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن كانَ في البَيْتِ الحَرامِ مَأْخُوذًا بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلظُّلْمِ، فَهي مُخَصَّصَةٌ لِما ورَدَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها إلّا أنْ يُقالَ إنَّ الإرادَةَ فِيها زِيادَةٌ عَلى مُجَرَّدِ حَدِيثِ النَّفْسِ، وبِالجُمْلَةِ فالبَحْثُ عَنْ هَذا وتَقْرِيرُ الحَقِّ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ ويَرْفَعُ الإشْكالَ يَطُولُ جِدًّا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَدَخَلَ النّارَ هُنا بِسَبَبِ مُجَرَّدِ حِرْصِهِ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ. وقَدْ أفْرَدْنا هَذا البَحْثَ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، والباءُ في قَوْلِهِ بِإلْحادٍ إنْ كانَ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفًا كَما ذَكَرْنا فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ هُنا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجِ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ أيْ نَرْجُو الفَرَجَ، ومِثْلُهُ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تُنْمى ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ أيْ ما لاقَتْ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّها زائِدَةٌ الأخْفَشُ، والمَعْنى عِنْدَهُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ إلْحادًا بِظُلْمٍ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: دَخَلَتِ الباءُ لِأنَّ المَعْنى بِأنْ يُلْحِدَ، والباءُ مَعَ أنَّ تَدْخُلُ وتُحْذَفُ، ويَجُوزُ (p-٩٦١)أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدِ النّاسَ بِإلْحادٍ. وقِيلَ: إنْ يُرِدْ مُضَمَّنٌ مَعْنى يَهُمُّ، والمَعْنى: ومَن يَهُمُّ فِيهِ بِإلْحادٍ. وأمّا الباءُ في قَوْلِهِ بِظُلْمٍ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ، والمَعْنى: ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِسَبَبِ الظُّلْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِظُلْمٍ بَدَلًا مِن بِإلْحادٍ بِإعادَةِ الجارِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ. ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، يُقالُ بَوَّأْتُهُ مَنزِلًا وبَوَّأْتُ لَهُ كَما يُقالُ مَكَّنْتُكَ ومَكَّنْتُ لَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ جَعَلْنا مَكانَ البَيْتِ مُبَوَّأً لِإبْراهِيمَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: بَيَّنّا لَهُ مَكانَ البَيْتِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَمْ مِن أخٍ لِيَ ماجِدٍ ∗∗∗ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدًا وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ اللّامَ زائِدَةٌ ومَكانَ ظَرْفٌ: أيْ أنْزَلْناهُ فِيهِ ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ قِيلَ إنَّ هَذِهِ هي مُفَسِّرَةٌ لَبَوَّأْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَعَبَّدْنا؛ لِأنَّ التَّبْوِئَةَ هي لِلْعِبادَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لِأنْ لا تُشْرِكَ بِي. وقِيلَ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: وأوْحَيْنا إلَيْهِ أنْ لا تَعْبُدْ غَيْرِي. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ وحِّدْنِي في هَذا البَيْتِ؛ لِأنَّ مَعْنى لا تُشْرِكْ بِي: وحِّدْنِي ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ. وفِي الآيَةِ طَعْنٌ عَلى ما أشْرَكَ مِن قُطّانِ البَيْتِ أيْ: هَذا كانَ الشَّرْطَ عَلى أبِيكم فَمَن بَعْدَهُ وأنْتُمْ فَلَمْ تَفُوا بَلْ أشْرَكْتُمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: أنْ لا تُشْرِكْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. ومَعْنى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ تَطْهِيرُهُ مِنَ الكُفْرِ والأوْثانِ والدِّماءِ وسائِرِ النَّجاساتِ، وقِيلَ: عَنى بِهِ التَّطْهِيرَ عَنِ الأوْثانِ فَقَطْ، وذَلِكَ أنَّ جُرْهُمًا والعَمالِقَةَ كانَتْ لَهم أصْنامٌ في مَحَلِّ البَيْتِ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ بَراءَةٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ في هَذا المَعْنى، والمُرادُ بِالقائِمِينَ هُنا هُمُ المُصَلُّونَ وذِكْرُ ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ بَعْدَهُ لِبَيانِ أرْكانِ الصَّلاةِ دَلالَةً عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ العِبادَةِ، وقَرَنَ الطَّوافَ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُما لا يُشْرَعانِ إلّا في البَيْتِ، فالطَّوافُ عِنْدَهُ والصَّلاةُ إلَيْهِ. ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وآذِنْ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والمَدِّ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الذّالِ، والأذانُ الإعْلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ جاءَهُ جِبْرِيلُ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ، فَقالَ: يا رَبِّ مَن يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، فَعَلا المَقامَ فَأشْرَفَ بِهِ حَتّى صارَ كَأعْلى الجِبالِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ وأقْبَلَ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وشِمالًا وشَرْقًا وغَرْبًا وقالَ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ فَأجِيبُوا رَبَّكم، فَأجابَهُ مَن كانَ في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أعْلِمْهم يا مُحَمَّدُ بِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فالخِطابُ لِإبْراهِيمَ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقِيلَ: إنَّ خِطابَهُ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي﴾ وما بَعْدَهُ خِطابٌ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالحَجِّ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ في كُلِّ القُرْآنِ بِكَسْرِها ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، وعَدَ اللَّهُ إجابَةَ النّاسِ لَهُ إلى حَجِّ البَيْتِ ما بَيْنَ راجِلٍ وراكِبٍ، فَمَعْنى رِجالًا مُشاةً جَمْعُ راجِلٍ، وقِيلَ: جَمْعُ رَجُلٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ رُجالًا بِضَمِّ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ رُجالى عَلى وزْنِ فُعالى مِثْلِ كُسالى، وقَدَّمَ الرِّجالَ عَلى الرُّكْبانِ في الذِّكْرِ لِزِيادَةِ تَعَبِهِمْ في المَشْيِ، وقالَ: يَأْتُوكَ وإنْ كانُوا يَأْتُونَ البَيْتَ؛ لِأنَّ مَن أتى الكَعْبَةَ حاجًّا فَقَدْ أتى إبْراهِيمَ، لِأنَّهُ أجابَ نِداءَهُ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ عُطِفَ عَلى رِجالًا أيْ: ورُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ، والضّامِرُ البَعِيرُ المَهْزُولُ الَّذِي أتْعَبَهُ السَّفَرُ، ويُقالُ ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا، ووَصَفَ الضّامِرَ بِقَوْلِهِ يَأْتِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّ الضّامِرَ في مَعْنى ضَوامِرِ، وقَرَأ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والضَّحّاكُ يَأْتُونَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرِجالًا. والفَجُّ الطَّرِيقُ الواسِعُ، الجَمْعُ فِجاجٌ، والعَمِيقُ البَعِيدُ. واللّامُ في ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يَأْتُوكَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ وأذِّنْ، والشُّهُودُ الحُضُورُ، والمَنافِعُ هي تَعُمُّ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَناسِكُ، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ، وقِيلَ: التِّجارَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ أيْ يَذْكُرُوا عِنْدَ ذَبْحِ الهَدايا والضَّحايا اسْمَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الذِّكْرَ كِنايَةٌ عَنِ الذَّبْحِ لِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ. والأيّامُ المَعْلُوماتُ هي أيّامُ النَّحْرِ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وقِيلَ: عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ في البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، والكَلامُ في وقْتِ ذَبْحِ الأُضْحِيَّةِ مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الفِقْهِ وشُرُوحِ الحَدِيثِ، ومَعْنى: عَلى ما رَزَقَهم: عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الأنْعامُ فالإضافَةُ في هَذا كالإضافَةِ في قَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ وصَلاةُ الأُولى ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ الأمْرُ هُنا لِلنَّدْبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ البائِسُ ذُو البُؤْسِ وهو شِدَّةُ الفَقْرِ فَذَكَرالفَقِيرَ بَعْدَهُ لِمَزِيدِ الإيضاحِ، والأمْرُ هُنا لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: لِلنَّدْبِ. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ المُرادُ بِالقَضاءِ هُنا هو التَّأْدِيَةُ أيْ: لِيُؤَدُّوا إزالَةَ وسَخِهِمْ؛ لِأنَّ التَّفَثَ هو الوَسَخُ والقَذارَةُ مِن طُولِ الشَّعْرِ والأظْفارِ، وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ كَما حَكّاهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَأْتِ في الشِّعْرِ ما يُحْتَجُّ بِهِ في مَعْنى التَّفَثِ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّفَثِ في اللُّغَةِ كُلُّ قاذُورَةٍ تَلْحِقُ الإنْسانَ. وقِيلَ: قَضاؤُهُ ادِّهانُهُ؛ لِأنَّ الحاجَّ مُغَبَّرٌ شَعِثٌ لَمْ يَدَّهِنْ ولَمْ يَسْتَحِدَّ، فَإذا قَضى نُسُكَهُ وخَرَجَ مِن إحْرامِهِ حَلَقَ شَعْرَهُ ولَبِسَ ثِيابَهُ، فَهَذا هو قَضاءُ التَّفَثِ. قالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهُ خُرُوجٌ مِنَ الإحْرامِ إلى الحَلالِ ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ ما يَنْذُرُونَ بِهِ مِنَ البَرِّ في حَجِّهِمْ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنُّذُورِ هُنا أعْمالُ الحَجِّ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (p-٩٦٢)هَذا الطَّوافُ هو طَوافُ الإفاضَةِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُتَأوِّلِينَ، والعَتِيقُ القَدِيمُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآيَةَ، وقَدْ سُمِّيَ العَتِيقُ لِأنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِن أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ جَبّارٌ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يُعْتِقُ فِيهِ رِقابَ المُذْنِبِينَ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِن غَرَقِ الطُّوفانِ وقِيلَ: العَتِيقُ الكَرِيمُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو المَسْجِدُ الحَرامُ ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: خَلْقُ اللَّهِ فِيهِ سَواءٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم في مَنازِلِ مَكَّةَ سَواءٌ، فَيَنْبَغِي لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يُوَسِّعُوا لَهم حَتّى يَقْضُوا مَناسِكَهم. وقالَ البادِي وأهْلُ مَكَّةَ سَواءٌ، يَعْنِي في المَنزِلِ والحَرَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: مَن أخَذَ مَن أجُورِ بُيُوتِ مَكَّةَ إنَّما يَأْكُلُ في بُطُونِهِ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ عِنْدَ المَرْوَةِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أقْطِعْنِي مَكانًا لِي ولِعَقِبِي، فَأعْرَضَ عَنْهُ عُمَرُ وقالَ: هو حَرَمُ اللَّهِ سَواءٌ العاكِفُ فِيهِ والبادِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَ عُمَرُ يَمْنَعُ أهْلَ مَكَّةَ أنْ يَجْعَلُوا لَها أبْوابًا حَتّى يَنْزِلَ الحاجُّ في عَرَصاتِ الدُّورِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ اللَّهِ «﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: سَواءٌ المُقِيمُ والَّذِي يَدْخُلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَكَّةُ مُباحَةٌ لا تُؤَجَّرُ بُيُوتُها ولا تُباعُ رِباعُها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وما تُدْعى رِباعُ مَكَّةَ إلّا السَّوائِبَ، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرٍ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِيسى بْنِ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبِي حُفْرَةَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَلْقَمَةَ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَن أكَلَ كِراءَ بُيُوتِ مَكَّةَ أكْلَ نارًا» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ راهَوَيْهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإلْحادٍ وهو بِعَدَنِ أِبْيَنَ لَأذاقَهُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الإسْنادُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ووَقْفُهُ أشْبَهُ مِن رَفْعِهِ، ولِهَذا صَمَّمَ شُعْبَةُ عَلى وقْفِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها في سِوى البَيْتِ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَها، ومَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ في البَيْتِ لَمْ يُمِتْهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُذِيقَهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعَثَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ، أحَدُهُما مُهاجِرٌ والآخَرُ مِنَ الأنْصارِ، فافْتَخَرُوا في الأنْسابِ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقَتَلَ الأنْصارِيَّ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ يَعْنِي مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ بِإلْحادٍ، يَعْنِي بِمَيْلٍ عَنِ الإسْلامِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «احْتِكارُ الطَّعامِ في الحَرَمِ إلْحادٌ فِيهِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ بِظُلْمٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: بَيْعُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشِّعْبِ عَنْهُ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ بِبِناءِ البَيْتِ خَرَجَ مَعَهُ إسْماعِيلُ وهاجَرُ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ﴿والقائِمِينَ﴾ قالَ: المُصَلِّينَ عِنْدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مَعْناهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ مَنِيعٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ، فَقالَ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قالَ رَبِّ وما يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ قالَ أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، قالَ: رَبِّ كَيْفَ أقُولُ ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ العَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَن في السَّماءِ والأرْضِ، ألا تَرى أنَّهم يَجِيئُونَ مِن أقْصى الأرْضِ يُلَبُّونَ. وفي البابِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم﴾ قالَ: أسْواقًا كانَتْ لَهم، ما ذَكَرَ اللَّهُ مَنافِعَ إلّا الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَنافِعُ في الدُّنْيا ومَنافِعُ في الآخِرَةِ، فَأمّا مَنافِعُ الآخِرَةِ فَرِضْوانُ اللَّهِ، وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَمِمّا يُصِيبُونَ مِن لُحُومِ البُدْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ والذَّبائِحِ والتِّجاراتِ. وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ المَرْزَوِيُّ في كِتابِ العِيدَيْنِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في الأيّامِ المَعْلُوماتِ قالَ: قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ ويَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: البائِسُ الزَّمِنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (p-٩٦٣)قالَ: التَّفَثُ المَناسِكُ كُلُّها. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: التَّفَثُ حَلْقُ الرَّأْسِ والأخْذُ مِنَ العارِضَيْنِ ونَتْفُ الإبِطِ وحَلْقُ العانَةِ والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ الجِمارِ وقَصُّ الأظْفارِ وقَصُّ الشّارِبِ والذَّبْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ هو طَوافُ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ووَرَدَ في وجْهِ تَسْمِيَةِ البَيْتِ بِالعَتِيقِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ سابِقًا، ووَرَدَ في فَضْلِ الطَّوافِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.

الحج 22:29

. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَطَفَ المُضارِعَ عَلى الماضِي، لِأنَّ المُرادَ بِالمُضارِعِ ما مَضى مِنَ الصَّدِّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ مُحَمَدٍ: ١ - النَّحْلِ: ٨٨ ]، أوِ المُرادُ بِالصَّدِّ هاهُنا الِاسْتِمْرارُ لا مُجَرَّدُ الِاسْتِقْبالِ، فَصَحَّ بِذَلِكَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ في ويَصُدُّونَ واوَ الحالِ: أيْ كَفَرُوا والحالُ أنَّهم يَصُدُّونَ. وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ والمُضارِعُ خَبَرُ إنَّ والأوْلى أنْ يُقَدَّرَ خَبَرُ إنَّ بَعْدَ قَوْلِهِ: ( والبادِ ) وذَلِكَ نَحْوَ خَسِرُوا أوْ هَلَكُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الخَبَرَ ونُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَمْ يُجْزَمْ أيْضًا لَوْ كانَ خَبَرًا لِإنَّ لَبَقِيَ الشَّرْطُ وهو ومَن يُرِدْ بِغَيْرِ جَوابٍ فالأوْلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَما ذَكَرْنا والمُرادُ بِالصَّدِّ المَنعُ وسَبِيلُ اللَّهِ دِينُهُ: أيْ يَمْنَعُونَ مِن أرادَ الدُّخُولَ في دِينِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ، مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ المُرادُ بِهِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ كَما هو الظّاهِرُ مِن هَذا النَّظْمِ القُرْآنِيِّ وقِيلَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ عِنْدَ يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَكَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ عَلى العُمُومِ يُصَلُّونَ فِيهِ ويَطُوفُونَ بِهِ مُسْتَوِيًا فِيهِ العاكِفُ، وهو المُقِيمُ فِيهِ المُلازِمُ لَهُ والبادِ أيِ الواصِلُ مِنَ البادِيَةِ، والمُرادُ بِهِ الطّارِئُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ مِن أهْلِ البادِيَةِ أوْ مِن غَيْرِهِمْ وانْتِصابُ سَواءً عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْناهُ، وهو بِمَعْنى مُسْتَوِيًا، والعاكِفُ مُرْتَفِعٌ بِهِ، وُصِفَ المَسْجِدُ الحَرامُ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِلصّادِّينَ عَنْهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ سَواءً عَلى الحالِ. وهَذا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ، وبِها قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ ( سَواءٌ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ العاكِفُ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والمُبْتَدَأُ العاكِفُ أيِ العاكِفُ فِيهِ والبادِي سَواءٌ، وقُرِئَ بِنَصْبِ سَواءً وجَرِّ ( العاكِفِ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلنّاسِ: أيْ جَعَلْناهُ لِلنّاسِ العاكِفِ والبادِي سَواءً، وأثْبَتَ الياءَ في ( البادِي ) ابْنُ كَثِيرٍ وصْلًا ووَقْفًا، وحَذَفَها أبُو عَمْرٍو في الوَقْفِ، وحَذَفَها نافِعٌ في الوَصْلِ والوَقْفِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وأجْمَعَ النّاسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ نَفْسَهُ. واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ فَذَهَبَ مُجاهِدٌ ومالِكٌ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها يَسْتَوِي فِيها المُقِيمُ والطّارِئُ. وذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ لِلْقادِمِ أنْ يَنْزِلَ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيِهِ شاءَ أمْ أبى. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ دُورَ مَكَّةَ ومَنازِلَها لَيْسَتْ كالمَسْجِدِ الحَرامِ، ولِأهْلِها مَنعُ الطّارِئِ مِنَ النُّزُولِ فِيها. والحاصِلُ أنَّ الكَلامَ في هَذا راجِعٌ إلى أصْلَيْنِ: الأصْلُ الأوَّلُ ما في هَذِهِ الآيَةِ هَلِ المُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ المَسْجِدُ نَفْسُهُ. أوْ جَمِيعُ الحَرَمِ، أوْ مَكَّةُ عَلى الخُصُوصِ. والثّانِي هَلْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ صُلْحًا أوْ عَنْوَةً ؟ وعَلى فَرْضِ أنَّ فَتْحَها كانَ عَنْوَةً هَلْ أقَرَّها النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في يَدِ أهْلِها عَلى الخُصُوصِ ؟ أوْ جَعَلَها لِمَن نَزَلَ بِها عَلى العُمُومِ ؟ وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى بِما لا يَحْتاجُ النّاظِرُ فِيهِ إلى زِيادَةٍ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ مُرادًا: أيْ مُرادٍ بِإلْحادٍ: أيْ بِعُدُولٍ عَنِ القَصْدِ، والإلْحادُ في اللُّغَةِ المَيْلُ إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ هُنا أنَّهُ المَيْلُ بِظُلْمٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الظُّلْمِ ماذا هو ؟ فَقِيلَ هو الشِّرْكُ، وقِيلَ: الشِّرْكُ والقَتْلُ، وقِيلَ: صَيْدُ حَيَواناتِهِ وقَطْعُ أشْجارِهِ، وقِيلَ: هو الحَلِفُ فِيهِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ المَعاصِي فِيهِ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعاقَبُ بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلْمَعْصِيَةِ في ذَلِكَ المَكانِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ والضَّحّاكِ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم حَتّى قالُوا لَوْ هَمَّ الرَّجُلُ في الحَرَمِ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِعَدَنَ لَعَذَّبَهُ اللَّهُ. والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ مَن كانَ في البَيْتِ الحَرامِ مَأْخُوذًا بِمُجَرَّدِ الإرادَةِ لِلظُّلْمِ، فَهي مُخَصَّصَةٌ لِما ورَدَ مِن أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها إلّا أنْ يُقالَ إنَّ الإرادَةَ فِيها زِيادَةٌ عَلى مُجَرَّدِ حَدِيثِ النَّفْسِ، وبِالجُمْلَةِ فالبَحْثُ عَنْ هَذا وتَقْرِيرُ الحَقِّ فِيهِ عَلى وجْهٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ ويَرْفَعُ الإشْكالَ يَطُولُ جِدًّا، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا القاتِلُ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَدَخَلَ النّارَ هُنا بِسَبَبِ مُجَرَّدِ حِرْصِهِ عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ. وقَدْ أفْرَدْنا هَذا البَحْثَ بِرِسالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، والباءُ في قَوْلِهِ بِإلْحادٍ إنْ كانَ مَفْعُولُ يُرِدْ مَحْذُوفًا كَما ذَكَرْنا فَلَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ هُنا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجِ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ أيْ نَرْجُو الفَرَجَ، ومِثْلُهُ: ؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تُنْمى ∗∗∗ بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ أيْ ما لاقَتْ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّها زائِدَةٌ الأخْفَشُ، والمَعْنى عِنْدَهُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ إلْحادًا بِظُلْمٍ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: دَخَلَتِ الباءُ لِأنَّ المَعْنى بِأنْ يُلْحِدَ، والباءُ مَعَ أنَّ تَدْخُلُ وتُحْذَفُ، ويَجُوزُ (p-٩٦١)أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ومَن يُرِدِ النّاسَ بِإلْحادٍ. وقِيلَ: إنْ يُرِدْ مُضَمَّنٌ مَعْنى يَهُمُّ، والمَعْنى: ومَن يَهُمُّ فِيهِ بِإلْحادٍ. وأمّا الباءُ في قَوْلِهِ بِظُلْمٍ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ، والمَعْنى: ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِسَبَبِ الظُّلْمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِظُلْمٍ بَدَلًا مِن بِإلْحادٍ بِإعادَةِ الجارِّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ. ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ أيْ واذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، يُقالُ بَوَّأْتُهُ مَنزِلًا وبَوَّأْتُ لَهُ كَما يُقالُ مَكَّنْتُكَ ومَكَّنْتُ لَكَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ جَعَلْنا مَكانَ البَيْتِ مُبَوَّأً لِإبْراهِيمَ، ومَعْنى بَوَّأْنا: بَيَّنّا لَهُ مَكانَ البَيْتِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كَمْ مِن أخٍ لِيَ ماجِدٍ ∗∗∗ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدًا وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ اللّامَ زائِدَةٌ ومَكانَ ظَرْفٌ: أيْ أنْزَلْناهُ فِيهِ ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ قِيلَ إنَّ هَذِهِ هي مُفَسِّرَةٌ لَبَوَّأْنا لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى تَعَبَّدْنا؛ لِأنَّ التَّبْوِئَةَ هي لِلْعِبادَةِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ لِأنْ لا تُشْرِكَ بِي. وقِيلَ: هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: وأوْحَيْنا إلَيْهِ أنْ لا تَعْبُدْ غَيْرِي. قالَ المُبَرِّدُ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ وحِّدْنِي في هَذا البَيْتِ؛ لِأنَّ مَعْنى لا تُشْرِكْ بِي: وحِّدْنِي ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ. وفِي الآيَةِ طَعْنٌ عَلى ما أشْرَكَ مِن قُطّانِ البَيْتِ أيْ: هَذا كانَ الشَّرْطَ عَلى أبِيكم فَمَن بَعْدَهُ وأنْتُمْ فَلَمْ تَفُوا بَلْ أشْرَكْتُمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ: أنْ لا تُشْرِكْ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهَذا ضَعِيفٌ جِدًّا. ومَعْنى ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ تَطْهِيرُهُ مِنَ الكُفْرِ والأوْثانِ والدِّماءِ وسائِرِ النَّجاساتِ، وقِيلَ: عَنى بِهِ التَّطْهِيرَ عَنِ الأوْثانِ فَقَطْ، وذَلِكَ أنَّ جُرْهُمًا والعَمالِقَةَ كانَتْ لَهم أصْنامٌ في مَحَلِّ البَيْتِ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ بَراءَةٍ ما فِيهِ كِفايَةٌ في هَذا المَعْنى، والمُرادُ بِالقائِمِينَ هُنا هُمُ المُصَلُّونَ وذِكْرُ ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ بَعْدَهُ لِبَيانِ أرْكانِ الصَّلاةِ دَلالَةً عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ العِبادَةِ، وقَرَنَ الطَّوافَ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّهُما لا يُشْرَعانِ إلّا في البَيْتِ، فالطَّوافُ عِنْدَهُ والصَّلاةُ إلَيْهِ. ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ( وآذِنْ ) بِتَخْفِيفِ الذّالِ والمَدِّ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الذّالِ، والأذانُ الإعْلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في بَراءَةٍ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ جاءَهُ جِبْرِيلُ فَأمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ، فَقالَ: يا رَبِّ مَن يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ فَقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، فَعَلا المَقامَ فَأشْرَفَ بِهِ حَتّى صارَ كَأعْلى الجِبالِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ وأقْبَلَ بِوَجْهِهِ يَمِينًا وشِمالًا وشَرْقًا وغَرْبًا وقالَ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ فَأجِيبُوا رَبَّكم، فَأجابَهُ مَن كانَ في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . والمَعْنى: أعْلِمْهم يا مُحَمَّدُ بِوُجُوبِ الحَجِّ عَلَيْهِمْ، وعَلى هَذا فالخِطابُ لِإبْراهِيمَ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقِيلَ: إنَّ خِطابَهُ انْقَضى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي﴾ وما بَعْدَهُ خِطابٌ لِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالحَجِّ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ في كُلِّ القُرْآنِ بِكَسْرِها ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ هَذا جَوابُ الأمْرِ، وعَدَ اللَّهُ إجابَةَ النّاسِ لَهُ إلى حَجِّ البَيْتِ ما بَيْنَ راجِلٍ وراكِبٍ، فَمَعْنى رِجالًا مُشاةً جَمْعُ راجِلٍ، وقِيلَ: جَمْعُ رَجُلٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ رُجالًا بِضَمِّ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ رُجالى عَلى وزْنِ فُعالى مِثْلِ كُسالى، وقَدَّمَ الرِّجالَ عَلى الرُّكْبانِ في الذِّكْرِ لِزِيادَةِ تَعَبِهِمْ في المَشْيِ، وقالَ: يَأْتُوكَ وإنْ كانُوا يَأْتُونَ البَيْتَ؛ لِأنَّ مَن أتى الكَعْبَةَ حاجًّا فَقَدْ أتى إبْراهِيمَ، لِأنَّهُ أجابَ نِداءَهُ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ عُطِفَ عَلى رِجالًا أيْ: ورُكْبانًا عَلى كُلِّ بَعِيرٍ، والضّامِرُ البَعِيرُ المَهْزُولُ الَّذِي أتْعَبَهُ السَّفَرُ، ويُقالُ ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا، ووَصَفَ الضّامِرَ بِقَوْلِهِ يَأْتِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ لِأنَّ الضّامِرَ في مَعْنى ضَوامِرِ، وقَرَأ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والضَّحّاكُ يَأْتُونَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرِجالًا. والفَجُّ الطَّرِيقُ الواسِعُ، الجَمْعُ فِجاجٌ، والعَمِيقُ البَعِيدُ. واللّامُ في ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ يَأْتُوكَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ وأذِّنْ، والشُّهُودُ الحُضُورُ، والمَنافِعُ هي تَعُمُّ مَنافِعَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَناسِكُ، وقِيلَ: المَغْفِرَةُ، وقِيلَ: التِّجارَةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم﴾ [البقرة: ١٩٨] ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ أيْ يَذْكُرُوا عِنْدَ ذَبْحِ الهَدايا والضَّحايا اسْمَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الذِّكْرَ كِنايَةٌ عَنِ الذَّبْحِ لِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ. والأيّامُ المَعْلُوماتُ هي أيّامُ النَّحْرِ كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وقِيلَ: عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في الأيّامِ المَعْلُوماتِ والمَعْدُوداتِ في البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، والكَلامُ في وقْتِ ذَبْحِ الأُضْحِيَّةِ مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الفِقْهِ وشُرُوحِ الحَدِيثِ، ومَعْنى: عَلى ما رَزَقَهم: عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، وبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الأنْعامُ فالإضافَةُ في هَذا كالإضافَةِ في قَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ وصَلاةُ الأُولى ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ الأمْرُ هُنا لِلنَّدْبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، وهَذا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾ البائِسُ ذُو البُؤْسِ وهو شِدَّةُ الفَقْرِ فَذَكَرالفَقِيرَ بَعْدَهُ لِمَزِيدِ الإيضاحِ، والأمْرُ هُنا لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: لِلنَّدْبِ. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ المُرادُ بِالقَضاءِ هُنا هو التَّأْدِيَةُ أيْ: لِيُؤَدُّوا إزالَةَ وسَخِهِمْ؛ لِأنَّ التَّفَثَ هو الوَسَخُ والقَذارَةُ مِن طُولِ الشَّعْرِ والأظْفارِ، وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ كَما حَكّاهُ النَّيْسابُورِيُّ عَلى هَذا. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أهْلَ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ التَّفَثَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَأْتِ في الشِّعْرِ ما يُحْتَجُّ بِهِ في مَعْنى التَّفَثِ. وقالَ المُبَرِّدُ: أصْلُ التَّفَثِ في اللُّغَةِ كُلُّ قاذُورَةٍ تَلْحِقُ الإنْسانَ. وقِيلَ: قَضاؤُهُ ادِّهانُهُ؛ لِأنَّ الحاجَّ مُغَبَّرٌ شَعِثٌ لَمْ يَدَّهِنْ ولَمْ يَسْتَحِدَّ، فَإذا قَضى نُسُكَهُ وخَرَجَ مِن إحْرامِهِ حَلَقَ شَعْرَهُ ولَبِسَ ثِيابَهُ، فَهَذا هو قَضاءُ التَّفَثِ. قالَ الزَّجّاجُ: كَأنَّهُ خُرُوجٌ مِنَ الإحْرامِ إلى الحَلالِ ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أيْ ما يَنْذُرُونَ بِهِ مِنَ البَرِّ في حَجِّهِمْ، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنُّذُورِ هُنا أعْمالُ الحَجِّ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ (p-٩٦٢)هَذا الطَّوافُ هو طَوافُ الإفاضَةِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُتَأوِّلِينَ، والعَتِيقُ القَدِيمُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآيَةَ، وقَدْ سُمِّيَ العَتِيقُ لِأنَّ اللَّهَ أعْتَقَهُ مِن أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ جَبّارٌ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ يُعْتِقُ فِيهِ رِقابَ المُذْنِبِينَ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِن غَرَقِ الطُّوفانِ وقِيلَ: العَتِيقُ الكَرِيمُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو المَسْجِدُ الحَرامُ ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: خَلْقُ اللَّهِ فِيهِ سَواءٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم في مَنازِلِ مَكَّةَ سَواءٌ، فَيَنْبَغِي لِأهْلِ مَكَّةَ أنْ يُوَسِّعُوا لَهم حَتّى يَقْضُوا مَناسِكَهم. وقالَ البادِي وأهْلُ مَكَّةَ سَواءٌ، يَعْنِي في المَنزِلِ والحَرَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: مَن أخَذَ مَن أجُورِ بُيُوتِ مَكَّةَ إنَّما يَأْكُلُ في بُطُونِهِ نارًا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ عِنْدَ المَرْوَةِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أقْطِعْنِي مَكانًا لِي ولِعَقِبِي، فَأعْرَضَ عَنْهُ عُمَرُ وقالَ: هو حَرَمُ اللَّهِ سَواءٌ العاكِفُ فِيهِ والبادِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَ عُمَرُ يَمْنَعُ أهْلَ مَكَّةَ أنْ يَجْعَلُوا لَها أبْوابًا حَتّى يَنْزِلَ الحاجُّ في عَرَصاتِ الدُّورِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِ اللَّهِ «﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي﴾ قالَ: سَواءٌ المُقِيمُ والَّذِي يَدْخُلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «مَكَّةُ مُباحَةٌ لا تُؤَجَّرُ بُيُوتُها ولا تُباعُ رِباعُها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وما تُدْعى رِباعُ مَكَّةَ إلّا السَّوائِبَ، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرٍ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِيسى بْنِ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أبِي حُفْرَةَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ عَنْ عَلْقَمَةَ فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَن أكَلَ كِراءَ بُيُوتِ مَكَّةَ أكْلَ نارًا» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ راهَوَيْهِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإلْحادٍ وهو بِعَدَنِ أِبْيَنَ لَأذاقَهُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا الإسْنادُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، ووَقْفُهُ أشْبَهُ مِن رَفْعِهِ، ولِهَذا صَمَّمَ شُعْبَةُ عَلى وقْفِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: مَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها في سِوى البَيْتِ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَها، ومَن هَمَّ بِخَطِيئَةٍ في البَيْتِ لَمْ يُمِتْهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيا حَتّى يُذِيقَهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَعَثَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ، أحَدُهُما مُهاجِرٌ والآخَرُ مِنَ الأنْصارِ، فافْتَخَرُوا في الأنْسابِ، فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، فَقَتَلَ الأنْصارِيَّ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ وهَرَبَ إلى مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ يَعْنِي مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ بِإلْحادٍ، يَعْنِي بِمَيْلٍ عَنِ الإسْلامِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِ ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «احْتِكارُ الطَّعامِ في الحَرَمِ إلْحادٌ فِيهِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ بِظُلْمٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: بَيْعُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشِّعْبِ عَنْهُ قالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ بِبِناءِ البَيْتِ خَرَجَ مَعَهُ إسْماعِيلُ وهاجَرُ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وإذْ بَوَّأْنا لِإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ ﴿والقائِمِينَ﴾ قالَ: المُصَلِّينَ عِنْدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مَعْناهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ مَنِيعٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: رَبِّ قَدْ فَرَغْتُ، فَقالَ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ قالَ رَبِّ وما يُبَلِّغُ صَوْتِي ؟ قالَ أذِّنْ وعَلَيَّ البَلاغُ، قالَ: رَبِّ كَيْفَ أقُولُ ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ إلى البَيْتِ العَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَن في السَّماءِ والأرْضِ، ألا تَرى أنَّهم يَجِيئُونَ مِن أقْصى الأرْضِ يُلَبُّونَ. وفي البابِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم﴾ قالَ: أسْواقًا كانَتْ لَهم، ما ذَكَرَ اللَّهُ مَنافِعَ إلّا الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مَنافِعُ في الدُّنْيا ومَنافِعُ في الآخِرَةِ، فَأمّا مَنافِعُ الآخِرَةِ فَرِضْوانُ اللَّهِ، وأمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَمِمّا يُصِيبُونَ مِن لُحُومِ البُدْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ والذَّبائِحِ والتِّجاراتِ. وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ المَرْزَوِيُّ في كِتابِ العِيدَيْنِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الأيّامُ المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: أيّامُ التَّشْرِيقِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا في الأيّامِ المَعْلُوماتِ قالَ: قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ ويَوْمُ عَرَفَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: البائِسُ الزَّمِنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (p-٩٦٣)قالَ: التَّفَثُ المَناسِكُ كُلُّها. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: التَّفَثُ حَلْقُ الرَّأْسِ والأخْذُ مِنَ العارِضَيْنِ ونَتْفُ الإبِطِ وحَلْقُ العانَةِ والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ورَمْيُ الجِمارِ وقَصُّ الأظْفارِ وقَصُّ الشّارِبِ والذَّبْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ هو طَوافُ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ووَرَدَ في وجْهِ تَسْمِيَةِ البَيْتِ بِالعَتِيقِ آثارٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ سابِقًا، ووَرَدَ في فَضْلِ الطَّوافِ أحادِيثُ لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.

الحج 22:30

. مَحَلُّ ( ذَلِكَ ) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: افْعَلُوا ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ هو ما سَبَقَ مِن أعْمالِ الحَجِّ، وهَذا وأمْثالُهُ يُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ طَرَفَيْ كَلامٍ واحِدٍ، والحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحُرِّمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ ما نُهِيَ عَنْها ومُنِعَ مِنَ الوُقُوعِ فِيها. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ حُرْمَةٍ في الحَجِّ وغَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، وتَعْظِيمُها تَرْكُ مُلابَسَتِها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أيْ فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يَعْنِي في الآخِرَةِ مِنَ التَّهاوُنِ بِشَيْءٍ مِنها. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ هُنا لا يُرادُ بِها مَعْناها الحَقِيقِيُّ، بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ خَيْرٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَهي عِدَةٌ بِخَيْرٍ ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ المُحَرَّماتِ، وهي المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها في سُورَةِ المائِدَةِ. وقِيلَ: في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ . ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ الرِّجْسُ: القَذَرُ، والوَثَنُ: التِّمْثالُ، وأصْلُهُ مِن وثَنَ الشَّيْءَ أيْ: أقامَ في مَقامِهِ، وسُمِّيَ الصَّلِيبُ وثَنًا؛ لِأنَّهُ يُنْصَبُ ويُرْكَزُ في مَقامِهِ، فَلا يَبْرَحُ عَنْهُ، والمُرادُ اجْتِنابُ عِبادَةِ الأوْثانِ، وسَمّاها رِجْسًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْسِ وهو العَذابُ. وقِيلَ: جَعَلَها سُبْحانَهُ رِجْسًا حُكْمًا، والرِّجْسُ النَّجَسُ، ولَيْسَتِ النَّجاسَةُ وصْفًا ذاتِيًّا لَها ولَكِنَّها وصْفٌ شَرْعِيٌّ، فَلا تَزُولُ إلّا بِالإيمانِ كَما أنَّها لا تَزُولُ النَّجاسَةُ الحِسِّيَّةُ إلّا بِالماءِ. قالَ الزَّجّاجُ: مِن هُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الَّذِي هو الباطِلُ، وسُمِّيَ زُورًا؛ لِأنَّهُ مائِلٌ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ وقَوْلُهم مَدِينَةٌ زَوْراءَ أيْ: مائِلَةٌ، والمُرادُ هُنا قَوْلُ الزُّورِ عَلى العُمُومِ، وأعْظَمُهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ بِأيِّ لَفْظٍ كانَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِقَوْلِ الزُّورِ هاهُنا تَحْلِيلُهم بَعْضَ الأنْعامِ وتَحْرِيمُهم بَعْضَها، وقَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ شَهادَةُ الزُّورِ. وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ أيْ: مُسْتَقِيمِينَ عَلى الحَقِّ، أوْ مائِلِينَ إلى الحَقِّ. ولَفْظُ حُنَفاءَ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ويَقَعُ عَلى المَيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُجّاجًّا، ولا وجْهَ لِهَذا ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ هو حالٌ كالأوَّلِ أيْ: غَيْرُ مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ كَما يُفِيدُهُ الحَذْفُ مِنَ العُمُومِ، وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالِاجْتِنابِ، ومَعْنى خَرَّ مِنَ السَّماءِ: سَقَطَ إلى الأرْضِ أيْ: انْحَطَّ مِن رَفِيعِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾، يُقالُ خَطَفَهُ يَخْطَفُهُ إذا سَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ تَخْطَفُ لَحْمَهُ وتَقْطَعُهُ بِمَخالِبِها. قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ وبِكَسْرِ التّاءِ مَعَ كَسْرِهِما ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ تَقْذِفُهُ وتَرْمِي بِهِ ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أيْ بِعِيدٍ، يُقالُ سَحَقَ يَسْحَقُ سَحْقًا فَهو سِحاقٌ إذا بَعُدَ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بُعْدَ مَن أشْرَكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ كَبُعْدِ ما خَرَّ مِنَ السَّماءِ، فَتَذْهَبُ بِهِ الطَّيْرُ أوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ بَعِيدٍ. ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الكَلامُ في هَذِهِ الإشارَةِ قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا والشَّعائِرُ جَمْعُ الشَّعِيرَةِ، وهي كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى شِعارٌ، ومِنهُ شِعارُ القَوْمِ في الحَرْبِ، وهو عَلامَتُهُمُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها، ومِنهُ إشْعارُ البُدْنِ، وهو الطَّعْنُ في جانِبِها الأيْمَنِ، فَشَعائِرُ اللَّهِ أعْلامُ دِينِهِ، وتَدْخُلُ الهَدايا في الحَجِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ راجِعٌ إلى الشَّعائِرِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ أيْ: مِن أفْعالِ القُلُوبِ الَّتِي هي مِنَ التَّقْوى، فَإنَّ هَذا التَّعْظِيمَ ناشِئٌ مِنَ التَّقْوى. ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ في الشَّعائِرِ عَلى العُمُومِ، أوْ عَلى الخُصُوصِ، وهي البُدْنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ومِن مَنافِعِها الرُّكُوبُ والدَّرُّ والنَّسْلُ والصُّوفُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ نَحْرِها ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ حَيْثُ يَحُلُّ نَحْرُها، والمَعْنى: أنَّها تَنْتَهِي إلى البَيْتِ وما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، فَمَنافِعُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِنها مُسْتَمِرَّةٌ إلى وقْتِ نَحْرِها، ثُمَّ تَكُونُ مَنافِعُها بَعْدَ ذَلِكَ دِينِيَّةً. وقِيلَ: إنَّ مَحِلَّها هاهُنا مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ الحَرامِ، والمَعْنى: أنَّ شَعائِرَ الحَجِّ كُلَّها مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ورَمْيِ الجِمارِ والسَّعْيِ تَنْتَهِي إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ، فالبَيْتُ عَلى هَذا مُرادٌ بِنَفْسِهِ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ المَنسَكُ (p-٩٦٤)هاهُنا المَصْدَرُ مِن نَسَكَ يَنْسَكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ، والذَّبِيحَةُ نَسِيكَةٌ، وجَمْعُها نُسُكٌ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالمَنسَكِ في الآيَةِ مَوْضِعُ النَّحْرِ، ويُقالُ مَنسِكٌ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها لُغَتانِ قَرَأ بِالكَسْرِ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَنسَكُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ المُعْتادُ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ أيْ مَذْهَبًا مِن طاعَةِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ المَنسَكَ العِيدُ، وقِيلَ: الحَجُّ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ عَلى مَذْهَبٍ واحِدٍ، والمَعْنى: وجَعَلَنا لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ ذَبْحًا يَذْبَحُونَهُ ودَمًا يُرِيقُونَهُ، أوْ مُتَعَبَّدًا أوْ طاعَةً أوْ عِيدًا أوْ حَجًّا يَحُجُّونَهُ، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وحْدَهُ ويَجْعَلُوا نُسُكَهم خاصًّا بِهِ ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ أيْ عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِنها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القُرْبانَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الأنْعامِ دُونَ غَيْرِها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الذَّبْحِ المَذْكُورِ هو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَهم بِالإسْلامِ لَهُ، والِانْقِيادِ لِطاعَتِهِ وعِبادَتِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ، والفاءُ هُنا كالفاءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَشِّرَ المُخْبِتِينَ مِن عِبادِهِ أيْ: المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ المُخْلِصِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبِيتِ، وهو المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ، والمَعْنى: بَشِّرْهم يا مُحَمَّدُ بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن جَزِيلِ ثَوابِهِ وجَلِيلِ عَطائِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُخْبِتِينَ هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ غَيْرَهم وإذا ظَلَمَهم غَيْرُهم لَمْ يَنْتَصِرُوا. ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ المُخْبِتِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ خافَتْ وحَذَرَتْ مُخالَفَتُهُ، وحُصُولُ الوَجَلِ مِنهم عِنْدَ الذِّكْرِ لَهُ سُبْحانَهُ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ إيمانِهِمْ، ووَصَفَهم بِالصَّبْرِ ﴿عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ البَلايا والمِحَنِ في طاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ وصَفَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيِ الإتْيانِ بِها في أوْقاتِها عَلى وجْهِ الكَمالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ بِالجَرِّ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالنَّصْبِ عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ النُّونِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎الحافِظُ عَوْرَةَ العَشِيرَةِ البَيْتَ، بِنَصْبِ ( عَوْرَةَ ) . وقِيلَ: لَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( والمُقِيمِينَ ) بِإثْباتِ النُّونِ عَلى الأصْلِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ويُنْفِقُونَهُ في وُجُوهِ البِرِّ، ويَضَعُونَهُ في مَواضِعِ الخَيْرِ ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُرُماتِ اللَّهِ﴾ قالَ: الحُرْمَةُ مَكَّةُ والحَجُّ والعُمْرَةُ وما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن مَعاصِيهِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ يَعْنِي الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ والتَّكْذِيبَ بِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَطِيبًا فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ شِرْكًا بِاللَّهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾» . قالَ أحْمَدُ غَرِيبٌ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ زَيْدٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ في رِوايَةِ هَذا الحَدِيثِ، ولا نَعْرِفُ لِأيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ سَماعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن حَدِيثِ خُرَيْمٍ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أُنْبِئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ثَلاثًا، قُلْنا بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَقالَ: ألا وقَوْلَ الزُّورِ، ألا وشَهادَةَ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قالَ: حُجّاجًا لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وذَلِكَ أنَّ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يَحُجُّونَ مُشْرِكِينَ، فَلَمّا أظْهَرَ اللَّهُ الإسْلامَ، قالَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: حُجُّوا الآنَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: البُدْنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: الِاسْتِسْمانُ والِاسْتِحْسانُ والِاسْتِعْظامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قالَ: إلى أنْ تُسَمّى بُدْنًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ قالَ: ولَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى، في ظُهُورِها وألْبانِها وأوْبارِها وأشْعارِها وأصْوافِها إلى أنْ تُسَمّى هَدْيًا، فَإذا سُمِّيَتْ هَدْيًا ذَهَبَتِ المَنافِعُ ثُمَّ مَحِلُّها يَقُولُ: حِينَ تُسَمّى ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إذا دَخَلَتِ الحَرَمَ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ قالَ: عِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ذَبْحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: مَكَّةُ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأُمَّةٍ مَنسَكًا غَيْرَها. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الأُضْحِيَةِ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قالَ: المُطَمْئِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغَضَبِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ (p-٩٦٥)عَمْرِو بْنِ أوْسٍ قالَ: المُخْبِتُونَ في الآيَةِ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ النّاسَ، وإذا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.

الحج 22:31

. مَحَلُّ ( ذَلِكَ ) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: افْعَلُوا ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ هو ما سَبَقَ مِن أعْمالِ الحَجِّ، وهَذا وأمْثالُهُ يُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ طَرَفَيْ كَلامٍ واحِدٍ، والحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحُرِّمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ ما نُهِيَ عَنْها ومُنِعَ مِنَ الوُقُوعِ فِيها. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ حُرْمَةٍ في الحَجِّ وغَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، وتَعْظِيمُها تَرْكُ مُلابَسَتِها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أيْ فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يَعْنِي في الآخِرَةِ مِنَ التَّهاوُنِ بِشَيْءٍ مِنها. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ هُنا لا يُرادُ بِها مَعْناها الحَقِيقِيُّ، بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ خَيْرٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَهي عِدَةٌ بِخَيْرٍ ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ المُحَرَّماتِ، وهي المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها في سُورَةِ المائِدَةِ. وقِيلَ: في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ . ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ الرِّجْسُ: القَذَرُ، والوَثَنُ: التِّمْثالُ، وأصْلُهُ مِن وثَنَ الشَّيْءَ أيْ: أقامَ في مَقامِهِ، وسُمِّيَ الصَّلِيبُ وثَنًا؛ لِأنَّهُ يُنْصَبُ ويُرْكَزُ في مَقامِهِ، فَلا يَبْرَحُ عَنْهُ، والمُرادُ اجْتِنابُ عِبادَةِ الأوْثانِ، وسَمّاها رِجْسًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْسِ وهو العَذابُ. وقِيلَ: جَعَلَها سُبْحانَهُ رِجْسًا حُكْمًا، والرِّجْسُ النَّجَسُ، ولَيْسَتِ النَّجاسَةُ وصْفًا ذاتِيًّا لَها ولَكِنَّها وصْفٌ شَرْعِيٌّ، فَلا تَزُولُ إلّا بِالإيمانِ كَما أنَّها لا تَزُولُ النَّجاسَةُ الحِسِّيَّةُ إلّا بِالماءِ. قالَ الزَّجّاجُ: مِن هُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الَّذِي هو الباطِلُ، وسُمِّيَ زُورًا؛ لِأنَّهُ مائِلٌ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ وقَوْلُهم مَدِينَةٌ زَوْراءَ أيْ: مائِلَةٌ، والمُرادُ هُنا قَوْلُ الزُّورِ عَلى العُمُومِ، وأعْظَمُهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ بِأيِّ لَفْظٍ كانَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِقَوْلِ الزُّورِ هاهُنا تَحْلِيلُهم بَعْضَ الأنْعامِ وتَحْرِيمُهم بَعْضَها، وقَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ شَهادَةُ الزُّورِ. وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ أيْ: مُسْتَقِيمِينَ عَلى الحَقِّ، أوْ مائِلِينَ إلى الحَقِّ. ولَفْظُ حُنَفاءَ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ويَقَعُ عَلى المَيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُجّاجًّا، ولا وجْهَ لِهَذا ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ هو حالٌ كالأوَّلِ أيْ: غَيْرُ مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ كَما يُفِيدُهُ الحَذْفُ مِنَ العُمُومِ، وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالِاجْتِنابِ، ومَعْنى خَرَّ مِنَ السَّماءِ: سَقَطَ إلى الأرْضِ أيْ: انْحَطَّ مِن رَفِيعِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾، يُقالُ خَطَفَهُ يَخْطَفُهُ إذا سَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ تَخْطَفُ لَحْمَهُ وتَقْطَعُهُ بِمَخالِبِها. قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ وبِكَسْرِ التّاءِ مَعَ كَسْرِهِما ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ تَقْذِفُهُ وتَرْمِي بِهِ ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أيْ بِعِيدٍ، يُقالُ سَحَقَ يَسْحَقُ سَحْقًا فَهو سِحاقٌ إذا بَعُدَ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بُعْدَ مَن أشْرَكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ كَبُعْدِ ما خَرَّ مِنَ السَّماءِ، فَتَذْهَبُ بِهِ الطَّيْرُ أوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ بَعِيدٍ. ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الكَلامُ في هَذِهِ الإشارَةِ قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا والشَّعائِرُ جَمْعُ الشَّعِيرَةِ، وهي كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى شِعارٌ، ومِنهُ شِعارُ القَوْمِ في الحَرْبِ، وهو عَلامَتُهُمُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها، ومِنهُ إشْعارُ البُدْنِ، وهو الطَّعْنُ في جانِبِها الأيْمَنِ، فَشَعائِرُ اللَّهِ أعْلامُ دِينِهِ، وتَدْخُلُ الهَدايا في الحَجِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ راجِعٌ إلى الشَّعائِرِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ أيْ: مِن أفْعالِ القُلُوبِ الَّتِي هي مِنَ التَّقْوى، فَإنَّ هَذا التَّعْظِيمَ ناشِئٌ مِنَ التَّقْوى. ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ في الشَّعائِرِ عَلى العُمُومِ، أوْ عَلى الخُصُوصِ، وهي البُدْنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ومِن مَنافِعِها الرُّكُوبُ والدَّرُّ والنَّسْلُ والصُّوفُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ نَحْرِها ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ حَيْثُ يَحُلُّ نَحْرُها، والمَعْنى: أنَّها تَنْتَهِي إلى البَيْتِ وما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، فَمَنافِعُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِنها مُسْتَمِرَّةٌ إلى وقْتِ نَحْرِها، ثُمَّ تَكُونُ مَنافِعُها بَعْدَ ذَلِكَ دِينِيَّةً. وقِيلَ: إنَّ مَحِلَّها هاهُنا مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ الحَرامِ، والمَعْنى: أنَّ شَعائِرَ الحَجِّ كُلَّها مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ورَمْيِ الجِمارِ والسَّعْيِ تَنْتَهِي إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ، فالبَيْتُ عَلى هَذا مُرادٌ بِنَفْسِهِ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ المَنسَكُ (p-٩٦٤)هاهُنا المَصْدَرُ مِن نَسَكَ يَنْسَكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ، والذَّبِيحَةُ نَسِيكَةٌ، وجَمْعُها نُسُكٌ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالمَنسَكِ في الآيَةِ مَوْضِعُ النَّحْرِ، ويُقالُ مَنسِكٌ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها لُغَتانِ قَرَأ بِالكَسْرِ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَنسَكُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ المُعْتادُ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ أيْ مَذْهَبًا مِن طاعَةِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ المَنسَكَ العِيدُ، وقِيلَ: الحَجُّ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ عَلى مَذْهَبٍ واحِدٍ، والمَعْنى: وجَعَلَنا لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ ذَبْحًا يَذْبَحُونَهُ ودَمًا يُرِيقُونَهُ، أوْ مُتَعَبَّدًا أوْ طاعَةً أوْ عِيدًا أوْ حَجًّا يَحُجُّونَهُ، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وحْدَهُ ويَجْعَلُوا نُسُكَهم خاصًّا بِهِ ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ أيْ عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِنها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القُرْبانَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الأنْعامِ دُونَ غَيْرِها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الذَّبْحِ المَذْكُورِ هو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَهم بِالإسْلامِ لَهُ، والِانْقِيادِ لِطاعَتِهِ وعِبادَتِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ، والفاءُ هُنا كالفاءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَشِّرَ المُخْبِتِينَ مِن عِبادِهِ أيْ: المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ المُخْلِصِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبِيتِ، وهو المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ، والمَعْنى: بَشِّرْهم يا مُحَمَّدُ بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن جَزِيلِ ثَوابِهِ وجَلِيلِ عَطائِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُخْبِتِينَ هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ غَيْرَهم وإذا ظَلَمَهم غَيْرُهم لَمْ يَنْتَصِرُوا. ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ المُخْبِتِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ خافَتْ وحَذَرَتْ مُخالَفَتُهُ، وحُصُولُ الوَجَلِ مِنهم عِنْدَ الذِّكْرِ لَهُ سُبْحانَهُ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ إيمانِهِمْ، ووَصَفَهم بِالصَّبْرِ ﴿عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ البَلايا والمِحَنِ في طاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ وصَفَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيِ الإتْيانِ بِها في أوْقاتِها عَلى وجْهِ الكَمالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ بِالجَرِّ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالنَّصْبِ عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ النُّونِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎الحافِظُ عَوْرَةَ العَشِيرَةِ البَيْتَ، بِنَصْبِ ( عَوْرَةَ ) . وقِيلَ: لَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( والمُقِيمِينَ ) بِإثْباتِ النُّونِ عَلى الأصْلِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ويُنْفِقُونَهُ في وُجُوهِ البِرِّ، ويَضَعُونَهُ في مَواضِعِ الخَيْرِ ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُرُماتِ اللَّهِ﴾ قالَ: الحُرْمَةُ مَكَّةُ والحَجُّ والعُمْرَةُ وما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن مَعاصِيهِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ يَعْنِي الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ والتَّكْذِيبَ بِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَطِيبًا فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ شِرْكًا بِاللَّهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾» . قالَ أحْمَدُ غَرِيبٌ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ زَيْدٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ في رِوايَةِ هَذا الحَدِيثِ، ولا نَعْرِفُ لِأيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ سَماعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن حَدِيثِ خُرَيْمٍ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أُنْبِئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ثَلاثًا، قُلْنا بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَقالَ: ألا وقَوْلَ الزُّورِ، ألا وشَهادَةَ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قالَ: حُجّاجًا لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وذَلِكَ أنَّ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يَحُجُّونَ مُشْرِكِينَ، فَلَمّا أظْهَرَ اللَّهُ الإسْلامَ، قالَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: حُجُّوا الآنَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: البُدْنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: الِاسْتِسْمانُ والِاسْتِحْسانُ والِاسْتِعْظامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قالَ: إلى أنْ تُسَمّى بُدْنًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ قالَ: ولَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى، في ظُهُورِها وألْبانِها وأوْبارِها وأشْعارِها وأصْوافِها إلى أنْ تُسَمّى هَدْيًا، فَإذا سُمِّيَتْ هَدْيًا ذَهَبَتِ المَنافِعُ ثُمَّ مَحِلُّها يَقُولُ: حِينَ تُسَمّى ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إذا دَخَلَتِ الحَرَمَ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ قالَ: عِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ذَبْحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: مَكَّةُ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأُمَّةٍ مَنسَكًا غَيْرَها. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الأُضْحِيَةِ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قالَ: المُطَمْئِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغَضَبِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ (p-٩٦٥)عَمْرِو بْنِ أوْسٍ قالَ: المُخْبِتُونَ في الآيَةِ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ النّاسَ، وإذا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.

الحج 22:32

. مَحَلُّ ( ذَلِكَ ) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: افْعَلُوا ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ هو ما سَبَقَ مِن أعْمالِ الحَجِّ، وهَذا وأمْثالُهُ يُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ طَرَفَيْ كَلامٍ واحِدٍ، والحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحُرِّمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ ما نُهِيَ عَنْها ومُنِعَ مِنَ الوُقُوعِ فِيها. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ حُرْمَةٍ في الحَجِّ وغَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، وتَعْظِيمُها تَرْكُ مُلابَسَتِها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أيْ فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يَعْنِي في الآخِرَةِ مِنَ التَّهاوُنِ بِشَيْءٍ مِنها. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ هُنا لا يُرادُ بِها مَعْناها الحَقِيقِيُّ، بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ خَيْرٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَهي عِدَةٌ بِخَيْرٍ ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ المُحَرَّماتِ، وهي المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها في سُورَةِ المائِدَةِ. وقِيلَ: في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ . ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ الرِّجْسُ: القَذَرُ، والوَثَنُ: التِّمْثالُ، وأصْلُهُ مِن وثَنَ الشَّيْءَ أيْ: أقامَ في مَقامِهِ، وسُمِّيَ الصَّلِيبُ وثَنًا؛ لِأنَّهُ يُنْصَبُ ويُرْكَزُ في مَقامِهِ، فَلا يَبْرَحُ عَنْهُ، والمُرادُ اجْتِنابُ عِبادَةِ الأوْثانِ، وسَمّاها رِجْسًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْسِ وهو العَذابُ. وقِيلَ: جَعَلَها سُبْحانَهُ رِجْسًا حُكْمًا، والرِّجْسُ النَّجَسُ، ولَيْسَتِ النَّجاسَةُ وصْفًا ذاتِيًّا لَها ولَكِنَّها وصْفٌ شَرْعِيٌّ، فَلا تَزُولُ إلّا بِالإيمانِ كَما أنَّها لا تَزُولُ النَّجاسَةُ الحِسِّيَّةُ إلّا بِالماءِ. قالَ الزَّجّاجُ: مِن هُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الَّذِي هو الباطِلُ، وسُمِّيَ زُورًا؛ لِأنَّهُ مائِلٌ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ وقَوْلُهم مَدِينَةٌ زَوْراءَ أيْ: مائِلَةٌ، والمُرادُ هُنا قَوْلُ الزُّورِ عَلى العُمُومِ، وأعْظَمُهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ بِأيِّ لَفْظٍ كانَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِقَوْلِ الزُّورِ هاهُنا تَحْلِيلُهم بَعْضَ الأنْعامِ وتَحْرِيمُهم بَعْضَها، وقَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ شَهادَةُ الزُّورِ. وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ أيْ: مُسْتَقِيمِينَ عَلى الحَقِّ، أوْ مائِلِينَ إلى الحَقِّ. ولَفْظُ حُنَفاءَ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ويَقَعُ عَلى المَيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُجّاجًّا، ولا وجْهَ لِهَذا ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ هو حالٌ كالأوَّلِ أيْ: غَيْرُ مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ كَما يُفِيدُهُ الحَذْفُ مِنَ العُمُومِ، وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالِاجْتِنابِ، ومَعْنى خَرَّ مِنَ السَّماءِ: سَقَطَ إلى الأرْضِ أيْ: انْحَطَّ مِن رَفِيعِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾، يُقالُ خَطَفَهُ يَخْطَفُهُ إذا سَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ تَخْطَفُ لَحْمَهُ وتَقْطَعُهُ بِمَخالِبِها. قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ وبِكَسْرِ التّاءِ مَعَ كَسْرِهِما ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ تَقْذِفُهُ وتَرْمِي بِهِ ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أيْ بِعِيدٍ، يُقالُ سَحَقَ يَسْحَقُ سَحْقًا فَهو سِحاقٌ إذا بَعُدَ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بُعْدَ مَن أشْرَكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ كَبُعْدِ ما خَرَّ مِنَ السَّماءِ، فَتَذْهَبُ بِهِ الطَّيْرُ أوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ بَعِيدٍ. ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الكَلامُ في هَذِهِ الإشارَةِ قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا والشَّعائِرُ جَمْعُ الشَّعِيرَةِ، وهي كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى شِعارٌ، ومِنهُ شِعارُ القَوْمِ في الحَرْبِ، وهو عَلامَتُهُمُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها، ومِنهُ إشْعارُ البُدْنِ، وهو الطَّعْنُ في جانِبِها الأيْمَنِ، فَشَعائِرُ اللَّهِ أعْلامُ دِينِهِ، وتَدْخُلُ الهَدايا في الحَجِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ راجِعٌ إلى الشَّعائِرِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ أيْ: مِن أفْعالِ القُلُوبِ الَّتِي هي مِنَ التَّقْوى، فَإنَّ هَذا التَّعْظِيمَ ناشِئٌ مِنَ التَّقْوى. ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ في الشَّعائِرِ عَلى العُمُومِ، أوْ عَلى الخُصُوصِ، وهي البُدْنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ومِن مَنافِعِها الرُّكُوبُ والدَّرُّ والنَّسْلُ والصُّوفُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ نَحْرِها ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ حَيْثُ يَحُلُّ نَحْرُها، والمَعْنى: أنَّها تَنْتَهِي إلى البَيْتِ وما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، فَمَنافِعُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِنها مُسْتَمِرَّةٌ إلى وقْتِ نَحْرِها، ثُمَّ تَكُونُ مَنافِعُها بَعْدَ ذَلِكَ دِينِيَّةً. وقِيلَ: إنَّ مَحِلَّها هاهُنا مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ الحَرامِ، والمَعْنى: أنَّ شَعائِرَ الحَجِّ كُلَّها مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ورَمْيِ الجِمارِ والسَّعْيِ تَنْتَهِي إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ، فالبَيْتُ عَلى هَذا مُرادٌ بِنَفْسِهِ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ المَنسَكُ (p-٩٦٤)هاهُنا المَصْدَرُ مِن نَسَكَ يَنْسَكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ، والذَّبِيحَةُ نَسِيكَةٌ، وجَمْعُها نُسُكٌ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالمَنسَكِ في الآيَةِ مَوْضِعُ النَّحْرِ، ويُقالُ مَنسِكٌ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها لُغَتانِ قَرَأ بِالكَسْرِ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَنسَكُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ المُعْتادُ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ أيْ مَذْهَبًا مِن طاعَةِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ المَنسَكَ العِيدُ، وقِيلَ: الحَجُّ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ عَلى مَذْهَبٍ واحِدٍ، والمَعْنى: وجَعَلَنا لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ ذَبْحًا يَذْبَحُونَهُ ودَمًا يُرِيقُونَهُ، أوْ مُتَعَبَّدًا أوْ طاعَةً أوْ عِيدًا أوْ حَجًّا يَحُجُّونَهُ، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وحْدَهُ ويَجْعَلُوا نُسُكَهم خاصًّا بِهِ ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ أيْ عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِنها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القُرْبانَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الأنْعامِ دُونَ غَيْرِها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الذَّبْحِ المَذْكُورِ هو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَهم بِالإسْلامِ لَهُ، والِانْقِيادِ لِطاعَتِهِ وعِبادَتِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ، والفاءُ هُنا كالفاءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَشِّرَ المُخْبِتِينَ مِن عِبادِهِ أيْ: المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ المُخْلِصِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبِيتِ، وهو المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ، والمَعْنى: بَشِّرْهم يا مُحَمَّدُ بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن جَزِيلِ ثَوابِهِ وجَلِيلِ عَطائِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُخْبِتِينَ هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ غَيْرَهم وإذا ظَلَمَهم غَيْرُهم لَمْ يَنْتَصِرُوا. ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ المُخْبِتِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ خافَتْ وحَذَرَتْ مُخالَفَتُهُ، وحُصُولُ الوَجَلِ مِنهم عِنْدَ الذِّكْرِ لَهُ سُبْحانَهُ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ إيمانِهِمْ، ووَصَفَهم بِالصَّبْرِ ﴿عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ البَلايا والمِحَنِ في طاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ وصَفَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيِ الإتْيانِ بِها في أوْقاتِها عَلى وجْهِ الكَمالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ بِالجَرِّ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالنَّصْبِ عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ النُّونِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎الحافِظُ عَوْرَةَ العَشِيرَةِ البَيْتَ، بِنَصْبِ ( عَوْرَةَ ) . وقِيلَ: لَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( والمُقِيمِينَ ) بِإثْباتِ النُّونِ عَلى الأصْلِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ويُنْفِقُونَهُ في وُجُوهِ البِرِّ، ويَضَعُونَهُ في مَواضِعِ الخَيْرِ ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُرُماتِ اللَّهِ﴾ قالَ: الحُرْمَةُ مَكَّةُ والحَجُّ والعُمْرَةُ وما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن مَعاصِيهِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ يَعْنِي الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ والتَّكْذِيبَ بِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَطِيبًا فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ شِرْكًا بِاللَّهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾» . قالَ أحْمَدُ غَرِيبٌ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ زَيْدٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ في رِوايَةِ هَذا الحَدِيثِ، ولا نَعْرِفُ لِأيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ سَماعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن حَدِيثِ خُرَيْمٍ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أُنْبِئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ثَلاثًا، قُلْنا بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَقالَ: ألا وقَوْلَ الزُّورِ، ألا وشَهادَةَ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قالَ: حُجّاجًا لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وذَلِكَ أنَّ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يَحُجُّونَ مُشْرِكِينَ، فَلَمّا أظْهَرَ اللَّهُ الإسْلامَ، قالَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: حُجُّوا الآنَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: البُدْنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: الِاسْتِسْمانُ والِاسْتِحْسانُ والِاسْتِعْظامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قالَ: إلى أنْ تُسَمّى بُدْنًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ قالَ: ولَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى، في ظُهُورِها وألْبانِها وأوْبارِها وأشْعارِها وأصْوافِها إلى أنْ تُسَمّى هَدْيًا، فَإذا سُمِّيَتْ هَدْيًا ذَهَبَتِ المَنافِعُ ثُمَّ مَحِلُّها يَقُولُ: حِينَ تُسَمّى ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إذا دَخَلَتِ الحَرَمَ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ قالَ: عِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ذَبْحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: مَكَّةُ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأُمَّةٍ مَنسَكًا غَيْرَها. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الأُضْحِيَةِ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قالَ: المُطَمْئِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغَضَبِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ (p-٩٦٥)عَمْرِو بْنِ أوْسٍ قالَ: المُخْبِتُونَ في الآيَةِ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ النّاسَ، وإذا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.

الحج 22:33

. مَحَلُّ ( ذَلِكَ ) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: افْعَلُوا ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ هو ما سَبَقَ مِن أعْمالِ الحَجِّ، وهَذا وأمْثالُهُ يُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ طَرَفَيْ كَلامٍ واحِدٍ، والحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحُرِّمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ ما نُهِيَ عَنْها ومُنِعَ مِنَ الوُقُوعِ فِيها. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ حُرْمَةٍ في الحَجِّ وغَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، وتَعْظِيمُها تَرْكُ مُلابَسَتِها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أيْ فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يَعْنِي في الآخِرَةِ مِنَ التَّهاوُنِ بِشَيْءٍ مِنها. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ هُنا لا يُرادُ بِها مَعْناها الحَقِيقِيُّ، بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ خَيْرٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَهي عِدَةٌ بِخَيْرٍ ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ المُحَرَّماتِ، وهي المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها في سُورَةِ المائِدَةِ. وقِيلَ: في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ . ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ الرِّجْسُ: القَذَرُ، والوَثَنُ: التِّمْثالُ، وأصْلُهُ مِن وثَنَ الشَّيْءَ أيْ: أقامَ في مَقامِهِ، وسُمِّيَ الصَّلِيبُ وثَنًا؛ لِأنَّهُ يُنْصَبُ ويُرْكَزُ في مَقامِهِ، فَلا يَبْرَحُ عَنْهُ، والمُرادُ اجْتِنابُ عِبادَةِ الأوْثانِ، وسَمّاها رِجْسًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْسِ وهو العَذابُ. وقِيلَ: جَعَلَها سُبْحانَهُ رِجْسًا حُكْمًا، والرِّجْسُ النَّجَسُ، ولَيْسَتِ النَّجاسَةُ وصْفًا ذاتِيًّا لَها ولَكِنَّها وصْفٌ شَرْعِيٌّ، فَلا تَزُولُ إلّا بِالإيمانِ كَما أنَّها لا تَزُولُ النَّجاسَةُ الحِسِّيَّةُ إلّا بِالماءِ. قالَ الزَّجّاجُ: مِن هُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الَّذِي هو الباطِلُ، وسُمِّيَ زُورًا؛ لِأنَّهُ مائِلٌ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ وقَوْلُهم مَدِينَةٌ زَوْراءَ أيْ: مائِلَةٌ، والمُرادُ هُنا قَوْلُ الزُّورِ عَلى العُمُومِ، وأعْظَمُهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ بِأيِّ لَفْظٍ كانَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِقَوْلِ الزُّورِ هاهُنا تَحْلِيلُهم بَعْضَ الأنْعامِ وتَحْرِيمُهم بَعْضَها، وقَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ شَهادَةُ الزُّورِ. وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ أيْ: مُسْتَقِيمِينَ عَلى الحَقِّ، أوْ مائِلِينَ إلى الحَقِّ. ولَفْظُ حُنَفاءَ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ويَقَعُ عَلى المَيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُجّاجًّا، ولا وجْهَ لِهَذا ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ هو حالٌ كالأوَّلِ أيْ: غَيْرُ مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ كَما يُفِيدُهُ الحَذْفُ مِنَ العُمُومِ، وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالِاجْتِنابِ، ومَعْنى خَرَّ مِنَ السَّماءِ: سَقَطَ إلى الأرْضِ أيْ: انْحَطَّ مِن رَفِيعِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾، يُقالُ خَطَفَهُ يَخْطَفُهُ إذا سَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ تَخْطَفُ لَحْمَهُ وتَقْطَعُهُ بِمَخالِبِها. قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ وبِكَسْرِ التّاءِ مَعَ كَسْرِهِما ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ تَقْذِفُهُ وتَرْمِي بِهِ ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أيْ بِعِيدٍ، يُقالُ سَحَقَ يَسْحَقُ سَحْقًا فَهو سِحاقٌ إذا بَعُدَ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بُعْدَ مَن أشْرَكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ كَبُعْدِ ما خَرَّ مِنَ السَّماءِ، فَتَذْهَبُ بِهِ الطَّيْرُ أوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ بَعِيدٍ. ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الكَلامُ في هَذِهِ الإشارَةِ قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا والشَّعائِرُ جَمْعُ الشَّعِيرَةِ، وهي كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى شِعارٌ، ومِنهُ شِعارُ القَوْمِ في الحَرْبِ، وهو عَلامَتُهُمُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها، ومِنهُ إشْعارُ البُدْنِ، وهو الطَّعْنُ في جانِبِها الأيْمَنِ، فَشَعائِرُ اللَّهِ أعْلامُ دِينِهِ، وتَدْخُلُ الهَدايا في الحَجِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ راجِعٌ إلى الشَّعائِرِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ أيْ: مِن أفْعالِ القُلُوبِ الَّتِي هي مِنَ التَّقْوى، فَإنَّ هَذا التَّعْظِيمَ ناشِئٌ مِنَ التَّقْوى. ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ في الشَّعائِرِ عَلى العُمُومِ، أوْ عَلى الخُصُوصِ، وهي البُدْنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ومِن مَنافِعِها الرُّكُوبُ والدَّرُّ والنَّسْلُ والصُّوفُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ نَحْرِها ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ حَيْثُ يَحُلُّ نَحْرُها، والمَعْنى: أنَّها تَنْتَهِي إلى البَيْتِ وما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، فَمَنافِعُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِنها مُسْتَمِرَّةٌ إلى وقْتِ نَحْرِها، ثُمَّ تَكُونُ مَنافِعُها بَعْدَ ذَلِكَ دِينِيَّةً. وقِيلَ: إنَّ مَحِلَّها هاهُنا مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ الحَرامِ، والمَعْنى: أنَّ شَعائِرَ الحَجِّ كُلَّها مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ورَمْيِ الجِمارِ والسَّعْيِ تَنْتَهِي إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ، فالبَيْتُ عَلى هَذا مُرادٌ بِنَفْسِهِ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ المَنسَكُ (p-٩٦٤)هاهُنا المَصْدَرُ مِن نَسَكَ يَنْسَكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ، والذَّبِيحَةُ نَسِيكَةٌ، وجَمْعُها نُسُكٌ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالمَنسَكِ في الآيَةِ مَوْضِعُ النَّحْرِ، ويُقالُ مَنسِكٌ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها لُغَتانِ قَرَأ بِالكَسْرِ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَنسَكُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ المُعْتادُ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ أيْ مَذْهَبًا مِن طاعَةِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ المَنسَكَ العِيدُ، وقِيلَ: الحَجُّ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ عَلى مَذْهَبٍ واحِدٍ، والمَعْنى: وجَعَلَنا لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ ذَبْحًا يَذْبَحُونَهُ ودَمًا يُرِيقُونَهُ، أوْ مُتَعَبَّدًا أوْ طاعَةً أوْ عِيدًا أوْ حَجًّا يَحُجُّونَهُ، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وحْدَهُ ويَجْعَلُوا نُسُكَهم خاصًّا بِهِ ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ أيْ عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِنها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القُرْبانَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الأنْعامِ دُونَ غَيْرِها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الذَّبْحِ المَذْكُورِ هو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَهم بِالإسْلامِ لَهُ، والِانْقِيادِ لِطاعَتِهِ وعِبادَتِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ، والفاءُ هُنا كالفاءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَشِّرَ المُخْبِتِينَ مِن عِبادِهِ أيْ: المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ المُخْلِصِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبِيتِ، وهو المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ، والمَعْنى: بَشِّرْهم يا مُحَمَّدُ بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن جَزِيلِ ثَوابِهِ وجَلِيلِ عَطائِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُخْبِتِينَ هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ غَيْرَهم وإذا ظَلَمَهم غَيْرُهم لَمْ يَنْتَصِرُوا. ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ المُخْبِتِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ خافَتْ وحَذَرَتْ مُخالَفَتُهُ، وحُصُولُ الوَجَلِ مِنهم عِنْدَ الذِّكْرِ لَهُ سُبْحانَهُ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ إيمانِهِمْ، ووَصَفَهم بِالصَّبْرِ ﴿عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ البَلايا والمِحَنِ في طاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ وصَفَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيِ الإتْيانِ بِها في أوْقاتِها عَلى وجْهِ الكَمالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ بِالجَرِّ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالنَّصْبِ عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ النُّونِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎الحافِظُ عَوْرَةَ العَشِيرَةِ البَيْتَ، بِنَصْبِ ( عَوْرَةَ ) . وقِيلَ: لَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( والمُقِيمِينَ ) بِإثْباتِ النُّونِ عَلى الأصْلِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ويُنْفِقُونَهُ في وُجُوهِ البِرِّ، ويَضَعُونَهُ في مَواضِعِ الخَيْرِ ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُرُماتِ اللَّهِ﴾ قالَ: الحُرْمَةُ مَكَّةُ والحَجُّ والعُمْرَةُ وما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن مَعاصِيهِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ يَعْنِي الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ والتَّكْذِيبَ بِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَطِيبًا فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ شِرْكًا بِاللَّهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾» . قالَ أحْمَدُ غَرِيبٌ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ زَيْدٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ في رِوايَةِ هَذا الحَدِيثِ، ولا نَعْرِفُ لِأيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ سَماعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن حَدِيثِ خُرَيْمٍ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أُنْبِئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ثَلاثًا، قُلْنا بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَقالَ: ألا وقَوْلَ الزُّورِ، ألا وشَهادَةَ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قالَ: حُجّاجًا لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وذَلِكَ أنَّ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يَحُجُّونَ مُشْرِكِينَ، فَلَمّا أظْهَرَ اللَّهُ الإسْلامَ، قالَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: حُجُّوا الآنَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: البُدْنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: الِاسْتِسْمانُ والِاسْتِحْسانُ والِاسْتِعْظامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قالَ: إلى أنْ تُسَمّى بُدْنًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ قالَ: ولَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى، في ظُهُورِها وألْبانِها وأوْبارِها وأشْعارِها وأصْوافِها إلى أنْ تُسَمّى هَدْيًا، فَإذا سُمِّيَتْ هَدْيًا ذَهَبَتِ المَنافِعُ ثُمَّ مَحِلُّها يَقُولُ: حِينَ تُسَمّى ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إذا دَخَلَتِ الحَرَمَ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ قالَ: عِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ذَبْحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: مَكَّةُ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأُمَّةٍ مَنسَكًا غَيْرَها. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الأُضْحِيَةِ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قالَ: المُطَمْئِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغَضَبِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ (p-٩٦٥)عَمْرِو بْنِ أوْسٍ قالَ: المُخْبِتُونَ في الآيَةِ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ النّاسَ، وإذا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.

