Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الفرقان 25:16 – الفرقان 25:39
المحتويات
- الفرقان 25:16
- الفرقان 25:17
- الفرقان 25:18
- الفرقان 25:19
- الفرقان 25:20
- الفرقان 25:21
- الفرقان 25:22
- الفرقان 25:23
- الفرقان 25:24
- الفرقان 25:25
- الفرقان 25:26
- الفرقان 25:27
- الفرقان 25:28
- الفرقان 25:29
- الفرقان 25:30
- الفرقان 25:31
- الفرقان 25:32
- الفرقان 25:33
- الفرقان 25:34
- الفرقان 25:35
- الفرقان 25:36
- الفرقان 25:37
- الفرقان 25:38
- الفرقان 25:39
الفرقان 25:16
.
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ ما طَعَنُوا بِهِ عَلى القُرْآنِ ذَكَرَ ما طَعَنُوا بِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ وفي الإشارَةِ هُنا تَصْغِيرٌ لِشَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ وهو رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وسَمَّوْهُ رَسُولًا اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ أيْ: ما بالُهُ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَما نَأْكُلُ ويَتَرَدَّدُ في الأسْواقِ لِطَلَبِ المَعاشِ كَما نَتَرَدَّدُ، وزَعَمُوا أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الطَّعامِ والكَسْبِ، وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ، أوْ خَبَرُ المُبْتَدَأِ لِهَذا الرَّسُولِ، وجُمْلَةُ يَأْكُلُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وبِها تَتِمُّ فائِدَةُ الإخْبارِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى السَّبَبِ مَعَ تَحَقُّقِ المُسَبَّبِ، وهو الأكْلُ والمَشْيُ، ولَكِنَّهُ اسْتَبْعَدَ تَحَقُّقَ ذَلِكَ لِانْتِفاءِ سَبَبِهِ عِنْدَهم تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً.
والمَعْنى: أنَّهُ إنْ صَحَّ ما يَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ فَما بالُهُ لَمْ يُخالِفْ حالُهُ حالَنا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ طَلَبُوا أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَصْحُوبًا بِمَلَكٍ يُعَضِّدُهُ ويُساعِدُهُ، تَنَزَّلُوا عَنِ اقْتِراحِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مَلَكًا مُسْتَغْنِيًا عَنِ الأكْلِ والكَسْبِ، إلى اقْتِراحِ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مَلَكٌ يُصَدِّقُهُ ويَشْهَدُ لَهُ بِالرِّسالَةِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ فَيَكُونَ بِالنَّصْبِ عَلى كَوْنِهِ جَوابَ التَّحْضِيضِ. وقُرِئَ ( فَيَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى أُنْزِلَ، وجازَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي لِأنَّ المُرادَ بِهِ المُسْتَقْبَلُ.
﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( أُنْزِلَ )، ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ( فَيَكُونَ )، والمَعْنى: أوْ هَلّا يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ تَنَزَّلُوا مِن مَرْتَبَةِ نُزُولِ المَلَكِ مَعَهُ، إلى اقْتِراحِ أنْ يَكُونَ مَعَهُ كَنْزٌ يُلْقى إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ لِيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ تَكُونُ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وقَتادَةُ ( يَكُونُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ الجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقَرَأ ( نَأْكُلُ ) بِالنُّونِ حَمْزَةُ وعَلِيٌّ وخَلَفٌ، وقَرَأ الباقُونَ يَأْكُلُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ أيْ: بُسْتانٌ نَأْكُلُ نَحْنُ مِن ثِمارِهِ، أوْ يَأْكُلُ هو وحْدَهُ مِنهُ لِيَكُونَ لَهُ بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ عَلَيْنا حَيْثُ يَكُونُ أكْلُهُ مِن جَنَّتِهِ.
قالَ النَّحّاسُ: والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ وإنْ كانَتِ القِراءَةُ بِالياءِ أبْيَنَ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وحْدَهُ، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ بَيِّنٌ ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ المُرادُ بِالظّالِمُونَ هُنا هُمُ القائِلُونَ بِالمَقالاتِ الأُولى، وإنَّما وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مَعَ الوَصْفِ بِالظُّلْمِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِهِ أيْ: ما تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ بِالسِّحْرِ، وقِيلَ: ذا سِحْرٍ، وهي الرِّئَةُ أيْ: بَشَرًا لَهُ رِئَةٌ لا مَلَكًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مِثْلِ هَذا في سُبْحانَ.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى تَكْذِيبِكَ، والأمْثالُ هي الأقْوالُ النّادِرَةُ والِاقْتِراحاتُ الغَرِيبَةُ، وهي ما ذَكَرُوهُ هاهُنا فُضِّلُوا عَنِ الصَّوابِ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا إلَيْهِ ولا وصَلُوا إلى شَيْءٍ مِنهُ، بَلْ جاءُوا بِهَذِهِ المَقالاتِ الزّائِفَةِ الَّتِي لا تَصْدُرُ عَنْ أدْنى العُقَلاءِ وأقَلِّهِمْ تَمْيِيزًا ولِهَذا قالَ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أيْ لا يَجِدُونَ (p-١٠٣٤)إلى القَدْحِ في نُبُوَّةِ هَذا النَّبِيِّ طَرِيقًا مِنَ الطُّرُقِ.
﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: تَكاثَرَ خَيْرُ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ في الدُّنْيا مُعَجَّلًا خَيْرًا مِن ذَلِكَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ.
ثُمَّ فَسَّرَ الخَيْرَ؛ فَقالَ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَ ( جَنّاتٍ ) بَدَلٌ مِن ( خَيْرًا ) ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ ( جَعَلَ )، وهو الجَزْمُ، وبِالجَزْمِ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِرَفْعِ ( يَجْعَلُ ) عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الإعْرابِ: أنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ فَجازَ أنْ يَكُونَ ( جَعَلَ ) هاهُنا في مَحَلِّ جَزْمٍ ورَفْعٍ فَيَجُوزُ فِيما عُطِفَ عَلَيْهِ أنْ يُجْزَمَ ويُرْفَعَ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ. وقُرِئَ بِإدْغامِ لامِ لَكَ في لامِ ( يَجْعَلْ ) لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ. وقُرِئَ بِتَرْكِ الإدْغامِ لِأنَّ الكَلِمَتَيْنِ مُنْفَصِلَتانِ، والقَصْرُ البَيْتُ مِنَ الحِجارَةِ، لِأنَّ السّاكِنَ بِهِ مَقْصُورٌ عَنْ أنْ يُوصَلَ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو بَيْتُ الطِّينِ وبُيُوتُ الصُّوفِ والشَّعْرِ. ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِما حَكاهُ عَنْهم مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا يَصْدُرُ عَنِ العُقَلاءِ.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ أيْ: بَلْ أتَوْا بِأعْجَبَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ. وهو تَكْذِيبُهم بِالسّاعَةِ، فَلِهَذا لا يَنْتَفِعُونَ بِالدَّلائِلِ ولا يَتَأمَّلُونَ فِيها. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أعَدَّهُ لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ فَقالَ: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُشْتَعِلَةً مُتَسَعِّرَةً، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ، والحالُ ( أنّا أعْتَدْنا ) . قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أعْتَدْنا أيْ: جَعَلْناهُ عَتِيدًا ومُعَدًّا لَهم.
﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لِ ( سَعِيرًا ) لِأنَّهُ مُؤَنَّثٌ بِمَعْنى النّارِ، قِيلَ مَعْنى إذا رَأتْهم: إذا ظَهَرَتْ لَهم فَكانَتْ بِمَرْأى النّاظِرِ في البُعْدِ، وقِيلَ: المَعْنى: إذا رَأتْهم خَزَنَتُها، وقِيلَ: إنَّ الرُّؤْيَةَ مِنها حَقِيقِيَّةٌ وكَذَلِكَ التَّغَيُّظُ والزَّفِيرُ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَجْعَلَها اللَّهُ سُبْحانَهُ مُدْرِكَةً هَذا الإدْراكَ.
ومَعْنى ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أنَّها رَأتْهم وهي بَعِيدَةٌ عَنْهم، قِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهم مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. ومَعْنى التَّغَيُّظِ: أنَّ لَها صَوْتًا يَدُلُّ عَلى التَّغَيُّظِ عَلى الكُفّارِ أوْ لِغَلَيانِها صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ المُغْتاظِ، والزَّفِيرُ: هو الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ الجَوْفِ.
قالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ سَماعُ ما يَدُلُّ عَلى الغَيْظِ وهو الصَّوْتُ أيْ: سَمِعُوا لَها صَوْتًا يُشْبِهُ صَوْتَ المُتَغَيِّظِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: أرادَ عَلِمُوا لَها تَغَيُّظًا وسَمِعُوا لَها زَفِيرًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
أيْ: وحامِلًا رُمْحًا، وقِيلَ: المَعْنى: سَمِعُوا فِيها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا لِلْمُعَذَّبِينَ كَما قالَ: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] وفي اللّامِ مُتَقارِبانِ، تَقُولُ: افْعَلْ هَذا في اللَّهِ ولِلَّهِ.
﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا﴾ وُصِفَ المَكانُ بِالضِّيقِ لِلدَّلالَةِ عَلى زِيادَةِ الشِّدَّةِ وتَناهِي البَلاءِ عَلَيْهِمْ، وانْتِصابُ مُقَرَّنِينَ عَلى الحالِ أيْ: إذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا حالَ كَوْنِهِمْ مُقْرَّنِينَ قَدْ قُرِنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالجَوامِعِ مُصَفَّدِينَ بِالحَدِيدِ، وقِيلَ: مُكَتَّفِينَ، وقِيلَ: قُرِنُوا مَعَ الشَّياطِينِ أيْ: قُرِنَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إلى شَيْطانِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿دَعَوْا هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الضَّيِّقِ ثُبُورًا أيْ: هَلاكًا.
قالَ الزَّجّاجُ: وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ: ثُبِرْنا ثُبُورًا، وقِيلَ: مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ هُنالِكَ الهَلاكَ ويُنادُونَهُ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ البَلاءِ.
فَأُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ أيْ فَيُقالُ لَهم هَذِهِ المَقالَةُ، والقائِلُ لَهم هُمُ المَلائِكَةُ أيِ: اتْرُكُوا دُعاءَ ثُبُورٍ واحِدٍ، فَإنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الهَلاكِ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ، كَذا قالَ الزَّجّاجُ ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ والثُّبُورُ مَصْدَرٌ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ فَلِهَذا لَمْ يُجْمَعْ، ومِثْلُهُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا كَثِيرًا، وقَعَدَ قُعُودًا طَوِيلًا، فالكَثْرَةُ هاهُنا هي بِحَسَبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ المُتَعَلِّقِ بِهِ، لا بِحَسَبِ كَثْرَتِهِ في نَفْسِهِ، فَإنَّهُ شَيْءٌ واحِدٌ. والمَعْنى: لا تَدْعُوا عَلى أنْفُسِكم بِالثُّبُورِ دُعاءً واحِدًا وادْعُوهُ أدْعِيَةً كَثِيرَةً، فَإنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ أشَدُّ مِن ذَلِكَ لِطُولِ مُدَّتِهِ وعَدَمِ تَناهِيهِ، وقِيلَ: هَذا تَمْثِيلٌ وتَصْوِيرٌ لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى إنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورُكم فِيهِ واحِدًا بَلْ هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ، والأوْلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الجَوابِ عَلَيْهِمُ الدِّلالَةُ عَلى خُلُودِ عَذابِهِمْ وإقْناطِهِمْ عَنْ حُصُولِ ما يَتَمَنَّوْنَهُ مِنَ الهَلاكِ المُنَجِّي لَهم مِمّا هم فِيهِ، ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَوْبِيخًا بالِغًا عَلى لِسانِ رَسُولِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى السَّعِيرِ المُتَّصِفَةِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ، أيْ: أتِلْكَ السَّعِيرُ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ، وفي إضافَةِ الجَنَّةِ إلى الخُلْدِ إشْعارٌ بِدَوامِ نَعِيمِها وعَدَمِ انْقِطاعِهِ، ومَعْنى ﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ الَّتِي وُعِدَها المُتَّقُونَ، والمَجِيءُ بِلَفْظِ خَيْرٍ هُنا مَعَ أنَّهُ لا خَيْرَ في النّارِ أصْلًا، لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تَقُولُ ذَلِكَ، ومِنهُ ما حَكاهُ سِيبَوَيْهَ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ ؟ وقِيلَ: لَيْسَ هَذا مِن بابِ التَّفْضِيلِ، وإنَّما هو كَقَوْلِكَ: عِنْدَهُ خَيْرٌ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ كَما قالَ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ∗∗∗ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ أيْ كانَتْ تِلْكَ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ جَزاءً عَلى أعْمالِهِمْ ومَصِيرًا يَصِيرُونَ إلَيْهِ.
﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ أيْ: ما يَشاءُونَهُ مِنَ النَّعِيمِ وضُرُوبِ المَلاذِّ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ [فصلت: ٣١] وانْتِصابُ " خالِدِينَ " عَلى الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الخُلُودِ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ أيْ كانَ ما يَشاءُونَهُ، وقِيلَ: كانَ الخُلُودُ، وقِيلَ: كانَ الوَعْدُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وُعِدَ المُتَّقُونَ، ومَعْنى الوَعْدِ المَسْئُولِ: الوَعْدُ المُحَقَّقُ بِأنْ يُسْألَ ويُطْلَبَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَسْألُ لَهُمُ الجَنَّةَ كَقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الوَعْدُ الواجِبُ وإنْ لَمْ يُسْألْ.
(p-١٠٣٥)وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ وأبا البُحْتُرِيِّ والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ والعاصَ بْنَ وائِلٍ ونَبِيهَ بْنَ الحَجّاجِ ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ اجْتَمَعُوا، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ وكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذَرُوا مِنهُ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ، قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعَذِّرَ مِنكَ، فَإنْ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكم ولا الشَّرَفَ فِيكم ولا المُلْكَ عَلَيْكم. ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلِيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكم، قالُوا: يا مُحَمَّدُ فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ، أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَفْعَلْ هَذا فَسَلْ لِنَفْسِكَ وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ، ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ وتَلْتَمِسُ المَعاشَ كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكِ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾» [الفرقان: ٢٠] أيْ جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضٍ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رُسُلِي فَلا يُخالِفُونَ لَفَعَلْتُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ مِن خَزائِنِ الأرْضِ ومَفاتِيحِها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ ولا نُعْطِها أحَدًا بَعْدَكَ ولا يُنْقِصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا وإنْ شِئْتَ جَمَعْتَها لَكَ في الآخِرَةِ، فَقالَ: اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقٍ أُخْرى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: قالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن يَقُلْ عَلَيَّ ما لَمْ أقُلْ، أوِ ادَّعى إلى غَيْرِ والِدَيْهِ، أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَلْ لَها مِن عَيْنَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾» .
وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ: مِن مَسِيرَةِ مِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ إذا أُتِيَ بِجَهَنَّمَ تُقادُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ يَشِدُّ بِكُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لَوْ تُرِكَتْ لَأتَتْ عَلى كُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ تَزْفِرُ زَفْرَةً لا تَبْقَيْ قَطْرَةٌ مِن دَمْعٍ إلّا بَدَتْ، ثُمَّ تَزْفِرُ الثّانِيَةَ فَتُقْطَعُ القُلُوبُ مِن أماكِنِها وتَبْلُغُ القُلُوبُ الحَناجِرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ يَحْيى بْنِ أُسَيْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم لَيُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ قالَ: ويْلًا ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ يَقُولُ: لا تَدْعُوا اليَوْمَ ويْلًا واحِدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى حُلَّتَهُ مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى حاجِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ وذُرِّيَّتُهُ مِن بَعْدِهِ وهو يُنادِي يا ثُبُوراهُ، ويَقُولُونَ يا ثُبُورَهم حَتّى يَقِفَ عَلى النّاسِ فَيَقُولَ: يا ثُبُوراهُ ويَقُولُونَ يا ثُبُورَهم، فَيُقالُ لَهم: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾» . وإسْنادُ أحْمَدَ هَكَذا: حَدَّثَنا عَفّانُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.
وفِي عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ مَقالٌ مَعْرُوفٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ يَقُولُ: سَلُوا الَّذِي وعَدْتُكم تُنْجَزُوهُ.
الفرقان 25:17
.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: واذْكُرْ، وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَما مَرَّ مِرارًا.
قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الدُّورِيِّ ( يَحْشُرُهم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ الكَلامِ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] (p-١٠٣٦)والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى التَّعْظِيمِ ما عَدا الأعْرَجَ فَإنَّهُ قَرَأ ( نَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ، لِأنَّ ( يَفْعِلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن ( يَفْعُلُ ) بِضَمِّها، ورَدَّهُ أبُو حِبّانَ بِاسْتِواءِ المَضْمُومِ والمَكْسُورِ إلّا أنْ يَشْتَهِرَ أحَدُهُما اتُّبِعَ
﴿وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ ( نَحْشُرُ )، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ونَحْوِها عَلى العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والمَسِيحِ تَنْبِيْهًا عَلى أنَّها جَمِيعًا مُشْتَرِكَةٌ في كَوْنِها غَيْرَ صالِحَةٍ لِكَوْنِها آلِهَةً، أوْ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ مَن لا يَعْقِلُ أكْثَرُ مِمَّنْ يَعْبُدُ مَن يَعْقِلُ مِنها، فَغُلِّبَتِ اعْتِبارًا بِكَثْرَةِ مَن يَعْبُدُها وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِمْ وجَوابِهِمْ فِيما بَعْدُ.
وقالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ الأصْنامُ خاصَّةً وإنَّها وإنْ كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَتَكَلَّمُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَجْعَلُها يَوْمَ القِيامَةِ سامِعَةً ناطِقَةً، ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ( فَنَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ كَما اخْتارَ القِراءَةَ بِها في ( نَحْشُرُهم )، وكَذا أبُو حاتِمٍ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
والمَعْنى: أكانَ ضَلالُهم بِسَبَبِكم وبِدَعْوَتِكم لَهم إلى عِبادَتِكم، أمْ هم ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِيما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الحَقِّ والتَّدَبُّرِ فِيما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الصَّوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى سُبْحانَكَ التَّعَجُّبُ مِمّا قِيلَ لَهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً أوْ أنْبِياءَ مَعْصُومِينَ، أوْ جَماداتٍ لا تَعْقِلُ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَنَعْبُدُهم، فَكَيْفَ نَدْعُو عِبادَكَ إلى عِبادَتِنا نَحْنُ مَعَ كَوْنِنا لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، والوَلِيُّ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ( نَتَّخِذُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ( نُتَّخَذُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ يَتَّخِذَنا المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ ولَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَحُذِفَتْ مِنَ الثّانِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةُ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ( مِن ) مَرَّتَيْنِ، ولَوْ كانَ كَما قَرَأ لَقالَ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ. وقِيلَ: إنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةَ زائِدَةٌ.
ثُمَّ حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ بِأنَّهم بَعْدَ هَذا الجَوابِ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِ المُشْرِكِينَ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا السَّبِيلَ، ولَمْ يُضِلَّهم غَيْرُهم، والمَعْنى: ما أضْلَلْناهم، ولَكِنَّكَ يا رَبِّ مَتَّعْتَهَمْ ومَتَّعْتَ آباءَهم بِالنِّعَمِ ووَسَّعْتَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وأطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ حَتّى غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ ونَسُوا مَوْعِظَتَكَ والتَّدَبُّرَ لِكِتابِكَ والنَّظَرَ في عَجائِبِ صُنْعِكَ وغَرائِبِ مَخْلُوقاتِكَ.
وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِئُ ( يُنْبَغى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعْمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها لُغَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِنِسْيانِ الذِّكْرِ هُنا هو تَرْكُ الشُّكْرِ ﴿وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِكَ وعَبَدُوا غَيْرَكَ في قَضائِكَ الأزَلِيِّ قَوْمًا بُورًا أيْ: هَلْكى، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ: يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ. يُقالُ بارَتْ بِضاعَتُهُ أيْ: فَسَدَتْ، وأمْرٌ بائِرٌ أيْ: فاسِدٌ وهي لُغَةُ الأزْدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تَعْطِيلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّ البَوارَ الكَسادُ، ومِنهُ بارَتِ السِّلْعَةُ إذا كَسَدَتْ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ تَبَرِّي المَعْبُودِينَ مُخاطِبًا لِلْمُشْرِكِينَ العابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوكم أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الآلِهَةُ صَرْفًا أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: حِيلَةً ولا نَصْرًا أيْ ولا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم، وقِيلَ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا كَذَّبَهُمُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ الَّذِي عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولا نَصْرًا مِنَ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( تَسْتَطِيعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَقَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى بِما تَقُولُونَ: ما تَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكم صَرْفًا عَنِ الحَقِّ الَّذِي هَداكُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِما تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ ( فَقَدْ كَذَبُوكم ) مُخَفَّفًا ( بِما يَقُولُونَ ) أيْ: كَذَبُوكم في قَوْلِهِمْ وكَذا قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُجاهِدٌ والبَزِّيُّ ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ الَّذِينَ فِيهِمُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والعَذابُ الكَبِيرُ عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ ( يُذِقْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ مُوَضِّحًا لِبُطْلانِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ ( إلّا ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ المَوْصُوفُ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ وما مِنّا أحَدٌ. وقالَ الفَرّاءُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مِن أنَّهم فالضَّمِيرُ في أنَّهم وما (p-١٠٣٧)بَعْدَهُ راجِعٌ إلى المُقَدَّرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] أيْ: إلّا مَن يَرِدُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ " مَنَ " المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وأنَّهم، فالمَحْذُوفُ عِنْدَهُ الواوُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( ﴿إلّا إنَّهُمْ﴾ ) بِكَسْرِ إنَّ لِوُجُودِ اللّامِ في خَبَرِها كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَهم.
قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ حَكى لَنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ في إنَّ هَذِهِ الفَتْحُ وإنْ كانَ بَعْدَها اللّامُ وأحْسَبُهُ وهْمًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ. ( يَمْشُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَوْفٍ وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِّينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمْشِي بِأعْطانِ المِياهِ وأتَّقِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةً ورُكُوبَ
وقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎مِنهُ تَظَلُّ سِباعُ الحَيِّ ضامِزَةً ∗∗∗ ولا تَمْشِي بِوادِيهِ الأراجِيلُ
﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِلنّاسِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ عَبِيدِهِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كُفّارُ الأُمَمِ، وبِالبَعْضِ الثّانِي الرُّسُلُ، ومَعْنى الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ البَعْضَ مِنَ النّاسِ مُمْتَحَنٌ بِالبَعْضِ مُبْتَلًى بِهِ، فالمَرِيضُ يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كالصَّحِيحِ ؟ وكَذا كُلُّ صاحِبِ آفَةٍ، والصَّحِيحُ مُبْتَلًى بِالمَرِيضِ فَلا يَضَّجِرُ مِنهُ ولا يُحَقِّرُهُ، والغَنِيُّ مُبْتَلًى بِالفَقِيرِ يُواسِيهِ، والفَقِيرُ مُبْتَلًى بِالغَنِيِّ يَحْسُدُهُ، ونَحْوُ هَذا مِثْلُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ ورَأى الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ، وقالَ لا أُسْلِمُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السّابِقَةُ والفَضْلُ، فَيُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، فَذَلِكَ افْتِتانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
ولا وجْهَ لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى هَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ إنْ كانُوا سَبَبَ النُّزُولِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ الإخْبارِ بِجَعْلِ البَعْضِ لِلْبَعْضِ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ أيْ: أتَصَبِرُونَ عَلى ما تَرَوْنَ مِن هَذِهِ الحالِ الشَّدِيدَةِ والِابْتِلاءِ العَظِيمِ.
قِيلَ: مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ هاهُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ثُمَّ وعَدَ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أيْ بِكُلِّ مَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ.
وقِيلَ: مَعْنى أتَصْبِرُونَ: اصْبِرُوا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أيِ انْتَهُوا.
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمُ الَّتِي قَدَحُوا بِها في النُّبُوَّةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وقالُوا مالِ هَذا﴾ [الفرقان: ٧] أيْ: وقالَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أرْجُو إذا كُنْتُ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
أيْ لا أُبالِي، وقِيلَ: المَعْنى لا يَخافُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلُ
أيْ: لَمْ يَخَفْ، وهي لُغَةُ تِهامَةَ. قالَ الفَرّاءُ وُضِعَ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ، وقِيلَ: لا يَأْمَلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ∗∗∗ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أوْلى، فالمَعْنى: لا يَأْمُلُونَ لِقاءَ ما وعَدْنا عَلى الطّاعَةِ مِنَ الثَّوابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لا يَرْجُو الثَّوابَ لا يَخافُ العِقابَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا فَيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، أوْ هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا رُسُلًا يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ عِيانًا فَيُخْبِرُنا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ.
ثُمَّ أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ هَذِهِ فَقالَ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ عَنِ الحَقِّ والعِنادِ في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾، والعُتُوُّ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الطُّغْيانِ والبُلُوغُ إلى أقْصى غاياتِهِ، ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ لِكَوْنِ التَّكَلُّمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعِظَمِ فَإنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِإرْسالِ البَشَرِ حَتّى طَلَبُوا إرْسالَ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُخاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا مِن دُونِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولَقَدْ بَلَغَ هَؤُلاءِ الرَّذالَةُ بِأنْفُسِهِمْ مَبْلَغًا هي أحْقَرُ وأقَلُّ وأرْذَلُ مِن أنْ تَكُونَ مِن أهْلِهِ، أوْ تُعَدَّ مِنَ المُسْتَعِدِّينَ لَهُ، وهَكَذا مَن جَهِلَ قَدْرَ نَفْسِهِ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّهِ، ومَن جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ رَأى غَيْرُهُ مِنهُ ما لا يَرى.
وانْتِصابُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ رُؤْيَةً لَيْسَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ والصُّورَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو يَوْمُ ظُهُورِهِمْ لَهم عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ هَذا الظَّرْفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ يُمْنَعُونَ البُشْرى يَوْمَ يَرَوْنَ، أوْ لا تُوجَدُ لَهم بُشْرى فِيهِ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ، وهو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ قَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ البُشْرى.
قالَ الزَّجّاجُ: المُجْرِمُونَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ ويَقُولُ الكُفّارُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذِهِ كَلِمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ وهُجُومِ نازِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ حِجْرًا مَحْجُورًا أيْ: حَرامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي.
وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ: يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّمًا ∗∗∗ وأصْبَحْتُ مِن أدْنى حُمُومَتِها حَماءَ
أيْ أصْبَحَتْ أسْماءُ حَرامًا مُحَرَّمًا، وقالَ آخَرُ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في بابِ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُها هَذِهِ الكَلِمَةَ، وجَعَلَها مِن جُمْلَتِها. (p-١٠٣٨)﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ هَذا وعِيدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا لَها صُورَةُ الخَيْرِ: مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وإطْعامِ الطَّعامِ وأمْثالِها، ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإثابَةِ عَلَيْها إلّا الكُفْرُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم وأعْمالُهم بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَدِمَ إلى ما مَعَهم مِنَ المَتاعِ فَأفْسَدَهُ ولَمْ يَتْرُكْ مِنها شَيْئًا، وإلّا فَلا قُدُومَ هاهُنا.
قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى قَدِمْنا: عَمَدْنا وقَصَدْنا، يُقالُ: قَدِمَ فُلانٌ إلى أمْرِ كَذا إذا قَصَدَهُ أوْ عَمَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ
؎إلى عِبادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا
؎إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ
وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ تَعالى، والهَباءُ واحِدُهُ هَباءَةٌ، والجَمْعُ أهْباءُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الهَباءُ التُّرابُ الَّذِي تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كَأنَّهُ دُخانٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ما يَدْخُلُ في الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ يُشْبِهُ الغُبارَ، وكَذا قالَ الأزْهَرِيُّ: والمَنثُورُ المُفَرَّقُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ المَنثُورِ، لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِالهَباءِ حَتّى وصَفَهُ بِأنَّهُ مُتَفَرِّقٌ مُتَبَدِّدٌ، وقِيلَ: إنَّ الهَباءَ ما أذْرَتْهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو الماءُ المُهْراقُ، وقِيلَ: الرَّمادُ. والأوَّلُ هو الَّذِي ثَبَتَ في لُغَةِ العَرَبِ ونَقَلَهُ العارِفُونَ بِها.
ثُمَّ مَيَّزَ سُبْحانَهُ حالَ الأبْرارِ مِن حالِ الفُجّارِ. فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ: أفْضَلُ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أيْ: مَوْضِعَ قائِلَةٍ، وانْتِصابُ " مُسْتَقَرًا " عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ، إذا اشْتَدَّ الحَرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ يَوْمٌ. قالَ النَّحّاسُ: والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: هو الشِّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: بَلاءً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يَقُولُ الفَقِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ السَّقِيمُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ الأعْمى لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ: شِدَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: عَوْذًا مُعاذًا، المَلائِكَةُ تَقُولُهُ. وفي لَفْظٍ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ البُشْرى في اليَوْمِ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نُبَشِّرَكم بِما نُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالا: هي كَلِمَةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ قالَ: حَجْرًا مَحْجُورًا حَرامًا مُحَرَّمًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ قالَ: عَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ مِمَّنْ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الهَباءُ شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو ما تَسْفِي الرِّيحُ وتَبُثُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو الماءُ المُهْراقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قالَ: في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَنْصَرِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
الفرقان 25:18
.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: واذْكُرْ، وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَما مَرَّ مِرارًا.
قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الدُّورِيِّ ( يَحْشُرُهم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ الكَلامِ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] (p-١٠٣٦)والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى التَّعْظِيمِ ما عَدا الأعْرَجَ فَإنَّهُ قَرَأ ( نَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ، لِأنَّ ( يَفْعِلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن ( يَفْعُلُ ) بِضَمِّها، ورَدَّهُ أبُو حِبّانَ بِاسْتِواءِ المَضْمُومِ والمَكْسُورِ إلّا أنْ يَشْتَهِرَ أحَدُهُما اتُّبِعَ
﴿وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ ( نَحْشُرُ )، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ونَحْوِها عَلى العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والمَسِيحِ تَنْبِيْهًا عَلى أنَّها جَمِيعًا مُشْتَرِكَةٌ في كَوْنِها غَيْرَ صالِحَةٍ لِكَوْنِها آلِهَةً، أوْ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ مَن لا يَعْقِلُ أكْثَرُ مِمَّنْ يَعْبُدُ مَن يَعْقِلُ مِنها، فَغُلِّبَتِ اعْتِبارًا بِكَثْرَةِ مَن يَعْبُدُها وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِمْ وجَوابِهِمْ فِيما بَعْدُ.
وقالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ الأصْنامُ خاصَّةً وإنَّها وإنْ كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَتَكَلَّمُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَجْعَلُها يَوْمَ القِيامَةِ سامِعَةً ناطِقَةً، ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ( فَنَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ كَما اخْتارَ القِراءَةَ بِها في ( نَحْشُرُهم )، وكَذا أبُو حاتِمٍ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
والمَعْنى: أكانَ ضَلالُهم بِسَبَبِكم وبِدَعْوَتِكم لَهم إلى عِبادَتِكم، أمْ هم ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِيما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الحَقِّ والتَّدَبُّرِ فِيما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الصَّوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى سُبْحانَكَ التَّعَجُّبُ مِمّا قِيلَ لَهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً أوْ أنْبِياءَ مَعْصُومِينَ، أوْ جَماداتٍ لا تَعْقِلُ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَنَعْبُدُهم، فَكَيْفَ نَدْعُو عِبادَكَ إلى عِبادَتِنا نَحْنُ مَعَ كَوْنِنا لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، والوَلِيُّ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ( نَتَّخِذُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ( نُتَّخَذُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ يَتَّخِذَنا المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ ولَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَحُذِفَتْ مِنَ الثّانِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةُ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ( مِن ) مَرَّتَيْنِ، ولَوْ كانَ كَما قَرَأ لَقالَ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ. وقِيلَ: إنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةَ زائِدَةٌ.
ثُمَّ حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ بِأنَّهم بَعْدَ هَذا الجَوابِ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِ المُشْرِكِينَ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا السَّبِيلَ، ولَمْ يُضِلَّهم غَيْرُهم، والمَعْنى: ما أضْلَلْناهم، ولَكِنَّكَ يا رَبِّ مَتَّعْتَهَمْ ومَتَّعْتَ آباءَهم بِالنِّعَمِ ووَسَّعْتَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وأطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ حَتّى غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ ونَسُوا مَوْعِظَتَكَ والتَّدَبُّرَ لِكِتابِكَ والنَّظَرَ في عَجائِبِ صُنْعِكَ وغَرائِبِ مَخْلُوقاتِكَ.
وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِئُ ( يُنْبَغى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعْمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها لُغَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِنِسْيانِ الذِّكْرِ هُنا هو تَرْكُ الشُّكْرِ ﴿وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِكَ وعَبَدُوا غَيْرَكَ في قَضائِكَ الأزَلِيِّ قَوْمًا بُورًا أيْ: هَلْكى، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ: يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ. يُقالُ بارَتْ بِضاعَتُهُ أيْ: فَسَدَتْ، وأمْرٌ بائِرٌ أيْ: فاسِدٌ وهي لُغَةُ الأزْدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تَعْطِيلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّ البَوارَ الكَسادُ، ومِنهُ بارَتِ السِّلْعَةُ إذا كَسَدَتْ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ تَبَرِّي المَعْبُودِينَ مُخاطِبًا لِلْمُشْرِكِينَ العابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوكم أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الآلِهَةُ صَرْفًا أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: حِيلَةً ولا نَصْرًا أيْ ولا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم، وقِيلَ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا كَذَّبَهُمُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ الَّذِي عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولا نَصْرًا مِنَ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( تَسْتَطِيعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَقَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى بِما تَقُولُونَ: ما تَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكم صَرْفًا عَنِ الحَقِّ الَّذِي هَداكُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِما تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ ( فَقَدْ كَذَبُوكم ) مُخَفَّفًا ( بِما يَقُولُونَ ) أيْ: كَذَبُوكم في قَوْلِهِمْ وكَذا قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُجاهِدٌ والبَزِّيُّ ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ الَّذِينَ فِيهِمُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والعَذابُ الكَبِيرُ عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ ( يُذِقْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ مُوَضِّحًا لِبُطْلانِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ ( إلّا ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ المَوْصُوفُ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ وما مِنّا أحَدٌ. وقالَ الفَرّاءُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مِن أنَّهم فالضَّمِيرُ في أنَّهم وما (p-١٠٣٧)بَعْدَهُ راجِعٌ إلى المُقَدَّرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] أيْ: إلّا مَن يَرِدُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ " مَنَ " المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وأنَّهم، فالمَحْذُوفُ عِنْدَهُ الواوُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( ﴿إلّا إنَّهُمْ﴾ ) بِكَسْرِ إنَّ لِوُجُودِ اللّامِ في خَبَرِها كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَهم.
قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ حَكى لَنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ في إنَّ هَذِهِ الفَتْحُ وإنْ كانَ بَعْدَها اللّامُ وأحْسَبُهُ وهْمًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ. ( يَمْشُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَوْفٍ وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِّينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمْشِي بِأعْطانِ المِياهِ وأتَّقِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةً ورُكُوبَ
وقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎مِنهُ تَظَلُّ سِباعُ الحَيِّ ضامِزَةً ∗∗∗ ولا تَمْشِي بِوادِيهِ الأراجِيلُ
﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِلنّاسِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ عَبِيدِهِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كُفّارُ الأُمَمِ، وبِالبَعْضِ الثّانِي الرُّسُلُ، ومَعْنى الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ البَعْضَ مِنَ النّاسِ مُمْتَحَنٌ بِالبَعْضِ مُبْتَلًى بِهِ، فالمَرِيضُ يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كالصَّحِيحِ ؟ وكَذا كُلُّ صاحِبِ آفَةٍ، والصَّحِيحُ مُبْتَلًى بِالمَرِيضِ فَلا يَضَّجِرُ مِنهُ ولا يُحَقِّرُهُ، والغَنِيُّ مُبْتَلًى بِالفَقِيرِ يُواسِيهِ، والفَقِيرُ مُبْتَلًى بِالغَنِيِّ يَحْسُدُهُ، ونَحْوُ هَذا مِثْلُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ ورَأى الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ، وقالَ لا أُسْلِمُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السّابِقَةُ والفَضْلُ، فَيُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، فَذَلِكَ افْتِتانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
ولا وجْهَ لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى هَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ إنْ كانُوا سَبَبَ النُّزُولِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ الإخْبارِ بِجَعْلِ البَعْضِ لِلْبَعْضِ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ أيْ: أتَصَبِرُونَ عَلى ما تَرَوْنَ مِن هَذِهِ الحالِ الشَّدِيدَةِ والِابْتِلاءِ العَظِيمِ.
قِيلَ: مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ هاهُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ثُمَّ وعَدَ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أيْ بِكُلِّ مَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ.
وقِيلَ: مَعْنى أتَصْبِرُونَ: اصْبِرُوا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أيِ انْتَهُوا.
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمُ الَّتِي قَدَحُوا بِها في النُّبُوَّةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وقالُوا مالِ هَذا﴾ [الفرقان: ٧] أيْ: وقالَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أرْجُو إذا كُنْتُ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
أيْ لا أُبالِي، وقِيلَ: المَعْنى لا يَخافُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلُ
أيْ: لَمْ يَخَفْ، وهي لُغَةُ تِهامَةَ. قالَ الفَرّاءُ وُضِعَ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ، وقِيلَ: لا يَأْمَلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ∗∗∗ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أوْلى، فالمَعْنى: لا يَأْمُلُونَ لِقاءَ ما وعَدْنا عَلى الطّاعَةِ مِنَ الثَّوابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لا يَرْجُو الثَّوابَ لا يَخافُ العِقابَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا فَيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، أوْ هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا رُسُلًا يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ عِيانًا فَيُخْبِرُنا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ.
ثُمَّ أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ هَذِهِ فَقالَ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ عَنِ الحَقِّ والعِنادِ في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾، والعُتُوُّ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الطُّغْيانِ والبُلُوغُ إلى أقْصى غاياتِهِ، ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ لِكَوْنِ التَّكَلُّمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعِظَمِ فَإنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِإرْسالِ البَشَرِ حَتّى طَلَبُوا إرْسالَ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُخاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا مِن دُونِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولَقَدْ بَلَغَ هَؤُلاءِ الرَّذالَةُ بِأنْفُسِهِمْ مَبْلَغًا هي أحْقَرُ وأقَلُّ وأرْذَلُ مِن أنْ تَكُونَ مِن أهْلِهِ، أوْ تُعَدَّ مِنَ المُسْتَعِدِّينَ لَهُ، وهَكَذا مَن جَهِلَ قَدْرَ نَفْسِهِ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّهِ، ومَن جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ رَأى غَيْرُهُ مِنهُ ما لا يَرى.
وانْتِصابُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ رُؤْيَةً لَيْسَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ والصُّورَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو يَوْمُ ظُهُورِهِمْ لَهم عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ هَذا الظَّرْفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ يُمْنَعُونَ البُشْرى يَوْمَ يَرَوْنَ، أوْ لا تُوجَدُ لَهم بُشْرى فِيهِ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ، وهو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ قَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ البُشْرى.
قالَ الزَّجّاجُ: المُجْرِمُونَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ ويَقُولُ الكُفّارُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذِهِ كَلِمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ وهُجُومِ نازِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ حِجْرًا مَحْجُورًا أيْ: حَرامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي.
وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ: يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّمًا ∗∗∗ وأصْبَحْتُ مِن أدْنى حُمُومَتِها حَماءَ
أيْ أصْبَحَتْ أسْماءُ حَرامًا مُحَرَّمًا، وقالَ آخَرُ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في بابِ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُها هَذِهِ الكَلِمَةَ، وجَعَلَها مِن جُمْلَتِها. (p-١٠٣٨)﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ هَذا وعِيدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا لَها صُورَةُ الخَيْرِ: مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وإطْعامِ الطَّعامِ وأمْثالِها، ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإثابَةِ عَلَيْها إلّا الكُفْرُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم وأعْمالُهم بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَدِمَ إلى ما مَعَهم مِنَ المَتاعِ فَأفْسَدَهُ ولَمْ يَتْرُكْ مِنها شَيْئًا، وإلّا فَلا قُدُومَ هاهُنا.
قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى قَدِمْنا: عَمَدْنا وقَصَدْنا، يُقالُ: قَدِمَ فُلانٌ إلى أمْرِ كَذا إذا قَصَدَهُ أوْ عَمَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ
؎إلى عِبادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا
؎إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ
وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ تَعالى، والهَباءُ واحِدُهُ هَباءَةٌ، والجَمْعُ أهْباءُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الهَباءُ التُّرابُ الَّذِي تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كَأنَّهُ دُخانٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ما يَدْخُلُ في الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ يُشْبِهُ الغُبارَ، وكَذا قالَ الأزْهَرِيُّ: والمَنثُورُ المُفَرَّقُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ المَنثُورِ، لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِالهَباءِ حَتّى وصَفَهُ بِأنَّهُ مُتَفَرِّقٌ مُتَبَدِّدٌ، وقِيلَ: إنَّ الهَباءَ ما أذْرَتْهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو الماءُ المُهْراقُ، وقِيلَ: الرَّمادُ. والأوَّلُ هو الَّذِي ثَبَتَ في لُغَةِ العَرَبِ ونَقَلَهُ العارِفُونَ بِها.
ثُمَّ مَيَّزَ سُبْحانَهُ حالَ الأبْرارِ مِن حالِ الفُجّارِ. فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ: أفْضَلُ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أيْ: مَوْضِعَ قائِلَةٍ، وانْتِصابُ " مُسْتَقَرًا " عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ، إذا اشْتَدَّ الحَرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ يَوْمٌ. قالَ النَّحّاسُ: والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: هو الشِّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: بَلاءً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يَقُولُ الفَقِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ السَّقِيمُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ الأعْمى لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ: شِدَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: عَوْذًا مُعاذًا، المَلائِكَةُ تَقُولُهُ. وفي لَفْظٍ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ البُشْرى في اليَوْمِ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نُبَشِّرَكم بِما نُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالا: هي كَلِمَةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ قالَ: حَجْرًا مَحْجُورًا حَرامًا مُحَرَّمًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ قالَ: عَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ مِمَّنْ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الهَباءُ شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو ما تَسْفِي الرِّيحُ وتَبُثُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو الماءُ المُهْراقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قالَ: في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَنْصَرِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
الفرقان 25:19
.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: واذْكُرْ، وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَما مَرَّ مِرارًا.
قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الدُّورِيِّ ( يَحْشُرُهم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ الكَلامِ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] (p-١٠٣٦)والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى التَّعْظِيمِ ما عَدا الأعْرَجَ فَإنَّهُ قَرَأ ( نَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ، لِأنَّ ( يَفْعِلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن ( يَفْعُلُ ) بِضَمِّها، ورَدَّهُ أبُو حِبّانَ بِاسْتِواءِ المَضْمُومِ والمَكْسُورِ إلّا أنْ يَشْتَهِرَ أحَدُهُما اتُّبِعَ
﴿وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ ( نَحْشُرُ )، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ونَحْوِها عَلى العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والمَسِيحِ تَنْبِيْهًا عَلى أنَّها جَمِيعًا مُشْتَرِكَةٌ في كَوْنِها غَيْرَ صالِحَةٍ لِكَوْنِها آلِهَةً، أوْ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ مَن لا يَعْقِلُ أكْثَرُ مِمَّنْ يَعْبُدُ مَن يَعْقِلُ مِنها، فَغُلِّبَتِ اعْتِبارًا بِكَثْرَةِ مَن يَعْبُدُها وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِمْ وجَوابِهِمْ فِيما بَعْدُ.
وقالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ الأصْنامُ خاصَّةً وإنَّها وإنْ كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَتَكَلَّمُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَجْعَلُها يَوْمَ القِيامَةِ سامِعَةً ناطِقَةً، ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ( فَنَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ كَما اخْتارَ القِراءَةَ بِها في ( نَحْشُرُهم )، وكَذا أبُو حاتِمٍ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
والمَعْنى: أكانَ ضَلالُهم بِسَبَبِكم وبِدَعْوَتِكم لَهم إلى عِبادَتِكم، أمْ هم ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِيما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الحَقِّ والتَّدَبُّرِ فِيما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الصَّوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى سُبْحانَكَ التَّعَجُّبُ مِمّا قِيلَ لَهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً أوْ أنْبِياءَ مَعْصُومِينَ، أوْ جَماداتٍ لا تَعْقِلُ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَنَعْبُدُهم، فَكَيْفَ نَدْعُو عِبادَكَ إلى عِبادَتِنا نَحْنُ مَعَ كَوْنِنا لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، والوَلِيُّ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ( نَتَّخِذُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ( نُتَّخَذُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ يَتَّخِذَنا المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ ولَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَحُذِفَتْ مِنَ الثّانِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةُ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ( مِن ) مَرَّتَيْنِ، ولَوْ كانَ كَما قَرَأ لَقالَ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ. وقِيلَ: إنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةَ زائِدَةٌ.
ثُمَّ حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ بِأنَّهم بَعْدَ هَذا الجَوابِ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِ المُشْرِكِينَ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا السَّبِيلَ، ولَمْ يُضِلَّهم غَيْرُهم، والمَعْنى: ما أضْلَلْناهم، ولَكِنَّكَ يا رَبِّ مَتَّعْتَهَمْ ومَتَّعْتَ آباءَهم بِالنِّعَمِ ووَسَّعْتَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وأطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ حَتّى غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ ونَسُوا مَوْعِظَتَكَ والتَّدَبُّرَ لِكِتابِكَ والنَّظَرَ في عَجائِبِ صُنْعِكَ وغَرائِبِ مَخْلُوقاتِكَ.
وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِئُ ( يُنْبَغى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعْمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها لُغَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِنِسْيانِ الذِّكْرِ هُنا هو تَرْكُ الشُّكْرِ ﴿وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِكَ وعَبَدُوا غَيْرَكَ في قَضائِكَ الأزَلِيِّ قَوْمًا بُورًا أيْ: هَلْكى، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ: يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ. يُقالُ بارَتْ بِضاعَتُهُ أيْ: فَسَدَتْ، وأمْرٌ بائِرٌ أيْ: فاسِدٌ وهي لُغَةُ الأزْدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تَعْطِيلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّ البَوارَ الكَسادُ، ومِنهُ بارَتِ السِّلْعَةُ إذا كَسَدَتْ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ تَبَرِّي المَعْبُودِينَ مُخاطِبًا لِلْمُشْرِكِينَ العابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوكم أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الآلِهَةُ صَرْفًا أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: حِيلَةً ولا نَصْرًا أيْ ولا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم، وقِيلَ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا كَذَّبَهُمُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ الَّذِي عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولا نَصْرًا مِنَ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( تَسْتَطِيعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَقَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى بِما تَقُولُونَ: ما تَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكم صَرْفًا عَنِ الحَقِّ الَّذِي هَداكُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِما تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ ( فَقَدْ كَذَبُوكم ) مُخَفَّفًا ( بِما يَقُولُونَ ) أيْ: كَذَبُوكم في قَوْلِهِمْ وكَذا قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُجاهِدٌ والبَزِّيُّ ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ الَّذِينَ فِيهِمُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والعَذابُ الكَبِيرُ عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ ( يُذِقْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ مُوَضِّحًا لِبُطْلانِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ ( إلّا ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ المَوْصُوفُ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ وما مِنّا أحَدٌ. وقالَ الفَرّاءُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مِن أنَّهم فالضَّمِيرُ في أنَّهم وما (p-١٠٣٧)بَعْدَهُ راجِعٌ إلى المُقَدَّرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] أيْ: إلّا مَن يَرِدُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ " مَنَ " المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وأنَّهم، فالمَحْذُوفُ عِنْدَهُ الواوُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( ﴿إلّا إنَّهُمْ﴾ ) بِكَسْرِ إنَّ لِوُجُودِ اللّامِ في خَبَرِها كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَهم.
قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ حَكى لَنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ في إنَّ هَذِهِ الفَتْحُ وإنْ كانَ بَعْدَها اللّامُ وأحْسَبُهُ وهْمًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ. ( يَمْشُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَوْفٍ وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِّينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمْشِي بِأعْطانِ المِياهِ وأتَّقِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةً ورُكُوبَ
وقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎مِنهُ تَظَلُّ سِباعُ الحَيِّ ضامِزَةً ∗∗∗ ولا تَمْشِي بِوادِيهِ الأراجِيلُ
﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِلنّاسِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ عَبِيدِهِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كُفّارُ الأُمَمِ، وبِالبَعْضِ الثّانِي الرُّسُلُ، ومَعْنى الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ البَعْضَ مِنَ النّاسِ مُمْتَحَنٌ بِالبَعْضِ مُبْتَلًى بِهِ، فالمَرِيضُ يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كالصَّحِيحِ ؟ وكَذا كُلُّ صاحِبِ آفَةٍ، والصَّحِيحُ مُبْتَلًى بِالمَرِيضِ فَلا يَضَّجِرُ مِنهُ ولا يُحَقِّرُهُ، والغَنِيُّ مُبْتَلًى بِالفَقِيرِ يُواسِيهِ، والفَقِيرُ مُبْتَلًى بِالغَنِيِّ يَحْسُدُهُ، ونَحْوُ هَذا مِثْلُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ ورَأى الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ، وقالَ لا أُسْلِمُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السّابِقَةُ والفَضْلُ، فَيُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، فَذَلِكَ افْتِتانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
ولا وجْهَ لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى هَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ إنْ كانُوا سَبَبَ النُّزُولِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ الإخْبارِ بِجَعْلِ البَعْضِ لِلْبَعْضِ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ أيْ: أتَصَبِرُونَ عَلى ما تَرَوْنَ مِن هَذِهِ الحالِ الشَّدِيدَةِ والِابْتِلاءِ العَظِيمِ.
قِيلَ: مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ هاهُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ثُمَّ وعَدَ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أيْ بِكُلِّ مَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ.
وقِيلَ: مَعْنى أتَصْبِرُونَ: اصْبِرُوا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أيِ انْتَهُوا.
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمُ الَّتِي قَدَحُوا بِها في النُّبُوَّةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وقالُوا مالِ هَذا﴾ [الفرقان: ٧] أيْ: وقالَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أرْجُو إذا كُنْتُ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
أيْ لا أُبالِي، وقِيلَ: المَعْنى لا يَخافُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلُ
أيْ: لَمْ يَخَفْ، وهي لُغَةُ تِهامَةَ. قالَ الفَرّاءُ وُضِعَ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ، وقِيلَ: لا يَأْمَلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ∗∗∗ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أوْلى، فالمَعْنى: لا يَأْمُلُونَ لِقاءَ ما وعَدْنا عَلى الطّاعَةِ مِنَ الثَّوابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لا يَرْجُو الثَّوابَ لا يَخافُ العِقابَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا فَيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، أوْ هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا رُسُلًا يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ عِيانًا فَيُخْبِرُنا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ.
ثُمَّ أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ هَذِهِ فَقالَ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ عَنِ الحَقِّ والعِنادِ في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾، والعُتُوُّ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الطُّغْيانِ والبُلُوغُ إلى أقْصى غاياتِهِ، ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ لِكَوْنِ التَّكَلُّمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعِظَمِ فَإنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِإرْسالِ البَشَرِ حَتّى طَلَبُوا إرْسالَ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُخاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا مِن دُونِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولَقَدْ بَلَغَ هَؤُلاءِ الرَّذالَةُ بِأنْفُسِهِمْ مَبْلَغًا هي أحْقَرُ وأقَلُّ وأرْذَلُ مِن أنْ تَكُونَ مِن أهْلِهِ، أوْ تُعَدَّ مِنَ المُسْتَعِدِّينَ لَهُ، وهَكَذا مَن جَهِلَ قَدْرَ نَفْسِهِ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّهِ، ومَن جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ رَأى غَيْرُهُ مِنهُ ما لا يَرى.
وانْتِصابُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ رُؤْيَةً لَيْسَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ والصُّورَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو يَوْمُ ظُهُورِهِمْ لَهم عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ هَذا الظَّرْفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ يُمْنَعُونَ البُشْرى يَوْمَ يَرَوْنَ، أوْ لا تُوجَدُ لَهم بُشْرى فِيهِ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ، وهو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ قَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ البُشْرى.
قالَ الزَّجّاجُ: المُجْرِمُونَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ ويَقُولُ الكُفّارُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذِهِ كَلِمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ وهُجُومِ نازِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ حِجْرًا مَحْجُورًا أيْ: حَرامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي.
وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ: يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّمًا ∗∗∗ وأصْبَحْتُ مِن أدْنى حُمُومَتِها حَماءَ
أيْ أصْبَحَتْ أسْماءُ حَرامًا مُحَرَّمًا، وقالَ آخَرُ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في بابِ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُها هَذِهِ الكَلِمَةَ، وجَعَلَها مِن جُمْلَتِها. (p-١٠٣٨)﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ هَذا وعِيدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا لَها صُورَةُ الخَيْرِ: مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وإطْعامِ الطَّعامِ وأمْثالِها، ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإثابَةِ عَلَيْها إلّا الكُفْرُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم وأعْمالُهم بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَدِمَ إلى ما مَعَهم مِنَ المَتاعِ فَأفْسَدَهُ ولَمْ يَتْرُكْ مِنها شَيْئًا، وإلّا فَلا قُدُومَ هاهُنا.
قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى قَدِمْنا: عَمَدْنا وقَصَدْنا، يُقالُ: قَدِمَ فُلانٌ إلى أمْرِ كَذا إذا قَصَدَهُ أوْ عَمَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ
؎إلى عِبادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا
؎إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ
وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ تَعالى، والهَباءُ واحِدُهُ هَباءَةٌ، والجَمْعُ أهْباءُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الهَباءُ التُّرابُ الَّذِي تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كَأنَّهُ دُخانٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ما يَدْخُلُ في الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ يُشْبِهُ الغُبارَ، وكَذا قالَ الأزْهَرِيُّ: والمَنثُورُ المُفَرَّقُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ المَنثُورِ، لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِالهَباءِ حَتّى وصَفَهُ بِأنَّهُ مُتَفَرِّقٌ مُتَبَدِّدٌ، وقِيلَ: إنَّ الهَباءَ ما أذْرَتْهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو الماءُ المُهْراقُ، وقِيلَ: الرَّمادُ. والأوَّلُ هو الَّذِي ثَبَتَ في لُغَةِ العَرَبِ ونَقَلَهُ العارِفُونَ بِها.
ثُمَّ مَيَّزَ سُبْحانَهُ حالَ الأبْرارِ مِن حالِ الفُجّارِ. فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ: أفْضَلُ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أيْ: مَوْضِعَ قائِلَةٍ، وانْتِصابُ " مُسْتَقَرًا " عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ، إذا اشْتَدَّ الحَرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ يَوْمٌ. قالَ النَّحّاسُ: والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: هو الشِّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: بَلاءً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يَقُولُ الفَقِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ السَّقِيمُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ الأعْمى لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ: شِدَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: عَوْذًا مُعاذًا، المَلائِكَةُ تَقُولُهُ. وفي لَفْظٍ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ البُشْرى في اليَوْمِ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نُبَشِّرَكم بِما نُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالا: هي كَلِمَةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ قالَ: حَجْرًا مَحْجُورًا حَرامًا مُحَرَّمًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ قالَ: عَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ مِمَّنْ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الهَباءُ شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو ما تَسْفِي الرِّيحُ وتَبُثُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو الماءُ المُهْراقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قالَ: في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَنْصَرِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
الفرقان 25:20
.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: واذْكُرْ، وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَما مَرَّ مِرارًا.
قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الدُّورِيِّ ( يَحْشُرُهم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ الكَلامِ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] (p-١٠٣٦)والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى التَّعْظِيمِ ما عَدا الأعْرَجَ فَإنَّهُ قَرَأ ( نَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ، لِأنَّ ( يَفْعِلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن ( يَفْعُلُ ) بِضَمِّها، ورَدَّهُ أبُو حِبّانَ بِاسْتِواءِ المَضْمُومِ والمَكْسُورِ إلّا أنْ يَشْتَهِرَ أحَدُهُما اتُّبِعَ
﴿وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ ( نَحْشُرُ )، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ونَحْوِها عَلى العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والمَسِيحِ تَنْبِيْهًا عَلى أنَّها جَمِيعًا مُشْتَرِكَةٌ في كَوْنِها غَيْرَ صالِحَةٍ لِكَوْنِها آلِهَةً، أوْ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ مَن لا يَعْقِلُ أكْثَرُ مِمَّنْ يَعْبُدُ مَن يَعْقِلُ مِنها، فَغُلِّبَتِ اعْتِبارًا بِكَثْرَةِ مَن يَعْبُدُها وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِمْ وجَوابِهِمْ فِيما بَعْدُ.
وقالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ الأصْنامُ خاصَّةً وإنَّها وإنْ كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَتَكَلَّمُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَجْعَلُها يَوْمَ القِيامَةِ سامِعَةً ناطِقَةً، ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ( فَنَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ كَما اخْتارَ القِراءَةَ بِها في ( نَحْشُرُهم )، وكَذا أبُو حاتِمٍ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
والمَعْنى: أكانَ ضَلالُهم بِسَبَبِكم وبِدَعْوَتِكم لَهم إلى عِبادَتِكم، أمْ هم ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِيما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الحَقِّ والتَّدَبُّرِ فِيما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الصَّوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى سُبْحانَكَ التَّعَجُّبُ مِمّا قِيلَ لَهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً أوْ أنْبِياءَ مَعْصُومِينَ، أوْ جَماداتٍ لا تَعْقِلُ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَنَعْبُدُهم، فَكَيْفَ نَدْعُو عِبادَكَ إلى عِبادَتِنا نَحْنُ مَعَ كَوْنِنا لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، والوَلِيُّ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ( نَتَّخِذُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ( نُتَّخَذُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ يَتَّخِذَنا المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ ولَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَحُذِفَتْ مِنَ الثّانِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةُ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ( مِن ) مَرَّتَيْنِ، ولَوْ كانَ كَما قَرَأ لَقالَ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ. وقِيلَ: إنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةَ زائِدَةٌ.
ثُمَّ حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ بِأنَّهم بَعْدَ هَذا الجَوابِ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِ المُشْرِكِينَ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا السَّبِيلَ، ولَمْ يُضِلَّهم غَيْرُهم، والمَعْنى: ما أضْلَلْناهم، ولَكِنَّكَ يا رَبِّ مَتَّعْتَهَمْ ومَتَّعْتَ آباءَهم بِالنِّعَمِ ووَسَّعْتَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وأطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ حَتّى غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ ونَسُوا مَوْعِظَتَكَ والتَّدَبُّرَ لِكِتابِكَ والنَّظَرَ في عَجائِبِ صُنْعِكَ وغَرائِبِ مَخْلُوقاتِكَ.
وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِئُ ( يُنْبَغى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعْمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها لُغَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِنِسْيانِ الذِّكْرِ هُنا هو تَرْكُ الشُّكْرِ ﴿وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِكَ وعَبَدُوا غَيْرَكَ في قَضائِكَ الأزَلِيِّ قَوْمًا بُورًا أيْ: هَلْكى، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ: يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ. يُقالُ بارَتْ بِضاعَتُهُ أيْ: فَسَدَتْ، وأمْرٌ بائِرٌ أيْ: فاسِدٌ وهي لُغَةُ الأزْدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تَعْطِيلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّ البَوارَ الكَسادُ، ومِنهُ بارَتِ السِّلْعَةُ إذا كَسَدَتْ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ تَبَرِّي المَعْبُودِينَ مُخاطِبًا لِلْمُشْرِكِينَ العابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوكم أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الآلِهَةُ صَرْفًا أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: حِيلَةً ولا نَصْرًا أيْ ولا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم، وقِيلَ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا كَذَّبَهُمُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ الَّذِي عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولا نَصْرًا مِنَ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( تَسْتَطِيعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَقَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى بِما تَقُولُونَ: ما تَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكم صَرْفًا عَنِ الحَقِّ الَّذِي هَداكُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِما تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ ( فَقَدْ كَذَبُوكم ) مُخَفَّفًا ( بِما يَقُولُونَ ) أيْ: كَذَبُوكم في قَوْلِهِمْ وكَذا قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُجاهِدٌ والبَزِّيُّ ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ الَّذِينَ فِيهِمُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والعَذابُ الكَبِيرُ عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ ( يُذِقْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ مُوَضِّحًا لِبُطْلانِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ ( إلّا ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ المَوْصُوفُ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ وما مِنّا أحَدٌ. وقالَ الفَرّاءُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مِن أنَّهم فالضَّمِيرُ في أنَّهم وما (p-١٠٣٧)بَعْدَهُ راجِعٌ إلى المُقَدَّرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] أيْ: إلّا مَن يَرِدُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ " مَنَ " المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وأنَّهم، فالمَحْذُوفُ عِنْدَهُ الواوُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( ﴿إلّا إنَّهُمْ﴾ ) بِكَسْرِ إنَّ لِوُجُودِ اللّامِ في خَبَرِها كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَهم.
قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ حَكى لَنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ في إنَّ هَذِهِ الفَتْحُ وإنْ كانَ بَعْدَها اللّامُ وأحْسَبُهُ وهْمًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ. ( يَمْشُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَوْفٍ وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِّينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمْشِي بِأعْطانِ المِياهِ وأتَّقِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةً ورُكُوبَ
وقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎مِنهُ تَظَلُّ سِباعُ الحَيِّ ضامِزَةً ∗∗∗ ولا تَمْشِي بِوادِيهِ الأراجِيلُ
﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِلنّاسِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ عَبِيدِهِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كُفّارُ الأُمَمِ، وبِالبَعْضِ الثّانِي الرُّسُلُ، ومَعْنى الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ البَعْضَ مِنَ النّاسِ مُمْتَحَنٌ بِالبَعْضِ مُبْتَلًى بِهِ، فالمَرِيضُ يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كالصَّحِيحِ ؟ وكَذا كُلُّ صاحِبِ آفَةٍ، والصَّحِيحُ مُبْتَلًى بِالمَرِيضِ فَلا يَضَّجِرُ مِنهُ ولا يُحَقِّرُهُ، والغَنِيُّ مُبْتَلًى بِالفَقِيرِ يُواسِيهِ، والفَقِيرُ مُبْتَلًى بِالغَنِيِّ يَحْسُدُهُ، ونَحْوُ هَذا مِثْلُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ ورَأى الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ، وقالَ لا أُسْلِمُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السّابِقَةُ والفَضْلُ، فَيُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، فَذَلِكَ افْتِتانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
ولا وجْهَ لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى هَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ إنْ كانُوا سَبَبَ النُّزُولِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ الإخْبارِ بِجَعْلِ البَعْضِ لِلْبَعْضِ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ أيْ: أتَصَبِرُونَ عَلى ما تَرَوْنَ مِن هَذِهِ الحالِ الشَّدِيدَةِ والِابْتِلاءِ العَظِيمِ.
قِيلَ: مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ هاهُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ثُمَّ وعَدَ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أيْ بِكُلِّ مَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ.
وقِيلَ: مَعْنى أتَصْبِرُونَ: اصْبِرُوا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أيِ انْتَهُوا.
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمُ الَّتِي قَدَحُوا بِها في النُّبُوَّةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وقالُوا مالِ هَذا﴾ [الفرقان: ٧] أيْ: وقالَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أرْجُو إذا كُنْتُ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
أيْ لا أُبالِي، وقِيلَ: المَعْنى لا يَخافُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلُ
أيْ: لَمْ يَخَفْ، وهي لُغَةُ تِهامَةَ. قالَ الفَرّاءُ وُضِعَ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ، وقِيلَ: لا يَأْمَلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ∗∗∗ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أوْلى، فالمَعْنى: لا يَأْمُلُونَ لِقاءَ ما وعَدْنا عَلى الطّاعَةِ مِنَ الثَّوابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لا يَرْجُو الثَّوابَ لا يَخافُ العِقابَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا فَيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، أوْ هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا رُسُلًا يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ عِيانًا فَيُخْبِرُنا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ.
ثُمَّ أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ هَذِهِ فَقالَ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ عَنِ الحَقِّ والعِنادِ في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾، والعُتُوُّ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الطُّغْيانِ والبُلُوغُ إلى أقْصى غاياتِهِ، ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ لِكَوْنِ التَّكَلُّمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعِظَمِ فَإنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِإرْسالِ البَشَرِ حَتّى طَلَبُوا إرْسالَ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُخاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا مِن دُونِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولَقَدْ بَلَغَ هَؤُلاءِ الرَّذالَةُ بِأنْفُسِهِمْ مَبْلَغًا هي أحْقَرُ وأقَلُّ وأرْذَلُ مِن أنْ تَكُونَ مِن أهْلِهِ، أوْ تُعَدَّ مِنَ المُسْتَعِدِّينَ لَهُ، وهَكَذا مَن جَهِلَ قَدْرَ نَفْسِهِ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّهِ، ومَن جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ رَأى غَيْرُهُ مِنهُ ما لا يَرى.
وانْتِصابُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ رُؤْيَةً لَيْسَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ والصُّورَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو يَوْمُ ظُهُورِهِمْ لَهم عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ هَذا الظَّرْفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ يُمْنَعُونَ البُشْرى يَوْمَ يَرَوْنَ، أوْ لا تُوجَدُ لَهم بُشْرى فِيهِ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ، وهو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ قَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ البُشْرى.
قالَ الزَّجّاجُ: المُجْرِمُونَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ ويَقُولُ الكُفّارُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذِهِ كَلِمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ وهُجُومِ نازِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ حِجْرًا مَحْجُورًا أيْ: حَرامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي.
وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ: يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّمًا ∗∗∗ وأصْبَحْتُ مِن أدْنى حُمُومَتِها حَماءَ
أيْ أصْبَحَتْ أسْماءُ حَرامًا مُحَرَّمًا، وقالَ آخَرُ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في بابِ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُها هَذِهِ الكَلِمَةَ، وجَعَلَها مِن جُمْلَتِها. (p-١٠٣٨)﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ هَذا وعِيدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا لَها صُورَةُ الخَيْرِ: مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وإطْعامِ الطَّعامِ وأمْثالِها، ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإثابَةِ عَلَيْها إلّا الكُفْرُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم وأعْمالُهم بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَدِمَ إلى ما مَعَهم مِنَ المَتاعِ فَأفْسَدَهُ ولَمْ يَتْرُكْ مِنها شَيْئًا، وإلّا فَلا قُدُومَ هاهُنا.
قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى قَدِمْنا: عَمَدْنا وقَصَدْنا، يُقالُ: قَدِمَ فُلانٌ إلى أمْرِ كَذا إذا قَصَدَهُ أوْ عَمَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ
؎إلى عِبادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا
؎إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ
وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ تَعالى، والهَباءُ واحِدُهُ هَباءَةٌ، والجَمْعُ أهْباءُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الهَباءُ التُّرابُ الَّذِي تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كَأنَّهُ دُخانٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ما يَدْخُلُ في الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ يُشْبِهُ الغُبارَ، وكَذا قالَ الأزْهَرِيُّ: والمَنثُورُ المُفَرَّقُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ المَنثُورِ، لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِالهَباءِ حَتّى وصَفَهُ بِأنَّهُ مُتَفَرِّقٌ مُتَبَدِّدٌ، وقِيلَ: إنَّ الهَباءَ ما أذْرَتْهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو الماءُ المُهْراقُ، وقِيلَ: الرَّمادُ. والأوَّلُ هو الَّذِي ثَبَتَ في لُغَةِ العَرَبِ ونَقَلَهُ العارِفُونَ بِها.
ثُمَّ مَيَّزَ سُبْحانَهُ حالَ الأبْرارِ مِن حالِ الفُجّارِ. فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ: أفْضَلُ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أيْ: مَوْضِعَ قائِلَةٍ، وانْتِصابُ " مُسْتَقَرًا " عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ، إذا اشْتَدَّ الحَرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ يَوْمٌ. قالَ النَّحّاسُ: والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: هو الشِّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: بَلاءً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يَقُولُ الفَقِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ السَّقِيمُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ الأعْمى لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ: شِدَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: عَوْذًا مُعاذًا، المَلائِكَةُ تَقُولُهُ. وفي لَفْظٍ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ البُشْرى في اليَوْمِ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نُبَشِّرَكم بِما نُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالا: هي كَلِمَةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ قالَ: حَجْرًا مَحْجُورًا حَرامًا مُحَرَّمًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ قالَ: عَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ مِمَّنْ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الهَباءُ شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو ما تَسْفِي الرِّيحُ وتَبُثُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو الماءُ المُهْراقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قالَ: في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَنْصَرِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
الفرقان 25:21
.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: واذْكُرْ، وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَما مَرَّ مِرارًا.
قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الدُّورِيِّ ( يَحْشُرُهم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ الكَلامِ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] (p-١٠٣٦)والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى التَّعْظِيمِ ما عَدا الأعْرَجَ فَإنَّهُ قَرَأ ( نَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ، لِأنَّ ( يَفْعِلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن ( يَفْعُلُ ) بِضَمِّها، ورَدَّهُ أبُو حِبّانَ بِاسْتِواءِ المَضْمُومِ والمَكْسُورِ إلّا أنْ يَشْتَهِرَ أحَدُهُما اتُّبِعَ
﴿وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ ( نَحْشُرُ )، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ونَحْوِها عَلى العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والمَسِيحِ تَنْبِيْهًا عَلى أنَّها جَمِيعًا مُشْتَرِكَةٌ في كَوْنِها غَيْرَ صالِحَةٍ لِكَوْنِها آلِهَةً، أوْ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ مَن لا يَعْقِلُ أكْثَرُ مِمَّنْ يَعْبُدُ مَن يَعْقِلُ مِنها، فَغُلِّبَتِ اعْتِبارًا بِكَثْرَةِ مَن يَعْبُدُها وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِمْ وجَوابِهِمْ فِيما بَعْدُ.
وقالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ الأصْنامُ خاصَّةً وإنَّها وإنْ كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَتَكَلَّمُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَجْعَلُها يَوْمَ القِيامَةِ سامِعَةً ناطِقَةً، ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ( فَنَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ كَما اخْتارَ القِراءَةَ بِها في ( نَحْشُرُهم )، وكَذا أبُو حاتِمٍ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
والمَعْنى: أكانَ ضَلالُهم بِسَبَبِكم وبِدَعْوَتِكم لَهم إلى عِبادَتِكم، أمْ هم ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِيما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الحَقِّ والتَّدَبُّرِ فِيما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الصَّوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى سُبْحانَكَ التَّعَجُّبُ مِمّا قِيلَ لَهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً أوْ أنْبِياءَ مَعْصُومِينَ، أوْ جَماداتٍ لا تَعْقِلُ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَنَعْبُدُهم، فَكَيْفَ نَدْعُو عِبادَكَ إلى عِبادَتِنا نَحْنُ مَعَ كَوْنِنا لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، والوَلِيُّ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ( نَتَّخِذُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ( نُتَّخَذُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ يَتَّخِذَنا المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ ولَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَحُذِفَتْ مِنَ الثّانِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةُ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ( مِن ) مَرَّتَيْنِ، ولَوْ كانَ كَما قَرَأ لَقالَ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ. وقِيلَ: إنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةَ زائِدَةٌ.
ثُمَّ حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ بِأنَّهم بَعْدَ هَذا الجَوابِ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِ المُشْرِكِينَ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا السَّبِيلَ، ولَمْ يُضِلَّهم غَيْرُهم، والمَعْنى: ما أضْلَلْناهم، ولَكِنَّكَ يا رَبِّ مَتَّعْتَهَمْ ومَتَّعْتَ آباءَهم بِالنِّعَمِ ووَسَّعْتَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وأطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ حَتّى غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ ونَسُوا مَوْعِظَتَكَ والتَّدَبُّرَ لِكِتابِكَ والنَّظَرَ في عَجائِبِ صُنْعِكَ وغَرائِبِ مَخْلُوقاتِكَ.
وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِئُ ( يُنْبَغى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعْمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها لُغَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِنِسْيانِ الذِّكْرِ هُنا هو تَرْكُ الشُّكْرِ ﴿وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِكَ وعَبَدُوا غَيْرَكَ في قَضائِكَ الأزَلِيِّ قَوْمًا بُورًا أيْ: هَلْكى، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ: يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ. يُقالُ بارَتْ بِضاعَتُهُ أيْ: فَسَدَتْ، وأمْرٌ بائِرٌ أيْ: فاسِدٌ وهي لُغَةُ الأزْدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تَعْطِيلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّ البَوارَ الكَسادُ، ومِنهُ بارَتِ السِّلْعَةُ إذا كَسَدَتْ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ تَبَرِّي المَعْبُودِينَ مُخاطِبًا لِلْمُشْرِكِينَ العابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوكم أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الآلِهَةُ صَرْفًا أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: حِيلَةً ولا نَصْرًا أيْ ولا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم، وقِيلَ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا كَذَّبَهُمُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ الَّذِي عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولا نَصْرًا مِنَ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( تَسْتَطِيعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَقَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى بِما تَقُولُونَ: ما تَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكم صَرْفًا عَنِ الحَقِّ الَّذِي هَداكُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِما تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ ( فَقَدْ كَذَبُوكم ) مُخَفَّفًا ( بِما يَقُولُونَ ) أيْ: كَذَبُوكم في قَوْلِهِمْ وكَذا قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُجاهِدٌ والبَزِّيُّ ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ الَّذِينَ فِيهِمُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والعَذابُ الكَبِيرُ عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ ( يُذِقْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ مُوَضِّحًا لِبُطْلانِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ ( إلّا ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ المَوْصُوفُ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ وما مِنّا أحَدٌ. وقالَ الفَرّاءُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مِن أنَّهم فالضَّمِيرُ في أنَّهم وما (p-١٠٣٧)بَعْدَهُ راجِعٌ إلى المُقَدَّرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] أيْ: إلّا مَن يَرِدُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ " مَنَ " المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وأنَّهم، فالمَحْذُوفُ عِنْدَهُ الواوُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( ﴿إلّا إنَّهُمْ﴾ ) بِكَسْرِ إنَّ لِوُجُودِ اللّامِ في خَبَرِها كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَهم.
قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ حَكى لَنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ في إنَّ هَذِهِ الفَتْحُ وإنْ كانَ بَعْدَها اللّامُ وأحْسَبُهُ وهْمًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ. ( يَمْشُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَوْفٍ وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِّينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمْشِي بِأعْطانِ المِياهِ وأتَّقِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةً ورُكُوبَ
وقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎مِنهُ تَظَلُّ سِباعُ الحَيِّ ضامِزَةً ∗∗∗ ولا تَمْشِي بِوادِيهِ الأراجِيلُ
﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِلنّاسِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ عَبِيدِهِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كُفّارُ الأُمَمِ، وبِالبَعْضِ الثّانِي الرُّسُلُ، ومَعْنى الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ البَعْضَ مِنَ النّاسِ مُمْتَحَنٌ بِالبَعْضِ مُبْتَلًى بِهِ، فالمَرِيضُ يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كالصَّحِيحِ ؟ وكَذا كُلُّ صاحِبِ آفَةٍ، والصَّحِيحُ مُبْتَلًى بِالمَرِيضِ فَلا يَضَّجِرُ مِنهُ ولا يُحَقِّرُهُ، والغَنِيُّ مُبْتَلًى بِالفَقِيرِ يُواسِيهِ، والفَقِيرُ مُبْتَلًى بِالغَنِيِّ يَحْسُدُهُ، ونَحْوُ هَذا مِثْلُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ ورَأى الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ، وقالَ لا أُسْلِمُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السّابِقَةُ والفَضْلُ، فَيُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، فَذَلِكَ افْتِتانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
ولا وجْهَ لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى هَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ إنْ كانُوا سَبَبَ النُّزُولِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ الإخْبارِ بِجَعْلِ البَعْضِ لِلْبَعْضِ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ أيْ: أتَصَبِرُونَ عَلى ما تَرَوْنَ مِن هَذِهِ الحالِ الشَّدِيدَةِ والِابْتِلاءِ العَظِيمِ.
قِيلَ: مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ هاهُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ثُمَّ وعَدَ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أيْ بِكُلِّ مَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ.
وقِيلَ: مَعْنى أتَصْبِرُونَ: اصْبِرُوا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أيِ انْتَهُوا.
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمُ الَّتِي قَدَحُوا بِها في النُّبُوَّةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وقالُوا مالِ هَذا﴾ [الفرقان: ٧] أيْ: وقالَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أرْجُو إذا كُنْتُ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
أيْ لا أُبالِي، وقِيلَ: المَعْنى لا يَخافُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلُ
أيْ: لَمْ يَخَفْ، وهي لُغَةُ تِهامَةَ. قالَ الفَرّاءُ وُضِعَ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ، وقِيلَ: لا يَأْمَلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ∗∗∗ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أوْلى، فالمَعْنى: لا يَأْمُلُونَ لِقاءَ ما وعَدْنا عَلى الطّاعَةِ مِنَ الثَّوابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لا يَرْجُو الثَّوابَ لا يَخافُ العِقابَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا فَيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، أوْ هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا رُسُلًا يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ عِيانًا فَيُخْبِرُنا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ.
ثُمَّ أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ هَذِهِ فَقالَ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ عَنِ الحَقِّ والعِنادِ في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾، والعُتُوُّ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الطُّغْيانِ والبُلُوغُ إلى أقْصى غاياتِهِ، ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ لِكَوْنِ التَّكَلُّمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعِظَمِ فَإنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِإرْسالِ البَشَرِ حَتّى طَلَبُوا إرْسالَ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُخاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا مِن دُونِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولَقَدْ بَلَغَ هَؤُلاءِ الرَّذالَةُ بِأنْفُسِهِمْ مَبْلَغًا هي أحْقَرُ وأقَلُّ وأرْذَلُ مِن أنْ تَكُونَ مِن أهْلِهِ، أوْ تُعَدَّ مِنَ المُسْتَعِدِّينَ لَهُ، وهَكَذا مَن جَهِلَ قَدْرَ نَفْسِهِ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّهِ، ومَن جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ رَأى غَيْرُهُ مِنهُ ما لا يَرى.
وانْتِصابُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ رُؤْيَةً لَيْسَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ والصُّورَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو يَوْمُ ظُهُورِهِمْ لَهم عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ هَذا الظَّرْفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ يُمْنَعُونَ البُشْرى يَوْمَ يَرَوْنَ، أوْ لا تُوجَدُ لَهم بُشْرى فِيهِ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ، وهو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ قَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ البُشْرى.
قالَ الزَّجّاجُ: المُجْرِمُونَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ ويَقُولُ الكُفّارُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذِهِ كَلِمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ وهُجُومِ نازِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ حِجْرًا مَحْجُورًا أيْ: حَرامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي.
وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ: يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّمًا ∗∗∗ وأصْبَحْتُ مِن أدْنى حُمُومَتِها حَماءَ
أيْ أصْبَحَتْ أسْماءُ حَرامًا مُحَرَّمًا، وقالَ آخَرُ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في بابِ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُها هَذِهِ الكَلِمَةَ، وجَعَلَها مِن جُمْلَتِها. (p-١٠٣٨)﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ هَذا وعِيدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا لَها صُورَةُ الخَيْرِ: مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وإطْعامِ الطَّعامِ وأمْثالِها، ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإثابَةِ عَلَيْها إلّا الكُفْرُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم وأعْمالُهم بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَدِمَ إلى ما مَعَهم مِنَ المَتاعِ فَأفْسَدَهُ ولَمْ يَتْرُكْ مِنها شَيْئًا، وإلّا فَلا قُدُومَ هاهُنا.
قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى قَدِمْنا: عَمَدْنا وقَصَدْنا، يُقالُ: قَدِمَ فُلانٌ إلى أمْرِ كَذا إذا قَصَدَهُ أوْ عَمَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ
؎إلى عِبادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا
؎إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ
وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ تَعالى، والهَباءُ واحِدُهُ هَباءَةٌ، والجَمْعُ أهْباءُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الهَباءُ التُّرابُ الَّذِي تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كَأنَّهُ دُخانٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ما يَدْخُلُ في الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ يُشْبِهُ الغُبارَ، وكَذا قالَ الأزْهَرِيُّ: والمَنثُورُ المُفَرَّقُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ المَنثُورِ، لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِالهَباءِ حَتّى وصَفَهُ بِأنَّهُ مُتَفَرِّقٌ مُتَبَدِّدٌ، وقِيلَ: إنَّ الهَباءَ ما أذْرَتْهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو الماءُ المُهْراقُ، وقِيلَ: الرَّمادُ. والأوَّلُ هو الَّذِي ثَبَتَ في لُغَةِ العَرَبِ ونَقَلَهُ العارِفُونَ بِها.
ثُمَّ مَيَّزَ سُبْحانَهُ حالَ الأبْرارِ مِن حالِ الفُجّارِ. فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ: أفْضَلُ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أيْ: مَوْضِعَ قائِلَةٍ، وانْتِصابُ " مُسْتَقَرًا " عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ، إذا اشْتَدَّ الحَرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ يَوْمٌ. قالَ النَّحّاسُ: والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: هو الشِّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: بَلاءً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يَقُولُ الفَقِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ السَّقِيمُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ الأعْمى لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ: شِدَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: عَوْذًا مُعاذًا، المَلائِكَةُ تَقُولُهُ. وفي لَفْظٍ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ البُشْرى في اليَوْمِ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نُبَشِّرَكم بِما نُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالا: هي كَلِمَةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ قالَ: حَجْرًا مَحْجُورًا حَرامًا مُحَرَّمًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ قالَ: عَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ مِمَّنْ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الهَباءُ شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو ما تَسْفِي الرِّيحُ وتَبُثُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو الماءُ المُهْراقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قالَ: في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَنْصَرِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
الفرقان 25:22
.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: واذْكُرْ، وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَما مَرَّ مِرارًا.
قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الدُّورِيِّ ( يَحْشُرُهم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ الكَلامِ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] (p-١٠٣٦)والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى التَّعْظِيمِ ما عَدا الأعْرَجَ فَإنَّهُ قَرَأ ( نَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ، لِأنَّ ( يَفْعِلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن ( يَفْعُلُ ) بِضَمِّها، ورَدَّهُ أبُو حِبّانَ بِاسْتِواءِ المَضْمُومِ والمَكْسُورِ إلّا أنْ يَشْتَهِرَ أحَدُهُما اتُّبِعَ
﴿وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ ( نَحْشُرُ )، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ونَحْوِها عَلى العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والمَسِيحِ تَنْبِيْهًا عَلى أنَّها جَمِيعًا مُشْتَرِكَةٌ في كَوْنِها غَيْرَ صالِحَةٍ لِكَوْنِها آلِهَةً، أوْ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ مَن لا يَعْقِلُ أكْثَرُ مِمَّنْ يَعْبُدُ مَن يَعْقِلُ مِنها، فَغُلِّبَتِ اعْتِبارًا بِكَثْرَةِ مَن يَعْبُدُها وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِمْ وجَوابِهِمْ فِيما بَعْدُ.
وقالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ الأصْنامُ خاصَّةً وإنَّها وإنْ كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَتَكَلَّمُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَجْعَلُها يَوْمَ القِيامَةِ سامِعَةً ناطِقَةً، ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ( فَنَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ كَما اخْتارَ القِراءَةَ بِها في ( نَحْشُرُهم )، وكَذا أبُو حاتِمٍ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
والمَعْنى: أكانَ ضَلالُهم بِسَبَبِكم وبِدَعْوَتِكم لَهم إلى عِبادَتِكم، أمْ هم ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِيما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الحَقِّ والتَّدَبُّرِ فِيما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الصَّوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى سُبْحانَكَ التَّعَجُّبُ مِمّا قِيلَ لَهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً أوْ أنْبِياءَ مَعْصُومِينَ، أوْ جَماداتٍ لا تَعْقِلُ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَنَعْبُدُهم، فَكَيْفَ نَدْعُو عِبادَكَ إلى عِبادَتِنا نَحْنُ مَعَ كَوْنِنا لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، والوَلِيُّ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ( نَتَّخِذُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ( نُتَّخَذُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ يَتَّخِذَنا المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ ولَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَحُذِفَتْ مِنَ الثّانِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةُ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ( مِن ) مَرَّتَيْنِ، ولَوْ كانَ كَما قَرَأ لَقالَ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ. وقِيلَ: إنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةَ زائِدَةٌ.
ثُمَّ حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ بِأنَّهم بَعْدَ هَذا الجَوابِ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِ المُشْرِكِينَ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا السَّبِيلَ، ولَمْ يُضِلَّهم غَيْرُهم، والمَعْنى: ما أضْلَلْناهم، ولَكِنَّكَ يا رَبِّ مَتَّعْتَهَمْ ومَتَّعْتَ آباءَهم بِالنِّعَمِ ووَسَّعْتَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وأطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ حَتّى غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ ونَسُوا مَوْعِظَتَكَ والتَّدَبُّرَ لِكِتابِكَ والنَّظَرَ في عَجائِبِ صُنْعِكَ وغَرائِبِ مَخْلُوقاتِكَ.
وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِئُ ( يُنْبَغى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعْمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها لُغَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِنِسْيانِ الذِّكْرِ هُنا هو تَرْكُ الشُّكْرِ ﴿وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِكَ وعَبَدُوا غَيْرَكَ في قَضائِكَ الأزَلِيِّ قَوْمًا بُورًا أيْ: هَلْكى، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ: يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ. يُقالُ بارَتْ بِضاعَتُهُ أيْ: فَسَدَتْ، وأمْرٌ بائِرٌ أيْ: فاسِدٌ وهي لُغَةُ الأزْدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تَعْطِيلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّ البَوارَ الكَسادُ، ومِنهُ بارَتِ السِّلْعَةُ إذا كَسَدَتْ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ تَبَرِّي المَعْبُودِينَ مُخاطِبًا لِلْمُشْرِكِينَ العابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوكم أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الآلِهَةُ صَرْفًا أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: حِيلَةً ولا نَصْرًا أيْ ولا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم، وقِيلَ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا كَذَّبَهُمُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ الَّذِي عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولا نَصْرًا مِنَ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( تَسْتَطِيعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَقَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى بِما تَقُولُونَ: ما تَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكم صَرْفًا عَنِ الحَقِّ الَّذِي هَداكُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِما تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ ( فَقَدْ كَذَبُوكم ) مُخَفَّفًا ( بِما يَقُولُونَ ) أيْ: كَذَبُوكم في قَوْلِهِمْ وكَذا قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُجاهِدٌ والبَزِّيُّ ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ الَّذِينَ فِيهِمُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والعَذابُ الكَبِيرُ عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ ( يُذِقْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ مُوَضِّحًا لِبُطْلانِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ ( إلّا ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ المَوْصُوفُ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ وما مِنّا أحَدٌ. وقالَ الفَرّاءُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مِن أنَّهم فالضَّمِيرُ في أنَّهم وما (p-١٠٣٧)بَعْدَهُ راجِعٌ إلى المُقَدَّرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] أيْ: إلّا مَن يَرِدُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ " مَنَ " المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وأنَّهم، فالمَحْذُوفُ عِنْدَهُ الواوُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( ﴿إلّا إنَّهُمْ﴾ ) بِكَسْرِ إنَّ لِوُجُودِ اللّامِ في خَبَرِها كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَهم.
قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ حَكى لَنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ في إنَّ هَذِهِ الفَتْحُ وإنْ كانَ بَعْدَها اللّامُ وأحْسَبُهُ وهْمًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ. ( يَمْشُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَوْفٍ وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِّينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمْشِي بِأعْطانِ المِياهِ وأتَّقِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةً ورُكُوبَ
وقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎مِنهُ تَظَلُّ سِباعُ الحَيِّ ضامِزَةً ∗∗∗ ولا تَمْشِي بِوادِيهِ الأراجِيلُ
﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِلنّاسِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ عَبِيدِهِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كُفّارُ الأُمَمِ، وبِالبَعْضِ الثّانِي الرُّسُلُ، ومَعْنى الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ البَعْضَ مِنَ النّاسِ مُمْتَحَنٌ بِالبَعْضِ مُبْتَلًى بِهِ، فالمَرِيضُ يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كالصَّحِيحِ ؟ وكَذا كُلُّ صاحِبِ آفَةٍ، والصَّحِيحُ مُبْتَلًى بِالمَرِيضِ فَلا يَضَّجِرُ مِنهُ ولا يُحَقِّرُهُ، والغَنِيُّ مُبْتَلًى بِالفَقِيرِ يُواسِيهِ، والفَقِيرُ مُبْتَلًى بِالغَنِيِّ يَحْسُدُهُ، ونَحْوُ هَذا مِثْلُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ ورَأى الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ، وقالَ لا أُسْلِمُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السّابِقَةُ والفَضْلُ، فَيُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، فَذَلِكَ افْتِتانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
ولا وجْهَ لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى هَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ إنْ كانُوا سَبَبَ النُّزُولِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ الإخْبارِ بِجَعْلِ البَعْضِ لِلْبَعْضِ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ أيْ: أتَصَبِرُونَ عَلى ما تَرَوْنَ مِن هَذِهِ الحالِ الشَّدِيدَةِ والِابْتِلاءِ العَظِيمِ.
قِيلَ: مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ هاهُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ثُمَّ وعَدَ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أيْ بِكُلِّ مَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ.
وقِيلَ: مَعْنى أتَصْبِرُونَ: اصْبِرُوا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أيِ انْتَهُوا.
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمُ الَّتِي قَدَحُوا بِها في النُّبُوَّةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وقالُوا مالِ هَذا﴾ [الفرقان: ٧] أيْ: وقالَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أرْجُو إذا كُنْتُ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
أيْ لا أُبالِي، وقِيلَ: المَعْنى لا يَخافُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلُ
أيْ: لَمْ يَخَفْ، وهي لُغَةُ تِهامَةَ. قالَ الفَرّاءُ وُضِعَ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ، وقِيلَ: لا يَأْمَلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ∗∗∗ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أوْلى، فالمَعْنى: لا يَأْمُلُونَ لِقاءَ ما وعَدْنا عَلى الطّاعَةِ مِنَ الثَّوابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لا يَرْجُو الثَّوابَ لا يَخافُ العِقابَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا فَيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، أوْ هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا رُسُلًا يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ عِيانًا فَيُخْبِرُنا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ.
ثُمَّ أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ هَذِهِ فَقالَ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ عَنِ الحَقِّ والعِنادِ في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾، والعُتُوُّ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الطُّغْيانِ والبُلُوغُ إلى أقْصى غاياتِهِ، ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ لِكَوْنِ التَّكَلُّمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعِظَمِ فَإنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِإرْسالِ البَشَرِ حَتّى طَلَبُوا إرْسالَ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُخاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا مِن دُونِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولَقَدْ بَلَغَ هَؤُلاءِ الرَّذالَةُ بِأنْفُسِهِمْ مَبْلَغًا هي أحْقَرُ وأقَلُّ وأرْذَلُ مِن أنْ تَكُونَ مِن أهْلِهِ، أوْ تُعَدَّ مِنَ المُسْتَعِدِّينَ لَهُ، وهَكَذا مَن جَهِلَ قَدْرَ نَفْسِهِ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّهِ، ومَن جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ رَأى غَيْرُهُ مِنهُ ما لا يَرى.
وانْتِصابُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ رُؤْيَةً لَيْسَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ والصُّورَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو يَوْمُ ظُهُورِهِمْ لَهم عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ هَذا الظَّرْفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ يُمْنَعُونَ البُشْرى يَوْمَ يَرَوْنَ، أوْ لا تُوجَدُ لَهم بُشْرى فِيهِ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ، وهو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ قَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ البُشْرى.
قالَ الزَّجّاجُ: المُجْرِمُونَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ ويَقُولُ الكُفّارُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذِهِ كَلِمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ وهُجُومِ نازِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ حِجْرًا مَحْجُورًا أيْ: حَرامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي.
وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ: يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّمًا ∗∗∗ وأصْبَحْتُ مِن أدْنى حُمُومَتِها حَماءَ
أيْ أصْبَحَتْ أسْماءُ حَرامًا مُحَرَّمًا، وقالَ آخَرُ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في بابِ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُها هَذِهِ الكَلِمَةَ، وجَعَلَها مِن جُمْلَتِها. (p-١٠٣٨)﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ هَذا وعِيدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا لَها صُورَةُ الخَيْرِ: مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وإطْعامِ الطَّعامِ وأمْثالِها، ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإثابَةِ عَلَيْها إلّا الكُفْرُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم وأعْمالُهم بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَدِمَ إلى ما مَعَهم مِنَ المَتاعِ فَأفْسَدَهُ ولَمْ يَتْرُكْ مِنها شَيْئًا، وإلّا فَلا قُدُومَ هاهُنا.
قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى قَدِمْنا: عَمَدْنا وقَصَدْنا، يُقالُ: قَدِمَ فُلانٌ إلى أمْرِ كَذا إذا قَصَدَهُ أوْ عَمَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ
؎إلى عِبادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا
؎إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ
وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ تَعالى، والهَباءُ واحِدُهُ هَباءَةٌ، والجَمْعُ أهْباءُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الهَباءُ التُّرابُ الَّذِي تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كَأنَّهُ دُخانٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ما يَدْخُلُ في الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ يُشْبِهُ الغُبارَ، وكَذا قالَ الأزْهَرِيُّ: والمَنثُورُ المُفَرَّقُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ المَنثُورِ، لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِالهَباءِ حَتّى وصَفَهُ بِأنَّهُ مُتَفَرِّقٌ مُتَبَدِّدٌ، وقِيلَ: إنَّ الهَباءَ ما أذْرَتْهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو الماءُ المُهْراقُ، وقِيلَ: الرَّمادُ. والأوَّلُ هو الَّذِي ثَبَتَ في لُغَةِ العَرَبِ ونَقَلَهُ العارِفُونَ بِها.
ثُمَّ مَيَّزَ سُبْحانَهُ حالَ الأبْرارِ مِن حالِ الفُجّارِ. فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ: أفْضَلُ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أيْ: مَوْضِعَ قائِلَةٍ، وانْتِصابُ " مُسْتَقَرًا " عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ، إذا اشْتَدَّ الحَرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ يَوْمٌ. قالَ النَّحّاسُ: والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: هو الشِّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: بَلاءً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يَقُولُ الفَقِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ السَّقِيمُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ الأعْمى لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ: شِدَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: عَوْذًا مُعاذًا، المَلائِكَةُ تَقُولُهُ. وفي لَفْظٍ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ البُشْرى في اليَوْمِ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نُبَشِّرَكم بِما نُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالا: هي كَلِمَةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ قالَ: حَجْرًا مَحْجُورًا حَرامًا مُحَرَّمًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ قالَ: عَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ مِمَّنْ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الهَباءُ شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو ما تَسْفِي الرِّيحُ وتَبُثُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو الماءُ المُهْراقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قالَ: في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَنْصَرِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
الفرقان 25:23
.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: واذْكُرْ، وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَما مَرَّ مِرارًا.
قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الدُّورِيِّ ( يَحْشُرُهم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ الكَلامِ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] (p-١٠٣٦)والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى التَّعْظِيمِ ما عَدا الأعْرَجَ فَإنَّهُ قَرَأ ( نَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ، لِأنَّ ( يَفْعِلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن ( يَفْعُلُ ) بِضَمِّها، ورَدَّهُ أبُو حِبّانَ بِاسْتِواءِ المَضْمُومِ والمَكْسُورِ إلّا أنْ يَشْتَهِرَ أحَدُهُما اتُّبِعَ
﴿وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ ( نَحْشُرُ )، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ونَحْوِها عَلى العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والمَسِيحِ تَنْبِيْهًا عَلى أنَّها جَمِيعًا مُشْتَرِكَةٌ في كَوْنِها غَيْرَ صالِحَةٍ لِكَوْنِها آلِهَةً، أوْ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ مَن لا يَعْقِلُ أكْثَرُ مِمَّنْ يَعْبُدُ مَن يَعْقِلُ مِنها، فَغُلِّبَتِ اعْتِبارًا بِكَثْرَةِ مَن يَعْبُدُها وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِمْ وجَوابِهِمْ فِيما بَعْدُ.
وقالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ الأصْنامُ خاصَّةً وإنَّها وإنْ كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَتَكَلَّمُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَجْعَلُها يَوْمَ القِيامَةِ سامِعَةً ناطِقَةً، ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ( فَنَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ كَما اخْتارَ القِراءَةَ بِها في ( نَحْشُرُهم )، وكَذا أبُو حاتِمٍ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
والمَعْنى: أكانَ ضَلالُهم بِسَبَبِكم وبِدَعْوَتِكم لَهم إلى عِبادَتِكم، أمْ هم ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِيما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الحَقِّ والتَّدَبُّرِ فِيما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الصَّوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى سُبْحانَكَ التَّعَجُّبُ مِمّا قِيلَ لَهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً أوْ أنْبِياءَ مَعْصُومِينَ، أوْ جَماداتٍ لا تَعْقِلُ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَنَعْبُدُهم، فَكَيْفَ نَدْعُو عِبادَكَ إلى عِبادَتِنا نَحْنُ مَعَ كَوْنِنا لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، والوَلِيُّ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ( نَتَّخِذُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ( نُتَّخَذُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ يَتَّخِذَنا المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ ولَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَحُذِفَتْ مِنَ الثّانِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةُ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ( مِن ) مَرَّتَيْنِ، ولَوْ كانَ كَما قَرَأ لَقالَ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ. وقِيلَ: إنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةَ زائِدَةٌ.
ثُمَّ حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ بِأنَّهم بَعْدَ هَذا الجَوابِ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِ المُشْرِكِينَ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا السَّبِيلَ، ولَمْ يُضِلَّهم غَيْرُهم، والمَعْنى: ما أضْلَلْناهم، ولَكِنَّكَ يا رَبِّ مَتَّعْتَهَمْ ومَتَّعْتَ آباءَهم بِالنِّعَمِ ووَسَّعْتَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وأطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ حَتّى غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ ونَسُوا مَوْعِظَتَكَ والتَّدَبُّرَ لِكِتابِكَ والنَّظَرَ في عَجائِبِ صُنْعِكَ وغَرائِبِ مَخْلُوقاتِكَ.
وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِئُ ( يُنْبَغى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعْمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها لُغَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِنِسْيانِ الذِّكْرِ هُنا هو تَرْكُ الشُّكْرِ ﴿وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِكَ وعَبَدُوا غَيْرَكَ في قَضائِكَ الأزَلِيِّ قَوْمًا بُورًا أيْ: هَلْكى، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ: يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ. يُقالُ بارَتْ بِضاعَتُهُ أيْ: فَسَدَتْ، وأمْرٌ بائِرٌ أيْ: فاسِدٌ وهي لُغَةُ الأزْدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تَعْطِيلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّ البَوارَ الكَسادُ، ومِنهُ بارَتِ السِّلْعَةُ إذا كَسَدَتْ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ تَبَرِّي المَعْبُودِينَ مُخاطِبًا لِلْمُشْرِكِينَ العابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوكم أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الآلِهَةُ صَرْفًا أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: حِيلَةً ولا نَصْرًا أيْ ولا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم، وقِيلَ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا كَذَّبَهُمُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ الَّذِي عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولا نَصْرًا مِنَ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( تَسْتَطِيعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَقَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى بِما تَقُولُونَ: ما تَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكم صَرْفًا عَنِ الحَقِّ الَّذِي هَداكُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِما تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ ( فَقَدْ كَذَبُوكم ) مُخَفَّفًا ( بِما يَقُولُونَ ) أيْ: كَذَبُوكم في قَوْلِهِمْ وكَذا قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُجاهِدٌ والبَزِّيُّ ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ الَّذِينَ فِيهِمُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والعَذابُ الكَبِيرُ عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ ( يُذِقْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ مُوَضِّحًا لِبُطْلانِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ ( إلّا ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ المَوْصُوفُ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ وما مِنّا أحَدٌ. وقالَ الفَرّاءُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مِن أنَّهم فالضَّمِيرُ في أنَّهم وما (p-١٠٣٧)بَعْدَهُ راجِعٌ إلى المُقَدَّرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] أيْ: إلّا مَن يَرِدُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ " مَنَ " المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وأنَّهم، فالمَحْذُوفُ عِنْدَهُ الواوُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( ﴿إلّا إنَّهُمْ﴾ ) بِكَسْرِ إنَّ لِوُجُودِ اللّامِ في خَبَرِها كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَهم.
قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ حَكى لَنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ في إنَّ هَذِهِ الفَتْحُ وإنْ كانَ بَعْدَها اللّامُ وأحْسَبُهُ وهْمًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ. ( يَمْشُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَوْفٍ وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِّينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمْشِي بِأعْطانِ المِياهِ وأتَّقِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةً ورُكُوبَ
وقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎مِنهُ تَظَلُّ سِباعُ الحَيِّ ضامِزَةً ∗∗∗ ولا تَمْشِي بِوادِيهِ الأراجِيلُ
﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِلنّاسِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ عَبِيدِهِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كُفّارُ الأُمَمِ، وبِالبَعْضِ الثّانِي الرُّسُلُ، ومَعْنى الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ البَعْضَ مِنَ النّاسِ مُمْتَحَنٌ بِالبَعْضِ مُبْتَلًى بِهِ، فالمَرِيضُ يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كالصَّحِيحِ ؟ وكَذا كُلُّ صاحِبِ آفَةٍ، والصَّحِيحُ مُبْتَلًى بِالمَرِيضِ فَلا يَضَّجِرُ مِنهُ ولا يُحَقِّرُهُ، والغَنِيُّ مُبْتَلًى بِالفَقِيرِ يُواسِيهِ، والفَقِيرُ مُبْتَلًى بِالغَنِيِّ يَحْسُدُهُ، ونَحْوُ هَذا مِثْلُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ ورَأى الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ، وقالَ لا أُسْلِمُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السّابِقَةُ والفَضْلُ، فَيُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، فَذَلِكَ افْتِتانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
ولا وجْهَ لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى هَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ إنْ كانُوا سَبَبَ النُّزُولِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ الإخْبارِ بِجَعْلِ البَعْضِ لِلْبَعْضِ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ أيْ: أتَصَبِرُونَ عَلى ما تَرَوْنَ مِن هَذِهِ الحالِ الشَّدِيدَةِ والِابْتِلاءِ العَظِيمِ.
قِيلَ: مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ هاهُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ثُمَّ وعَدَ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أيْ بِكُلِّ مَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ.
وقِيلَ: مَعْنى أتَصْبِرُونَ: اصْبِرُوا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أيِ انْتَهُوا.
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمُ الَّتِي قَدَحُوا بِها في النُّبُوَّةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وقالُوا مالِ هَذا﴾ [الفرقان: ٧] أيْ: وقالَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أرْجُو إذا كُنْتُ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
أيْ لا أُبالِي، وقِيلَ: المَعْنى لا يَخافُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلُ
أيْ: لَمْ يَخَفْ، وهي لُغَةُ تِهامَةَ. قالَ الفَرّاءُ وُضِعَ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ، وقِيلَ: لا يَأْمَلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ∗∗∗ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أوْلى، فالمَعْنى: لا يَأْمُلُونَ لِقاءَ ما وعَدْنا عَلى الطّاعَةِ مِنَ الثَّوابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لا يَرْجُو الثَّوابَ لا يَخافُ العِقابَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا فَيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، أوْ هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا رُسُلًا يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ عِيانًا فَيُخْبِرُنا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ.
ثُمَّ أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ هَذِهِ فَقالَ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ عَنِ الحَقِّ والعِنادِ في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾، والعُتُوُّ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الطُّغْيانِ والبُلُوغُ إلى أقْصى غاياتِهِ، ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ لِكَوْنِ التَّكَلُّمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعِظَمِ فَإنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِإرْسالِ البَشَرِ حَتّى طَلَبُوا إرْسالَ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُخاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا مِن دُونِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولَقَدْ بَلَغَ هَؤُلاءِ الرَّذالَةُ بِأنْفُسِهِمْ مَبْلَغًا هي أحْقَرُ وأقَلُّ وأرْذَلُ مِن أنْ تَكُونَ مِن أهْلِهِ، أوْ تُعَدَّ مِنَ المُسْتَعِدِّينَ لَهُ، وهَكَذا مَن جَهِلَ قَدْرَ نَفْسِهِ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّهِ، ومَن جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ رَأى غَيْرُهُ مِنهُ ما لا يَرى.
وانْتِصابُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ رُؤْيَةً لَيْسَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ والصُّورَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو يَوْمُ ظُهُورِهِمْ لَهم عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ هَذا الظَّرْفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ يُمْنَعُونَ البُشْرى يَوْمَ يَرَوْنَ، أوْ لا تُوجَدُ لَهم بُشْرى فِيهِ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ، وهو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ قَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ البُشْرى.
قالَ الزَّجّاجُ: المُجْرِمُونَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ ويَقُولُ الكُفّارُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذِهِ كَلِمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ وهُجُومِ نازِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ حِجْرًا مَحْجُورًا أيْ: حَرامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي.
وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ: يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّمًا ∗∗∗ وأصْبَحْتُ مِن أدْنى حُمُومَتِها حَماءَ
أيْ أصْبَحَتْ أسْماءُ حَرامًا مُحَرَّمًا، وقالَ آخَرُ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في بابِ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُها هَذِهِ الكَلِمَةَ، وجَعَلَها مِن جُمْلَتِها. (p-١٠٣٨)﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ هَذا وعِيدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا لَها صُورَةُ الخَيْرِ: مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وإطْعامِ الطَّعامِ وأمْثالِها، ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإثابَةِ عَلَيْها إلّا الكُفْرُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم وأعْمالُهم بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَدِمَ إلى ما مَعَهم مِنَ المَتاعِ فَأفْسَدَهُ ولَمْ يَتْرُكْ مِنها شَيْئًا، وإلّا فَلا قُدُومَ هاهُنا.
قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى قَدِمْنا: عَمَدْنا وقَصَدْنا، يُقالُ: قَدِمَ فُلانٌ إلى أمْرِ كَذا إذا قَصَدَهُ أوْ عَمَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ
؎إلى عِبادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا
؎إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ
وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ تَعالى، والهَباءُ واحِدُهُ هَباءَةٌ، والجَمْعُ أهْباءُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الهَباءُ التُّرابُ الَّذِي تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كَأنَّهُ دُخانٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ما يَدْخُلُ في الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ يُشْبِهُ الغُبارَ، وكَذا قالَ الأزْهَرِيُّ: والمَنثُورُ المُفَرَّقُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ المَنثُورِ، لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِالهَباءِ حَتّى وصَفَهُ بِأنَّهُ مُتَفَرِّقٌ مُتَبَدِّدٌ، وقِيلَ: إنَّ الهَباءَ ما أذْرَتْهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو الماءُ المُهْراقُ، وقِيلَ: الرَّمادُ. والأوَّلُ هو الَّذِي ثَبَتَ في لُغَةِ العَرَبِ ونَقَلَهُ العارِفُونَ بِها.
ثُمَّ مَيَّزَ سُبْحانَهُ حالَ الأبْرارِ مِن حالِ الفُجّارِ. فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ: أفْضَلُ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أيْ: مَوْضِعَ قائِلَةٍ، وانْتِصابُ " مُسْتَقَرًا " عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ، إذا اشْتَدَّ الحَرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ يَوْمٌ. قالَ النَّحّاسُ: والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: هو الشِّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: بَلاءً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يَقُولُ الفَقِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ السَّقِيمُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ الأعْمى لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ: شِدَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: عَوْذًا مُعاذًا، المَلائِكَةُ تَقُولُهُ. وفي لَفْظٍ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ البُشْرى في اليَوْمِ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نُبَشِّرَكم بِما نُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالا: هي كَلِمَةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ قالَ: حَجْرًا مَحْجُورًا حَرامًا مُحَرَّمًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ قالَ: عَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ مِمَّنْ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الهَباءُ شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو ما تَسْفِي الرِّيحُ وتَبُثُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو الماءُ المُهْراقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قالَ: في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَنْصَرِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
الفرقان 25:24
.
قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ: واذْكُرْ، وتَعْلِيقُ التَّذْكِيرِ بِاليَوْمِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَما مَرَّ مِرارًا.
قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الدُّورِيِّ ( يَحْشُرُهم ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ لِقَوْلِهِ في أوَّلِ الكَلامِ ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ﴾ [الفرقان: ١٦] (p-١٠٣٦)والباقُونَ بِالنُّونِ عَلى التَّعْظِيمِ ما عَدا الأعْرَجَ فَإنَّهُ قَرَأ ( نَحْشِرُهم ) بِكَسْرِ الشِّينِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ، لِأنَّ ( يَفْعِلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن ( يَفْعُلُ ) بِضَمِّها، ورَدَّهُ أبُو حِبّانَ بِاسْتِواءِ المَضْمُومِ والمَكْسُورِ إلّا أنْ يَشْتَهِرَ أحَدُهُما اتُّبِعَ
﴿وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ ( نَحْشُرُ )، وغَلَّبَ غَيْرَ العُقَلاءِ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ونَحْوِها عَلى العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والمَسِيحِ تَنْبِيْهًا عَلى أنَّها جَمِيعًا مُشْتَرِكَةٌ في كَوْنِها غَيْرَ صالِحَةٍ لِكَوْنِها آلِهَةً، أوْ لِأنَّ مَن يَعْبُدُ مَن لا يَعْقِلُ أكْثَرُ مِمَّنْ يَعْبُدُ مَن يَعْقِلُ مِنها، فَغُلِّبَتِ اعْتِبارًا بِكَثْرَةِ مَن يَعْبُدُها وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: المُرادُ المَلائِكَةُ والإنْسُ والجِنُّ والمَسِيحُ وعُزَيْرٌ بِدَلِيلِ خِطابِهِمْ وجَوابِهِمْ فِيما بَعْدُ.
وقالَ الضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ: المُرادُ الأصْنامُ خاصَّةً وإنَّها وإنْ كانَتْ لا تَسْمَعُ ولا تَتَكَلَّمُ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَجْعَلُها يَوْمَ القِيامَةِ سامِعَةً ناطِقَةً، ﴿فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ( فَنَقُولُ ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، واخْتارَها أبُو عُبَيْدٍ كَما اخْتارَ القِراءَةَ بِها في ( نَحْشُرُهم )، وكَذا أبُو حاتِمٍ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
والمَعْنى: أكانَ ضَلالُهم بِسَبَبِكم وبِدَعْوَتِكم لَهم إلى عِبادَتِكم، أمْ هم ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ فِيما يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الحَقِّ والتَّدَبُّرِ فِيما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الصَّوابِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، ومَعْنى سُبْحانَكَ التَّعَجُّبُ مِمّا قِيلَ لَهم لِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً أوْ أنْبِياءَ مَعْصُومِينَ، أوْ جَماداتٍ لا تَعْقِلُ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ فَنَعْبُدُهم، فَكَيْفَ نَدْعُو عِبادَكَ إلى عِبادَتِنا نَحْنُ مَعَ كَوْنِنا لا نَعْبُدُ غَيْرَكَ، والوَلِيُّ يُطْلَقُ عَلى التّابِعِ كَما يُطْلَقُ عَلى المَتْبُوعِ، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ( نَتَّخِذُ ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ ( نُتَّخَذُ ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ يَتَّخِذَنا المُشْرِكُونَ أوْلِياءَ مِن دُونِكَ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ ولَوْ كانَتْ صَحِيحَةً لَحُذِفَتْ مِنَ الثّانِيَةِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةُ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ( مِن ) مَرَّتَيْنِ، ولَوْ كانَ كَما قَرَأ لَقالَ: أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ أوْلِياءَ. وقِيلَ: إنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةَ زائِدَةٌ.
ثُمَّ حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ بِأنَّهم بَعْدَ هَذا الجَوابِ ذَكَرُوا سَبَبَ تَرْكِ المُشْرِكِينَ لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا السَّبِيلَ، ولَمْ يُضِلَّهم غَيْرُهم، والمَعْنى: ما أضْلَلْناهم، ولَكِنَّكَ يا رَبِّ مَتَّعْتَهَمْ ومَتَّعْتَ آباءَهم بِالنِّعَمِ ووَسَّعْتَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ وأطَلْتَ لَهُمُ العُمُرَ حَتّى غَفَلُوا عَنْ ذِكْرِكَ ونَسُوا مَوْعِظَتَكَ والتَّدَبُّرَ لِكِتابِكَ والنَّظَرَ في عَجائِبِ صُنْعِكَ وغَرائِبِ مَخْلُوقاتِكَ.
وقَرَأ أبُو عِيسى الأسْوَدُ القارِئُ ( يُنْبَغى ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: زَعْمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها لُغَةٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِنِسْيانِ الذِّكْرِ هُنا هو تَرْكُ الشُّكْرِ ﴿وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أيْ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِكَ وعَبَدُوا غَيْرَكَ في قَضائِكَ الأزَلِيِّ قَوْمًا بُورًا أيْ: هَلْكى، مَأْخُوذٌ مِنَ البَوارِ وهو الهَلاكُ: يُقالُ: رَجُلٌ بائِرٌ وقَوْمٌ بُورٌ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَماعَةُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ يُطْلَقُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بائِرٍ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ. يُقالُ بارَتْ بِضاعَتُهُ أيْ: فَسَدَتْ، وأمْرٌ بائِرٌ أيْ: فاسِدٌ وهي لُغَةُ الأزْدِ.
وقِيلَ: المَعْنى: لا خَيْرَ فِيهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن بَوارِ الأرْضِ وهو تَعْطِيلُها مِنَ الزَّرْعِ فَلا يَكُونُ فِيها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّ البَوارَ الكَسادُ، ومِنهُ بارَتِ السِّلْعَةُ إذا كَسَدَتْ.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ تَبَرِّي المَعْبُودِينَ مُخاطِبًا لِلْمُشْرِكِينَ العابِدِينَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوكم أيْ: فَقَدْ كَذَّبَكُمُ المَعْبُودُونَ بِما تَقُولُونَ أيْ: في قَوْلِكم إنَّهم آلِهَةٌ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الآلِهَةُ صَرْفًا أيْ: دَفْعًا لِلْعَذابِ عَنْكم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: حِيلَةً ولا نَصْرًا أيْ ولا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكم، وقِيلَ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لَمّا كَذَّبَهُمُ المَعْبُودُونَ صَرْفًا لِلْعَذابِ الَّذِي عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولا نَصْرًا مِنَ اللَّهِ، وهَذا الوَجْهُ مُسْتَقِيمٌ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( تَسْتَطِيعُونَ ) بِالفَوْقِيَّةِ، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَقَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى بِما تَقُولُونَ: ما تَقُولُونَهُ مِنَ الحَقِّ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المَعْنى فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكم صَرْفًا عَنِ الحَقِّ الَّذِي هَداكُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، ولا نَصْرًا لِأنْفُسِهِمْ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِما تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ ( فَقَدْ كَذَبُوكم ) مُخَفَّفًا ( بِما يَقُولُونَ ) أيْ: كَذَبُوكم في قَوْلِهِمْ وكَذا قَرَأ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُجاهِدٌ والبَزِّيُّ ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ ظالِمٍ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ الَّذِينَ فِيهِمُ السِّياقُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والعَذابُ الكَبِيرُ عَذابُ النّارِ، وقُرِئَ ( يُذِقْهُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مُقَيَّدَةٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ.
ثُمَّ رَجَعَ سُبْحانَهُ إلى خِطابِ رَسُولِهِ مُوَضِّحًا لِبُطْلانِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَ ( إلّا ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ أحَدًا مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا آكِلِينَ وماشِينَ، وإنَّما حُذِفَ المَوْصُوفُ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ دَلِيلًا عَلَيْهِ، نَظِيرُهُ ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أيْ وما مِنّا أحَدٌ. وقالَ الفَرّاءُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ مَحْذُوفٍ هو المَفْعُولُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا مِن أنَّهم فالضَّمِيرُ في أنَّهم وما (p-١٠٣٧)بَعْدَهُ راجِعٌ إلى المُقَدَّرَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] أيْ: إلّا مَن يَرِدُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ " مَنَ " المَوْصُولَةَ لا يَجُوزُ حَذْفُها. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا وأنَّهم، فالمَحْذُوفُ عِنْدَهُ الواوُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ( ﴿إلّا إنَّهُمْ﴾ ) بِكَسْرِ إنَّ لِوُجُودِ اللّامِ في خَبَرِها كَما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَهم.
قالَ النَّحّاسُ: إلّا أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ حَكى لَنا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ في إنَّ هَذِهِ الفَتْحُ وإنْ كانَ بَعْدَها اللّامُ وأحْسَبُهُ وهْمًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ. ( يَمْشُونَ ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِّينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَوْفٍ وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِّينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، قالَ الشّاعِرُ:
؎أمْشِي بِأعْطانِ المِياهِ وأتَّقِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةً ورُكُوبَ
وقالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
؎مِنهُ تَظَلُّ سِباعُ الحَيِّ ضامِزَةً ∗∗∗ ولا تَمْشِي بِوادِيهِ الأراجِيلُ
﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ هَذا الخِطابُ عامٌّ لِلنّاسِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ بَعْضَ عَبِيدِهِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ فالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبَعْضِ الأوَّلِ كُفّارُ الأُمَمِ، وبِالبَعْضِ الثّانِي الرُّسُلُ، ومَعْنى الفِتْنَةِ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ. والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ البَعْضَ مِنَ النّاسِ مُمْتَحَنٌ بِالبَعْضِ مُبْتَلًى بِهِ، فالمَرِيضُ يَقُولُ لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كالصَّحِيحِ ؟ وكَذا كُلُّ صاحِبِ آفَةٍ، والصَّحِيحُ مُبْتَلًى بِالمَرِيضِ فَلا يَضَّجِرُ مِنهُ ولا يُحَقِّرُهُ، والغَنِيُّ مُبْتَلًى بِالفَقِيرِ يُواسِيهِ، والفَقِيرُ مُبْتَلًى بِالغَنِيِّ يَحْسُدُهُ، ونَحْوُ هَذا مِثْلُهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الشَّرِيفُ أنْ يُسْلِمَ ورَأى الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ، وقالَ لا أُسْلِمُ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَيَّ السّابِقَةُ والفَضْلُ، فَيُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، فَذَلِكَ افْتِتانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذا الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
ولا وجْهَ لِقَصْرِ الآيَةِ عَلى هَذا، فَإنَّ هَؤُلاءِ إنْ كانُوا سَبَبَ النُّزُولِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ الإخْبارِ بِجَعْلِ البَعْضِ لِلْبَعْضِ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ هَذا الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أمْ لا تَصْبِرُونَ أيْ: أتَصَبِرُونَ عَلى ما تَرَوْنَ مِن هَذِهِ الحالِ الشَّدِيدَةِ والِابْتِلاءِ العَظِيمِ.
قِيلَ: مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ هاهُنا مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] ثُمَّ وعَدَ الصّابِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أيْ بِكُلِّ مَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهُما بِما يَسْتَحِقُّهُ.
وقِيلَ: مَعْنى أتَصْبِرُونَ: اصْبِرُوا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أيِ انْتَهُوا.
﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ هَذِهِ المَقالَةُ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمُ الَّتِي قَدَحُوا بِها في النُّبُوَّةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿وقالُوا مالِ هَذا﴾ [الفرقان: ٧] أيْ: وقالَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِلِقاءِ اللَّهِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أرْجُو إذا كُنْتُ مُسْلِمًا ∗∗∗ عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ في اللَّهِ مَصْرَعِي
أيْ لا أُبالِي، وقِيلَ: المَعْنى لا يَخافُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نَوْبٍ عَوامِلُ
أيْ: لَمْ يَخَفْ، وهي لُغَةُ تِهامَةَ. قالَ الفَرّاءُ وُضِعَ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ، وقِيلَ: لا يَأْمَلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا ∗∗∗ شَفاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الحِسابِ
والحَمْلُ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ أوْلى، فالمَعْنى: لا يَأْمُلُونَ لِقاءَ ما وعَدْنا عَلى الطّاعَةِ مِنَ الثَّوابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن لا يَرْجُو الثَّوابَ لا يَخافُ العِقابَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا فَيُخْبِرُونا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، أوْ هَلّا أُنْزِلُوا عَلَيْنا رُسُلًا يُرْسِلُهُمُ اللَّهُ ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ عِيانًا فَيُخْبِرُنا بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ.
ثُمَّ أجابَ سُبْحانَهُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ هَذِهِ فَقالَ: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ أيْ أضْمَرُوا الِاسْتِكْبارَ عَنِ الحَقِّ والعِنادِ في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾، والعُتُوُّ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الطُّغْيانِ والبُلُوغُ إلى أقْصى غاياتِهِ، ووَصْفِهِ بِالكِبَرِ لِكَوْنِ التَّكَلُّمِ بِما تَكَلَّمُوا بِهِ مِن هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنِيعَةِ في غايَةِ الكِبَرِ والعِظَمِ فَإنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِإرْسالِ البَشَرِ حَتّى طَلَبُوا إرْسالَ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ، بَلْ جاوَزُوا ذَلِكَ إلى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُخاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ورُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا مِن دُونِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ تُرْجُمانٌ، ولَقَدْ بَلَغَ هَؤُلاءِ الرَّذالَةُ بِأنْفُسِهِمْ مَبْلَغًا هي أحْقَرُ وأقَلُّ وأرْذَلُ مِن أنْ تَكُونَ مِن أهْلِهِ، أوْ تُعَدَّ مِنَ المُسْتَعِدِّينَ لَهُ، وهَكَذا مَن جَهِلَ قَدْرَ نَفْسِهِ، ولَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّهِ، ومَن جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ رَأى غَيْرُهُ مِنهُ ما لا يَرى.
وانْتِصابُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ رُؤْيَةً لَيْسَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ والصُّورَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، بَلْ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو يَوْمُ ظُهُورِهِمْ لَهم عِنْدَ المَوْتِ أوْ عِنْدَ الحَشْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ هَذا الظَّرْفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أيْ يُمْنَعُونَ البُشْرى يَوْمَ يَرَوْنَ، أوْ لا تُوجَدُ لَهم بُشْرى فِيهِ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ، وهو وقْتُ المَوْتِ، أوْ يَوْمُ القِيامَةِ قَدْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ البُشْرى.
قالَ الزَّجّاجُ: المُجْرِمُونَ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أيْ ويَقُولُ الكُفّارُ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِلْمَلائِكَةِ حِجْرًا مَحْجُورًا، وهَذِهِ كَلِمَةٌ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِها عِنْدَ لِقاءِ عَدُوٍّ وهُجُومِ نازِلَةٍ يَضَعُونَها مَوْضِعَ الِاسْتِعاذَةِ، يُقالُ لِلرَّجُلِ أتَفْعَلُ كَذا ؟ فَيَقُولُ حِجْرًا مَحْجُورًا أيْ: حَرامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي.
وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ: يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ألا أصْبَحَتْ أسْماءُ حِجْرًا مُحَرَّمًا ∗∗∗ وأصْبَحْتُ مِن أدْنى حُمُومَتِها حَماءَ
أيْ أصْبَحَتْ أسْماءُ حَرامًا مُحَرَّمًا، وقالَ آخَرُ:
؎حَنَّتْ إلى النَّخْلَةِ القُصْوى فَقُلْتُ لَها ∗∗∗ حِجْرٌ حَرامٌ إلّا تِلْكَ الدَّهارِيسُ
وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في بابِ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُها هَذِهِ الكَلِمَةَ، وجَعَلَها مِن جُمْلَتِها. (p-١٠٣٨)﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ هَذا وعِيدٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ أعْمالًا لَها صُورَةُ الخَيْرِ: مِن صِلَةِ الرَّحِمِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وإطْعامِ الطَّعامِ وأمْثالِها، ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ الإثابَةِ عَلَيْها إلّا الكُفْرُ الَّذِي هم عَلَيْهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم وأعْمالُهم بِحالِ قَوْمٍ خالَفُوا سُلْطانَهم واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَدِمَ إلى ما مَعَهم مِنَ المَتاعِ فَأفْسَدَهُ ولَمْ يَتْرُكْ مِنها شَيْئًا، وإلّا فَلا قُدُومَ هاهُنا.
قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى قَدِمْنا: عَمَدْنا وقَصَدْنا، يُقالُ: قَدِمَ فُلانٌ إلى أمْرِ كَذا إذا قَصَدَهُ أوْ عَمَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وقَدِمَ الخَوارِجُ الضُّلّالُ
؎إلى عِبادِ رَبِّهِمْ فَقالُوا
؎إنَّ دِماءَكم لَنا حَلالُ
وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ تَعالى، والهَباءُ واحِدُهُ هَباءَةٌ، والجَمْعُ أهْباءُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الهَباءُ التُّرابُ الَّذِي تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كَأنَّهُ دُخانٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو ما يَدْخُلُ في الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ يُشْبِهُ الغُبارَ، وكَذا قالَ الأزْهَرِيُّ: والمَنثُورُ المُفَرَّقُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ المَنثُورِ، لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِالهَباءِ حَتّى وصَفَهُ بِأنَّهُ مُتَفَرِّقٌ مُتَبَدِّدٌ، وقِيلَ: إنَّ الهَباءَ ما أذْرَتْهُ الرِّياحُ مِن يابِسِ أوْراقِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو الماءُ المُهْراقُ، وقِيلَ: الرَّمادُ. والأوَّلُ هو الَّذِي ثَبَتَ في لُغَةِ العَرَبِ ونَقَلَهُ العارِفُونَ بِها.
ثُمَّ مَيَّزَ سُبْحانَهُ حالَ الأبْرارِ مِن حالِ الفُجّارِ. فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ أيْ: أفْضَلُ مَنزِلًا في الجَنَّةِ ﴿وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أيْ: مَوْضِعَ قائِلَةٍ، وانْتِصابُ " مُسْتَقَرًا " عَلى التَّمْيِيزِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: القَيْلُولَةُ عِنْدَ العَرَبِ الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ، إذا اشْتَدَّ الحَرُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ يَوْمٌ. قالَ النَّحّاسُ: والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ.
وقَدْ أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: هو الشِّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: يُشْرِكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: بَلاءً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الحَسَنِ ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يَقُولُ الفَقِيرُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ السَّقِيمُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ، ويَقُولُ الأعْمى لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ: شِدَّةُ الكُفْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: عَوْذًا مُعاذًا، المَلائِكَةُ تَقُولُهُ. وفي لَفْظٍ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ البُشْرى في اليَوْمِ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نُبَشِّرَكم بِما نُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالا: هي كَلِمَةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ قالَ: حَجْرًا مَحْجُورًا حَرامًا مُحَرَّمًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ قالَ: عَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ مِمَّنْ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الهَباءُ شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هو ما تَسْفِي الرِّيحُ وتَبُثُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: هو الماءُ المُهْراقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قالَ: في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَنْصَرِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
الفرقان 25:25
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:26
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:27
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:28
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:29
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:30
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:31
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:32
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:33
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:34
.
(p-١٠٣٩)قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وصَفَ سُبْحانَهُ هاهُنا بَعْضَ حَوادِثِ يَوْمِ القِيامَةِ، والتَّشَقُّقُ التَّفَتُّحُ، قَرَأ عاصِمٌ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو عَمْرٍو تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلى الإدْغامِ واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ، واخْتارَ الثّانِيَةَ أبُو حاتِمٍ، ومَعْنى تَشَقُّقِها بِالغَمامِ: أنَّها تَتَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَشَقَّقُ السَّماءُ وعَلَيْها غَمامٌ كَما تَقُولُ: رَكِبَ الأمِيرُ بِسِلاحِهِ أيْ: وعَلَيْهِ سِلاحُهُ وخَرَجَ بِثِيابِهِ أيْ: وعَلَيْهِ ثِيابُهُ. ووَجْهُ ما قالَهُ أنَّ الباءَ و( عَنْ ) يَتَعاقَبانِ كَما تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ وعَنِ القَوْسِ ورُوِيَ أنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ عَنْ سَحابٍ رَقِيقٍ أبْيَضَ، وقِيلَ: إنَّ السَّماءَ تَتَشَقَّقُ بِالغَمامِ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النّاسِ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَتَشَقَّقُ السَّحابُ بِتَشَقُّقِ السَّماءِ، وقِيلَ: إنَّها تَشَّقَّقُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذا ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ وقِيلَ: إنَّ الباءَ في ( بِالغَمامِ ) سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الغَمامِ، يَعْنِي بِسَبَبِ طُلُوعِهِ مِنها كَأنَّهُ الَّذِي تَتَشَقَّقُ بِهِ السَّماءُ، وقِيلَ: إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُتَلَبِّسَةٌ بِالغَمامِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( ونُنْزِلُ المَلائِكَةَ ) مُخَفَّفًا، مِنَ الإنْزالِ بِنُونٍ بَعْدَها نُونٌ ساكِنَةٌ وزايٌ مُخَفَّفَةٌ بِكَسْرَةٍ مُضارِعُ أنْزَلَ، ( والمَلائِكَةَ ) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ.
وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ونُزِّلَ بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِ الزّايِ المُشَدَّدَةِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ ( نَزَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وفاعِلُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( أنْزَلَ المَلائِكَةَ ) ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ ) وقَدْ قُرِئَ في الشَّواذِّ بِغَيْرِ هَذِهِ، وتَأْكِيدُ هَذا الفِعْلِ بِقَوْلِهِ ( تَنْزِيلًا ) يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ عَلى نَوْعٍ غَرِيبٍ ونَمَطٍ عَجِيبٍ. قالَ أهْلُ العِلْمِ: إنَّ هَذا تَنْزِيلُ رِضًا ورَحْمَةً لا تَنْزِيلُ سُخْطٍ وعَذابٍ.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُلْكُ مُبْتَدَأٌ، والحَقُّ صِفَةٌ لَهُ ولِلرَّحْمَنِ، الخَبَرُ كَذا قالَ الزَّجّاجُ أيِ: المُلْكُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ المُلْكَ الَّذِي يَزُولُ ويَنْقَطِعُ لَيْسَ بِمُلْكٍ في الحَقِيقَةِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ المَذْكُورِ لَهُ سُبْحانَهُ خاصَّةً في هَذا اليَوْمِ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَلِغَيْرِهِ مُلْكٌ في الصُّورَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقِيًّا.
وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ هو الظَّرْفُ، والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ.
والمَعْنى: المُلْكُ الثّابِتُ لِلرَّحْمَنِ خاصٌّ في هَذا اليَوْمِ ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ هَذا اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ وحْدَهُ شَدِيدًا عَلى الكُفّارِ لِما يُصابُونَ بِهِ فِيهِ، ويَنالُهم مِنَ العِقابِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الحِسابِ، وأمّا عَلى المُؤْمِنِينَ فَهو يَسِيرٌ غَيْرُ عَسِيرٍ، لِما يَنالُهم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ والبُشْرى العَظِيمَةِ.
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: واذْكُرْ، كَما انْتَصَبَ بِهَذا المَحْذُوفِ الظَّرْفُ الأوَّلُ، أعْنِي يَوْمَ تَشَقَّقُ، ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ، الظّاهِرُ أنَّ العَضَّ هُنا حَقِيقَةٌ، ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ ولا مُوجِبَ لِتَأْوِيلِهِ.
وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنِ الغَيْظِ والحَسْرَةِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ كُلُّ ظالِمٍ يَرِدُ ذَلِكَ المَكانَ ويَنْزِلُ ذَلِكَ المَنزِلَ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ( يَقُولُ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ومَقُولُ القَوْلِ هو: يا لَيْتَنِي إلَخْ، والمُنادىَ مَحْذُوفٌ أيْ: يا قَوْمِ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا: طَرِيقًا، وهو طَرِيقُ الحَقِّ ومَشَيْتُ فِيهِ حَتّى أُخَلَّصَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المُضِلَّةِ، والمُرادُ اتِّباعُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فِيما جاءَ بِهِ.
﴿ياوَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ دُعاءٌ عَلى نَفْسِهِ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عَلى مُخالَلَةِ الكافِرِ الَّذِي أضَلَّهُ في الدُّنْيا، وفُلانٌ: كِنايَةٌ عَنِ الأعْلامِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ: زَعَمَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ اسْتِعْمالُ فُلانٍ في الفَصِيحِ إلّا حِكايَةً، لا يُقالُ جاءَنِي فُلانٌ، ولَكِنْ يُقالُ: قالَ زَيْدٌ جاءَنِي فُلانٌ، لِأنَّهُ اسْمُ اللَّفْظِ الَّذِي هو عَلَمُ الِاسْمِ، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ اللَّهِ. وقِيلَ: فُلانٌ كِنايَةٌ عَنْ عَلَمِ ذُكُورِ مَن يَعْقِلُ، وفُلانَةٌ عَنْ عَلَمِ إناثِهِمْ. وقِيلَ: كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ مِنَ الذُّكُورِ، وفُلانَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ مِنَ الإناثِ، وأمّا الفُلانُ والفُلانَةُ فَكِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العُقَلاءِ، وفُلُ يُخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا في ضَرُورَةٍ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎فِي لَجَّةٍ أمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلِ
وقَوْلِهِ:
؎حَدِّثانِي عَنْ فُلانٍ وفُلِ
ولَيْسَ ( فُلُ ) مُرَخَّمًا مِن فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ. وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ ابْنَ عُصْفُورٍ وابْنَ مالِكٍ وهِما في جَعْلِ فُلانٍ كِنايَةَ عَلَمِ مَن يَعْقِلُ. وقَرَأ الحَسَنُ ( يا ويْلَتِي ) بِالياءِ الصَّرِيحَةِ، وقَرَأ الدُّورِيُّ بِالإمالَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ، لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً، والياءُ التّاءَ فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ.
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي هَذا الَّذِي اتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا عَنِ القُرْآنِ أوْ عَنِ المَوْعِظَةِ أوْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، بَعْدَ إذْ جاءَنِي وتَمَكَّنْتُ مِنهُ وقَدَرْتُ عَلَيْهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ الخَذْلُ تَرْكُ الإغاثَةِ، ومِنهُ خُذْلانُ إبْلِيسَ لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يُوالُونَهُ، ثُمَّ يَتْرُكُهم عِنْدَ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، وأنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ مُضِلًّا، أوْ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ لِكَوْنِهِ الَّذِي حَلَمَهُ عَلى مُخالَلَةِ المُضِلِّينَ.
﴿وقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [الفرقان: ٢١] والمَعْنى إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ الَّذِي جِئْتُ بِهِ إلَيْهِمْ وأمَرْتَنِي بِإبْلاغِهِ وأرْسَلْتَنِي بِهِ مَهْجُورًا مَتْرُوكًا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولا قَبِلُوهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وقِيلَ: هو مِن ( هَجَرَ ) إذا هَذى. والمَعْنى: أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ هَجْرًا وهَذَيانًا. وقِيلَ: مَعْنى ( مَهْجُورًا ) مَهْجُورًا فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ، وهَجْرُهم فِيهِ قَوْلُهم: إنَّهُ سِحْرٌ وشِعْرٌ وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وهَذا القَوْلُ يَقُولُهُ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في الدُّنْيا. ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ (p-١٠٤٠)هَذا تَسْلِيَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَدُوًّا يُعادِيِهِ مِن مُجْرِمِي قَوْمِهِ، فَلا تَجْزَعُ يا مُحَمَّدُ، فَإنَّ هَذا دَأْبُ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: الباءُ زائِدَةٌ أيْ: كَفى رَبُّكَ، وانْتِصابُ ( نَصِيرًا ) و( هادِيًا ) عَلى الحالِ، أوِ التَّمْيِيزِ أيْ: يَهْدِي عِبادَهُ إلى مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا ويَنْصُرُهم عَلى الأعْداءِ.
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ هَذا مِن جُمْلَةِ اقْتِراحاتِهِمْ وتَعَنُّتاتِهِمْ أيْ: هَلّا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْنا هَذا القُرْآنَ دُفْعَةً واحِدَةً غَيْرَ مُنَجَّمٍ.
واخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقِيلَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: اليَهُودُ، قالُوا: هَلّا أتَيْتَنا بِالقُرْآنِ جُمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ ؟ وهَذا زَعْمٌ باطِلٌ ودَعْوًى داحِضَةٌ، فَإنَّ هَذِهِ الكُتُبَ نَزَلَتْ مُفَرَّقَةً كَما نَزَلَ القُرْآنُ ولَكِنَّهم مُعانِدُونَ، أوْ جاهِلُونَ لا يَدْرُونَ بِكَيْفِيَّةِ نُزُولِ كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: نَزَّلْنا القُرْآنَ كَذَلِكَ مُفَرَّقًا، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ المُفَرَّقِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ، واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لِنُقَوِّيَ بِهَذا التَّنْزِيلِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ فُؤادَكَ، فَإنَّ إنْزالَهُ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ أقْرَبُ إلى حِفْظِكَ لَهُ وفَهْمِكَ لِمَعانِيهِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ التَّثْبِيتِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ الأخْفَشَ قالَ: إنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ: وهَذا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( لِيُثَبِّتَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ أيِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أعْنِي: كَذَلِكَ، هي مِن تَمامِ كَلامِ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى كَذَلِكَ أيْ: كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ فَيُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: كَذَلِكَ ثُمَّ يُبْتَدَأُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ عَلى مَعْنى أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ مُتَفَرِّقًا لِهَذا الغَرَضِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا أجْوَدُ وأحْسَنُ. قالَ النَّحّاسُ: وكانَ ذَلِكَ أيْ: إنْزالُ القُرْآنِ مُنَجَّمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهم لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا أُجِيبُوا عَنْهُ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، فَكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ، وأفْئِدَتِهِمْ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ هَذا مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، ومَعْنى التَّرْتِيلِ: أنْ يَكُونَ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى بَيَّناهُ تَبْيِينًا، حُكِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُهُ في إثْرِ بَعْضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ما أعْلَمُ التَّرْتِيلَ إلّا التَّحْقِيقَ والتَّبْيِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم مَحْجُوجُونَ في كُلِّ أوانٍ، مَدْفُوعٌ قَوْلُهم بِكُلِّ وجْهٍ، وعَلى كُلِّ حالَةٍ. فَقالَ: ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أيْ لا يَأْتِيكَ يا مُحَمَّدُ المُشْرِكُونَ بِمَثَلٍ مِن أمْثالِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ المُتَعَنِّتَةُ إلّا جِئْناكَ في مُقابَلَةِ مَثَلِهِمْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يُبْطِلُ ما جاءُوا بِهِ مِنَ المَثَلِ ويَدْمَغُهُ ويَدْفَعُهُ.
فالمُرادُ بِالمَثَلِ هُنا: السُّؤالُ والِاقْتِراحُ، وبِالحَقِّ: جَوابُهُ الَّذِي يَقْطَعُ ذَرِيعَتَهُ ويُبْطِلُ شُبْهَتَهُ ويَحْسِمُ مادَّتَهُ.
ومَعْنى أحْسُنُ تَفْسِيرًا جِئْناكَ بِأحْسَنِ تَفْسِيرٍ، فَأحْسُنُ تَفْسِيرًا مَعْطُوفٌ عَلى الحَقِّ، والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا جِئْناكَ﴾ مُفَرَّغٌ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ أيْ: لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا في حالِ إيتائِنا إيّاكَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أوْعَدَ هَؤُلاءِ الجَهَلَةَ وذَمَّهم. فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُحْشَرُونَ كائِنِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ: أُولَئِكَ، أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الذَّمِّ.
ومَعْنى يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ: يُسْحَبُونَ عَلَيْها إلى جَهَنَّمَ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلًا ومَصِيرًا ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وأخْطَأُ طَرِيقًا وذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ صارُوا في النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ( سُبْحانَ )، وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ: الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا ؟ فَيَقُولُونَ لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ وذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ في كُلِّ سَماءٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وفي كُلِّ سَماءٍ أكْثَرُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي قَبْلَها، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكُرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ، والإنْسِ، والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القِثّاءِ، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخْذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخْذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا القاسِمُ، حَدَّثَنا الحُسَيْنُ، حَدَّثَنِي الحَجّاجُ بْنُ مُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرانَ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِإسْنادٍ هَكَذا: قالَ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمّارِ بْنِ الحَرْثِ مَأْمُولٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ بِسَنَدٍ، قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيِهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ ؟ فَقالَتْ: أشَدَّ ما كانَ أمْرًا، فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقالَتْ: صَبَأ، فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ (p-١٠٤١)التَّحِيَّةَ، فَقالَ: مالَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي ؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُهُ ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى أنْ مَسْحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا،» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا، قالَ: وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ مَعَهم، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَمَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُودٍ مِنَ الأرْضِ، «فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقُدِّمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلَنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ ؟ قالَ: نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي،» فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ القِصَّةَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَكَرَ أنَّ خَلِيلَ أبِي مُعَيْطٍ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبُو جَهْلٍ وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ ؟ ألّا يُنْزِلَ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ والسُّورَتَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: لِنُشَدِّدَ بِهِ فُؤادَكَ ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا، يَقُولُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ سَألُوكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُجِيبُ، ولَكِنْ نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
الفرقان 25:35
.
اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى.
ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا.
وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ.
﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا
قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا.
وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها.
وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ.
والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ.
﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ.
والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) .
﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى.
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» .
وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.
الفرقان 25:36
.
اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى.
ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا.
وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ.
﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا
قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا.
وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها.
وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ.
والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ.
﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ.
والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) .
﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى.
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» .
وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.
الفرقان 25:37
.
اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى.
ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا.
وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ.
﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا
قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا.
وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها.
وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ.
والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ.
﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ.
والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) .
﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى.
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» .
وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.
الفرقان 25:38
.
اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى.
ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا.
وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ.
﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا
قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا.
وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها.
وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ.
والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ.
﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ.
والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) .
﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى.
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» .
وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.
الفرقان 25:39
.
اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى.
ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا.
وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ.
قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ.
﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا
قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا.
وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ.
وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها.
وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ.
والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ.
وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ.
﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ.
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ.
والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) .
﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى.
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ.
قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ.
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ.
ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» .
وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.