Fath Al-Qadir Al-Shawkani — النمل 27:58 – النمل 27:81
المحتويات
النمل 27:58
انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.
وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى.
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) .
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ.
والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا.
وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ.
و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى.
وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ.
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ.
﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا.
ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ.
وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ.
واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ:
؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) .
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.
والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ.
ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.
النمل 27:59
انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.
وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى.
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) .
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ.
والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا.
وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ.
و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى.
وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ.
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ.
﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا.
ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ.
وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ.
واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ:
؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) .
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.
والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ.
ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.
النمل 27:60
انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.
وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى.
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) .
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ.
والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا.
وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ.
و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى.
وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ.
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ.
﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا.
ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ.
وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ.
واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ:
؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) .
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.
والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ.
ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.
النمل 27:61
انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.
وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى.
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) .
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ.
والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا.
وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ.
و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى.
وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ.
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ.
﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا.
ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ.
وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ.
واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ:
؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) .
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.
والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ.
ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.
النمل 27:62
انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.
وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى.
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) .
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ.
والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا.
وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ.
و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى.
وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ.
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ.
﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا.
ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ.
وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ.
واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ:
؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) .
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.
والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ.
ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.
النمل 27:63
انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.
وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى.
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) .
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ.
والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا.
وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ.
و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى.
وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ.
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ.
﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا.
ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ.
وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ.
واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ:
؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) .
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.
والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ.
ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.
النمل 27:64
انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.
وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى.
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) .
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ.
والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا.
وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ.
و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى.
وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ.
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ.
﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا.
ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ.
وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ.
واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ:
؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) .
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.
والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ.
ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.
النمل 27:65
انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.
وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى.
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) .
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ.
والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا.
وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ.
و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى.
وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ.
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ.
﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا.
ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ.
وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ.
واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ:
؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) .
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.
والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ.
ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.
النمل 27:66
انْتِصابُ لُوطًا: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وإذْ قالَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ( اذْكُرْ )، والمَعْنى: وأرْسَلْنا لُوطًا وقْتَ قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيِ: الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والشَّناعَةِ، وهم أهْلُ ( سَدُومَ )، وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ.
وذَلِكَ أعْظَمُ لِذُنُوبِكم، عَلى أنَّ ( تُبْصِرُونَ ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، وهو العِلْمُ، أوْ بِمَعْنى النَّظَرِ، لِأنَّهم كانُوا لا يَسْتَتِرُونَ حالَ فِعْلِ الفاحِشَةِ عُتُوًّا وتَمَرُّدًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ القِصَّةِ في الأعْرافِ مُسْتَوْفًى.
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ الفاحِشَةَ هي اللُّواطَةُ، وانْتِصابُ شَهْوَةٍ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِلشَّهْوَةِ، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إتْيانًا شَهْوَةً، أوْ أنَّهُ بِمَعْنى الحالِ أيْ: مُشْتَهِينَ لَهم ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلٌّ لِذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ التَّحْرِيمَ أوِ العُقُوبَةَ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ، واخْتارَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ مِن ( أئِنَّكم ) .
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ " جَوابَ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، واسْمُها إلّا أنْ قالُوا أيْ: إلّا قَوْلُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِرَفْعِ جَوابٍ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ وخَبَرُها ما بَعْدَهُ، ثُمَّ عَلَّلُوا ما أمَرُوا بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الإخْراجِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ أيْ: يَتَنَزَّهُونَ عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، قالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزاءً مِنهم بِهِمْ.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: قَدَّرْنا أنَّها مِنَ الباقِينَ في العَذابِ، ومَعْنى قَدَّرْنا قَضَيْنا، قَرَأ الجُمْهُورُ " قَدَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ عاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ.
والمَعْنى واحِدٌ مَعَ دَلالَةِ زِيادَةِ البِناءِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ هَذا التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ المَطَرِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ: ساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرَهم، والمُرادُ بِالمُنْذَرِينَ الَّذِينَ أُنْذِرُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا، وقَدْ مَضى بَيانُ هَذا كُلِّهِ في الأعْرافِ والشُّعَراءِ.
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: قالَ أهْلُ المَعانِي: قِيلَ: لِلُوطٍ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِهِمْ، وخالَفَهُ جَماعَةٌ؛ فَقالُوا: إنَّ هَذا خِطابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أيْ: قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى هَلاكِ كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ، وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ ﴿الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أوْلى لِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وكُلُّ ما فِيهِ فَهو مُخاطِبٌ بِهِ إلّا ما لَمْ يَصِحَّ مَعْناهُ إلّا لِغَيْرِهِ.
قِيلَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى أمَةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، والأوْلى حَمْلُهُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما﴾ أيْ: آللَّهُ الَّذِي ذَكَرْتَ أفْعالَهُ وصِفاتِهُ الدّالَّةَ عَلى (p-١٠٨٥)عَظِيمِ قُدْرَتِهِ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ، وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ هي كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
فَيَكُونُ ما في الآيَةِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، إذْ لا خَيْرَ فِيهِمْ أصْلًا.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: السَّعادَةُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ الشَّقاوَةُ، ولا خَيْرَ في الشَّقاوَةِ أصْلًا.
وقِيلَ: المَعْنى: أثْوابُ اللَّهِ خَيْرٌ، أمْ عُقابُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ ؟ وقِيلَ: قالَ لَهم ذَلِكَ جَرْيًا عَلى اعْتِقادِهِمْ، لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ في عِبادَةِ الأصْنامِ خَيْرًا.
وقِيلَ: المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الخَبَرُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " تُشْرِكُونَ " بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ، وهي اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ يُشْرِكُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، و" أمْ " في أمّا يُشْرِكُونَ هي المُتَّصِلَةُ.
و" أمْ " في قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهي المُنْقَطِعَةُ.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: تَقْدِيرُهُ أآلِهَتُكم خَيْرٌ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وقَدَرَ عَلى خَلْقِهِنَّ ؟ وقِيلَ: المَعْنى: أعِبادَةُ ما تَعْبُدُونَ مِن أوْثانِكم خَيْرٌ، أمْ عِبادَةُ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ؟ فَتَكُونُ " أمْ " عَلى هَذا مُتَّصِلَةً وفِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ كَما في الجُمْلَةِ الأُولى.
وقَرَأ الأعْمَشُ " أمَن " بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ الماءِ، وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ﴾ جَمْعُ حَدِيقَةٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحَدِيقَةُ البُسْتانُ الَّذِي عَلَيْهِ حائِطٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حائِطٌ فَهو البُسْتانُ ولَيْسَ بِحَدِيقَةٍ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: الحَدائِقُ النَّخْلُ.
﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ: ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ. والبَهْجَةُ: هي الحُسْنُ الَّذِي يَبْتَهِجُ بِهِ مَن رَآهُ ولَمْ يَقُلْ: ذَواتَ بَهْجَةٍ عَلى الجَمْعِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ: جَماعَةُ حَدائِقَ.
﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ أيْ: ما صَحَّ لَكم أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، ومَعْنى هَذا النَّفْيِ: الحَظْرُ والمَعْنى: مَن فَعَلَ هَذا ؟ أيْ: ما كانَ لِلْبَشَرِ ولا يَتَهَيَّأُ لَهم ذَلِكَ ولا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَتِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: هَلْ مَعْبُودٌ مَعَ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ بَعْضُ أفْعالِهِ حَتّى يُقْرَنَ بِهِ ويُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ في العِبادَةِ، وقُرِئَ " أإلَهًا مَعَ اللَّهِ " بِالنَّصْبِ عَلى تَقْدِيرِ: أتَدْعُونَ إلَهًا.
ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما تَقَدَّمَ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ فَقالَ ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ في الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ وما عَلَيْها. فَقالَ: ﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ القَرارُ المُسْتَقِرُّ أيْ: دَحاها وسَوّاها بِحَيْثُ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها.
وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ، بَلْ هي وما بَعْدَها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِما قَبْلَها إلى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ بِشَيْءٍ آخَرَ ﴿وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا﴾ الخِلالُ: الوَسَطُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣]، ﴿وجَعَلَ لَها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ تُمْسِكُها وتَمْنَعُها مِنَ الحَرَكَةِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾ الحاجِزُ: المانِعُ أيْ: جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن قُدْرَتِهِ حاجِزًا، والبَحْرانِ هُما العَذْبُ والمالِحُ، فَلا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَلا هَذا يُغَيِّرُ ذاكَ ولا ذاكَ يَدْخُلُ في هَذا، وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: إذا ثَبَتَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اللَّهُ؛ فَهَلْ إلَهٌ في الوُجُودِ يَصْنَعُ صُنْعَهُ ويَخْلُقُ خَلْقَهُ ؟ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ بِهِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَوْحِيدُ رَبِّهِمْ وسُلْطانُ قُدْرَتِهِ.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِحاجَةِ الإنْسانِ إلَيْهِ عَلى العُمُومِ، والمُضْطَرَّ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ: وهو المَكْرُوبُ المَجْهُودُ الَّذِي لا حَوْلَ لَهُ ولا قُوَّةَ.
وقِيلَ: هو المُذْنِبُ، وقِيلَ: هو الَّذِي عَراهُ ضُرٌّ مِن فَقْرٍ أوْ مَرَضٍ، فَألْجَأهُ إلى التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ.
واللّامُ في المُضْطَرِّ لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ، فَقَدْ لا يُجابُ دُعاءُ بَعْضِ المُضْطَرِّينَ لِمانِعٍ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُحْدِثُهُ العَبْدُ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إجابَةِ دُعائِهِ، وإلّا فَقَدَ ضَمِنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - إجابَةَ دُعاءِ المُضْطَرِّ إذا دَعاهُ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، والوَجْهُ في إجابَةِ دُعاءِ المُضْطَرِّ أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرارَ الحاصِلَ لَهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الإخْلاصُ وقَطْعُ النَّظَرِ عَمّا سِوى اللَّهِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يُجِيبُ دُعاءَ المُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وإنْ كانُوا كافِرِينَ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] فَأجابَهم عِنْدَ ضَرُورَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهم سَيَعُودُونَ إلى شِرْكِهِمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيِ: الَّذِي يَسُوءُ العَبْدَ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وقِيلَ: هو الضُّرُّ، وقِيلَ: هو الجَوْرُ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ: يَخْلُفُ كُلُّ قَرْنٍ مِنكُمُ القَرْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بَعْدَ انْقِراضِهِمْ، والمَعْنى: يُهْلِكُ قَرْنًا ويُنْشِئُ آخَرِينَ، وقِيلَ: يَجْعَلُ أوْلادَكم خَلَفًا مِنكم، وقِيلَ: يَجْعَلُ المُسْلِمِينَ خَلَفًا مِنَ الكُفّارِ يَنْزِلُونَ أرْضَهم ودِيارَهم ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي يُوَلِّيكم هَذِهِ النِّعَمَ الجِسامَ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا ما تَذْكُرُونَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وهِشامٌ ويَعْقُوبُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخَبَرِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: يُرْشِدُكم في اللَّيالِي المُظَلَّماتِ إذا سافَرْتُمْ في البَرِّ أوِ البَحْرِ.
وقِيلَ: المُرادُ مَفاوِزُ البَرِّ الَّتِي لا أعْلامَ لَها ولُجَجُ البِحارِ، وشَبَّهَها بِالظُّلُماتِ لِعَدَمِ ما يَهْتَدُونَ بِهِ فِيها " ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ " والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرُ؛ أيْ: يُرْسِلُ الرِّياحَ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، وقَبْلَ نُزُولِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يَفْعَلُ ذَلِكَ ويُوجِدُهُ ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ عَنْ وُجُودِ ما يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ.
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - هو الخالِقُ فَألْزَمَهُمُ الإعادَةَ أيْ: إذا قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ (p-١٠٨٦)قَدَرَ عَلى الإعادَةِ ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِالمَطَرِ والنَّباتِ أيْ: هو خَيْرٌ أمْ ما تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لَهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى تَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: حُجَّتَكم عَلى أنْ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - شَرِيكًا، أوْ هاتُوا حُجَّتَكم أنَّ ثَمَّ صانِعًا يَصْنَعُ كَصُنْعِهِ، وفي هَذا تَبْكِيتٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ: لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقاتِ الكائِنَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ورَفْعُ ما بَعْدَ إلّا مَعَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو عَلى اللُّغَةِ التَّمِيمِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ:
؎إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
وقِيلَ: إنَّ فاعِلَ ( يَعْلَمُ ) هو ما بَعْدَ إلّا، و( مَن في السَّماواتِ ) مَفْعُولُهُ، والغَيْبُ بَدَلُ ( مَن ) أيْ: لا يَعْلَمُ غَيْبَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا اللَّهُ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن " مَن " . وقالَ الزَّجّاجُ: " إلّا اللَّهُ " بَدَلٌ مِن " مَن " .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما رُفِعَ ما بَعْدَ إلّا لِأنَّ ما بَعْدَها خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ: ما ذَهَبَ أحَدٌ إلّا أبُوكَ، وهو كَقَوْلِ الزَّجّاجِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن نَصَبَ نَصَبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا يَشْعُرُونَ مَتى يُنْشَرُونَ مِنَ القُبُورِ، و" أيّانَ " مُرَكَّبَةٌ مِن أيَّ، وإنَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ " إيّانَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةُ بَنِي سَلِيمٍ وهي مَنصُوبَةٌ بِـ يُبْعَثُونَ ومُعَلِّقَةٌ لِ يَشْعُرُونَ، فَتَكُونُ هي وما بَعْدَها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: وما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، ومَعْنى أيّانَ مَعْنى ( مَتى ) .
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ وأصْلُ ادّارَكَ تَدارَكَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ وجِيءَ بِهَمْزَةِ الوَصْلِ لِيُمْكِنَ الِابْتِداءُ بِالسّاكِنِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحُمَيْدٌ " بَلْ أدْرَكَ " مِنَ الإدْراكِ.
وقَرَأ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والأعْمَشُ " بَلَ ادَّرَكَ " بِفَتْحِ لامِ بَلْ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " بَلْ أدْرَكَ " عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو رَجاءٍ وشَيْبَةُ، والأعْمَشُ والأعْرَجُ " بَلى أدّارَكَ " بِإثْباتِ الياءِ في بَلْ وبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وتَشْدِيدِ الدّالِّ.
وقَرَأ أُبَيٌّ " بَلْ تَدارَكَ " ومَعْنى الآيَةِ: بَلْ تَكامَلَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا كُلَّ ما وُعِدُوا بِهِ وعايَنُوهُ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: تَتابَعَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، والقِراءَةُ الثّانِيَةُ مَعْناها: كُلُّ عِلْمِهِمْ في الآخِرَةِ مَعَ المُعايَنَةِ، وذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ العِلْمُ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا مُكَذِّبِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ أيْ: لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم عِلْمَ الآخِرَةِ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ ضَلَّ وغابَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَلَيْسَ لَهم عِلْمٌ، ومَعْنى القِراءَةِ الثّالِثَةِ كَمَعْنى القِراءَةِ الأُولى، فافْتَعَلَ وتَفاعَلَ قَدْ يَجِيئانِ لِمَعْنًى، والقِراءَةُ الرّابِعَةُ هي بِمَعْنى الإنْكارِ.
قالَ الفَرّاءُ: وهو وجْهٌ حَسَنٌ كَأنَّهُ وجَّهَهُ إلى المُكَذِّبِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وفي الآيَةِ قِراءاتٌ أُخَرُ لا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِذِكْرِها وتَوْجِيهِها.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ أيْ: بَلْ هُمُ اليَوْمَ في الدُّنْيا في شَكٍّ مِنَ الآخِرَةِ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أشَدُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ فَلا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِن دَلائِلِها لِاخْتِلالِ بَصائِرِهِمُ الَّتِي يَكُونُ بِها الإدْراكُ، و" عَمُونَ " جَمْعُ عَمٍ، وهو مَن كانَ أعْمى القَلْبِ، والمُرادُ بَيانُ جَهْلِهِمْ بِها عَلى وجْهٍ لا يَهْتَدُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا يُوَصِّلُ إلى العِلْمِ بِها، فَمَن قالَ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى أعْنِي ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ أنَّهُ كَمُلَ عِلْمُهم وتَمَّ مَعَ المُعايَنَةِ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ الأُولى الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ، والتَّبْكِيتُ لَهم، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْيِيدِ قَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا. وبِهَذا يَتَّضِحُ مَعْنى هَذِهِ الآياتِ ويَظْهَرُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - اصْطَفاهُمُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.
والأوْلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أصْحابُ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِن بَلْجَهْمِ، قالَ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلى ما تَدْعُو ؟ قالَ: أدْعُو اللَّهَ وحْدَهُ الَّذِي إنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشْفَهُ عَنْكَ» هَذا طَرَفٌ مِن حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقَدْ رَواهُ أحْمَدُ مِن وجْهٍ آخَرَ فَبَيَّنَ اسْمَ الصَّحابِيِّ فَقالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنا يُونُسُ، حَدَّثَنا عُبَيْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ الهُجَيْمِيُّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ الهُجَيْمِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ الهُجَيْمِيِّ.
ولِهَذا الحَدِيثِ طُرُقٌ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ " ثَلاثَةٌ مَن تَكَلَّمَ بِواحِدَةٍ مِنهم فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ الفِرْيَةَ " واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ قالَ: حِينَ لا يَنْفَعُ العِلْمُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ قالَ: لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهم.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي أنَّهُ قَرَأها بِالِاسْتِفْهامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ يَقُولُ: غابَ عِلْمُهم.
النمل 27:67
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:68
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:69
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:70
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:71
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:72
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:73
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:74
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:75
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:76
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:77
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:78
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:79
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:80
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.
النمل 27:81
(p-١٠٨٧)لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّ المُشْرِكِينَ في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ وأنَّهم عَمُونَ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِهِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ غايَةَ شُبَهِهِمْ وهي مُجَرَّدُ اسْتِبْعادِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ صَيْرُورِتِهِمْ تُرابًا فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ والعامِلُ في إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ، تَقْدِيرُهُ أنُبْعَثُ أوْ نُخْرَجُ إذا كُنّا، وإنَّما لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ مُخْرَجُونَ لِتَوَسُّطِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وإنَّ ولامُ الِابْتِداءِ بَيْنَهُما، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِاسْتِفْهامَيْنِ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِاسْتِفْهامَيْنِ، إلّا أنَّهم حَقَّقا الهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ووَرْشٍ ويَعْقُوبُ " أئِذا " بِهَمْزَتَيْنِ " وإنَّنا " بِنُونَيْنِ عَلى الخَبَرِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ نافِعٍ، ورَدَّ عَلى مَن جَمَعَ بَيْنَ اسْتِفْهامَيْنِ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا واسْتَبْعَدُوا أنْ يَخْرُجُوا مِن قُبُورِهِمْ أحْياءَ بَعْدَ أنْ قَدْ صارُوا تُرابًا.
ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِما هو تَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ فَقالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ يَعْنُونَ البَعْثَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ لَنا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ مُصَدَّرَةً بِالقَسَمِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ إنَّ هَذا الوَعْدَ بِالبَعْثِ ﴿إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أحادِيثُهم وأكاذِيبُهُمُ المُلَفَّقَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الأساطِيرِ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ، ثُمَّ أوْعَدَهم - سُبْحانَهُ - عَلى عَدَمِ قَبُولِ ما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، فَأمَرَهم بِالنَّظَرِ في أحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ المُكَذِّبَةِ لِلْأنْبِياءِ، وما عُوقِبُوا بِهِ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهم. فَقالَ: ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ بِما جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ مِنَ الإخْبارِ بِالبَعْثِ، ومَعْنى النَّظَرِ هو مُشاهَدَةُ آثارِهِمْ بِالبَصَرِ فَإنَّ في المُشاهَدَةِ زِيادَةَ اعْتِبارٍ.
وقِيلَ: المَعْنى: فانْظُرُوا بِقُلُوبِكم وبَصائِرِكم كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى لِأمْرِهِمْ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِما وقَعَ مِنهم مَنِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ الضَّيْقُ: الحَرَجُ، يُقالُ: ضاقَ الشَّيْءُ ضَيْقًا بِالفَتْحِ وضِيقًا بِالكَسْرِ قُرِئَ بِهِما، وهُما لُغَتانِ.
قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ: في صَدْرِ فُلانٍ ضَيْقٌ وضِيقٌ وهو ما تَضِيقُ عَنْهُ الصُّدُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم﴾ يُقالُ: رَدِفْتُ الرَّجُلَ وأرْدَفْتُهُ إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ ورَدِفَهُ إذا اتَّبَعَهُ وجاءَ في أثَرِهِ، والمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ عَسى أنْ يَكُونَ هَذا العَذابُ الَّذِي بِهِ تُوعَدُونَ تَبِعَكم ولَحِقَكم، فَتَكُونُ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ، أوْ بِمَعْنى اقْتَرَبَ لَكم ودَنا لَكم، فَتَكُونُ غَيْرَ زائِدَةٍ.
قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مَعْنى رَدِفَ لَكم تَبِعَكم، قالَ ومِنهُ رِدْفُ المَرْأةِ لِأنَّهُ تَبَعٌ لَها مِن خَلْفِها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎عادَ السَّوادُ بَياضًا في مَفارِقِهِ لا مَرْحَبًا بِبَياضِ الشَّيْبِ إذْ رَدِفا
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وأرْدَفَهُ لُغَةٌ في ( رَدِفَهُ )، مِثْلُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ بِمَعْنًى.
قالَ خُزَيْمَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ نَهْدٍ:
؎إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ∗∗∗ ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا
قالَ الفَرّاءُ: رَدِفَ لَكم: دَنا لَكم ولِهَذا قِيلَ: لَكم.
وقَرَأ الأعْرَجُ " رَدَفَ لَكم " بِفَتْحِ الدّالِّ، وهي لُغَةٌ والكَسْرُ أشْهَرُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " أزِفَ لَكم " وارْتِفاعُ ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: عَلى أنَّهُ فاعِلُ رَدِفَ، والمُرادُ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ، أيْ: عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ قَرُبَ ودَنا وأزِفَ بَعْضُ ذَلِكَ، قِيلَ: هو عَذابُهم بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، وقِيلَ: هو عَذابُ القَبْرِ.
ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - فَضْلَهُ في تَأْخِيرِ العَذابِ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ في تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، والأوْلى أنْ تُحْمَلَ الآيَةُ عَلى العُمُومِ ويَكُونُ تَأْخِيرُ العُقُوبَةِ مِن جُمْلَةِ أفْضالِهِ - سُبْحانَهُ - وإنْعامِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ وإنْعامَهُ ولا يَعْرِفُونَ حَقَّ إحْسانِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ، فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ: ما تُخْفِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكِنُّ بِضَمِّ التّاءِ مِن أكَنَّ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ وحُمَيْدٌ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ، يُقالُ: كَنَنْتُهُ بِمَعْنى سَتَرْتُهُ وخَفَيْتُ أثَرَهُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ وما يُظْهِرُونَ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ما مِن شَيْءٍ غائِبٍ وأمْرٍ يَغِيبُ عَنِ الخَلْقِ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا هو مُبَيَّنٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، و( غائِبَةٍ ) هي مِنَ الصِّفاتِ، والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
قالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هُنا هي القِيامَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عِلْمُ ما يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ هو مُبَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وإنْ غابَ عَنِ الخَلْقِ.
وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: الغائِبَةُ هُنا جَمِيعُ ما أخْفى اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ، وغَيْبُهُ عَنْهم مُبَيَّنٌ في أُمِّ الكِتابِ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ فَإنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِوَقْتٍ، ومُؤَجَّلٌ بِأجَلٍ عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُونَهُ قَبْلَ أجْلِهِ المَضْرُوبِ لَهُ ؟
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا فِرَقًا وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، يَطْعَنُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَلَوْ أُخِذُوا بِهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ما يَرْفَعُ اخْتِلافَهم ويَدْفَعُ تَفَرُّقَهم.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ وتابَعَ رَسُولَهُ، (p-١٠٨٨)وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، ومِن جَمْلَتِهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ أيْ: يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَحْكُمُ بِهِ مِنَ الحَقِّ فَيُجازِي المُحِقَّ ويُعاقِبُ المُبْطِلَ، وقِيلَ: يَقْضِي بَيْنَهم في الدُّنْيا فَيُظْهِرُ ما حَرَّفُوهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " بِحُكْمِهِ " بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ.
وقَرَأ جَناحٌ بِكَسْرِها وفَتَحِ الكافِ جَمْعُ حِكْمَةٍ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالَبُ، والعَلِيمُ بِما يَحْكُمُ بِهِ، أوِ الكَثِيرُ العِلْمِ.
ثُمَّ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالتَّوَكُّلِ وقِلَّةِ المُبالاةِ، فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والمَعْنى: فَوِّضْ إلَيْهِ أمْرَكَ واعْتَمَدْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ ناصِرُكَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّتَيْنِ: الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ أيِ: الظّاهِرُ، وقِيلَ: المَظْهِرُ.
والعِلَّةُ الثّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ حالَهم كَحالِ المَوْتى في انْتِفاءِ الجَدْوى بِالسَّماعِ أوْ كَحالِ الصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ولا يَفْهَمُونَ ولا يَهْتَدُونَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا قَوِيًّا في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، شَبَّهَ الكُفّارَ بِالمَوْتى الَّذِينَ لا حِسَّ لَهم ولا عَقْلَ، وبِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ المَواعِظَ ولا يُجِيبُونَ الدُّعاءَ إلى اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً لِتَكْمِيلِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ فَقالَ: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ أيْ: إذا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ إعْراضًا تامًّا، فَإنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ إذا كانَ مُقْبِلًا فَكَيْفَ إذا كانَ مُعْرِضًا عَنْهُ مُوَلِّيًا مُدْبِرًا.
وظاهِرُ نَفْيِ إسْماعِ المَوْتى العُمُومُ، فَلا يُخَصُّ مِنهُ إلّا ما ورَدَ بِدَلِيلٍ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - خاطَبَ القَتْلى في قُلَيْبِ بَدْرٍ، فَقِيلَ: «لَهُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما تُكَلِّمُ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها،» وكَذَلِكَ ما ورَدَ مِن أنَّ المَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِ المُشَيِّعِينَ لَهُ إذا انْصَرَفُوا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ " لا يَسْمَعُ " بِالتَّحْتِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ وفَتْحُ المِيمِ، وفاعِلُهُ " الصُّمُّ " .
وقَرَأ الباقُونَ تُسْمِعُ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ مِن ( أسْمَعَ ) .
قالَ قَتادَةُ: ( الأصَمُّ ) إذا ولّى مُدْبِرًا ثُمَّ نادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذَلِكَ الكافِرُ لا يَسْمَعُ ما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ.
ثُمَّ ضَرَبَ العَمى مَثَلًا لَهم فَقالَ: ﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ: ما أنْتَ بِمُرْشِدِ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الحَقِّ إرْشادًا يُوصِّلُهُ إلى المَطْلُوبِ مِنهُ وهو الإيمانُ، ولَيْسَ في وُسْعِكَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] قَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ هادِي إلى العُمْيِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيّانَ " بِهادٍ العُمْيَ " بِتَنْوِينِ هادٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ " تَهْدِي " فِعْلًا مُضارِعًا، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ " وما أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ " .
﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ لا مَن يَكْفُرُ، والمُرادُ بِمَن يُؤْمِنُ بِالآياتِ مَن يُصَدِّقُ القُرْآنَ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإيمانِ أيْ: فَهم مُنْقادُونَ مُخْلِصُونَ.
ثُمَّ هَدَّدَ العِبادَ بِذِكْرِ طَرَفٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وأهْوالِها، فَقالَ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ .
واخْتُلِفَ في مَعْنى وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ قَتادَةُ: وجَبَ الغَضَبُ عَلَيْهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: حَقَّ العَذابُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: وجَبَ السُّخْطُ، والمَعانِي مُتَقارِبَةٌ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالقَوْلِ ما نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِن مَجِيءِ السّاعَةِ وما فِيها مِن فُنُونِ الأهْوالِ الَّتِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَها، وقِيلَ: وقَعَ القَوْلُ بِمَوْتِ العُلَماءِ وذَهابِ العِلْمِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
والحاصِلُ أنَّ المُرادَ بِـ " وقَعَ " وجَبَ، والمُرادُ بِالقَوْلِ مَضْمُونُهُ، أوْ أُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِ أيِ: المَقُولُ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم﴾ .
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الدّابَّةِ عَلى أقْوالٍ، فَقِيلَ: إنَّها فَصِيلُ ناقَةِ صالِحٍ يَخْرُجُ عِنْدَ اقْتِرابِ القِيامَةِ ويَكُونُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ ذاتُ شَعْرٍ وقَوائِمَ طِوالٍ يُقالُ: لَها الجَسّاسَةُ.
وقِيلَ: هي دابَّةٌ عَلى خِلْقَةِ بَنِي آدَمَ، وهي في السَّحابِ، وقَوائِمُها في الأرْضِ.
وقِيلَ: رَأسُها رَأْسُ ثَوْرٍ، وعَيْنُها عَيْنُ خِنْزِيرٍ، وأُذُنُها أُذُنُ فِيلٍ، وقَرْنُها قَرْنُ إيَّلٍ، وعُنُقُها عُنُقُ نَعامَةٍ، وصَدْرُها صَدْرُ أسَدٍ، ولَوْنُها لَوْنُ نَمِرٍ، وخاصِرَتُها خاصِرَةُ هِرٍّ، وذَنَبُها ذَنَبُ كَبْشٍ، وقَوائِمُها قَوائِمُ بَعِيرٍ، بَيْنَ كُلِّ مِفْصَلٍ ومِفْصَلٍ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.
وقِيلَ: هي الثُّعْبانُ المُشْرِفُ عَلى جِدارِ الكَعْبَةِ الَّتِي اقْتَلَعَها العُقابُ حِينَ أرادَتْ قُرَيْشٌ بِناءَ الكَعْبَةِ، والمُرادُ أنَّها هي الَّتِي تَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، وقِيلَ: هي دابَّةٌ ما لَها ذَنَبٌ ولَها لِحْيَةٌ، وقِيلَ: هي إنْسانٌ ناطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يُناظِرُ أهْلَ البِدَعِ ويُراجِعُ الكُفّارَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ، وقَدْ رَجَّحَ القَوْلَ الأوَّلَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
واخْتُلِفَ مِن أيِّ مَوْضِعٍ تَخْرُجُ ؟ فَقِيلَ: مِن جَبَلِ الصَّفا بِمَكَّةَ، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن جَبَلِ أبِي قُبَيْسٍ.
وقِيلَ: لَها ثَلاثُ خَرْجاتٍ: خَرْجَةٌ في بَعْضِ البَوادِي حَتّى يَتَقاتَلَ عَلَيْها النّاسُ، وتُكْثُرَ الدِّماءُ ثُمَّ تَكْمُنُ، وتَخْرُجُ في القُرى، ثُمَّ تَخْرُجُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ وأكْرَمِها وأشْرَفِها، وقِيلَ: تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الرُّكْنِ والمَقامِ، وقِيلَ: تَخْرُجُ في تِهامَةَ، وقِيلَ: مِن مَسْجِدِ الكُوفَةِ مِن حَيْثُ فارَ التَّنُّورُ، وقِيلَ: مِن أرْضِ الطّائِفِ، وقِيلَ: مِن صَخْرَةٍ مِن شِعْبِ أجْيادَ، وقِيلَ: مِن صَدْعٍ في الكَعْبَةِ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ " تُكَلِّمُهم " فَقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِبُطْلانِ الأدْيانِ سِوى دِينِ الإسْلامِ، وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِما يَسُوءُهم وقِيلَ: تُكَلِّمُهم بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ: بِخُرُوجِها لِأنَّ خُرُوجَها مِنَ الآياتِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ تُكَلِّمُهم مِنَ التَّكْلِيمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ " تَنَبِّئُهم " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو زُرْعَةَ وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: ( تَكْلَمُهم ) بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ مِنَ الكَلْمِ، وهو الجَرْحُ.
قالَ عِكْرِمَةُ أيْ: تَسِمُهم وسْمًا، وقِيلَ: تَجْرَحُهم، وقِيلَ: إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الكَلْمِ، بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ وهو الجَرْحُ، والتَّشْدِيدُ لِلتَّكْثِيرِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ: " إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ " بِكَسْرِ إنَّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ " أنَّ " قالَ الأخْفَشُ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ ( بِأنَّ النّاسَ ) وكَذا قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( بِأنَّ النّاسَ ) بِالباءِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَوْضِعُها نَصْبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْها، أيْ: تُخْبِرُهم أنَّ النّاسَ، وعَلى هَذِهِ (p-١٠٨٩)القِراءَةِ فالَّذِي تَكَلَّمَ النّاسُ بِهِ هو قَوْلُهُ: ﴿أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى ذَلِكَ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَدَّمْنا، ولا تَكُونُ مِن كَلامِ الدّابَّةِ.
وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وجَزَمَ بِهِ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ كَسْرَ " إنَّ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: تَقُولُ لَهم إنَّ النّاسَ إلَخْ، فَيَرْجِعُ مَعْنى القِراءَةِ الأُولى عَلى هَذا إلى مَعْنى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، والمُرادُ بِالنّاسِ في الآيَةِ: هُمُ النّاسُ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مُكَلَّفٍ، وقِيلَ: المُرادُ الكُفّارُ خاصَّةً، وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ قالَ: اقْتَرَبَ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ قالَ: يَعْلَمُ ما عَمِلُوا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا ﴿وما مِن غائِبَةٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا ولا عَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ ولَمْ يَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ فَسَّرَ ﴿وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ بِما أُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ قالَ: تُحَدِّثُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ كَلامُها تُنْبِئُهُمُ أنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي داوُدَ نُفَيْعٍ الأعْمى قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: تُكَلِّمُهم يَعْنِي هَلْ هو مِنَ التَّكْلِيمِ بِاللِّسانِ أوْ مِنَ الكَلْمِ وهو الجُرْحُ ؟ فَقالَ: كُلُّ ذَلِكَ واللَّهِ تَفْعَلُ تُكَلِّمُ المُؤْمِنَ وتَكْلِمُ الكافِرَ أيْ: تَجْرَحُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - «لَيْسَ ذَلِكَ حَدِيثًا ولا كَلامًا، ولَكِنَّها سِمَةٌ تَسِمُ مَن أمَرَها اللَّهُ بِهِ، فَيَكُونُ خُرُوجُها مِنَ الصَّفا لَيْلَةَ مِنًى، فَيُصْبِحُونَ بَيْنَ رَأْسِها وذَنَبِها لا يُدْحَضُ داحِضٌ ولا يُجْرَحُ جارِحٌ، حَتّى إذا فَرَغَتْ مِمّا أمَرَها اللَّهُ بِهِ فَهَلَكَ مَن هَلَكَ ونَجا مَن نَجا، كانَ أوَّلُ خُطْوَةٍ تَضَعُها بِأنْطاكِيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدّابَّةُ ذاتُ وبَرٍ ورِيشٍ مُؤَلِّفَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، لَها أرْبَعُ قَوائِمَ تَخْرُجُ بِعَقِبٍ مِنَ الحاجِّ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «تَخْرُجُ الدّابَّةُ فَتَسِمُ عَلى خَراطِيمِهِمْ، ثُمَّ يَعْمُرُونَ فِيكم حَتّى يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الدّابَّةَ، فَيُقالُ لَهُ: مِمَّنِ اشْتَرَيْتَها ؟ فَيَقُولُ: مِنَ الرَّجُلِ المُخَطَّمِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إنَّ لِلدّابَّةِ ثَلاثَةَ خَرَجاتٍ، وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ رَفَعَهُ قالَ " تَخْرُجُ الدّابَّةُ مِن أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً " .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَخْرُجُ مِن بَعْضِ أوْدِيَةِ تِهامَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «تَخْرُجُ دابَّةُ الأرْضِ ومَعَها عَصا مُوسى وخاتَمُ سُلَيْمانَ، فَتَجْلُو وجْهَ المُؤْمِنِ بِالخاتَمِ، وتَخْطِمُ أنْفَ الكافِرِ بِالعَصا، حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الخِوانِ يُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ الغِفارِيِّ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - الدّابَّةَ فَقالَ: لَها ثَلاثُ خَرَجاتٍ مِنَ الدَّهْرِ» وذَكَرَ نَحْوَ ما قَدَّمْنا في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وفِي صِفَتِها ومَكانِ خُرُوجِها وما تَصْنَعُهُ ومَتى تَخْرُجُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بَعْضُها صَحِيحٌ، وبَعْضُها حَسَنٌ، وبَعْضُها ضَعِيفٌ.
وأمّا كَوْنُها تَخْرُجُ، وكَوْنُها مِن عَلاماتِ السّاعَةِ فالأحادِيثُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ صَحِيحَةٌ.
ومِنها ما هو ثابِتٌ في الصَّحِيحِ كَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَرَوْا عَشْرَ آياتٍ» وذَكَرَ مِنها الدّابَّةَ فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وفي السُّنَنِ الأرْبَعَةِ وكَحَدِيثِ «بادِرُوا بِالأعْمالِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالِ، والدّابَّةِ» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إنَّ أوَّلَ الآياتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وخُرُوجُ الدّابَّةِ عَلى النّاسِ ضُحًى» فَإنَّهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا.