Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — الفرقان 25:40 – الفرقان 25:64

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. الفرقان 25:40
  2. الفرقان 25:41
  3. الفرقان 25:42
  4. الفرقان 25:43
  5. الفرقان 25:44
  6. الفرقان 25:45
  7. الفرقان 25:46
  8. الفرقان 25:47
  9. الفرقان 25:48
  10. الفرقان 25:49
  11. الفرقان 25:50
  12. الفرقان 25:51
  13. الفرقان 25:52
  14. الفرقان 25:53
  15. الفرقان 25:54
  16. الفرقان 25:55
  17. الفرقان 25:56
  18. الفرقان 25:57
  19. الفرقان 25:58
  20. الفرقان 25:59
  21. الفرقان 25:60
  22. الفرقان 25:61
  23. الفرقان 25:62
  24. الفرقان 25:63
  25. الفرقان 25:64

الفرقان 25:40

. اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى. ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا. وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ. ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما. وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا. وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها. وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ. والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ. وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ. ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ. ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ. والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) . ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى. وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ. ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» . وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» . وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.

الفرقان 25:41

. اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى. ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا. وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ. ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما. وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا. وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها. وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ. والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ. وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ. ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ. ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ. والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) . ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى. وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ. ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» . وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» . وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.

الفرقان 25:42

. اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى. ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا. وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ. ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما. وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا. وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها. وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ. والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ. وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ. ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ. ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ. والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) . ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى. وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ. ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» . وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» . وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.

الفرقان 25:43

. اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى. ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا. وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ. ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما. وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا. وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها. وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ. والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ. وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ. ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ. ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ. والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) . ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى. وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ. ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» . وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» . وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.

الفرقان 25:44

. اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، ذَكَرَ سُبْحانَهُ طَرَفًا مِن قَصَصِ الأوَّلِينَ تَسْلِيَةً لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ أنْبِياءِ اللَّهِ لَهم عادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِخاصٍّ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وهارُونَ عَطْفُ بَيانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى القَطْعِ ووَزِيرًا المَفْعُولُ الثّانِي، وقِيلَ: حالٌ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَعَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قالَ الزَّجّاجُ: الوَزِيرُ في اللُّغَةِ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ويُعْمَلُ بِرَأْيِهِ، والوَزَرُ ما يُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الوَزِيرِ في طه، والوِزارَةُ لا تُنافِي النُّبُوَّةَ، فَقَدْ كانَ يُبْعَثُ في الزَّمَنِ الواحِدِ أنْبِياءٌ، ويُؤْمَرُونَ بِأنْ يُؤازِرَ بَعْضُهم بَعْضًا. وقَدْ كانَ هارُونُ في أوَّلِ الأمْرِ وزِيرًا لِمُوسى. ولِاشْتِراكِهِما في النُّبُوَّةِ قِيلَ لَهُما ﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وإنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا بِها عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ لِمُوسى وهارُونَ بِالذَّهابِ بَلْ كانَ التَّكْذِيبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذا الماضِيَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ أيِ: اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِآياتِنا. وقِيلَ: إنَّما وُصِفُوا بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ آلَ حالُهم إلى أنْ كَذَّبُوا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِوَصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ عِنْدَ الإرْسالِ أنَّهم كانُوا مُكَذِّبِينَ لِلْآياتِ الإلَهِيَّةِ ولَيْسَ المُرادُ آياتِ الرِّسالَةِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَوْلُهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤] لا يُنافِي هَذا لِأنَّهُما إذا كانا مَأْمُورَيْنِ فَكُلُّ واحِدٍ مَأْمُورٌ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ تَخْصِيصَ مُوسى بِالخِطابِ في بَعْضِ المَواطِنِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ في الرِّسالَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما في الخِطابِ لِكَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ جَمِيعًا ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ: فَذَهَبا إلَيْهِمْ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم أيْ: أهْلَكْناهم إثْرَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ إهْلاكًا عَظِيمًا. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالتَّدْمِيرِ هُنا الحُكْمُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ عَقِبَ بَعْثِ مُوسى وهارُونَ إلَيْهِمْ، بَلْ بَعْدَهُ بِمُدَّةٍ. ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ في نَصْبِ ( قَوْمَ ) أقْوالٌ: العَطْفُ عَلى الهاءِ والمِيمِ في دَمَّرْناهم، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ، أوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، وهو أغْرَقْناهم أيْ: أغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ أغْرَقْناهم، وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ بِأغْرَقْناهُمُ المَذْكُورِ بَعْدَهُ مِن دُونِ تَقْدِيرٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ. ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ ( أغْرَقْنا ) لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ حَتّى يَعْمَلَ في الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ، وفي قَوْمِ نُوحٍ. ومَعْنى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أنَّهم كَذَّبُوا نُوحًا وكَذَّبُوا مَن قَبْلَهَ مِن رُسُلِ اللَّهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَن كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، وكانَ إغْراقُهم بِالطُّوفانِ كَما تَقَدَّمَ في هُودٍ ﴿وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا إغْراقَهم، أوْ قِصَّتَهم (p-١٠٤٢)لِلنّاسِ آيَةً أيْ: عِبْرَةً لِكُلِّ النّاسِ عَلى العُمُومِ يَتَّعِظُ بِها كُلُّ مُشاهِدٍ لَها وسامِعٍ لِخَبَرِها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ المُرادُ بِالظّالِمِينَ قَوْمُ نُوحٍ عَلى الخُصُوصِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ مِن سَلَكَ مَسْلَكَهم في التَّكْذِيبِ. والعَذابُ الألِيمُ: هو عَذابُ الآخِرَةِ. وانْتِصابُ عادًا بِالعَطْفِ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: عَلى مَحَلِّ الظّالِمِينَ، وقِيلَ: عَلى مَفْعُولِ جَعَلْناهم وثَمُودَ مَعْطُوفٌ عَلى ( عادًا )، وقِصَّةُ عادٍ وثَمُودَ قَدْ ذُكِرَتْ فِيما سَبَقَ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ الرَّسُّ في كَلامِ العَرَبِ: البِئْرُ الَّتِي تَكُونُ غَيْرَ مَطْوِيَّةٍ، والجَمْعُ رِساسٌ كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وهم سائِرُونَ إلى أرْضِهِمْ تَنابِلَةٌ يَخْفِرُونَ الرِّساسا قالَ السُّدِّيُّ: هي بِئْرٌ بِإنْطاكِيَةَ قَتَلُوا فِيها حَبِيبًا النَّجّارَ فَنُسِبُوا إلَيْها، وهو صاحِبُ يس الَّذِي قالَ ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] وكَذا قالَ مُقاتِلٌ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُما. وقِيلَ: هم قَوْمٌ بِأذْرَبِيجانَ قَتَلُوا أنْبِياءَهم فَجَفَّتْ أشْجارُهم وزُرُوعُهم، فَماتُوا جُوعًا وعَطَشًا. وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّجَرَ، وقِيلَ: كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شُعَيْبًا فَكَذَّبُوهُ وآذَوْهُ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ نَبِيًّا فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ. وقِيلَ: إنَّ الرَّسَّ: هي البِئْرُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وأصْحابُها أهْلُها. وقالَ في الصِّحاحِ: والرَّسُّ اسْمُ بِئْرٍ كانَتْ لِبَقِيَّةِ ثَمُودَ، وقِيلَ: الرَّسُّ: ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ، وقِيلَ: الثَّلْجُ المُتَراكِمُ في الجِبالِ. والرَّسُّ: اسْمُ وادٍ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ؎بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ ∗∗∗ فَهُنَّ لِوادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ والرَّسُّ أيْضًا: الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ والإفْسادُ بَيْنَهم، فَهو مِنَ الأضْدادِ. وقِيلَ: هم أصْحابُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، وهُمُ الَّذِينَ ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالطّائِرِ المَعْرُوفِ بِالعَنْقاءِ ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والقُرُونُ جَمْعُ قَرْنٍ أيْ: أهْلُ قُرُونٍ، والقَرْنُ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ، وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: بَيْنَ ذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأُمَمِ. وقَدْ يُذْكُرُ الذّاكِرُ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ يُشِيرُ إلَيْها بِذَلِكَ. ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ أيْ: وأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وبَيَّنّا لَهُمُ الحُجَّةَ، ولَمْ نَضْرِبْ لَهُمُ الأمْثالَ الباطِلَةَ كَما يَفْعَلُهُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ، فَجَعَلَهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، لِأنَّ ( حَذَّرْنا ) و( ذَكَّرْنا ) و( أنْذَرْنا ) في مَعْنى: ضَرَبْنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، وهو الأُمَمُ أيْ: كُلُّ الأُمَمِ ضَرَبْنا لَهُمُ الأمْثالَ وأمّا كُلًّا الأُخْرى: فَهي مَنصُوبَةٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، والتَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ بِالعَذابِ. قالالزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وقالَ المُؤَرِّجُ والأخْفَشُ: مَعْنى ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ دَمَّرْنا تَدْمِيرًا أُبْدِلَتِ التّاءُ والباءُ مِنَ الدّالِ والمِيمِ. ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ. والمَعْنى: ولَقَدْ أتَوْا أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ عَلى قَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ. وهو الحِجارَةُ أيْ: هَلَكَتْ بِالحِجارَةِ الَّتِي أُمْطِرُوا بِها، وانْتِصابُ ( مَطَرَ ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ: إذِ المَعْنى أعْطَيْتُها وأوْلَيْتُها مَطَرَ السَّوْءِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إمْطارٌ مِثْلُ مَطَرِ السَّوْءِ، وقَرَأ أبُو السَّمْألِ ( السُّوءِ ) بِضَمِّ السِّينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّوْءِ في ( بَراءَةٌ ) ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، أيْ يَرَوْنَ القَرْيَةَ المَذْكُورَةَ عِنْدَ سَفَرِهِمْ إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، فَإنَّهم يَمُرُّونَ بِها، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ: لَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَمّا سَبَقَ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِتِلْكَ الآثارِ إلى عَدَمِ رَجاءِ البَعْثِ مِنهُمُ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ رَجائِهِمْ لِلْجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ( يَرْجُونَ ) ( يَخافُونَ ) . ﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكُ إلّا هُزُؤًا أيْ: مَهْزُوءًا بِكَ، قَصَرَ مُعامَلَتَهم لَهُ عَلى اتِّخاذِهِمْ إيّاهُ هُزُوًا، فَجَوابُ ( إذا ) هو ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ) وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ، وهو قالُوا أهَذا الَّذِي وعَلى هَذا فَتَكُونُ جُمْلَةُ ( ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ ) مُعْتَرِضَةً، والأوَّلُ أوْلى. وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلِينَ أهَذا إلَخْ، وفي اسْمِ الإشارَةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقارِهِمْ لَهُ وتَهَكُّمِهِمْ بِهِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: ( بَعَثَهُ اللَّهُ ) وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى الحالِ أيْ: مُرْسَلًا، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ. وصِلَتُهُ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ قالُوا: إنْ كادَ هَذا الرَّسُولُ لَيُضِلُّنا: لَيَصْرِفُنا عَنْ آلِهَتِنا فَنَتْرُكُ عِبادَتَها، و( إنْ ) هُنا هي المُخَفَّفَةُ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ أيْ: إنَّهُ كادَ أنْ يَصْرِفَنا عَنْها ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: حَبَسْنا أنْفُسَنا عَلى عِبادَتِها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أجابَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: حِينَ يَرَوْنَ عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ ويَسْتَوْجِبُونَهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ مَن هو أضَلُّ سَبِيلًا أيْ: أبْعَدُ طَرِيقًا عَنِ الحَقِّ والهُدى، أهم أمِ المُؤْمِنُونَ ؟ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ لا تَمَسُّكَ لَهم فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ سِوى التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى. فَقالَ مُعَجِّبًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قَدَّمَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْعِنايَةِ كَما تَقُولُ عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا أيْ: أطاعَ هَواهُ طاعَةً كَطاعَةِ الإلَهِ أيِ: انْظُرْ إلَيْهِ يا مُحَمَّدُ وتَعَجَّبْ مِنهُ. قالَ الحَسَنُ: مَعْنى الآيَةِ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ أيْ: أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ حَفِيظًا وكَفِيلًا حَتّى تَرُدَّهُ إلى الإيمانِ وتُخْرِجَهُ مِنَ الكُفْرِ، ولَسْتَ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ولا تُطِيقُهُ، فَلَيْسَتِ الهِدايَةُ والضَّلالَةُ مَوْكُولَتَيْنِ إلى مَشِيئَتِكَ، وإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ. ثُمَّ انْتَقَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الإنْكارِ الأوَّلِ إلى إنْكارٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِن آياتِ القُرْآنِ ومِنَ المَواعِظِ، أوْ يَعْقِلُونَ مَعانِيَ ذَلِكَ ويُفْهِمُونَهُ حَتّى تَعْتَنِيَ بِشَأْنِهِمْ وتَطْمَعَ في إيمانِهِمْ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ هم بِمَنزِلَةِ (p-١٠٤٣)مَن لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ حالَهم، وقَطَعَ مادَّةَ الطَّمَعِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ أيْ: ما هم في الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَهُ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَسْلُوبَةُ الفَهْمِ والعَقْلِ فَلا تَطْمَعْ فِيهِمْ، فَإنَّ فائِدَةَ السَّمْعِ والعَقْلِ مَفْقُودَةٌ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ ما يُقالُ لَهم ويَعْقِلُونَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ كانُوا كالفاقِدِ لَهُ. ثُمَّ أضْرَبَ سُبْحانَهُ عَنِ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كالأنْعامِ إلى ما هو فَوْقَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ أيْ: أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ طَرِيقًا. قالَ مُقاتِلٌ: البَهائِمُ تَعْرِفُ رَبَّها وتَهْتَدِي إلى مَراعِيها وتَنْقادُ لِأرْبابِها وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ ولا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي خَلَقَهم ورَزَقَهم. وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ مِنَ الأنْعامِ، لِأنَّهُ لا حِسابَ عَلَيْها ولا عِقابَ لَها، وقِيلَ: إنَّما كانُوا أضَلَّ لِأنَّ البَهائِمَ إذا لَمْ تَعْقِلْ صِحَّةَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ لَمْ تَعْتَقِدْ بُطْلانَ ذَلِكَ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ فَإنَّهُمُ اعْتَقَدُوا البُطْلانَ عِنادًا ومُكابَرَةً وتَعَصُّبًا وغَمْطًا لِلْحَقِّ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الرَّسُّ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ قالَ: صاحِبُ ( يس ) الَّذِي ﴿قالَ ياقَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ غَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقُوهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدْلِي طَعامَهُ وشَرابَهُ ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَّمَ حِزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْمِلَها وجَدَ سِنَةً فاضْطَجَعَ فَنامَ فَضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ ذَهَبَ فاحْتَمَلَ حِزْمَتَهُ ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حِزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ فِيهِ بُدٌّ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ ؟ فَيَقُولُونَ ما نَدْرِي حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِهِ: وفِيهِ غَرابَةٌ ونَكارَةٌ، ولَعَلَّ فِيهِ إدْراجًا. انْتَهى. الحَدِيثُ أيْضًا مُرْسَلٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: القَرْنُ سَبْعُونَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ. وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ خَمْسُونَ سَنَةً، وقالَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً» . وما أظُنُّهُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ وقَدْ سُمِّيَ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ قَرْنًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» . وأخْرَجَ الحاكِمُ في الكُنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - إذا انْتَهى إلى مَعْدِ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. قالَ اللَّهُ:» وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ قَرْيَةُ لُوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ قالَ: الحِجارَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.

الفرقان 25:45

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:46

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:47

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:48

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:49

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:50

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:51

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:52

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:53

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:54

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:55

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:56

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:57

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:58

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:59

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:60

. لِما فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن ذِكْرِ جَهالَةِ الجاهِلِينَ وضَلالَتِهِمْ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ مَعَ ما فِيها مِن عَظِيمِ الإنْعامِ، فَأوَّلُها الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ الظِّلِّ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ إمّا بَصَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِها ألَمْ تُبْصِرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ، أوْ ألَمْ تُبْصِرْ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ، وإمّا قَلْبِيَّةٌ بِمَعْنى العِلْمِ، فَإنَّ الظِّلَّ مُتَغَيِّرٌ، وكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حادِثٌ، ولِكُلِّ حادِثٍ مُوجِدٌ. قالَ الزَّجّاجُ ألَمْ تَرَ ألَمْ تَعْلَمْ، وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ. قالَ: وهَذا الكَلامُ عَلى القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ: يَعْنِي الظِّلَّ مِن وقْتِ الإسْفارِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وهو ظِلٌّ لا شَمْسَ مَعَهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ. وقِيلَ: هو مِن غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها. (p-١٠٤٤)قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الظِّلُّ بِالغَداةِ، والفَيْءُ بِالعَشِيِّ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ فَيْئًا لِأنَّهُ فاءَ مِنَ المَشْرِقِ إلى جانِبِ المَغْرِبِ. قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ يَصِفُ سَرْحَةً، وكَنّى بِها عَنِ امْرَأةٍ: ؎فَلا الظِّلُّ مِن بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الظِّلُّ ما نَسَخَتْهُ الشَّمْسُ، والفَيْءُ ما نَسَخَ الشَّمْسَ. وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ رُؤْبَةَ قالَ: كُلُّ ما كانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزالَتْ عَنْهُ فَهو فَيْءٌ وظِلٌّ، وما لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهو ظِلٌّ. انْتَهى. وحَقِيقَةُ الظِّلِّ أنَّهُ أمْرٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الضَّوْءِ الخالِصِ والظُّلْمَةِ الخالِصَةِ، وهَذا المُتَوَسِّطُ هو أعْدَلُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ يَكْرَهُها الطَّبْعُ ويَنْفِرُ عَنْها الحِسُّ، والضَّوْءُ الكامِلُ لِقُوَّتِهِ يُبْهِرُ الحِسَّ البَصَرِيَّ ويُؤْذِي بِالتَّسْخِينِ، ولِذَلِكَ وُصِفَتِ الجَنَّةُ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أيْ: لَوْ شاءَ لَمَنعَ الشَّمْسَ الطُّلُوعَ، والأوَّلُ أوْلى. والتَّعْبِيرُ بِالسُّكُونِ عَنِ الإقامَةِ والِاسْتِقْرارِ سائِغٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: سَكَنَ فُلانٌ بَلَدَ كَذا: إذا أقامَ بِهِ واسْتَقَرَّ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْ: جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِها بِأحْوالِها عَلى أحْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظِّلَّ يَتْبَعُها كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَزِيدُ بِها ويَنْقُصُ، ويَمْتَدُّ ويَتَقَلَّصُ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ﴾ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ. والمَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ذَلِكَ الظِّلَّ المَمْدُودَ ومَحَوْناهُ عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ بِالتَّدْرِيجِ حَتّى انْتَهى ذَلِكَ الإظْلالُ إلى العَدَمِ والِاضْمِحْلالِ. وقِيلَ: المُرادُ في الآيَةِ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَبْضِ أسْبابِهِ. وهي الأجْرامُ النَّيِّرَةُ، والأوَّلُ أوْلى. والمَعْنى: أنَّ الظِّلَّ يَبْقى في هَذا الجَوِّ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإذا طَلُعَتِ الشَّمْسُ صارَ الظِّلُّ مَقْبُوضًا وخَلْفَهُ في هَذا الجَوِّ شُعاعُ الشَّمْسِ، فَأشْرَقَتْ عَلى الأرْضِ وعَلى الأشْياءِ إلى وقْتِ غُرُوبِها، فَإذا غَرَبَتْ فَلَيْسَ هُناكَ ظِلٌّ، إنَّما فِيهِ بَقِيَّةُ نُورِ النَّهارِ، وقالَ قَوْمٌ: قَبَضَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِأنَّها إذا لَمْ تَغْرُبْ فالظِّلُّ فِيهِ بَقِيَّةٌ، وإنَّما يَتِمُّ زَوالُهُ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ ودُخُولِ الظَّلَمَةِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: المَعْنى: ثُمَّ قَبَضْنا ضِياءَ الشَّمْسِ بِالفَيْءِ قَبْضًا يَسِيرًا ومَعْنى إلَيْنا أنَّ مَرْجِعَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ قَبْضًا يَسِيرًا أيْ: عَلى تَدْرِيجٍ قَلِيلًا قَلِيلًا بِقَدْرِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: ( يَسِيرًا ) سَرِيعًا، وقِيلَ: المَعْنى يَسِيرًا عَلَيْنا أيْ: يَسِيرًا قَبْضُهُ عَلَيْنا لَيْسَ بِعَسِيرٍ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ شَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُسْتَرُ مِن ظَلامِ اللَّيْلِ بِاللِّباسِ السّاتِرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وصَفَ اللَّيْلَ بِاللِّباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( جَعَلَ ) ﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾ أيْ وجَعَلَ النَّوْمَ سُباتًا أيْ: راحَةً لَكم لِأنَّكم تَنْقَطِعُونَ عَنِ الِاشْتِغالِ، وأصْلُ السُّباتِ التَّمَدُّدُ: يُقالُ سَبَتَتِ المَرْأةُ شَعْرَها أيْ: نَقَضَتْهُ وأرْسَلَتْهُ، ورَجُلٌ مَسْبُوتٌ أيْ: مَمْدُودُ الخِلْقَةِ. وقِيلَ: لِلنَّوْمِ سُباتٌ، لِأنَّهُ بِالتَّمَدُّدِ يَكُونُ، وفي التَّمَدُّدِ مَعْنى الرّاحَةِ. وقِيلَ: السَّبْتُ القَطْعُ، فالنَّوْمُ انْقِطاعٌ عَنِ الِاشْتِغالِ، ومِنهُ سَبْتُ اليَهُودِ لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الِاشْتِغالِ. قالَ الزَّجّاجُ: السُّباتُ النَّوْمُ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الحَرَكَةِ والرُّوحُ في بَدَنِهِ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم راحَةً لَكم. وقالَ الخَلِيلُ: السُّباتُ نَوْمٌ ثَقِيلٌ أيْ: جَعَلَنا نَوْمَكم ثَقِيلًا لِيَكْمُلَ الإجْمامُ والرّاحَةُ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِالحَياةِ كَما شَبَّهَ النَّوْمَ بِالسُّباتِ الشَّبِيهِ بِالمَماتِ. وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ السُّباتَ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِكَوْنِ النُّشُورِ في مُقابَلَتِهِ. وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قُرِئَ ( الرِّيحُ ) وقُرِئَ ( بُشْرًا ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِالنُّونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَوْفًى في الأعْرافِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ﴿ماءً طَهُورًا﴾ أيْ: يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما يُقالُ: وضُوءٌ لِلْماءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ في اللُّغَةِ الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، والطُّهُورُ ما يُتَطَهَّرُ بِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الطَّهُورُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - الِاسْمُ، وكَذَلِكَ الوَضُوءُ والوَقُودُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ، هَذا هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الطَّهُورَ هو الطّاهِرُ المُطَهِّرُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُهُ بِناءَ مُبالِغَةٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: الطَّهُورُ هو الطّاهِرُ، واسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] يَعْنِي طاهِرًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎خَلِيلِيَّ هَلْ في نَظْرَةٍ بَعْدَ تَوْبَةٍ ∗∗∗ أُداوِي بِها قَلْبِي عَلَيَّ فَجُورُ ؎إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظُّبى ∗∗∗ عِذابُ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ فَوَصَفَ الرِّيقَ بِأنَّهُ طَهُورٌ ولَيْسَ بِمُطَهَّرٍ، ورَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ ثَعْلَبٌ. وهو راجِحٌ لِما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ الأزْهَرِيِّ لِذَلِكَ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وأمّا وصْفُ الشّاعِرِ لِلرِّيقِ بِأنَّهُ طَهُورٌ، فَهو عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِأنَّ الماءَ طاهِرٌ في نَفْسِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] . وقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَ الماءُ طَهُورًا» . ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ عِلَّةَ الإنْزالِ. فَقالَ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِالماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ بَلْدَةً مَيْتًا وصَفَ البَلْدَةَ بِمَيْتًا، وهي صِفَةٌ لِلْمُذَكَّرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى البَلَدِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ بِالبَلَدِ المَكانَ، والمُرادُ بِالإحْياءِ هُنا إخْراجُ النَّباتِ مِنَ المَكانِ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ ﴿ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: نُسَقِي ذَلِكَ الماءَ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما وأبُو حَيّانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن ( نَسْقِيهِ ) وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، و( مِن ) في مِمّا خَلَقْنا لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِنُسْقِيهِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ، والأنْعامُ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، والأناسِيُّ جَمْعُ إنْسانٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ. وقالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، ولِلْفَرّاءِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ جَمْعُ إنْسانٍ، والأصْلُ ( أناسِينَ ) مِثْلُ ( سَرْحانَ ) وسَراحِينَ، وبُسْتانٍ وبَساتِينَ، فَجَعَلُوا الباءَ عِوَضًا مِنَ النُّونِ. ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ ضَمِيرُ صَرَّفْناهُ (p-١٠٤٥)ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الدَّلائِلِ أيْ: كَرَّرْنا أحْوالَ الإظْلالِ، وذِكْرُ إنْشاءِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ في القُرْآنِ وفي سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْتَبِرُوا ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ هم إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وجَحْدَها. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ وهو المَطَرُ أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم في البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ، فَنُزِيدُ في بَعْضِ البُلْدانِ ونُنْقِصُ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . [الفرقان: ١] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩] وقَوْلُهُ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القُرْآنَ بِإنْزالِ آياتِهِ بَيْنَ النّاسِ لِيَذَّكَّرُوا بِهِ ويَعْتَبِرُوا بِما فِيهِ، فَأبى أكْثَرُهم ﴿إلّا كُفُورًا﴾ بِهِ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الرِّيحِ، وعَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى المَطَرِ، فَقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقِيلَ ما ذَكَرْناهُ. وقِيلَ: صَرَّفْناهُ بَيْنَهم وابِلًا وطَشًّا وطَلًّا ورَذاذًا، وقِيلَ: تَصْرِيفُهُ تَنْوِيعُ الِانْتِفاعِ بِهِ في الشُّرْبِ والسَّقْيِ والزِّراعاتِ بِهِ والطَّهاراتِ. قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ هو قَوْلُهم: في الأنْواءِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا. وقَرَأ عِكْرِمَةُ ( صَرَفْناهُ ) مُخَفَّفًا، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لِيَذْكُرُوا ) مُخَفَّفَةُ الذّالِ مِنَ الذِّكْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّثْقِيلِ مِنَ التَّذَكُّرِ. ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ أيْ: رَسُولًا يُنْذِرُهم كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهم، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ جَعَلْنا نَذِيرًا واحِدًا، وهو أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقابِلْ ذَلِكَ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ. ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يَدْعُونَكَ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ آلِهَتِهِمْ، بَلِ اجْتَهِدْ في الدَّعْوَةِ واثْبُتْ فِيها والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ: جاهِدْهم بِالقُرْآنِ واتْلُ عَلَيْهِمْ ما فِيهِ مِنَ القَوارِعِ والزَّواجِرِ والأوامِرِ والنَّواهِي. وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، وقِيلَ: بِالسَّيْفِ، والأوَّلُ أوْلى. وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، والأمْرُ بِالقِتالِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى تَرْكِ الطّاعَةِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَمْ يَكُنْ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ إلّا مُجاهَدَةُ القَرْيَةِ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها، وحِينَ اقْتَصَرَ عَلى نَذِيرٍ واحِدٍ لِكُلِّ القُرى وهو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَلا جَرَمَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ المُجاهَداتِ، فَكَبُرَ جِهادُهُ، وعَظُمَ وصارَ جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، ولا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلِيلًا رابِعًا عَلى التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿وهو الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ ( مَرَجَ ) خَلّى وخَلَطَ وأرْسَلَ، يُقالُ مَرَجْتُ الدّابَّةَ وأمْرَجْتُها: إذا أرْسَلْتُها في المَرْعى وخَلَّيْتُها تَذْهَبُ حَيْثُ تَشاءُ قالَ مُجاهِدٌ: أرْسَلَهُما وأفاضَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: خَلَطَهُما فَهُما يَلْتَقِيانِ، يُقالُ مَرَجْتُهُ: إذا خَلَطْتُهُ، ومَرَجَ الدِّينُ والأمْرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] وقالَ الأزْهَرِيُّ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّى بَيْنَهُما، يُقالُ مَرَجَتِ الدّابَّةُ: إذا خَلَّيْتُها تَرْعى. وقالَ ثَعْلَبٌ: المَرْجُ الإجْراءُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أجْراهُما. قالَ الأخْفَشُ: ويَقُولُ قَوْمٌ: أمْرَجَ البَحْرَيْنِ مِثْلُ مَرَجَ، فَعَلَ وأفْعَلَ بِمَعْنًى ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ الفُراتُ البَلِيغُ العُذُوبَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ كَيْفَ مَرَجَهُما ؟ فَقِيلَ: هَذا عَذْبٌ وهَذا مِلْحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قِيلَ سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتًا لِأنَّهُ يَفْرُتُ العَطَشُ أيْ: يَقْطَعُهُ ويَكْسِرُهُ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ المُلُوحَةِ هَذا مَعْنى الأُجاجِ، وقِيلَ: الأُجاجُ البَلِيغُ في الحَرارَةِ، وقِيلَ: البَلِيغُ في المَرارَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ ( مَلِحٌ ) بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ البَرْزَخُ الحاجِزُ والحائِلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ بَيْنَهُما مِن قُدْرَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما ويَمْنَعُهُما التَّمارُجَ، ومَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ سَتْرًا مَسْتُورًا، يَمْنَعُ أحَدُهُما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالآخَرِ، فالبَرْزَخُ الحاجِزُ، والحَجْزُ المانِعُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّها كَلِمَةٌ يَقُولُها المُتَعَوِّذُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البَحْرَيْنِ يَتَعَوَّذُ مِن صاحِبِهِ، ويَقُولُ لَهُ هَذا القَوْلَ، وقِيلَ: حَدًّا مَحْدُودًا. وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَحْرِ العَذْبِ الأنْهارُ العِظامُ كالنِّيلِ والفُراتِ وجَيْحُونَ، ومِنَ البَحْرِ الأُجاجِ البِحارُ المَشْهُورَةُ، والبَرْزَخُ بَيْنَهُما الحائِلُ مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ يَعْذُبَ هَذا المالِحُ بِالعَذْبِ، أوْ يُمَلَّحَ هَذا العَذْبُ بِالمالِحِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ حالَةً مِن أحْوالِ خَلْقِ الإنْسانِ والماءِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ والمُرادُ بِالماءِ هُنا ماءُ النُّطْفَةِ أيْ: خَلَقَ مِن ماءِ النُّطْفَةِ إنْسانًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وقِيلَ: المُرادُ بِالماءِ الماءُ المُطْلَقُ الَّذِي يُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] والمُرادُ بِالنَّسَبِ هو الَّذِي لا يَحِلُّ نِكاحُهُ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: واشْتِقاقُ الصِّهْرِ مِن صَهَرْتُ الشَّيْءَ: إذا خَلَطْتَهُ، وسُمِّيَتِ المَناكِحُ صِهْرًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ بِها. وقِيلَ: الصِّهْرُ قَرابَةُ النِّكاحِ، فَقَرابَةُ الزَّوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَّوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ تَعُمُّهُما، قالَهُ الأصْمَعِيُّ. قالَ الواحِدِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: النَّسَبُ سَبْعَةُ أصْنافٍ مِنَ القَرابَةِ يَجْمَعُها قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ومِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَحْرِيمٌ بِالصِّهْرِ، وهو الخُلْطَةُ الَّتِي تُشْبِهُ القَرابَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ سَبْعَةَ أصْنافٍ مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعَةً مِن جِهَةِ الصِّهْرِ، قَدِ اشْتَمَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ عَلى سِتَّةٍ مِنها، والسّابِعَةُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّجّاجُ وغَيْرُهُما الرَّضاعِ مِن جُمْلَةِ النَّسَبِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أيْ: بَلِيغَ القُدْرَةِ عَظِيمَها، ومِن (p-١٠٤٦)جُمْلَةِ قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ خَلْقُ الإنْسانِ وتَقْسِيمُهُ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ بَيْنَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا فَقَبَضَ الظِّلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: مَدُّ الظِّلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يَقُولُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ ؟ وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحَيْضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتَنُ، فَقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . وفِي إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ كَلامٌ طَوِيلٌ قَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ يَعْنِي خَلَطَ أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ ﴿نَسَبًا وصِهْرًا﴾ فَقالَ: ما أراكم إلّا وقَدْ عَرَفْتُمُ النِّسَبَ، وأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ والصَّحابَةُ.

الفرقان 25:61

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِ الكُفّارِ وفَضائِحِ سِيرَتِهِمْ فَقالَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم﴾ إنْ عَبَدُوهُ ولا يَضُرُّهم إنْ تَرَكُوهُ ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ الظَّهِيرُ المَظاهِرُ أيِ: المُعاوِنُ عَلى رَبِّهِ بِالشِّرْكِ والعَداوَةِ، والمُظاهَرَةُ عَلى الرَّبِّ هي المُظاهَرَةُ عَلى رَسُولِهِ أوْ عَلى دِينِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهُ يُتابِعُ الشَّيْطانَ ويُعاوِنُهُ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، لِأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مُعاوَنَةٌ لِلشَّيْطانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ هَيِّنًا ذَلِيلًا، مِن قَوْلِ العَرَبِ: ظَهَرْتُ بِهِ أيْ: جَعَلْتُهُ خَلْفَ ظَهْرِكَ لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أيْ: هَيِّنًا، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎تَمِيمُ بْنُ بَدْرٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو الصَّنَمُ قَوِيًّا غالِبًا يَعْمَلُ بِهِ ما يَشاءُ، لِأنَّ الجَمادَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعٍ ونَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّهِيرُ جَمْعًا كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] والمَعْنى: أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ مَظاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ أوْ عَلى دِينٍ، والمُرادُ بِالكافِرِ هُنا الجِنْسُ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ هو كافِرٌ مُعَيَّنٌ كَما قِيلَ إنَّهُ أبُو جَهْلٍ. ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ: مُبَشِّرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ومُنْذِرًا لِلْكافِرِينَ بِالنّارِ. ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ما أسْألُكم عَلى القُرْآنِ مِن أجْرٍ، أوْ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالإرْسالِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا فَلْيَفْعَلْ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ. والمَعْنى: إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ وصَّوَرَ ذَلِكَ بِصُورَةِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُودُ الحُصُولِ. ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهَ أنَّ الكُفّارَ مُتَظاهِرُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، وأمَرَهُ أنْ لا يَطْلُبَ مِنهم أجْرًا ألْبَتَّةَ، أمَرَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في دَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَنافِعِ. فَقالَ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ وخَصَّ صِفَةَ الحَياةِ إشارَةً إلى أنَّ الحَيَّ هو الَّذِي يُوثَقُ بِهِ في المَصالِحِ، ولا حَياةَ عَلى الدَّوامِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ دُونَ الأحْياءِ المُنْقَطِعَةِ حَياتُهم فَإنَّهم إذا ماتُوا ضاعَ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ، والتَّوَكُّلُ اعْتِمادُ العَبْدِ عَلى اللَّهِ في كُلِّ الأُمُورِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ صِفاتِ النُّقْصانِ، وقِيلَ: مَعْنى سَبِّحْ صَلِّ، والصَّلاةُ تُسَمّى تَسْبِيحًا ﴿وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ أيْ: حَسْبُكَ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرادُ بِها المُبالَغَةُ كَقَوْلِكَ: كَفى بِاللَّهِ رَبًّا، والخَبِيرُ المُطَّلِعُ عَلى الأُمُورِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، ثُمَّ زادَ في المُبالَغَةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأعْرافِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْحَيِّ، وقالَ ( بَيْنَهُما ) ولَمْ يَقُلْ ( بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّهُ أرادَ النَّوْعَيْنِ، كَما قالَ القُطامِيُّ: ؎ألَمْ يَحْزُنُكَ أنَّ جِبالَ قَيْسٍ ∗∗∗ وتَغْلِبَ قَدْ ثَباتَّتا انْقِطاعًا (p-١٠٤٧)فَإنْ قِيلَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما تُفِيدُهُ ثُمَّ، فَيُقالُ: إنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لَمْ تَدْخُلْ عَلى خَلْقِ العَرْشِ بَلْ عَلى رَفْعِهِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، والرَّحْمَنُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو صِفَةٌ أُخْرى لِلْحَيِّ، وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في اسْتَوى، أوْ يَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ أيْ: فاسْألْ، عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكَحْ فَتاتَهُمْ وقَرَأ زَيْدُ بْنِ عَلِيٍّ ( الرَّحْمَنِ ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْحَيِّ أوْ لِلْمَوْصُولِ ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ الضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ. والمَعْنى: فاسْألْ بِتَفاصِيلِ ما ذُكِرَ إجْمالًا مِن هَذِهِ الأُمُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: الباءُ بِمَعْنى عَنْ أيْ: فاسْألْ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎هَلّا سَألْتِ الخَيْلَ يا ابْنَةَ مالِكٍ ∗∗∗ إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِما لَمْ تَعْلَمِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ والمُرادُ ( بِالخَبِيرِ ) اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ إلّا هو، ومِن هَذا قَوْلُ العَرَبِ: لَوْ لَقِيتَ فُلانًا لَلَقِيَكَ بِهِ الأسَدُ، أيْ: لَلَقِيَكَ بِلِقائِكَ إيّاهُ الأسَدُ، فَ ( خَبِيرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، واسْتَضْعَفَ الحالِيَّةَ أبُو البَقاءِ فَقالَ: يَضْعُفُ أنْ يَكُونَ خَبِيرًا حالًا مِن فاعِلِ اسْألْ، لِأنَّ الخَبِيرَ لا يُسْألُ إلّا عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٩١، فاطِرٍ: ٣١ ] قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرَّحْمَنِ إذا رَفَعْتَهُ بِاسْتَوى. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في بِهِ زائِدَةً. والمَعْنى: فاسْألْهُ حالَ كَوْنِهِ خَبِيرًا. وقِيلَ: قَوْلُهُ: بِهِ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١] والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ هَذِهِ الوُجُوهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْهم بِأنَّهم جَهِلُوا مَعْنى الرَّحْمَنِ. فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم قالُوا ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، يَعْنُونَ مَسْلَمَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَلَمّا سَمِعُوهُ أنْكَرُوا فَقالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: لا نَسْجُدُ لِلرَّحْمَنِ الَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ فالمَعْنى: أنَسْجَدُ لِما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ بِالسُّجُودِ لَهُ. وقَدْ قَرَأ المَدَنِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ ﴿لِما تَأْمُرُنا﴾ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ أبُو عُبَيْدُ: يَعْنُونَ الرَّحْمَنَ. قالَ النَّحّاسُ: ولَيْسَ يَجِبُ أنْ يُتَأوَّلَ عَلى الكُوفِيِّينَ في قِراءَتِهِمْ هَذا التَّأْوِيلُ البَعِيدُ، ولَكِنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ لَهُمُ ( اسْجُدُوا ) لِما يَأْمُرُنا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَتُصْبِحُ القِراءَةُ عَلى هَذا، وإنْ كانَتِ الأُولى أبْيَنَ ﴿وزادَهم نُفُورًا﴾ أيْ: زادَهَمُ الأمْرُ بِالسُّجُودِ نُفُورًا عَلى الدِّينِ وبُعْدًا عَنْهُ، وقِيلَ: زادَهم ذِكْرُ الرَّحْمَنِ تَباعُدًا مِنَ الإيمانِ، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ لَعَرَفُوا وُجُوبَ السُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ. فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجُ النُّجُومِ أيْ: مَنازِلُها الِاثْنا عَشَرَ، وقِيلَ: هي النُّجُومُ الكِبارُ، والأوَّلُ أوْلى. وسُمِّيَتْ بُرُوجًا، وهي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ كالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ لِمَن يَسْكُنُها، واشْتِقاقُ البُرْجِ مِنَ التَّبَرُّجِ، وهو الظُّهُورُ ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ أيْ شَمْسًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] قَرَأ الجُمْهُورُ سِراجًا بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ سُرُجًا بِالجَمْعِ أيِ: النُّجُومُ العِظامُ الوَّقّادَةُ، ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في تَأْوِيلِ قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أرادَ الشَّمْسَ والكَواكِبَ ﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أيْ يُنِيرُ الأرْضَ إذا طَلَعَ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( قُمْرًا ) بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ المِيمِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ شاذَّةٌ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخِلْفَةُ كُلُّ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ: اللَّيْلُ خِلْفَةٌ لِلنَّهارِ، والنَّهارُ خِلْفَةٌ لِلَّيْلِ، لِأنَّ أحَدَهُما يَخْلُفُ الآخَرَ ويَأْتِي بَعْدَهُ، ومِنهُ خِلْفَةُ النَّباتِ، وهو ورَقٌ يَخْرُجُ بَعْدَ الوَرَقِ الأوَّلِ في الصَّيْفِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ قالَ الفَرّاءُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: يَقُولُ يَذْهَبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا، وقالَ مُجاهِدٌ: خِلْفَةٌ مِنَ الخِلافِ، هَذا أبْيَضُ وهَذا أسْوَدُ. وقِيلَ: يَتَعاقَبانِ في الضِّياءِ والظَّلامِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ. وقِيلَ: هو مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ أيْ: جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوِي خِلْفَةٍ أيِ: اخْتِلافٍ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ قالَ حَمْزَةُ: مُخَفَّفًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ، فالقِراءَةُ الأُولى مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مِنَ التَّذَكُّرِ لَهُ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( يَتَذَكَّرُ ) ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ المُتَذَكِّرَ المُعْتَبِرَ إذا نَظَرَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ في انْتِقالِهِما مِن حالٍ إلى حالٍ مِن ناقِلٍ ﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أيْ أرادَ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلى ما أوْدَعَهُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والألْطافِ الكَثِيرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُذَكِّرُ ويَتَذَكَّرُ يَأْتِيانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ ( ويَذْكُرُوا ما فِيهِ ) . ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ( ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ، والهَوْنُ مَصْدَرٌ، وهو السَّكِينَةُ والوَقارُ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الهَوْنَ مُتَعَلِّقٌ بِيَمْشُونَ أيْ: يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ مَشْيًا هَوْنًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَتَأوَّلَ هَذا عَلى أنْ تَكُونَ أخْلاقُ ذَلِكَ الماشِي ( هَوْنًا ) مُناسِبَةً لِمَشْيِهِ، وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةُ المَشْيِ وحْدُهُ فَباطِلٌ، لِأنَّهُ رُبَّ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذِئْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أذى أهْلِ الجَهْلِ والسَّفَهِ فَلا يَجْهَلُونَ مَعَ مَن يَجْهَلُ ولا (p-١٠٤٨)يُسافِهُونَ أهْلَ السَّفَهِ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هَذا السَّلامُ مِنَ التَّسْلِيمِ إنَّما هو مِنَ التَّسَلُّمِ تَقُولُ العَرَبُ سَلامًا أيْ: تَسَلُّمًا مِنكَ أيْ: بَراءَةً مِنكَ، مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: قالُوا سَلَّمْنا سَلامًا، وهَذا عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْ: قالُوا هَذا اللَّفْظَ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى سَلامًا سَدادًا، أيْ: يَقُولُ لِلْجاهِلِ كَلامًا يَدْفَعُهُ بِرِفْقٍ ولِينٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ أنْ يُسَلِّمُوا عَلى المُشْرِكِينَ لَكِنَّهُ عَلى قَوْلِهِ تَسْلِيمًا مِنكم ولا خَيْرَ ولا شَرَّ بَيْنِنا وبَيْنَكم. قالَ المُبَرِّدُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِحَرْبِهِمْ، ثُمَّ أُمِرُوا بِحَرْبِهِمْ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْطَأ سِيبَوَيْهِ في هَذا وأساءَ العِبارَةَ. قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْلَمُ لِسِيبَوَيْهِ كَلامًا في مَعْنى النّاسِخِ والمَنسُوخِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قالَ في آخِرِ كَلامِهِ فَنَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وأقُولُ: هَكَذا يَكُونُ كَلامُ الرَّجُلِ إذا تَكَلَّمَ في غَيْرِ عِلْمِهِ ومَشى في غَيْرِ طَرِيقَتِهِ، ولَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ بِالسَّلامِ عَلى المُشْرِكِينَ ولا نُهُوا عَنْهُ، بَلْ أُمِرُوا بِالصَّفْحِ والهَجْرِ الجَمِيلِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَدَّثَنِي الخَلِيلُ قالَ: أتَيْتُ أبا رَبِيعَةَ الأعْرابِيَّ، وكانَ مِن أعْلَمِ مَن رَأيْتُ، فَإذا هو عَلى سَطْحٍ، فَسَلَّمْنا فَرَدَّ عَلَيْنا السَّلامَ وقالَ لَنا: اسْتَوُوا، فَبَقِينا مُتَحَيِّرِينَ ولَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ لَنا أعْرابِيٌّ إلى جَنْبِهِ: أمَرَكم أنْ تَرْتَفِعُوا. قالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قالَ: فَصَعِدْنا إلَيْهِ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في خُبْزِ فَطِيْرٍ ولَبَنِ هَجِيرٍ ؟ فَقُلْنا: السّاعَةَ فارَقْناهُ، فَقالَ: سَلامًا، فَلَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنَّهُ سالَمَكم مُتارَكَةً لا خَيْرَ فِيها ولا شَرَّ. قالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ . ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ البَيْتُوتَةُ: هي أنْ يُدْرِكَكَ اللَّيْلُ نِمْتَ أوْ لَمْ تَنَمْ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَقَدْ باتَ، نامَ أوْ لَمْ يَنَمْ، كَما يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، والمَعْنى: يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقِيامًا عَلى أقْدامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتْنا قِيامًا عِنْدَ رَأْسِ جَوادِنا ∗∗∗ يُزاوِلُنا عَنْ نَفْسِهِ ونُزاوِلُهُ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أيْ: هم مَعَ طاعَتِهِمْ مُشْفِقُونَ وجِلُوْنَ خائِفُونَ مِن عَذابِهِ، والغَرامُ اللّازِمُ الدّائِمُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِكَذا أيْ: مُلازِمٌ لَهُ مُولَعٌ بِهِ، هَذا مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ عَرَفَةَ وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا ∗∗∗ وإنْ يُعْطِ جَزِيْلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي وقالَ الزَّجّاجُ: الغَرامُ أشَدُّ العَذابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الهَلاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ: هي، وانْتِصابُ مُسْتَقَرًا عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ، وكَذا ( مُقامًا )، قِيلَ هُما مُتَرادِفانِ، وإنَّما عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ لِاخْتِلافِ لَفْظَيْهِما، وقِيلَ: بَلْ هُما مُخْتَلِفانِ مَعْنًى: فالمُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ فَإنَّهم يُخْرَجُونَ، والمُقامُ لِلْكُفّارِ فَإنَّهم يَخْلُدُونَ، وساءَتْ مِن أفْعالِ الذَّمِّ كَبِئْسَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ. ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالتَّوَسُّطِ في الإنْفاقِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ وعاصِمٌ ويَحْيىَ بْنُ وثّابٍ يَقْتُرُوا بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ، مِن قَتَرَ يَقْتُرُ كَقَعَدَ يَقْعُدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وهي لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ حَسَنَةٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الفَوْقِيَّةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ قَتَرَ الرَّجُلُ عَلى عِيالِهِ يَقْتُرُ، ويَقْتُرُ قَتْرًا، وأقْتُرُ يُقْتِرُ إقْتارًا، مَعْنى الجَمِيعِ: التَّضْيِيقُ في الإنْفاقِ. قالَ النَّحّاسُ: ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ مَن أنْفَقَ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ فَهو الإسْرافُ، ومَن أمْسَكَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ فَهو الإقْتارُ، ومَن أنْفَقَ في طاعَةِ اللَّهِ فَهو القَوامُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: هو الَّذِي لا يَجُوعُ ولا يَعْرى، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةً، يَقُولُ النّاسُ قَدْ أسْرَفَ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمِ واللَّذَّةِ ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمالِ، ولَكِنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ الطَّعامِ ما يَسُدُّ عَنْهُمُ الجُوعَ ويُقَوِّيهِمْ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ومِنَ اللِّباسِ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ ويَقِيهِمُ الحَرَّ والبَرْدَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَزِيدُوا عَلى المَعْرُوفِ، ولَمْ يَبْخَلُوا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] قَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قِوامًا ) بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، فَقِيلَ هَما بِمَعْنًى، وقِيلَ: القِوامُ بِالكَسْرِ: ما يَدُومُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ ويَسْتَقِرُّ، وبِالفَتْحِ: العَدْلُ والِاسْتِقامَةُ، قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقِيلَ: بِالفَتْحِ: العَدْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وبِالكَسْرِ: ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ لا يُفْضَلُ عَنْهُ ولا يُنْقَصُ. وقِيلَ: بِالكَسْرِ: السَّدادُ والمَبْلَغُ، واسْمُ كانَ مُقَدَّرٌ فِيها أيْ: كانَ إنْفاقُهم بَيْنَ ذَلِكَ وتُبْنى ( بَيْنَ ) عَلى الفَتْحِ لِأنَّها مِنَ الظُّرُوفِ المَفْتُوحَةِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما أدْرِي ما وجْهُ هَذا، لِأنَّ ( بَيْنَ ) إذا كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ رُفِعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يَعْنِي أبا الحَكَمِ الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن أجْرٍ، يَقُولُ: عَرَضٌ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: هي هَذِهِ الِاثْنا عَشَرَ بُرْجًا: أوَّلُها: الحَمَلُ، ثُمَّ الثَّوْرُ، ثُمَّ الجَوْزاءُ، ثُمَّ السَّرَطانُ، ثُمَّ الأسَدُ، ثُمَّ السُّنْبُلَةُ، ثُمَّ المِيزانُ، ثُمَّ العَقْرَبُ، ثُمَّ القَوْسُ، ثُمَّ الجَدْيُ، ثُمَّ الدَّلْوُ، ثُمَّ الحُوتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ: أبْيَضُ وأسْوَدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ (p-١٠٤٩)وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَقُولُ: ما فاتَهُ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ أنْ يَعْمَلَهُ أدْرَكَهُ بِالنَّهارِ: ومِنَ النَّهارِ أدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ أطالَ صَلاةَ الضُّحى، فَقِيلَ لَهُ صَنَعْتَ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، فَقالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن وِرْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أُتِمَّهُ، أوْ قالَ أقْضِيَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالطّاعَةِ والعَفافِ والتَّواضُعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ هَوْنًا عِلْمًا وحِلْمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: الدّائِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يُقْتِرُونَ فَيَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ.

الفرقان 25:62

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِ الكُفّارِ وفَضائِحِ سِيرَتِهِمْ فَقالَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم﴾ إنْ عَبَدُوهُ ولا يَضُرُّهم إنْ تَرَكُوهُ ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ الظَّهِيرُ المَظاهِرُ أيِ: المُعاوِنُ عَلى رَبِّهِ بِالشِّرْكِ والعَداوَةِ، والمُظاهَرَةُ عَلى الرَّبِّ هي المُظاهَرَةُ عَلى رَسُولِهِ أوْ عَلى دِينِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهُ يُتابِعُ الشَّيْطانَ ويُعاوِنُهُ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، لِأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مُعاوَنَةٌ لِلشَّيْطانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ هَيِّنًا ذَلِيلًا، مِن قَوْلِ العَرَبِ: ظَهَرْتُ بِهِ أيْ: جَعَلْتُهُ خَلْفَ ظَهْرِكَ لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أيْ: هَيِّنًا، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎تَمِيمُ بْنُ بَدْرٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو الصَّنَمُ قَوِيًّا غالِبًا يَعْمَلُ بِهِ ما يَشاءُ، لِأنَّ الجَمادَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعٍ ونَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّهِيرُ جَمْعًا كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] والمَعْنى: أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ مَظاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ أوْ عَلى دِينٍ، والمُرادُ بِالكافِرِ هُنا الجِنْسُ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ هو كافِرٌ مُعَيَّنٌ كَما قِيلَ إنَّهُ أبُو جَهْلٍ. ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ: مُبَشِّرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ومُنْذِرًا لِلْكافِرِينَ بِالنّارِ. ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ما أسْألُكم عَلى القُرْآنِ مِن أجْرٍ، أوْ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالإرْسالِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا فَلْيَفْعَلْ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ. والمَعْنى: إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ وصَّوَرَ ذَلِكَ بِصُورَةِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُودُ الحُصُولِ. ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهَ أنَّ الكُفّارَ مُتَظاهِرُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، وأمَرَهُ أنْ لا يَطْلُبَ مِنهم أجْرًا ألْبَتَّةَ، أمَرَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في دَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَنافِعِ. فَقالَ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ وخَصَّ صِفَةَ الحَياةِ إشارَةً إلى أنَّ الحَيَّ هو الَّذِي يُوثَقُ بِهِ في المَصالِحِ، ولا حَياةَ عَلى الدَّوامِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ دُونَ الأحْياءِ المُنْقَطِعَةِ حَياتُهم فَإنَّهم إذا ماتُوا ضاعَ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ، والتَّوَكُّلُ اعْتِمادُ العَبْدِ عَلى اللَّهِ في كُلِّ الأُمُورِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ صِفاتِ النُّقْصانِ، وقِيلَ: مَعْنى سَبِّحْ صَلِّ، والصَّلاةُ تُسَمّى تَسْبِيحًا ﴿وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ أيْ: حَسْبُكَ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرادُ بِها المُبالَغَةُ كَقَوْلِكَ: كَفى بِاللَّهِ رَبًّا، والخَبِيرُ المُطَّلِعُ عَلى الأُمُورِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، ثُمَّ زادَ في المُبالَغَةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأعْرافِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْحَيِّ، وقالَ ( بَيْنَهُما ) ولَمْ يَقُلْ ( بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّهُ أرادَ النَّوْعَيْنِ، كَما قالَ القُطامِيُّ: ؎ألَمْ يَحْزُنُكَ أنَّ جِبالَ قَيْسٍ ∗∗∗ وتَغْلِبَ قَدْ ثَباتَّتا انْقِطاعًا (p-١٠٤٧)فَإنْ قِيلَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما تُفِيدُهُ ثُمَّ، فَيُقالُ: إنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لَمْ تَدْخُلْ عَلى خَلْقِ العَرْشِ بَلْ عَلى رَفْعِهِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، والرَّحْمَنُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو صِفَةٌ أُخْرى لِلْحَيِّ، وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في اسْتَوى، أوْ يَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ أيْ: فاسْألْ، عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكَحْ فَتاتَهُمْ وقَرَأ زَيْدُ بْنِ عَلِيٍّ ( الرَّحْمَنِ ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْحَيِّ أوْ لِلْمَوْصُولِ ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ الضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ. والمَعْنى: فاسْألْ بِتَفاصِيلِ ما ذُكِرَ إجْمالًا مِن هَذِهِ الأُمُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: الباءُ بِمَعْنى عَنْ أيْ: فاسْألْ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎هَلّا سَألْتِ الخَيْلَ يا ابْنَةَ مالِكٍ ∗∗∗ إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِما لَمْ تَعْلَمِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ والمُرادُ ( بِالخَبِيرِ ) اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ إلّا هو، ومِن هَذا قَوْلُ العَرَبِ: لَوْ لَقِيتَ فُلانًا لَلَقِيَكَ بِهِ الأسَدُ، أيْ: لَلَقِيَكَ بِلِقائِكَ إيّاهُ الأسَدُ، فَ ( خَبِيرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، واسْتَضْعَفَ الحالِيَّةَ أبُو البَقاءِ فَقالَ: يَضْعُفُ أنْ يَكُونَ خَبِيرًا حالًا مِن فاعِلِ اسْألْ، لِأنَّ الخَبِيرَ لا يُسْألُ إلّا عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٩١، فاطِرٍ: ٣١ ] قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرَّحْمَنِ إذا رَفَعْتَهُ بِاسْتَوى. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في بِهِ زائِدَةً. والمَعْنى: فاسْألْهُ حالَ كَوْنِهِ خَبِيرًا. وقِيلَ: قَوْلُهُ: بِهِ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١] والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ هَذِهِ الوُجُوهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْهم بِأنَّهم جَهِلُوا مَعْنى الرَّحْمَنِ. فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم قالُوا ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، يَعْنُونَ مَسْلَمَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَلَمّا سَمِعُوهُ أنْكَرُوا فَقالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: لا نَسْجُدُ لِلرَّحْمَنِ الَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ فالمَعْنى: أنَسْجَدُ لِما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ بِالسُّجُودِ لَهُ. وقَدْ قَرَأ المَدَنِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ ﴿لِما تَأْمُرُنا﴾ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ أبُو عُبَيْدُ: يَعْنُونَ الرَّحْمَنَ. قالَ النَّحّاسُ: ولَيْسَ يَجِبُ أنْ يُتَأوَّلَ عَلى الكُوفِيِّينَ في قِراءَتِهِمْ هَذا التَّأْوِيلُ البَعِيدُ، ولَكِنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ لَهُمُ ( اسْجُدُوا ) لِما يَأْمُرُنا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَتُصْبِحُ القِراءَةُ عَلى هَذا، وإنْ كانَتِ الأُولى أبْيَنَ ﴿وزادَهم نُفُورًا﴾ أيْ: زادَهَمُ الأمْرُ بِالسُّجُودِ نُفُورًا عَلى الدِّينِ وبُعْدًا عَنْهُ، وقِيلَ: زادَهم ذِكْرُ الرَّحْمَنِ تَباعُدًا مِنَ الإيمانِ، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ لَعَرَفُوا وُجُوبَ السُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ. فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجُ النُّجُومِ أيْ: مَنازِلُها الِاثْنا عَشَرَ، وقِيلَ: هي النُّجُومُ الكِبارُ، والأوَّلُ أوْلى. وسُمِّيَتْ بُرُوجًا، وهي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ كالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ لِمَن يَسْكُنُها، واشْتِقاقُ البُرْجِ مِنَ التَّبَرُّجِ، وهو الظُّهُورُ ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ أيْ شَمْسًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] قَرَأ الجُمْهُورُ سِراجًا بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ سُرُجًا بِالجَمْعِ أيِ: النُّجُومُ العِظامُ الوَّقّادَةُ، ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في تَأْوِيلِ قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أرادَ الشَّمْسَ والكَواكِبَ ﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أيْ يُنِيرُ الأرْضَ إذا طَلَعَ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( قُمْرًا ) بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ المِيمِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ شاذَّةٌ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخِلْفَةُ كُلُّ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ: اللَّيْلُ خِلْفَةٌ لِلنَّهارِ، والنَّهارُ خِلْفَةٌ لِلَّيْلِ، لِأنَّ أحَدَهُما يَخْلُفُ الآخَرَ ويَأْتِي بَعْدَهُ، ومِنهُ خِلْفَةُ النَّباتِ، وهو ورَقٌ يَخْرُجُ بَعْدَ الوَرَقِ الأوَّلِ في الصَّيْفِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ قالَ الفَرّاءُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: يَقُولُ يَذْهَبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا، وقالَ مُجاهِدٌ: خِلْفَةٌ مِنَ الخِلافِ، هَذا أبْيَضُ وهَذا أسْوَدُ. وقِيلَ: يَتَعاقَبانِ في الضِّياءِ والظَّلامِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ. وقِيلَ: هو مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ أيْ: جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوِي خِلْفَةٍ أيِ: اخْتِلافٍ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ قالَ حَمْزَةُ: مُخَفَّفًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ، فالقِراءَةُ الأُولى مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مِنَ التَّذَكُّرِ لَهُ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( يَتَذَكَّرُ ) ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ المُتَذَكِّرَ المُعْتَبِرَ إذا نَظَرَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ في انْتِقالِهِما مِن حالٍ إلى حالٍ مِن ناقِلٍ ﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أيْ أرادَ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلى ما أوْدَعَهُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والألْطافِ الكَثِيرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُذَكِّرُ ويَتَذَكَّرُ يَأْتِيانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ ( ويَذْكُرُوا ما فِيهِ ) . ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ( ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ، والهَوْنُ مَصْدَرٌ، وهو السَّكِينَةُ والوَقارُ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الهَوْنَ مُتَعَلِّقٌ بِيَمْشُونَ أيْ: يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ مَشْيًا هَوْنًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَتَأوَّلَ هَذا عَلى أنْ تَكُونَ أخْلاقُ ذَلِكَ الماشِي ( هَوْنًا ) مُناسِبَةً لِمَشْيِهِ، وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةُ المَشْيِ وحْدُهُ فَباطِلٌ، لِأنَّهُ رُبَّ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذِئْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أذى أهْلِ الجَهْلِ والسَّفَهِ فَلا يَجْهَلُونَ مَعَ مَن يَجْهَلُ ولا (p-١٠٤٨)يُسافِهُونَ أهْلَ السَّفَهِ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هَذا السَّلامُ مِنَ التَّسْلِيمِ إنَّما هو مِنَ التَّسَلُّمِ تَقُولُ العَرَبُ سَلامًا أيْ: تَسَلُّمًا مِنكَ أيْ: بَراءَةً مِنكَ، مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: قالُوا سَلَّمْنا سَلامًا، وهَذا عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْ: قالُوا هَذا اللَّفْظَ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى سَلامًا سَدادًا، أيْ: يَقُولُ لِلْجاهِلِ كَلامًا يَدْفَعُهُ بِرِفْقٍ ولِينٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ أنْ يُسَلِّمُوا عَلى المُشْرِكِينَ لَكِنَّهُ عَلى قَوْلِهِ تَسْلِيمًا مِنكم ولا خَيْرَ ولا شَرَّ بَيْنِنا وبَيْنَكم. قالَ المُبَرِّدُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِحَرْبِهِمْ، ثُمَّ أُمِرُوا بِحَرْبِهِمْ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْطَأ سِيبَوَيْهِ في هَذا وأساءَ العِبارَةَ. قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْلَمُ لِسِيبَوَيْهِ كَلامًا في مَعْنى النّاسِخِ والمَنسُوخِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قالَ في آخِرِ كَلامِهِ فَنَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وأقُولُ: هَكَذا يَكُونُ كَلامُ الرَّجُلِ إذا تَكَلَّمَ في غَيْرِ عِلْمِهِ ومَشى في غَيْرِ طَرِيقَتِهِ، ولَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ بِالسَّلامِ عَلى المُشْرِكِينَ ولا نُهُوا عَنْهُ، بَلْ أُمِرُوا بِالصَّفْحِ والهَجْرِ الجَمِيلِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَدَّثَنِي الخَلِيلُ قالَ: أتَيْتُ أبا رَبِيعَةَ الأعْرابِيَّ، وكانَ مِن أعْلَمِ مَن رَأيْتُ، فَإذا هو عَلى سَطْحٍ، فَسَلَّمْنا فَرَدَّ عَلَيْنا السَّلامَ وقالَ لَنا: اسْتَوُوا، فَبَقِينا مُتَحَيِّرِينَ ولَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ لَنا أعْرابِيٌّ إلى جَنْبِهِ: أمَرَكم أنْ تَرْتَفِعُوا. قالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قالَ: فَصَعِدْنا إلَيْهِ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في خُبْزِ فَطِيْرٍ ولَبَنِ هَجِيرٍ ؟ فَقُلْنا: السّاعَةَ فارَقْناهُ، فَقالَ: سَلامًا، فَلَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنَّهُ سالَمَكم مُتارَكَةً لا خَيْرَ فِيها ولا شَرَّ. قالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ . ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ البَيْتُوتَةُ: هي أنْ يُدْرِكَكَ اللَّيْلُ نِمْتَ أوْ لَمْ تَنَمْ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَقَدْ باتَ، نامَ أوْ لَمْ يَنَمْ، كَما يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، والمَعْنى: يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقِيامًا عَلى أقْدامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتْنا قِيامًا عِنْدَ رَأْسِ جَوادِنا ∗∗∗ يُزاوِلُنا عَنْ نَفْسِهِ ونُزاوِلُهُ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أيْ: هم مَعَ طاعَتِهِمْ مُشْفِقُونَ وجِلُوْنَ خائِفُونَ مِن عَذابِهِ، والغَرامُ اللّازِمُ الدّائِمُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِكَذا أيْ: مُلازِمٌ لَهُ مُولَعٌ بِهِ، هَذا مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ عَرَفَةَ وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا ∗∗∗ وإنْ يُعْطِ جَزِيْلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي وقالَ الزَّجّاجُ: الغَرامُ أشَدُّ العَذابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الهَلاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ: هي، وانْتِصابُ مُسْتَقَرًا عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ، وكَذا ( مُقامًا )، قِيلَ هُما مُتَرادِفانِ، وإنَّما عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ لِاخْتِلافِ لَفْظَيْهِما، وقِيلَ: بَلْ هُما مُخْتَلِفانِ مَعْنًى: فالمُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ فَإنَّهم يُخْرَجُونَ، والمُقامُ لِلْكُفّارِ فَإنَّهم يَخْلُدُونَ، وساءَتْ مِن أفْعالِ الذَّمِّ كَبِئْسَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ. ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالتَّوَسُّطِ في الإنْفاقِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ وعاصِمٌ ويَحْيىَ بْنُ وثّابٍ يَقْتُرُوا بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ، مِن قَتَرَ يَقْتُرُ كَقَعَدَ يَقْعُدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وهي لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ حَسَنَةٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الفَوْقِيَّةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ قَتَرَ الرَّجُلُ عَلى عِيالِهِ يَقْتُرُ، ويَقْتُرُ قَتْرًا، وأقْتُرُ يُقْتِرُ إقْتارًا، مَعْنى الجَمِيعِ: التَّضْيِيقُ في الإنْفاقِ. قالَ النَّحّاسُ: ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ مَن أنْفَقَ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ فَهو الإسْرافُ، ومَن أمْسَكَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ فَهو الإقْتارُ، ومَن أنْفَقَ في طاعَةِ اللَّهِ فَهو القَوامُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: هو الَّذِي لا يَجُوعُ ولا يَعْرى، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةً، يَقُولُ النّاسُ قَدْ أسْرَفَ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمِ واللَّذَّةِ ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمالِ، ولَكِنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ الطَّعامِ ما يَسُدُّ عَنْهُمُ الجُوعَ ويُقَوِّيهِمْ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ومِنَ اللِّباسِ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ ويَقِيهِمُ الحَرَّ والبَرْدَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَزِيدُوا عَلى المَعْرُوفِ، ولَمْ يَبْخَلُوا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] قَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قِوامًا ) بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، فَقِيلَ هَما بِمَعْنًى، وقِيلَ: القِوامُ بِالكَسْرِ: ما يَدُومُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ ويَسْتَقِرُّ، وبِالفَتْحِ: العَدْلُ والِاسْتِقامَةُ، قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقِيلَ: بِالفَتْحِ: العَدْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وبِالكَسْرِ: ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ لا يُفْضَلُ عَنْهُ ولا يُنْقَصُ. وقِيلَ: بِالكَسْرِ: السَّدادُ والمَبْلَغُ، واسْمُ كانَ مُقَدَّرٌ فِيها أيْ: كانَ إنْفاقُهم بَيْنَ ذَلِكَ وتُبْنى ( بَيْنَ ) عَلى الفَتْحِ لِأنَّها مِنَ الظُّرُوفِ المَفْتُوحَةِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما أدْرِي ما وجْهُ هَذا، لِأنَّ ( بَيْنَ ) إذا كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ رُفِعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يَعْنِي أبا الحَكَمِ الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن أجْرٍ، يَقُولُ: عَرَضٌ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: هي هَذِهِ الِاثْنا عَشَرَ بُرْجًا: أوَّلُها: الحَمَلُ، ثُمَّ الثَّوْرُ، ثُمَّ الجَوْزاءُ، ثُمَّ السَّرَطانُ، ثُمَّ الأسَدُ، ثُمَّ السُّنْبُلَةُ، ثُمَّ المِيزانُ، ثُمَّ العَقْرَبُ، ثُمَّ القَوْسُ، ثُمَّ الجَدْيُ، ثُمَّ الدَّلْوُ، ثُمَّ الحُوتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ: أبْيَضُ وأسْوَدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ (p-١٠٤٩)وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَقُولُ: ما فاتَهُ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ أنْ يَعْمَلَهُ أدْرَكَهُ بِالنَّهارِ: ومِنَ النَّهارِ أدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ أطالَ صَلاةَ الضُّحى، فَقِيلَ لَهُ صَنَعْتَ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، فَقالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن وِرْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أُتِمَّهُ، أوْ قالَ أقْضِيَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالطّاعَةِ والعَفافِ والتَّواضُعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ هَوْنًا عِلْمًا وحِلْمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: الدّائِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يُقْتِرُونَ فَيَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ.

الفرقان 25:63

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِ الكُفّارِ وفَضائِحِ سِيرَتِهِمْ فَقالَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم﴾ إنْ عَبَدُوهُ ولا يَضُرُّهم إنْ تَرَكُوهُ ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ الظَّهِيرُ المَظاهِرُ أيِ: المُعاوِنُ عَلى رَبِّهِ بِالشِّرْكِ والعَداوَةِ، والمُظاهَرَةُ عَلى الرَّبِّ هي المُظاهَرَةُ عَلى رَسُولِهِ أوْ عَلى دِينِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهُ يُتابِعُ الشَّيْطانَ ويُعاوِنُهُ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، لِأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مُعاوَنَةٌ لِلشَّيْطانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ هَيِّنًا ذَلِيلًا، مِن قَوْلِ العَرَبِ: ظَهَرْتُ بِهِ أيْ: جَعَلْتُهُ خَلْفَ ظَهْرِكَ لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أيْ: هَيِّنًا، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎تَمِيمُ بْنُ بَدْرٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو الصَّنَمُ قَوِيًّا غالِبًا يَعْمَلُ بِهِ ما يَشاءُ، لِأنَّ الجَمادَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعٍ ونَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّهِيرُ جَمْعًا كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] والمَعْنى: أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ مَظاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ أوْ عَلى دِينٍ، والمُرادُ بِالكافِرِ هُنا الجِنْسُ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ هو كافِرٌ مُعَيَّنٌ كَما قِيلَ إنَّهُ أبُو جَهْلٍ. ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ: مُبَشِّرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ومُنْذِرًا لِلْكافِرِينَ بِالنّارِ. ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ما أسْألُكم عَلى القُرْآنِ مِن أجْرٍ، أوْ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالإرْسالِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا فَلْيَفْعَلْ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ. والمَعْنى: إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ وصَّوَرَ ذَلِكَ بِصُورَةِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُودُ الحُصُولِ. ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهَ أنَّ الكُفّارَ مُتَظاهِرُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، وأمَرَهُ أنْ لا يَطْلُبَ مِنهم أجْرًا ألْبَتَّةَ، أمَرَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في دَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَنافِعِ. فَقالَ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ وخَصَّ صِفَةَ الحَياةِ إشارَةً إلى أنَّ الحَيَّ هو الَّذِي يُوثَقُ بِهِ في المَصالِحِ، ولا حَياةَ عَلى الدَّوامِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ دُونَ الأحْياءِ المُنْقَطِعَةِ حَياتُهم فَإنَّهم إذا ماتُوا ضاعَ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ، والتَّوَكُّلُ اعْتِمادُ العَبْدِ عَلى اللَّهِ في كُلِّ الأُمُورِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ صِفاتِ النُّقْصانِ، وقِيلَ: مَعْنى سَبِّحْ صَلِّ، والصَّلاةُ تُسَمّى تَسْبِيحًا ﴿وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ أيْ: حَسْبُكَ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرادُ بِها المُبالَغَةُ كَقَوْلِكَ: كَفى بِاللَّهِ رَبًّا، والخَبِيرُ المُطَّلِعُ عَلى الأُمُورِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، ثُمَّ زادَ في المُبالَغَةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأعْرافِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْحَيِّ، وقالَ ( بَيْنَهُما ) ولَمْ يَقُلْ ( بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّهُ أرادَ النَّوْعَيْنِ، كَما قالَ القُطامِيُّ: ؎ألَمْ يَحْزُنُكَ أنَّ جِبالَ قَيْسٍ ∗∗∗ وتَغْلِبَ قَدْ ثَباتَّتا انْقِطاعًا (p-١٠٤٧)فَإنْ قِيلَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما تُفِيدُهُ ثُمَّ، فَيُقالُ: إنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لَمْ تَدْخُلْ عَلى خَلْقِ العَرْشِ بَلْ عَلى رَفْعِهِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، والرَّحْمَنُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو صِفَةٌ أُخْرى لِلْحَيِّ، وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في اسْتَوى، أوْ يَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ أيْ: فاسْألْ، عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكَحْ فَتاتَهُمْ وقَرَأ زَيْدُ بْنِ عَلِيٍّ ( الرَّحْمَنِ ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْحَيِّ أوْ لِلْمَوْصُولِ ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ الضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ. والمَعْنى: فاسْألْ بِتَفاصِيلِ ما ذُكِرَ إجْمالًا مِن هَذِهِ الأُمُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: الباءُ بِمَعْنى عَنْ أيْ: فاسْألْ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎هَلّا سَألْتِ الخَيْلَ يا ابْنَةَ مالِكٍ ∗∗∗ إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِما لَمْ تَعْلَمِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ والمُرادُ ( بِالخَبِيرِ ) اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ إلّا هو، ومِن هَذا قَوْلُ العَرَبِ: لَوْ لَقِيتَ فُلانًا لَلَقِيَكَ بِهِ الأسَدُ، أيْ: لَلَقِيَكَ بِلِقائِكَ إيّاهُ الأسَدُ، فَ ( خَبِيرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، واسْتَضْعَفَ الحالِيَّةَ أبُو البَقاءِ فَقالَ: يَضْعُفُ أنْ يَكُونَ خَبِيرًا حالًا مِن فاعِلِ اسْألْ، لِأنَّ الخَبِيرَ لا يُسْألُ إلّا عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٩١، فاطِرٍ: ٣١ ] قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرَّحْمَنِ إذا رَفَعْتَهُ بِاسْتَوى. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في بِهِ زائِدَةً. والمَعْنى: فاسْألْهُ حالَ كَوْنِهِ خَبِيرًا. وقِيلَ: قَوْلُهُ: بِهِ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١] والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ هَذِهِ الوُجُوهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْهم بِأنَّهم جَهِلُوا مَعْنى الرَّحْمَنِ. فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم قالُوا ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، يَعْنُونَ مَسْلَمَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَلَمّا سَمِعُوهُ أنْكَرُوا فَقالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: لا نَسْجُدُ لِلرَّحْمَنِ الَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ فالمَعْنى: أنَسْجَدُ لِما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ بِالسُّجُودِ لَهُ. وقَدْ قَرَأ المَدَنِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ ﴿لِما تَأْمُرُنا﴾ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ أبُو عُبَيْدُ: يَعْنُونَ الرَّحْمَنَ. قالَ النَّحّاسُ: ولَيْسَ يَجِبُ أنْ يُتَأوَّلَ عَلى الكُوفِيِّينَ في قِراءَتِهِمْ هَذا التَّأْوِيلُ البَعِيدُ، ولَكِنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ لَهُمُ ( اسْجُدُوا ) لِما يَأْمُرُنا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَتُصْبِحُ القِراءَةُ عَلى هَذا، وإنْ كانَتِ الأُولى أبْيَنَ ﴿وزادَهم نُفُورًا﴾ أيْ: زادَهَمُ الأمْرُ بِالسُّجُودِ نُفُورًا عَلى الدِّينِ وبُعْدًا عَنْهُ، وقِيلَ: زادَهم ذِكْرُ الرَّحْمَنِ تَباعُدًا مِنَ الإيمانِ، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ لَعَرَفُوا وُجُوبَ السُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ. فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجُ النُّجُومِ أيْ: مَنازِلُها الِاثْنا عَشَرَ، وقِيلَ: هي النُّجُومُ الكِبارُ، والأوَّلُ أوْلى. وسُمِّيَتْ بُرُوجًا، وهي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ كالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ لِمَن يَسْكُنُها، واشْتِقاقُ البُرْجِ مِنَ التَّبَرُّجِ، وهو الظُّهُورُ ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ أيْ شَمْسًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] قَرَأ الجُمْهُورُ سِراجًا بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ سُرُجًا بِالجَمْعِ أيِ: النُّجُومُ العِظامُ الوَّقّادَةُ، ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في تَأْوِيلِ قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أرادَ الشَّمْسَ والكَواكِبَ ﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أيْ يُنِيرُ الأرْضَ إذا طَلَعَ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( قُمْرًا ) بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ المِيمِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ شاذَّةٌ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخِلْفَةُ كُلُّ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ: اللَّيْلُ خِلْفَةٌ لِلنَّهارِ، والنَّهارُ خِلْفَةٌ لِلَّيْلِ، لِأنَّ أحَدَهُما يَخْلُفُ الآخَرَ ويَأْتِي بَعْدَهُ، ومِنهُ خِلْفَةُ النَّباتِ، وهو ورَقٌ يَخْرُجُ بَعْدَ الوَرَقِ الأوَّلِ في الصَّيْفِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ قالَ الفَرّاءُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: يَقُولُ يَذْهَبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا، وقالَ مُجاهِدٌ: خِلْفَةٌ مِنَ الخِلافِ، هَذا أبْيَضُ وهَذا أسْوَدُ. وقِيلَ: يَتَعاقَبانِ في الضِّياءِ والظَّلامِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ. وقِيلَ: هو مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ أيْ: جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوِي خِلْفَةٍ أيِ: اخْتِلافٍ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ قالَ حَمْزَةُ: مُخَفَّفًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ، فالقِراءَةُ الأُولى مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مِنَ التَّذَكُّرِ لَهُ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( يَتَذَكَّرُ ) ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ المُتَذَكِّرَ المُعْتَبِرَ إذا نَظَرَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ في انْتِقالِهِما مِن حالٍ إلى حالٍ مِن ناقِلٍ ﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أيْ أرادَ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلى ما أوْدَعَهُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والألْطافِ الكَثِيرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُذَكِّرُ ويَتَذَكَّرُ يَأْتِيانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ ( ويَذْكُرُوا ما فِيهِ ) . ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ( ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ، والهَوْنُ مَصْدَرٌ، وهو السَّكِينَةُ والوَقارُ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الهَوْنَ مُتَعَلِّقٌ بِيَمْشُونَ أيْ: يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ مَشْيًا هَوْنًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَتَأوَّلَ هَذا عَلى أنْ تَكُونَ أخْلاقُ ذَلِكَ الماشِي ( هَوْنًا ) مُناسِبَةً لِمَشْيِهِ، وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةُ المَشْيِ وحْدُهُ فَباطِلٌ، لِأنَّهُ رُبَّ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذِئْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أذى أهْلِ الجَهْلِ والسَّفَهِ فَلا يَجْهَلُونَ مَعَ مَن يَجْهَلُ ولا (p-١٠٤٨)يُسافِهُونَ أهْلَ السَّفَهِ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هَذا السَّلامُ مِنَ التَّسْلِيمِ إنَّما هو مِنَ التَّسَلُّمِ تَقُولُ العَرَبُ سَلامًا أيْ: تَسَلُّمًا مِنكَ أيْ: بَراءَةً مِنكَ، مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: قالُوا سَلَّمْنا سَلامًا، وهَذا عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْ: قالُوا هَذا اللَّفْظَ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى سَلامًا سَدادًا، أيْ: يَقُولُ لِلْجاهِلِ كَلامًا يَدْفَعُهُ بِرِفْقٍ ولِينٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ أنْ يُسَلِّمُوا عَلى المُشْرِكِينَ لَكِنَّهُ عَلى قَوْلِهِ تَسْلِيمًا مِنكم ولا خَيْرَ ولا شَرَّ بَيْنِنا وبَيْنَكم. قالَ المُبَرِّدُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِحَرْبِهِمْ، ثُمَّ أُمِرُوا بِحَرْبِهِمْ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْطَأ سِيبَوَيْهِ في هَذا وأساءَ العِبارَةَ. قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْلَمُ لِسِيبَوَيْهِ كَلامًا في مَعْنى النّاسِخِ والمَنسُوخِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قالَ في آخِرِ كَلامِهِ فَنَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وأقُولُ: هَكَذا يَكُونُ كَلامُ الرَّجُلِ إذا تَكَلَّمَ في غَيْرِ عِلْمِهِ ومَشى في غَيْرِ طَرِيقَتِهِ، ولَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ بِالسَّلامِ عَلى المُشْرِكِينَ ولا نُهُوا عَنْهُ، بَلْ أُمِرُوا بِالصَّفْحِ والهَجْرِ الجَمِيلِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَدَّثَنِي الخَلِيلُ قالَ: أتَيْتُ أبا رَبِيعَةَ الأعْرابِيَّ، وكانَ مِن أعْلَمِ مَن رَأيْتُ، فَإذا هو عَلى سَطْحٍ، فَسَلَّمْنا فَرَدَّ عَلَيْنا السَّلامَ وقالَ لَنا: اسْتَوُوا، فَبَقِينا مُتَحَيِّرِينَ ولَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ لَنا أعْرابِيٌّ إلى جَنْبِهِ: أمَرَكم أنْ تَرْتَفِعُوا. قالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قالَ: فَصَعِدْنا إلَيْهِ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في خُبْزِ فَطِيْرٍ ولَبَنِ هَجِيرٍ ؟ فَقُلْنا: السّاعَةَ فارَقْناهُ، فَقالَ: سَلامًا، فَلَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنَّهُ سالَمَكم مُتارَكَةً لا خَيْرَ فِيها ولا شَرَّ. قالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ . ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ البَيْتُوتَةُ: هي أنْ يُدْرِكَكَ اللَّيْلُ نِمْتَ أوْ لَمْ تَنَمْ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَقَدْ باتَ، نامَ أوْ لَمْ يَنَمْ، كَما يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، والمَعْنى: يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقِيامًا عَلى أقْدامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتْنا قِيامًا عِنْدَ رَأْسِ جَوادِنا ∗∗∗ يُزاوِلُنا عَنْ نَفْسِهِ ونُزاوِلُهُ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أيْ: هم مَعَ طاعَتِهِمْ مُشْفِقُونَ وجِلُوْنَ خائِفُونَ مِن عَذابِهِ، والغَرامُ اللّازِمُ الدّائِمُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِكَذا أيْ: مُلازِمٌ لَهُ مُولَعٌ بِهِ، هَذا مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ عَرَفَةَ وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا ∗∗∗ وإنْ يُعْطِ جَزِيْلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي وقالَ الزَّجّاجُ: الغَرامُ أشَدُّ العَذابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الهَلاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ: هي، وانْتِصابُ مُسْتَقَرًا عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ، وكَذا ( مُقامًا )، قِيلَ هُما مُتَرادِفانِ، وإنَّما عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ لِاخْتِلافِ لَفْظَيْهِما، وقِيلَ: بَلْ هُما مُخْتَلِفانِ مَعْنًى: فالمُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ فَإنَّهم يُخْرَجُونَ، والمُقامُ لِلْكُفّارِ فَإنَّهم يَخْلُدُونَ، وساءَتْ مِن أفْعالِ الذَّمِّ كَبِئْسَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ. ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالتَّوَسُّطِ في الإنْفاقِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ وعاصِمٌ ويَحْيىَ بْنُ وثّابٍ يَقْتُرُوا بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ، مِن قَتَرَ يَقْتُرُ كَقَعَدَ يَقْعُدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وهي لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ حَسَنَةٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الفَوْقِيَّةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ قَتَرَ الرَّجُلُ عَلى عِيالِهِ يَقْتُرُ، ويَقْتُرُ قَتْرًا، وأقْتُرُ يُقْتِرُ إقْتارًا، مَعْنى الجَمِيعِ: التَّضْيِيقُ في الإنْفاقِ. قالَ النَّحّاسُ: ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ مَن أنْفَقَ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ فَهو الإسْرافُ، ومَن أمْسَكَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ فَهو الإقْتارُ، ومَن أنْفَقَ في طاعَةِ اللَّهِ فَهو القَوامُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: هو الَّذِي لا يَجُوعُ ولا يَعْرى، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةً، يَقُولُ النّاسُ قَدْ أسْرَفَ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمِ واللَّذَّةِ ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمالِ، ولَكِنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ الطَّعامِ ما يَسُدُّ عَنْهُمُ الجُوعَ ويُقَوِّيهِمْ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ومِنَ اللِّباسِ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ ويَقِيهِمُ الحَرَّ والبَرْدَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَزِيدُوا عَلى المَعْرُوفِ، ولَمْ يَبْخَلُوا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] قَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قِوامًا ) بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، فَقِيلَ هَما بِمَعْنًى، وقِيلَ: القِوامُ بِالكَسْرِ: ما يَدُومُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ ويَسْتَقِرُّ، وبِالفَتْحِ: العَدْلُ والِاسْتِقامَةُ، قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقِيلَ: بِالفَتْحِ: العَدْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وبِالكَسْرِ: ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ لا يُفْضَلُ عَنْهُ ولا يُنْقَصُ. وقِيلَ: بِالكَسْرِ: السَّدادُ والمَبْلَغُ، واسْمُ كانَ مُقَدَّرٌ فِيها أيْ: كانَ إنْفاقُهم بَيْنَ ذَلِكَ وتُبْنى ( بَيْنَ ) عَلى الفَتْحِ لِأنَّها مِنَ الظُّرُوفِ المَفْتُوحَةِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما أدْرِي ما وجْهُ هَذا، لِأنَّ ( بَيْنَ ) إذا كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ رُفِعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يَعْنِي أبا الحَكَمِ الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن أجْرٍ، يَقُولُ: عَرَضٌ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: هي هَذِهِ الِاثْنا عَشَرَ بُرْجًا: أوَّلُها: الحَمَلُ، ثُمَّ الثَّوْرُ، ثُمَّ الجَوْزاءُ، ثُمَّ السَّرَطانُ، ثُمَّ الأسَدُ، ثُمَّ السُّنْبُلَةُ، ثُمَّ المِيزانُ، ثُمَّ العَقْرَبُ، ثُمَّ القَوْسُ، ثُمَّ الجَدْيُ، ثُمَّ الدَّلْوُ، ثُمَّ الحُوتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ: أبْيَضُ وأسْوَدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ (p-١٠٤٩)وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَقُولُ: ما فاتَهُ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ أنْ يَعْمَلَهُ أدْرَكَهُ بِالنَّهارِ: ومِنَ النَّهارِ أدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ أطالَ صَلاةَ الضُّحى، فَقِيلَ لَهُ صَنَعْتَ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، فَقالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن وِرْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أُتِمَّهُ، أوْ قالَ أقْضِيَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالطّاعَةِ والعَفافِ والتَّواضُعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ هَوْنًا عِلْمًا وحِلْمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: الدّائِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يُقْتِرُونَ فَيَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ.

الفرقان 25:64

. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ عادَ إلى ذِكْرِ قَبائِحِ الكُفّارِ وفَضائِحِ سِيرَتِهِمْ فَقالَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم﴾ إنْ عَبَدُوهُ ولا يَضُرُّهم إنْ تَرَكُوهُ ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ الظَّهِيرُ المَظاهِرُ أيِ: المُعاوِنُ عَلى رَبِّهِ بِالشِّرْكِ والعَداوَةِ، والمُظاهَرَةُ عَلى الرَّبِّ هي المُظاهَرَةُ عَلى رَسُولِهِ أوْ عَلى دِينِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّهُ يُتابِعُ الشَّيْطانَ ويُعاوِنُهُ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، لِأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مُعاوَنَةٌ لِلشَّيْطانِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ هَيِّنًا ذَلِيلًا، مِن قَوْلِ العَرَبِ: ظَهَرْتُ بِهِ أيْ: جَعَلْتُهُ خَلْفَ ظَهْرِكَ لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أيْ: هَيِّنًا، ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎تَمِيمُ بْنُ بَدْرٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو الصَّنَمُ قَوِيًّا غالِبًا يَعْمَلُ بِهِ ما يَشاءُ، لِأنَّ الجَمادَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعٍ ونَفْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّهِيرُ جَمْعًا كَقَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] والمَعْنى: أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ مَظاهِرٌ لِبَعْضٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ أوْ عَلى دِينٍ، والمُرادُ بِالكافِرِ هُنا الجِنْسُ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُ سَبَبِ النُّزُولِ هو كافِرٌ مُعَيَّنٌ كَما قِيلَ إنَّهُ أبُو جَهْلٍ. ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ: مُبَشِّرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ ومُنْذِرًا لِلْكافِرِينَ بِالنّارِ. ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ أيْ قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: ما أسْألُكم عَلى القُرْآنِ مِن أجْرٍ، أوْ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالإرْسالِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا فَلْيَفْعَلْ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ. والمَعْنى: إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالطّاعَةِ وصَّوَرَ ذَلِكَ بِصُورَةِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُودُ الحُصُولِ. ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهَ أنَّ الكُفّارَ مُتَظاهِرُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، وأمَرَهُ أنْ لا يَطْلُبَ مِنهم أجْرًا ألْبَتَّةَ، أمَرَهُ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في دَفْعِ المَضارِّ وجَلْبِ المَنافِعِ. فَقالَ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ وخَصَّ صِفَةَ الحَياةِ إشارَةً إلى أنَّ الحَيَّ هو الَّذِي يُوثَقُ بِهِ في المَصالِحِ، ولا حَياةَ عَلى الدَّوامِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ دُونَ الأحْياءِ المُنْقَطِعَةِ حَياتُهم فَإنَّهم إذا ماتُوا ضاعَ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ، والتَّوَكُّلُ اعْتِمادُ العَبْدِ عَلى اللَّهِ في كُلِّ الأُمُورِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ نَزِّهْهُ عَنْ صِفاتِ النُّقْصانِ، وقِيلَ: مَعْنى سَبِّحْ صَلِّ، والصَّلاةُ تُسَمّى تَسْبِيحًا ﴿وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ أيْ: حَسْبُكَ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ يُرادُ بِها المُبالَغَةُ كَقَوْلِكَ: كَفى بِاللَّهِ رَبًّا، والخَبِيرُ المُطَّلِعُ عَلى الأُمُورِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، ثُمَّ زادَ في المُبالَغَةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في الأعْرافِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْحَيِّ، وقالَ ( بَيْنَهُما ) ولَمْ يَقُلْ ( بَيْنَهُنَّ ) لِأنَّهُ أرادَ النَّوْعَيْنِ، كَما قالَ القُطامِيُّ: ؎ألَمْ يَحْزُنُكَ أنَّ جِبالَ قَيْسٍ ∗∗∗ وتَغْلِبَ قَدْ ثَباتَّتا انْقِطاعًا (p-١٠٤٧)فَإنْ قِيلَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما تُفِيدُهُ ثُمَّ، فَيُقالُ: إنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ لَمْ تَدْخُلْ عَلى خَلْقِ العَرْشِ بَلْ عَلى رَفْعِهِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ، والرَّحْمَنُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو صِفَةٌ أُخْرى لِلْحَيِّ، وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في اسْتَوى، أوْ يَكُونُ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ أيْ: فاسْألْ، عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكَحْ فَتاتَهُمْ وقَرَأ زَيْدُ بْنِ عَلِيٍّ ( الرَّحْمَنِ ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْحَيِّ أوْ لِلْمَوْصُولِ ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ الضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ. والمَعْنى: فاسْألْ بِتَفاصِيلِ ما ذُكِرَ إجْمالًا مِن هَذِهِ الأُمُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ والأخْفَشُ: الباءُ بِمَعْنى عَنْ أيْ: فاسْألْ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎هَلّا سَألْتِ الخَيْلَ يا ابْنَةَ مالِكٍ ∗∗∗ إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِما لَمْ تَعْلَمِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ والمُرادُ ( بِالخَبِيرِ ) اللَّهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ إلّا هو، ومِن هَذا قَوْلُ العَرَبِ: لَوْ لَقِيتَ فُلانًا لَلَقِيَكَ بِهِ الأسَدُ، أيْ: لَلَقِيَكَ بِلِقائِكَ إيّاهُ الأسَدُ، فَ ( خَبِيرًا ) مُنْتَصِبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أوْ عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، واسْتَضْعَفَ الحالِيَّةَ أبُو البَقاءِ فَقالَ: يَضْعُفُ أنْ يَكُونَ خَبِيرًا حالًا مِن فاعِلِ اسْألْ، لِأنَّ الخَبِيرَ لا يُسْألُ إلّا عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٩١، فاطِرٍ: ٣١ ] قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرَّحْمَنِ إذا رَفَعْتَهُ بِاسْتَوى. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ في بِهِ زائِدَةً. والمَعْنى: فاسْألْهُ حالَ كَوْنِهِ خَبِيرًا. وقِيلَ: قَوْلُهُ: بِهِ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١] والوَجْهُ الأوَّلُ أقْرَبُ هَذِهِ الوُجُوهِ. ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْهم بِأنَّهم جَهِلُوا مَعْنى الرَّحْمَنِ. فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم قالُوا ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ، يَعْنُونَ مَسْلَمَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَلَمّا سَمِعُوهُ أنْكَرُوا فَقالُوا وما الرَّحْمَنُ ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ: لا نَسْجُدُ لِلرَّحْمَنِ الَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّحْتِيَّةِ فالمَعْنى: أنَسْجَدُ لِما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ بِالسُّجُودِ لَهُ. وقَدْ قَرَأ المَدَنِيُّونَ والبَصْرِيُّونَ ﴿لِما تَأْمُرُنا﴾ بِالفَوْقِيَّةِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ. قالَ أبُو عُبَيْدُ: يَعْنُونَ الرَّحْمَنَ. قالَ النَّحّاسُ: ولَيْسَ يَجِبُ أنْ يُتَأوَّلَ عَلى الكُوفِيِّينَ في قِراءَتِهِمْ هَذا التَّأْوِيلُ البَعِيدُ، ولَكِنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ لَهُمُ ( اسْجُدُوا ) لِما يَأْمُرُنا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَتُصْبِحُ القِراءَةُ عَلى هَذا، وإنْ كانَتِ الأُولى أبْيَنَ ﴿وزادَهم نُفُورًا﴾ أيْ: زادَهَمُ الأمْرُ بِالسُّجُودِ نُفُورًا عَلى الدِّينِ وبُعْدًا عَنْهُ، وقِيلَ: زادَهم ذِكْرُ الرَّحْمَنِ تَباعُدًا مِنَ الإيمانِ، كَذا قالَ مُقاتِلٌ، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما لَوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ لَعَرَفُوا وُجُوبَ السُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ. فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجُ النُّجُومِ أيْ: مَنازِلُها الِاثْنا عَشَرَ، وقِيلَ: هي النُّجُومُ الكِبارُ، والأوَّلُ أوْلى. وسُمِّيَتْ بُرُوجًا، وهي القُصُورُ العالِيَةُ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ كالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ لِمَن يَسْكُنُها، واشْتِقاقُ البُرْجِ مِنَ التَّبَرُّجِ، وهو الظُّهُورُ ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ أيْ شَمْسًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] قَرَأ الجُمْهُورُ سِراجًا بِالإفْرادِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ سُرُجًا بِالجَمْعِ أيِ: النُّجُومُ العِظامُ الوَّقّادَةُ، ورَجَّحَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في تَأْوِيلِ قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أرادَ الشَّمْسَ والكَواكِبَ ﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أيْ يُنِيرُ الأرْضَ إذا طَلَعَ، وقَرَأ الأعْمَشُ ( قُمْرًا ) بِضَمِّ القافِ وإسْكانِ المِيمِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ شاذَّةٌ. ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الخِلْفَةُ كُلُّ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ: اللَّيْلُ خِلْفَةٌ لِلنَّهارِ، والنَّهارُ خِلْفَةٌ لِلَّيْلِ، لِأنَّ أحَدَهُما يَخْلُفُ الآخَرَ ويَأْتِي بَعْدَهُ، ومِنهُ خِلْفَةُ النَّباتِ، وهو ورَقٌ يَخْرُجُ بَعْدَ الوَرَقِ الأوَّلِ في الصَّيْفِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى: ؎بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ قالَ الفَرّاءُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: يَقُولُ يَذْهَبُ هَذا ويَجِيءُ هَذا، وقالَ مُجاهِدٌ: خِلْفَةٌ مِنَ الخِلافِ، هَذا أبْيَضُ وهَذا أسْوَدُ. وقِيلَ: يَتَعاقَبانِ في الضِّياءِ والظَّلامِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ. وقِيلَ: هو مِن بابِ حَذْفِ المُضافِ أيْ: جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ ذَوِي خِلْفَةٍ أيِ: اخْتِلافٍ ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ قالَ حَمْزَةُ: مُخَفَّفًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالتَّشْدِيدِ، فالقِراءَةُ الأُولى مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مِنَ التَّذَكُّرِ لَهُ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( يَتَذَكَّرُ ) ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ المُتَذَكِّرَ المُعْتَبِرَ إذا نَظَرَ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ في انْتِقالِهِما مِن حالٍ إلى حالٍ مِن ناقِلٍ ﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أيْ أرادَ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلى ما أوْدَعَهُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والألْطافِ الكَثِيرَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُذَكِّرُ ويَتَذَكَّرُ يَأْتِيانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ ( ويَذْكُرُوا ما فِيهِ ) . ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ( ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ، والهَوْنُ مَصْدَرٌ، وهو السَّكِينَةُ والوَقارُ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ الهَوْنَ مُتَعَلِّقٌ بِيَمْشُونَ أيْ: يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ مَشْيًا هَوْنًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُشْبِهُ أنْ يَتَأوَّلَ هَذا عَلى أنْ تَكُونَ أخْلاقُ ذَلِكَ الماشِي ( هَوْنًا ) مُناسِبَةً لِمَشْيِهِ، وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةُ المَشْيِ وحْدُهُ فَباطِلٌ، لِأنَّهُ رُبَّ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذِئْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم يَتَحَمَّلُونَ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أذى أهْلِ الجَهْلِ والسَّفَهِ فَلا يَجْهَلُونَ مَعَ مَن يَجْهَلُ ولا (p-١٠٤٨)يُسافِهُونَ أهْلَ السَّفَهِ. قالَ النَّحّاسُ: لَيْسَ هَذا السَّلامُ مِنَ التَّسْلِيمِ إنَّما هو مِنَ التَّسَلُّمِ تَقُولُ العَرَبُ سَلامًا أيْ: تَسَلُّمًا مِنكَ أيْ: بَراءَةً مِنكَ، مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: قالُوا سَلَّمْنا سَلامًا، وهَذا عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أيْ: قالُوا هَذا اللَّفْظَ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى سَلامًا سَدادًا، أيْ: يَقُولُ لِلْجاهِلِ كَلامًا يَدْفَعُهُ بِرِفْقٍ ولِينٍ. قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ أنْ يُسَلِّمُوا عَلى المُشْرِكِينَ لَكِنَّهُ عَلى قَوْلِهِ تَسْلِيمًا مِنكم ولا خَيْرَ ولا شَرَّ بَيْنِنا وبَيْنَكم. قالَ المُبَرِّدُ: كانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ بِحَرْبِهِمْ، ثُمَّ أُمِرُوا بِحَرْبِهِمْ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْطَأ سِيبَوَيْهِ في هَذا وأساءَ العِبارَةَ. قالَ النَّحّاسُ: ولا نَعْلَمُ لِسِيبَوَيْهِ كَلامًا في مَعْنى النّاسِخِ والمَنسُوخِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قالَ في آخِرِ كَلامِهِ فَنَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ. وأقُولُ: هَكَذا يَكُونُ كَلامُ الرَّجُلِ إذا تَكَلَّمَ في غَيْرِ عِلْمِهِ ومَشى في غَيْرِ طَرِيقَتِهِ، ولَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ بِالسَّلامِ عَلى المُشْرِكِينَ ولا نُهُوا عَنْهُ، بَلْ أُمِرُوا بِالصَّفْحِ والهَجْرِ الجَمِيلِ، فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: حَدَّثَنِي الخَلِيلُ قالَ: أتَيْتُ أبا رَبِيعَةَ الأعْرابِيَّ، وكانَ مِن أعْلَمِ مَن رَأيْتُ، فَإذا هو عَلى سَطْحٍ، فَسَلَّمْنا فَرَدَّ عَلَيْنا السَّلامَ وقالَ لَنا: اسْتَوُوا، فَبَقِينا مُتَحَيِّرِينَ ولَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ لَنا أعْرابِيٌّ إلى جَنْبِهِ: أمَرَكم أنْ تَرْتَفِعُوا. قالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩] قالَ: فَصَعِدْنا إلَيْهِ فَقالَ: هَلْ لَكَمَ في خُبْزِ فَطِيْرٍ ولَبَنِ هَجِيرٍ ؟ فَقُلْنا: السّاعَةَ فارَقْناهُ، فَقالَ: سَلامًا، فَلَمْ نَدْرِ ما قالَ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: إنَّهُ سالَمَكم مُتارَكَةً لا خَيْرَ فِيها ولا شَرَّ. قالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ . ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ البَيْتُوتَةُ: هي أنْ يُدْرِكَكَ اللَّيْلُ نِمْتَ أوْ لَمْ تَنَمْ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَقَدْ باتَ، نامَ أوْ لَمْ يَنَمْ، كَما يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، والمَعْنى: يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقِيامًا عَلى أقْدامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَبِتْنا قِيامًا عِنْدَ رَأْسِ جَوادِنا ∗∗∗ يُزاوِلُنا عَنْ نَفْسِهِ ونُزاوِلُهُ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أيْ: هم مَعَ طاعَتِهِمْ مُشْفِقُونَ وجِلُوْنَ خائِفُونَ مِن عَذابِهِ، والغَرامُ اللّازِمُ الدّائِمُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ مُغْرَمٌ بِكَذا أيْ: مُلازِمٌ لَهُ مُولَعٌ بِهِ، هَذا مَعْناهُ في كَلامِ العَرَبِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ وابْنُ عَرَفَةَ وغَيْرُهُما، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا ∗∗∗ وإنْ يُعْطِ جَزِيْلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي وقالَ الزَّجّاجُ: الغَرامُ أشَدُّ العَذابِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الهَلاكُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ أيْ: هي، وانْتِصابُ مُسْتَقَرًا عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ، وكَذا ( مُقامًا )، قِيلَ هُما مُتَرادِفانِ، وإنَّما عُطِفَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ لِاخْتِلافِ لَفْظَيْهِما، وقِيلَ: بَلْ هُما مُخْتَلِفانِ مَعْنًى: فالمُسْتَقَرُّ لِلْعُصاةِ فَإنَّهم يُخْرَجُونَ، والمُقامُ لِلْكُفّارِ فَإنَّهم يَخْلُدُونَ، وساءَتْ مِن أفْعالِ الذَّمِّ كَبِئْسَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِكَلامِهِمْ. ثُمَّ وصَفَهم سُبْحانَهُ بِالتَّوَسُّطِ في الإنْفاقِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ والأعْمَشُ وعاصِمٌ ويَحْيىَ بْنُ وثّابٍ يَقْتُرُوا بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ، مِن قَتَرَ يَقْتُرُ كَقَعَدَ يَقْعُدُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وهي لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ حَسَنَةٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الفَوْقِيَّةِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ قَتَرَ الرَّجُلُ عَلى عِيالِهِ يَقْتُرُ، ويَقْتُرُ قَتْرًا، وأقْتُرُ يُقْتِرُ إقْتارًا، مَعْنى الجَمِيعِ: التَّضْيِيقُ في الإنْفاقِ. قالَ النَّحّاسُ: ومِن أحْسَنِ ما قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ: إنَّ مَن أنْفَقَ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ فَهو الإسْرافُ، ومَن أمْسَكَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ فَهو الإقْتارُ، ومَن أنْفَقَ في طاعَةِ اللَّهِ فَهو القَوامُ. وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: هو الَّذِي لا يَجُوعُ ولا يَعْرى، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةً، يَقُولُ النّاسُ قَدْ أسْرَفَ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمِ واللَّذَّةِ ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا لِلْجَمالِ، ولَكِنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ الطَّعامِ ما يَسُدُّ عَنْهُمُ الجُوعَ ويُقَوِّيهِمْ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ، ومِنَ اللِّباسِ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ ويَقِيهِمُ الحَرَّ والبَرْدَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَزِيدُوا عَلى المَعْرُوفِ، ولَمْ يَبْخَلُوا كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] قَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قِوامًا ) بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، فَقِيلَ هَما بِمَعْنًى، وقِيلَ: القِوامُ بِالكَسْرِ: ما يَدُومُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ ويَسْتَقِرُّ، وبِالفَتْحِ: العَدْلُ والِاسْتِقامَةُ، قالَهُ ثَعْلَبٌ. وقِيلَ: بِالفَتْحِ: العَدْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وبِالكَسْرِ: ما يُقامُ بِهِ الشَّيْءُ لا يُفْضَلُ عَنْهُ ولا يُنْقَصُ. وقِيلَ: بِالكَسْرِ: السَّدادُ والمَبْلَغُ، واسْمُ كانَ مُقَدَّرٌ فِيها أيْ: كانَ إنْفاقُهم بَيْنَ ذَلِكَ وتُبْنى ( بَيْنَ ) عَلى الفَتْحِ لِأنَّها مِنَ الظُّرُوفِ المَفْتُوحَةِ. وقالَ النَّحّاسُ: ما أدْرِي ما وجْهُ هَذا، لِأنَّ ( بَيْنَ ) إذا كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ رُفِعَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يَعْنِي أبا الحَكَمِ الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن أجْرٍ، يَقُولُ: عَرَضٌ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: هي هَذِهِ الِاثْنا عَشَرَ بُرْجًا: أوَّلُها: الحَمَلُ، ثُمَّ الثَّوْرُ، ثُمَّ الجَوْزاءُ، ثُمَّ السَّرَطانُ، ثُمَّ الأسَدُ، ثُمَّ السُّنْبُلَةُ، ثُمَّ المِيزانُ، ثُمَّ العَقْرَبُ، ثُمَّ القَوْسُ، ثُمَّ الجَدْيُ، ثُمَّ الدَّلْوُ، ثُمَّ الحُوتُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ: أبْيَضُ وأسْوَدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ (p-١٠٤٩)وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا يَقُولُ: ما فاتَهُ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ أنْ يَعْمَلَهُ أدْرَكَهُ بِالنَّهارِ: ومِنَ النَّهارِ أدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ عُمَرَ أطالَ صَلاةَ الضُّحى، فَقِيلَ لَهُ صَنَعْتَ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، فَقالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن وِرْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أُتِمَّهُ، أوْ قالَ أقْضِيَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالطّاعَةِ والعَفافِ والتَّواضُعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ هَوْنًا عِلْمًا وحِلْمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: الدّائِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يُقْتِرُونَ فَيَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ.