Fath Al-Qadir Al-Shawkani — القصص 28:14 – القصص 28:35
المحتويات
القصص 28:14
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:15
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:16
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:17
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:18
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:19
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:20
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:21
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:22
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:23
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:24
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قُدِّمَ الكَلامُ في بُلُوغِ الأشُدِّ في الأنْعامِ، وقَدْ قالَ رَبِيعَةُ ومالِكٌ: هو الحُلُمُ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآيَةَ، وأقْصاهُ أرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً كَما قالَ مُجاهِدٌ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقِيلَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ هو بُلُوغُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: الِاسْتِواءُ إشارَةٌ إلى كَمالِ الخِلْقَةِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ العَطْفَ يُشْعِرُ بِالمُغايَرَةِ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ الحُكْمُ الحِكْمَةُ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الفِقْهُ في الدِّينِ.
والعِلْمُ الفَهْمُ قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ مُجاهِدٌ الفِقْهُ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: العِلْمُ بِدِينِهِ ودِينِ آبائِهِ، وقِيلَ: كانَ هَذا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى ذَلِكَ في البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْنا أُمَّ مُوسى لَمّا اسْتَسْلَمَتْ لِأمْرِ اللَّهِ وألْقَتْ ولَدَها في البَحْرِ وصَدَّقَتْ بِوَعْدِ اللَّهِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ عَلى إحْسانِهِمْ، والمُرادُ العُمُومُ.
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: ودَخَلَ مُوسى مَدِينَةَ مِصْرَ الكُبْرى، وقِيلَ: مَدِينَةً غَيْرَها مِن مَدائِنِ مِصْرَ، ومَحَلُّ قَوْلِهِ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ: إمّا مِنَ الفاعِلِ أيْ: مُسْتَخْفِيًا، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ.
قِيلَ: لَمّا عَرَفَ مُوسى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ في دِينِهِ عابَ ما عَلَيْهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ وفَشا ذَلِكَ مِنهُ، فَأخافُوهُ فَخافَهم، فَكانِ لا يَدْخُلُ المَدِينَةَ إلّا مُسْتَخْفِيًا.
قِيلَ: كانَ دُخُولُهُ بَيْنَ العِشاءِ والعَتَمَةِ، وقِيلَ: وقْتَ القائِلَةِ.
قالَ الضَّحّاكُ: طَلَبَ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ وقْتَ غَفْلَةِ أهْلِها فَدَخَلَ عَلى حِينِ عِلْمٍ مِنهم، فَكانَ مِنهُ ما حَكى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِنَ المُعادِينَ لَهُ عَلى دِينِهِ وهم قَوْمُ فِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَنْصُرَهُ ويُعِينَهُ عَلى خَصْمِهِ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ فَأغاثَهُ لِأنَّ نَصْرَ المَظْلُومِ واجِبٌ في جَمِيعِ المِلَلِ.
قِيلَ: أرادَ القِبْطِيُّ أنْ يُسَخِّرَ الإسْرائِيلِيَّ لِيَحْمِلَ حَطَبًا لِمَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى عَلَيْهِ واسْتَغاثَ بِمُوسى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ (p-١٠٩٦)الوَكْزُ الضَّرْبُ بِجُمْعِ الكَفِّ، وهَكَذا اللَّكْزُ واللَّهْزُ. وقِيلَ: اللَّكْزُ عَلى اللِّحى، والوَكْزُ عَلى القَلْبِ. وقِيلَ: ضَرَبَهُ بِعَصاهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَلَكَزَهُ " وحَكى الثَّعْلَبِيُّ أنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: نَكَزَهُ بِالنُّونِ: ضَرَبَهُ ودَفَعَهُ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: اللَّكْزُ الضَّرْبُ عَلى الصَّدْرِ.
وقالَ أبُو زَيْدٍ: في جَمِيعِ الجَسَدِ: يَعْنِي أنَّهُ يُقالُ: لَهُ لَكْزٌ. واللَّهْزُ الضَّرْبُ بِجَمِيعِ اليَدَيْنِ في الصَّدْرِ، ومِثْلُهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ: قَتَلَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ أتَيْتَ عَلَيْهِ وفَرَغْتَ مِنهُ: فَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ عَضَّهُ فَقَضى عَلَيْهِ الأشْجَعُ
قِيلَ: لَمْ يَقْصِدْ مُوسى قَتْلَ القِبْطِيِّ، وإنَّما قَصَدَ دَفْعَهُ فَأتى ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، ولِهَذا قالَ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ وإنَّما قالَ بِهَذا القَوْلِ مَعَ أنَّ المَقْتُولَ كافِرٌ حَقِيقٌ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: إنْ تِلْكَ الحالَةَ حالَةُ كَفٍّ عَنِ القِتالِ لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عِنْدَهم، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَغْتالَهم.
ثُمَّ وصَفَ الشَّيْطانَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: عَدُوٌّ لِلْإنْسانِ يَسْعى في إضْلالِهِ، ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ هَذا إلى عَمَلِ المَقْتُولِ لِكَوْنِهِ كافِرًا مُخالِفًا لِما يُرِيدُهُ اللَّهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى المَقْتُولِ نَفْسِهِ: يَعْنِي أنَّهُ مِن جُنْدِ الشَّيْطانِ وحِزْبِهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما وقَعَ مِنهُ.
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ﴾ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ووَجْهُ اسْتِغْفارِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ أنْ يَقْتُلَ حَتّى يُؤْمَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِن تَرْكِهِ لِلْأوْلى كَما هو سُنَّةُ المُرْسَلِينَ، أوْ أرادَ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ، ومَعْنى ﴿فاغْفِرْ لِي﴾: فاسْتُرْ ذَلِكَ عَلَيَّ لا تُطْلِعْ عَلَيْهِ فِرْعَوْنَ، وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما زالَ نادِمًا عَلى ذَلِكَ خائِفًا مِنَ العُقُوبَةِ بِسَبَبِهِ: حَتّى إنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ طَلَبِ النّاسِ الشَّفاعَةَ مِنهُ يَقُولُ: إنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤْمَرْ بِقَتْلِها، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ الصَّحِيحِ.
وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّكْلِيفِ وإنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ مُحافِظَةٌ عَلى ما تَقَرَّرَ مِن عِصْمَةِ الأنْبِياءِ ولا شَكَّ أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ، والقَتْلُ الواقِعُ مِنهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ عَمْدٍ فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، لِأنَّ الوَكْزَةَ في الغالِبِ لا تَقْتُلُ.
ثُمَّ لَمّا أجابَ اللَّهُ سُؤالَهُ وغَفَرَ لَهُ ما طَلَبَ مِنهُ مَغْفِرَتَهُ.
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هَذِهِ الباءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ باءَ القَسَمِ والجَوابُ مُقَدَّرٌ أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِلْجَوابِ وكَأنَّهُ أقْسَمَ بِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ أنْ لا يُظاهِرَ مُجْرِمًا.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الباءُ هي باءُ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ: اعْصِمْنِي بِسَبَبِ ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا﴾ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، ويَكُونُ في ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لِلَّهِ - تَعالى - وتَوَصُّلٌ إلى إنْعامِهِ بِإنْعامِهِ، وما في قَوْلِهِ ﴿بِما أنْعَمْتَ﴾ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُرادُ بِما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ: هو ما آتاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ أوْ بِالمَغْفِرَةِ أوْ بِالجَمِيعِ، وأرادَ بِمُظاهَرَةِ المُجْرِمِينَ: إمّا صُحْبَةُ فِرْعَوْنَ والِانْتِظامُ في جُمْلَتِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ مُظاهَرَتُهُ عَلى ما فِيهِ إثْمٌ.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: لَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ خَبَرًا بَلْ هو دُعاءٌ أيْ: فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لَهم.
قالَ الكِسائِيُّ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ " فَلا تَجْعَلُنِي يا رَبِّ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى اللَّهُمَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّ جَعْلَهُ مِن بابِ الخَبَرِ أوْفى وأشْبَهُ بِنَسَقِ الكَلامِ.
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ أيْ: دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ في المَدِينَةِ الَّتِي قَتَلَ فِيها القِبْطِيَّ، وخائِفًا خَبَرُ أصْبَحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، والخَبَرُ في المَدِينَةِ، ويَتَرَقَّبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا، وأنْ يَكُونَ حالًا ثانِيَةً، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن خائِفًا، ومَفْعُولُ يَتَرَقَّبُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: يَتَرَقَّبُ المَكْرُوهَ أوْ يَتَرَقَّبُ الفَرَحَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ إذا هي الفُجائِيَّةُ والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَسْتَصْرِخُهُ أيْ: فَإذا صاحِبُهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَغاثَهُ بِالأمْسِ يُقاتِلُ قِبْطِيًّا آخَرَ أرادَ أنْ يُسَخِّرَهُ ويَظْلِمَهُ كَما أرادَ القِبْطِيُّ الَّذِي قَدْ قَتَلَهُ مُوسى بِالأمْسِ، والِاسْتِصْراخُ الِاسْتِغاثَةُ، وهو مِنَ الصُّراخِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْتَغِيثَ يُصَوِّتُ ويَصْرُخُ في طَلَبِ الغَوْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ كانَ الجَوابُ لَهُ قَرْعُ الظَّنابِيبِ
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ، وذَلِكَ أنَّكَ تُقاتِلُ مَن لا تَقْدِرُ عَلى مُقاتَلَتِهِ ولا تُطِيقُهُ، وقِيلَ: إنَّما قالَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِالأمْسِ لِقَتْلِ رَجُلٍ، يُرِيدُ اليَوْمَ أنْ يَتَسَبَّبَ لِقَتْلِ آخَرَ.
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى يَبْطِشُ واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيهِ ﴿قالَ يامُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ القائِلُ هو الإسْرائِيلِيُّ لَمّا سَمِعَ مُوسى يَقُولُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ورَآهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ ظَنَّ أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ، فَقالَ لِمُوسى ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ فَلَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ ذَلِكَ أفْشاهُ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ أحَدٌ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ حَتّى أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ، هَكَذا قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وقِيلَ: إنَّ القائِلَ ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ هو القِبْطِيُّ، وكانَ قَدْ بَلَغَهُ الخَبَرُ مِن جِهَةِ الإسْرائِيلِيِّ، وهَذا هو الظّاهِرُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ القِبْطِيِّ قَبْلَ هَذا بِلا فَصْلٍ لِأنَّهُ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَدُوٌّ لَهُما، ولا مُوجِبَ لِمُخالَفَةِ الظّاهِرِ حَتّى يَلْزَمَ عَنْهُ أنَّ المُؤْمِنَبِمُوسى المُسْتَغِيثَ بِهِ المَرَّةَ الأُولى، والمَرَّةَ الأُخْرى هو الَّذِي أفْشى عَلَيْهِ، وأيْضًا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ لا يَلِيقُ صُدُورُ مِثْلِهِ إلّا مِن كافِرٍ، وإنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ هي النّافِيَةُ أيْ: ما تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الجَبّارُ في اللُّغَةِ (p-١٠٩٧)الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، والقاتِلُ بِغَيْرِ حَقٍّ جَبّارٌ.
وقِيلَ: الجَبّارُ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ ولا يَدْفَعُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُصْلِحُونَ بَيْنَ النّاسِ.
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذا الرَّجُلِ حِزْقِيلُ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وكانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وقِيلَ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وقِيلَ: طالُوتُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
والمُرادُ بِأقْصى المَدِينَةِ: آخِرُها وأبْعَدُها، ويَسْعى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةٍ لِرَجُلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، لِأنَّ لَفْظَ رَجُلٍ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾، ﴿قالَ يامُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ ويَتَآمَرُونَ بِسَبَبِكَ.
قالَ الزَّجّاجُ: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَتَشاوَرُونَ فِيكَ لِيَقْتُلُوكَ: يَعْنِي أشارِفَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ائْتَمَرَ القَوْمُ وتَآمَرُوا أيْ: أمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎أرى النّاسَ قَدْ أحْدَثُوا شِيمَةً ∗∗∗ وفي كُلِّ حادِثَةٍ يُؤْتَمَرُ
﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ في الأمْرِ بِالخُرُوجِ، واللّامِ لِلْبَيانِ لِأنَّ مَعْمُولَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ فَخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ حالَ كَوْنِهِ خائِفًا مِنَ الظّالِمِينَ مُتَرَقِّبًا لُحُوقَهم بِهِ وإدْراكَهم لَهُ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ بِأنْ يُنْجِيَهُ مِمّا خافَهُ قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: خَلِّصْنِي مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ وادْفَعْهم عَنِّي، وحُلْ بَيْنِي وبَيْنَهم.
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ قاصِدًا لَها.
قالَ الزَّجّاجُ أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّذِي تِلْقاءَ مَدْيَنَ فِيها انْتَهى، يُقالُ: دارُهُ تِلْقاءَ دارِ فُلانٍ، وأصْلُهُ مِنَ اللِّقاءِ، ولَمْ تَكُنْ هَذِهِ القَرْيَةُ داخِلَةً تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، ولِهَذا خَرَجَ إلَيْها ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: يُرْشِدَنِي نَحْوَ الطَّرِيقِ المُسْتَوِيَةِ إلى مَدْيَنَ.
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ، وهو الماءُ الَّذِي يَسْتَقُونَ مِنهُ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: وجَدَ عَلى الماءِ جَماعَةً كَثِيرَةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ مَواشِيَهم، ولَفْظُ الوُرُودِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الدُّخُولِ في المَوْرِدِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى البُلُوغِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وهو المُرادُ هُنا، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎فَلَمّا ورَدْنا الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ
وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى الوُرُودِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] وقِيلَ: مَدْيَنُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وهي غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: مِن دُونِ النّاسِ الَّذِينَ يَسْقُونَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَ مِنها، وقِيلَ: مَعْناهُ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهُمُ ﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَحْبِسانِ أغْنامَهُما مِنَ الماءِ حَتّى يَفْرَغَ النّاسُ ويَخْلُوَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الماءِ، ومَعْنى الذَّوْدِ الدَّفْعُ والحَبْسُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أبِيتُ عَلى بابِ القَوافِي كَأنَّما ∗∗∗ أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
أيْ: أحْبِسُ وأمْنَعُ، ووَرَدَ الذَّوْدُ بِمَعْنى الطَّرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَقَدْ سَلَبَتْ عَصاكَ بَنُو تَمِيمٍ ∗∗∗ فَما تَدْرِي بِأيِّ عَصًى تَذُودُ
أيْ: تَطْرُدُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ: قالَ مُوسى لِلْمَرْأتَيْنِ: ما شَأْنُكُما لا تَسْقِيانِ غَنَمَكُما مَعَ النّاسِ ؟ والخَطْبُ الشَّأْنُ، قِيلَ: وإنَّما يُقالُ: ما خَطْبُكَ لِمُصابٍ، أوْ مُضْطَهَدٍ، أوْ لِمَن يَأْتِي بِمُنْكَرٍ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ: إنَّ عادَتَنا التَّأنِّي حَتّى يَصْدُرَ النّاسُ عَنِ الماءِ ويَنْصَرِفُوا مِنهُ حَذَرًا مِن مُخالَطَتِهِمْ، أوْ عَجْزًا عَنِ السَّقْيِ مَعَهم.
قَرَأ الجُمْهُورُ " يُصْدِرُ " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، مُضارِعُ أصْدَرَ المُتَعَدِّي بِالهَمْزَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ مِن صَدَرَ يَصْدُرُ لازِمًا، فالمَفْعُولُ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَحْذُوفٌ أيْ: يُرْجِعُونَ مَواشِيَهم، والرِّعاءُ جَمْعُ راعٍ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرِّعاءُ " بِكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِها.
قالَ أبُو الفَضْلِ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامُ الصِّفَةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ.
وقُرِئَ " الرُّعاءُ " بِالضَّمِّ اسْمُ جَمْعٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " نُسْقِي " بِضَمِّ النُّونِ مِن أسْقى.
﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ عالِي السِّنِّ، وهَذا مِن تَمامِ كَلامِهِما: أيْ: لا يَقْدِرُ أنْ يَسْقِيَ ماشِيَتَهُ مِنَ الكِبَرِ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا ونَحْنُ امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ أنْ نَسْقِيَ الغَنَمَ لِعَدَمِ وُجُودِ رَجُلٍ يَقُومُ لَنا بِذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ مُوسى كَلامَهُما، سَقى لَهُما رَحْمَةً لَهُما أيْ: سَقى أغْنامَهُما لِأجْلِهِما ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِنَ السَّقْيِ لَهُما ﴿تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ أيِ: انْصَرَفَ إلَيْهِ، فَجَلَسَ فِيهِ، قِيلَ: كانَ هَذا الظِّلُّ ظِلَّ سَمُرَةٍ هُناكَ.
ثُمَّ قالَ لَمّا أصابَهُ مِنَ الجُهْدِ والتَّعَبِ مُنادِيًا لِرَبِّهِ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ. ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ: مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ، قِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الطَّعامَ، واللّامُ في ﴿لِما أنْزَلْتَ﴾ مَعْناها إلى.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: هو فَقِيرٌ لَهُ وإلَيْهِ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ والمَحامِلِيُّ في أمالِيهِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قالَ: ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً ﴿واسْتَوى﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُعَمَّرِينَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: الأشُدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ، والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ، فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ قالَ: نِصْفُ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْهُ أيْضًا في الآيَةِ قالَ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ قالَ: إسْرائِيلِيٌّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ قالَ: قِبْطِيٌّ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ الإسْرائِيلِيُّ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ القِبْطِيِّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ قالَ: فَماتَ، قالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ (p-١٠٩٨)أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قالَ: هو صاحِبُ مُوسى الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ هو الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ جَبّارًا حَتّى يَقْتُلَ نَفْسَيْنِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى خائِفًا يَتَرَقَّبُ جائِعًا لَيْسَ مَعَهُ زادٌ حَتّى انْتَهى إلى ماءِ مَدْيَنَ، و﴿عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ وامْرَأتانِ جالِسَتانِ بِشِياهِهِما فَسَألَهُما ﴿ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ ؟ قالَتا لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ، قالَ: فانْطَلِقَتا فَأرِيانِيها، فانْطَلَقَتا مَعَهُ، فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها، ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سَجْلًا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ، ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فَسَمِعَتا، قالَ: فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما، فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ، فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ فَأتَتْ، فَقالَتْ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها امْشِي خَلْفِي، فَإنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي أنْ أرى مِنكِ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [ القَصَصِ: ٢٥: ٢٦ ] .
قالَ لَها أبُوها: ما رَأيْتِ مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ ؟ فَأخْبَرَتْهُ بِالأمْرِ الَّذِي كانَ، قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَإنَّهُ قَلَبَ الحَجَرَ وحْدَهُ، وكانَ لا يَقْلِبُهُ إلّا النَّفَرُ.
وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ امْشِي خَلْفِي وأرْشِدِينِي الطَّرِيقَ؛ لِأنِّي امْرُؤٌ مِن عُنْصُرِ إبْراهِيمَ لا يَحِلُّ لِي مِنكِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.
قِيلَ: لِابْنِ عَبّاسٍ أيُّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنْ مُوسى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ، ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ، قالَ: ما خَطْبُكُما ؟ فَحَدَّثَتاهُ، فَأتى الحَجَرَ، فَرَفَعَهُ وحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقى فَلَمْ يَسْتَقِ إلّا ذَنُوبًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ، فَرَجَعَتِ المَرْأتانِ إلى أبِيهِما فَحَدَّثَتاهُ، وتَوَلّى مُوسى إلى الظِّلِّ فَقالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
قالَ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها لَيْسَتْ بِسَلْفَعٍ مِنَ النِّساءِ خَرّاجَةً ولّاجَةً ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فَقامَ مَعَها مُوسى، فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَلَمّا انْتَهى إلى أبِيها قَصَّ عَلَيْهِ، فَقالَتْ إحْداهُما: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ، قالَ: يا بُنَيَّةُ ما عِلْمُكِ بِأمانَتِهِ وقُوَّتِهِ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الحَجَرَ ولا يُطِيقُهُ إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ، وأمّا أمانَتُهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفُ لِي جَسَدَكِ، فَزادَهُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِيهِ.
فَقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] أيْ: في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ بِما قُلْتُ قالَ: مُوسى ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] قالَ: نَعَمْ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] فَزَوَّجَهُ وأقامَ مَعَهُ يَكْفِيهِ ويَعْمَلُ في رِعايَةِ غَنَمِهِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ وزَوَّجَهُ صُفُورا وأُخْتُها شَرْفا، وهُما اللَّتانِ كانَتا تَذُودانِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إخْراجِهِ لِطُرُقٍ مِن هَذا الحَدِيثِ: إنَّ إسْنادَهُ صَحِيحٌ.
والسَّلْفَعُ مِنَ النِّساءِ الجَرِيئَةُ السَّلِيطَةُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ قالَ: ورَدَ الماءَ حَيْثُ ورَدَ وإنَّهُ لَتَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ في بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ إلى مَدْيَنَ وبَيْنَهُ وبَيْنَها ثَمانِ لَيالٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ طَعامٌ إلّا ورَقَ الشَّجَرِ، وخَرَجَ حافِيًا، فَما وصَلَ إلَيْها حَتّى وقَعَ خُفُّ قَدَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ﴿تَذُودانِ﴾ تَحْبِسانِ غَنَمَهُما حَتّى يَنْزِعَ النّاسُ ويَخْلُوَ لَهُما البِئْرُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْهُ أيْضًا: قالَ: لَقَدْ قالَ مُوسى: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلَتْ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ، وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنُهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةِ الجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: ما سَألَ إلّا الطَّعامَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدَ الزُّهْدِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: سَألَ فِلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ.
القصص 28:25
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:26
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:27
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:28
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:29
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:30
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:31
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:32
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:33
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:34
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.
القصص 28:35
(p-١٠٩٩)قَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ فَذَهَبَتا إلى أبِيهِما سَرِيعَتَيْنِ، وكانَتْ عادَتُهُما الإبْطاءَ في السَّقْيِ، فَحَدَّثَتاهُ بِما كانَ مِنَ الرَّجُلُ الَّذِي سَقى لَهُما، فَأمَرَ الكُبْرى مِن بِنْتَيْهِ، وقِيلَ: الصُّغْرى أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ فَجاءَتْهُ.
وذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُما ابْنَتا شُعَيْبٍ، وقِيلَ: هُما ابْنَتا أخِي شُعَيْبٍ، وأنَّ شُعَيْبًا كانَ قَدْ ماتَ: والأوَّلُ أرْجَحُ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ.
ومَحَلُّ ﴿تَمْشِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْ، و﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ حالٌ أُخْرى أيْ: كائِنَةٌ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ فَقَطْ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَتْ لَهُ لَمّا جاءَتْهُ ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ: جَزاءَ سَقْيِكَ لَنا ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ القَصَصُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ أيِ: المَقْصُوصُ يَعْنِي أخْبَرَهُ بِجَمِيعِ ما اتَّفَقَ لَهُ مِن عِنْدِ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ إلى عِنْدِ وُصُولِهِ إلى ماءِ مَدْيَنَ قالَ شُعَيْبٌ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لا سُلْطانَ لَهُ عَلى مَدْيَنَ، ولِلرّازِي في هَذا مَوْضِعُ إشْكالاتٍ بارِدَةٍ جِدًّا لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُذْكَرَ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والجَوابُ عَلَيْها يَظْهَرُ لِلْمُقَصِّرِ فَضْلًا عَنِ الكامِلِ، وأشَفُّ ما جاءَ بِهِ أنْ مُوسى كَيْفَ أجابَ الدَّعْوَةَ المُعَلَّلَةَ بِالجَزاءِ لِما فَعَلَهُ مِنَ السَّقْيِ.
ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ اتَّبَعَ سُنَّةَ اللَّهِ في إجابَةِ دَعْوَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ، ولَمْ تَكُنْ تِلْكَ الإجابَةُ لِأجْلِ أخْذِ الأجْرِ عَلى هَذا العَمَلِ، ولِهَذا ورَدَ أنَّهُ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِ الطَّعامَ قالَ: إنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَبِيعُ دِينَنا بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا.
﴿قالَتْ إحْداهُما ياأبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ القائِلَةُ هي الَّتِي جاءَتْهُ أيِ: اسْتَأْجِرْهُ لِيَرْعى لَنا الغَنَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإجارَةَ كانَتْ عِنْدَهم مَشْرُوعَةً.
وقَدِ اتَّفَقَ عَلى جَوازِها ومَشْرُوعِيَّتِها جَمِيعُ عُلَماءِ الإسْلامِ إلّا الأصَمَّ فَإنَّهُ عَنْ سَماعِ أدِلَّتِها أصَمٌّ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وقَعَ مِنها مِنَ الإرْشادِ لِأبِيها إلى اسْتِئْجارِ مُوسى أيْ: إنَّهُ حَقِيقٌ بِاسْتِئْجارِكَ لَهُ لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ خَصْلَتَيِ القُوَّةِ والأمانَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُمَرَ أنَّ أباها سَألَها عَنْ وصْفِها لَهُ بِالقُوَّةِ والأمانَةِ فَأجابَتْهُ بِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ عَرْضِ ولِيِّ المَرْأةِ لَها عَلى الرَّجُلِ، وهَذِهِ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ في الإسْلامِ، كَما ثَبَتَ مِن عَرْضِ عُمَرَ لِابْنَتِهِ حَفْصَةَ عَلى أبِي بَكْرٍ وعُثْمانَ، والقِصَّةُ مَعْرُوفَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ في أيّامِ الصَّحابَةِ أيّامِ النُّبُوَّةِ، وكَذَلِكَ ما وقَعَ مِن عَرْضِ المَرْأةِ لِنَفْسِها عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -
﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ أيْ: عَلى أنْ تَكُونَ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: يَقُولُ عَلى أنْ تَجْعَلَ ثَوابِي أنْ تَرْعى غَنَمِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ومَحَلُّ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ، وهو مُضارِعُ أجَرْتُهُ، ومَفْعُولُهُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: نَفْسُكَ و﴿ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ ظَرْفٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ: أجَرْتُ دارِي ومَمْلُوكِي غَيْرَ مَمْدُودٍ ومَمْدُودًا والأوَّلُ أكْثَرٌ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: إنْ أتْمَمْتَ ما اسْتَأْجَرْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّعْيِ عَشْرَ سِنِينَ فَمِن عِنْدِكَ أيْ: تَفَضُّلًا مِنكَ لا إلْزامًا مِنِّي لَكَ، جَعَلَ ما زادَ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ إلى تَمامِ عَشَرَةِ أعْوامٍ مَوْكُولًا إلى المُرُوءَةِ، ومَحَلُّ ﴿فَمِن عِنْدِكَ﴾ الرَّفْعُ عَلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ أيْ: فَهي مِن عِنْدِكَ ﴿وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِإلْزامِكَ إتْمامَ العَشْرَةِ الأعْوامِ، واشْتِقاقُ المَشَقَّةُ مِنَ الشَّقِّ أيْ: شَقَّ ظَنَّهُ نِصْفَيْنِ، فَتارَةً يَقُولُ أطِيقُ، وتارَةً يَقُولُ لا أطِيقُ.
ثُمَّ رَغَّبَهُ في قَبُولِ الإجارَةِ فَقالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حُسْنِ الصُّحْبَةِ والوَفاءِ، وقِيلَ: أرادَ الصَّلاحَ عَلى العُمُومِ، فَيَدْخُلُ صَلاحُ المُعامَلَةِ في تِلْكَ الإجارَةِ تَحْتَ الآيَةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِالمَشِيئَةِ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ.
ثُمَّ لَمّا فَرَغَ شُعَيْبٌ مِن كَلامِهِ قَرَّرَ مُوسى فَقالَ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والإشارَةُ إلى ما تَعاقَدا عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ شَرْطِيَّةٌ جَوابُها ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ والمُرادُ بِالأجَلَيْنِ الثَّمانِيَةُ الأعْوامِ والعَشَرَةُ الأعْوامِ، ومَعْنى قَضَيْتُ وفَّيْتُ بِهِ وأتْمَمْتُهُ، والأجَلَيْنِ مَخْفُوضٌ بِإضافَةٍ أيَّ إلَيْهِ، وما زائِدَةٌ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: " ما " في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِإضافَةِ " أيَّ " إلَيْها، و" الأجَلَيْنِ " بَدْلٌ مِنها، وقَرَأ الحَسَنُ " أيْما " بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ " ومَعْنى ﴿فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ فَلا ظُلْمَ عَلَيَّ بِطَلَبِ الزِّيادَةِ عَلى ما قَضَيْتُهُ مِنَ الأجَلَيْنِ أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالنُّقْصانِ عَلى العَشَرَةِ.
وقِيلَ: المَعْنى أيْ: كَما لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى العَشَرَةِ الأعْوامِ لا أُطالِبُ بِالزِّيادَةِ عَلى الثَّمانِيَةِ الأعْوامِ، وهَذا أظْهَرُ.
وأصْلُ العُدْوانِ تَجاوُزُ الحَدِّ في غَيْرِ ما يَجِبُ.
قالَ المُبَرِّدُ: وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ لا عُدْوانَ عَلَيْهِ إذا أتَمَّهُما، ولَكِنَّهُ جَمَعَهُما لِيَجْعَلَ الأوَّلَ كالأتَمِّ في الوَفاءِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " عُدْوانَ " بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها.
﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ أيْ: عَلى ما نَقُولُ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ الجارِيَةِ بَيْنَنا شاهِدٌ وحَفِيظٌ، فَلا سَبِيلَ لِأحَدِنا إلى الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
قِيلَ: هو مِن قَوْلِ مُوسى، وقِيلَ: مِن قَوْلِ شُعَيْبٍ، والأوَّلُ أوْلى لِوُقُوعِهِ في جُمْلَةِ كَلامِ مُوسى.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ هو أكْمَلُهُما وأوْفاهُما، وهو العَشْرَةُ الأعْوامِ كَما سَيَأْتِي آخِرَ البَحْثِ، والفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ إلى مِصْرَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَذْهَبُ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تَلِي الطُّورَ نارًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ طه مُسْتَوْفًى ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ وهَذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ أيْضًا في سُورَةِ طه وفي سُورَةِ النَّمْلِ (p-١١٠٠)﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِضَمِّها، وقَرَأ عاصِمٌ، والسُّلَمِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ بِفَتْحِها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: الجَذْوَةُ والجُذْوَةُ والجِذْوَةُ الجَمْرَةُ، والجَمْعُ جَذًى وجُذًى وجِذًى.
قالَ مُجاهِدٌ: في الآيَةِ أنَّ الجَذْوَةَ قِطْعَةٌ مِنَ الجَمْرِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي القِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الخَشَبِ كَأنَّ في طَرَفِها نارًا ولَمْ يَكُنْ، وما يُؤَيِّدُ أنَّ الجَذْوَةَ الجَمْرَةُ قَوْلُ السُّلَمِيِّ:
؎وبُدِّلَتْ بَعْدَ المِسْكِ والبانِ شِقْوَةٌ دُخانُ الجَذا في رَأْسِ أشْمَطَ شاحِبِ
﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ أيْ: تَسْتَدْفِئُونَ بِالنّارِ.
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيْ: أتى النّارَ الَّتِي أبْصَرَها، وقِيلَ: أتى الشَّجَرَةَ، والأوَّلُ أوْلى لِعَدَمِ تَقَدُّمِ الذِّكْرِ لِلشَّجَرَةِ ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، والأيْمَنُ صِفَةٌ لِلشّاطِئِ، وهو مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، أوْ مِن جِهَةِ اليَمِينِ المُقابِلِ لِلْيَسارِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى أيِ: الَّذِي يَلِي يَمِينَهُ دُونَ يَسارِهِ، وشاطِئُ الوادِي طَرَفُهُ، وكَذا شَطُّهُ.
قالَ الرّاغِبُ: وجَمْعُ الشّاطِئِ أشْطاءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الشّاطِئِ، و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن شاطِئِ الوادِ، لِأنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ نابِتَةً عَلى الشّاطِئِ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: يَقُولُ شاطِئَ الأوْدِيَةِ ولا يُجْمَعُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " في البُقْعَةِ " بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ أبُو سَلَمَةَ، والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِفَتْحِها، وهي لُغَةٌ حَكاها أبُو زَيْدٍ ﴿أنْ يامُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ أنْ هي المُفَسِّرَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ النِّداءِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ " إنِّي " عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ عَلى تَضْمِينِ النِّداءِ مَعْناهُ.
وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْ يامُوسى﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا وما بَعْدَهُ في طه والنَّمْلِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا فاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ في سُرْعَةِ حَرَكَتِها مَعَ عِظْمِ جِسْمِها ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ أيْ: مُنْهَزِمًا، وانْتِصابُ مُدْبِرًا عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ أيْضًا عَلى الحالِ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ ﴿يامُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَمِيعِ ما ذُكِرَ هُنا مُسْتَوْفًى فَلا نُعِيدُهُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ جَناحُ الإنْسانِ عَضُدُهُ، ويُقالُ لِلْيَدِ كُلِّها جَناحٌ أيِ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ لِتَتَّقِيَ بِهِما الحَيَّةَ كالخائِفِ الفَزِعِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ: الأُولى اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ، والثّانِيَةُ: واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، والثّالِثَةُ: أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالضَّمِّ التَّجَلُّدُ والثَّباتُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا، ومَعْنى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ مِن أجْلِ الرَّهْبِ، وهو الخَوْفُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ " الرَّهَبِ " بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ، وقَرَأ حَفْصٌ، والسُّلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ إلّا حَفْصًا بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ.
وقالَ الفَرّاءُ: أرادَ بِالجَناحِ عَصاهُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: الرَّهَبُ الكُمُّ بِلُغَةِ حِمْيَرَ وبَنِي حَنِيفَةَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ لِآخَرَ: أعْطِنِي ما في رَهَبِكَ، فَسَألْتُهُ عَنِ الرَّهَبِ، فَقالَ: الكُمُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ: اضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ وأخْرِجْها مِنَ الكُمِّ ﴿فَذانِكَ﴾ إشارَةٌ إلى العَصا واليَدِ ﴿بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: حُجَّتانِ نَيِّرَتانِ ودَلِيلانِ واضِحانِ، قَرَأ الجُمْهُورُ " فَذانِكَ " بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِها، قِيلَ: والتَّشْدِيدُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ وشِبْلٌ وأبُو نَوْفَلٍ بِباءٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ نُونٍ مَكْسُورَةٍ، والياءُ بَدَلٌ مِن إحْدى النُّونَيْنِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: كائِنانِ مِنهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ: مُرْسَلانِ، أوْ واصِلانِ إلَيْهِمْ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ في الظُّلْمِ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ أبْلَغَ خُرُوجٍ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ قالَ: جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها.
وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ إذا هو بِالعَشاءِ، فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ، قالَ مُوسى: أعُوذُ بِاللَّهِ، قالَ: ولِمَ ؟ ألَسْتَ بِجائِعٍ ؟ قالَ: بَلى ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا عَمّا سَقَيْتُ لَهُما، وأنا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمَلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، قالَ: لا واللَّهِ ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي، نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ، فَجَلَسَ مُوسى فَأكَلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ شُعَيْبًا هو الَّذِي قَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَ صاحِبُ مُوسى أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: كانَ اسْمُ خَتَنِ مُوسى يَثْرِبِيَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يَقُولُ أُناسٌ إنَّهُ شُعَيْبٌ، ولَيْسَ بِشُعَيْبٍ، ولَكِنَّهُ سَيِّدُ الماءِ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ المُنْذِرِ السُّلَمِيِّ قالَ " كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقَرَأ سُورَةَ ﴿طسم﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسى قالَ: «إنَّ مُوسى أجَرَ نَفْسَهُ ثَمانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا عَلى عِفَّةِ فَرْجِهِ وطَعامِ بَطْنِهِ، فَلَمّا وفّى الأجَلَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، فَلَمّا أرادَ فِراقَ شُعَيْبٍ أمَرَ امْرَأتَهُ أنْ تَسْألَ أباها أنْ يُعْطِيَها مِن غَنَمِهِ ما يَعِيشُونَ بِهِ، فَأعْطاها ما ولَدَتْ غَنَمُهُ» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وفِي إسْنادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ الحَسَنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ البَلاطِيُّ ضَعَّفَهُ الأئِمَّةُ.
وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ وفِيهِ نَظَرٌ.
وإسْنادُهُ عِنْدَ ابْنِ أبِي (p-١١٠١)حاتِمٍ هَكَذا: حَدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الحارِثِ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ اللَّخْمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ المُنْذِرِ السُّلَمِيَّ صاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ. وابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ، ويُنْظَرُ في بَقِيَّةِ رِجالِ السَّنَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ طَرَفًا مِنهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
وأخْرُجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ: أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى، فَقالَ: قَضى أكْثَرَهُما وأطْيَبَهُما، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ. وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ، وقَوْلُهُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ مُوسى لَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَيَقْضِي أكْثَرَ الأجَلَيْنِ بَلْ قالَ ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنَّ مُوسى قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ مِن طُرُقٍ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «إذا سُئِلْتَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ خَيْرَهُما وأبَرَّهُما، وإنْ سُئِلَتْ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما، وهي الَّتِي جاءَتْ فَقالَتْ: يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ إنْ سَألَكَ اليَهُودُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ فَقُلْ أوْفاهُما، وإنْ سَألُوكَ أيَّهُما تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قالَ: أبَرَّهُما وأوْفاهُما، قالَ: وإنْ سُئِلْتَ أيَّ المَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرى مِنهُما» . قالَ البَزّارُ: لا نَعْلَمُ يُرْوى عَنْ أبِي ذَرٍّ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ عُوَيْدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ، وهو ضَعِيفٌ.
وأمّا رِواياتُ أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ فَلَها طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ سارَ بِأهْلِهِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، وكانَ في الشِّتاءِ فَرُفِعَتْ لَهُ نارٌ، فَلَمّا رَآها ظَنَّ أنَّها نارٌ، وكانَتْ مِن نُورِ اللَّهِ ﴿قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ فَإنْ لَمْ أجِدْ خَبَرًا آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ مِنَ البَرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ لَعَلِّي أجِدُ مَن يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، وكانُوا قَدْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿أوْ جَذْوَةٍ﴾ قالَ: شِهابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ﴾ قالَ: كانَ النِّداءُ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، وظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُ ما قالَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ذُكِرَتْ لِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أوى إلَيْها مُوسى، فَسِرْتُ إلَيْها يَوْمِي ولَيْلَتِي حَتّى صَبَّحْتُها، فَإذا هي سَمُرَةٌ خَضْراءُ تَرِفُّ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمْتُ، فَأهْوى إلَيْها بِعِيرِي وهو جائِعٌ، فَأخَذَ مِنها مَلْآنَ فِيهِ فَلاكَهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يُسِيغَهُ فَلَفَظَهُ، فَصَلَّيْتُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّمْتُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ قالَ: يَدَكَ.