Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — النمل 27:28 – النمل 27:57

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. النمل 27:28
  2. النمل 27:29
  3. النمل 27:30
  4. النمل 27:31
  5. النمل 27:32
  6. النمل 27:33
  7. النمل 27:34
  8. النمل 27:35
  9. النمل 27:36
  10. النمل 27:37
  11. النمل 27:38
  12. النمل 27:39
  13. النمل 27:40
  14. النمل 27:41
  15. النمل 27:42
  16. النمل 27:43
  17. النمل 27:44
  18. النمل 27:45
  19. النمل 27:46
  20. النمل 27:47
  21. النمل 27:48
  22. النمل 27:49
  23. النمل 27:50
  24. النمل 27:51
  25. النمل 27:52
  26. النمل 27:53
  27. النمل 27:54
  28. النمل 27:55
  29. النمل 27:56
  30. النمل 27:57

النمل 27:28

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:29

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:30

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:31

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:32

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:33

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:34

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:35

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:36

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:37

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:38

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:39

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:40

جُمْلَةُ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: سَنَنْظُرُ فِيما أخْبَرْتَنا بِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ ﴿أصَدَقْتَ﴾ فِيما قُلْتَ ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ سَنَنْظُرُ، وأمْ هي المُتَّصِلَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ أمْ كَذَبْتَ، لِأنَّ المَعْنى: مِنَ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالكَذِبِ وصارَ خُلُقًا (p-١٠٧٩)لَهم. والنَّظَرُ هو التَّأمُّلُ والتَّصَفُّحُ، وفِيهِ إرْشادٌ إلى البَحْثِ عَنِ الأخْبارِ والكَشْفِ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِ المُخْبِرِينَ تَقْلِيدًا لَهم واعْتِمادًا عَلَيْهِمْ إذا تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ثُمَّ بَيَّنَ سُلَيْمانُ هَذا النَّظَرَ الَّذِي وعَدَ بِهِ. فَقالَ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى أهْلِ سَبَأٍ. قالَ الزَّجّاجُ: في ألْقِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: إثْباتُ الياءِ في اللَّفْظِ وحَذْفُها، وإثْباتُ الكَسْرَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِضَمِّ الهاءِ وإثْباتِ الواوِ، وبِحَذْفِ الواوِ وإثْباتِ الضَّمَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها، وبِإسْكانِ الهاءِ. وقَرَأ بِهَذِهِ اللُّغَةِ الخامِسَةِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ. وقَرَأ قالُونُ بِكَسْرِ الهاءِ فَقَطْ مِن غَيْرِ ياءٍ. ورُوِيَ عَنْ هِشامٍ وجْهانِ: إثْباتُ الياءِ لَفَظًا وحَذْفُها مَعَ كَسْرِ الهاءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِإثْباتِ الياءِ في اللَّفْظِ، وقَوْلُهُ ﴿بِكِتابِي هَذا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ صِفَةً لِلْكِتابِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَيانًا لَهُ، وخَصَّ الهُدْهُدَ بِإرْسالِهِ بِالكِتابِ لِأنَّهُ المُخْبِرُ بِالقِصَّةِ ولِكَوْنِهِ رَأى مِنهُ مِن مَخايِلِ الفَهْمِ والعِلْمِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ أهْلًا لِلرِّسالَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ عَنْهم، أمَرَهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ التَّنَحِّي بَعْدَ دَفْعِ الكِتابِ مِن أحْسَنِ الآدابِ الَّتِي يَتَأدَّبُ بِها رُسُلُ المُلُوكِ، والمُرادُ التَّنَحِّي إلى مَكانٍ يَسْمَعُ فِيهِ حَدِيثَهم حَتّى يُخْبِرَ سُلَيْمانَ بِما سَمِعَ، وقِيلَ: مَعْنى التَّوَلِّي: الرُّجُوعُ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ: تَأمَّلْ وتَفَكَّرْ فِيما يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ وما يَتَراجَعُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ. قالَتِ أيْ: بِلْقِيسُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: يا أيُّها المَلَأُ إلَخْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ عَظِيمٍ في نَفْسِها فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى كَلامٍ حَسَنٍ، وقِيلَ: وصَفَتْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ وصَلَ إلَيْها مَخْتُومًا بِخاتَمِ سُلَيْمانَ، وكَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا، ثُمَّ بَيَّنَتْ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الكِتابُ. فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أيْ: وإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ وتَضَمَّنَهُ مِنَ القَوْلِ مُفْتَتَحٌ بِالتَّسْمِيَةِ وبَعْدَ التَّسْمِيَةِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ أيْ: لا تَتَكَبَّرُوا كَما يَفْعَلُهُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، و( لا ) ناهِيَةٌ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِن كِتابٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أنْ لا تَعْلُوا. قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾ بِكَسْرِهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِها عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ أبَيٌّ " إنَّ مِن سُلَيْمانَ وإنَّ بِسْمِ اللَّهِ " بِحَذْفِ الضَّمِيرَيْنِ وإسْكانِ النُّونَيْنِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَتانِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ " بِزِيادَةِ الواوِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وقَرَأ أشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أنْ لا تَغْلُوا " بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبَرِ " وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ " أيْ: مُنْقادِينَ لِلدِّينِ مُؤْمِنِينَ بِما جِئْتَ بِهِ. ﴿قالَتْ ياأيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ المَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ، والمَعْنى يا أيُّها الأشْرافُ أشِيرُوا عَلَيَّ وبَيِّنُوا لِي الصَّوابَ في هَذا الأمْرِ وأجِيبُونِي بِما يَقْتَضِيهِ الحَزْمُ، وعَبَّرَتْ عَنِ المَشُورَةِ بِالفَتْوى لِكَوْنِ في ذَلِكَ حَلٌّ لِما أشْكَلَ مِنَ الأمْرِ عَلَيْها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا قَرَأتْ بِلْقِيسُ الكِتابَ جَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وقالَتْ لَهم: يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِي إلَيَّ، يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي، وكَرَّرَ قالَتْ لِمَزِيدِ العِنايَةِ بِما قالَتْهُ لَهم، ثُمَّ زادَتْ في التَّأدُّبِ واسْتِجْلابِ خَواطِرِهِمْ لِيَمْحَضُوها النُّصْحَ ويُشِيرُوا عَلَيْها بِالصَّوابِ فَقالَتْ: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما كُنْتُ مُبْرِمَةً أمْرًا مِنَ الأُمُورِ حَتّى تَحْضُرُوا عِنْدِي وتُشِيرُوا عَلَيَّ. فَ قالُوا مُجِيبِينَ لَها ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في العَدَدِ والعُدَّةِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ عِنْدَ الحَرْبِ واللِّقاءِ، لَنا مِنَ الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ ما نَمْنَعُ بِهِ أنْفُسَنا وبَلَدَنا ومَمْلَكَتَنا، ثُمَّ فَوَّضُوا الأمْرَ إلَيْها لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ رَأْيِها وقُوَّةِ عَقْلِها فَقالُوا: ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ أيْ: مَوْكُولٌ إلى رَأْيِكِ ونَظَرِكِ ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ أيْ: تَأمَّلِي ماذا تَأْمُرِينا بِهِ فَنَحْنُ سامِعُونَ لِأمْرِكِ مُطِيعُونَ لَهُ. فَلَمّا سَمِعَتْ تَفْوِيضَهُمُ الأمْرَ إلَيْها ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ أيْ: إذا دَخَلُوا قَرْيَةً مِنَ القُرى خَرَّبُوا مَبانِيَها، وغَيَّرُوا مَعانِيَها، وأتْلَفُوا أمْوالَها، وفَرَّقُوا شَمْلَ أهْلِها ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ أيْ: أهانُوا أشْرافَها وحَطُّوا مَراتِبَهم، فَصارُوا عِنْدَ ذَلِكَ أذِلَّةً، وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَتِمَّ لَهُمُ المُلْكُ وتُسْتَحْكَمَ لَهُمُ الوَطْأةُ وتَتَقَرَّرُ لَهم في قُلُوبِهِمُ المَهابَةُ. قالَ الزَّجّاجُ أيْ: إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ وغَلَبَةٍ، والمَقْصُودُ مِن قَوْلِها هَذا تَحْذِيرُ قَوْمِها مِن مَسِيرِ سُلَيْمانَ إلَيْهِمْ ودُخُولِهِ بِلادَهم، وقَدْ صَدَّقَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - فِيما قالَتْ فَقالَ - سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ يَفْعَلُونَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ وقْفٌ تامٌّ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْقِيقًا لِقَوْلِها: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ كَلامِها، فَتَكُونُ جُمْلَةَ مَقُولِ قَوْلِها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. ثُمَّ لَمّا قَدَّمَتْ لَهم هَذِهِ المُقَدِّمَةَ، وبَيَّنَتْ لَهم ما في دُخُولِ المُلُوكِ إلى أرْضِهِمْ مِنَ المَفْسَدَةِ، أوْضَحَتْ لَهم وجْهَ الرَّأْيِ عِنْدَها وصَرَّحَتْ لَهم بِصَوابِهِ، فَقالَتْ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أيْ: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَّجُلَ بِإرْسالِ رُسُلِي إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى نَفائِسِ الأمْوالِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا أرْضَيْناهُ بِذَلِكَ وكُفِينا أمْرَهُ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهُ ذَلِكَ، لِأنَّ غايَةَ مَطْلَبِهِ ومُنْتَهى أرَبِهِ هو الدُّعاءُ إلى الدِّينِ فَلا يُنْجِينا مِنهُ إلّا إجابَتُهُ ومُتابَعَتُهُ والتَّدَيُّنُ بِدِينِهِ وسُلُوكُ طَرِيقَتِهِ، ولِهَذا قالَتْ: ﴿فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُرْسِلَةٌ، و ( بِمَ ) مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ، والمَعْنى: إنِّي ناظِرَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ رُسُلِيَ المُرْسَلُونَ بِالهَدِيَّةِ مِن قَبُولٍ أوْ رَدٍّ فَعامِلَةٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في ذِكْرِ هَذِهِ الهَدِيَّةِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ البَحْثِ بَيانُ ما هو أقْرَبُ ما قِيلَ إلى الصَّوابِ والصِّحَّةِ. ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ أيْ: فَلَمّا جاءَ رَسُولُها المُرْسَلُ بِالهَدِيَّةِ سُلَيْمانَ، والمُرادُ بِهَذا المُضْمَرِ الجِنْسُ فَلا يُنافِي كَوْنَهم (p-١٠٨٠)جَماعَةً كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُها: بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ " فَلَمّا جاءُوا سُلَيْمانَ " أيِ: الرُّسُلُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِنْكارِ أيْ: قالَ مُنْكِرًا لِإمْدادِهِمْ لَهُ بِالمالِ مَعَ عُلُوِّ سُلْطانِهِ وكَثْرَةِ مالِهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الإعْرابِ في نُونِ الوِقايَةِ، والباقُونَ بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ إدْغامٍ، وأمّا الياءُ فَإنَّ نافِعًا وأبا عَمْرٍو، وحَمْزَةَ يُثْبِتُونَها وصْلًا ويَحْذِفُونَها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ يُثْبِتُها في الحالَيْنِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ أنَّهُ يَقْرَأُ بِنُونٍ واحِدَةٍ. ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم﴾ أيْ: ما آتانِي مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ العَظِيمِ والأمْوالِ الكَثِيرَةِ خَيْرٌ مِمّا آتاكم مِنَ المالِ الَّذِي هَذِهِ الهَدِيَّةُ مِن جُمْلَتِهِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وحَفْصٌ ﴿آتانِيَ اللَّهُ﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الوَقْفِ وحَذْفِها في الوَصْلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ. ثُمَّ إنَّهُ أضْرَبَ عَنِ الإنْكارِ المُتَقَدِّمِ فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ تَوْبِيخًا لَهم بِفَرَحِهِمْ بِهَذِهِ الهَدِيَّةِ فَرَحَ فَخْرٍ وخُيَلاءَ، وأمّا أنا فَلا أفْرَحُ بِها ولَيْسَتِ الدُّنْيا مِن حاجَتِي، لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أعْطانِي مِنها ما لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، ومَعَ ذَلِكَ أكْرَمَنِي بِالنُّبُوَّةِ. والمُرادُ بِهَذا الإضْرابِ مِن سُلَيْمانَ بَيانُ السَّبَبِ الحامِلِ لَهم عَلى الهَدِيَّةِ مَعَ الإزْراءِ بِهِمْ والحَطِّ عَلَيْهِمْ. ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها، وخاطَبَ المُفْرَدَ هاهُنا بَعْدَ خِطابِهِ لِلْجَماعَةِ فِيما قَبْلُ، إمّا لِأنَّ الَّذِي سَيَرْجِعُ هو الرَّسُولُ فَقَطْ، أوْ خَصَّ أمِيرَ الرُّسُلِ بِالخِطابِ هُنا وخاطَبَهم مَعَهُ فِيما سَبَقَ افْتِنانًا في الكَلامِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ " ارْجِعُوا " وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلى الهُدْهُدِ، واللّامُ في ( لَنَأْتِيَنَّهم ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ. قالَ النَّحّاسُ: وسَمِعْتُ ابْنَ كَيْسانَ يَقُولُ: هي لامُ تَوْكِيدٍ ولامُ أمْرٍ ولامُ خَفْضٍ، وهَذا قَوْلُ الحُذّاقُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ لِأنَّهم يَرُدُّونَ الشَّيْءَ إلى أصْلِهِ، وهَذا لا يَتَهَيَّأُ إلّا لِمَن دُرِّبَ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ﴿لا قِبَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِجُنُودٍ. ولَنُخْرِجَنَّهم مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أيْ: لَنُخْرِجَنَّهم مِن أرْضِهِمُ الَّتِي هم فِيها أذِلَّةً أيْ: حالُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَ ما كانُوا أعِزَّةً، وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قِيلَ: وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ الصَّغارَ هو الذِّلَّةُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالصَّغارِ هُنا الأسْرُ والِاسْتِبْعادُ، وقِيلَ: إنَّ الصَّغارَ الإهانَةُ الَّتِي تَسَبَّبَ عَنْها الذِّلَّةُ. ولَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى بِلْقِيسَ تَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلى سُلَيْمانَ، وأخْبَرَ جِبْرِيلُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ. فَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿ياأيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ أيْ: عَرْشِ بِلْقِيسَ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالعِظَمِ ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي هي وقَوْمُها مُسْلِمِينَ. قِيلَ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانُ أخْذَ عَرْشِها قَبْلَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ ويُسْلِمُوا، لِأنَّها إذا أسْلَمَتْ وأسْلَمَ قَوْمُها لَمْ يَحِلَّ أخْذُ أمْوالِهِمْ بِغَيْرِ رِضاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الرِّواياتِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن سُلَيْمانَ هي بَعْدَ مَجِيءِ هَدِيَّتِها ورَدِّهِ إيّاها وبَعْثِهِ الهُدْهُدَ بِالكِتابِ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ. وقِيلَ: اسْتِدْعاءُ العَرْشِ قَبْلَ وُصُولِها لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَجْعَلَهُ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَها ولِهَذا ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ إلَخْ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في وصْفِهِ لِلْعَرْشِ بِالعِظَمِ، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ. ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وسُكُونِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ وبِالتّاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وأبُو السِّمالِ " عِفْرِيَهْ " بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَها تاءُ تَأْنِيثٍ مُنْقَلِبَةٍ هاءً رُوَيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِفَتْحِ العَيْنِ. والعِفْرِيتُ المارِدُ الغَلِيظُ الشَّدِيدُ. قالَ النَّحّاسُ: يُقالُ: لِلشَّدِيدِ إذا كانَ مَعَهُ خُبْثٌ ودَهاءٌ عِفْرٌ وعِفْرِيَهْ وعِفْرِيتٌ، وقالَ قَتادَةُ: هو الدّاهِيَةُ، وقِيلَ: هو رَئِيسُ الجِنِّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ " عِفْرٌ " بِكَسْرِ العَيْنِ جَمْعُهُ عَلى عِفارٍ، ومِمّا ورَدَ مِن أشْعارِ العَرَبِ مُطابِقًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ ما أنْشَدَهُ الكِسائِيُّ: ؎فَقالَ شَيْطانٌ لَهم عِفْرِيتٌ ما لَكم مُكْثٌ ولا تَبْيِيتٌ ومِمّا ورَدَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ ∗∗∗ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ ومَعْنى قَوْلِ العِفْرِيتِ أنَّهُ سَيَأْتِي بِالعَرْشِ إلى سُلَيْمانَ قَبْلَ أنْ يَقُومَ مِن مَجْلِسِهِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ بَيْنَ النّاسِ ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ إنِّي لِقَوِيٌّ عَلى حَمْلِهِ أمِينٌ عَلى ما فِيهِ. قِيلَ: اسْمُ هَذا العِفْرِيتِ كُودَنْ ذَكَرَهُ النَّحّاسُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وقالَ السُّهَيْلِيُّ: ذَكْوانُ، وقِيلَ: اسْمُهُ: دَعْوانُ، وقِيلَ: صَخْرٌ. وقَوْلُهُ: آتِيكَ فِعْلٌ مُضارِعٌ، وأصْلُهُ أأْتِيكَ بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ. ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اسْمُ هَذا الَّذِي عِنْدَهُ عَلْمٌ مِنَ الكِتابِ آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ وزِيرًا لِسُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ هو سُلَيْمانُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ الخِطابُ عَلى هَذا لِلْعِفْرِيتِ، كَأنَّ سُلَيْمانَ اسْتَبْطَأ ما قالَهُ العِفْرِيتُ فَقالَ لَهُ تَحْقِيرًا لَهُ ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الخِضْرُ، والأوَّلُ أوْلى. وقَدْ قِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ بِما لا أصْلَ لَهُ. والمُرادُ بِالطَّرْفِ تَحْرِيكُ الأجْفانِ وفَتْحِها لِلنَّظَرِ وارْتِدادُهُ انْضِمامُها. وقِيلَ: هو مَعْنى المَطْرُوفِ أيِ: الشَّيْءِ الَّذِي يَنْظُرُهُ، وقِيلَ: هو نَفْسُ الجَفْنِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ سُرْعَةِ الأمْرِ كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: افْعَلْ ذَلِكَ في لَحْظَةٍ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ قالَ لِسُلَيْمانَ: انْظُرْ إلى السَّماءِ فَما طَرَفَ حَتّى جاءَ بِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. والمَعْنى: حَتّى يَعُودَ إلَيْكَ طَرْفُكَ بَعْدَ مَدِّهِ إلى السَّماءِ، والأوَّلُ أوْلى هَذِهِ الأقْوالِ. ثُمَّ الثّالِثُ ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ قِيلَ: في الآيَةِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأذِنَ لَهُ سُلَيْمانُ فَدَعا اللَّهَ فَأتى بِهِ، فَلَمّا رَآهُ (p-١٠٨١)سُلَيْمانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ أيْ: رَأى العَرْشَ حاضِرًا لَدَيْهِ ﴿قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى حُضُورِ العَرْشِ، لِيَبْلُوَنِي أيْ: لِيَخْتَبِرَنِي أشْكُرُهُ بِذَلِكَ وأعْتَرِفُ أنَّهُ مِن فَضْلِهِ مِن غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي ولا قُوَّةٍ أمْ أكْفُرُ بِتَرْكِ الشُّكْرِ وعَدَمِ القِيامِ بِهِ. قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى لِيَنْظُرَ أأشْكَرُ أمْ أكْفُرُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى لِيَبْلُوَنِي لِيَتَعَبَّدَنِي، وهو مَجازٌ، والأصْلُ في الِابْتِلاءِ الِاخْتِبارُ ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالشُّكْرِ تَمامَ النِّعْمَةِ ودَوامَها، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَرْجِعُ نَفْعُ ذَلِكَ إلّا إلى الشّاكِرِ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ بِتَرْكِ الشُّكْرِ ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عَنْ شُكْرِهِ كَرِيمٌ في تَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعُقُوبَةِ بِنَزْعِ نِعَمِهِ عَنْهُ وسَلْبِهِ ما أعْطاهُ مِنها، و ( أمْ ) في ﴿أمْ أكْفُرُ﴾ هي المُتَّصِلَةُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم﴾ يَقُولُ: كُنْ قَرِيبًا مِنهم ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ فانْطَلَقَ بِالكِتابِ حَتّى إذا تَوَسَّطَ عَرْشَها ألْقى الكِتابَ إلِيها فَقُرِئَ عَلَيْها فَإذا فِيهِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ قالَ: مَخْتُومٌ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرانَ أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «كانَ يَكْتُبُ " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " حَتّى نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ أبِي مالِكٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفْتُونِي في أمْرِي﴾ قالَ: جَمَعَتْ رُءُوسَ مَمْلَكَتِها فَشاوَرَتْهم في رَأْيِها، فَأجْمَعَ رَأْيُهم ورَأْيُها عَلى أنْ يَغْزُوَهُ، فَسارَتْ حَتّى إذا كانَتْ قَرِيبَةً قالَتْ: أرْسِلُ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَإنْ قَبِلَها فَهو مَلِكٌ أُقاتِلُهُ، وإنَّ رَدَّها تابَعْتُهُ فَهو نَبِيٌّ، فَلَمّا دَنَتْ رُسُلُها مِن سُلَيْمانَ عَلِمَ خَبَرَهم، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَوَّهُوا ألْفَ قَصْرٍ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فَلَمّا رَأتْ رُسُلُها قُصُورَ الذَّهَبِ قالُوا: ما يَصْنَعُ هَذا بِهَدِيَّتِنا وقُصُورُهُ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ بِهَدِيَّتِها ﴿قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ ثُمَّ قالَ سُلَيْمانُ ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فَقالَ كاتِبُ سُلَيْمانَ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَرَفْعَ بَصَرَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ طَرَفُهُ فَإذا هو بِسَرِيرٍ ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ فَنَزَعَ مِنهُ فُصُوصَهُ ومَرافِقَهُ وما كانَ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَ قِيلَ لَها ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: ٤٢] وأمَرَ الشَّياطِينَ فَجَعَلُوا لَها صَرْحًا مُمَدَّدًا مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ فِيها تَماثِيلُ السَّمَكِ، فَ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فَإذا فِيها شَعْرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أمَرَ بِصَنْعَةِ النُّورَةِ فَصُنِعَتْ، فَقِيلَ لَها: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . [النمل: ٤٤] وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ قالَ: إذا أخَذُوها عَنْوَةً أخْرَبُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَقُولُ الرَّبُّ - تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ قالَ: أرْسَلَتْ بِلَبِنَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَلَمّا قَدِمُوا إذا حِيطانُ المَدِينَةِ مِن ذَهَبٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ الآيَةَ. وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ أهَدَتْ لَهُ صَفائِحَ الذَّهَبِ في أوْعِيَةِ الدِّيباجِ. وقالَ مُجاهِدٌ: جَوارِي لِباسُهُنَّ لِباسُ الغِلْمانِ، وغِلْمانٌ لِباسُهم لِباسُ الجَوارِي. وقالَ عِكْرِمَةُ: أهْدَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ عَلى كُلِّ فَرَسٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ، وعَلى كُلِّ فَرَسٍ لَوْنٌ لَيْسَ عَلى الآخَرِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتِ الهَدِيَّةُ جَواهِرَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قالَ: طائِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: اسْمُ العِفْرِيتِ صَخْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ قالَ: مِن مَجْلِسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هو آصِفُ بْنُ بَرْخِيا، وكانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا أنْظُرُ في كِتابِ رَبِّي، ثُمَّ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ " قالَ: فَتَكَلَّمَ ذَلِكَ العالِمُ بِكَلامٍ دَخَلَ العَرْشَ في نَفَقٍ تَحْتَ الأرْضِ حَتّى خَرَجَ إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قالَ: قالَ لِسُلَيْمانَ انْظُرْ إلى السَّماءِ، قالَ: فَما أطْرَفَ حَتّى جاءَهُ بِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَجْرِ عَرْشُ صاحِبَةِ سَبَأٍ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، ولَكِنِ انْشَقَّتْ بِهِ الأرْضُ، فَجَرى تَحْتَ الأرْضِ حَتّى ظَهَرَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.

النمل 27:41

قَوْلُهُ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ التَّنْكِيرُ التَّغْيِيرُ، يَقُولُ غَيِّرُوا سَرِيرَها إلى حالٍ تُنْكِرُهُ إذا رَأتْهُ. قِيلَ: جَعَلَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، وقِيلَ: غُيِّرَ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ. قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرَ بِتَنْكِيرِهِ لِأنَّ الشَّياطِينَ قالُوا لَهُ إنَّ في عَقْلِها شَيْئًا، فَأرادَ أنْ يَمْتَحِنَها، وقِيلَ: خافَتِ الجِنُّ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها سُلَيْمانُ، فَيُولَدُ لَهُ مِنها ولَدٌ فَيَبْقَوْنَ مُسَخَّرِينَ لِآلِ سُلَيْمانَ أبَدًا، فَقالُوا لِسُلَيْمانَ إنَّها ضَعِيفَةُ العَقْلِ ورِجْلُها كَرِجْلِ الحِمارِ، وقَوْلُهُ: نَنْظُرْ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ وبِالجَزْمِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أتَهْتَدِي إلى مَعْرِفَتِهِ، أوْ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ إلى ذَلِكَ. ﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ أيْ: بِلْقِيسُ إلى سُلَيْمانَ (p-١٠٨٢)قِيلَ لَها، والقائِلُ هو سُلَيْمانُ، أوْ غَيْرُهُ بِأمْرِهِ ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ لَمْ يَقُلْ هَذا عَرْشُكِ لِئَلّا يَكُونَ ذَلِكَ تَلْقِينًا لَها فَلا يَتِمُّ الِاخْتِبارُ لِعَقْلِها ﴿قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: جَعَلَتْ تَعْرِفُ وتُنْكِرُ وتَعْجَبُ مِن حُضُورِهِ عِنْدَ سُلَيْمانَ، فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو. وقالَ مُقاتِلٌ: عَرَفَتْهُ ولَكِنَّها شَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ كَما شَبَّهُوا عَلَيْها، ولَوْ قِيلَ لَها: أهَذا عَرْشُكِ ؟ لَقالَتْ: نَعَمْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ حَكِيمَةً، قالَتْ: إنْ قَلْتُ هو هو خَشِيتُ أنْ أكْذِبَ، وإنْ قُلْتُ لا خَشِيتُ أنْ أكْذِبَ، فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو وقِيلَ: أرادَ سُلَيْمانُ أنْ يُظْهِرَ لَها أنَّ الجِنَّ مُسَخَّرُونَ لَهُ ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: هو مِن كَلامِ بِلْقِيسَ أيْ: أُوتِينا العِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ في العَرْشِ وكُنّا مُسْلِمِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أُوتِينا العِلْمَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مِن قَبْلِ بِلْقِيسَ، وقِيلَ: أُوتِينا العِلْمَ بِإسْلامِها ومَجِيئِها طائِعَةً مِن قَبْلِها أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِها، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ قَوْمِ سُلَيْمانَ. والقَوْلُ الثّانِي أرْجَحُ مِن سائِرِ الأقْوالِ. ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بَيانٌ لِما كانَ يَمْنَعُها مِن إظْهارِ ما ادَّعَتْهُ مِنَ الإسْلامِ، فَفاعِلُ صَدَّ هو ما كانَتْ تَعْبُدُ أيْ: مَنَعَها مِن إظْهارِ الإيمانِ ما كانَتْ تَعْبُدُهُ، وهي الشَّمْسُ. قالَ النَّحّاسُ أيْ: صَدَّها عِبادَتُها مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: فاعِلُ صَدَّ هو اللَّهُ أيْ: مَنَعَها اللَّهُ ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِهِ فَتَكُونُ ( ما ) في مَحَلِّ نَصْبٍ، وقِيلَ: الفاعِلُ سُلَيْمانُ أيْ: ومَنَعَها سُلَيْمانُ ما كانَتْ تَعْبُدُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ كَما ذَكَرْنا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى أيْ: سَبَبُ تَأخُّرِها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، ومَنعِ ما كانَتْ تَعْبُدُهُ عَنْ ذَلِكَ أنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ مُتَّصِفِينَ بِالكُفْرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنَّها " بِالكَسْرِ وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِالفَتْحِ وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِمّا كانَتْ تَعْبُدُ. والثّانِي أنَّ التَّقْدِيرَ: لِأنَّها كانَتْ تَعْبُدُ، فَسَقَطَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ. ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّرْحُ القَصْرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الصَّرْحُ الحِصْنُ. يُقالُ: هَذِهِ صَرْحَةُ الدّارِ وقاعَتُها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّرْحُ بَلاطٌ اتُّخِذَ لَها مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ تَحْتَهُ ماءٌ وسَمَكٌ. وحَكى أبُو عُبَيْدٍ في الغَرِيبِ أنَّ الصَّرْحَ كُلُّ بِناءٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، وأنَّ المُمَرَّدَ الطَّوِيلُ ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ أيْ: فَلَمّا رَأتِ الصَّرْحَ بَيْنَ يَدَيْها حَسِبَتْ أنَّهُ لُجَّةٌ، واللُّجَّةُ مُعْظَمُ الماءِ، فَلِذَلِكَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لِتَخُوضَ الماءَ، فَلَمّا فَعَلَتْ ذَلِكَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ المُمَرَّدُ المَحْكُوكُ المُمَلَّسُ، ومِنهُ الأمْرَدُ، وتَمَرَّدَ الرَّجُلُ إذا لَمْ تَخْرُجْ لِحْيَتُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. ومِنهُ الشَّجَرَةُ المَرْداءُ الَّتِي لا ورَقَ لَها. والمُمَرَّدُ أيْضًا المُطَوَّلُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْحِصْنِ مارِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْتُ صَباحًا باكِرًا فَوَجَدْتُهم قُبَيْلَ الضُّحى في السّابِرِيِّ المُمَرَّدِ أيِ: الدُّرُوعِ الواسِعَةِ الطَّوِيلَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ بِلْقِيسُ ذَلِكَ أذْعَنَتْ واسْتَسْلَمَتْ، و﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِكَ، وقِيلَ: بِالظَّنِّ الَّذِي تَوَهَّمَتْهُ في سُلَيْمانَ، لِأنَّها تَوَهَّمَتْ أنَّهُ أرادَ تَغْرِيقَها في اللُّجَّةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ﴾ مُتابِعَةً لَهُ داخِلَةً في دِينِهِ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ التَفَتَتْ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، قِيلَ: لِإظْهارِ مَعْرِفَتِها بِاللَّهِ، والأوْلى أنَّها التَفَتَتْ لِما في هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَمِيعِ الأسْماءِ ولِكَوْنِهِ عَلَمًا لِلذّاتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ قالَ: زِيدَ فِيهِ ونُقِصَ لِ ﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ قالَ: لِنَنْظُرْ إلى عَقْلِها فَوُجِدَتْ ثابِتَةُ العَقْلِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها﴾ قالَ: مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ قالَ: بَحْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في أثَرٍ طَوِيلٍ أنَّ سُلَيْمانَ تَزَوَّجَها بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ: ما أحْسَنَهُ مِن حَدِيثٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ حِكايَتِهِ لِقَوْلِ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ: بَلْ هو مُنْكَرٌ جِدًّا، ولَعَلَّهُ مِن أوْهامِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. والأقْرَبُ في مِثْلِ هَذِهِ السِّياقاتِ أنَّها مُتَلَقّاةُ عَنْ أهْلِ الكِتابِ بِما يُوجَدُ في صُحُفِهِمْ كَرِواياتِ كَعْبٍ ووَهْبٍ سامَحَهُما اللَّهُ فِيما نَقَلا إلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأوابِدِ والغَرائِبِ والعَجائِبِ مِمّا كانَ ومِمّا لَمْ يَكُنْ، ومِمّا حُرِّفَ وبُدِّلَ ونُسِخَ. انْتَهى. وكَلامُهُ هَذا هو شُعْبَةٌ مِمّا قَدْ كَرَّرْناهُ في هَذا التَّفْسِيرِ ونَبَّهْنا عَلَيْهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وكُنْتُ أظُنُّ أنَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلى ذَلِكَ غَيْرِي. فالحَمْدُ لِلَّهِ عَلى المُوافَقَةِ لِمِثْلِ هَذا الحافِظِ المُنْصِفِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، والعُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أوَّلُ مَن صُنِعَتْ لَهُ الحَمّاماتُ سُلَيْمانُ» ورُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى رَواها الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عُدَيٍّ في الكامِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِلَفْظِ «أوَّلُ مَن دَخَلَ الحَمّامَ سُلَيْمانُ فَلَمّا وجَدَ حَرَّهُ قالَ: أوَّهُ مِن عَذابِ اللَّهِ» .

النمل 27:42

قَوْلُهُ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ التَّنْكِيرُ التَّغْيِيرُ، يَقُولُ غَيِّرُوا سَرِيرَها إلى حالٍ تُنْكِرُهُ إذا رَأتْهُ. قِيلَ: جَعَلَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، وقِيلَ: غُيِّرَ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ. قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرَ بِتَنْكِيرِهِ لِأنَّ الشَّياطِينَ قالُوا لَهُ إنَّ في عَقْلِها شَيْئًا، فَأرادَ أنْ يَمْتَحِنَها، وقِيلَ: خافَتِ الجِنُّ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها سُلَيْمانُ، فَيُولَدُ لَهُ مِنها ولَدٌ فَيَبْقَوْنَ مُسَخَّرِينَ لِآلِ سُلَيْمانَ أبَدًا، فَقالُوا لِسُلَيْمانَ إنَّها ضَعِيفَةُ العَقْلِ ورِجْلُها كَرِجْلِ الحِمارِ، وقَوْلُهُ: نَنْظُرْ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ وبِالجَزْمِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أتَهْتَدِي إلى مَعْرِفَتِهِ، أوْ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ إلى ذَلِكَ. ﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ أيْ: بِلْقِيسُ إلى سُلَيْمانَ (p-١٠٨٢)قِيلَ لَها، والقائِلُ هو سُلَيْمانُ، أوْ غَيْرُهُ بِأمْرِهِ ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ لَمْ يَقُلْ هَذا عَرْشُكِ لِئَلّا يَكُونَ ذَلِكَ تَلْقِينًا لَها فَلا يَتِمُّ الِاخْتِبارُ لِعَقْلِها ﴿قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: جَعَلَتْ تَعْرِفُ وتُنْكِرُ وتَعْجَبُ مِن حُضُورِهِ عِنْدَ سُلَيْمانَ، فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو. وقالَ مُقاتِلٌ: عَرَفَتْهُ ولَكِنَّها شَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ كَما شَبَّهُوا عَلَيْها، ولَوْ قِيلَ لَها: أهَذا عَرْشُكِ ؟ لَقالَتْ: نَعَمْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ حَكِيمَةً، قالَتْ: إنْ قَلْتُ هو هو خَشِيتُ أنْ أكْذِبَ، وإنْ قُلْتُ لا خَشِيتُ أنْ أكْذِبَ، فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو وقِيلَ: أرادَ سُلَيْمانُ أنْ يُظْهِرَ لَها أنَّ الجِنَّ مُسَخَّرُونَ لَهُ ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: هو مِن كَلامِ بِلْقِيسَ أيْ: أُوتِينا العِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ في العَرْشِ وكُنّا مُسْلِمِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أُوتِينا العِلْمَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مِن قَبْلِ بِلْقِيسَ، وقِيلَ: أُوتِينا العِلْمَ بِإسْلامِها ومَجِيئِها طائِعَةً مِن قَبْلِها أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِها، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ قَوْمِ سُلَيْمانَ. والقَوْلُ الثّانِي أرْجَحُ مِن سائِرِ الأقْوالِ. ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بَيانٌ لِما كانَ يَمْنَعُها مِن إظْهارِ ما ادَّعَتْهُ مِنَ الإسْلامِ، فَفاعِلُ صَدَّ هو ما كانَتْ تَعْبُدُ أيْ: مَنَعَها مِن إظْهارِ الإيمانِ ما كانَتْ تَعْبُدُهُ، وهي الشَّمْسُ. قالَ النَّحّاسُ أيْ: صَدَّها عِبادَتُها مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: فاعِلُ صَدَّ هو اللَّهُ أيْ: مَنَعَها اللَّهُ ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِهِ فَتَكُونُ ( ما ) في مَحَلِّ نَصْبٍ، وقِيلَ: الفاعِلُ سُلَيْمانُ أيْ: ومَنَعَها سُلَيْمانُ ما كانَتْ تَعْبُدُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ كَما ذَكَرْنا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى أيْ: سَبَبُ تَأخُّرِها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، ومَنعِ ما كانَتْ تَعْبُدُهُ عَنْ ذَلِكَ أنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ مُتَّصِفِينَ بِالكُفْرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنَّها " بِالكَسْرِ وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِالفَتْحِ وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِمّا كانَتْ تَعْبُدُ. والثّانِي أنَّ التَّقْدِيرَ: لِأنَّها كانَتْ تَعْبُدُ، فَسَقَطَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ. ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّرْحُ القَصْرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الصَّرْحُ الحِصْنُ. يُقالُ: هَذِهِ صَرْحَةُ الدّارِ وقاعَتُها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّرْحُ بَلاطٌ اتُّخِذَ لَها مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ تَحْتَهُ ماءٌ وسَمَكٌ. وحَكى أبُو عُبَيْدٍ في الغَرِيبِ أنَّ الصَّرْحَ كُلُّ بِناءٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، وأنَّ المُمَرَّدَ الطَّوِيلُ ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ أيْ: فَلَمّا رَأتِ الصَّرْحَ بَيْنَ يَدَيْها حَسِبَتْ أنَّهُ لُجَّةٌ، واللُّجَّةُ مُعْظَمُ الماءِ، فَلِذَلِكَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لِتَخُوضَ الماءَ، فَلَمّا فَعَلَتْ ذَلِكَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ المُمَرَّدُ المَحْكُوكُ المُمَلَّسُ، ومِنهُ الأمْرَدُ، وتَمَرَّدَ الرَّجُلُ إذا لَمْ تَخْرُجْ لِحْيَتُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. ومِنهُ الشَّجَرَةُ المَرْداءُ الَّتِي لا ورَقَ لَها. والمُمَرَّدُ أيْضًا المُطَوَّلُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْحِصْنِ مارِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْتُ صَباحًا باكِرًا فَوَجَدْتُهم قُبَيْلَ الضُّحى في السّابِرِيِّ المُمَرَّدِ أيِ: الدُّرُوعِ الواسِعَةِ الطَّوِيلَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ بِلْقِيسُ ذَلِكَ أذْعَنَتْ واسْتَسْلَمَتْ، و﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِكَ، وقِيلَ: بِالظَّنِّ الَّذِي تَوَهَّمَتْهُ في سُلَيْمانَ، لِأنَّها تَوَهَّمَتْ أنَّهُ أرادَ تَغْرِيقَها في اللُّجَّةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ﴾ مُتابِعَةً لَهُ داخِلَةً في دِينِهِ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ التَفَتَتْ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، قِيلَ: لِإظْهارِ مَعْرِفَتِها بِاللَّهِ، والأوْلى أنَّها التَفَتَتْ لِما في هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَمِيعِ الأسْماءِ ولِكَوْنِهِ عَلَمًا لِلذّاتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ قالَ: زِيدَ فِيهِ ونُقِصَ لِ ﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ قالَ: لِنَنْظُرْ إلى عَقْلِها فَوُجِدَتْ ثابِتَةُ العَقْلِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها﴾ قالَ: مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ قالَ: بَحْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في أثَرٍ طَوِيلٍ أنَّ سُلَيْمانَ تَزَوَّجَها بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ: ما أحْسَنَهُ مِن حَدِيثٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ حِكايَتِهِ لِقَوْلِ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ: بَلْ هو مُنْكَرٌ جِدًّا، ولَعَلَّهُ مِن أوْهامِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. والأقْرَبُ في مِثْلِ هَذِهِ السِّياقاتِ أنَّها مُتَلَقّاةُ عَنْ أهْلِ الكِتابِ بِما يُوجَدُ في صُحُفِهِمْ كَرِواياتِ كَعْبٍ ووَهْبٍ سامَحَهُما اللَّهُ فِيما نَقَلا إلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأوابِدِ والغَرائِبِ والعَجائِبِ مِمّا كانَ ومِمّا لَمْ يَكُنْ، ومِمّا حُرِّفَ وبُدِّلَ ونُسِخَ. انْتَهى. وكَلامُهُ هَذا هو شُعْبَةٌ مِمّا قَدْ كَرَّرْناهُ في هَذا التَّفْسِيرِ ونَبَّهْنا عَلَيْهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وكُنْتُ أظُنُّ أنَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلى ذَلِكَ غَيْرِي. فالحَمْدُ لِلَّهِ عَلى المُوافَقَةِ لِمِثْلِ هَذا الحافِظِ المُنْصِفِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، والعُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أوَّلُ مَن صُنِعَتْ لَهُ الحَمّاماتُ سُلَيْمانُ» ورُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى رَواها الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عُدَيٍّ في الكامِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِلَفْظِ «أوَّلُ مَن دَخَلَ الحَمّامَ سُلَيْمانُ فَلَمّا وجَدَ حَرَّهُ قالَ: أوَّهُ مِن عَذابِ اللَّهِ» .

النمل 27:43

قَوْلُهُ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ التَّنْكِيرُ التَّغْيِيرُ، يَقُولُ غَيِّرُوا سَرِيرَها إلى حالٍ تُنْكِرُهُ إذا رَأتْهُ. قِيلَ: جَعَلَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، وقِيلَ: غُيِّرَ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ. قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرَ بِتَنْكِيرِهِ لِأنَّ الشَّياطِينَ قالُوا لَهُ إنَّ في عَقْلِها شَيْئًا، فَأرادَ أنْ يَمْتَحِنَها، وقِيلَ: خافَتِ الجِنُّ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها سُلَيْمانُ، فَيُولَدُ لَهُ مِنها ولَدٌ فَيَبْقَوْنَ مُسَخَّرِينَ لِآلِ سُلَيْمانَ أبَدًا، فَقالُوا لِسُلَيْمانَ إنَّها ضَعِيفَةُ العَقْلِ ورِجْلُها كَرِجْلِ الحِمارِ، وقَوْلُهُ: نَنْظُرْ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ وبِالجَزْمِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أتَهْتَدِي إلى مَعْرِفَتِهِ، أوْ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ إلى ذَلِكَ. ﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ أيْ: بِلْقِيسُ إلى سُلَيْمانَ (p-١٠٨٢)قِيلَ لَها، والقائِلُ هو سُلَيْمانُ، أوْ غَيْرُهُ بِأمْرِهِ ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ لَمْ يَقُلْ هَذا عَرْشُكِ لِئَلّا يَكُونَ ذَلِكَ تَلْقِينًا لَها فَلا يَتِمُّ الِاخْتِبارُ لِعَقْلِها ﴿قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: جَعَلَتْ تَعْرِفُ وتُنْكِرُ وتَعْجَبُ مِن حُضُورِهِ عِنْدَ سُلَيْمانَ، فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو. وقالَ مُقاتِلٌ: عَرَفَتْهُ ولَكِنَّها شَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ كَما شَبَّهُوا عَلَيْها، ولَوْ قِيلَ لَها: أهَذا عَرْشُكِ ؟ لَقالَتْ: نَعَمْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ حَكِيمَةً، قالَتْ: إنْ قَلْتُ هو هو خَشِيتُ أنْ أكْذِبَ، وإنْ قُلْتُ لا خَشِيتُ أنْ أكْذِبَ، فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو وقِيلَ: أرادَ سُلَيْمانُ أنْ يُظْهِرَ لَها أنَّ الجِنَّ مُسَخَّرُونَ لَهُ ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: هو مِن كَلامِ بِلْقِيسَ أيْ: أُوتِينا العِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ في العَرْشِ وكُنّا مُسْلِمِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أُوتِينا العِلْمَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مِن قَبْلِ بِلْقِيسَ، وقِيلَ: أُوتِينا العِلْمَ بِإسْلامِها ومَجِيئِها طائِعَةً مِن قَبْلِها أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِها، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ قَوْمِ سُلَيْمانَ. والقَوْلُ الثّانِي أرْجَحُ مِن سائِرِ الأقْوالِ. ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بَيانٌ لِما كانَ يَمْنَعُها مِن إظْهارِ ما ادَّعَتْهُ مِنَ الإسْلامِ، فَفاعِلُ صَدَّ هو ما كانَتْ تَعْبُدُ أيْ: مَنَعَها مِن إظْهارِ الإيمانِ ما كانَتْ تَعْبُدُهُ، وهي الشَّمْسُ. قالَ النَّحّاسُ أيْ: صَدَّها عِبادَتُها مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: فاعِلُ صَدَّ هو اللَّهُ أيْ: مَنَعَها اللَّهُ ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِهِ فَتَكُونُ ( ما ) في مَحَلِّ نَصْبٍ، وقِيلَ: الفاعِلُ سُلَيْمانُ أيْ: ومَنَعَها سُلَيْمانُ ما كانَتْ تَعْبُدُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ كَما ذَكَرْنا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى أيْ: سَبَبُ تَأخُّرِها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، ومَنعِ ما كانَتْ تَعْبُدُهُ عَنْ ذَلِكَ أنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ مُتَّصِفِينَ بِالكُفْرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنَّها " بِالكَسْرِ وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِالفَتْحِ وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِمّا كانَتْ تَعْبُدُ. والثّانِي أنَّ التَّقْدِيرَ: لِأنَّها كانَتْ تَعْبُدُ، فَسَقَطَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ. ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّرْحُ القَصْرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الصَّرْحُ الحِصْنُ. يُقالُ: هَذِهِ صَرْحَةُ الدّارِ وقاعَتُها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّرْحُ بَلاطٌ اتُّخِذَ لَها مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ تَحْتَهُ ماءٌ وسَمَكٌ. وحَكى أبُو عُبَيْدٍ في الغَرِيبِ أنَّ الصَّرْحَ كُلُّ بِناءٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، وأنَّ المُمَرَّدَ الطَّوِيلُ ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ أيْ: فَلَمّا رَأتِ الصَّرْحَ بَيْنَ يَدَيْها حَسِبَتْ أنَّهُ لُجَّةٌ، واللُّجَّةُ مُعْظَمُ الماءِ، فَلِذَلِكَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لِتَخُوضَ الماءَ، فَلَمّا فَعَلَتْ ذَلِكَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ المُمَرَّدُ المَحْكُوكُ المُمَلَّسُ، ومِنهُ الأمْرَدُ، وتَمَرَّدَ الرَّجُلُ إذا لَمْ تَخْرُجْ لِحْيَتُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. ومِنهُ الشَّجَرَةُ المَرْداءُ الَّتِي لا ورَقَ لَها. والمُمَرَّدُ أيْضًا المُطَوَّلُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْحِصْنِ مارِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْتُ صَباحًا باكِرًا فَوَجَدْتُهم قُبَيْلَ الضُّحى في السّابِرِيِّ المُمَرَّدِ أيِ: الدُّرُوعِ الواسِعَةِ الطَّوِيلَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ بِلْقِيسُ ذَلِكَ أذْعَنَتْ واسْتَسْلَمَتْ، و﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِكَ، وقِيلَ: بِالظَّنِّ الَّذِي تَوَهَّمَتْهُ في سُلَيْمانَ، لِأنَّها تَوَهَّمَتْ أنَّهُ أرادَ تَغْرِيقَها في اللُّجَّةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ﴾ مُتابِعَةً لَهُ داخِلَةً في دِينِهِ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ التَفَتَتْ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، قِيلَ: لِإظْهارِ مَعْرِفَتِها بِاللَّهِ، والأوْلى أنَّها التَفَتَتْ لِما في هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَمِيعِ الأسْماءِ ولِكَوْنِهِ عَلَمًا لِلذّاتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ قالَ: زِيدَ فِيهِ ونُقِصَ لِ ﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ قالَ: لِنَنْظُرْ إلى عَقْلِها فَوُجِدَتْ ثابِتَةُ العَقْلِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها﴾ قالَ: مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ قالَ: بَحْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في أثَرٍ طَوِيلٍ أنَّ سُلَيْمانَ تَزَوَّجَها بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ: ما أحْسَنَهُ مِن حَدِيثٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ حِكايَتِهِ لِقَوْلِ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ: بَلْ هو مُنْكَرٌ جِدًّا، ولَعَلَّهُ مِن أوْهامِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. والأقْرَبُ في مِثْلِ هَذِهِ السِّياقاتِ أنَّها مُتَلَقّاةُ عَنْ أهْلِ الكِتابِ بِما يُوجَدُ في صُحُفِهِمْ كَرِواياتِ كَعْبٍ ووَهْبٍ سامَحَهُما اللَّهُ فِيما نَقَلا إلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأوابِدِ والغَرائِبِ والعَجائِبِ مِمّا كانَ ومِمّا لَمْ يَكُنْ، ومِمّا حُرِّفَ وبُدِّلَ ونُسِخَ. انْتَهى. وكَلامُهُ هَذا هو شُعْبَةٌ مِمّا قَدْ كَرَّرْناهُ في هَذا التَّفْسِيرِ ونَبَّهْنا عَلَيْهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وكُنْتُ أظُنُّ أنَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلى ذَلِكَ غَيْرِي. فالحَمْدُ لِلَّهِ عَلى المُوافَقَةِ لِمِثْلِ هَذا الحافِظِ المُنْصِفِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، والعُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أوَّلُ مَن صُنِعَتْ لَهُ الحَمّاماتُ سُلَيْمانُ» ورُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى رَواها الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عُدَيٍّ في الكامِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِلَفْظِ «أوَّلُ مَن دَخَلَ الحَمّامَ سُلَيْمانُ فَلَمّا وجَدَ حَرَّهُ قالَ: أوَّهُ مِن عَذابِ اللَّهِ» .

النمل 27:44

قَوْلُهُ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ التَّنْكِيرُ التَّغْيِيرُ، يَقُولُ غَيِّرُوا سَرِيرَها إلى حالٍ تُنْكِرُهُ إذا رَأتْهُ. قِيلَ: جَعَلَ أعْلاهُ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، وقِيلَ: غُيِّرَ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ. قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرَ بِتَنْكِيرِهِ لِأنَّ الشَّياطِينَ قالُوا لَهُ إنَّ في عَقْلِها شَيْئًا، فَأرادَ أنْ يَمْتَحِنَها، وقِيلَ: خافَتِ الجِنُّ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها سُلَيْمانُ، فَيُولَدُ لَهُ مِنها ولَدٌ فَيَبْقَوْنَ مُسَخَّرِينَ لِآلِ سُلَيْمانَ أبَدًا، فَقالُوا لِسُلَيْمانَ إنَّها ضَعِيفَةُ العَقْلِ ورِجْلُها كَرِجْلِ الحِمارِ، وقَوْلُهُ: نَنْظُرْ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ وبِالجَزْمِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أتَهْتَدِي إلى مَعْرِفَتِهِ، أوْ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ﴿أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ إلى ذَلِكَ. ﴿فَلَمّا جاءَتْ﴾ أيْ: بِلْقِيسُ إلى سُلَيْمانَ (p-١٠٨٢)قِيلَ لَها، والقائِلُ هو سُلَيْمانُ، أوْ غَيْرُهُ بِأمْرِهِ ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ لَمْ يَقُلْ هَذا عَرْشُكِ لِئَلّا يَكُونَ ذَلِكَ تَلْقِينًا لَها فَلا يَتِمُّ الِاخْتِبارُ لِعَقْلِها ﴿قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: جَعَلَتْ تَعْرِفُ وتُنْكِرُ وتَعْجَبُ مِن حُضُورِهِ عِنْدَ سُلَيْمانَ، فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو. وقالَ مُقاتِلٌ: عَرَفَتْهُ ولَكِنَّها شَبَّهَتْ عَلَيْهِمْ كَما شَبَّهُوا عَلَيْها، ولَوْ قِيلَ لَها: أهَذا عَرْشُكِ ؟ لَقالَتْ: نَعَمْ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ حَكِيمَةً، قالَتْ: إنْ قَلْتُ هو هو خَشِيتُ أنْ أكْذِبَ، وإنْ قُلْتُ لا خَشِيتُ أنْ أكْذِبَ، فَقالَتْ: كَأنَّهُ هو وقِيلَ: أرادَ سُلَيْمانُ أنْ يُظْهِرَ لَها أنَّ الجِنَّ مُسَخَّرُونَ لَهُ ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: هو مِن كَلامِ بِلْقِيسَ أيْ: أُوتِينا العِلْمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سُلَيْمانَ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ في العَرْشِ وكُنّا مُسْلِمِينَ مُنْقادِينَ لِأمْرِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ أيْ: أُوتِينا العِلْمَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مِن قَبْلِ بِلْقِيسَ، وقِيلَ: أُوتِينا العِلْمَ بِإسْلامِها ومَجِيئِها طائِعَةً مِن قَبْلِها أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِها، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ قَوْمِ سُلَيْمانَ. والقَوْلُ الثّانِي أرْجَحُ مِن سائِرِ الأقْوالِ. ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بَيانٌ لِما كانَ يَمْنَعُها مِن إظْهارِ ما ادَّعَتْهُ مِنَ الإسْلامِ، فَفاعِلُ صَدَّ هو ما كانَتْ تَعْبُدُ أيْ: مَنَعَها مِن إظْهارِ الإيمانِ ما كانَتْ تَعْبُدُهُ، وهي الشَّمْسُ. قالَ النَّحّاسُ أيْ: صَدَّها عِبادَتُها مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: فاعِلُ صَدَّ هو اللَّهُ أيْ: مَنَعَها اللَّهُ ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِهِ فَتَكُونُ ( ما ) في مَحَلِّ نَصْبٍ، وقِيلَ: الفاعِلُ سُلَيْمانُ أيْ: ومَنَعَها سُلَيْمانُ ما كانَتْ تَعْبُدُ، والأوَّلُ أوْلى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ كَما ذَكَرْنا، وجُمْلَةُ ﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى أيْ: سَبَبُ تَأخُّرِها عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، ومَنعِ ما كانَتْ تَعْبُدُهُ عَنْ ذَلِكَ أنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ مُتَّصِفِينَ بِالكُفْرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ " إنَّها " بِالكَسْرِ وقَرَأ أبُو حَيّانَ بِالفَتْحِ وفي هَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ الجُمْلَةَ بَدَلٌ مِمّا كانَتْ تَعْبُدُ. والثّانِي أنَّ التَّقْدِيرَ: لِأنَّها كانَتْ تَعْبُدُ، فَسَقَطَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ. ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصَّرْحُ القَصْرُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الصَّرْحُ الحِصْنُ. يُقالُ: هَذِهِ صَرْحَةُ الدّارِ وقاعَتُها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصَّرْحُ بَلاطٌ اتُّخِذَ لَها مِن قَوارِيرَ وجُعِلَ تَحْتَهُ ماءٌ وسَمَكٌ. وحَكى أبُو عُبَيْدٍ في الغَرِيبِ أنَّ الصَّرْحَ كُلُّ بِناءٍ عالٍ مُرْتَفِعٍ، وأنَّ المُمَرَّدَ الطَّوِيلُ ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ أيْ: فَلَمّا رَأتِ الصَّرْحَ بَيْنَ يَدَيْها حَسِبَتْ أنَّهُ لُجَّةٌ، واللُّجَّةُ مُعْظَمُ الماءِ، فَلِذَلِكَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لِتَخُوضَ الماءَ، فَلَمّا فَعَلَتْ ذَلِكَ قالَ سُلَيْمانُ ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ المُمَرَّدُ المَحْكُوكُ المُمَلَّسُ، ومِنهُ الأمْرَدُ، وتَمَرَّدَ الرَّجُلُ إذا لَمْ تَخْرُجْ لِحْيَتُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ. ومِنهُ الشَّجَرَةُ المَرْداءُ الَّتِي لا ورَقَ لَها. والمُمَرَّدُ أيْضًا المُطَوَّلُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْحِصْنِ مارِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَدَوْتُ صَباحًا باكِرًا فَوَجَدْتُهم قُبَيْلَ الضُّحى في السّابِرِيِّ المُمَرَّدِ أيِ: الدُّرُوعِ الواسِعَةِ الطَّوِيلَةِ، فَلَمّا سَمِعَتْ بِلْقِيسُ ذَلِكَ أذْعَنَتْ واسْتَسْلَمَتْ، و﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِكَ، وقِيلَ: بِالظَّنِّ الَّذِي تَوَهَّمَتْهُ في سُلَيْمانَ، لِأنَّها تَوَهَّمَتْ أنَّهُ أرادَ تَغْرِيقَها في اللُّجَّةِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ﴾ مُتابِعَةً لَهُ داخِلَةً في دِينِهِ ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ التَفَتَتْ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، قِيلَ: لِإظْهارِ مَعْرِفَتِها بِاللَّهِ، والأوْلى أنَّها التَفَتَتْ لِما في هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى جَمِيعِ الأسْماءِ ولِكَوْنِهِ عَلَمًا لِلذّاتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَكِّرُوا لَها عَرْشَها﴾ قالَ: زِيدَ فِيهِ ونُقِصَ لِ ﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ قالَ: لِنَنْظُرْ إلى عَقْلِها فَوُجِدَتْ ثابِتَةُ العَقْلِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها﴾ قالَ: مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ قالَ: بَحْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في أثَرٍ طَوِيلٍ أنَّ سُلَيْمانَ تَزَوَّجَها بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ: ما أحْسَنَهُ مِن حَدِيثٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ حِكايَتِهِ لِقَوْلِ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ: بَلْ هو مُنْكَرٌ جِدًّا، ولَعَلَّهُ مِن أوْهامِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. والأقْرَبُ في مِثْلِ هَذِهِ السِّياقاتِ أنَّها مُتَلَقّاةُ عَنْ أهْلِ الكِتابِ بِما يُوجَدُ في صُحُفِهِمْ كَرِواياتِ كَعْبٍ ووَهْبٍ سامَحَهُما اللَّهُ فِيما نَقَلا إلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأوابِدِ والغَرائِبِ والعَجائِبِ مِمّا كانَ ومِمّا لَمْ يَكُنْ، ومِمّا حُرِّفَ وبُدِّلَ ونُسِخَ. انْتَهى. وكَلامُهُ هَذا هو شُعْبَةٌ مِمّا قَدْ كَرَّرْناهُ في هَذا التَّفْسِيرِ ونَبَّهْنا عَلَيْهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وكُنْتُ أظُنُّ أنَّهُ لَمْ يُنَبِّهْ عَلى ذَلِكَ غَيْرِي. فالحَمْدُ لِلَّهِ عَلى المُوافَقَةِ لِمِثْلِ هَذا الحافِظِ المُنْصِفِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، والعُقَيْلِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «أوَّلُ مَن صُنِعَتْ لَهُ الحَمّاماتُ سُلَيْمانُ» ورُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا مِن طَرِيقٍ أُخْرى رَواها الطَّبَرانِيُّ وابْنُ عُدَيٍّ في الكامِلِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِلَفْظِ «أوَّلُ مَن دَخَلَ الحَمّامَ سُلَيْمانُ فَلَمّا وجَدَ حَرَّهُ قالَ: أوَّهُ مِن عَذابِ اللَّهِ» .

النمل 27:45

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾ [النمل: ١٥] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَذِهِ (p-١٠٨٣)القِصَّةُ مِن جُمْلَةِ بَيانِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وصالِحًا عَطْفُ بَيانٍ، وأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِلرِّسالَةِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وإذا في ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فَفاجَئُوا التَّفَرُّقَ والِاخْتِصامَ، والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم والكافِرُونَ، ومَعْنى الِاخْتِصامِ: أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُخاصِمُ عَلى ما هو فِيهِ ويَزْعُمُ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَهم في ( صالِحٍ ) هَلْ هو مُرْسَلٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ صالِحٌ، والفَرِيقُ الآخَرُ جَمِيعُ قَوْمِهِ، وهو ضَعِيفٌ. ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قالَ صالِحٌ لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَذابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ. والمَعْنى: لِمَ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ الثَّوابَ وتُقَدِّمُونَ الكُفْرَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ العُقُوبَةَ ؟ وقَدْ كانُوا لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَقُولُونَ: ائْتِنا يا صالِحُ بِالعَذابِ. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ رَجاءً أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا، فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنِ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ، ووَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ مَجازًا، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ، أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. فَكانَ جَوابُهم عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا الإرْشادِ الصَّحِيحِ والكَلامِ اللَّيِّنِ أنَّهم ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ أيْ: تَشاءَمْنا مِنكَ، وبِمَن مَعَكَ مِمَّنْ أجابَكَ ودَخَلَ في دِينِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أصابَهم قَحْطٌ فَتَشاءَمُوا بِصالِحٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ أكْثَرُ النّاسِ طِيَرَةً وأشْقاهم بِها، وكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ نَفَرُوا طائِرًا مِن وكْرِهِ فَإنْ طارَ يَمْنَةً سارُوا وفَعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وإنْ طارَ يَسْرَةً تَرَكُوا ذَلِكَ فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطّائِرِ الَّذِي تَتَشاءَمُونَ بِهِ، بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، هو ما يُقَدِّرُهُ عَلَيْكم والمَعْنى أنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي أصابَكم هو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ كُفْرِكم، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم سَبَبَ ما هم فِيهِ بِأوْضَحِ بَيانٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ: تُمْتَحَنُونَ وتُخْتَبَرُونَ وقِيلَ: تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكم غَيْرُكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِما تَقَعُونَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ، أوْ بِما لِأجْلِهِ تَطَيَّرُونَ فَأضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الطّائِرِ إلى ما هو السَّبَبُ الدّاعِي إلَيْهِ. ﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ الَّتِي فِيها صالِحٌ، وهو الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ مِن أبْناءِ الأشْرافِ، والرَّهْطُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، فَكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يَتْبَعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَماعَةٌ، والجَمْعُ أرْهُطٌ وأراهِطُ، وهَؤُلاءِ التِّسْعَةُ هم أصْحابُ ( قُدارَ ) عاقِرِ النّاقَةِ، ثُمَّ وُصِفَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعَمَلُهُمُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي لا يُخالِطُهُ صَلاحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أسْماءِ هَؤُلاءِ التِّسْعَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: احْلِفُوا بِاللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ( تَقاسَمُوا ) فِعْلُ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا مُفَسِّرًا لِ ( قالُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا ؟، فَقالَ: تَقاسَمُوا، أوْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُتَقاسِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَصْلُحُونَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ " ولَيْسَ فِيها ( قالُوا )، واللّامُ في ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: لَنَأْتِيَنَّهُ بَغْتَةً في وقْتِ البَياتِ، فَنَقْتُلُهُ وأهْلَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ في " لَنَبِيتَنَّهُ " وفي " لَنَقُولَنَّ "، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ فِيهِما عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والمُرادُ بِـ ( ولِيِّ صالِحٍ ) رَهْطُهُ ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا قَتْلَهم ولا نَدْرِي مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ، ونَفْيُهم لِشُهُودِهِمْ لِمَكانِ الهَلاكِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ لِنَفْسِ القَتْلِ بِالأوْلى، وقِيلَ: إنَّ المَهْلِكَ بِمَعْنى الإهْلاكِ وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْناهُ قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا وأهْلَهُ ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِيائِهِ أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ ولا رَأوْهُ وكانَ هَذا مَكْرًا مِنهم. ولِهَذا قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ أيْ: بِهَذِهِ المُحالَفَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ جازَيْناهم بِفِعْلِهِمْ، فَأهْلَكْناهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أيِ: انْظُرْ ما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلى المَكْرِ وما أصابَهم بِسَبَبِهِ ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنّا "، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ بِفَتْحِها، فَمَن كَسَرَ جَعَلَهُ اسْتِئْنافًا. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، وهو يُفَسِّرُ بِهِ ما كانَ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ تابِعًا لِلْعاقِبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: العاقِبَةُ إنّا دَمَّرْناهم، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِأنّا دَمَّرْناهم أوْ لِأنّا دَمَّرْناهم، و( كانَ ) تامَّةٌ، و( عاقِبَةُ ) فاعِلٌ لَها، أوْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( عاقِبَةُ )، أوْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أنّا دَمَّرْناهم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) ناقِصَةً، و( كَيْفَ ) خَبَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها أنّا دَمَّرَنا. قالَ أبُو حاتِمٍ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أنْ دَمَّرْناهم " . والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ دَمَّرَ التِّسْعَةَ الرَّهْطَ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ (p-١٠٨٤)قَوْمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِذَلِكَ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ بِأجْمَعِينَ أنَّهُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ولا سَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَرَأ الجُمْهُورُ " خاوِيَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ حالَ كَوْنِها خاوِيَةً، وكَذا قالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ أيْ: خالِيَةً عَنْ أهْلِها خَرابًا لَيْسَ بِها ساكِنٌ. وقالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ " خاوِيَةً " عَلى القِطَعِ، والأصْلُ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمُ الخاوِيَةُ، فَلَمّا قُطِعَ مِنها الألِفُ واللّامُ نُصِبَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " خاوِيَةٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وبُيُوتَهم بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ وخاوِيَةٌ خَبَرٌ آخَرَ، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّدْمِيرِ والتَّأْهِيلِ لَآيَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ بِالأشْياءِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم صالِحُ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿طائِرُكُمْ﴾ قالَ: مَصائِبُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ وقالُوا حِينَ عَقَرُوها: نُبَيِّتُ صالِحًا وأهْلَهُ فَنَقْتُلَهم، ثُمَّ نَقُولُ لِأوْلِياءِ صالِحٍ: ما شَهِدْنا مِن هَذا شَيْئًا، وما لَنا بِهِ عِلْمٌ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

النمل 27:46

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾ [النمل: ١٥] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَذِهِ (p-١٠٨٣)القِصَّةُ مِن جُمْلَةِ بَيانِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وصالِحًا عَطْفُ بَيانٍ، وأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِلرِّسالَةِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وإذا في ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فَفاجَئُوا التَّفَرُّقَ والِاخْتِصامَ، والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم والكافِرُونَ، ومَعْنى الِاخْتِصامِ: أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُخاصِمُ عَلى ما هو فِيهِ ويَزْعُمُ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَهم في ( صالِحٍ ) هَلْ هو مُرْسَلٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ صالِحٌ، والفَرِيقُ الآخَرُ جَمِيعُ قَوْمِهِ، وهو ضَعِيفٌ. ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قالَ صالِحٌ لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَذابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ. والمَعْنى: لِمَ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ الثَّوابَ وتُقَدِّمُونَ الكُفْرَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ العُقُوبَةَ ؟ وقَدْ كانُوا لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَقُولُونَ: ائْتِنا يا صالِحُ بِالعَذابِ. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ رَجاءً أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا، فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنِ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ، ووَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ مَجازًا، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ، أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. فَكانَ جَوابُهم عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا الإرْشادِ الصَّحِيحِ والكَلامِ اللَّيِّنِ أنَّهم ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ أيْ: تَشاءَمْنا مِنكَ، وبِمَن مَعَكَ مِمَّنْ أجابَكَ ودَخَلَ في دِينِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أصابَهم قَحْطٌ فَتَشاءَمُوا بِصالِحٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ أكْثَرُ النّاسِ طِيَرَةً وأشْقاهم بِها، وكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ نَفَرُوا طائِرًا مِن وكْرِهِ فَإنْ طارَ يَمْنَةً سارُوا وفَعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وإنْ طارَ يَسْرَةً تَرَكُوا ذَلِكَ فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطّائِرِ الَّذِي تَتَشاءَمُونَ بِهِ، بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، هو ما يُقَدِّرُهُ عَلَيْكم والمَعْنى أنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي أصابَكم هو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ كُفْرِكم، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم سَبَبَ ما هم فِيهِ بِأوْضَحِ بَيانٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ: تُمْتَحَنُونَ وتُخْتَبَرُونَ وقِيلَ: تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكم غَيْرُكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِما تَقَعُونَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ، أوْ بِما لِأجْلِهِ تَطَيَّرُونَ فَأضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الطّائِرِ إلى ما هو السَّبَبُ الدّاعِي إلَيْهِ. ﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ الَّتِي فِيها صالِحٌ، وهو الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ مِن أبْناءِ الأشْرافِ، والرَّهْطُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، فَكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يَتْبَعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَماعَةٌ، والجَمْعُ أرْهُطٌ وأراهِطُ، وهَؤُلاءِ التِّسْعَةُ هم أصْحابُ ( قُدارَ ) عاقِرِ النّاقَةِ، ثُمَّ وُصِفَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعَمَلُهُمُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي لا يُخالِطُهُ صَلاحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أسْماءِ هَؤُلاءِ التِّسْعَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: احْلِفُوا بِاللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ( تَقاسَمُوا ) فِعْلُ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا مُفَسِّرًا لِ ( قالُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا ؟، فَقالَ: تَقاسَمُوا، أوْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُتَقاسِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَصْلُحُونَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ " ولَيْسَ فِيها ( قالُوا )، واللّامُ في ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: لَنَأْتِيَنَّهُ بَغْتَةً في وقْتِ البَياتِ، فَنَقْتُلُهُ وأهْلَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ في " لَنَبِيتَنَّهُ " وفي " لَنَقُولَنَّ "، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ فِيهِما عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والمُرادُ بِـ ( ولِيِّ صالِحٍ ) رَهْطُهُ ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا قَتْلَهم ولا نَدْرِي مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ، ونَفْيُهم لِشُهُودِهِمْ لِمَكانِ الهَلاكِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ لِنَفْسِ القَتْلِ بِالأوْلى، وقِيلَ: إنَّ المَهْلِكَ بِمَعْنى الإهْلاكِ وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْناهُ قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا وأهْلَهُ ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِيائِهِ أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ ولا رَأوْهُ وكانَ هَذا مَكْرًا مِنهم. ولِهَذا قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ أيْ: بِهَذِهِ المُحالَفَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ جازَيْناهم بِفِعْلِهِمْ، فَأهْلَكْناهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أيِ: انْظُرْ ما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلى المَكْرِ وما أصابَهم بِسَبَبِهِ ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنّا "، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ بِفَتْحِها، فَمَن كَسَرَ جَعَلَهُ اسْتِئْنافًا. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، وهو يُفَسِّرُ بِهِ ما كانَ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ تابِعًا لِلْعاقِبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: العاقِبَةُ إنّا دَمَّرْناهم، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِأنّا دَمَّرْناهم أوْ لِأنّا دَمَّرْناهم، و( كانَ ) تامَّةٌ، و( عاقِبَةُ ) فاعِلٌ لَها، أوْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( عاقِبَةُ )، أوْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أنّا دَمَّرْناهم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) ناقِصَةً، و( كَيْفَ ) خَبَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها أنّا دَمَّرَنا. قالَ أبُو حاتِمٍ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أنْ دَمَّرْناهم " . والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ دَمَّرَ التِّسْعَةَ الرَّهْطَ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ (p-١٠٨٤)قَوْمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِذَلِكَ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ بِأجْمَعِينَ أنَّهُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ولا سَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَرَأ الجُمْهُورُ " خاوِيَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ حالَ كَوْنِها خاوِيَةً، وكَذا قالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ أيْ: خالِيَةً عَنْ أهْلِها خَرابًا لَيْسَ بِها ساكِنٌ. وقالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ " خاوِيَةً " عَلى القِطَعِ، والأصْلُ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمُ الخاوِيَةُ، فَلَمّا قُطِعَ مِنها الألِفُ واللّامُ نُصِبَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " خاوِيَةٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وبُيُوتَهم بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ وخاوِيَةٌ خَبَرٌ آخَرَ، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّدْمِيرِ والتَّأْهِيلِ لَآيَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ بِالأشْياءِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم صالِحُ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿طائِرُكُمْ﴾ قالَ: مَصائِبُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ وقالُوا حِينَ عَقَرُوها: نُبَيِّتُ صالِحًا وأهْلَهُ فَنَقْتُلَهم، ثُمَّ نَقُولُ لِأوْلِياءِ صالِحٍ: ما شَهِدْنا مِن هَذا شَيْئًا، وما لَنا بِهِ عِلْمٌ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

النمل 27:47

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾ [النمل: ١٥] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَذِهِ (p-١٠٨٣)القِصَّةُ مِن جُمْلَةِ بَيانِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وصالِحًا عَطْفُ بَيانٍ، وأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِلرِّسالَةِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وإذا في ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فَفاجَئُوا التَّفَرُّقَ والِاخْتِصامَ، والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم والكافِرُونَ، ومَعْنى الِاخْتِصامِ: أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُخاصِمُ عَلى ما هو فِيهِ ويَزْعُمُ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَهم في ( صالِحٍ ) هَلْ هو مُرْسَلٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ صالِحٌ، والفَرِيقُ الآخَرُ جَمِيعُ قَوْمِهِ، وهو ضَعِيفٌ. ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قالَ صالِحٌ لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَذابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ. والمَعْنى: لِمَ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ الثَّوابَ وتُقَدِّمُونَ الكُفْرَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ العُقُوبَةَ ؟ وقَدْ كانُوا لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَقُولُونَ: ائْتِنا يا صالِحُ بِالعَذابِ. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ رَجاءً أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا، فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنِ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ، ووَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ مَجازًا، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ، أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. فَكانَ جَوابُهم عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا الإرْشادِ الصَّحِيحِ والكَلامِ اللَّيِّنِ أنَّهم ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ أيْ: تَشاءَمْنا مِنكَ، وبِمَن مَعَكَ مِمَّنْ أجابَكَ ودَخَلَ في دِينِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أصابَهم قَحْطٌ فَتَشاءَمُوا بِصالِحٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ أكْثَرُ النّاسِ طِيَرَةً وأشْقاهم بِها، وكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ نَفَرُوا طائِرًا مِن وكْرِهِ فَإنْ طارَ يَمْنَةً سارُوا وفَعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وإنْ طارَ يَسْرَةً تَرَكُوا ذَلِكَ فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطّائِرِ الَّذِي تَتَشاءَمُونَ بِهِ، بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، هو ما يُقَدِّرُهُ عَلَيْكم والمَعْنى أنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي أصابَكم هو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ كُفْرِكم، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم سَبَبَ ما هم فِيهِ بِأوْضَحِ بَيانٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ: تُمْتَحَنُونَ وتُخْتَبَرُونَ وقِيلَ: تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكم غَيْرُكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِما تَقَعُونَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ، أوْ بِما لِأجْلِهِ تَطَيَّرُونَ فَأضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الطّائِرِ إلى ما هو السَّبَبُ الدّاعِي إلَيْهِ. ﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ الَّتِي فِيها صالِحٌ، وهو الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ مِن أبْناءِ الأشْرافِ، والرَّهْطُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، فَكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يَتْبَعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَماعَةٌ، والجَمْعُ أرْهُطٌ وأراهِطُ، وهَؤُلاءِ التِّسْعَةُ هم أصْحابُ ( قُدارَ ) عاقِرِ النّاقَةِ، ثُمَّ وُصِفَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعَمَلُهُمُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي لا يُخالِطُهُ صَلاحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أسْماءِ هَؤُلاءِ التِّسْعَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: احْلِفُوا بِاللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ( تَقاسَمُوا ) فِعْلُ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا مُفَسِّرًا لِ ( قالُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا ؟، فَقالَ: تَقاسَمُوا، أوْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُتَقاسِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَصْلُحُونَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ " ولَيْسَ فِيها ( قالُوا )، واللّامُ في ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: لَنَأْتِيَنَّهُ بَغْتَةً في وقْتِ البَياتِ، فَنَقْتُلُهُ وأهْلَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ في " لَنَبِيتَنَّهُ " وفي " لَنَقُولَنَّ "، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ فِيهِما عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والمُرادُ بِـ ( ولِيِّ صالِحٍ ) رَهْطُهُ ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا قَتْلَهم ولا نَدْرِي مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ، ونَفْيُهم لِشُهُودِهِمْ لِمَكانِ الهَلاكِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ لِنَفْسِ القَتْلِ بِالأوْلى، وقِيلَ: إنَّ المَهْلِكَ بِمَعْنى الإهْلاكِ وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْناهُ قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا وأهْلَهُ ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِيائِهِ أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ ولا رَأوْهُ وكانَ هَذا مَكْرًا مِنهم. ولِهَذا قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ أيْ: بِهَذِهِ المُحالَفَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ جازَيْناهم بِفِعْلِهِمْ، فَأهْلَكْناهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أيِ: انْظُرْ ما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلى المَكْرِ وما أصابَهم بِسَبَبِهِ ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنّا "، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ بِفَتْحِها، فَمَن كَسَرَ جَعَلَهُ اسْتِئْنافًا. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، وهو يُفَسِّرُ بِهِ ما كانَ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ تابِعًا لِلْعاقِبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: العاقِبَةُ إنّا دَمَّرْناهم، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِأنّا دَمَّرْناهم أوْ لِأنّا دَمَّرْناهم، و( كانَ ) تامَّةٌ، و( عاقِبَةُ ) فاعِلٌ لَها، أوْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( عاقِبَةُ )، أوْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أنّا دَمَّرْناهم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) ناقِصَةً، و( كَيْفَ ) خَبَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها أنّا دَمَّرَنا. قالَ أبُو حاتِمٍ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أنْ دَمَّرْناهم " . والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ دَمَّرَ التِّسْعَةَ الرَّهْطَ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ (p-١٠٨٤)قَوْمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِذَلِكَ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ بِأجْمَعِينَ أنَّهُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ولا سَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَرَأ الجُمْهُورُ " خاوِيَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ حالَ كَوْنِها خاوِيَةً، وكَذا قالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ أيْ: خالِيَةً عَنْ أهْلِها خَرابًا لَيْسَ بِها ساكِنٌ. وقالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ " خاوِيَةً " عَلى القِطَعِ، والأصْلُ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمُ الخاوِيَةُ، فَلَمّا قُطِعَ مِنها الألِفُ واللّامُ نُصِبَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " خاوِيَةٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وبُيُوتَهم بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ وخاوِيَةٌ خَبَرٌ آخَرَ، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّدْمِيرِ والتَّأْهِيلِ لَآيَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ بِالأشْياءِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم صالِحُ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿طائِرُكُمْ﴾ قالَ: مَصائِبُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ وقالُوا حِينَ عَقَرُوها: نُبَيِّتُ صالِحًا وأهْلَهُ فَنَقْتُلَهم، ثُمَّ نَقُولُ لِأوْلِياءِ صالِحٍ: ما شَهِدْنا مِن هَذا شَيْئًا، وما لَنا بِهِ عِلْمٌ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

النمل 27:48

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾ [النمل: ١٥] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَذِهِ (p-١٠٨٣)القِصَّةُ مِن جُمْلَةِ بَيانِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وصالِحًا عَطْفُ بَيانٍ، وأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِلرِّسالَةِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وإذا في ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فَفاجَئُوا التَّفَرُّقَ والِاخْتِصامَ، والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم والكافِرُونَ، ومَعْنى الِاخْتِصامِ: أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُخاصِمُ عَلى ما هو فِيهِ ويَزْعُمُ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَهم في ( صالِحٍ ) هَلْ هو مُرْسَلٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ صالِحٌ، والفَرِيقُ الآخَرُ جَمِيعُ قَوْمِهِ، وهو ضَعِيفٌ. ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قالَ صالِحٌ لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَذابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ. والمَعْنى: لِمَ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ الثَّوابَ وتُقَدِّمُونَ الكُفْرَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ العُقُوبَةَ ؟ وقَدْ كانُوا لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَقُولُونَ: ائْتِنا يا صالِحُ بِالعَذابِ. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ رَجاءً أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا، فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنِ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ، ووَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ مَجازًا، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ، أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. فَكانَ جَوابُهم عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا الإرْشادِ الصَّحِيحِ والكَلامِ اللَّيِّنِ أنَّهم ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ أيْ: تَشاءَمْنا مِنكَ، وبِمَن مَعَكَ مِمَّنْ أجابَكَ ودَخَلَ في دِينِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أصابَهم قَحْطٌ فَتَشاءَمُوا بِصالِحٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ أكْثَرُ النّاسِ طِيَرَةً وأشْقاهم بِها، وكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ نَفَرُوا طائِرًا مِن وكْرِهِ فَإنْ طارَ يَمْنَةً سارُوا وفَعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وإنْ طارَ يَسْرَةً تَرَكُوا ذَلِكَ فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطّائِرِ الَّذِي تَتَشاءَمُونَ بِهِ، بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، هو ما يُقَدِّرُهُ عَلَيْكم والمَعْنى أنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي أصابَكم هو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ كُفْرِكم، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم سَبَبَ ما هم فِيهِ بِأوْضَحِ بَيانٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ: تُمْتَحَنُونَ وتُخْتَبَرُونَ وقِيلَ: تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكم غَيْرُكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِما تَقَعُونَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ، أوْ بِما لِأجْلِهِ تَطَيَّرُونَ فَأضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الطّائِرِ إلى ما هو السَّبَبُ الدّاعِي إلَيْهِ. ﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ الَّتِي فِيها صالِحٌ، وهو الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ مِن أبْناءِ الأشْرافِ، والرَّهْطُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، فَكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يَتْبَعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَماعَةٌ، والجَمْعُ أرْهُطٌ وأراهِطُ، وهَؤُلاءِ التِّسْعَةُ هم أصْحابُ ( قُدارَ ) عاقِرِ النّاقَةِ، ثُمَّ وُصِفَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعَمَلُهُمُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي لا يُخالِطُهُ صَلاحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أسْماءِ هَؤُلاءِ التِّسْعَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: احْلِفُوا بِاللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ( تَقاسَمُوا ) فِعْلُ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا مُفَسِّرًا لِ ( قالُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا ؟، فَقالَ: تَقاسَمُوا، أوْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُتَقاسِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَصْلُحُونَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ " ولَيْسَ فِيها ( قالُوا )، واللّامُ في ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: لَنَأْتِيَنَّهُ بَغْتَةً في وقْتِ البَياتِ، فَنَقْتُلُهُ وأهْلَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ في " لَنَبِيتَنَّهُ " وفي " لَنَقُولَنَّ "، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ فِيهِما عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والمُرادُ بِـ ( ولِيِّ صالِحٍ ) رَهْطُهُ ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا قَتْلَهم ولا نَدْرِي مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ، ونَفْيُهم لِشُهُودِهِمْ لِمَكانِ الهَلاكِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ لِنَفْسِ القَتْلِ بِالأوْلى، وقِيلَ: إنَّ المَهْلِكَ بِمَعْنى الإهْلاكِ وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْناهُ قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا وأهْلَهُ ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِيائِهِ أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ ولا رَأوْهُ وكانَ هَذا مَكْرًا مِنهم. ولِهَذا قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ أيْ: بِهَذِهِ المُحالَفَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ جازَيْناهم بِفِعْلِهِمْ، فَأهْلَكْناهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أيِ: انْظُرْ ما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلى المَكْرِ وما أصابَهم بِسَبَبِهِ ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنّا "، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ بِفَتْحِها، فَمَن كَسَرَ جَعَلَهُ اسْتِئْنافًا. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، وهو يُفَسِّرُ بِهِ ما كانَ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ تابِعًا لِلْعاقِبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: العاقِبَةُ إنّا دَمَّرْناهم، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِأنّا دَمَّرْناهم أوْ لِأنّا دَمَّرْناهم، و( كانَ ) تامَّةٌ، و( عاقِبَةُ ) فاعِلٌ لَها، أوْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( عاقِبَةُ )، أوْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أنّا دَمَّرْناهم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) ناقِصَةً، و( كَيْفَ ) خَبَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها أنّا دَمَّرَنا. قالَ أبُو حاتِمٍ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أنْ دَمَّرْناهم " . والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ دَمَّرَ التِّسْعَةَ الرَّهْطَ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ (p-١٠٨٤)قَوْمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِذَلِكَ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ بِأجْمَعِينَ أنَّهُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ولا سَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَرَأ الجُمْهُورُ " خاوِيَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ حالَ كَوْنِها خاوِيَةً، وكَذا قالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ أيْ: خالِيَةً عَنْ أهْلِها خَرابًا لَيْسَ بِها ساكِنٌ. وقالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ " خاوِيَةً " عَلى القِطَعِ، والأصْلُ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمُ الخاوِيَةُ، فَلَمّا قُطِعَ مِنها الألِفُ واللّامُ نُصِبَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " خاوِيَةٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وبُيُوتَهم بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ وخاوِيَةٌ خَبَرٌ آخَرَ، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّدْمِيرِ والتَّأْهِيلِ لَآيَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ بِالأشْياءِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم صالِحُ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿طائِرُكُمْ﴾ قالَ: مَصائِبُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ وقالُوا حِينَ عَقَرُوها: نُبَيِّتُ صالِحًا وأهْلَهُ فَنَقْتُلَهم، ثُمَّ نَقُولُ لِأوْلِياءِ صالِحٍ: ما شَهِدْنا مِن هَذا شَيْئًا، وما لَنا بِهِ عِلْمٌ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

النمل 27:49

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾ [النمل: ١٥] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَذِهِ (p-١٠٨٣)القِصَّةُ مِن جُمْلَةِ بَيانِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وصالِحًا عَطْفُ بَيانٍ، وأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِلرِّسالَةِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وإذا في ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فَفاجَئُوا التَّفَرُّقَ والِاخْتِصامَ، والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم والكافِرُونَ، ومَعْنى الِاخْتِصامِ: أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُخاصِمُ عَلى ما هو فِيهِ ويَزْعُمُ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَهم في ( صالِحٍ ) هَلْ هو مُرْسَلٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ صالِحٌ، والفَرِيقُ الآخَرُ جَمِيعُ قَوْمِهِ، وهو ضَعِيفٌ. ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قالَ صالِحٌ لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَذابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ. والمَعْنى: لِمَ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ الثَّوابَ وتُقَدِّمُونَ الكُفْرَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ العُقُوبَةَ ؟ وقَدْ كانُوا لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَقُولُونَ: ائْتِنا يا صالِحُ بِالعَذابِ. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ رَجاءً أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا، فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنِ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ، ووَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ مَجازًا، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ، أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. فَكانَ جَوابُهم عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا الإرْشادِ الصَّحِيحِ والكَلامِ اللَّيِّنِ أنَّهم ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ أيْ: تَشاءَمْنا مِنكَ، وبِمَن مَعَكَ مِمَّنْ أجابَكَ ودَخَلَ في دِينِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أصابَهم قَحْطٌ فَتَشاءَمُوا بِصالِحٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ أكْثَرُ النّاسِ طِيَرَةً وأشْقاهم بِها، وكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ نَفَرُوا طائِرًا مِن وكْرِهِ فَإنْ طارَ يَمْنَةً سارُوا وفَعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وإنْ طارَ يَسْرَةً تَرَكُوا ذَلِكَ فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطّائِرِ الَّذِي تَتَشاءَمُونَ بِهِ، بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، هو ما يُقَدِّرُهُ عَلَيْكم والمَعْنى أنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي أصابَكم هو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ كُفْرِكم، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم سَبَبَ ما هم فِيهِ بِأوْضَحِ بَيانٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ: تُمْتَحَنُونَ وتُخْتَبَرُونَ وقِيلَ: تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكم غَيْرُكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِما تَقَعُونَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ، أوْ بِما لِأجْلِهِ تَطَيَّرُونَ فَأضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الطّائِرِ إلى ما هو السَّبَبُ الدّاعِي إلَيْهِ. ﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ الَّتِي فِيها صالِحٌ، وهو الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ مِن أبْناءِ الأشْرافِ، والرَّهْطُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، فَكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يَتْبَعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَماعَةٌ، والجَمْعُ أرْهُطٌ وأراهِطُ، وهَؤُلاءِ التِّسْعَةُ هم أصْحابُ ( قُدارَ ) عاقِرِ النّاقَةِ، ثُمَّ وُصِفَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعَمَلُهُمُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي لا يُخالِطُهُ صَلاحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أسْماءِ هَؤُلاءِ التِّسْعَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: احْلِفُوا بِاللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ( تَقاسَمُوا ) فِعْلُ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا مُفَسِّرًا لِ ( قالُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا ؟، فَقالَ: تَقاسَمُوا، أوْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُتَقاسِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَصْلُحُونَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ " ولَيْسَ فِيها ( قالُوا )، واللّامُ في ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: لَنَأْتِيَنَّهُ بَغْتَةً في وقْتِ البَياتِ، فَنَقْتُلُهُ وأهْلَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ في " لَنَبِيتَنَّهُ " وفي " لَنَقُولَنَّ "، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ فِيهِما عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والمُرادُ بِـ ( ولِيِّ صالِحٍ ) رَهْطُهُ ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا قَتْلَهم ولا نَدْرِي مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ، ونَفْيُهم لِشُهُودِهِمْ لِمَكانِ الهَلاكِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ لِنَفْسِ القَتْلِ بِالأوْلى، وقِيلَ: إنَّ المَهْلِكَ بِمَعْنى الإهْلاكِ وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْناهُ قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا وأهْلَهُ ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِيائِهِ أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ ولا رَأوْهُ وكانَ هَذا مَكْرًا مِنهم. ولِهَذا قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ أيْ: بِهَذِهِ المُحالَفَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ جازَيْناهم بِفِعْلِهِمْ، فَأهْلَكْناهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أيِ: انْظُرْ ما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلى المَكْرِ وما أصابَهم بِسَبَبِهِ ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنّا "، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ بِفَتْحِها، فَمَن كَسَرَ جَعَلَهُ اسْتِئْنافًا. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، وهو يُفَسِّرُ بِهِ ما كانَ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ تابِعًا لِلْعاقِبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: العاقِبَةُ إنّا دَمَّرْناهم، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِأنّا دَمَّرْناهم أوْ لِأنّا دَمَّرْناهم، و( كانَ ) تامَّةٌ، و( عاقِبَةُ ) فاعِلٌ لَها، أوْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( عاقِبَةُ )، أوْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أنّا دَمَّرْناهم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) ناقِصَةً، و( كَيْفَ ) خَبَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها أنّا دَمَّرَنا. قالَ أبُو حاتِمٍ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أنْ دَمَّرْناهم " . والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ دَمَّرَ التِّسْعَةَ الرَّهْطَ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ (p-١٠٨٤)قَوْمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِذَلِكَ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ بِأجْمَعِينَ أنَّهُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ولا سَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَرَأ الجُمْهُورُ " خاوِيَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ حالَ كَوْنِها خاوِيَةً، وكَذا قالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ أيْ: خالِيَةً عَنْ أهْلِها خَرابًا لَيْسَ بِها ساكِنٌ. وقالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ " خاوِيَةً " عَلى القِطَعِ، والأصْلُ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمُ الخاوِيَةُ، فَلَمّا قُطِعَ مِنها الألِفُ واللّامُ نُصِبَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " خاوِيَةٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وبُيُوتَهم بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ وخاوِيَةٌ خَبَرٌ آخَرَ، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّدْمِيرِ والتَّأْهِيلِ لَآيَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ بِالأشْياءِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم صالِحُ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿طائِرُكُمْ﴾ قالَ: مَصائِبُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ وقالُوا حِينَ عَقَرُوها: نُبَيِّتُ صالِحًا وأهْلَهُ فَنَقْتُلَهم، ثُمَّ نَقُولُ لِأوْلِياءِ صالِحٍ: ما شَهِدْنا مِن هَذا شَيْئًا، وما لَنا بِهِ عِلْمٌ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

النمل 27:50

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾ [النمل: ١٥] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَذِهِ (p-١٠٨٣)القِصَّةُ مِن جُمْلَةِ بَيانِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وصالِحًا عَطْفُ بَيانٍ، وأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِلرِّسالَةِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وإذا في ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فَفاجَئُوا التَّفَرُّقَ والِاخْتِصامَ، والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم والكافِرُونَ، ومَعْنى الِاخْتِصامِ: أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُخاصِمُ عَلى ما هو فِيهِ ويَزْعُمُ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَهم في ( صالِحٍ ) هَلْ هو مُرْسَلٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ صالِحٌ، والفَرِيقُ الآخَرُ جَمِيعُ قَوْمِهِ، وهو ضَعِيفٌ. ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قالَ صالِحٌ لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَذابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ. والمَعْنى: لِمَ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ الثَّوابَ وتُقَدِّمُونَ الكُفْرَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ العُقُوبَةَ ؟ وقَدْ كانُوا لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَقُولُونَ: ائْتِنا يا صالِحُ بِالعَذابِ. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ رَجاءً أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا، فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنِ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ، ووَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ مَجازًا، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ، أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. فَكانَ جَوابُهم عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا الإرْشادِ الصَّحِيحِ والكَلامِ اللَّيِّنِ أنَّهم ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ أيْ: تَشاءَمْنا مِنكَ، وبِمَن مَعَكَ مِمَّنْ أجابَكَ ودَخَلَ في دِينِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أصابَهم قَحْطٌ فَتَشاءَمُوا بِصالِحٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ أكْثَرُ النّاسِ طِيَرَةً وأشْقاهم بِها، وكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ نَفَرُوا طائِرًا مِن وكْرِهِ فَإنْ طارَ يَمْنَةً سارُوا وفَعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وإنْ طارَ يَسْرَةً تَرَكُوا ذَلِكَ فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطّائِرِ الَّذِي تَتَشاءَمُونَ بِهِ، بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، هو ما يُقَدِّرُهُ عَلَيْكم والمَعْنى أنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي أصابَكم هو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ كُفْرِكم، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم سَبَبَ ما هم فِيهِ بِأوْضَحِ بَيانٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ: تُمْتَحَنُونَ وتُخْتَبَرُونَ وقِيلَ: تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكم غَيْرُكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِما تَقَعُونَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ، أوْ بِما لِأجْلِهِ تَطَيَّرُونَ فَأضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الطّائِرِ إلى ما هو السَّبَبُ الدّاعِي إلَيْهِ. ﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ الَّتِي فِيها صالِحٌ، وهو الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ مِن أبْناءِ الأشْرافِ، والرَّهْطُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، فَكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يَتْبَعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَماعَةٌ، والجَمْعُ أرْهُطٌ وأراهِطُ، وهَؤُلاءِ التِّسْعَةُ هم أصْحابُ ( قُدارَ ) عاقِرِ النّاقَةِ، ثُمَّ وُصِفَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعَمَلُهُمُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي لا يُخالِطُهُ صَلاحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أسْماءِ هَؤُلاءِ التِّسْعَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: احْلِفُوا بِاللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ( تَقاسَمُوا ) فِعْلُ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا مُفَسِّرًا لِ ( قالُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا ؟، فَقالَ: تَقاسَمُوا، أوْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُتَقاسِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَصْلُحُونَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ " ولَيْسَ فِيها ( قالُوا )، واللّامُ في ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: لَنَأْتِيَنَّهُ بَغْتَةً في وقْتِ البَياتِ، فَنَقْتُلُهُ وأهْلَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ في " لَنَبِيتَنَّهُ " وفي " لَنَقُولَنَّ "، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ فِيهِما عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والمُرادُ بِـ ( ولِيِّ صالِحٍ ) رَهْطُهُ ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا قَتْلَهم ولا نَدْرِي مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ، ونَفْيُهم لِشُهُودِهِمْ لِمَكانِ الهَلاكِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ لِنَفْسِ القَتْلِ بِالأوْلى، وقِيلَ: إنَّ المَهْلِكَ بِمَعْنى الإهْلاكِ وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْناهُ قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا وأهْلَهُ ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِيائِهِ أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ ولا رَأوْهُ وكانَ هَذا مَكْرًا مِنهم. ولِهَذا قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ أيْ: بِهَذِهِ المُحالَفَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ جازَيْناهم بِفِعْلِهِمْ، فَأهْلَكْناهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أيِ: انْظُرْ ما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلى المَكْرِ وما أصابَهم بِسَبَبِهِ ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنّا "، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ بِفَتْحِها، فَمَن كَسَرَ جَعَلَهُ اسْتِئْنافًا. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، وهو يُفَسِّرُ بِهِ ما كانَ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ تابِعًا لِلْعاقِبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: العاقِبَةُ إنّا دَمَّرْناهم، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِأنّا دَمَّرْناهم أوْ لِأنّا دَمَّرْناهم، و( كانَ ) تامَّةٌ، و( عاقِبَةُ ) فاعِلٌ لَها، أوْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( عاقِبَةُ )، أوْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أنّا دَمَّرْناهم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) ناقِصَةً، و( كَيْفَ ) خَبَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها أنّا دَمَّرَنا. قالَ أبُو حاتِمٍ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أنْ دَمَّرْناهم " . والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ دَمَّرَ التِّسْعَةَ الرَّهْطَ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ (p-١٠٨٤)قَوْمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِذَلِكَ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ بِأجْمَعِينَ أنَّهُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ولا سَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَرَأ الجُمْهُورُ " خاوِيَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ حالَ كَوْنِها خاوِيَةً، وكَذا قالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ أيْ: خالِيَةً عَنْ أهْلِها خَرابًا لَيْسَ بِها ساكِنٌ. وقالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ " خاوِيَةً " عَلى القِطَعِ، والأصْلُ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمُ الخاوِيَةُ، فَلَمّا قُطِعَ مِنها الألِفُ واللّامُ نُصِبَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " خاوِيَةٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وبُيُوتَهم بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ وخاوِيَةٌ خَبَرٌ آخَرَ، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّدْمِيرِ والتَّأْهِيلِ لَآيَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ بِالأشْياءِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم صالِحُ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿طائِرُكُمْ﴾ قالَ: مَصائِبُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ وقالُوا حِينَ عَقَرُوها: نُبَيِّتُ صالِحًا وأهْلَهُ فَنَقْتُلَهم، ثُمَّ نَقُولُ لِأوْلِياءِ صالِحٍ: ما شَهِدْنا مِن هَذا شَيْئًا، وما لَنا بِهِ عِلْمٌ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

النمل 27:51

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾ [النمل: ١٥] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَذِهِ (p-١٠٨٣)القِصَّةُ مِن جُمْلَةِ بَيانِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وصالِحًا عَطْفُ بَيانٍ، وأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِلرِّسالَةِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وإذا في ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فَفاجَئُوا التَّفَرُّقَ والِاخْتِصامَ، والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم والكافِرُونَ، ومَعْنى الِاخْتِصامِ: أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُخاصِمُ عَلى ما هو فِيهِ ويَزْعُمُ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَهم في ( صالِحٍ ) هَلْ هو مُرْسَلٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ صالِحٌ، والفَرِيقُ الآخَرُ جَمِيعُ قَوْمِهِ، وهو ضَعِيفٌ. ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قالَ صالِحٌ لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَذابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ. والمَعْنى: لِمَ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ الثَّوابَ وتُقَدِّمُونَ الكُفْرَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ العُقُوبَةَ ؟ وقَدْ كانُوا لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَقُولُونَ: ائْتِنا يا صالِحُ بِالعَذابِ. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ رَجاءً أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا، فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنِ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ، ووَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ مَجازًا، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ، أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. فَكانَ جَوابُهم عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا الإرْشادِ الصَّحِيحِ والكَلامِ اللَّيِّنِ أنَّهم ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ أيْ: تَشاءَمْنا مِنكَ، وبِمَن مَعَكَ مِمَّنْ أجابَكَ ودَخَلَ في دِينِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أصابَهم قَحْطٌ فَتَشاءَمُوا بِصالِحٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ أكْثَرُ النّاسِ طِيَرَةً وأشْقاهم بِها، وكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ نَفَرُوا طائِرًا مِن وكْرِهِ فَإنْ طارَ يَمْنَةً سارُوا وفَعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وإنْ طارَ يَسْرَةً تَرَكُوا ذَلِكَ فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطّائِرِ الَّذِي تَتَشاءَمُونَ بِهِ، بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، هو ما يُقَدِّرُهُ عَلَيْكم والمَعْنى أنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي أصابَكم هو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ كُفْرِكم، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم سَبَبَ ما هم فِيهِ بِأوْضَحِ بَيانٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ: تُمْتَحَنُونَ وتُخْتَبَرُونَ وقِيلَ: تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكم غَيْرُكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِما تَقَعُونَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ، أوْ بِما لِأجْلِهِ تَطَيَّرُونَ فَأضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الطّائِرِ إلى ما هو السَّبَبُ الدّاعِي إلَيْهِ. ﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ الَّتِي فِيها صالِحٌ، وهو الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ مِن أبْناءِ الأشْرافِ، والرَّهْطُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، فَكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يَتْبَعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَماعَةٌ، والجَمْعُ أرْهُطٌ وأراهِطُ، وهَؤُلاءِ التِّسْعَةُ هم أصْحابُ ( قُدارَ ) عاقِرِ النّاقَةِ، ثُمَّ وُصِفَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعَمَلُهُمُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي لا يُخالِطُهُ صَلاحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أسْماءِ هَؤُلاءِ التِّسْعَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: احْلِفُوا بِاللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ( تَقاسَمُوا ) فِعْلُ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا مُفَسِّرًا لِ ( قالُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا ؟، فَقالَ: تَقاسَمُوا، أوْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُتَقاسِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَصْلُحُونَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ " ولَيْسَ فِيها ( قالُوا )، واللّامُ في ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: لَنَأْتِيَنَّهُ بَغْتَةً في وقْتِ البَياتِ، فَنَقْتُلُهُ وأهْلَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ في " لَنَبِيتَنَّهُ " وفي " لَنَقُولَنَّ "، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ فِيهِما عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والمُرادُ بِـ ( ولِيِّ صالِحٍ ) رَهْطُهُ ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا قَتْلَهم ولا نَدْرِي مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ، ونَفْيُهم لِشُهُودِهِمْ لِمَكانِ الهَلاكِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ لِنَفْسِ القَتْلِ بِالأوْلى، وقِيلَ: إنَّ المَهْلِكَ بِمَعْنى الإهْلاكِ وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْناهُ قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا وأهْلَهُ ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِيائِهِ أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ ولا رَأوْهُ وكانَ هَذا مَكْرًا مِنهم. ولِهَذا قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ أيْ: بِهَذِهِ المُحالَفَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ جازَيْناهم بِفِعْلِهِمْ، فَأهْلَكْناهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أيِ: انْظُرْ ما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلى المَكْرِ وما أصابَهم بِسَبَبِهِ ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنّا "، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ بِفَتْحِها، فَمَن كَسَرَ جَعَلَهُ اسْتِئْنافًا. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، وهو يُفَسِّرُ بِهِ ما كانَ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ تابِعًا لِلْعاقِبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: العاقِبَةُ إنّا دَمَّرْناهم، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِأنّا دَمَّرْناهم أوْ لِأنّا دَمَّرْناهم، و( كانَ ) تامَّةٌ، و( عاقِبَةُ ) فاعِلٌ لَها، أوْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( عاقِبَةُ )، أوْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أنّا دَمَّرْناهم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) ناقِصَةً، و( كَيْفَ ) خَبَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها أنّا دَمَّرَنا. قالَ أبُو حاتِمٍ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أنْ دَمَّرْناهم " . والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ دَمَّرَ التِّسْعَةَ الرَّهْطَ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ (p-١٠٨٤)قَوْمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِذَلِكَ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ بِأجْمَعِينَ أنَّهُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ولا سَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَرَأ الجُمْهُورُ " خاوِيَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ حالَ كَوْنِها خاوِيَةً، وكَذا قالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ أيْ: خالِيَةً عَنْ أهْلِها خَرابًا لَيْسَ بِها ساكِنٌ. وقالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ " خاوِيَةً " عَلى القِطَعِ، والأصْلُ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمُ الخاوِيَةُ، فَلَمّا قُطِعَ مِنها الألِفُ واللّامُ نُصِبَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " خاوِيَةٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وبُيُوتَهم بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ وخاوِيَةٌ خَبَرٌ آخَرَ، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّدْمِيرِ والتَّأْهِيلِ لَآيَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ بِالأشْياءِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم صالِحُ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿طائِرُكُمْ﴾ قالَ: مَصائِبُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ وقالُوا حِينَ عَقَرُوها: نُبَيِّتُ صالِحًا وأهْلَهُ فَنَقْتُلَهم، ثُمَّ نَقُولُ لِأوْلِياءِ صالِحٍ: ما شَهِدْنا مِن هَذا شَيْئًا، وما لَنا بِهِ عِلْمٌ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

النمل 27:52

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾ [النمل: ١٥] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَذِهِ (p-١٠٨٣)القِصَّةُ مِن جُمْلَةِ بَيانِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وصالِحًا عَطْفُ بَيانٍ، وأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِلرِّسالَةِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وإذا في ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فَفاجَئُوا التَّفَرُّقَ والِاخْتِصامَ، والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم والكافِرُونَ، ومَعْنى الِاخْتِصامِ: أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُخاصِمُ عَلى ما هو فِيهِ ويَزْعُمُ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَهم في ( صالِحٍ ) هَلْ هو مُرْسَلٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ صالِحٌ، والفَرِيقُ الآخَرُ جَمِيعُ قَوْمِهِ، وهو ضَعِيفٌ. ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قالَ صالِحٌ لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَذابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ. والمَعْنى: لِمَ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ الثَّوابَ وتُقَدِّمُونَ الكُفْرَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ العُقُوبَةَ ؟ وقَدْ كانُوا لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَقُولُونَ: ائْتِنا يا صالِحُ بِالعَذابِ. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ رَجاءً أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا، فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنِ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ، ووَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ مَجازًا، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ، أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. فَكانَ جَوابُهم عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا الإرْشادِ الصَّحِيحِ والكَلامِ اللَّيِّنِ أنَّهم ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ أيْ: تَشاءَمْنا مِنكَ، وبِمَن مَعَكَ مِمَّنْ أجابَكَ ودَخَلَ في دِينِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أصابَهم قَحْطٌ فَتَشاءَمُوا بِصالِحٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ أكْثَرُ النّاسِ طِيَرَةً وأشْقاهم بِها، وكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ نَفَرُوا طائِرًا مِن وكْرِهِ فَإنْ طارَ يَمْنَةً سارُوا وفَعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وإنْ طارَ يَسْرَةً تَرَكُوا ذَلِكَ فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطّائِرِ الَّذِي تَتَشاءَمُونَ بِهِ، بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، هو ما يُقَدِّرُهُ عَلَيْكم والمَعْنى أنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي أصابَكم هو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ كُفْرِكم، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم سَبَبَ ما هم فِيهِ بِأوْضَحِ بَيانٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ: تُمْتَحَنُونَ وتُخْتَبَرُونَ وقِيلَ: تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكم غَيْرُكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِما تَقَعُونَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ، أوْ بِما لِأجْلِهِ تَطَيَّرُونَ فَأضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الطّائِرِ إلى ما هو السَّبَبُ الدّاعِي إلَيْهِ. ﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ الَّتِي فِيها صالِحٌ، وهو الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ مِن أبْناءِ الأشْرافِ، والرَّهْطُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، فَكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يَتْبَعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَماعَةٌ، والجَمْعُ أرْهُطٌ وأراهِطُ، وهَؤُلاءِ التِّسْعَةُ هم أصْحابُ ( قُدارَ ) عاقِرِ النّاقَةِ، ثُمَّ وُصِفَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعَمَلُهُمُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي لا يُخالِطُهُ صَلاحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أسْماءِ هَؤُلاءِ التِّسْعَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: احْلِفُوا بِاللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ( تَقاسَمُوا ) فِعْلُ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا مُفَسِّرًا لِ ( قالُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا ؟، فَقالَ: تَقاسَمُوا، أوْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُتَقاسِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَصْلُحُونَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ " ولَيْسَ فِيها ( قالُوا )، واللّامُ في ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: لَنَأْتِيَنَّهُ بَغْتَةً في وقْتِ البَياتِ، فَنَقْتُلُهُ وأهْلَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ في " لَنَبِيتَنَّهُ " وفي " لَنَقُولَنَّ "، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ فِيهِما عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والمُرادُ بِـ ( ولِيِّ صالِحٍ ) رَهْطُهُ ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا قَتْلَهم ولا نَدْرِي مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ، ونَفْيُهم لِشُهُودِهِمْ لِمَكانِ الهَلاكِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ لِنَفْسِ القَتْلِ بِالأوْلى، وقِيلَ: إنَّ المَهْلِكَ بِمَعْنى الإهْلاكِ وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْناهُ قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا وأهْلَهُ ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِيائِهِ أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ ولا رَأوْهُ وكانَ هَذا مَكْرًا مِنهم. ولِهَذا قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ أيْ: بِهَذِهِ المُحالَفَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ جازَيْناهم بِفِعْلِهِمْ، فَأهْلَكْناهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أيِ: انْظُرْ ما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلى المَكْرِ وما أصابَهم بِسَبَبِهِ ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنّا "، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ بِفَتْحِها، فَمَن كَسَرَ جَعَلَهُ اسْتِئْنافًا. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، وهو يُفَسِّرُ بِهِ ما كانَ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ تابِعًا لِلْعاقِبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: العاقِبَةُ إنّا دَمَّرْناهم، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِأنّا دَمَّرْناهم أوْ لِأنّا دَمَّرْناهم، و( كانَ ) تامَّةٌ، و( عاقِبَةُ ) فاعِلٌ لَها، أوْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( عاقِبَةُ )، أوْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أنّا دَمَّرْناهم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) ناقِصَةً، و( كَيْفَ ) خَبَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها أنّا دَمَّرَنا. قالَ أبُو حاتِمٍ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أنْ دَمَّرْناهم " . والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ دَمَّرَ التِّسْعَةَ الرَّهْطَ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ (p-١٠٨٤)قَوْمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِذَلِكَ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ بِأجْمَعِينَ أنَّهُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ولا سَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَرَأ الجُمْهُورُ " خاوِيَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ حالَ كَوْنِها خاوِيَةً، وكَذا قالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ أيْ: خالِيَةً عَنْ أهْلِها خَرابًا لَيْسَ بِها ساكِنٌ. وقالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ " خاوِيَةً " عَلى القِطَعِ، والأصْلُ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمُ الخاوِيَةُ، فَلَمّا قُطِعَ مِنها الألِفُ واللّامُ نُصِبَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " خاوِيَةٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وبُيُوتَهم بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ وخاوِيَةٌ خَبَرٌ آخَرَ، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّدْمِيرِ والتَّأْهِيلِ لَآيَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ بِالأشْياءِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم صالِحُ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿طائِرُكُمْ﴾ قالَ: مَصائِبُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ وقالُوا حِينَ عَقَرُوها: نُبَيِّتُ صالِحًا وأهْلَهُ فَنَقْتُلَهم، ثُمَّ نَقُولُ لِأوْلِياءِ صالِحٍ: ما شَهِدْنا مِن هَذا شَيْئًا، وما لَنا بِهِ عِلْمٌ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

النمل 27:53

قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾ [النمل: ١٥] واللّامُ هي المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، وهَذِهِ (p-١٠٨٣)القِصَّةُ مِن جُمْلَةِ بَيانِ قَوْلِهِ ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] وصالِحًا عَطْفُ بَيانٍ، وأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِلرِّسالَةِ، و( أنْ ) هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ: بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، وإذا في ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ﴾ هي الفُجائِيَّةُ أيْ: فَفاجَئُوا التَّفَرُّقَ والِاخْتِصامَ، والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم والكافِرُونَ، ومَعْنى الِاخْتِصامِ: أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يُخاصِمُ عَلى ما هو فِيهِ ويَزْعُمُ أنَّ الحَقَّ مَعَهُ، وقِيلَ: إنَّ الخُصُومَةَ بَيْنَهم في ( صالِحٍ ) هَلْ هو مُرْسَلٌ أمْ لا ؟ وقِيلَ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ صالِحٌ، والفَرِيقُ الآخَرُ جَمِيعُ قَوْمِهِ، وهو ضَعِيفٌ. ﴿قالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيْ: قالَ صالِحٌ لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ؟ قالَ مُجاهِدٌ: بِالعَذابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ. والمَعْنى: لِمَ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ الثَّوابَ وتُقَدِّمُونَ الكُفْرَ الَّذِي يَجْلِبُ إلَيْكُمُ العُقُوبَةَ ؟ وقَدْ كانُوا لِفَرْطِ كُفْرِهِمْ يَقُولُونَ: ائْتِنا يا صالِحُ بِالعَذابِ. ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ رَجاءً أنْ تُرْحَمُوا أوْ كَيْ تُرْحَمُوا فَلا تُعَذَّبُوا، فَإنَّ اسْتِعْجالَ الخَيْرِ أوْلى مِنِ اسْتِعْجالِ الشَّرِّ، ووَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ سَيِّئَةٌ مَجازًا، إمّا لِأنَّ العِقابَ مِن لَوازِمِهِ، أوْ لِأنَّهُ يُشْبِهُهُ في كَوْنِهِ مَكْرُوهًا. فَكانَ جَوابُهم عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا الإرْشادِ الصَّحِيحِ والكَلامِ اللَّيِّنِ أنَّهم ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ أيْ: تَشاءَمْنا مِنكَ، وبِمَن مَعَكَ مِمَّنْ أجابَكَ ودَخَلَ في دِينِكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أصابَهم قَحْطٌ فَتَشاءَمُوا بِصالِحٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ أكْثَرُ النّاسِ طِيَرَةً وأشْقاهم بِها، وكانُوا إذا أرادُوا سَفَرًا أوْ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ نَفَرُوا طائِرًا مِن وكْرِهِ فَإنْ طارَ يَمْنَةً سارُوا وفَعَلُوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وإنْ طارَ يَسْرَةً تَرَكُوا ذَلِكَ فَلَمّا قالُوا ذَلِكَ قالَ لَهم صالِحٌ ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الطّائِرِ الَّذِي تَتَشاءَمُونَ بِهِ، بَلْ سَبَبُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، هو ما يُقَدِّرُهُ عَلَيْكم والمَعْنى أنَّ الشُّؤْمَ الَّذِي أصابَكم هو مِن عِنْدِ اللَّهِ بِسَبَبِ كُفْرِكم، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم سَبَبَ ما هم فِيهِ بِأوْضَحِ بَيانٍ، فَقالَ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ أيْ: تُمْتَحَنُونَ وتُخْتَبَرُونَ وقِيلَ: تُعَذَّبُونَ بِذُنُوبِكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكم غَيْرُكم، وقِيلَ: يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِما تَقَعُونَ فِيهِ مِنَ الطِّيَرَةِ، أوْ بِما لِأجْلِهِ تَطَيَّرُونَ فَأضْرَبَ عَنْ ذِكْرِ الطّائِرِ إلى ما هو السَّبَبُ الدّاعِي إلَيْهِ. ﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ الَّتِي فِيها صالِحٌ، وهو الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ مِن أبْناءِ الأشْرافِ، والرَّهْطُ اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، فَكَأنَّهم كانُوا رُؤَساءَ يَتْبَعُ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَماعَةٌ، والجَمْعُ أرْهُطٌ وأراهِطُ، وهَؤُلاءِ التِّسْعَةُ هم أصْحابُ ( قُدارَ ) عاقِرِ النّاقَةِ، ثُمَّ وُصِفَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: شَأْنُهم وعَمَلُهُمُ الفَسادُ في الأرْضِ الَّذِي لا يُخالِطُهُ صَلاحٌ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أسْماءِ هَؤُلاءِ التِّسْعَةِ اخْتِلافًا كَثِيرًا لا حاجَةَ إلى التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: احْلِفُوا بِاللَّهِ، هَذا عَلى أنَّ ( تَقاسَمُوا ) فِعْلُ أمْرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا مُفَسِّرًا لِ ( قالُوا ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا ؟، فَقالَ: تَقاسَمُوا، أوْ يَكُونَ حالًا عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُتَقاسِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يَصْلُحُونَ تَقاسَمُوا بِاللَّهِ " ولَيْسَ فِيها ( قالُوا )، واللّامُ في ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ جَوابُ القَسَمِ أيْ: لَنَأْتِيَنَّهُ بَغْتَةً في وقْتِ البَياتِ، فَنَقْتُلُهُ وأهْلَهُ ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِالنُّونِ لِلْمُتَكَلِّمِ في " لَنَبِيتَنَّهُ " وفي " لَنَقُولَنَّ "، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالفَوْقِيَّةِ فِيهِما عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحَمِيدٌ بِالتَّحْتِيَّةِ فِيهِما، والمُرادُ بِـ ( ولِيِّ صالِحٍ ) رَهْطُهُ ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا قَتْلَهم ولا نَدْرِي مَن قَتَلَهُ وقَتَلَ أهْلَهُ، ونَفْيُهم لِشُهُودِهِمْ لِمَكانِ الهَلاكِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ شُهُودِهِمْ لِنَفْسِ القَتْلِ بِالأوْلى، وقِيلَ: إنَّ المَهْلِكَ بِمَعْنى الإهْلاكِ وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ مَهْلَكَ بِفَتْحِ المِيمِ واللّامِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ والمُفَضَّلُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ فِيما قُلْناهُ قالَ الزَّجّاجُ: وكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا وأهْلَهُ ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِيائِهِ أنَّهم ما فَعَلُوا ذَلِكَ ولا رَأوْهُ وكانَ هَذا مَكْرًا مِنهم. ولِهَذا قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - ﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ أيْ: بِهَذِهِ المُحالَفَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ جازَيْناهم بِفِعْلِهِمْ، فَأهْلَكْناهم ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أيِ: انْظُرْ ما انْتَهى إلَيْهِ أمْرُهُمُ الَّذِي بَنَوْهُ عَلى المَكْرِ وما أصابَهم بِسَبَبِهِ ﴿أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنّا "، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعاصِمٌ بِفَتْحِها، فَمَن كَسَرَ جَعَلَهُ اسْتِئْنافًا. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: مَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ، وهو يُفَسِّرُ بِهِ ما كانَ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ تابِعًا لِلْعاقِبَةِ، كَأنَّهُ قالَ: العاقِبَةُ إنّا دَمَّرْناهم، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بِأنّا دَمَّرْناهم أوْ لِأنّا دَمَّرْناهم، و( كانَ ) تامَّةٌ، و( عاقِبَةُ ) فاعِلٌ لَها، أوْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( عاقِبَةُ )، أوْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي أنّا دَمَّرْناهم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( كانَ ) ناقِصَةً، و( كَيْفَ ) خَبَرَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُها أنّا دَمَّرَنا. قالَ أبُو حاتِمٍ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ " أنْ دَمَّرْناهم " . والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ دَمَّرَ التِّسْعَةَ الرَّهْطَ المَذْكُورِينَ، ودَمَّرَ (p-١٠٨٤)قَوْمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مَعَهم عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِذَلِكَ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ بِأجْمَعِينَ أنَّهُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ ولا سَلِمَ مِنَ العُقُوبَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَرَأ الجُمْهُورُ " خاوِيَةً " بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ حالَ كَوْنِها خاوِيَةً، وكَذا قالَ الفَرّاءُ والنَّحّاسُ أيْ: خالِيَةً عَنْ أهْلِها خَرابًا لَيْسَ بِها ساكِنٌ. وقالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُ " خاوِيَةً " عَلى القِطَعِ، والأصْلُ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمُ الخاوِيَةُ، فَلَمّا قُطِعَ مِنها الألِفُ واللّامُ نُصِبَتْ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والجَحْدَرَيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِرَفْعِ " خاوِيَةٌ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ، وبُيُوتَهم بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ خَبَرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ وخاوِيَةٌ خَبَرٌ آخَرَ، والباءُ في ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ التَّدْمِيرِ والتَّأْهِيلِ لَآيَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ بِالأشْياءِ. ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم صالِحُ ومَن آمَنَ بِهِ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ ويَخافُونَ عَذابَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿طائِرُكُمْ﴾ قالَ: مَصائِبُكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ وقالُوا حِينَ عَقَرُوها: نُبَيِّتُ صالِحًا وأهْلَهُ فَنَقْتُلَهم، ثُمَّ نَقُولُ لِأوْلِياءِ صالِحٍ: ما شَهِدْنا مِن هَذا شَيْئًا، وما لَنا بِهِ عِلْمٌ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.

النمل 27:54

انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ. وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى. ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) . ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ. ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ. والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى. ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ. ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ. قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا. وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا. وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا. وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ. و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى. وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ. وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ. ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ. ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ. واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ. ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ. وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ. ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: ؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " . قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) . ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها. ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ. والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ. ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.

النمل 27:55

انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ. وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى. ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) . ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ. ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ. والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى. ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ. ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ. قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا. وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا. وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا. وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ. و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى. وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ. وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ. ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ. ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ. واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ. ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ. وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ. ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: ؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " . قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) . ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها. ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ. والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ. ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.

النمل 27:56

انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ. وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى. ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) . ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ. ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ. والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى. ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ. ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ. قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا. وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا. وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا. وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ. و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى. وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ. وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ. ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ. ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ. واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ. ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ. وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ. ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: ؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " . قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) . ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها. ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ. والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ. ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.

النمل 27:57

انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ. وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى. ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) . ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ. ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ. والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى. ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ. ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ. قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا. وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا. وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا. وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ. قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ. و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى. وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ. ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ. وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ. ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ. ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ. ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا. ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها. وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ. ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ. وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ. واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ. قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ. ﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ. وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ. ﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ. ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: ؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " . قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) . ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ. وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ. قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها. ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ. والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ. ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.