الحج 22:34

. مَحَلُّ ( ذَلِكَ ) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: افْعَلُوا ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ هو ما سَبَقَ مِن أعْمالِ الحَجِّ، وهَذا وأمْثالُهُ يُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ طَرَفَيْ كَلامٍ واحِدٍ، والحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحُرِّمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ ما نُهِيَ عَنْها ومُنِعَ مِنَ الوُقُوعِ فِيها. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ حُرْمَةٍ في الحَجِّ وغَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، وتَعْظِيمُها تَرْكُ مُلابَسَتِها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أيْ فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يَعْنِي في الآخِرَةِ مِنَ التَّهاوُنِ بِشَيْءٍ مِنها. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ هُنا لا يُرادُ بِها مَعْناها الحَقِيقِيُّ، بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ خَيْرٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَهي عِدَةٌ بِخَيْرٍ ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ المُحَرَّماتِ، وهي المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها في سُورَةِ المائِدَةِ. وقِيلَ: في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ . ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ الرِّجْسُ: القَذَرُ، والوَثَنُ: التِّمْثالُ، وأصْلُهُ مِن وثَنَ الشَّيْءَ أيْ: أقامَ في مَقامِهِ، وسُمِّيَ الصَّلِيبُ وثَنًا؛ لِأنَّهُ يُنْصَبُ ويُرْكَزُ في مَقامِهِ، فَلا يَبْرَحُ عَنْهُ، والمُرادُ اجْتِنابُ عِبادَةِ الأوْثانِ، وسَمّاها رِجْسًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْسِ وهو العَذابُ. وقِيلَ: جَعَلَها سُبْحانَهُ رِجْسًا حُكْمًا، والرِّجْسُ النَّجَسُ، ولَيْسَتِ النَّجاسَةُ وصْفًا ذاتِيًّا لَها ولَكِنَّها وصْفٌ شَرْعِيٌّ، فَلا تَزُولُ إلّا بِالإيمانِ كَما أنَّها لا تَزُولُ النَّجاسَةُ الحِسِّيَّةُ إلّا بِالماءِ. قالَ الزَّجّاجُ: مِن هُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الَّذِي هو الباطِلُ، وسُمِّيَ زُورًا؛ لِأنَّهُ مائِلٌ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ وقَوْلُهم مَدِينَةٌ زَوْراءَ أيْ: مائِلَةٌ، والمُرادُ هُنا قَوْلُ الزُّورِ عَلى العُمُومِ، وأعْظَمُهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ بِأيِّ لَفْظٍ كانَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِقَوْلِ الزُّورِ هاهُنا تَحْلِيلُهم بَعْضَ الأنْعامِ وتَحْرِيمُهم بَعْضَها، وقَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ شَهادَةُ الزُّورِ. وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ أيْ: مُسْتَقِيمِينَ عَلى الحَقِّ، أوْ مائِلِينَ إلى الحَقِّ. ولَفْظُ حُنَفاءَ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ويَقَعُ عَلى المَيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُجّاجًّا، ولا وجْهَ لِهَذا ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ هو حالٌ كالأوَّلِ أيْ: غَيْرُ مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ كَما يُفِيدُهُ الحَذْفُ مِنَ العُمُومِ، وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالِاجْتِنابِ، ومَعْنى خَرَّ مِنَ السَّماءِ: سَقَطَ إلى الأرْضِ أيْ: انْحَطَّ مِن رَفِيعِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾، يُقالُ خَطَفَهُ يَخْطَفُهُ إذا سَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ تَخْطَفُ لَحْمَهُ وتَقْطَعُهُ بِمَخالِبِها. قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ وبِكَسْرِ التّاءِ مَعَ كَسْرِهِما ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ تَقْذِفُهُ وتَرْمِي بِهِ ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أيْ بِعِيدٍ، يُقالُ سَحَقَ يَسْحَقُ سَحْقًا فَهو سِحاقٌ إذا بَعُدَ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بُعْدَ مَن أشْرَكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ كَبُعْدِ ما خَرَّ مِنَ السَّماءِ، فَتَذْهَبُ بِهِ الطَّيْرُ أوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ بَعِيدٍ. ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الكَلامُ في هَذِهِ الإشارَةِ قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا والشَّعائِرُ جَمْعُ الشَّعِيرَةِ، وهي كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى شِعارٌ، ومِنهُ شِعارُ القَوْمِ في الحَرْبِ، وهو عَلامَتُهُمُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها، ومِنهُ إشْعارُ البُدْنِ، وهو الطَّعْنُ في جانِبِها الأيْمَنِ، فَشَعائِرُ اللَّهِ أعْلامُ دِينِهِ، وتَدْخُلُ الهَدايا في الحَجِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ راجِعٌ إلى الشَّعائِرِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ أيْ: مِن أفْعالِ القُلُوبِ الَّتِي هي مِنَ التَّقْوى، فَإنَّ هَذا التَّعْظِيمَ ناشِئٌ مِنَ التَّقْوى. ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ في الشَّعائِرِ عَلى العُمُومِ، أوْ عَلى الخُصُوصِ، وهي البُدْنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ومِن مَنافِعِها الرُّكُوبُ والدَّرُّ والنَّسْلُ والصُّوفُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ نَحْرِها ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ حَيْثُ يَحُلُّ نَحْرُها، والمَعْنى: أنَّها تَنْتَهِي إلى البَيْتِ وما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، فَمَنافِعُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِنها مُسْتَمِرَّةٌ إلى وقْتِ نَحْرِها، ثُمَّ تَكُونُ مَنافِعُها بَعْدَ ذَلِكَ دِينِيَّةً. وقِيلَ: إنَّ مَحِلَّها هاهُنا مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ الحَرامِ، والمَعْنى: أنَّ شَعائِرَ الحَجِّ كُلَّها مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ورَمْيِ الجِمارِ والسَّعْيِ تَنْتَهِي إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ، فالبَيْتُ عَلى هَذا مُرادٌ بِنَفْسِهِ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ المَنسَكُ (p-٩٦٤)هاهُنا المَصْدَرُ مِن نَسَكَ يَنْسَكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ، والذَّبِيحَةُ نَسِيكَةٌ، وجَمْعُها نُسُكٌ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالمَنسَكِ في الآيَةِ مَوْضِعُ النَّحْرِ، ويُقالُ مَنسِكٌ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها لُغَتانِ قَرَأ بِالكَسْرِ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَنسَكُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ المُعْتادُ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ أيْ مَذْهَبًا مِن طاعَةِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ المَنسَكَ العِيدُ، وقِيلَ: الحَجُّ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ عَلى مَذْهَبٍ واحِدٍ، والمَعْنى: وجَعَلَنا لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ ذَبْحًا يَذْبَحُونَهُ ودَمًا يُرِيقُونَهُ، أوْ مُتَعَبَّدًا أوْ طاعَةً أوْ عِيدًا أوْ حَجًّا يَحُجُّونَهُ، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وحْدَهُ ويَجْعَلُوا نُسُكَهم خاصًّا بِهِ ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ أيْ عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِنها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القُرْبانَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الأنْعامِ دُونَ غَيْرِها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الذَّبْحِ المَذْكُورِ هو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَهم بِالإسْلامِ لَهُ، والِانْقِيادِ لِطاعَتِهِ وعِبادَتِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ، والفاءُ هُنا كالفاءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَشِّرَ المُخْبِتِينَ مِن عِبادِهِ أيْ: المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ المُخْلِصِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبِيتِ، وهو المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ، والمَعْنى: بَشِّرْهم يا مُحَمَّدُ بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن جَزِيلِ ثَوابِهِ وجَلِيلِ عَطائِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُخْبِتِينَ هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ غَيْرَهم وإذا ظَلَمَهم غَيْرُهم لَمْ يَنْتَصِرُوا. ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ المُخْبِتِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ خافَتْ وحَذَرَتْ مُخالَفَتُهُ، وحُصُولُ الوَجَلِ مِنهم عِنْدَ الذِّكْرِ لَهُ سُبْحانَهُ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ إيمانِهِمْ، ووَصَفَهم بِالصَّبْرِ ﴿عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ البَلايا والمِحَنِ في طاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ وصَفَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيِ الإتْيانِ بِها في أوْقاتِها عَلى وجْهِ الكَمالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ بِالجَرِّ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالنَّصْبِ عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ النُّونِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎الحافِظُ عَوْرَةَ العَشِيرَةِ البَيْتَ، بِنَصْبِ ( عَوْرَةَ ) . وقِيلَ: لَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( والمُقِيمِينَ ) بِإثْباتِ النُّونِ عَلى الأصْلِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ويُنْفِقُونَهُ في وُجُوهِ البِرِّ، ويَضَعُونَهُ في مَواضِعِ الخَيْرِ ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُرُماتِ اللَّهِ﴾ قالَ: الحُرْمَةُ مَكَّةُ والحَجُّ والعُمْرَةُ وما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن مَعاصِيهِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ يَعْنِي الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ والتَّكْذِيبَ بِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَطِيبًا فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ شِرْكًا بِاللَّهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾» . قالَ أحْمَدُ غَرِيبٌ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ زَيْدٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ في رِوايَةِ هَذا الحَدِيثِ، ولا نَعْرِفُ لِأيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ سَماعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن حَدِيثِ خُرَيْمٍ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أُنْبِئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ثَلاثًا، قُلْنا بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَقالَ: ألا وقَوْلَ الزُّورِ، ألا وشَهادَةَ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قالَ: حُجّاجًا لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وذَلِكَ أنَّ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يَحُجُّونَ مُشْرِكِينَ، فَلَمّا أظْهَرَ اللَّهُ الإسْلامَ، قالَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: حُجُّوا الآنَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: البُدْنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: الِاسْتِسْمانُ والِاسْتِحْسانُ والِاسْتِعْظامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قالَ: إلى أنْ تُسَمّى بُدْنًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ قالَ: ولَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى، في ظُهُورِها وألْبانِها وأوْبارِها وأشْعارِها وأصْوافِها إلى أنْ تُسَمّى هَدْيًا، فَإذا سُمِّيَتْ هَدْيًا ذَهَبَتِ المَنافِعُ ثُمَّ مَحِلُّها يَقُولُ: حِينَ تُسَمّى ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إذا دَخَلَتِ الحَرَمَ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ قالَ: عِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ذَبْحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: مَكَّةُ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأُمَّةٍ مَنسَكًا غَيْرَها. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الأُضْحِيَةِ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قالَ: المُطَمْئِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغَضَبِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ (p-٩٦٥)عَمْرِو بْنِ أوْسٍ قالَ: المُخْبِتُونَ في الآيَةِ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ النّاسَ، وإذا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.

الحج 22:35

. مَحَلُّ ( ذَلِكَ ) الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: الأمْرُ ذَلِكَ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: افْعَلُوا ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ هو ما سَبَقَ مِن أعْمالِ الحَجِّ، وهَذا وأمْثالُهُ يُطْلَقُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ أوْ بَيْنَ طَرَفَيْ كَلامٍ واحِدٍ، والحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ ما وجَبَ القِيامُ بِهِ وحُرِّمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ ما نُهِيَ عَنْها ومُنِعَ مِنَ الوُقُوعِ فِيها. والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ حُرْمَةٍ في الحَجِّ وغَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا، وتَعْظِيمُها تَرْكُ مُلابَسَتِها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ أيْ فالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ يَعْنِي في الآخِرَةِ مِنَ التَّهاوُنِ بِشَيْءٍ مِنها. وقِيلَ: إنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ هُنا لا يُرادُ بِها مَعْناها الحَقِيقِيُّ، بَلِ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ خَيْرٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَهي عِدَةٌ بِخَيْرٍ ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم﴾ أيْ في الكِتابِ العَزِيزِ مِنَ المُحَرَّماتِ، وهي المَيْتَةُ وما ذُكِرَ مَعَها في سُورَةِ المائِدَةِ. وقِيلَ: في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ . ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ الرِّجْسُ: القَذَرُ، والوَثَنُ: التِّمْثالُ، وأصْلُهُ مِن وثَنَ الشَّيْءَ أيْ: أقامَ في مَقامِهِ، وسُمِّيَ الصَّلِيبُ وثَنًا؛ لِأنَّهُ يُنْصَبُ ويُرْكَزُ في مَقامِهِ، فَلا يَبْرَحُ عَنْهُ، والمُرادُ اجْتِنابُ عِبادَةِ الأوْثانِ، وسَمّاها رِجْسًا؛ لِأنَّها سَبَبُ الرِّجْسِ وهو العَذابُ. وقِيلَ: جَعَلَها سُبْحانَهُ رِجْسًا حُكْمًا، والرِّجْسُ النَّجَسُ، ولَيْسَتِ النَّجاسَةُ وصْفًا ذاتِيًّا لَها ولَكِنَّها وصْفٌ شَرْعِيٌّ، فَلا تَزُولُ إلّا بِالإيمانِ كَما أنَّها لا تَزُولُ النَّجاسَةُ الحِسِّيَّةُ إلّا بِالماءِ. قالَ الزَّجّاجُ: مِن هُنا لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ أيْ: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الَّذِي هو الباطِلُ، وسُمِّيَ زُورًا؛ لِأنَّهُ مائِلٌ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ وقَوْلُهم مَدِينَةٌ زَوْراءَ أيْ: مائِلَةٌ، والمُرادُ هُنا قَوْلُ الزُّورِ عَلى العُمُومِ، وأعْظَمُهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ بِأيِّ لَفْظٍ كانَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِقَوْلِ الزُّورِ هاهُنا تَحْلِيلُهم بَعْضَ الأنْعامِ وتَحْرِيمُهم بَعْضَها، وقَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ شَهادَةُ الزُّورِ. وانْتِصابُ حُنَفاءَ عَلى الحالِ أيْ: مُسْتَقِيمِينَ عَلى الحَقِّ، أوْ مائِلِينَ إلى الحَقِّ. ولَفْظُ حُنَفاءَ مِنَ الأضْدادِ يَقَعُ عَلى الِاسْتِقامَةِ، ويَقَعُ عَلى المَيْلِ، وقِيلَ: مَعْناهُ حُجّاجًّا، ولا وجْهَ لِهَذا ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ هو حالٌ كالأوَّلِ أيْ: غَيْرُ مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ كَما يُفِيدُهُ الحَذْفُ مِنَ العُمُومِ، وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ مُبْتَدَأةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالِاجْتِنابِ، ومَعْنى خَرَّ مِنَ السَّماءِ: سَقَطَ إلى الأرْضِ أيْ: انْحَطَّ مِن رَفِيعِ الإيمانِ إلى حَضِيضِ الكُفْرِ ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾، يُقالُ خَطَفَهُ يَخْطَفُهُ إذا سَلَبَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] أيْ تَخْطَفُ لَحْمَهُ وتَقْطَعُهُ بِمَخالِبِها. قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ وبِكَسْرِ التّاءِ مَعَ كَسْرِهِما ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ تَقْذِفُهُ وتَرْمِي بِهِ ﴿فِي مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ أيْ بِعِيدٍ، يُقالُ سَحَقَ يَسْحَقُ سَحْقًا فَهو سِحاقٌ إذا بَعُدَ. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بُعْدَ مَن أشْرَكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ كَبُعْدِ ما خَرَّ مِنَ السَّماءِ، فَتَذْهَبُ بِهِ الطَّيْرُ أوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ بَعِيدٍ. ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الكَلامُ في هَذِهِ الإشارَةِ قَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا والشَّعائِرُ جَمْعُ الشَّعِيرَةِ، وهي كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى شِعارٌ، ومِنهُ شِعارُ القَوْمِ في الحَرْبِ، وهو عَلامَتُهُمُ الَّتِي يَتَعارَفُونَ بِها، ومِنهُ إشْعارُ البُدْنِ، وهو الطَّعْنُ في جانِبِها الأيْمَنِ، فَشَعائِرُ اللَّهِ أعْلامُ دِينِهِ، وتَدْخُلُ الهَدايا في الحَجِّ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ راجِعٌ إلى الشَّعائِرِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَإنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ أيْ: مِن أفْعالِ القُلُوبِ الَّتِي هي مِنَ التَّقْوى، فَإنَّ هَذا التَّعْظِيمَ ناشِئٌ مِنَ التَّقْوى. ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ أيْ في الشَّعائِرِ عَلى العُمُومِ، أوْ عَلى الخُصُوصِ، وهي البُدْنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. ومِن مَنافِعِها الرُّكُوبُ والدَّرُّ والنَّسْلُ والصُّوفُ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقْتُ نَحْرِها ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ حَيْثُ يَحُلُّ نَحْرُها، والمَعْنى: أنَّها تَنْتَهِي إلى البَيْتِ وما يَلِيهِ مِنَ الحَرَمِ، فَمَنافِعُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِنها مُسْتَمِرَّةٌ إلى وقْتِ نَحْرِها، ثُمَّ تَكُونُ مَنافِعُها بَعْدَ ذَلِكَ دِينِيَّةً. وقِيلَ: إنَّ مَحِلَّها هاهُنا مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ الحَرامِ، والمَعْنى: أنَّ شَعائِرَ الحَجِّ كُلَّها مِنَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ورَمْيِ الجِمارِ والسَّعْيِ تَنْتَهِي إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ، فالبَيْتُ عَلى هَذا مُرادٌ بِنَفْسِهِ. ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ المَنسَكُ (p-٩٦٤)هاهُنا المَصْدَرُ مِن نَسَكَ يَنْسَكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ، والذَّبِيحَةُ نَسِيكَةٌ، وجَمْعُها نُسُكٌ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ المُرادَ بِالمَنسَكِ في الآيَةِ مَوْضِعُ النَّحْرِ، ويُقالُ مَنسِكٌ بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها لُغَتانِ قَرَأ بِالكَسْرِ الكُوفِيُّونَ إلّا عاصِمًا وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَنسَكُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْضِعُ المُعْتادُ في خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ أيْ مَذْهَبًا مِن طاعَةِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ المَنسَكَ العِيدُ، وقِيلَ: الحَجُّ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ عَلى مَذْهَبٍ واحِدٍ، والمَعْنى: وجَعَلَنا لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ مِنَ الأدْيانِ ذَبْحًا يَذْبَحُونَهُ ودَمًا يُرِيقُونَهُ، أوْ مُتَعَبَّدًا أوْ طاعَةً أوْ عِيدًا أوْ حَجًّا يَحُجُّونَهُ، لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وحْدَهُ ويَجْعَلُوا نُسُكَهم خاصًّا بِهِ ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ أيْ عَلى ذَبْحِ ما رَزَقَهم مِنها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ القُرْبانَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الأنْعامِ دُونَ غَيْرِها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الذَّبْحِ المَذْكُورِ هو ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. ثُمَّ أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَهم بِالإسْلامِ لَهُ، والِانْقِيادِ لِطاعَتِهِ وعِبادَتِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلْقَصْرِ، والفاءُ هُنا كالفاءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ أمَرَ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَشِّرَ المُخْبِتِينَ مِن عِبادِهِ أيْ: المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ المُخْلِصِينَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَبِيتِ، وهو المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ، والمَعْنى: بَشِّرْهم يا مُحَمَّدُ بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن جَزِيلِ ثَوابِهِ وجَلِيلِ عَطائِهِ. وقِيلَ: إنَّ المُخْبِتِينَ هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ غَيْرَهم وإذا ظَلَمَهم غَيْرُهم لَمْ يَنْتَصِرُوا. ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ المُخْبِتِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ خافَتْ وحَذَرَتْ مُخالَفَتُهُ، وحُصُولُ الوَجَلِ مِنهم عِنْدَ الذِّكْرِ لَهُ سُبْحانَهُ دَلِيلٌ عَلى كَمالِ يَقِينِهِمْ وقُوَّةِ إيمانِهِمْ، ووَصَفَهم بِالصَّبْرِ ﴿عَلى ما أصابَهُمْ﴾ مِنَ البَلايا والمِحَنِ في طاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ وصَفَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيِ الإتْيانِ بِها في أوْقاتِها عَلى وجْهِ الكَمالِ. قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ بِالجَرِّ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالنَّصْبِ عَلى تَوَهُّمِ بَقاءِ النُّونِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎الحافِظُ عَوْرَةَ العَشِيرَةِ البَيْتَ، بِنَصْبِ ( عَوْرَةَ ) . وقِيلَ: لَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ القِراءَةِ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( والمُقِيمِينَ ) بِإثْباتِ النُّونِ عَلى الأصْلِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ويُنْفِقُونَهُ في وُجُوهِ البِرِّ، ويَضَعُونَهُ في مَواضِعِ الخَيْرِ ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُرُماتِ اللَّهِ﴾ قالَ: الحُرْمَةُ مَكَّةُ والحَجُّ والعُمْرَةُ وما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن مَعاصِيهِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ يَقُولُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في عِبادَةِ الأوْثانِ ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ يَعْنِي الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ والتَّكْذِيبَ بِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ قالَ: قامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خَطِيبًا فَقالَ: «يا أيُّها النّاسُ عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ شِرْكًا بِاللَّهِ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾» . قالَ أحْمَدُ غَرِيبٌ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ زَيْدٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ في رِوايَةِ هَذا الحَدِيثِ، ولا نَعْرِفُ لِأيْمَنِ بْنِ خُرَيْمٍ سَماعًا مِنَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وقَدْ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِن حَدِيثِ خُرَيْمٍ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «ألا أُنْبِئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ثَلاثًا، قُلْنا بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَقالَ: ألا وقَوْلَ الزُّورِ، ألا وشَهادَةَ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قالَ: حُجّاجًا لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، وذَلِكَ أنَّ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يَحُجُّونَ مُشْرِكِينَ، فَلَمّا أظْهَرَ اللَّهُ الإسْلامَ، قالَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ: حُجُّوا الآنَ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: البُدْنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: الِاسْتِسْمانُ والِاسْتِحْسانُ والِاسْتِعْظامُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قالَ: إلى أنْ تُسَمّى بُدْنًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ قالَ: ولَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى، في ظُهُورِها وألْبانِها وأوْبارِها وأشْعارِها وأصْوافِها إلى أنْ تُسَمّى هَدْيًا، فَإذا سُمِّيَتْ هَدْيًا ذَهَبَتِ المَنافِعُ ثُمَّ مَحِلُّها يَقُولُ: حِينَ تُسَمّى ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إذا دَخَلَتِ الحَرَمَ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ قالَ: عِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: إهْراقُ الدِّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ذَبْحًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: مَكَّةُ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأُمَّةٍ مَنسَكًا غَيْرَها. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في الأُضْحِيَةِ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ قالَ: المُطَمْئِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ الغَضَبِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ (p-٩٦٥)عَمْرِو بْنِ أوْسٍ قالَ: المُخْبِتُونَ في الآيَةِ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ النّاسَ، وإذا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.

الحج 22:36

. قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ( والبُدُنَ ) بِضَمِّ الباءِ والدّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِإسْكانِ الدّالِّ وهُما لُغَتانِ، وهَذا الِاسْمُ خاصٌّ بِالإبِلِ، وسَمِّيَتْ بَدَنَةً؛ لِأنَّها تَبْدُنُ والبَدانَةُ: السِّمَنُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ: إنَّهُ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ الإبِلِ، والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي مِنَ الأوْصافِ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ في الإبِلِ، ولِما تُفِيدُهُ كُتُبُ اللُّغَةِ مِنِ اخْتِصاصِ هَذا الِاسْمِ بِالإبِلِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: واخْتَلَفُوا في صِحَّةِ إطْلاقِ البَدَنَةِ عَلى البَقَرَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أصَحُّهُما أنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِما ذَلِكَ شَرْعًا كَما صَحَّ في الحَدِيثِ. ﴿جَعَلْناها لَكُمْ﴾ وهي ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ قَرِيبًا ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ أيْ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ أيْ عَلى نَحْوِها، ومَعْنى ( صَوّافَّ ) أنَّها قائِمَةٌ قَدْ صُفَّتْ قَوائِمُها؛ لِأنَّها تُنْحَرُ قائِمَةً مَعْقُولَةً، وأصْلُ هَذا الوَصْفِ في الخَيْلِ يُقالُ: صَفَنَ الفَرَسُ فَهو صافِنٌ إذا قامَ عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ وثَنى الرّابِعَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ ( صَوافِي ) أيْ خَوالِصُ لِلَّهِ لا تُشْرِكُونَ بِهِ في التَّسْمِيَةِ عَلى نَحْرِها أحَدًا، وواحِدُ صَوافٍّ صافَّةٌ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وواحِدُ ( صَوافِي ) صافِيَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ( صَوافِنَ ) بِالنُّونِ جَمْعُ صافِنَةٍ، والصّافِنَةُ هي الَّتِي قَدْ رَفَعَتْ إحْدى يَدَيْها بِالعَقْلِ لِئَلّا تَضْطَرِبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ [ص: ٣١] ومِنهُ قَوْلُ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلَّدَةً أعِنَّتُها صُفُونا وقالَ الآخَرُ: ؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرُ ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ الوُجُوبُ السُّقُوطُ أيْ: سَقَطَتْ بَعْدَ نَحْرِها، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِها فَكُلُوا مِنها ذَهَبَ الجُمْهُورُ أنَّ هَذا الأمْرَ لِلنَّدْبِ ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ هَذا الأمْرُ قِيلَ هو لِلنَّدْبِ كالأوَّلِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والنَّخْعِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ سُرَيْجٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ وجَماعَةٌ: هو الوُجُوبُ. واخْتُلِفَ في القانِعِ مَن هو ؟ فَقِيلَ هو السّائِلُ، يُقالُ قَنَعَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ النُّونِ يَقْنِعُ بِكَسْرِها إذا سَألَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ: ؎لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ∗∗∗ مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ أيِ السُّؤالِ، وقِيلَ: هو المُتَعَفِّفُ عَنِ السُّؤالِ المُسْتَغْنِي بِبُلْغَةٍ، ذَكَرَ مَعْناها الخَلِيلُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: مِنَ العَرَبِ مَن ذَكَرَ القُنُوعَ بِمَعْنى القَناعَةِ، وهي الرِّضا والتَّعَفُّفُ وتَرْكُ المَسْألَةِ. وبِالأوَّلِ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِالثّانِي قالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ. وأمّا المُعْتَرُّ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ والكَلْبِيُّ والحَسَنُ أنَّهُ الَّذِي يَتَعَرَّضُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ. وقِيلَ: هو الَّذِي يَعْتَرِيكَ ويَسْألُكَ. وقالَ مالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ أنَّ القانِعَ: الفَقِيرُ، والمُعْتَرَّ: الزّائِرُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ كِلاهُما الَّذِي لا يَسْألُ، ولَكِنَّ القانِعَ الَّذِي يَرْضى بِما عِنْدَهُ ولا يَسْألُ، والمُعْتَرُّ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ ولا يَسْألُكَ. وقَرَأ الحَسَنُ والمُعْتَرِي ومَعْناهُ كَمَعْنى المُعْتَرِّ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمْ ∗∗∗ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ يُقالُ اعْتَرَّهُ واعْتَراهُ وعَرَّهُ وعَرّاهُ: إذا تَعَرَّضَ لِما عِنْدَهُ أوْ طَلَبَهُ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ البَدِيعِ سَخَّرْناها لَكم، فَصارَتْ تَنْقادُ لَكم إلى مَواضِعِ نَحْرِها فَتَنْحَرُونَها وتَنْتَفِعُونَ بِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسَخَّرَةً لِلْحَمْلِ عَلَيْها والرُّكُوبِ عَلى ظَهْرِها والحَلْبِ لَها ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم. ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها﴾ أيْ لَنْ يَصْعَدَ إلَيْهِ ولا يَبْلُغَ رِضاهُ ولا يَقَعُ مَوْقِعَ القَبُولِ مِنهُ لُحُومُ هَذِهِ الإبِلِ الَّتِي تَتَصَدَّقُونَ بِها ولا دِماؤُها الَّتِي تَنْصَبُّ عِنْدَ نَحْرِها مِن حَيْثُ إنَّها لُحُومٌ ودِماءٌ ولَكِنْ يَنالُهُ أيْ يَبْلُغُ إلَيْهِ تَقْوى قُلُوبِكم، ويَصِلُ إلَيْهِ إخْلاصُكم لَهُ وإرادَتُكم بِذَلِكَ وجْهَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَقْبَلُهُ اللَّهُ ويُجازِي عَلَيْهِ. وقِيلَ: المُرادُ أصْحابُ اللُّحُومِ والدِّماءِ أيْ: لَنْ يَرْضى المُضَحُّونَ والمُتَقَرِّبُونَ إلى رَبِّهِمْ بِاللُّحُومِ والدِّماءِ ولَكِنْ بِالتَّقْوى. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ تَقْواهُ وطاعَتُهُ فِيما يَأْمُرُ بِهِ، وحَقِيقَةُ مَعْنى هَذا الكَلامِ تَعُودُ إلى القَبُولِ، وذَلِكَ أنَّ ما يَقْبَلُهُ الإنْسانُ يُقالُ قَدْ نالَهُ ووَصَلَ إلَيْهِ، فَخاطَبَ اللَّهُ الخَلْقَ كَعادَتِهِمْ في مُخاطَبَتِهِمْ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ كَرَّرَ هَذا لِلتَّذْكِيرِ، ومَعْنى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم﴾ هو قَوْلُ النّاحِرِ: اللَّهُ أكْبَرُ عِنْدَ النَّحْرِ، فَذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى الأمْرَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها، وذَكَرَ هُنا التَّكْبِيرَ لِلدَّلالَةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ والتَّكْبِيرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّكْبِيرِ وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الكِبْرِياءِ، ومَعْنى ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ عَلى ما أرْشَدَكم إلَيْهِ مِن عِلْمِكم بِكَيْفِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِها، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ قِيلَ المُرادُ بِهِمُ المُخْلِصُونَ، وقِيلَ: المُوَحِّدُونَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ كُلُّ مَن يَصْدُرُ مِنهُ مِنَ الخَيْرِ ما يَصِحُّ بِهِ إطْلاقُ اسْمِ المُحْسِنِ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: لا نَعْلَمُ البُدْنَ إلّا مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: البُدْنُ ذاتُ الجَوْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَيْسَ البُدْنُ إلّا مِنَ الإبِلِ، وأخْرَجُوا عَنِ الحَكَمِ نَحْوَهُ، وأخْرَجُوا عَنْ عَطاءٍ نَحْوَ ما قالَ ابْنُ عُمَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ (p-٩٦٦)أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ الرَّباحِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: أوْصى بِبَدَنَةٍ، فَأتَيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ رَجُلًا أوْصى إلَيَّ وأوْصى بِبَدَنَةٍ، فَهَلْ تُجْزِئُ عَنِّي بَقَرَةٌ ؟ قالَ نَعَمْ، ثُمَّ قالَ: مِمَّنْ صاحِبُكم ؟ فَقُلْتُ مِن بَنِي رَباحٍ، فَقالَ: ومَتى اقْتَنى بَنُو رَباحٍ البَقَرَ إلى الإبِلِ ؟ وهِمَ صاحِبُكم، إنَّما البَقَرُ لِلْأسَدِ وعَبْدِ القَيْسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الأضاحِي وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي ظِبْيانٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ قالَ: إذا أرَدْتَ أنْ تَنْحَرَ البَدَنَةَ فَأقِمْها عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ مَعْقُولَةٍ، ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: صَوافَّ قالَ: قِيامًا مَعْقُولَةً، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْهُ أنَّهُ رَأى رَجُلًا قَدْ أناخَ بَدَنَتَهُ وهو يَنْحَرُها، فَقالَ: ابْعَثْها قِيامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( صَوافِنَ ) يَعْنِي قِيامًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَإذا وجَبَتْ﴾ قالَ: سَقَطَتْ عَلى جَنْبِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ نُحِرَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القانِعُ المُتَعَفِّفُ والمُعْتَرُّ السّائِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ القانِعُ الَّذِي يَقْنَعُ بِما آتَيْتَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القانِعُ الَّذِي يَقْنَعُ بِما أُوتِيَ، والمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِضُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القانِعُ الَّذِي يَجْلِسُ في بَيْتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أمّا القانِعُ فالقانِعُ بِما أرْسَلْتَ إلَيْهِ في بَيْتِهِ، والمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِيكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القانِعُ الَّذِي يَسْألُ، والمُعْتَرُّ الَّذِي يَتَعَرَّضُ، ولا يَسْألُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ التّابِعِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ، والمَرْجِعُ المَعْنى اللُّغَوِيُّ لا سِيَّما مَعَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم في تَفْسِيرِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ إذا ذَبَحُوا اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ بِالدِّماءِ فَيَنْضَحُونَ بِها نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.

الحج 22:37

. قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ( والبُدُنَ ) بِضَمِّ الباءِ والدّالِ، وقَرَأ الباقُونَ بِإسْكانِ الدّالِّ وهُما لُغَتانِ، وهَذا الِاسْمُ خاصٌّ بِالإبِلِ، وسَمِّيَتْ بَدَنَةً؛ لِأنَّها تَبْدُنُ والبَدانَةُ: السِّمَنُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ: إنَّهُ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ الإبِلِ، والأوَّلُ أوْلى لِما سَيَأْتِي مِنَ الأوْصافِ الَّتِي هي ظاهِرَةٌ في الإبِلِ، ولِما تُفِيدُهُ كُتُبُ اللُّغَةِ مِنِ اخْتِصاصِ هَذا الِاسْمِ بِالإبِلِ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: واخْتَلَفُوا في صِحَّةِ إطْلاقِ البَدَنَةِ عَلى البَقَرَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أصَحُّهُما أنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِما ذَلِكَ شَرْعًا كَما صَحَّ في الحَدِيثِ. ﴿جَعَلْناها لَكُمْ﴾ وهي ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ قَرِيبًا ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ أيْ مَنافِعُ دِينِيَّةٌ ودُنْيَوِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ أيْ عَلى نَحْوِها، ومَعْنى ( صَوّافَّ ) أنَّها قائِمَةٌ قَدْ صُفَّتْ قَوائِمُها؛ لِأنَّها تُنْحَرُ قائِمَةً مَعْقُولَةً، وأصْلُ هَذا الوَصْفِ في الخَيْلِ يُقالُ: صَفَنَ الفَرَسُ فَهو صافِنٌ إذا قامَ عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ وثَنى الرّابِعَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ ومُجاهِدٌ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ ( صَوافِي ) أيْ خَوالِصُ لِلَّهِ لا تُشْرِكُونَ بِهِ في التَّسْمِيَةِ عَلى نَحْرِها أحَدًا، وواحِدُ صَوافٍّ صافَّةٌ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وواحِدُ ( صَوافِي ) صافِيَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو جَعْفَرَ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ( صَوافِنَ ) بِالنُّونِ جَمْعُ صافِنَةٍ، والصّافِنَةُ هي الَّتِي قَدْ رَفَعَتْ إحْدى يَدَيْها بِالعَقْلِ لِئَلّا تَضْطَرِبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الصّافِناتُ الجِيادُ﴾ [ص: ٣١] ومِنهُ قَوْلُ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: ؎تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلَّدَةً أعِنَّتُها صُفُونا وقالَ الآخَرُ: ؎ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرُ ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ الوُجُوبُ السُّقُوطُ أيْ: سَقَطَتْ بَعْدَ نَحْرِها، وذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِها فَكُلُوا مِنها ذَهَبَ الجُمْهُورُ أنَّ هَذا الأمْرَ لِلنَّدْبِ ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾ هَذا الأمْرُ قِيلَ هو لِلنَّدْبِ كالأوَّلِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والنَّخْعِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ سُرَيْجٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ وجَماعَةٌ: هو الوُجُوبُ. واخْتُلِفَ في القانِعِ مَن هو ؟ فَقِيلَ هو السّائِلُ، يُقالُ قَنَعَ الرَّجُلُ بِفَتْحِ النُّونِ يَقْنِعُ بِكَسْرِها إذا سَألَ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ: ؎لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ∗∗∗ مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ أيِ السُّؤالِ، وقِيلَ: هو المُتَعَفِّفُ عَنِ السُّؤالِ المُسْتَغْنِي بِبُلْغَةٍ، ذَكَرَ مَعْناها الخَلِيلُ. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: مِنَ العَرَبِ مَن ذَكَرَ القُنُوعَ بِمَعْنى القَناعَةِ، وهي الرِّضا والتَّعَفُّفُ وتَرْكُ المَسْألَةِ. وبِالأوَّلِ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِالثّانِي قالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ. وأمّا المُعْتَرُّ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ والكَلْبِيُّ والحَسَنُ أنَّهُ الَّذِي يَتَعَرَّضُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ. وقِيلَ: هو الَّذِي يَعْتَرِيكَ ويَسْألُكَ. وقالَ مالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ أنَّ القانِعَ: الفَقِيرُ، والمُعْتَرَّ: الزّائِرُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ كِلاهُما الَّذِي لا يَسْألُ، ولَكِنَّ القانِعَ الَّذِي يَرْضى بِما عِنْدَهُ ولا يَسْألُ، والمُعْتَرُّ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ ولا يَسْألُكَ. وقَرَأ الحَسَنُ والمُعْتَرِي ومَعْناهُ كَمَعْنى المُعْتَرِّ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمْ ∗∗∗ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ يُقالُ اعْتَرَّهُ واعْتَراهُ وعَرَّهُ وعَرّاهُ: إذا تَعَرَّضَ لِما عِنْدَهُ أوْ طَلَبَهُ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّسْخِيرِ البَدِيعِ سَخَّرْناها لَكم، فَصارَتْ تَنْقادُ لَكم إلى مَواضِعِ نَحْرِها فَتَنْحَرُونَها وتَنْتَفِعُونَ بِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسَخَّرَةً لِلْحَمْلِ عَلَيْها والرُّكُوبِ عَلى ظَهْرِها والحَلْبِ لَها ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم. ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها﴾ أيْ لَنْ يَصْعَدَ إلَيْهِ ولا يَبْلُغَ رِضاهُ ولا يَقَعُ مَوْقِعَ القَبُولِ مِنهُ لُحُومُ هَذِهِ الإبِلِ الَّتِي تَتَصَدَّقُونَ بِها ولا دِماؤُها الَّتِي تَنْصَبُّ عِنْدَ نَحْرِها مِن حَيْثُ إنَّها لُحُومٌ ودِماءٌ ولَكِنْ يَنالُهُ أيْ يَبْلُغُ إلَيْهِ تَقْوى قُلُوبِكم، ويَصِلُ إلَيْهِ إخْلاصُكم لَهُ وإرادَتُكم بِذَلِكَ وجْهَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَقْبَلُهُ اللَّهُ ويُجازِي عَلَيْهِ. وقِيلَ: المُرادُ أصْحابُ اللُّحُومِ والدِّماءِ أيْ: لَنْ يَرْضى المُضَحُّونَ والمُتَقَرِّبُونَ إلى رَبِّهِمْ بِاللُّحُومِ والدِّماءِ ولَكِنْ بِالتَّقْوى. قالَ الزَّجّاجُ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ تَقْواهُ وطاعَتُهُ فِيما يَأْمُرُ بِهِ، وحَقِيقَةُ مَعْنى هَذا الكَلامِ تَعُودُ إلى القَبُولِ، وذَلِكَ أنَّ ما يَقْبَلُهُ الإنْسانُ يُقالُ قَدْ نالَهُ ووَصَلَ إلَيْهِ، فَخاطَبَ اللَّهُ الخَلْقَ كَعادَتِهِمْ في مُخاطَبَتِهِمْ ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ﴾ كَرَّرَ هَذا لِلتَّذْكِيرِ، ومَعْنى ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم﴾ هو قَوْلُ النّاحِرِ: اللَّهُ أكْبَرُ عِنْدَ النَّحْرِ، فَذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى الأمْرَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْها، وذَكَرَ هُنا التَّكْبِيرَ لِلدَّلالَةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الجَمْعِ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ والتَّكْبِيرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّكْبِيرِ وصْفُهُ سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الكِبْرِياءِ، ومَعْنى ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ عَلى ما أرْشَدَكم إلَيْهِ مِن عِلْمِكم بِكَيْفِيَّةِ التَّقَرُّبِ بِها، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ قِيلَ المُرادُ بِهِمُ المُخْلِصُونَ، وقِيلَ: المُوَحِّدُونَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ كُلُّ مَن يَصْدُرُ مِنهُ مِنَ الخَيْرِ ما يَصِحُّ بِهِ إطْلاقُ اسْمِ المُحْسِنِ عَلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: لا نَعْلَمُ البُدْنَ إلّا مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: البُدْنُ ذاتُ الجَوْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَيْسَ البُدْنُ إلّا مِنَ الإبِلِ، وأخْرَجُوا عَنِ الحَكَمِ نَحْوَهُ، وأخْرَجُوا عَنْ عَطاءٍ نَحْوَ ما قالَ ابْنُ عُمَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ (p-٩٦٦)أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ الرَّباحِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: أوْصى بِبَدَنَةٍ، فَأتَيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ رَجُلًا أوْصى إلَيَّ وأوْصى بِبَدَنَةٍ، فَهَلْ تُجْزِئُ عَنِّي بَقَرَةٌ ؟ قالَ نَعَمْ، ثُمَّ قالَ: مِمَّنْ صاحِبُكم ؟ فَقُلْتُ مِن بَنِي رَباحٍ، فَقالَ: ومَتى اقْتَنى بَنُو رَباحٍ البَقَرَ إلى الإبِلِ ؟ وهِمَ صاحِبُكم، إنَّما البَقَرُ لِلْأسَدِ وعَبْدِ القَيْسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الأضاحِي وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي ظِبْيانٍ قالَ: سَألَتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ قالَ: إذا أرَدْتَ أنْ تَنْحَرَ البَدَنَةَ فَأقِمْها عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ مَعْقُولَةٍ، ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ واللَّهُ أكْبَرُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: صَوافَّ قالَ: قِيامًا مَعْقُولَةً، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْهُ أنَّهُ رَأى رَجُلًا قَدْ أناخَ بَدَنَتَهُ وهو يَنْحَرُها، فَقالَ: ابْعَثْها قِيامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( صَوافِنَ ) يَعْنِي قِيامًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَإذا وجَبَتْ﴾ قالَ: سَقَطَتْ عَلى جَنْبِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ نُحِرَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القانِعُ المُتَعَفِّفُ والمُعْتَرُّ السّائِلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ القانِعُ الَّذِي يَقْنَعُ بِما آتَيْتَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القانِعُ الَّذِي يَقْنَعُ بِما أُوتِيَ، والمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِضُ. وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القانِعُ الَّذِي يَجْلِسُ في بَيْتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: أمّا القانِعُ فالقانِعُ بِما أرْسَلْتَ إلَيْهِ في بَيْتِهِ، والمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِيكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: القانِعُ الَّذِي يَسْألُ، والمُعْتَرُّ الَّذِي يَتَعَرَّضُ، ولا يَسْألُ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ التّابِعِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أقْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ، والمَرْجِعُ المَعْنى اللُّغَوِيُّ لا سِيَّما مَعَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم في تَفْسِيرِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ إذا ذَبَحُوا اسْتَقْبَلُوا الكَعْبَةَ بِالدِّماءِ فَيَنْضَحُونَ بِها نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.

الحج 22:38

. قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ( يَدْفَعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ( يُدافِعُ ) وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْناها الأصْلِيِّ، وهو وُقُوعُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ الأُخْرى. وقَدْ تَرِدُ هَذِهِ الصِّيغَةُ ولا يُرادُ بِها مَعْناها الأصْلِيُّ كَثِيرًا مِثْلُ عاقَبْتُ اللِّصَّ ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ. وقِيلَ: إنَّ إيرادَ هَذِهِ الصِّيغَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الواقِعِ. والمَعْنى: يُدافِعُ عَنِ المُؤْمِنِينَ غَوائِلَ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: يُعْلِي حُجَّتَهم وقِيلَ: يُوَفِّقُهم والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَذِهِ المَزِيَّةِ الحاصِلَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ المُتَوَلِّي لِلْمُدافَعَةِ عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى، فَإنَّ المُدافَعَةَ مِنَ اللَّهِ لَهم عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مُشْعِرَةٌ أتَمَّ إشْعارٍ بِأنَّهم مُبْغَضُونَ إلى اللَّهِ غَيْرُ مَحْبُوبِينَ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن ذَكَرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ وتَقَرَّبَ إلى الأصْنامِ بِذَبِيحَتِهِ فَهو خَوّانٌ كَفُورٌ، وإيرادُ صِيغَتَيِ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ في الواقِعِ لا لِإخْراجِ مَن خانَ دُونَ خِيانَتِهِمْ، أوْ كَفَرَ دُونَ كُفْرِهِمْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ قُرِئَ ( أُذِنَ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وكَذَلِكَ ( يُقاتَلُونَ )، قُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى كِلا القِراءَتَيْنِ فالإذْنُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم إذا صَلَحُوا لِلْقِتالِ، أوْ قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ قاتَلُوهم. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يُؤْذُونَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ، فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَيَقُولُ لَهم: «اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتالِ» حَتّى هاجَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَدِينَةِ، وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ أيْضًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: ( إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ ) فَإنَّ إباحَةَ القِتالِ لَهم هي مِن جُمْلَةِ دَفْعِ اللَّهِ عَنْهم، والباءُ في بِأنَّهم ظُلِمُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا بِما كانَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن سَبٍّ وضَرْبٍ وطَرْدٍ، ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ النَّصْرَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما مَرَّ مِنَ المُدافَعَةِ أيْضًا. ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ يُقاتَلُونَ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، أوْ مَحَلِّ رَفْعٍ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، والمُرادُ بِالدِّيارِ مَكَّةُ ﴿إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ. أيْ أُخْرِجُوا بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ إخْراجَهم لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والتَّقْدِيرُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِلا حَقٍّ إلّا بِأنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا﴾ وقَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ قَرَأ نافِعٌ ( ولَوْلا دِفاعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ولَوْلا دَفْعُ والمَعْنى: لَوْلا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ مِن قِتالِ الأعْداءِ لاسْتَوْلى أهْلُ الشِّرْكِ، وذَهَبَتْ مَواضِعُ العِبادَةِ مِنَ الأرْضِ، ومَعْنى لَهُدِّمَتْ لَخُرِّبَتْ (p-٩٦٧)بِاسْتِيلاءِ أهْلِ الشِّرْكِ عَلى أهْلِ المِلَلِ، فالصَّوامِعُ: هي صَوامِعُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: صَوامِعُ الصّابِئِينَ، والبِيَعُ: جَمْعُ بِيعَةٍ، وهي كَنِيسَةُ النَّصارى، والصَّلَواتُ هي كَنائِسُ اليَهُودِ، واسْمُها بِالعِبْرانِيَّةِ صَلُوثا بِالمُثَلَّثَةِ فَعُرِّبَتْ، والمَساجِدُ هي مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا هَذا الدَّفْعُ لَهُدِّمَتْ في زَمَنِ مُوسى الكَنائِسُ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ والبِيَعُ، وفي زَمَنِ مُحَمَّدٍ المَساجِدُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا أصْوَبُ ما قِيلَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ظُلْمَ الظَّلَمَةِ بِعَدْلِ الوُلاةِ، وقِيلَ: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ العَذابَ بِدُعاءِ الأخْيارِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. والصَّوامِعُ: جَمْعُ صَوْمَعَةٍ، وهي بِناءٌ مُرْتَفِعٌ، يُقالُ صَمَعَ الثَّرِيدَةَ: إذا رَفَعَ رَأسَها، ورَجَعَ أصْمَعَ القَلْبِ أيْ: حادَّ الفِطْنَةِ، والأصْمَعُ مِنَ الرِّجالِ: الحَدِيدُ القَوْلِ، وقِيلَ: الصَّغِيرُ الأُذُنِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في المَواضِعِ الَّتِي يُؤَذَّنُ عَلَيْها في الإسْلامِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ في ( صَلَواتٌ ) تِسْعَ قِراءاتٍ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ مَواضِعِ عِباداتِ أهْلِ المِلَلِ عَلى مَوْضِعِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ كَوْنُها أقْدَمَ بِناءً وأسْبَقَ وُجُودًا. والظّاهِرُ مِنَ الهَدْمِ المَذْكُورِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو تُعَطُّلُها مِنَ العِبادَةِ، وقُرِئَ لَهُدِّمَتْ بِالتَّشْدِيدِ، وانْتِصابُ كَثِيرًا في قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، أوْ وقْتًا كَثِيرًا، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْمَساجِدِ، وقِيلَ: لِجَمِيعِ المَذْكُوراتِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ اللّامُ هي جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَيَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، والمُرادُ بِمَن يَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُ دِينَهُ وأوْلِياءَهُ، والقَوِيُّ: القادِرُ عَلى الشَّيْءِ، والعَزِيزُ: الجَلِيلُ الشَّرِيفُ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: المُمْتَنِعُ الَّذِي لا يُرامُ ولا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ. والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَن في قَوْلِهِ مَن يَنْصُرُهُ قالَهُ الزَّجّاجُ: وقالَ غَيْرُهُ هو في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقِيلَ: أهْلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وقِيلَ: وُلاةُ العَدْلِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ إيجابُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى مَن مَكَّنَهُ اللَّهُ في الأرْضِ وأقْدَرَهُ عَلى القِيامِ بِذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ، ومَعْنى ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أنَّ مَرْجِعَها إلى حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجُوا نَبِيَّهم ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لَيَهْلِكَنَّ القَوْمُ، فَنَزَلَتْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، وقَدْ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ انْتَهى. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ والآيَةُ بَعْدَها أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا بِغَيْرِ حَقٍّ: ثُمَّ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقَمْنا الصَّلاةَ وآتَيْنا الزَّكاةَ وأمَرْنا بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْنا عَنِ المُنْكَرِ فَهي لِي ولِأصْحابِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ الآيَةَ: قالَ لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ عَنِ التّابِعِينَ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ الآيَةَ قالَ: الصَّوامِعُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الرُّهْبانُ، والبِيَعُ مَساجِدُ اليَهُودِ، وصَلَواتٌ كَنائِسُ النَّصارى، والمَساجِدُ مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: البِيَعُ بِيَعُ النَّصارى، وصَلَواتٌ كَنائِسُ اليَهُودِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضُ المَدِينَةِ ﴿أقامُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: المَكْتُوبَةَ ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ قالَ: المَفْرُوضَةَ ﴿وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ قالَ: عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ قالَ: وعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ ما صَنَعُوا.

الحج 22:39

. قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ( يَدْفَعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ( يُدافِعُ ) وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْناها الأصْلِيِّ، وهو وُقُوعُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ الأُخْرى. وقَدْ تَرِدُ هَذِهِ الصِّيغَةُ ولا يُرادُ بِها مَعْناها الأصْلِيُّ كَثِيرًا مِثْلُ عاقَبْتُ اللِّصَّ ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ. وقِيلَ: إنَّ إيرادَ هَذِهِ الصِّيغَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الواقِعِ. والمَعْنى: يُدافِعُ عَنِ المُؤْمِنِينَ غَوائِلَ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: يُعْلِي حُجَّتَهم وقِيلَ: يُوَفِّقُهم والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَذِهِ المَزِيَّةِ الحاصِلَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ المُتَوَلِّي لِلْمُدافَعَةِ عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى، فَإنَّ المُدافَعَةَ مِنَ اللَّهِ لَهم عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مُشْعِرَةٌ أتَمَّ إشْعارٍ بِأنَّهم مُبْغَضُونَ إلى اللَّهِ غَيْرُ مَحْبُوبِينَ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن ذَكَرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ وتَقَرَّبَ إلى الأصْنامِ بِذَبِيحَتِهِ فَهو خَوّانٌ كَفُورٌ، وإيرادُ صِيغَتَيِ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ في الواقِعِ لا لِإخْراجِ مَن خانَ دُونَ خِيانَتِهِمْ، أوْ كَفَرَ دُونَ كُفْرِهِمْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ قُرِئَ ( أُذِنَ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وكَذَلِكَ ( يُقاتَلُونَ )، قُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى كِلا القِراءَتَيْنِ فالإذْنُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم إذا صَلَحُوا لِلْقِتالِ، أوْ قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ قاتَلُوهم. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يُؤْذُونَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ، فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَيَقُولُ لَهم: «اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتالِ» حَتّى هاجَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَدِينَةِ، وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ أيْضًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: ( إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ ) فَإنَّ إباحَةَ القِتالِ لَهم هي مِن جُمْلَةِ دَفْعِ اللَّهِ عَنْهم، والباءُ في بِأنَّهم ظُلِمُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا بِما كانَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن سَبٍّ وضَرْبٍ وطَرْدٍ، ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ النَّصْرَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما مَرَّ مِنَ المُدافَعَةِ أيْضًا. ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ يُقاتَلُونَ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، أوْ مَحَلِّ رَفْعٍ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، والمُرادُ بِالدِّيارِ مَكَّةُ ﴿إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ. أيْ أُخْرِجُوا بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ إخْراجَهم لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والتَّقْدِيرُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِلا حَقٍّ إلّا بِأنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا﴾ وقَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ قَرَأ نافِعٌ ( ولَوْلا دِفاعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ولَوْلا دَفْعُ والمَعْنى: لَوْلا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ مِن قِتالِ الأعْداءِ لاسْتَوْلى أهْلُ الشِّرْكِ، وذَهَبَتْ مَواضِعُ العِبادَةِ مِنَ الأرْضِ، ومَعْنى لَهُدِّمَتْ لَخُرِّبَتْ (p-٩٦٧)بِاسْتِيلاءِ أهْلِ الشِّرْكِ عَلى أهْلِ المِلَلِ، فالصَّوامِعُ: هي صَوامِعُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: صَوامِعُ الصّابِئِينَ، والبِيَعُ: جَمْعُ بِيعَةٍ، وهي كَنِيسَةُ النَّصارى، والصَّلَواتُ هي كَنائِسُ اليَهُودِ، واسْمُها بِالعِبْرانِيَّةِ صَلُوثا بِالمُثَلَّثَةِ فَعُرِّبَتْ، والمَساجِدُ هي مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا هَذا الدَّفْعُ لَهُدِّمَتْ في زَمَنِ مُوسى الكَنائِسُ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ والبِيَعُ، وفي زَمَنِ مُحَمَّدٍ المَساجِدُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا أصْوَبُ ما قِيلَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ظُلْمَ الظَّلَمَةِ بِعَدْلِ الوُلاةِ، وقِيلَ: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ العَذابَ بِدُعاءِ الأخْيارِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. والصَّوامِعُ: جَمْعُ صَوْمَعَةٍ، وهي بِناءٌ مُرْتَفِعٌ، يُقالُ صَمَعَ الثَّرِيدَةَ: إذا رَفَعَ رَأسَها، ورَجَعَ أصْمَعَ القَلْبِ أيْ: حادَّ الفِطْنَةِ، والأصْمَعُ مِنَ الرِّجالِ: الحَدِيدُ القَوْلِ، وقِيلَ: الصَّغِيرُ الأُذُنِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في المَواضِعِ الَّتِي يُؤَذَّنُ عَلَيْها في الإسْلامِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ في ( صَلَواتٌ ) تِسْعَ قِراءاتٍ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ مَواضِعِ عِباداتِ أهْلِ المِلَلِ عَلى مَوْضِعِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ كَوْنُها أقْدَمَ بِناءً وأسْبَقَ وُجُودًا. والظّاهِرُ مِنَ الهَدْمِ المَذْكُورِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو تُعَطُّلُها مِنَ العِبادَةِ، وقُرِئَ لَهُدِّمَتْ بِالتَّشْدِيدِ، وانْتِصابُ كَثِيرًا في قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، أوْ وقْتًا كَثِيرًا، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْمَساجِدِ، وقِيلَ: لِجَمِيعِ المَذْكُوراتِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ اللّامُ هي جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَيَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، والمُرادُ بِمَن يَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُ دِينَهُ وأوْلِياءَهُ، والقَوِيُّ: القادِرُ عَلى الشَّيْءِ، والعَزِيزُ: الجَلِيلُ الشَّرِيفُ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: المُمْتَنِعُ الَّذِي لا يُرامُ ولا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ. والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَن في قَوْلِهِ مَن يَنْصُرُهُ قالَهُ الزَّجّاجُ: وقالَ غَيْرُهُ هو في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقِيلَ: أهْلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وقِيلَ: وُلاةُ العَدْلِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ إيجابُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى مَن مَكَّنَهُ اللَّهُ في الأرْضِ وأقْدَرَهُ عَلى القِيامِ بِذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ، ومَعْنى ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أنَّ مَرْجِعَها إلى حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجُوا نَبِيَّهم ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لَيَهْلِكَنَّ القَوْمُ، فَنَزَلَتْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، وقَدْ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ انْتَهى. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ والآيَةُ بَعْدَها أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا بِغَيْرِ حَقٍّ: ثُمَّ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقَمْنا الصَّلاةَ وآتَيْنا الزَّكاةَ وأمَرْنا بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْنا عَنِ المُنْكَرِ فَهي لِي ولِأصْحابِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ الآيَةَ: قالَ لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ عَنِ التّابِعِينَ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ الآيَةَ قالَ: الصَّوامِعُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الرُّهْبانُ، والبِيَعُ مَساجِدُ اليَهُودِ، وصَلَواتٌ كَنائِسُ النَّصارى، والمَساجِدُ مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: البِيَعُ بِيَعُ النَّصارى، وصَلَواتٌ كَنائِسُ اليَهُودِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضُ المَدِينَةِ ﴿أقامُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: المَكْتُوبَةَ ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ قالَ: المَفْرُوضَةَ ﴿وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ قالَ: عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ قالَ: وعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ ما صَنَعُوا.

الحج 22:40

. قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ( يَدْفَعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ( يُدافِعُ ) وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْناها الأصْلِيِّ، وهو وُقُوعُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ الأُخْرى. وقَدْ تَرِدُ هَذِهِ الصِّيغَةُ ولا يُرادُ بِها مَعْناها الأصْلِيُّ كَثِيرًا مِثْلُ عاقَبْتُ اللِّصَّ ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ. وقِيلَ: إنَّ إيرادَ هَذِهِ الصِّيغَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الواقِعِ. والمَعْنى: يُدافِعُ عَنِ المُؤْمِنِينَ غَوائِلَ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: يُعْلِي حُجَّتَهم وقِيلَ: يُوَفِّقُهم والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَذِهِ المَزِيَّةِ الحاصِلَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ المُتَوَلِّي لِلْمُدافَعَةِ عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى، فَإنَّ المُدافَعَةَ مِنَ اللَّهِ لَهم عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مُشْعِرَةٌ أتَمَّ إشْعارٍ بِأنَّهم مُبْغَضُونَ إلى اللَّهِ غَيْرُ مَحْبُوبِينَ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن ذَكَرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ وتَقَرَّبَ إلى الأصْنامِ بِذَبِيحَتِهِ فَهو خَوّانٌ كَفُورٌ، وإيرادُ صِيغَتَيِ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ في الواقِعِ لا لِإخْراجِ مَن خانَ دُونَ خِيانَتِهِمْ، أوْ كَفَرَ دُونَ كُفْرِهِمْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ قُرِئَ ( أُذِنَ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وكَذَلِكَ ( يُقاتَلُونَ )، قُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى كِلا القِراءَتَيْنِ فالإذْنُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم إذا صَلَحُوا لِلْقِتالِ، أوْ قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ قاتَلُوهم. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يُؤْذُونَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ، فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَيَقُولُ لَهم: «اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتالِ» حَتّى هاجَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَدِينَةِ، وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ أيْضًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: ( إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ ) فَإنَّ إباحَةَ القِتالِ لَهم هي مِن جُمْلَةِ دَفْعِ اللَّهِ عَنْهم، والباءُ في بِأنَّهم ظُلِمُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا بِما كانَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن سَبٍّ وضَرْبٍ وطَرْدٍ، ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ النَّصْرَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما مَرَّ مِنَ المُدافَعَةِ أيْضًا. ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ يُقاتَلُونَ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، أوْ مَحَلِّ رَفْعٍ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، والمُرادُ بِالدِّيارِ مَكَّةُ ﴿إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ. أيْ أُخْرِجُوا بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ إخْراجَهم لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والتَّقْدِيرُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِلا حَقٍّ إلّا بِأنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا﴾ وقَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ قَرَأ نافِعٌ ( ولَوْلا دِفاعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ولَوْلا دَفْعُ والمَعْنى: لَوْلا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ مِن قِتالِ الأعْداءِ لاسْتَوْلى أهْلُ الشِّرْكِ، وذَهَبَتْ مَواضِعُ العِبادَةِ مِنَ الأرْضِ، ومَعْنى لَهُدِّمَتْ لَخُرِّبَتْ (p-٩٦٧)بِاسْتِيلاءِ أهْلِ الشِّرْكِ عَلى أهْلِ المِلَلِ، فالصَّوامِعُ: هي صَوامِعُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: صَوامِعُ الصّابِئِينَ، والبِيَعُ: جَمْعُ بِيعَةٍ، وهي كَنِيسَةُ النَّصارى، والصَّلَواتُ هي كَنائِسُ اليَهُودِ، واسْمُها بِالعِبْرانِيَّةِ صَلُوثا بِالمُثَلَّثَةِ فَعُرِّبَتْ، والمَساجِدُ هي مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا هَذا الدَّفْعُ لَهُدِّمَتْ في زَمَنِ مُوسى الكَنائِسُ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ والبِيَعُ، وفي زَمَنِ مُحَمَّدٍ المَساجِدُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا أصْوَبُ ما قِيلَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ظُلْمَ الظَّلَمَةِ بِعَدْلِ الوُلاةِ، وقِيلَ: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ العَذابَ بِدُعاءِ الأخْيارِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. والصَّوامِعُ: جَمْعُ صَوْمَعَةٍ، وهي بِناءٌ مُرْتَفِعٌ، يُقالُ صَمَعَ الثَّرِيدَةَ: إذا رَفَعَ رَأسَها، ورَجَعَ أصْمَعَ القَلْبِ أيْ: حادَّ الفِطْنَةِ، والأصْمَعُ مِنَ الرِّجالِ: الحَدِيدُ القَوْلِ، وقِيلَ: الصَّغِيرُ الأُذُنِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في المَواضِعِ الَّتِي يُؤَذَّنُ عَلَيْها في الإسْلامِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ في ( صَلَواتٌ ) تِسْعَ قِراءاتٍ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ مَواضِعِ عِباداتِ أهْلِ المِلَلِ عَلى مَوْضِعِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ كَوْنُها أقْدَمَ بِناءً وأسْبَقَ وُجُودًا. والظّاهِرُ مِنَ الهَدْمِ المَذْكُورِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو تُعَطُّلُها مِنَ العِبادَةِ، وقُرِئَ لَهُدِّمَتْ بِالتَّشْدِيدِ، وانْتِصابُ كَثِيرًا في قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، أوْ وقْتًا كَثِيرًا، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْمَساجِدِ، وقِيلَ: لِجَمِيعِ المَذْكُوراتِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ اللّامُ هي جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَيَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، والمُرادُ بِمَن يَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُ دِينَهُ وأوْلِياءَهُ، والقَوِيُّ: القادِرُ عَلى الشَّيْءِ، والعَزِيزُ: الجَلِيلُ الشَّرِيفُ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: المُمْتَنِعُ الَّذِي لا يُرامُ ولا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ. والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَن في قَوْلِهِ مَن يَنْصُرُهُ قالَهُ الزَّجّاجُ: وقالَ غَيْرُهُ هو في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقِيلَ: أهْلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وقِيلَ: وُلاةُ العَدْلِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ إيجابُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى مَن مَكَّنَهُ اللَّهُ في الأرْضِ وأقْدَرَهُ عَلى القِيامِ بِذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ، ومَعْنى ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أنَّ مَرْجِعَها إلى حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجُوا نَبِيَّهم ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لَيَهْلِكَنَّ القَوْمُ، فَنَزَلَتْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، وقَدْ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ انْتَهى. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ والآيَةُ بَعْدَها أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا بِغَيْرِ حَقٍّ: ثُمَّ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقَمْنا الصَّلاةَ وآتَيْنا الزَّكاةَ وأمَرْنا بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْنا عَنِ المُنْكَرِ فَهي لِي ولِأصْحابِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ الآيَةَ: قالَ لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ عَنِ التّابِعِينَ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ الآيَةَ قالَ: الصَّوامِعُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الرُّهْبانُ، والبِيَعُ مَساجِدُ اليَهُودِ، وصَلَواتٌ كَنائِسُ النَّصارى، والمَساجِدُ مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: البِيَعُ بِيَعُ النَّصارى، وصَلَواتٌ كَنائِسُ اليَهُودِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضُ المَدِينَةِ ﴿أقامُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: المَكْتُوبَةَ ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ قالَ: المَفْرُوضَةَ ﴿وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ قالَ: عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ قالَ: وعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ ما صَنَعُوا.

الحج 22:41

. قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ( يَدْفَعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ( يُدافِعُ ) وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْناها الأصْلِيِّ، وهو وُقُوعُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ الأُخْرى. وقَدْ تَرِدُ هَذِهِ الصِّيغَةُ ولا يُرادُ بِها مَعْناها الأصْلِيُّ كَثِيرًا مِثْلُ عاقَبْتُ اللِّصَّ ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَهُ. وقِيلَ: إنَّ إيرادَ هَذِهِ الصِّيغَةِ هُنا لِلْمُبالَغَةِ وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الواقِعِ. والمَعْنى: يُدافِعُ عَنِ المُؤْمِنِينَ غَوائِلَ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: يُعْلِي حُجَّتَهم وقِيلَ: يُوَفِّقُهم والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ هَذِهِ المَزِيَّةِ الحاصِلَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ المُتَوَلِّي لِلْمُدافَعَةِ عَنْهم، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأُولى، فَإنَّ المُدافَعَةَ مِنَ اللَّهِ لَهم عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مُشْعِرَةٌ أتَمَّ إشْعارٍ بِأنَّهم مُبْغَضُونَ إلى اللَّهِ غَيْرُ مَحْبُوبِينَ لَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن ذَكَرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ وتَقَرَّبَ إلى الأصْنامِ بِذَبِيحَتِهِ فَهو خَوّانٌ كَفُورٌ، وإيرادُ صِيغَتَيِ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ في الواقِعِ لا لِإخْراجِ مَن خانَ دُونَ خِيانَتِهِمْ، أوْ كَفَرَ دُونَ كُفْرِهِمْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ قُرِئَ ( أُذِنَ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وكَذَلِكَ ( يُقاتَلُونَ )، قُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ومَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلى كِلا القِراءَتَيْنِ فالإذْنُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم إذا صَلَحُوا لِلْقِتالِ، أوْ قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ قاتَلُوهم. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يُؤْذُونَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ، فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فَيَقُولُ لَهم: «اصْبِرُوا فَإنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِالقِتالِ» حَتّى هاجَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَدِينَةِ، وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. وهَذِهِ الآيَةُ مُقَرِّرَةٌ أيْضًا لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: ( إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ ) فَإنَّ إباحَةَ القِتالِ لَهم هي مِن جُمْلَةِ دَفْعِ اللَّهِ عَنْهم، والباءُ في بِأنَّهم ظُلِمُوا لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ظُلِمُوا بِما كانَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن سَبٍّ وضَرْبٍ وطَرْدٍ، ثُمَّ وعَدَهم سُبْحانَهُ النَّصْرَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما مَرَّ مِنَ المُدافَعَةِ أيْضًا. ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ يُقاتَلُونَ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، أوْ مَحَلِّ رَفْعٍ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، والمُرادُ بِالدِّيارِ مَكَّةُ ﴿إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ. أيْ أُخْرِجُوا بِغَيْرِ حَقٍّ يُوجِبُ إخْراجَهم لَكِنْ لِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والتَّقْدِيرُ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِلا حَقٍّ إلّا بِأنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا﴾ وقَوْلِ النّابِغَةِ: ؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولُ مِن قِراعِ الكَتائِبِ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ قَرَأ نافِعٌ ( ولَوْلا دِفاعُ ) وقَرَأ الباقُونَ ولَوْلا دَفْعُ والمَعْنى: لَوْلا ما شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ مِن قِتالِ الأعْداءِ لاسْتَوْلى أهْلُ الشِّرْكِ، وذَهَبَتْ مَواضِعُ العِبادَةِ مِنَ الأرْضِ، ومَعْنى لَهُدِّمَتْ لَخُرِّبَتْ (p-٩٦٧)بِاسْتِيلاءِ أهْلِ الشِّرْكِ عَلى أهْلِ المِلَلِ، فالصَّوامِعُ: هي صَوامِعُ الرُّهْبانِ، وقِيلَ: صَوامِعُ الصّابِئِينَ، والبِيَعُ: جَمْعُ بِيعَةٍ، وهي كَنِيسَةُ النَّصارى، والصَّلَواتُ هي كَنائِسُ اليَهُودِ، واسْمُها بِالعِبْرانِيَّةِ صَلُوثا بِالمُثَلَّثَةِ فَعُرِّبَتْ، والمَساجِدُ هي مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْلا هَذا الدَّفْعُ لَهُدِّمَتْ في زَمَنِ مُوسى الكَنائِسُ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ والبِيَعُ، وفي زَمَنِ مُحَمَّدٍ المَساجِدُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا أصْوَبُ ما قِيلَ في تَأْوِيلِ الآيَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ظُلْمَ الظَّلَمَةِ بِعَدْلِ الوُلاةِ، وقِيلَ: لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ العَذابَ بِدُعاءِ الأخْيارِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. والصَّوامِعُ: جَمْعُ صَوْمَعَةٍ، وهي بِناءٌ مُرْتَفِعٌ، يُقالُ صَمَعَ الثَّرِيدَةَ: إذا رَفَعَ رَأسَها، ورَجَعَ أصْمَعَ القَلْبِ أيْ: حادَّ الفِطْنَةِ، والأصْمَعُ مِنَ الرِّجالِ: الحَدِيدُ القَوْلِ، وقِيلَ: الصَّغِيرُ الأُذُنِ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في المَواضِعِ الَّتِي يُؤَذَّنُ عَلَيْها في الإسْلامِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ في ( صَلَواتٌ ) تِسْعَ قِراءاتٍ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ مَواضِعِ عِباداتِ أهْلِ المِلَلِ عَلى مَوْضِعِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ كَوْنُها أقْدَمَ بِناءً وأسْبَقَ وُجُودًا. والظّاهِرُ مِنَ الهَدْمِ المَذْكُورِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعْنى المَجازِيُّ، وهو تُعَطُّلُها مِنَ العِبادَةِ، وقُرِئَ لَهُدِّمَتْ بِالتَّشْدِيدِ، وانْتِصابُ كَثِيرًا في قَوْلِهِ: ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، أوْ وقْتًا كَثِيرًا، والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِلْمَساجِدِ، وقِيلَ: لِجَمِيعِ المَذْكُوراتِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ اللّامُ هي جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَيَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ، والمُرادُ بِمَن يَنْصُرُ اللَّهُ مَن يَنْصُرُ دِينَهُ وأوْلِياءَهُ، والقَوِيُّ: القادِرُ عَلى الشَّيْءِ، والعَزِيزُ: الجَلِيلُ الشَّرِيفُ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: المُمْتَنِعُ الَّذِي لا يُرامُ ولا يُدافَعُ ولا يُمانَعُ. والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٌ لِمَن في قَوْلِهِ مَن يَنْصُرُهُ قالَهُ الزَّجّاجُ: وقالَ غَيْرُهُ هو في مَوْضِعِ جَرٍّ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ والتّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ، وقِيلَ: أهْلُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وقِيلَ: وُلاةُ العَدْلِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ إيجابُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى مَن مَكَّنَهُ اللَّهُ في الأرْضِ وأقْدَرَهُ عَلى القِيامِ بِذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ، ومَعْنى ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ أنَّ مَرْجِعَها إلى حُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا أُخْرِجَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن مَكَّةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجُوا نَبِيَّهم ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] لَيَهْلِكَنَّ القَوْمُ، فَنَزَلَتْ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ، وقَدْ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ، ولَيْسَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ انْتَهى. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قالَ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ والآيَةُ بَعْدَها أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا بِغَيْرِ حَقٍّ: ثُمَّ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقَمْنا الصَّلاةَ وآتَيْنا الزَّكاةَ وأمَرْنا بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْنا عَنِ المُنْكَرِ فَهي لِي ولِأصْحابِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ﴾ الآيَةَ: قالَ لَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ عَنِ التّابِعِينَ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ الآيَةَ قالَ: الصَّوامِعُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الرُّهْبانُ، والبِيَعُ مَساجِدُ اليَهُودِ، وصَلَواتٌ كَنائِسُ النَّصارى، والمَساجِدُ مَساجِدُ المُسْلِمِينَ. وأخْرَجا عَنْهُ قالَ: البِيَعُ بِيَعُ النَّصارى، وصَلَواتٌ كَنائِسُ اليَهُودِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْضُ المَدِينَةِ ﴿أقامُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: المَكْتُوبَةَ ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ قالَ: المَفْرُوضَةَ ﴿وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ قالَ: عَنِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ قالَ: وعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ ما صَنَعُوا.

الحج 22:42

. قَوْلُهُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ إلَخْ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَةٌ لَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ لَهُ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ لَهُ كَما أهْلَكَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ لِمَن كانَ قَبْلَهُ. وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ والِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَمِ وما كانَ مِنهم ومِن أنْبِيائِهِمْ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. وإنَّما غَيَّرَ النَّظْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ فَجاءَ بِالفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قَوْمَ مُوسى لَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُهم مِنَ القِبْطِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أخَّرْتُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ وأمْهَلَتْهم والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإمْهالِ عَلى التَّكْذِيبِ (p-٩٦٨)ثُمَّ أخَذْتُهم أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالعَذابِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإمْهالِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ وتَغَيُّرُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وإهْلاكُهم، والنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ المُنْكَرِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ثُمَّ أخَذَتُهم فَأنْكَرْتُ أبْلَغَ إنْكارٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّكِيرُ والإنْكارُ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ عَذَّبَ أهْلَ القُرى المُكَذِّبَةِ فَقالَ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَكْنا أهْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ في آلِ عِمْرانَ، وقُرِئَ ( أهْلَكْتُها )، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْناها، لا عَلى ( ظالِمَةٌ ) لِأنَّها حالِيَّةٌ، والعَذابُ لَيْسَ في حالِ الظُّلْمِ، والمُرادُ بِنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها نِسْبَتُهُ إلى أهْلِها: والخَواءُ: بِمَعْنى السُّقُوطِ أيْ: فَهي ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ عَلى سُقُوفِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ سُكّانِها حَتّى تَهَدَّمَتْ فَسَقَطَتْ حِيطانُها فَوْقَ سُقُوفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ، والمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن أهْلِ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عُرُوشِها، والمُرادُ بِالمُعَطَّلَةِ المَتْرُوكَةُ. وقِيلَ: الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها لِهَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الغائِرَةُ، وقِيلَ: مُعَطَّلَةٌ مِنَ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، والقَصْرُ المَشِيدُ هو المَرْفُوعُ البُنْيانِ كَذا قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ أيْ: رَفَعَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِالمَشِيدِ المُجَصَّصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيدِ، وهو الجَصُّ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎لا تَحْسَبَنِّي وإنْ كُنْتُ امْرَأً غَمِرًا ∗∗∗ كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وقِيلَ: المَشِيدُ الحَصِينُ قالَهُ الكَلْبِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَشِيدُ المَعْمُولُ بِالشِّيدِ، والشِّيدُ بِالكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طَلَيْتُ بِهِ الحائِطَ مِن جِصٍّ أوْ بَلاطٍ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، تَقُولُ شادَهُ يَشِيدُهُ جَصَّصَهُ، والمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ المُطَوَّلُ. قالَ الكِسائِيُّ: لِلْواحِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والمَعْنى المَعْنِيُّ: وكَمْ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ مُعَطَّلٍ مِثْلِ البِئْرِ المُعَطَّلَةِ ؟ ومَعْنى التَّعْطِيلُ في القَصْرِ هو أنَّهُ مُعَطَّلٌ مِن أهْلِهِ، أوْ مِن آلاتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ويُقالُ إنَّ هَذِهِ البِئْرَ والقَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ، فالقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابُ القَصْرِ مُلُوكُ الحَضَرِ، وأصْحابُ البِئْرِ مُلُوكُ البَدْوِ. حَكى الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ البِئْرَ كانَ بَعَدَنَ مِنَ اليَمَنِ في بَلَدٍ يُقالُ لَها حَضُوراءُ، نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصالِحٍ ونَجَوا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتُ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُوراءَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وأمّا القَصْرُ المُشَيَّدُ فَقَصْرٌ بَناهُ شَدّادُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ، لَمْ يُبْنَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فِيما ذَكَرُوا وزَعَمُوا، وحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذِهِ البِئْرِ المَذْكُورَةِ في إيحاشِهِ بَعْدَ الأُنْسِ، وإقْفارِهِ بَعْدَ العُمْرانِ، وأنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ عَلى أمْيالٍ، لِما يَسْمَعُ فِيهِ مِن عَزِيفِ الجِنِّ والأصْواتِ المُنْكَرَةِ بَعْدَ النَّعِيمِ والعَيْشِ الرَّغَدِ وبَهاءِ المُلْكِ، وانْتِظامِ الأهْلِ كالسِّلْكِ فَبادَرُوا وما عادُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً وعِبْرَةً. قالَ: وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بُخْتَنَصَّرُ عَلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] فَتَعَطَّلَتْ بِئْرُهم وخُرِّبَتْ قُصُورُهُمُ انْتَهى. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَدَمَ اعْتِبارِها بِهَذِهِ الآثارِ قائِلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثًّا لَهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ تِلْكَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ولَمْ يَعْتَبِرُوا، فَلِهَذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أنَّهم بِسَبَبِ ما شاهَدُوا مِنَ العِبَرِ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يَتَعَقَّلُوهُ وأسْنَدَ التَّعَقُّلَ إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّها مَحَلُّ العَقْلِ، كَما أنَّ الآذانَ مَحَلُّ السَّمْعِ، وقِيلَ: إنَّ العَقْلَ مَحَلُّهُ الدِّماغُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى إدْراكِ العَقْلِ وإنْ كانَ مَحَلُّهُ خارِجًا عَنْهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ المَعْقُولِ في مَحَلِّ العَقْلِ وماهِيَّتِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ ما يَجِبُ أنْ يَسْمَعُوهُ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم مِن كَلامِ اللَّهِ، وما نَقَلَهُ أهْلُ الأخْبارِ إلَيْهِمْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ عِمادٌ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( فَإنَّهُ )، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى واحِدٌ، التَّذْكِيرُ عَلى الخَبَرِ، والتَّأْنِيثُ عَلى الأبْصارِ أوِ القِصَّةِ أيْ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، أوْ فَإنَّ القِصَّةَ لا تُعْمِي الأبْصارَ أيْ: أبْصارَ العُيُونِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ أيْ لا تُدْرِكُ عُقُولُهم مُواطِنَ الحَقِّ ومَواضِعَ الِاعْتِبارِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تَزِيدُهُ العَرَبُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، و﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾، [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ أشَدَّ إنْكارٍ، فاسْتِعْجالُهم لَهُ هو عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِهِمْ لِما تَقُولُهُ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ وحُلُولِهِ بِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وإنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفَ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ مِنَ العَذابِ وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ انْتَهى. ومَحَلُّ جُمْلَةِ: ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ (p-٩٦٩)النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوْ هي اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ، وخِطابُهم في ذَلِكَ بِبَيانِ كَمالِ حِلْمِهِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ كالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِامْتِدادِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أيْ: يَوْمٌ مِن أيّامِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ يَوْمًا مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا فِيها خَوْفٌ وشِدَّةٌ، وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ قِياسًا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مِمّا تَعُدُّونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ. ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ. قِيلَ وتَكْرِيرُ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سِيقَ لِبَيانِ الإهْلاكِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ولِهَذا عُطِفَ بِالفاءِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، والثّانِي سِيقَ لِبَيانِ الإمْلاءِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أمْهَلْتُهم حِينًا، ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ ومَرْجِعُ الكُلِّ إلى حُكْمِي. فَجُمْلَةُ: وإلَيَّ المَصِيرُ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ لَهم بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ مُبَيِّنٌ لَهم ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ. فَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فازَ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وهو الجَنَّةُ. ومَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو في النّارِ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِ اللَّهِ مُعاجِزِينَ، يُقالُ عاجَزَهُ سابَقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ ومُقَدِّرِينَ أنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَفُوتُوهُ فَلا يُعَذِّبُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مُعانِدِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ: خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطَّلَها أهْلُها وتَرَكُوها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: شَيَّدُوهُ وحَصَّنُوهُ فَهَلَكُوا وتَرَكُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قالَ: الَّتِي تُرِكَتْ لا أهْلَ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: هو المُجَصَّصُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ في الآيَةِ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدُّنْيا جُمْعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، فَقَدْ مَضى مِنها سِتَّةُ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُعاجِزِينَ قالَ: مُراغِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُشاقِينَ.

الحج 22:43

. قَوْلُهُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ إلَخْ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَةٌ لَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ لَهُ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ لَهُ كَما أهْلَكَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ لِمَن كانَ قَبْلَهُ. وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ والِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَمِ وما كانَ مِنهم ومِن أنْبِيائِهِمْ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. وإنَّما غَيَّرَ النَّظْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ فَجاءَ بِالفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قَوْمَ مُوسى لَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُهم مِنَ القِبْطِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أخَّرْتُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ وأمْهَلَتْهم والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإمْهالِ عَلى التَّكْذِيبِ (p-٩٦٨)ثُمَّ أخَذْتُهم أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالعَذابِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإمْهالِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ وتَغَيُّرُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وإهْلاكُهم، والنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ المُنْكَرِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ثُمَّ أخَذَتُهم فَأنْكَرْتُ أبْلَغَ إنْكارٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّكِيرُ والإنْكارُ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ عَذَّبَ أهْلَ القُرى المُكَذِّبَةِ فَقالَ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَكْنا أهْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ في آلِ عِمْرانَ، وقُرِئَ ( أهْلَكْتُها )، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْناها، لا عَلى ( ظالِمَةٌ ) لِأنَّها حالِيَّةٌ، والعَذابُ لَيْسَ في حالِ الظُّلْمِ، والمُرادُ بِنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها نِسْبَتُهُ إلى أهْلِها: والخَواءُ: بِمَعْنى السُّقُوطِ أيْ: فَهي ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ عَلى سُقُوفِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ سُكّانِها حَتّى تَهَدَّمَتْ فَسَقَطَتْ حِيطانُها فَوْقَ سُقُوفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ، والمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن أهْلِ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عُرُوشِها، والمُرادُ بِالمُعَطَّلَةِ المَتْرُوكَةُ. وقِيلَ: الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها لِهَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الغائِرَةُ، وقِيلَ: مُعَطَّلَةٌ مِنَ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، والقَصْرُ المَشِيدُ هو المَرْفُوعُ البُنْيانِ كَذا قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ أيْ: رَفَعَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِالمَشِيدِ المُجَصَّصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيدِ، وهو الجَصُّ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎لا تَحْسَبَنِّي وإنْ كُنْتُ امْرَأً غَمِرًا ∗∗∗ كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وقِيلَ: المَشِيدُ الحَصِينُ قالَهُ الكَلْبِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَشِيدُ المَعْمُولُ بِالشِّيدِ، والشِّيدُ بِالكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طَلَيْتُ بِهِ الحائِطَ مِن جِصٍّ أوْ بَلاطٍ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، تَقُولُ شادَهُ يَشِيدُهُ جَصَّصَهُ، والمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ المُطَوَّلُ. قالَ الكِسائِيُّ: لِلْواحِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والمَعْنى المَعْنِيُّ: وكَمْ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ مُعَطَّلٍ مِثْلِ البِئْرِ المُعَطَّلَةِ ؟ ومَعْنى التَّعْطِيلُ في القَصْرِ هو أنَّهُ مُعَطَّلٌ مِن أهْلِهِ، أوْ مِن آلاتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ويُقالُ إنَّ هَذِهِ البِئْرَ والقَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ، فالقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابُ القَصْرِ مُلُوكُ الحَضَرِ، وأصْحابُ البِئْرِ مُلُوكُ البَدْوِ. حَكى الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ البِئْرَ كانَ بَعَدَنَ مِنَ اليَمَنِ في بَلَدٍ يُقالُ لَها حَضُوراءُ، نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصالِحٍ ونَجَوا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتُ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُوراءَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وأمّا القَصْرُ المُشَيَّدُ فَقَصْرٌ بَناهُ شَدّادُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ، لَمْ يُبْنَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فِيما ذَكَرُوا وزَعَمُوا، وحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذِهِ البِئْرِ المَذْكُورَةِ في إيحاشِهِ بَعْدَ الأُنْسِ، وإقْفارِهِ بَعْدَ العُمْرانِ، وأنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ عَلى أمْيالٍ، لِما يَسْمَعُ فِيهِ مِن عَزِيفِ الجِنِّ والأصْواتِ المُنْكَرَةِ بَعْدَ النَّعِيمِ والعَيْشِ الرَّغَدِ وبَهاءِ المُلْكِ، وانْتِظامِ الأهْلِ كالسِّلْكِ فَبادَرُوا وما عادُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً وعِبْرَةً. قالَ: وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بُخْتَنَصَّرُ عَلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] فَتَعَطَّلَتْ بِئْرُهم وخُرِّبَتْ قُصُورُهُمُ انْتَهى. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَدَمَ اعْتِبارِها بِهَذِهِ الآثارِ قائِلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثًّا لَهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ تِلْكَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ولَمْ يَعْتَبِرُوا، فَلِهَذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أنَّهم بِسَبَبِ ما شاهَدُوا مِنَ العِبَرِ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يَتَعَقَّلُوهُ وأسْنَدَ التَّعَقُّلَ إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّها مَحَلُّ العَقْلِ، كَما أنَّ الآذانَ مَحَلُّ السَّمْعِ، وقِيلَ: إنَّ العَقْلَ مَحَلُّهُ الدِّماغُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى إدْراكِ العَقْلِ وإنْ كانَ مَحَلُّهُ خارِجًا عَنْهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ المَعْقُولِ في مَحَلِّ العَقْلِ وماهِيَّتِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ ما يَجِبُ أنْ يَسْمَعُوهُ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم مِن كَلامِ اللَّهِ، وما نَقَلَهُ أهْلُ الأخْبارِ إلَيْهِمْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ عِمادٌ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( فَإنَّهُ )، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى واحِدٌ، التَّذْكِيرُ عَلى الخَبَرِ، والتَّأْنِيثُ عَلى الأبْصارِ أوِ القِصَّةِ أيْ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، أوْ فَإنَّ القِصَّةَ لا تُعْمِي الأبْصارَ أيْ: أبْصارَ العُيُونِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ أيْ لا تُدْرِكُ عُقُولُهم مُواطِنَ الحَقِّ ومَواضِعَ الِاعْتِبارِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تَزِيدُهُ العَرَبُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، و﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾، [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ أشَدَّ إنْكارٍ، فاسْتِعْجالُهم لَهُ هو عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِهِمْ لِما تَقُولُهُ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ وحُلُولِهِ بِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وإنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفَ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ مِنَ العَذابِ وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ انْتَهى. ومَحَلُّ جُمْلَةِ: ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ (p-٩٦٩)النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوْ هي اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ، وخِطابُهم في ذَلِكَ بِبَيانِ كَمالِ حِلْمِهِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ كالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِامْتِدادِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أيْ: يَوْمٌ مِن أيّامِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ يَوْمًا مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا فِيها خَوْفٌ وشِدَّةٌ، وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ قِياسًا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مِمّا تَعُدُّونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ. ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ. قِيلَ وتَكْرِيرُ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سِيقَ لِبَيانِ الإهْلاكِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ولِهَذا عُطِفَ بِالفاءِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، والثّانِي سِيقَ لِبَيانِ الإمْلاءِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أمْهَلْتُهم حِينًا، ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ ومَرْجِعُ الكُلِّ إلى حُكْمِي. فَجُمْلَةُ: وإلَيَّ المَصِيرُ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ لَهم بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ مُبَيِّنٌ لَهم ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ. فَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فازَ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وهو الجَنَّةُ. ومَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو في النّارِ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِ اللَّهِ مُعاجِزِينَ، يُقالُ عاجَزَهُ سابَقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ ومُقَدِّرِينَ أنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَفُوتُوهُ فَلا يُعَذِّبُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مُعانِدِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ: خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطَّلَها أهْلُها وتَرَكُوها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: شَيَّدُوهُ وحَصَّنُوهُ فَهَلَكُوا وتَرَكُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قالَ: الَّتِي تُرِكَتْ لا أهْلَ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: هو المُجَصَّصُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ في الآيَةِ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدُّنْيا جُمْعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، فَقَدْ مَضى مِنها سِتَّةُ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُعاجِزِينَ قالَ: مُراغِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُشاقِينَ.

الحج 22:44

. قَوْلُهُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ إلَخْ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَةٌ لَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ لَهُ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ لَهُ كَما أهْلَكَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ لِمَن كانَ قَبْلَهُ. وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ والِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَمِ وما كانَ مِنهم ومِن أنْبِيائِهِمْ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. وإنَّما غَيَّرَ النَّظْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ فَجاءَ بِالفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قَوْمَ مُوسى لَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُهم مِنَ القِبْطِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أخَّرْتُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ وأمْهَلَتْهم والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإمْهالِ عَلى التَّكْذِيبِ (p-٩٦٨)ثُمَّ أخَذْتُهم أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالعَذابِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإمْهالِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ وتَغَيُّرُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وإهْلاكُهم، والنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ المُنْكَرِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ثُمَّ أخَذَتُهم فَأنْكَرْتُ أبْلَغَ إنْكارٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّكِيرُ والإنْكارُ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ عَذَّبَ أهْلَ القُرى المُكَذِّبَةِ فَقالَ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَكْنا أهْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ في آلِ عِمْرانَ، وقُرِئَ ( أهْلَكْتُها )، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْناها، لا عَلى ( ظالِمَةٌ ) لِأنَّها حالِيَّةٌ، والعَذابُ لَيْسَ في حالِ الظُّلْمِ، والمُرادُ بِنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها نِسْبَتُهُ إلى أهْلِها: والخَواءُ: بِمَعْنى السُّقُوطِ أيْ: فَهي ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ عَلى سُقُوفِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ سُكّانِها حَتّى تَهَدَّمَتْ فَسَقَطَتْ حِيطانُها فَوْقَ سُقُوفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ، والمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن أهْلِ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عُرُوشِها، والمُرادُ بِالمُعَطَّلَةِ المَتْرُوكَةُ. وقِيلَ: الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها لِهَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الغائِرَةُ، وقِيلَ: مُعَطَّلَةٌ مِنَ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، والقَصْرُ المَشِيدُ هو المَرْفُوعُ البُنْيانِ كَذا قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ أيْ: رَفَعَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِالمَشِيدِ المُجَصَّصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيدِ، وهو الجَصُّ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎لا تَحْسَبَنِّي وإنْ كُنْتُ امْرَأً غَمِرًا ∗∗∗ كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وقِيلَ: المَشِيدُ الحَصِينُ قالَهُ الكَلْبِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَشِيدُ المَعْمُولُ بِالشِّيدِ، والشِّيدُ بِالكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طَلَيْتُ بِهِ الحائِطَ مِن جِصٍّ أوْ بَلاطٍ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، تَقُولُ شادَهُ يَشِيدُهُ جَصَّصَهُ، والمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ المُطَوَّلُ. قالَ الكِسائِيُّ: لِلْواحِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والمَعْنى المَعْنِيُّ: وكَمْ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ مُعَطَّلٍ مِثْلِ البِئْرِ المُعَطَّلَةِ ؟ ومَعْنى التَّعْطِيلُ في القَصْرِ هو أنَّهُ مُعَطَّلٌ مِن أهْلِهِ، أوْ مِن آلاتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ويُقالُ إنَّ هَذِهِ البِئْرَ والقَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ، فالقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابُ القَصْرِ مُلُوكُ الحَضَرِ، وأصْحابُ البِئْرِ مُلُوكُ البَدْوِ. حَكى الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ البِئْرَ كانَ بَعَدَنَ مِنَ اليَمَنِ في بَلَدٍ يُقالُ لَها حَضُوراءُ، نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصالِحٍ ونَجَوا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتُ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُوراءَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وأمّا القَصْرُ المُشَيَّدُ فَقَصْرٌ بَناهُ شَدّادُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ، لَمْ يُبْنَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فِيما ذَكَرُوا وزَعَمُوا، وحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذِهِ البِئْرِ المَذْكُورَةِ في إيحاشِهِ بَعْدَ الأُنْسِ، وإقْفارِهِ بَعْدَ العُمْرانِ، وأنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ عَلى أمْيالٍ، لِما يَسْمَعُ فِيهِ مِن عَزِيفِ الجِنِّ والأصْواتِ المُنْكَرَةِ بَعْدَ النَّعِيمِ والعَيْشِ الرَّغَدِ وبَهاءِ المُلْكِ، وانْتِظامِ الأهْلِ كالسِّلْكِ فَبادَرُوا وما عادُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً وعِبْرَةً. قالَ: وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بُخْتَنَصَّرُ عَلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] فَتَعَطَّلَتْ بِئْرُهم وخُرِّبَتْ قُصُورُهُمُ انْتَهى. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَدَمَ اعْتِبارِها بِهَذِهِ الآثارِ قائِلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثًّا لَهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ تِلْكَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ولَمْ يَعْتَبِرُوا، فَلِهَذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أنَّهم بِسَبَبِ ما شاهَدُوا مِنَ العِبَرِ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يَتَعَقَّلُوهُ وأسْنَدَ التَّعَقُّلَ إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّها مَحَلُّ العَقْلِ، كَما أنَّ الآذانَ مَحَلُّ السَّمْعِ، وقِيلَ: إنَّ العَقْلَ مَحَلُّهُ الدِّماغُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى إدْراكِ العَقْلِ وإنْ كانَ مَحَلُّهُ خارِجًا عَنْهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ المَعْقُولِ في مَحَلِّ العَقْلِ وماهِيَّتِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ ما يَجِبُ أنْ يَسْمَعُوهُ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم مِن كَلامِ اللَّهِ، وما نَقَلَهُ أهْلُ الأخْبارِ إلَيْهِمْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ عِمادٌ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( فَإنَّهُ )، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى واحِدٌ، التَّذْكِيرُ عَلى الخَبَرِ، والتَّأْنِيثُ عَلى الأبْصارِ أوِ القِصَّةِ أيْ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، أوْ فَإنَّ القِصَّةَ لا تُعْمِي الأبْصارَ أيْ: أبْصارَ العُيُونِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ أيْ لا تُدْرِكُ عُقُولُهم مُواطِنَ الحَقِّ ومَواضِعَ الِاعْتِبارِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تَزِيدُهُ العَرَبُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، و﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾، [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ أشَدَّ إنْكارٍ، فاسْتِعْجالُهم لَهُ هو عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِهِمْ لِما تَقُولُهُ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ وحُلُولِهِ بِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وإنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفَ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ مِنَ العَذابِ وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ انْتَهى. ومَحَلُّ جُمْلَةِ: ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ (p-٩٦٩)النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوْ هي اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ، وخِطابُهم في ذَلِكَ بِبَيانِ كَمالِ حِلْمِهِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ كالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِامْتِدادِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أيْ: يَوْمٌ مِن أيّامِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ يَوْمًا مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا فِيها خَوْفٌ وشِدَّةٌ، وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ قِياسًا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مِمّا تَعُدُّونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ. ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ. قِيلَ وتَكْرِيرُ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سِيقَ لِبَيانِ الإهْلاكِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ولِهَذا عُطِفَ بِالفاءِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، والثّانِي سِيقَ لِبَيانِ الإمْلاءِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أمْهَلْتُهم حِينًا، ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ ومَرْجِعُ الكُلِّ إلى حُكْمِي. فَجُمْلَةُ: وإلَيَّ المَصِيرُ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ لَهم بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ مُبَيِّنٌ لَهم ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ. فَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فازَ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وهو الجَنَّةُ. ومَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو في النّارِ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِ اللَّهِ مُعاجِزِينَ، يُقالُ عاجَزَهُ سابَقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ ومُقَدِّرِينَ أنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَفُوتُوهُ فَلا يُعَذِّبُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مُعانِدِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ: خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطَّلَها أهْلُها وتَرَكُوها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: شَيَّدُوهُ وحَصَّنُوهُ فَهَلَكُوا وتَرَكُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قالَ: الَّتِي تُرِكَتْ لا أهْلَ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: هو المُجَصَّصُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ في الآيَةِ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدُّنْيا جُمْعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، فَقَدْ مَضى مِنها سِتَّةُ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُعاجِزِينَ قالَ: مُراغِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُشاقِينَ.

الحج 22:45

. قَوْلُهُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ إلَخْ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَةٌ لَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ لَهُ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ لَهُ كَما أهْلَكَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ لِمَن كانَ قَبْلَهُ. وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ والِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَمِ وما كانَ مِنهم ومِن أنْبِيائِهِمْ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. وإنَّما غَيَّرَ النَّظْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ فَجاءَ بِالفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قَوْمَ مُوسى لَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُهم مِنَ القِبْطِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أخَّرْتُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ وأمْهَلَتْهم والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإمْهالِ عَلى التَّكْذِيبِ (p-٩٦٨)ثُمَّ أخَذْتُهم أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالعَذابِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإمْهالِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ وتَغَيُّرُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وإهْلاكُهم، والنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ المُنْكَرِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ثُمَّ أخَذَتُهم فَأنْكَرْتُ أبْلَغَ إنْكارٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّكِيرُ والإنْكارُ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ عَذَّبَ أهْلَ القُرى المُكَذِّبَةِ فَقالَ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَكْنا أهْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ في آلِ عِمْرانَ، وقُرِئَ ( أهْلَكْتُها )، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْناها، لا عَلى ( ظالِمَةٌ ) لِأنَّها حالِيَّةٌ، والعَذابُ لَيْسَ في حالِ الظُّلْمِ، والمُرادُ بِنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها نِسْبَتُهُ إلى أهْلِها: والخَواءُ: بِمَعْنى السُّقُوطِ أيْ: فَهي ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ عَلى سُقُوفِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ سُكّانِها حَتّى تَهَدَّمَتْ فَسَقَطَتْ حِيطانُها فَوْقَ سُقُوفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ، والمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن أهْلِ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عُرُوشِها، والمُرادُ بِالمُعَطَّلَةِ المَتْرُوكَةُ. وقِيلَ: الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها لِهَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الغائِرَةُ، وقِيلَ: مُعَطَّلَةٌ مِنَ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، والقَصْرُ المَشِيدُ هو المَرْفُوعُ البُنْيانِ كَذا قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ أيْ: رَفَعَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِالمَشِيدِ المُجَصَّصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيدِ، وهو الجَصُّ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎لا تَحْسَبَنِّي وإنْ كُنْتُ امْرَأً غَمِرًا ∗∗∗ كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وقِيلَ: المَشِيدُ الحَصِينُ قالَهُ الكَلْبِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَشِيدُ المَعْمُولُ بِالشِّيدِ، والشِّيدُ بِالكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طَلَيْتُ بِهِ الحائِطَ مِن جِصٍّ أوْ بَلاطٍ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، تَقُولُ شادَهُ يَشِيدُهُ جَصَّصَهُ، والمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ المُطَوَّلُ. قالَ الكِسائِيُّ: لِلْواحِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والمَعْنى المَعْنِيُّ: وكَمْ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ مُعَطَّلٍ مِثْلِ البِئْرِ المُعَطَّلَةِ ؟ ومَعْنى التَّعْطِيلُ في القَصْرِ هو أنَّهُ مُعَطَّلٌ مِن أهْلِهِ، أوْ مِن آلاتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ويُقالُ إنَّ هَذِهِ البِئْرَ والقَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ، فالقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابُ القَصْرِ مُلُوكُ الحَضَرِ، وأصْحابُ البِئْرِ مُلُوكُ البَدْوِ. حَكى الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ البِئْرَ كانَ بَعَدَنَ مِنَ اليَمَنِ في بَلَدٍ يُقالُ لَها حَضُوراءُ، نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصالِحٍ ونَجَوا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتُ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُوراءَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وأمّا القَصْرُ المُشَيَّدُ فَقَصْرٌ بَناهُ شَدّادُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ، لَمْ يُبْنَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فِيما ذَكَرُوا وزَعَمُوا، وحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذِهِ البِئْرِ المَذْكُورَةِ في إيحاشِهِ بَعْدَ الأُنْسِ، وإقْفارِهِ بَعْدَ العُمْرانِ، وأنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ عَلى أمْيالٍ، لِما يَسْمَعُ فِيهِ مِن عَزِيفِ الجِنِّ والأصْواتِ المُنْكَرَةِ بَعْدَ النَّعِيمِ والعَيْشِ الرَّغَدِ وبَهاءِ المُلْكِ، وانْتِظامِ الأهْلِ كالسِّلْكِ فَبادَرُوا وما عادُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً وعِبْرَةً. قالَ: وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بُخْتَنَصَّرُ عَلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] فَتَعَطَّلَتْ بِئْرُهم وخُرِّبَتْ قُصُورُهُمُ انْتَهى. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَدَمَ اعْتِبارِها بِهَذِهِ الآثارِ قائِلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثًّا لَهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ تِلْكَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ولَمْ يَعْتَبِرُوا، فَلِهَذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أنَّهم بِسَبَبِ ما شاهَدُوا مِنَ العِبَرِ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يَتَعَقَّلُوهُ وأسْنَدَ التَّعَقُّلَ إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّها مَحَلُّ العَقْلِ، كَما أنَّ الآذانَ مَحَلُّ السَّمْعِ، وقِيلَ: إنَّ العَقْلَ مَحَلُّهُ الدِّماغُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى إدْراكِ العَقْلِ وإنْ كانَ مَحَلُّهُ خارِجًا عَنْهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ المَعْقُولِ في مَحَلِّ العَقْلِ وماهِيَّتِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ ما يَجِبُ أنْ يَسْمَعُوهُ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم مِن كَلامِ اللَّهِ، وما نَقَلَهُ أهْلُ الأخْبارِ إلَيْهِمْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ عِمادٌ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( فَإنَّهُ )، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى واحِدٌ، التَّذْكِيرُ عَلى الخَبَرِ، والتَّأْنِيثُ عَلى الأبْصارِ أوِ القِصَّةِ أيْ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، أوْ فَإنَّ القِصَّةَ لا تُعْمِي الأبْصارَ أيْ: أبْصارَ العُيُونِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ أيْ لا تُدْرِكُ عُقُولُهم مُواطِنَ الحَقِّ ومَواضِعَ الِاعْتِبارِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تَزِيدُهُ العَرَبُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، و﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾، [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ أشَدَّ إنْكارٍ، فاسْتِعْجالُهم لَهُ هو عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِهِمْ لِما تَقُولُهُ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ وحُلُولِهِ بِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وإنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفَ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ مِنَ العَذابِ وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ انْتَهى. ومَحَلُّ جُمْلَةِ: ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ (p-٩٦٩)النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوْ هي اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ، وخِطابُهم في ذَلِكَ بِبَيانِ كَمالِ حِلْمِهِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ كالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِامْتِدادِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أيْ: يَوْمٌ مِن أيّامِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ يَوْمًا مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا فِيها خَوْفٌ وشِدَّةٌ، وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ قِياسًا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مِمّا تَعُدُّونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ. ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ. قِيلَ وتَكْرِيرُ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سِيقَ لِبَيانِ الإهْلاكِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ولِهَذا عُطِفَ بِالفاءِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، والثّانِي سِيقَ لِبَيانِ الإمْلاءِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أمْهَلْتُهم حِينًا، ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ ومَرْجِعُ الكُلِّ إلى حُكْمِي. فَجُمْلَةُ: وإلَيَّ المَصِيرُ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ لَهم بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ مُبَيِّنٌ لَهم ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ. فَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فازَ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وهو الجَنَّةُ. ومَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو في النّارِ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِ اللَّهِ مُعاجِزِينَ، يُقالُ عاجَزَهُ سابَقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ ومُقَدِّرِينَ أنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَفُوتُوهُ فَلا يُعَذِّبُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مُعانِدِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ: خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطَّلَها أهْلُها وتَرَكُوها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: شَيَّدُوهُ وحَصَّنُوهُ فَهَلَكُوا وتَرَكُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قالَ: الَّتِي تُرِكَتْ لا أهْلَ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: هو المُجَصَّصُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ في الآيَةِ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدُّنْيا جُمْعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، فَقَدْ مَضى مِنها سِتَّةُ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُعاجِزِينَ قالَ: مُراغِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُشاقِينَ.

الحج 22:46

. قَوْلُهُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ إلَخْ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَةٌ لَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ لَهُ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ لَهُ كَما أهْلَكَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ لِمَن كانَ قَبْلَهُ. وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ والِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَمِ وما كانَ مِنهم ومِن أنْبِيائِهِمْ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. وإنَّما غَيَّرَ النَّظْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ فَجاءَ بِالفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قَوْمَ مُوسى لَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُهم مِنَ القِبْطِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أخَّرْتُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ وأمْهَلَتْهم والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإمْهالِ عَلى التَّكْذِيبِ (p-٩٦٨)ثُمَّ أخَذْتُهم أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالعَذابِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإمْهالِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ وتَغَيُّرُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وإهْلاكُهم، والنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ المُنْكَرِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ثُمَّ أخَذَتُهم فَأنْكَرْتُ أبْلَغَ إنْكارٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّكِيرُ والإنْكارُ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ عَذَّبَ أهْلَ القُرى المُكَذِّبَةِ فَقالَ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَكْنا أهْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ في آلِ عِمْرانَ، وقُرِئَ ( أهْلَكْتُها )، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْناها، لا عَلى ( ظالِمَةٌ ) لِأنَّها حالِيَّةٌ، والعَذابُ لَيْسَ في حالِ الظُّلْمِ، والمُرادُ بِنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها نِسْبَتُهُ إلى أهْلِها: والخَواءُ: بِمَعْنى السُّقُوطِ أيْ: فَهي ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ عَلى سُقُوفِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ سُكّانِها حَتّى تَهَدَّمَتْ فَسَقَطَتْ حِيطانُها فَوْقَ سُقُوفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ، والمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن أهْلِ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عُرُوشِها، والمُرادُ بِالمُعَطَّلَةِ المَتْرُوكَةُ. وقِيلَ: الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها لِهَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الغائِرَةُ، وقِيلَ: مُعَطَّلَةٌ مِنَ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، والقَصْرُ المَشِيدُ هو المَرْفُوعُ البُنْيانِ كَذا قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ أيْ: رَفَعَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِالمَشِيدِ المُجَصَّصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيدِ، وهو الجَصُّ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎لا تَحْسَبَنِّي وإنْ كُنْتُ امْرَأً غَمِرًا ∗∗∗ كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وقِيلَ: المَشِيدُ الحَصِينُ قالَهُ الكَلْبِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَشِيدُ المَعْمُولُ بِالشِّيدِ، والشِّيدُ بِالكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طَلَيْتُ بِهِ الحائِطَ مِن جِصٍّ أوْ بَلاطٍ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، تَقُولُ شادَهُ يَشِيدُهُ جَصَّصَهُ، والمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ المُطَوَّلُ. قالَ الكِسائِيُّ: لِلْواحِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والمَعْنى المَعْنِيُّ: وكَمْ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ مُعَطَّلٍ مِثْلِ البِئْرِ المُعَطَّلَةِ ؟ ومَعْنى التَّعْطِيلُ في القَصْرِ هو أنَّهُ مُعَطَّلٌ مِن أهْلِهِ، أوْ مِن آلاتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ويُقالُ إنَّ هَذِهِ البِئْرَ والقَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ، فالقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابُ القَصْرِ مُلُوكُ الحَضَرِ، وأصْحابُ البِئْرِ مُلُوكُ البَدْوِ. حَكى الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ البِئْرَ كانَ بَعَدَنَ مِنَ اليَمَنِ في بَلَدٍ يُقالُ لَها حَضُوراءُ، نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصالِحٍ ونَجَوا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتُ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُوراءَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وأمّا القَصْرُ المُشَيَّدُ فَقَصْرٌ بَناهُ شَدّادُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ، لَمْ يُبْنَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فِيما ذَكَرُوا وزَعَمُوا، وحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذِهِ البِئْرِ المَذْكُورَةِ في إيحاشِهِ بَعْدَ الأُنْسِ، وإقْفارِهِ بَعْدَ العُمْرانِ، وأنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ عَلى أمْيالٍ، لِما يَسْمَعُ فِيهِ مِن عَزِيفِ الجِنِّ والأصْواتِ المُنْكَرَةِ بَعْدَ النَّعِيمِ والعَيْشِ الرَّغَدِ وبَهاءِ المُلْكِ، وانْتِظامِ الأهْلِ كالسِّلْكِ فَبادَرُوا وما عادُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً وعِبْرَةً. قالَ: وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بُخْتَنَصَّرُ عَلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] فَتَعَطَّلَتْ بِئْرُهم وخُرِّبَتْ قُصُورُهُمُ انْتَهى. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَدَمَ اعْتِبارِها بِهَذِهِ الآثارِ قائِلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثًّا لَهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ تِلْكَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ولَمْ يَعْتَبِرُوا، فَلِهَذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أنَّهم بِسَبَبِ ما شاهَدُوا مِنَ العِبَرِ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يَتَعَقَّلُوهُ وأسْنَدَ التَّعَقُّلَ إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّها مَحَلُّ العَقْلِ، كَما أنَّ الآذانَ مَحَلُّ السَّمْعِ، وقِيلَ: إنَّ العَقْلَ مَحَلُّهُ الدِّماغُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى إدْراكِ العَقْلِ وإنْ كانَ مَحَلُّهُ خارِجًا عَنْهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ المَعْقُولِ في مَحَلِّ العَقْلِ وماهِيَّتِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ ما يَجِبُ أنْ يَسْمَعُوهُ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم مِن كَلامِ اللَّهِ، وما نَقَلَهُ أهْلُ الأخْبارِ إلَيْهِمْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ عِمادٌ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( فَإنَّهُ )، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى واحِدٌ، التَّذْكِيرُ عَلى الخَبَرِ، والتَّأْنِيثُ عَلى الأبْصارِ أوِ القِصَّةِ أيْ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، أوْ فَإنَّ القِصَّةَ لا تُعْمِي الأبْصارَ أيْ: أبْصارَ العُيُونِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ أيْ لا تُدْرِكُ عُقُولُهم مُواطِنَ الحَقِّ ومَواضِعَ الِاعْتِبارِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تَزِيدُهُ العَرَبُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، و﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾، [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ أشَدَّ إنْكارٍ، فاسْتِعْجالُهم لَهُ هو عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِهِمْ لِما تَقُولُهُ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ وحُلُولِهِ بِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وإنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفَ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ مِنَ العَذابِ وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ انْتَهى. ومَحَلُّ جُمْلَةِ: ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ (p-٩٦٩)النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوْ هي اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ، وخِطابُهم في ذَلِكَ بِبَيانِ كَمالِ حِلْمِهِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ كالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِامْتِدادِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أيْ: يَوْمٌ مِن أيّامِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ يَوْمًا مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا فِيها خَوْفٌ وشِدَّةٌ، وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ قِياسًا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مِمّا تَعُدُّونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ. ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ. قِيلَ وتَكْرِيرُ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سِيقَ لِبَيانِ الإهْلاكِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ولِهَذا عُطِفَ بِالفاءِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، والثّانِي سِيقَ لِبَيانِ الإمْلاءِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أمْهَلْتُهم حِينًا، ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ ومَرْجِعُ الكُلِّ إلى حُكْمِي. فَجُمْلَةُ: وإلَيَّ المَصِيرُ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ لَهم بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ مُبَيِّنٌ لَهم ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ. فَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فازَ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وهو الجَنَّةُ. ومَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو في النّارِ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِ اللَّهِ مُعاجِزِينَ، يُقالُ عاجَزَهُ سابَقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ ومُقَدِّرِينَ أنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَفُوتُوهُ فَلا يُعَذِّبُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مُعانِدِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ: خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطَّلَها أهْلُها وتَرَكُوها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: شَيَّدُوهُ وحَصَّنُوهُ فَهَلَكُوا وتَرَكُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قالَ: الَّتِي تُرِكَتْ لا أهْلَ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: هو المُجَصَّصُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ في الآيَةِ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدُّنْيا جُمْعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، فَقَدْ مَضى مِنها سِتَّةُ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُعاجِزِينَ قالَ: مُراغِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُشاقِينَ.

الحج 22:47

. قَوْلُهُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ إلَخْ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَةٌ لَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ لَهُ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ لَهُ كَما أهْلَكَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ لِمَن كانَ قَبْلَهُ. وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ والِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَمِ وما كانَ مِنهم ومِن أنْبِيائِهِمْ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. وإنَّما غَيَّرَ النَّظْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ فَجاءَ بِالفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قَوْمَ مُوسى لَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُهم مِنَ القِبْطِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أخَّرْتُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ وأمْهَلَتْهم والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإمْهالِ عَلى التَّكْذِيبِ (p-٩٦٨)ثُمَّ أخَذْتُهم أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالعَذابِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإمْهالِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ وتَغَيُّرُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وإهْلاكُهم، والنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ المُنْكَرِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ثُمَّ أخَذَتُهم فَأنْكَرْتُ أبْلَغَ إنْكارٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّكِيرُ والإنْكارُ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ عَذَّبَ أهْلَ القُرى المُكَذِّبَةِ فَقالَ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَكْنا أهْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ في آلِ عِمْرانَ، وقُرِئَ ( أهْلَكْتُها )، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْناها، لا عَلى ( ظالِمَةٌ ) لِأنَّها حالِيَّةٌ، والعَذابُ لَيْسَ في حالِ الظُّلْمِ، والمُرادُ بِنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها نِسْبَتُهُ إلى أهْلِها: والخَواءُ: بِمَعْنى السُّقُوطِ أيْ: فَهي ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ عَلى سُقُوفِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ سُكّانِها حَتّى تَهَدَّمَتْ فَسَقَطَتْ حِيطانُها فَوْقَ سُقُوفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ، والمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن أهْلِ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عُرُوشِها، والمُرادُ بِالمُعَطَّلَةِ المَتْرُوكَةُ. وقِيلَ: الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها لِهَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الغائِرَةُ، وقِيلَ: مُعَطَّلَةٌ مِنَ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، والقَصْرُ المَشِيدُ هو المَرْفُوعُ البُنْيانِ كَذا قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ أيْ: رَفَعَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِالمَشِيدِ المُجَصَّصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيدِ، وهو الجَصُّ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎لا تَحْسَبَنِّي وإنْ كُنْتُ امْرَأً غَمِرًا ∗∗∗ كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وقِيلَ: المَشِيدُ الحَصِينُ قالَهُ الكَلْبِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَشِيدُ المَعْمُولُ بِالشِّيدِ، والشِّيدُ بِالكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طَلَيْتُ بِهِ الحائِطَ مِن جِصٍّ أوْ بَلاطٍ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، تَقُولُ شادَهُ يَشِيدُهُ جَصَّصَهُ، والمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ المُطَوَّلُ. قالَ الكِسائِيُّ: لِلْواحِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والمَعْنى المَعْنِيُّ: وكَمْ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ مُعَطَّلٍ مِثْلِ البِئْرِ المُعَطَّلَةِ ؟ ومَعْنى التَّعْطِيلُ في القَصْرِ هو أنَّهُ مُعَطَّلٌ مِن أهْلِهِ، أوْ مِن آلاتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ويُقالُ إنَّ هَذِهِ البِئْرَ والقَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ، فالقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابُ القَصْرِ مُلُوكُ الحَضَرِ، وأصْحابُ البِئْرِ مُلُوكُ البَدْوِ. حَكى الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ البِئْرَ كانَ بَعَدَنَ مِنَ اليَمَنِ في بَلَدٍ يُقالُ لَها حَضُوراءُ، نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصالِحٍ ونَجَوا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتُ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُوراءَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وأمّا القَصْرُ المُشَيَّدُ فَقَصْرٌ بَناهُ شَدّادُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ، لَمْ يُبْنَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فِيما ذَكَرُوا وزَعَمُوا، وحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذِهِ البِئْرِ المَذْكُورَةِ في إيحاشِهِ بَعْدَ الأُنْسِ، وإقْفارِهِ بَعْدَ العُمْرانِ، وأنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ عَلى أمْيالٍ، لِما يَسْمَعُ فِيهِ مِن عَزِيفِ الجِنِّ والأصْواتِ المُنْكَرَةِ بَعْدَ النَّعِيمِ والعَيْشِ الرَّغَدِ وبَهاءِ المُلْكِ، وانْتِظامِ الأهْلِ كالسِّلْكِ فَبادَرُوا وما عادُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً وعِبْرَةً. قالَ: وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بُخْتَنَصَّرُ عَلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] فَتَعَطَّلَتْ بِئْرُهم وخُرِّبَتْ قُصُورُهُمُ انْتَهى. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَدَمَ اعْتِبارِها بِهَذِهِ الآثارِ قائِلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثًّا لَهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ تِلْكَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ولَمْ يَعْتَبِرُوا، فَلِهَذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أنَّهم بِسَبَبِ ما شاهَدُوا مِنَ العِبَرِ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يَتَعَقَّلُوهُ وأسْنَدَ التَّعَقُّلَ إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّها مَحَلُّ العَقْلِ، كَما أنَّ الآذانَ مَحَلُّ السَّمْعِ، وقِيلَ: إنَّ العَقْلَ مَحَلُّهُ الدِّماغُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى إدْراكِ العَقْلِ وإنْ كانَ مَحَلُّهُ خارِجًا عَنْهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ المَعْقُولِ في مَحَلِّ العَقْلِ وماهِيَّتِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ ما يَجِبُ أنْ يَسْمَعُوهُ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم مِن كَلامِ اللَّهِ، وما نَقَلَهُ أهْلُ الأخْبارِ إلَيْهِمْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ عِمادٌ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( فَإنَّهُ )، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى واحِدٌ، التَّذْكِيرُ عَلى الخَبَرِ، والتَّأْنِيثُ عَلى الأبْصارِ أوِ القِصَّةِ أيْ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، أوْ فَإنَّ القِصَّةَ لا تُعْمِي الأبْصارَ أيْ: أبْصارَ العُيُونِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ أيْ لا تُدْرِكُ عُقُولُهم مُواطِنَ الحَقِّ ومَواضِعَ الِاعْتِبارِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تَزِيدُهُ العَرَبُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، و﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾، [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ أشَدَّ إنْكارٍ، فاسْتِعْجالُهم لَهُ هو عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِهِمْ لِما تَقُولُهُ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ وحُلُولِهِ بِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وإنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفَ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ مِنَ العَذابِ وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ انْتَهى. ومَحَلُّ جُمْلَةِ: ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ (p-٩٦٩)النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوْ هي اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ، وخِطابُهم في ذَلِكَ بِبَيانِ كَمالِ حِلْمِهِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ كالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِامْتِدادِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أيْ: يَوْمٌ مِن أيّامِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ يَوْمًا مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا فِيها خَوْفٌ وشِدَّةٌ، وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ قِياسًا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مِمّا تَعُدُّونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ. ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ. قِيلَ وتَكْرِيرُ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سِيقَ لِبَيانِ الإهْلاكِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ولِهَذا عُطِفَ بِالفاءِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، والثّانِي سِيقَ لِبَيانِ الإمْلاءِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أمْهَلْتُهم حِينًا، ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ ومَرْجِعُ الكُلِّ إلى حُكْمِي. فَجُمْلَةُ: وإلَيَّ المَصِيرُ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ لَهم بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ مُبَيِّنٌ لَهم ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ. فَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فازَ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وهو الجَنَّةُ. ومَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو في النّارِ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِ اللَّهِ مُعاجِزِينَ، يُقالُ عاجَزَهُ سابَقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ ومُقَدِّرِينَ أنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَفُوتُوهُ فَلا يُعَذِّبُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مُعانِدِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ: خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطَّلَها أهْلُها وتَرَكُوها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: شَيَّدُوهُ وحَصَّنُوهُ فَهَلَكُوا وتَرَكُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قالَ: الَّتِي تُرِكَتْ لا أهْلَ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: هو المُجَصَّصُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ في الآيَةِ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدُّنْيا جُمْعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، فَقَدْ مَضى مِنها سِتَّةُ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُعاجِزِينَ قالَ: مُراغِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُشاقِينَ.

الحج 22:48

. قَوْلُهُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ إلَخْ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَةٌ لَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ لَهُ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ لَهُ كَما أهْلَكَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ لِمَن كانَ قَبْلَهُ. وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ والِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَمِ وما كانَ مِنهم ومِن أنْبِيائِهِمْ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. وإنَّما غَيَّرَ النَّظْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ فَجاءَ بِالفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قَوْمَ مُوسى لَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُهم مِنَ القِبْطِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أخَّرْتُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ وأمْهَلَتْهم والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإمْهالِ عَلى التَّكْذِيبِ (p-٩٦٨)ثُمَّ أخَذْتُهم أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالعَذابِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإمْهالِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ وتَغَيُّرُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وإهْلاكُهم، والنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ المُنْكَرِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ثُمَّ أخَذَتُهم فَأنْكَرْتُ أبْلَغَ إنْكارٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّكِيرُ والإنْكارُ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ عَذَّبَ أهْلَ القُرى المُكَذِّبَةِ فَقالَ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَكْنا أهْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ في آلِ عِمْرانَ، وقُرِئَ ( أهْلَكْتُها )، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْناها، لا عَلى ( ظالِمَةٌ ) لِأنَّها حالِيَّةٌ، والعَذابُ لَيْسَ في حالِ الظُّلْمِ، والمُرادُ بِنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها نِسْبَتُهُ إلى أهْلِها: والخَواءُ: بِمَعْنى السُّقُوطِ أيْ: فَهي ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ عَلى سُقُوفِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ سُكّانِها حَتّى تَهَدَّمَتْ فَسَقَطَتْ حِيطانُها فَوْقَ سُقُوفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ، والمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن أهْلِ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عُرُوشِها، والمُرادُ بِالمُعَطَّلَةِ المَتْرُوكَةُ. وقِيلَ: الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها لِهَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الغائِرَةُ، وقِيلَ: مُعَطَّلَةٌ مِنَ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، والقَصْرُ المَشِيدُ هو المَرْفُوعُ البُنْيانِ كَذا قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ أيْ: رَفَعَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِالمَشِيدِ المُجَصَّصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيدِ، وهو الجَصُّ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎لا تَحْسَبَنِّي وإنْ كُنْتُ امْرَأً غَمِرًا ∗∗∗ كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وقِيلَ: المَشِيدُ الحَصِينُ قالَهُ الكَلْبِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَشِيدُ المَعْمُولُ بِالشِّيدِ، والشِّيدُ بِالكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طَلَيْتُ بِهِ الحائِطَ مِن جِصٍّ أوْ بَلاطٍ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، تَقُولُ شادَهُ يَشِيدُهُ جَصَّصَهُ، والمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ المُطَوَّلُ. قالَ الكِسائِيُّ: لِلْواحِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والمَعْنى المَعْنِيُّ: وكَمْ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ مُعَطَّلٍ مِثْلِ البِئْرِ المُعَطَّلَةِ ؟ ومَعْنى التَّعْطِيلُ في القَصْرِ هو أنَّهُ مُعَطَّلٌ مِن أهْلِهِ، أوْ مِن آلاتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ويُقالُ إنَّ هَذِهِ البِئْرَ والقَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ، فالقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابُ القَصْرِ مُلُوكُ الحَضَرِ، وأصْحابُ البِئْرِ مُلُوكُ البَدْوِ. حَكى الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ البِئْرَ كانَ بَعَدَنَ مِنَ اليَمَنِ في بَلَدٍ يُقالُ لَها حَضُوراءُ، نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصالِحٍ ونَجَوا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتُ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُوراءَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وأمّا القَصْرُ المُشَيَّدُ فَقَصْرٌ بَناهُ شَدّادُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ، لَمْ يُبْنَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فِيما ذَكَرُوا وزَعَمُوا، وحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذِهِ البِئْرِ المَذْكُورَةِ في إيحاشِهِ بَعْدَ الأُنْسِ، وإقْفارِهِ بَعْدَ العُمْرانِ، وأنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ عَلى أمْيالٍ، لِما يَسْمَعُ فِيهِ مِن عَزِيفِ الجِنِّ والأصْواتِ المُنْكَرَةِ بَعْدَ النَّعِيمِ والعَيْشِ الرَّغَدِ وبَهاءِ المُلْكِ، وانْتِظامِ الأهْلِ كالسِّلْكِ فَبادَرُوا وما عادُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً وعِبْرَةً. قالَ: وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بُخْتَنَصَّرُ عَلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] فَتَعَطَّلَتْ بِئْرُهم وخُرِّبَتْ قُصُورُهُمُ انْتَهى. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَدَمَ اعْتِبارِها بِهَذِهِ الآثارِ قائِلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثًّا لَهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ تِلْكَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ولَمْ يَعْتَبِرُوا، فَلِهَذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أنَّهم بِسَبَبِ ما شاهَدُوا مِنَ العِبَرِ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يَتَعَقَّلُوهُ وأسْنَدَ التَّعَقُّلَ إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّها مَحَلُّ العَقْلِ، كَما أنَّ الآذانَ مَحَلُّ السَّمْعِ، وقِيلَ: إنَّ العَقْلَ مَحَلُّهُ الدِّماغُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى إدْراكِ العَقْلِ وإنْ كانَ مَحَلُّهُ خارِجًا عَنْهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ المَعْقُولِ في مَحَلِّ العَقْلِ وماهِيَّتِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ ما يَجِبُ أنْ يَسْمَعُوهُ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم مِن كَلامِ اللَّهِ، وما نَقَلَهُ أهْلُ الأخْبارِ إلَيْهِمْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ عِمادٌ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( فَإنَّهُ )، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى واحِدٌ، التَّذْكِيرُ عَلى الخَبَرِ، والتَّأْنِيثُ عَلى الأبْصارِ أوِ القِصَّةِ أيْ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، أوْ فَإنَّ القِصَّةَ لا تُعْمِي الأبْصارَ أيْ: أبْصارَ العُيُونِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ أيْ لا تُدْرِكُ عُقُولُهم مُواطِنَ الحَقِّ ومَواضِعَ الِاعْتِبارِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تَزِيدُهُ العَرَبُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، و﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾، [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ أشَدَّ إنْكارٍ، فاسْتِعْجالُهم لَهُ هو عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِهِمْ لِما تَقُولُهُ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ وحُلُولِهِ بِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وإنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفَ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ مِنَ العَذابِ وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ انْتَهى. ومَحَلُّ جُمْلَةِ: ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ (p-٩٦٩)النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوْ هي اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ، وخِطابُهم في ذَلِكَ بِبَيانِ كَمالِ حِلْمِهِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ كالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِامْتِدادِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أيْ: يَوْمٌ مِن أيّامِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ يَوْمًا مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا فِيها خَوْفٌ وشِدَّةٌ، وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ قِياسًا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مِمّا تَعُدُّونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ. ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ. قِيلَ وتَكْرِيرُ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سِيقَ لِبَيانِ الإهْلاكِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ولِهَذا عُطِفَ بِالفاءِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، والثّانِي سِيقَ لِبَيانِ الإمْلاءِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أمْهَلْتُهم حِينًا، ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ ومَرْجِعُ الكُلِّ إلى حُكْمِي. فَجُمْلَةُ: وإلَيَّ المَصِيرُ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ لَهم بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ مُبَيِّنٌ لَهم ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ. فَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فازَ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وهو الجَنَّةُ. ومَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو في النّارِ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِ اللَّهِ مُعاجِزِينَ، يُقالُ عاجَزَهُ سابَقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ ومُقَدِّرِينَ أنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَفُوتُوهُ فَلا يُعَذِّبُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مُعانِدِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ: خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطَّلَها أهْلُها وتَرَكُوها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: شَيَّدُوهُ وحَصَّنُوهُ فَهَلَكُوا وتَرَكُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قالَ: الَّتِي تُرِكَتْ لا أهْلَ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: هو المُجَصَّصُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ في الآيَةِ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدُّنْيا جُمْعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، فَقَدْ مَضى مِنها سِتَّةُ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُعاجِزِينَ قالَ: مُراغِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُشاقِينَ.

الحج 22:49

. قَوْلُهُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ إلَخْ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وتَعْزِيَةٌ لَهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ لَهُ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ لَهُ كَما أهْلَكَ سُبْحانَهُ المُكَذِّبِينَ لِمَن كانَ قَبْلَهُ. وفِيهِ إرْشادٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ والِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَمِ وما كانَ مِنهم ومِن أنْبِيائِهِمْ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. وإنَّما غَيَّرَ النَّظْمَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ فَجاءَ بِالفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ قَوْمَ مُوسى لَمْ يُكَذِّبُوهُ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُهم مِنَ القِبْطِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ أخَّرْتُ عَنْهُمُ العُقُوبَةَ وأمْهَلَتْهم والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإمْهالِ عَلى التَّكْذِيبِ (p-٩٦٨)ثُمَّ أخَذْتُهم أيْ أخَذْتُ كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ بِالعَذابِ بَعْدَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الإمْهالِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ: فانْظُرْ كَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ وتَغَيُّرُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وإهْلاكُهم، والنَّكِيرُ اسْمٌ مِنَ المُنْكَرِ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: ثُمَّ أخَذَتُهم فَأنْكَرْتُ أبْلَغَ إنْكارٍ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّكِيرُ والإنْكارُ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ كَيْفَ عَذَّبَ أهْلَ القُرى المُكَذِّبَةِ فَقالَ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَكْنا أهْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا التَّرْكِيبِ في آلِ عِمْرانَ، وقُرِئَ ( أهْلَكْتُها )، وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْناها، لا عَلى ( ظالِمَةٌ ) لِأنَّها حالِيَّةٌ، والعَذابُ لَيْسَ في حالِ الظُّلْمِ، والمُرادُ بِنِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها نِسْبَتُهُ إلى أهْلِها: والخَواءُ: بِمَعْنى السُّقُوطِ أيْ: فَهي ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها أيْ عَلى سُقُوفِها، وذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ سُكّانِها حَتّى تَهَدَّمَتْ فَسَقَطَتْ حِيطانُها فَوْقَ سُقُوفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَرْيَةٍ، والمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ومِن أهْلِ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ هَكَذا قالَ الزَّجّاجُ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى عُرُوشِها، والمُرادُ بِالمُعَطَّلَةِ المَتْرُوكَةُ. وقِيلَ: الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها لِهَلاكِهِمْ، وقِيلَ: الغائِرَةُ، وقِيلَ: مُعَطَّلَةٌ مِنَ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، والقَصْرُ المَشِيدُ هو المَرْفُوعُ البُنْيانِ كَذا قالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ شادَهُ أيْ: رَفَعَهُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ بِالمَشِيدِ المُجَصَّصِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّيدِ، وهو الجَصُّ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: ؎لا تَحْسَبَنِّي وإنْ كُنْتُ امْرَأً غَمِرًا ∗∗∗ كَحَيَّةِ الماءِ بَيْنَ الطِّينِ والشِّيدِ وقِيلَ: المَشِيدُ الحَصِينُ قالَهُ الكَلْبِيُّ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: المَشِيدُ المَعْمُولُ بِالشِّيدِ، والشِّيدُ بِالكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طَلَيْتُ بِهِ الحائِطَ مِن جِصٍّ أوْ بَلاطٍ، وبِالفَتْحِ المَصْدَرُ، تَقُولُ شادَهُ يَشِيدُهُ جَصَّصَهُ، والمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ المُطَوَّلُ. قالَ الكِسائِيُّ: لِلْواحِدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . والمَعْنى المَعْنِيُّ: وكَمْ مِن قَصْرٍ مُشَيَّدٍ مُعَطَّلٍ مِثْلِ البِئْرِ المُعَطَّلَةِ ؟ ومَعْنى التَّعْطِيلُ في القَصْرِ هو أنَّهُ مُعَطَّلٌ مِن أهْلِهِ، أوْ مِن آلاتِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ويُقالُ إنَّ هَذِهِ البِئْرَ والقَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ، فالقَصْرُ مُشْرِفٌ عَلى قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُرْتَقى إلَيْهِ بِحالٍ، والبِئْرُ في سَفْحِهِ لا تُقِرُّ الرِّيحُ شَيْئًا سَقَطَ فِيها إلّا أخْرَجَتْهُ، وأصْحابُ القَصْرِ مُلُوكُ الحَضَرِ، وأصْحابُ البِئْرِ مُلُوكُ البَدْوِ. حَكى الثَّعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ: أنَّ البِئْرَ كانَ بَعَدَنَ مِنَ اليَمَنِ في بَلَدٍ يُقالُ لَها حَضُوراءُ، نَزَلَ بِها أرْبَعَةُ آلافٍ مِمَّنْ آمَنَ بِصالِحٍ ونَجَوا مِنَ العَذابِ ومَعَهم صالِحٌ فَماتَ صالِحٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ حَضْرَمَوْتُ؛ لِأنَّ صالِحًا لَمّا حَضَرَهُ ماتَ فَبَنَوْا حَضُوراءَ وقَعَدُوا عَلى هَذِهِ البِئْرِ وأمَّرُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةً طَوِيلَةً، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وأمّا القَصْرُ المُشَيَّدُ فَقَصْرٌ بَناهُ شَدّادُ بْنُ عادِ بْنِ إرَمَ، لَمْ يُبْنَ في الأرْضِ مِثْلُهُ فِيما ذَكَرُوا وزَعَمُوا، وحالُهُ أيْضًا كَحالِ هَذِهِ البِئْرِ المَذْكُورَةِ في إيحاشِهِ بَعْدَ الأُنْسِ، وإقْفارِهِ بَعْدَ العُمْرانِ، وأنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْنُوَ مِنهُ عَلى أمْيالٍ، لِما يَسْمَعُ فِيهِ مِن عَزِيفِ الجِنِّ والأصْواتِ المُنْكَرَةِ بَعْدَ النَّعِيمِ والعَيْشِ الرَّغَدِ وبَهاءِ المُلْكِ، وانْتِظامِ الأهْلِ كالسِّلْكِ فَبادَرُوا وما عادُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً وعِبْرَةً. قالَ: وقِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ أهْلَكَهم بُخْتَنَصَّرُ عَلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] فَتَعَطَّلَتْ بِئْرُهم وخُرِّبَتْ قُصُورُهُمُ انْتَهى. ثُمَّ أنْكَرَ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ عَدَمَ اعْتِبارِها بِهَذِهِ الآثارِ قائِلًا ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ حَثًّا لَهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ تِلْكَ الأُمَمِ فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ولَمْ يَعْتَبِرُوا، فَلِهَذا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ أنَّهم بِسَبَبِ ما شاهَدُوا مِنَ العِبَرِ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يَجِبُ أنْ يَتَعَقَّلُوهُ وأسْنَدَ التَّعَقُّلَ إلى القُلُوبِ؛ لِأنَّها مَحَلُّ العَقْلِ، كَما أنَّ الآذانَ مَحَلُّ السَّمْعِ، وقِيلَ: إنَّ العَقْلَ مَحَلُّهُ الدِّماغُ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يَبْعَثُ عَلى إدْراكِ العَقْلِ وإنْ كانَ مَحَلُّهُ خارِجًا عَنْهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ المَعْقُولِ في مَحَلِّ العَقْلِ وماهِيَّتِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ ﴿أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيْ ما يَجِبُ أنْ يَسْمَعُوهُ مِمّا تَلاهُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم مِن كَلامِ اللَّهِ، وما نَقَلَهُ أهْلُ الأخْبارِ إلَيْهِمْ مِن أخْبارِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الهاءُ عِمادٌ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ( فَإنَّهُ )، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، والمَعْنى واحِدٌ، التَّذْكِيرُ عَلى الخَبَرِ، والتَّأْنِيثُ عَلى الأبْصارِ أوِ القِصَّةِ أيْ: فَإنَّ الأبْصارَ لا تَعْمى، أوْ فَإنَّ القِصَّةَ لا تُعْمِي الأبْصارَ أيْ: أبْصارَ العُيُونِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ أيْ لَيْسَ الخَلَلُ في مَشاعِرِهِمْ، وإنَّما هو في عُقُولِهِمْ أيْ لا تُدْرِكُ عُقُولُهم مُواطِنَ الحَقِّ ومَواضِعَ الِاعْتِبارِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: إنَّ قَوْلَهُ الَّتِي في الصُّدُورِ مِنَ التَّوْكِيدِ الَّذِي تَزِيدُهُ العَرَبُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾، و﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾، [آل عمران: ١٦٧] و﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ثُمَّ حَكى سُبْحانَهُ عَنْ هَؤُلاءِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ فَقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِمَجِيئِهِ أشَدَّ إنْكارٍ، فاسْتِعْجالُهم لَهُ هو عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ سَماعِهِمْ لِما تَقُولُهُ الأنْبِياءُ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ مِنهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِمْ وحُلُولِهِ بِهِمْ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ قالَ الفَرّاءُ: في هَذِهِ الآيَةِ وعِيدٌ لَهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وإنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفَ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ بِهِ مِنَ العَذابِ وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ انْتَهى. ومَحَلُّ جُمْلَةِ: ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ (p-٩٦٩)النَّصْبُ عَلى الحالِ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ أبَدًا، وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ فَلا بُدَّ مِن مَجِيئِهِ حَتْمًا، أوْ هي اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وعَلى الأوَّلِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ، وخِطابُهم في ذَلِكَ بِبَيانِ كَمالِ حِلْمِهِ لَكَوْنِ المُدَّةِ القَصِيرَةِ عِنْدَهُ كالمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عِنْدَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] قالَ الفَرّاءُ: هَذا وعِيدٌ لَهم بِامْتِدادِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ أيْ: يَوْمٌ مِن أيّامِ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ. وقِيلَ: المَعْنى: وإنَّ يَوْمًا مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ في الآخِرَةِ كَألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا فِيها خَوْفٌ وشِدَّةٌ، وكَذَلِكَ يَوْمُ النَّعِيمِ قِياسًا. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( مِمّا تَعُدُّونَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَبِيدٍ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، واخْتارَها أبُو حاتِمٍ. ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ هَذا إعْلامٌ مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ. قِيلَ وتَكْرِيرُ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ قَبْلَهُ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ بِتَكْرارٍ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ سِيقَ لِبَيانِ الإهْلاكِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، ولِهَذا عُطِفَ بِالفاءِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ، والثّانِي سِيقَ لِبَيانِ الإمْلاءِ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا مِثْلَكم ظالِمِينَ قَدْ أمْهَلْتُهم حِينًا، ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعَذابِ ومَرْجِعُ الكُلِّ إلى حُكْمِي. فَجُمْلَةُ: وإلَيَّ المَصِيرُ تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها. ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُخْبِرَ النّاسَ بِأنَّهُ نَذِيرٌ لَهم بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ مُبَيِّنٌ لَهم ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ. فَمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فازَ بِالمَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ وهو الجَنَّةُ. ومَن كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ فَهو في النّارِ وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِ اللَّهِ مُعاجِزِينَ، يُقالُ عاجَزَهُ سابَقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما في طَلَبِ إعْجازِ الآخَرِ، فَإذا سَبَقَهُ قِيلَ أعْجَزَهُ وعَجَّزَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ. وقِيلَ: مَعْنى مُعاجِزِينَ: ظانِّينَ ومُقَدِّرِينَ أنْ يُعْجِزُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ ويَفُوتُوهُ فَلا يُعَذِّبُهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: مُعانِدِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ قالَ: خَرِبَةٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عَطَّلَها أهْلُها وتَرَكُوها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: شَيَّدُوهُ وحَصَّنُوهُ فَهَلَكُوا وتَرَكُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ قالَ: الَّتِي تُرِكَتْ لا أهْلَ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قالَ: هو المُجَصَّصُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ قالَ: مِنَ الأيّامِ السِّتَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ في الآيَةِ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الدُّنْيا جُمْعَةٌ مِن جُمَعِ الآخِرَةِ سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، فَقَدْ مَضى مِنها سِتَّةُ آلافٍ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُعاجِزِينَ قالَ: مُراغِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مُشاقِينَ.